بصفتي مسيحيًّا، يؤلمني كثيرًا أن أرى بعض كلمات الشماتة والكراهية التي ظهرت في بعض التعليقات عقب خبر رحيل الأنبا مكسيموس ميشيل، رئيس أساقفة مجمع كنائس القديس أثناسيوس الرسولي.
قد يختلف كثيرون مع مسيرته أو مواقفه أو تاريخه الكنسي، وهذا أمر طبيعي في حياة الكنائس وتاريخها. لكن الموت لحظة تختلف عن كل لحظات الجدل. فالموت يضع الإنسان أمام الله، لا أمام خصومه.
الإنجيل والتقليد المسيحي في كل الكنائس يعلّمنا أن الموت ليس مناسبة للشماتة، بل للصلاة. فالإنجيل يطلب ليس فقط الصلاة والمحبة للقريب ولكن حتّى للأعداء أحبّوا أعداءكم وباركوا لاعنيكم
[1]. لعلّ مَن شمت في وفاته عليه أن يراجع مسيحيّته نفسه قبل اتّهام الراحل بالهرطقة.
لذلك فإن أي خطاب كراهية أو تشفٍّ في موت إنسان، أيًّا كان موقعه أو تاريخه، لا يعبّر عن روح المسيح ولا عن أخلاق المسيحيّة والكنيسة.
لقد كانت حياة الأنبا مكسيموس مثار جدل وصراعات كنسيّة معروفة، لكن أمام الموت ما يبقى ليس الصراع، بل الإنسان الذي يعود الآن إلى رحمة الله.
الموقف المسيحي الحقيقي ليس الشماتة، بل ما تعلّمه الكنيسة منذ قرون: الصلاة من أجل الراقدين وترك الحكم لله وحده. ومن بعده التاريخ الحقيقيّ الحرّ يقول كلمته.
في زمن يحتاج فيه المسيحيون في منطقتنا إلى مزيد من المحبّة والوحدة، من المؤلم أن تتحوّل وفاة إنسان إلى مناسبة لتبادل الإهانات بدل أن تكون فرصة للتأمّل في إنسانيتنا المشتركة.
فليتغمّده الله برحمته الواسعة، وليستقبله في ملكوته، وليعزِّ قلوب أسرته وكل أحبّائه.
ردود فعل الكنيسة
في تاريخ الكنيسة المعاصر ظهرت أحيانًا شخصيّات كنسيّة دخلتْ في صراع أو قطيعة مع كنيستها الأم، لكن طريقة تعامل الكنيسة مع هذه الحالات لم تكن دائمًا واحدة. ويمكن أن تساعد مقارنة حالتين معروفتين: حالة الأنبا مكسيموس في السياق القبطي، وحالة المطران مارسيل لوفيڤر في الكنيسة الكاثوليكية، على فهم اختلاف ردود الفعل الكنسيّة وإبراز أسئلة أعمق تتعلّق بالوحدة والسلطة والمصالحة.
المطران مارسيل لوفيڤر
كان لوفيڤر رئيس أساقفة فرنسيًّا ومعارضًا لبعض الإصلاحات الليتورجيّة واللاهوتيّة المرتبطة بالمجمع الڤاتيكاني الثاني. وفي عام 1970 أسّس جماعة كهنوتيّة عُرفت باسم جماعة القديس پيوس العاشر.
بلغ الخلاف ذروته عام 1988 عندما رسم أربعة أساقفة من دون تفويض من البابا، وهو أمر يُعدّ في القانون الكنسي تمرّدًا خطيرًا على سلطة الكنيسة. فأُعلن الحرمان الكنسي عليه وعلى الأساقفة الذين رُسموا معه.
ومع ذلك، لم يُغلق الملف نهائيًا. فقد ظلّت قنوات الحوار مفتوحة، لدرجة أنّه في عام 2009 رفع البابا بندكتوس السادس عشر الحرمان عن الأساقفة الأربعة في خطوة تهدف إلى تهيئة الطريق للمصالحة، مع استمرار الحوار اللاهوتي حول قضايا المجمع الڤاتيكاني الثاني.
واستمرّ البابا فرنسيس في إبقاء الحوار معهم مفتوحًا. وحتى في فبراير 2026 كان البابا لاون الرابع عشر محافظًا على فتح قنوات الحوار بشأن رسامات أسقفية تنوي جماعة پيّوس العاشر إتمامها. ولم تزل المسألة إلى اليوم موضوع نقاش وحوار بين الطرفين.
حالة الأنبا مكسيموس ميشيل
في السياق القبطيّ، ارتبط اسم الأنبا مكسيموس ميشيل بانفصاله عن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في الثمانينيات وتأسيسه كيانًا كنسيًا مستقلًا. وقد أثارت مواقفه وتصريحاته جدلًا واسعًا، خصوصًا في الإعلام، كما قوبلت بردود فعل حادّة داخل الوسط الكنسي والشعبي.
لكنّ رحيله أعاد فتح سؤالٍ أعمق: كيف ينبغي أن تتعامل الكنيسة مع حالات الانقسام؟ هل تبقى القطيعة هي الكلمة الأخيرة؟ هل نظلّ ككنيسة نطلق الحرمانات ونغلق الأبواب ونهرطق الآخر؟ أم يمكن أن تُفتح مساراتٌ للحوار والمصالحة، كما حدث في حالات أخرى في تاريخ الكنيسة؟
تأمّل في الفرق بين التجربتين
لا يمكن مساواة الحالتين تمامًا، فالسياق الكنسي والتاريخي والقانوني مختلف. ومع ذلك، تكشف المقارنة عن أمر مهم:
فالكنيسة الكاثوليكية، رغم شدّة الخلاف مع لوفيڤر، أبقت الباب مفتوحًا للحوار طيلة عقودٍ طويلة، حاسبةً أن الهدف النهائي ليس تثبيت الانقسام بل البحث عن طريق إلى استعادة الشركة الكنسية. هذا يذكّر بأن تاريخ الكنيسة أوسع من لحظة الصراع. فالكنيسة، في رؤيتها اللاهوتية لذاتها، تُدعى دائمًا إلى أن تكون مكانًا للوحدة والمصالحة، حتى عندما تمرّ بتجارب الانقسام والألم.
إنّ التأمّل في هذه التجارب يهدف إلى طرح سؤالٍ روحيّ وكنسيّ في آنٍ واحد:
كيف يمكن للكنيسة أن تحافظ على الحقيقة والإيمان، وفي الوقت نفسه تبقى أمًّا تسعى دائمًا إلى استعادة أبنائها وإعادة بناء الشركة بينهم؟ فقبل اتّهام الآخر بالهرطقة يجب أن نسأل: هل أدّت الكنيسة واجبها للمّ الشمل والإصغاء والحوار؟
ربما يكون الجواب في الجمع بين أمرين: الوضوح في الإيمان، والرجاء الدائم في إمكانيّة المصالحة والاحتواء والوحدة.
صدر للكاتب:
كتاب نقدي: اللاهوت السياسي، هل من روحانية سياسية؟
تعريب كتاب جوستافو جوتييرث: لاهوت التحرير، التاريخ والسياسة والخلاص
تعريب كتاب ألبرت نوﻻن الدومنيكاني: يسوع قبل المسيحية
تعريب أدبي لمجموعة أشعار إرنستو كاردينال: مزامير سياسية
تعريب كتاب البابا فرانسيس: أسرار الكنيسة ومواهب الروح القدس
