تعتبر فكرة «الحق التاريخي في الأرض» واحدة من أبشع المغالطات المنطقية التي يستخدمها البعض لتبرير أحقية مجموعة بشرية على حساب غيرها. ويردد المبشرون الصهيوـمسيحيون أن لإسرائيل حق تاريخي -مدعوم بالنصوص المقدسة والتاريخ العام- في الأرض بحكم ما هو ثابت تاريخيًا عن وجود ممالك يهودية قديمة: المملكة الموحدة، ثم مملكة إسرائيل ومملكة يهوذا. وهذا صحيح تاريخيًا -بل وتعالوا نكمل القصة في عجالة- لأن التاريخ فعلا لا يخلو من إفادة.
فبداية المملكة الموحدة -التي كانت صغيرة الشأن بلا قيمة تذكر أثريًا، عظيمة الشأن وبها جيش يتجاوز المليون ونصف عسكري- لا يوجد في التاريخ القديم ولا الحديث دولة أو إمبراطورية كان لها أكثر من مليون ونصف مقاتل حامل السلاح – 1570000 – (أخبار الأيام الأول 21 : 5 ) بقفزة 27000 جندي زيادة عن التعداد في (صموئيل الثاني 24 :9 ) الذي اكتفى بمليون و1300000 فقط لا غير، في حين الإمبراطورية الرومانية في أوج عظمتها زمن أغسطس قيصر كان عدد جنودها الأساسيين حولي 150 الف – وبالجنود المساعدين ما بين 250 ألف إلى 300 ألف في إجمالهم.. فلا تخرج قبل أن تقول سبحان الله!
ولكن بعد المملكة الموحدة المؤسطرة -جاءت ممالك لها شأنها خاصة مملكة الشمال وعاصمتها السامرة التي قبضت على محور تجاري واستراتيجي هام وهو وادي يزرعيل وأهم مواقعه مجدو حيث دارات المعارك الكبرى التي جعلت من مجدو جزء من اسم الحرب النهائية هرموجيدو أو هرمجيدون (سفر الرؤيا 16 : 16) ثم سقطت في 722 ق. م على يد الأشوريين، لتزدهر بدورها مملكة الجنوب التي كانت صغيرة محتقرة بالمقارنة نتيجة هجرة من الشمال من رجال وصناع، تجار ومفكرون… ثم سقطت بدورها في يد البابليين فكانت فترات الشتات الأول على يد الآشوريين ثم البابليين. ثم جاء الفرس، فأطلق “كورش العظيم” الذي دعي مسيح الرب في سفر إشعياء 45 : 1 – سراح من أراد العودة، فعاد بعضهم إلى الأرض.
لاحقا رحب اليهود بالإسكندر الأكبر باعتباره محررًا، بعد أن تقلبت سياسات الفرس تجاههم وحدثت مضايقات سياسية ودينية. لكن الأمور تغيرت مرة أخرى مع الحكم اليوناني، خاصة في زمن أنطيوخوس الرابع إبيفانيس Antiochus IV Epiphanes السلوقي، الذي أراد نشر الثقافة اليونانية على الجميع، وأعتبر الدين جزءًا أساسيًا من هذه الثقافة، ورأى أن اليهودية تمثل حجر عثرة أمام «تمدين» البلاد.
وتذكر الروايات أنه حاول إبطال عادة الختان بفرض عقوبات شديدة تصل للقتل، وتقديم ذبائح اعتبرت نجسة في هيكل يهوه، بل وإجبار اليهود على الذبح لآلهة اليونان. ومن هنا اندلعت ثورة يهوذا المكابي وأبنائه.
جاءت بعدها فترة تحرر وتأسيس لمملكة يهودية توسعت على حساب شعوب ومناطق أدومية وفينيقية في الشمال والجنوب. وكما ذكرت أسفار المكابيين المقدسة عند الكاثوليك والأرثوذكس، وكتابات يوسيفوس المؤرخ اليهودي المعروف، إلى أن هذه المرحلة شهدت ما يمكن وصفه بالتهوّد القسري: فإما الختان واتباع شريعة يهوه، أو القتل. ذلك لأن نص التوراة نفسه يمنع ممارسة أي ديانة غير يهودية في إسرائيل، ويُلزم مولود الأرض والغريب بحفظ الشريعة والفصح، وإلا تُقطع تلك النفس.
وبهذا المنطق التوراتي/ المسيحي لم يعد ممكنًا، في دولة مسيحية تعتبر نفسها الوريث الشرعي للتوراة، أن تُبقي على شخص غير مسيحي في أراضيها. وهذا يشرح لماذا لم يكن ممكنا في كل المناطق التي اعتبرت نفسها مسيحية، لا ديانة أخرى ممكنة، بل ولا حتى طائفة أخرى، الكل على عقيدة واحدة هي تلك التي للكنيسة.
بعد ذلك اندلعت “الفتنة الكبرى” المكابية، بين أبناء الأسرة الحشمونية حول من يكون الملك ومن يكون رئيس الكهنة، ومن الأحق بالمنصبين. هذا الصراع مهّد الطريق لتدخل الرومان. دخل الجنرال بومبي القدس سنة 63 قبل الميلاد، وانتهت فعليًا استقلالية الدولة.
وضع الرومان في البداية ملكًا تابعًا من أصول أدومية، هو هيرودس الكبير، الذي كانت عائلته قد تهودت قبل جيلين. ومن عجائب التاريخ أن يصير حفيد ذلك الرجل الذي تهود بالسيف هو ملك اليهود الذي فعل بهم الأفاعيل وأذلهم ذل جعلم يكرهونه مضاعفة خاصة وأنه يدعي أنه يهودي بل تزوج من أميرة من أميرات المكابيين: مريمنه، حفيدة رؤساء الكهنة والملوك الذين أذلوا شعبه سابقا وختنوهم جبرًا – وسبحان من له الدوام.
ثم ورث أبناء هيرودس -بقوة روما – الحكم في صورة إمارات أو ولايات. وبعد عزل أرخيلاوس، وتجبره أكثر من أبيه مع غباء وقلة حنكة حتى أدعى أنه ملك دون أن تقر روما له بلقب ملك كأبيه، صارت اليهودية منذ سنة 6 ميلادية تحت الحكم الروماني المباشر، وتعاقب عليها ولاة، أشهرهم بيلاطس البنطي، الذي ارتبط اسمه في الرواية المسيحية بصلب المسيح. انتهت تلك المراحل بثورات ضد الرومان، ثم شتات واسع، وإن ظل وجود يهودي مستمر في مناطق متعددة.
وطوال التاريخ ظهرت دعاوى مسيانية فاشلة. من أشهرها ثورة بار كوخبا (132–136م)، بقيادة شمعون بار كوخبا الذي عُد المسيح المنتظر. حاولت الثورة تحرير اليهودية من الحكم الروماني وإعادة بناء الهيكل، لكنها انتهت بهزيمة ساحقة وقمع شديد.
وفي القرن الثاني عشر ظهر داود الروحي (ديڤيد ألروي) في بلاد فارس مدعيًا أنه المسيح، وسعى لتنظيم حملة عسكرية لتحرير الأرض من الحكم الإسلامي، لكن محاولته فشلت.
وفي القرن السابع عشر أثار شبتاي تسڤي حماسًا ضخمًا بين اليهود في أوروبا والشرق الأوسط، وكان متوقعًا أن يقود العودة، لكنه وعند الجد استقبله السلطان العثماني محمد الرابع -جره من ودنه للقصر- فتحول صاحبنا للإسلام وسمى نفسه محمد عابدين، وأعطاه السلطان معاش ورتبة أفندي -فصار اسمه محمد أفندي- الأكثر سخرية أن الكثير من أتباعه استمر يؤمن به على أنه دهاء عظيم، أو خطة إلهية، من أجل جلب المسلمين لليهودية، ويجمع الاثنين في واحد. كما قالوا عن يسوع قبله ذلك.
ثم جاء يعقوب فرانك في القرن الثامن عشر، وأدعى أنه امتداد لتسفي، وانتهت حركته هو الآخر بالتحول إلى المسيحية. لأنه كان في بولندا، ولو كان في الصين لصار كنفوشوسيا -كفاية ضحك كدا- ما يصحش!
استمرت محاولات فردية وجماعية في العصور الوسطى، وكلها انتهت بالفشل. إلى أن ظهرت حركة سياسية علمانية هي الصهيونية، نجحت في تحقيق حلم العودة، رغم أنها قوبلت في البداية برفض ديني، قبل أن تصبح مع الوقت مقبولة لدى قطاعات أوسع، مع إعادة تفسير النبوات بشكل مختلف مش عند الجميع طبعًا.
كما ظهرت الصهيونية المسيحية، خاصة في إطار اللاهوت التدبيري، حيث أعتقد مؤمنون أنهم يعيشون الأيام الأخيرة، وأنه لابد من تحقيق نبوءات العهد القديم بعودة اليهود من الشتات، وتكوين مملكة، تمتد من نهر مصر إلى الفرات (سفر التكوين 15 : 18) ثم إعادة بناء الهيكل، فظهور “إنسان الإثم”، أو “الأثيم” (رسالة بولس الثانية إلى تسالونيكي 2 : 8)، الذي يجلس في هيكل الله كإله ، فيستعلن يسوع المسيح في مجيئه الثاني ويبيده بنفخة فمه، فيؤمن اليهود به، وتكون النهاية السعيدة.
هذا هو ملخص لتاريخ اليهود من زمن المملكة الموحدة إلى عودتهم. لكن هنا تبدأ التأويلات السياسية.
إذا قيل إن اليهود هم أصحاب الأرض بحكم الواقع التاريخي، الذي سردناه سابقا، ورغم الغيبة والشتات، لأن لهم ممالك قديمة ووجودًا طويلًا، قبل أن يتحولوا إلى أقلية بسبب الاضطهاد المسيحي ثم الغزو العربي/ الإسلامي، فالمعضلة أن هذا التاريخ نفسه يبدأ من نقطة تحتاج إلى سؤال: كيف جاءوا إلى الأرض من الأصل؟
الرواية التوراتية تقول إن إبراهيم جاء من أور الكلدانيين، أي أنه مهاجر، وأن الأرض كانت مأهولة بشعوب متعددة.
لماذا لا تصير هذه نقطة بداية التاريخ، وكل الشعوب التي وجدت قبل إبراهيم من كنعانيين وفينييقيين بل وحيثيين وسكان البحر من كريتيين ومصريين، ومن بقي من نسلهم كأصحاب حق أيضًا في الأرض- فلماذا تكون شريعة وخالصة فقط لليهود؟!
ثم نزل بنو إسرائيل إلى مصر قرونًا، تختلف التقديرات فيها بين نحو 250 و400 سنة، على اختلاف النصوص التوراتية في سفر التكوين، ما بين النسخة السامرية، والعبرية/المازورية، والترجمة السبعينية قبل أن يعودوا -بحسب الرواية الدينية- في صورة غزو، من أبشع ما يكون عليه الغزو والنهب والإجرام.
فإذا أخذنا النصوص حرفيًا، فنحن أمام أوامر بالقتل والحرق والإفناء وعدم الشفقة. ووفق الرواية التوراتية، شملت هذه الأوامر قتل البشر والحيوانات وحرق الممتلكات، وإفناء الزرع والنسل، بما يفوق خيال الشيطان نفسه في تصور الفعل—إذا صحت الرواية.
يقول يهوه في الوصية، بل بالأمر: لا تشفق عليهم
[1] ولا تشفق عينك عليهم
[2]. وفي سفر صموئيل اﻷول 15، كانت الوصية، بل الأمر من يهوه ضد عماليق، لأنهم لم يستقبلوا شعب إسرائيل بالخبز والماء عند صعودهم من مصر قبل خمسة قرون: “وَحَرِّمُوا كُلَّ مَا لَهُ وَلاَ تَعْفُ عَنْهُمْ، بَلِ اقْتُلْ رَجُلًا وَامْرَأَةً، طِفْلًا وَرَضِيعًا، بَقَرًا وَغَنَمًا، جَمَلًا وَحِمَارًا…”.
لكن، حتى مع ذلك، تخبرنا أسفار لاحقة مثل القضاة وصموئيل أن شعوبا كثيرة بقيت في الأرض، وأن الإبادة الكاملة لم تحدث.
إذن، لماذا نختار لحظة المملكة الموحدة كتاريخ يثبت الحق وليس قبلها حين كانت السلطة لمصر، أو بعدها لأشور وبابل وحتى إيران إلى اليونان وروما، وحق موسوليني في إمبراطورية من فلسطين لإثيوبيا، وحين وجدت شعوب أخرى في نفس هذه المنطقة باقية إلى اليوم لم تنقرض، لماذا يبدأ الحق التاريخي هنا في هذه اللحظة تحديدًا : لحظة إبراهيم الأسطوري المهاجر، أو المملكة الموحدة -فقط – وما قبلها لا يُعتد به؟!
ولو قلنا إن الشرعية تُبنى على الغزو وإقامة الممالك، فالمصريون غزوا، والفرس غزوا، واليونان غزو، والرومان غزو، والعرب غزو، والتتار غزو، والسلاجقة غزو، والصليبيين غزو ، والعثمانلية غزو …. ليه نقف عند مرحلة معينة ونقول: دي هي البداية المقدسة والباقي لأ؟
التاريخ في المنطقة دي عمره ما كان ثابت. هو موجات من هجرة، واندماج، وغزو، وتحول. اختيار نقطة واحدة وتجميدها هو قرار أيديولوجي، مش حقيقة تاريخية أو موقف موضوعي.
ثم، لو قلنا إن ما قبل اليهود لا شيء ولا حق إلا لهم، ويبدأ التاريخ بهم، ويُمنح حق العودة لهم وحدهم باسم الحق التاريخي بوجود الممالك وشرعية الغزو، فإن العرب غزوا أيضًا بعدهم، نفس مناطفهم التاريخية، وقد وضع اليهود القاعدة بذلك.
بل، حتى للعرب الغزاة وورثتهم العثمانلية يجب أن نعترف لهم أيضًا بالحق التاريخي مع ميزة غير موجودة عند مؤسسين الدولة اليهودية الحديثة وهي واقع الوجود الفعلي.
ولا يستطيع يهود العيون الزرقاء أو البشرة السوداء الادعاء أنهم فعلًا النسل اليهودي، الكنعاني الشرق أوسطي، ولا الادعاء أن وجودهم منذ يشوع على هذه الأرض مستمر، كسلطة وإن وجدت لهم دائمًا بقية في كل الأرض شرقًا وغربًا بل في كل القارات أيضًا، ولكن العرب -والفلسطينيون اليوم- على فرض صحة ادعائهم بأنهم جاؤوا مع الغزو العربي، ولم يكونوا سكان الأرض الأصليين، وأغلبهم يهود تحولوا إلى الإسلام، ومنهم اليهود الذين أصبحوا مسيحيين قبل ذلك، فان لديهم ميزة الغزو والبقاء الدائم.
الخلاصة: إذا كان لليهود الحق في دولة وهذا ما حدث فعليًا بحكم مجريات الأمور في فترة تكوين الدول وهجرة اليهود، وأنا عن نفسي لا يمكن أن أنكر عليهم دولتهم فكل الشعوب والدول هي نتيجة هجرات، وانتقال، وغزو، واعتراف دولي، وأمر واقع. ولكن هل يأتي شخص اليوم لينكر على الفلسطينيين دولة في أرضهم التاريخية والحاضرة، التي لم ينقطعوا عنها؟ أي عقل أو ضمير أو قراءة منحطة للتاريخ يمكن أن تقول بذلك؟
