تعيش البقعة التي تقع فيها بلدنا مصر، المسماة ال، وضعًا حرجًا باندلاع الحرب مجددًا بين أمريكا وإسرائيل من جانب، وإيران من جانب آخر. وهذه المرة اتسعت رقعة الحرب لتمتد إلى دول الخليج العربية، والعراق، والأردن، وأذربيجان، وقبرص، وجميعهم تعرضوا لرشقات صاروخية وهجمات طائرات مسيرة، يشار إلى أنها من إيران خلال المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

ولأننا في مصر لسنا بعيدين عن الأحداث، إضافة إلى وجود مصريين عاملين في أغلب دول الخليج، فإننا نتفاعل مع أخبار الحرب. لكن أسوأ ما أشاهده عبر مواقع التواصل الاجتماعي هو تحول نسبة معتبرة من المصريين إلى مشجعين لأحد الخصمين في المعركة، وكأنهم مشجعون لفريقي كرة قدم متنافسين مثل ريال مدريد وبرشلونة، وهذا لا يستقيم مع السياسة.

الحرب ليست نزهة

الحرب ليست نزهة، بل مؤلمة ومرعبة والشعور السوي تجاه الحروب هو تجنبها، خاصة مع اتساع دائرة الخطر باستهداف بعض دول الخليج التي يعيش ويعمل بها قطاع كبير من المصريين. وفي هذه الظروف، يتمنى الإنسان العاقل أن تتوقف الحرب، لأن أثرها ليس فقط على الدول المتحاربة وشعوبها، بل على كل شعوب العالم.

والدليل على ذلك هو وقف إنتاج النفط ومشتقاته من دول الخليج، وتوقف الملاحة البحرية في مضيق هرمز وتأثر بقية خطوط الملاحة في العالم، إضافة لتوقف رحلات الطيران لمطارات الخليج وبيروت وعمان وغيرها من المدن. وأكبر أثر مباشر للحرب هو ارتفاع نسبة التضخم على مستوى العالم، بالتالي ارتفاع الأسعار بشكل كبير، وسنلمس جانبًا معتبرًا منه في مصر، فلم نتخط بعد موجات تعويم العملة وارتفاع الأسعار منذ منتصف عام 2022، فتأتي هذه الحرب لندخل موجة جديدة.

خلال كل هذه التداعيات ينقسم المصريون لثلاثة فرق رئيسية: فريق كارِه لإسرائيل ومحب لإيران، باعتبارها مقاومة لإسرائيل، ويبذل كل طاقته في تشجيع إيران في هذه الحرب، ويروج لقوتها وقرب انتصارها، بل ويهللون لاعتداءات إيران على دول الخليج التي يعيش بها مصريون بدعوى أنها تمثل “ الشريرة”. وهناك فريق آخر كاره للحكم الديني لملالي إيران -ومعه كل الحق- لتشابهه مع حركة الإخوان الإرهابية التي أرادت في 2012/ 2013 تحويل مصر إلى إيران جديدة بحكم ديني إرهابي، يشجع إسرائيل وأمريكا ضد إيران. وهناك فريق ثالث يرى في إيران خصمًا كما في إسرائيل، ويدرك جيدًا أن انتصار أحدهما على الآخر بشكل كامل سيغير موازين القوى في المنطقة ويفكر في مصر ومصالح مصر، ويرغب في توقف الحرب وعدم استمرارها لتأثيرها السلبي على الشرق الأوسط والعالم كله.

مصالح الوطن أولًا

والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا يستنزف مواطن مصري طاقته في تشجيع طرف على الآخر في الحرب؟ أليس من الأجدى أن ننظر لمصالح مصر وأمنها، وهو ما يمس حياتنا بشكل مباشر كمصريين؟ فجميع الدول هم “ند” و”خصوم”، قد تتحالف مصر معهم في وقت ثم ينتهي هذا التحالف في وقت لاحق، ويبدأ تحالف جديد مع خصم الأمس. فهكذا السياسة؛ لا تدار بمنطق الأصدقاء والأصحاب والشللية، بل بمنطق المصلحة. وكلما تلاقت المصالح حدثت التحالفات، وكلما قلت زادت الخصومة. بل لا يتوقف الأمر عند هذا، فبعض الدول (الصديقة) تكون خصمًا في بعض الملفات، وبعض الدول (غير الصديقة) قد تكون حليفة في ملف آخر في ظروف معينة.

للأسف، لدينا أزمة انتماء وطني، تظهر مع الأحداث المتلاحقة بوجود مجموعات ولاءاتها ليست لمصر بل لدول وهويات خارج مصر، مرة بداعي الدين واللغة، ومرة بالرغبة في البقاء في المعسكر الغربي بشكل مطلق. وكل من يعتنق فكرة يريد أن يجر البلد كلها لاعتناقها معه، ويهاجم من لا يوافقه الرأي. إذا كان هناك إنسان طبيعي سيفكر كمصري في مصالحه ومصالح وطنه. والإنسان السوي والطبيعي يتمنى تسلح بلده بالعلم والحداثة، والتواجد ضمن النظام العالمي، ولكن باستقلالية وحفظ علاقات متوازنة مع كافة الدول، لا كدولة تابعة، ليس لها صوت ولا رأي نابع من حرصها على مصالحها.

الأحداث الحالية والمتلاحقة تستدعي ارتباطًا أكثر بهوية وطنية مصرية، لأنها ركن أساسي في الحفاظ على مستقبل هذا البلد في ظل الضغوط والأحداث التي تدور بشكل سريع ومتلاحق. وهذا أمر يحتاج إرادة سياسية لتغيير بنية ومناهج التعليم والخطاب الإعلامي والحالة الثقافية، الذين جعلوا المصريين في حالة اغتراب وكره لكونهم مصريين، والانتماء لهويات إقليمية خارجية يبدو أنه لا يؤمن بها سوى المصريين فقط. فليس مطلوب من المصري أن يحب أو يكره دولًا أخرى، بل مطلوب منه أن يحب بلده ويفكر في مصالحها التي هي مصلحته وفقط.

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي 0 حسب تقييمات 0 من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

پيتر مجدي

باحث وكاتب صحفي متابع للشأن الكنسي وشؤون الأقليات.
زميل برنامج زمالة الأقليات- مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان- ، جنيف/ ستراسبرج 2023.
زميل برنامج "" () لشبونة 2022.