لم يكن هذا الكتاب كنيستنا القبطية إلى أين؟
ابن الأمس أو أول أمس، لكنه يأتي تطوراً لرؤية شغلتني قبل نحو أربع عقود، مع إطلالة تسعينيات القرن العشرين. كنت وقتها أغادر للتو عامي الأربعين، متوزعًا بين عملي وبيتي والشأن العام وكنيستي، شأن غالبية جيلي الذي شهد تحولات حياتية متتالية وعاتية، لكنها لم تنجح في خلخلة إيماني وحبي لرباعية اهتماماتي. كان مناخ النشأة يحكم هواياتي التي يتصدرها شغف القراءة. وقتها كان الكتاب هو الباب الملكي للمعرفة واكتشاف العالم من حولي. لم يكن أمامه منافس يزاحمه، فقد كان “التلفزيون” يطرق أبواب بيوتنا على استحياء، والراديو توزيعه بين الأخبار والأغاني ومسلسل الظهيرة وبعض البرامج المتنوعة.
وحين دخل التلفزيون بيتنا، كان يخضع لرقابة صارمة من والدي. كونه عصاميًا، خاض معركة حياتية مع التحقق. مجيئه للقاهرة قادمًا في ثلاثينيات القرن، قادمًا من قريته “الغنايم” القابعة في حضن الجبل بأسيوط، كانت واحدة من محطات كفاحه. وقد حملت ملامحه صرامة عناء رحلته، فيما كان قلبه معجونًا بحب يفيض علينا ويحتوينا. كانت ملامحه تقترب كثيرًا من ملامح المصريين القدماء: الجبهة العريضة، والعيون الثاقبة، والكلام القليل. كنا نهابه ونحبه. انعكس ارتباطه بالكنيسة علينا، فارتبطنا بها وعاشت فينا. لا أتذكره يومًا موجهًا لنا بتعليمات تتعلق بالصلاة أو الصوم أو قراءة الكتاب المقدس. كانت حياته وتفاصيل يومه نموذجنا وقدوتنا. فاختبرنا في حياته الصلاة والصوم وقراءة الكتاب. وما زلت أتذكر جلسته الأثيرة مع شروق الشمس في شرفة حجرتِهِ وأمامه الإنجيل وجريدة الأهرام، كل صباح قبل أن يذهب إلى “محله” بوكالة البلح. كان قارئًا مدققًا ومحللًا واعيًا للأحداث، وقد أورثنا شيئًا من هذا. رغم أنه لم ينل كثيرًا من التعليم النظامي، الذي توقف عند باب كُتّاب القرية بالكنيسة، إلا أنه استطاع أن يفتح له نوافذ عديدة على المعرفة بمثابرة وهدوء وعمق.
١٩كان سور الأزبكية ومكتباته العتيقة ملاذنا والمرفأ الذي يتيح لنا الكتب والمجلات القديمة بما يتفق وقروشنا القليلة، وفيه ومن خلاله تعرفنا على العديد من المعارف المتنوعة، من أدب عالمي وإبداعات صانعي الثقافة في مصر، الذين تتلمذنا عليهم هناك، بتتابع أجيالهم وتنوع توجهاتهم، من د. طه حسين إلى د. يوسف إدريس، وبينهما العقاد وتوفيق الحكيم ودكتور لويس عوض، وأنيس منصور وألفريد فرج، والقائمة ممتدة.
في زمن الصبا وربما قبل مرحلة سور الأزبكية كانت مجلات سمير وميكي والسندباد رفقاء أسبوعنا، وقد أخذتنا إلى عالم الخيال عبر قصصها المرسومة وشخصياتها التي ارتبطنا بها في تتبع شغوف لمغامراتهم وحكاياتهم، ثم تلحقهم مجلة المختار وهي تصدر باللغة العربية مترجمة عن نسختها الأمريكية واسمها بالكامل “المختار من مجلة رايدرز دايجست”، وهي تقدم مقالات ثقافية وعلمية موجزة وتعرض كتب كبار الأدباء والمفكرين من مختلف الثقافات، ونبذات طريفة مختلفة، كانت تمثل وجبة شهرية دسمة، بطريقة سلسة في قراءتها وسهلة في فهمها. وفي مصر تولى الأخوين علي ومصطفى أمين إصدار النسخة العربية منها وصدر العدد الأول في سبتمبر 1943 وكان رئيس تحريرها الصحفي اللبناني فؤاد صروف واستمرت حتى عام 1947، لتتوقف ثم تصدر ثانية عام 1956 برئاسة تحرير الصحفي المصري محمد زكي عبد القادر. واستمر هذا الإصدار إلى يونيو عام 1967، تتوقف ثانية ثم تصدر مجددًا ولكن هذه المرة من لبنان عن دار النهار من عام 1979 وحتى 1993 ويرأس تحريرها الصحفي اللبناني إدموند صعب، وتتوقف نهائيًا، فيما تستمر النسخة الأمريكية في الصدور.
وفي عام 2022 تحتفل المجلة بمرور قرن على إصدارها، وفي هذا يكتب الصحفي المصري ـ من أصول أرمينية ـ توماس جورجيسيان، في مقال له بمجلة صباح الخير التي تصدر عن مؤسسة روزاليوسف يقول: المجلة الأمريكية الشهيرة تحتفل هذه الأيام بمرور قرن على ميلادها.. إنها مائة عام من التواجد المتميز والتواصل الإنساني والانتشار الجماهيري وبالطبع الاستمرار في الصدور.. وجذب انتباه واهتمام أجيال متوالية من القراء في أمريكا والعالم… ريدرز دايجست تبدأ قرنًا جديدًا وسط الصخب السائد والمتزايد من السوشيال ميديا وطوفان المعلومات وإعصار الآراء وتحاول أن تقدم المختار وما يتم غربلته واختياره مما هو معروض ومتوافر بكثرة من أجل تقديم ما هو مفيد وممتع. إنها سحر الطبخة.. وبهجة الحواديت الإنسانية
.
في هذا المناخ تتسلل الكتب المسيحية إلينا، وتأتي نشأتنا ويتشكل وعينا والبابا كيرلس السادس يجلس لتوه على الكرسي المرقسي، وكما في الحياة العامة كذلك في الكنيسة تشهد سنواته نهضة معرفية روحية نغترف منها من عدة مصادر، ثم يرحل بشيبة صالحة ليخلفه البابا شنودة الثالث، ومعه تحدث طفرة توعوية كان هو أبرز أضلاعها، وهنا تبدأ حكاية كتابنا الذي نعرض له كنيستنا القبطية إلى أين؟
.
كانت البداية مبكرة بشكل لافت، فنحن نقف عند نهايات عام 1991 فيما يصدر الكتاب مع إطلالة عام 2026، وقد تصيبك الدهشة حينما ترى هذه المساحة الزمنية الشاسعة الفارقة بين التاريخين، نحو 35 عامًا، ربما تتكشف لك الصورة عندما تعرف أنني لم أكن يومًا كاتبًا محترفًا، ولم أختر الكتابة للكتابة، ومازلت أعتبر نفسي “كاتبًا هاويًا وقارئًا محترفًا” حسب التوصيف الذي صكه عن نفسه الكاتب الكبير كامل زهيري، نقيب الصحفيين الأسبق.
تبدأ حكاية الكتابة مع إعلان في برواز نشر في اجتماعيات جريدة الأهرام، وفي مجلة الكرازة (20 سبتمبر 1991)، يحمل قرار الكنيسة تجريد الراهب القمص دانيال البرموسي من الكهنوت والرهبنة وعودته إلى اسمه المدني (العلماني)، وهو إجراء يتكرر بين الحين والآخر عندما يكسر الراهب التزاماته ونذوره الرهبانية أو يحيد عنها، لكننا هنا أمام شخصية مختلفة استطاع صاحبها أن يجد له مكانًا مؤثرًا في التواصل مع الشباب عبر ما يصدره من كتيبات صغيرة عن الإيمان والتوبة والطريق إلى الله، بلغة مختلفة وجدت قبولًا وتفاعلًا عند آلاف الشباب، انعكسا على كثافة الحضور في مؤتمراته الروحية التي شهدتها باحات دير العذراء ببياض، كان أحد التجليات المبكرة لعصر التحول الرقمي وتقنياته، تدعمت بخلفياته الثقافية والأدبية التي ترجمتها كتبه التي تنفذ فور صدورها.
ربما لهذا حاصرتني الأسئلة عنه وعن هذا الموقف الحاد معه، ومعها تبدأ رحلة البحث عن إجابات لها، التي أنتجت صفحات كتيب الأب دانيال [إدوارد اسحق]: “المصداقية، الاختراق، النكوص”، التي أحسبها تقريرًا استقصائيًا عن الحدث والقرار والشخص، وهو تقرير حمل في خاتمته محاولة لتحليل كل هذا ووضع تصور يحمل رؤيتي في الأسباب التي انتهت بنا إلى هذا وما أتصوره مخارج موضوعية منها. وكنت حريصًا على أن تكون النسخة الأولى من هذا الكتيب في يد قداسة البابا شنودة الثالث، وقد كان، وجاء رد فعل قداسته إيجابيًا، إذ نبه على طلبة الإكليريكية بقراءته، واستدعاني لمقابلته وكلف الآباء اﻷنبا بيسنتي سكرتيره وأسقف حلوان، والأنبا موسى أسقف الشباب بإبلاغي بهذا، وشرفت بلقائه بالكاتدرائية.
تجري في نهر الكنيسة مياه كثيرة، وتشهد تصاعد سطوة الإكليروس وإحكام قبضته على الحياة الكنسية، ومصادرة الحوار وإقصاء العلمانيين، وتشهد الكنيسة تحولًا دراماتيكيًا عقب عودة قداسة البابا إلى كرسيه 1985 بعد اعتقال خلف أسوار ديره نتيجة صدام السادات معه الذي أفضى إلى قرارات 5 سبتمبر 1981 الصادمة التي تضمنت قرار سحب اعتراف الدولة به كبطريرك والتحفظ عليه في الدير.
ومع عودة قداسته أسند سكرتارية مجمع الأساقفة للأنبا بيشوي أسقف دمياط، لتبدأ مرحلة ممتدة من ملاحقة المختلفين مع قداسة البابا، وحرمانهم من الكنيسة وتجريد الكهنة منهم من رتبهم الكهنوتية أو إيقافهم عن الخدمة، بالمخالفة لقوانين الكنيسة وبغير محاكمات قانونية، وإنما وفق التقدير الشخصي لمتخذي القرار.
تتناول مجلة مدارس الأحد هذا التحول وتكتب محذرة من استمراره، الأمر الذي يزعج القيادة الكنسية فتسحب اعترافها بالمجلة ومحرريها. عقب هذا تجد أزمات الكنيسة وإشكالياتها متسعًا للنشر في الصحافة العامة. سواء في الصحف القومية أو المعارضة.
اللافت أن تقرير خاتمة الكتيب كانت المحور الذي تشكلت حوله أطروحاتي اللاحقة فيما يتعلق بإشكاليات الخدمة الكنسية، الظواهر والأزمات والحلول، التي ترجمتها مؤتمرات التيار العلماني القبطي، 2006 / 2010، وما أصدرته من كتب:
- الإشكالية القبطية: رؤية من الداخل، 1998.
- العلمانيون والكنيسة: تحالفات وصراعات، 2009.
- قراءة في واقعنا الكنسي: شهادة ورؤية، 2016.
- الكنيسة.. صراع أم مخاض ميلاد، 2019.
ثم يتبلور كتاب “كنيستنا القبطية إلى أين؟ – المسارات، الطموحات، المخاطر” يناير 2026، كحلقة أخيرة في سلسلة ممتدة، عساها تجد من يترجم توصياتها إلى واقع معاش، وفي تقديري أن هذا الكتاب يحمل طرحًا عركته وكتبت سطوره خبرات وتراكمات كل هذه السنين، التي انعكست على منهج الطرح وعلى توصيات الخروج بالكنيسة من مأزق المواجهات الحادة، وهي مواجهات وصدامات كثيرها غائم ومرتبك ومشخصن، إلى براح رسالتها ودورها وأدواتها، وحتمية مواجهتها لواقعها وضبطه على ما تمتلكه من زخم لاهوتي وفكري وما تختزنه في ليتورجيتها من قواعد مؤسسة لإيمان وحياة مستنيرة في المسيح، تمتد خارج أسوارها لعالم ينتظرها أن تأخذ بيده لحياة أفضل.١٩
صدر للكاتب:
كتاب: الإشكالية القبطية: رؤية من الداخل ١٩٩٨
كتاب: العلمانيون والكنيسة: صراعات وتحالفات ٢٠٠٩
كتاب: قراءة في واقعنا الكنسي: شهادة ورؤية ٢٠١٦
كتاب: الكنيسة.. صراع أم مخاض ميلاد ٢٠١٩
كتاب: كنيستنا القبطية إلى أين؟ ٢٠٢٦
