- الصهيومسيحية والملك الألفي
- اليهودية والملك الألفي
- عصر المسيح والملك الألفي
- الجماعات المسيحية الأولى والملك الألفي
- أوريجينوس السكندري والملك الألفي
- يوسابيوس القيصريّ والملك الألفي
- الآباء والملك الألفي [١]
- الآباء والملك الألفي [٢]
- الآباء والملك الألفي [٣]
- العصور الوسطى والملك الألفي
- الإصلاح البروتستانتي والملك الألفي
- ☑ إقرار إيمان أوجسبرج
نكمل حول الطوائف الألفية، ومقاومة رجالات الإصلاح البروتستانتيّ لهذه الحركات والطوائف المتطرفة والمبتدعة. فقد أفرز الإصلاح البروتستانتيّ المتطرف أكثر الحركات الألفية وضوحًا. هذه الحركات والجماعات رفضت كلاً من السلطة الكاثوليكية والبروتستانتية الرسمية، وفسَّرت سفر الرؤيا والنصوص النبوية تفسيرًا حرفيًا كخريطةٍ زمنيةٍ للتغيير المرتقب.
إقرار إيمان أوجسبرج ١٥٣١
رفض الحكم الزمنيّ بعد القيامة
يتحدَّث إقرار إيمان أوجسبرج، الذي يُعتبر إقرار الإيمان المعبِّر عن تعليم وعقيدة الكنيسة اللوثرية، في المادة السابعة عشر عن عودة المسيح للدينونة. فهو سيأتي ليقيم الأموات، ويعطي حياةً أبديةً للمؤمنين، ويطرح الأشرار مع الشياطين إلى جَهنَّم قصاصًا أبديًا. ويرفض القول بأن الأبرار بعد القيامة سيحكمون العالم حكمًا زمنيًا، وذلك في إشارة لرفض التعليم بالمُلك الألفيّ الحرفيّ للمسيح والأبرار [1].
جماعات الألفيين في القرن التاسع عشر
يُشِير مايكل باركر إلى الفكر ما بعد الألفيّ Post-millenialism الذي كان موضوعًا كبيرًا من موضوعات الصحوة البروتستانتية العُظمى الثانية في القرن 19. فقد آمن الكثيرون أن النهضة سوف تنتشر عبر العالم، وتُصلِح الأفراد والمجتمعات. وستكون النتيجة عالمًا مسيحيًا يُرى على أنه بداية العصر الذهبيّ للبشرية، ألف عام من السلام، كما تنبأ سفر الرؤيا [2].
ويستعرض مايكل باركر ظهور الحركة الإنجيلية المحافظة (الأصولية) التي ظهرت مثلها مثل الحداثة منذ عام 1870 حتى عام 1930، وإنْ كانت لم تُعرَف بهذا الاسم حتى أخر عقدين من هذه الفترة. لقد كانت رد فعل لكلٍّ من العلوم الحديثة واللاهوت الليبراليّ للحداثيين. وقد جمعت كل الإنجيليين المحافظين في كافة الطوائف الرئيسية. وتكوَّنت من ثلاثة مجموعات أساسية: التدبيريون ما قبل الألفييين Dispensational premillennialists، وأتباع حركة نهضة القداسة، والتقليديون الدينيون [3].
ويُوضِّح مايكل باركر أنه في اجتماع ”الاتحاد الإنجيليّ“ (الذي تشكَّل عام 1846) سنة 1895 تمَّ تحديد خمس أسس يجب على المسيحيّ أن يقبلها، وإلا سقط في فخ الليبرالية، وقد كانت: عصمة الكتاب المقدَّس، وألوهية يسوع، والميلاد العذراويّ، وموت يسوع على الصليب عن خطايانا، وقيامة يسوع المادية وعودته الوشيكة. وأصدرت ”الجمعية المشيخية العامة“ عام 1910، كرد فعل على صعود الليبرالية في كلية لاهوت يونيون في نيويورك، تصريحًا من خمس نقاط للعقائد ”الجوهرية“ التي كانت مشابهةً لقائمة الاتحاد الإنجيليّ.
يمكن تلخيص هذه النقاط كما يلي: عصمة الكتاب المقدَّس، الميلاد العذراويّ للمسيح، كفارة المسيح النيابية، قيامته الجسدية، وصحة المعجزات الكتابية. وفي عشرينيات القرن العشرين، عُرِفت هذه القائمة باسم ”النقاط الخمس الأصولية“، وقد قَبلتها طوائف أخرى، بالرغم من أن بعضها استبدل المعجزات بفكر قبل الألفية [4].
وهكذا يمكنك عن طريق فحص النقاط الخمس أن ترى موضع اختلاف الأصوليين عن الحداثيين. فنقاط الحداثة الخمس هي كالتالي: الحق الكتابيّ نسبيّ، لا يوجد ميلاد عذراويّ؛ لأن يسوع ليس إلهًا، […] الإيمان بفكر ما بعد الألفية (بالرغم من أننا قد لا نصل مطلقًا إلى هذا العصر الذهبيّ) [5].
ويستعرض مايكل باركر تقسيم التعليم بالملك الألفيّ للمسيح بأنه عادةً ما يتمُّ تصنيف الألفية إلى ثلاثة أنماط سائدة:
ما قبل الألفية، واللا ألفية، وما بعد الألفية.
- ما قبل الألفية: كان موقف المسيحيين في القرنين ونصف القرن قبل أن تصبح المسيحية الديانة الرسمية للإمبراطورية الرومانية. ويرى هذا الموقف أن العالم سيزداد في فساده، حتى فترة حدوث الضيقة العظيمة التي تمتد سبع سنوات، عندما يتعرَّض المسيحيون للاضطهاد على يد ”ضد المسيح“. وسوف تنتهي الضيقة العظيمة عندما يعود المسيح بالجسد ليُؤسِّس مُلكه المليء بالسلام الذي سوف يستمر لمدة ألف عام على الأرض.
- اللا ألفية: هي وجهة النظر التي كوَّنتها الكنيسة الكاثوليكية في القرنين الرابع والخامس. فبينما كان الكاثوليك يقولون إن العالم يزداد سوءًا، توقف اضطهاد المسيحيين، وأصبحت الكنيسة الكاثوليكية هي ديانة الإمبراطور المعترَف بها والمفضَّلة. فبدلًا من ذلك، اعتقدوا أن الألفية قد بدأت بالفعل، لكنها في السماء. وعلامة بدايتها هو ارتقاء الكنيسة الكاثوليكية في الإمبراطورية. وبعد انتهاء فترة رمزية مدتها ألف عام، سيعود المسيح. لكنه لن يُؤسِّس ملكوتًا ماديًا على الأرض؛ لأن الملكوت موجودٌ بالفعل في السماء. ولكنه سيأتي ليدين الأحياء والأموات، وينهي التاريخ.
- ما بعد الألفية: هو تفسيرٌ انتشر أولًا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. فنظرًا للتفاؤل الذي ميَّز فكرة التقدمية الإنسانية الذي صاحب التنوير، والصحوة العظمى الأولى، والثورة الأمريكية، والثورة الصناعية، وانتشار الحضارة الأوروبية بواسطة المستعمرات والتجارة، آمن الناس أنه يمكن للبشر من تلقاء أنفسهم أن يقودوا تأسيس ملكوت الله على الأرض. فالتقدُّم البشريّ في العلوم، والتكنولوچيا، وانتشار الديمقراطية، والمسيحية، كل ذلك سيجعل من العالم مكانًا أفضل إلى أن يبدأ العصر الذهبيّ ثم يظهر المسيح عند نهاية الألفية [6].
وهكذا يرى رايموند براون أن مجيء البروتستانت المضطهدين إلى أمريكا الشمالية، كثيرًا ما كانوا يأتون ومعهم آمالهم في إقامة مملكة كاملة من الناحية الدينية في العهد الجديد. وفي الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر ازدهرت جماعات الألفيين، وكانت تتقوَّى أحيانًا بإعلانات إلهية فردية. وقد تمثَّل هذا في أتباع ويليام ميلر، وإيلين وايت (الأدفنتست – مجئي اليوم السابع)، وچوزيف سميث (المورمون)، وتشارلز راسل (شهود يهوه). وفي بعض الجماعات الإنجيلية حدثت انقسامات خطيرة بين جماعات ما قبل مُؤيِّدي الألفية، وجماعات ما بعد الألفيين. فالجماعات الأولى تقول إن العصر الذهبيّ لن يأتي إلا بعد أن تُدمَّر الحقبة البشرية الحالية على يد المجيء الثاني.
أمَّا الجماعات الأخيرة فإنها إذ تنظر متفائلةً، يرون أن الجيل الثاني سوف يتغيَّر بشكلٍ تدريجيّ إلى الألفية عن طريق تقدُّم طبيعيّ في المجتمع وفي الإصلاح الدينيّ. وثمة شكل من أشكال ما قبل حركة الألفية تمثَّلت في التدبيريين، بتعريف فترات زمنية في تاريخ العالم (على سبيل المثال، على نحو ما تجسَّد في نسخة Scofield Rference Bible). وكانت الفرضية عادةً هي أننا نعيش في حقبة التدبير السادس، والسابع على وشك أن يأتي.
أمَّا الكنائس المستقلة فتظلُّ على قناعةٍ بأنه على الرغم من أن المرحلة الأخيرة من الخطة الإلهية سوف تُنجَز من خلال يسوع المسيح، فإن الألف سنة أمرٌ رمزيٌّ، وما مِن أحد يعرف أين وكيف ستأتي نهاية العالم. وما جاء في (سفر أعمال الرسل 1: 7) يجسد الأمر بالقول: ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التي جعلها الآب في سلطانه
. وفي سنة 1944، ولو أن الأمر كان مُتأخرًا، أدانت الكنيسة الكاثوليكية صيغة الألفية حتى لو كانت صيغةً مُخفَّفةً [7].
چون نلسون داربي أبو حركة ما قبل الألفية
يُشِير مايكل باركر إلى ظهور فكر ما قبل الألفية، كما استعرضنا في الفصل الخامس، من وقتٍ لآخر في العصور الوسطى، ووقت الإصلاح البروتستانتيّ، كما استعرضنا أعلاه، وأثناء الثورة التطهيرية في إنجلترا. لكنه عادةً ما كان يستمر إلا فترات قصيرة. أمَّا معتقد ما قبل الألفية في العصر الحديث، فقد ظهر في عصر نابليون الذي اعتبره العديد من المسيحيين ضد المسيح. ومنذ وقت نابليون وأفكار ما قبل الألفية تنمو وتتطوَّر، خصوصًا في إنجلترا وأمريكا.
ويُعتبر چون نلسون داربي (1800-1882) أبا حركة ما قبل الألفية المحدثين. وقد كان في الأصل عضوًا في كنيسة إيرلندا، وأصبح في وقتٍ لاحقٍ قائد طائفة الإخوة بليموث (الإخوة البلاميس) الانفصاليين. وداربي هو مَن لعب الدور الرئيسيّ في صياغة شكل جديد لفكر ما قبل الألفية في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، ويُطلَق عليه سبق الألفية التدبيريّ. وقد وضع مُؤلَّفات كبيرة في هذا الموضوع (الكثير منها عسرة الفهم)، وجاب أنحاء بريطانيا وأمريكا ينشر أفكاره. فقام بسبع رحلات في أمريكا من عام 1862 إلى عام 1877، لينشر فكره بخصوص الملك الألفيّ (الألفية). وتحمس له العديد من القسوس أتباع التقليد الكالفينيّ الذي تمثَّل في أمريكا أساسًا في المشيخيين ومعمدانيي الشمال.
وفي الغالب، يرجع انجذاب الكالفينين له إلى أن النبوة الكتابية عن نهاية العالم ركَّزت بشكلٍ أساسيّ على سيادة الله وعجز الإنسان. وانجذب للفكرة العديد من الإنجيليين المحافظين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. فقد بدا أنها تُؤكِّد أسوأ شكوكهم فيما يختص بثقافة الحداثة. وفي بريطانيا وأمريكا بشكلٍ خاصٍ آمن الإنجيليون أن العالم يزداد دنيويةً وماديةً. وقد آمنوا أيضًا أن نظرية داروين في التطوُّر، والنقد الأعلى يُضعِفان الديانة التقليدية. وآمنوا كذلك أن اللاهوت الليبراليّ في الكنائس ينبئ بارتداد الكنيسة العتيد الذي تنبأ عنه العهد الجديد على أنه علامةٌ على نهاية الزمان. بالإضافة إلى أن التدبيريين آمنوا بأن الكتاب المقدَّس موثوقٌ به بشكلٍ مطلقٍ ودقيقٍ فيما يختص بالحقائق، وأنه يجب أن يُفسَّر حرفيًا كلما أمكن. وهو ما شكَّل أهمية خاصة للإنجيليين المحافظين في وقتٍ تهدَّدت فيه سلطة الكتاب المقدَّس [8].
الأفكار المحورية لفكر ما قبل الألفية
يقوم مايكل باركر بتلخيص أفكار چون داربي عن الألفية في ست نقاط:
- توجد سبع حقب في التاريخ البشريّ مُسجَّلة في الكتاب المقدَّس. والله يتعامل مع شعبه في هذه الحقب المختلفة بطرقٍ مختلفةٍ: حقبة الجنة، وفيها تمَّ اختيار آدم وحواء. حقبة ما قبل الطوفان، عندما كان البشر قريبين من الله. حقبة ما بعد الطوفان، عندما اتَّحد المجتمع البشريّ. الحقبة التي تتبع بناء برج بابل، عندما كان هناك العديد من الحكومات. حقبة الناموس التي حكم فيها الله شعبه إسرائيل بالتوارة. حقبة النعمة وفيها يضمن الله النعمة لشعبه بيسوع المسيح. حقبة الألفية الأخيرة، العصر الذهبيّ حينما يحكم المسيح على الأرض.
- المقطع الكتابي المحوريّ في العهد القديم الذي يستند عليه اللاهوت التدبيريّ هو من سفر دانيال 9 الذي يصف 70 أسبوعًا أو 490 يومًا. وهو ما يُفهَم على أنه 490 سنة. وتبدأ هذه الفترة مع إعادة بناء الهيكل في إسرائيل بعد السبي البابليّ، وبعد 483 سنة بالتحديد يُصلَب المسيح في إسرائيل. لكن تبقى سبع سنوات، وهي سبع سنوات الضيقة العظيمة المذكورة في رؤيا يوحنا.
- سيأتي ”نبيّ كذَّاب“ وهو قائد دينيّ زائف (سفر الرؤيا 13). ومن المرجَّع أن يكون قائدًا كنسيًا مستبدًا تدعمه الكنائس المرتدة مُتَّحِدةً.
- سيأتي قائد سياسيّ اسمه ”الوحش“ (سفر الرؤيا 13). ويُعرَف بشكلٍ عامٍ باسم ضد المسيح، وإنْ كان هذا التعبير لا يُذكَر في رؤيا يوحنا، بل في الرسائل. وسيجعل الوحش أو ضد المسيح عشر أمم تتَّحد مرةً أخرى، وهي الأمم التي كانت في الأصل من الإمبراطورية الرومانية (الأصابع العشرة المذكورة في سفر دانيال 2).
- ستُردَّ دولة إسرائيل قبل نهاية الزمان، وفي الدولة الجديدة يُبنَى الهيكل من جديد.
- سيُؤخَذ المسيحيون من على الأرض في ”اختطافٍ سريّ“، وذلك ”للقاء المسيح على السحاب“ (رسالة بولس اﻷولى إلى كورنثوس 15: 50-52).
نشر سابقو الألفية فكرهم في مؤتمرات الكتاب المقدَّس في القرن التاسع عشر، وكان يُدرَّس في المعاهد الكتابية في القرن العشرين. لكن هذه الأفكار لا تقتصر على طائفة مُحدَّدة. فهي ببساطةٍ حركةٌ داخل الطوائف، وداخل الأوساط الإنجيلية المحافظة [9].
صدر للكاتب:
ترجمة كتاب: "الثالوث"، للقديس أوغسطينوس أسقف هيبو [٢٠٢١]
كتاب: عظات القديس غريغوريوس النيسي على سفر الجامعة [٢٠٢٢]
ترجمة كتاب: "ضد أبوليناريوس"، للقديس غريغوريوس النيسي [٢٠٢٣]
كتاب: الطبيعة والنعمة بين الشرق والغرب [٢٠٢٣]
كتاب: مونارخية الآب في تعليم آباء الكنيسة [٢٠٢٤]
