في هذا المقال نتعرف على جزء من أفكار البابا يوحنا الثالث والعشرون عن الحقوق اﻻقتصادية والثقافية والقيم اﻹخلاقية من خلال “رسالة السلام على اﻷرض” التي أصدرها في 1963.
الحقوق الاقتصاديّة
في المجال الاقتصاديّ: لكلّ إنسانٍ حقٌّ أصيل، لا في أن تتاح له فرصة العمل فحسب، بل أيضًا في أن يمارس مبادرته الشخصيّة في العمل الذي يقوم به.
والظروف التي يعمل فيها الإنسان هي نتيجةٌ لازمة لهذه الحقوق. فلا يجوز أن تكون مضرّة بصحّته الجسديّة أو الأخلاقيّة، ولا أن تعوق نموّ الشباب نموًّا سليمًا. كما يجب أن تُمنَح المرأةُ ظروفَ عمل تتوافق مع حاجاتها ومسؤوليّاتها بصفتها زوجة وأمًّا.
ومن كرامة الإنسان ينبع حقّه في ممارسة نشاطٍ اقتصاديّ يتناسب مع مسؤوليّته. وللعامل حقٌّ في أجر يُحدَّد وفقًا للعدل. ويجب أن يكون هذا الأجر كافيًا، حسبَ الإمكانات المتاحة، ليؤمِّن للعامل وأسرته مستوى معيشة يليق بالكرامة الإنسانيّة. وقد قال البابا بيّوس الثاني عشر: «تفرض الطبيعة على الإنسان العمل واجبًا، ويقابله حقٌّ طبيعيّ في أن يوفِّر عملُه وسائلَ العيش له ولأبنائه. فهذا ما يقتضيه حفظ حياة الإنسان».
ومن طبيعة الإنسان أيضًا حقّه في الملكيّة الخاصّة، بما في ذلك وسائل الإنتاج. وهذا الحقّ وسيلةٌ فعّالة للتعبير عن الشخصيّة ولممارسة المسؤوليّة في مختلف المجالات، وهو عنصر استقرارٍ وأمان للأسرة، ويسهم في تحقيق السلام والازدهار في المجتمع.
وأخيرًا، يجدر التذكير بأنّ حقّ الملكيّة الخاصّة يرتبط بوظيفةٍ اجتماعيّة أيضًا.[1](البابا يوحنا الثالث والعشرون،السلام على الأرض، ١٩٦٣)
حقوق القيم الأخلاقيّة والثقافيّة
الفكرة التي يطرحها البابا يوحنّا الثالث والعشرون في رسالته “السلام في الأرض” تصبح أكثر وضوحًا حين نضعها في سياق المجتمعات التي تُضيَّق مساحات الحرّيّة، ويُنظر فيها إلى الاختلاف الفكريّ على أنّه تهديدٌ وليس ثراءً.
عندما لا يُحترم حقّ الإنسان في البحث عن الحقيقة والتعبير عنها، وعندما يُمارَس ضغطٌ اجتماعيّ أو مؤسّسيّ لإسكات الرأي المختلف، فإنّ الكرامة الشخصيّة تُصاب في جوهرها. فالعنف ليس جسديًّا فقط هو يمكن أن يكون فكريًّا وأخلاقيًّا. فحين يُشهَّر بالناس، أو يُخوَّنون، أو يُعزَلون اجتماعيًّا أو فكريًّا فقط لأنّهم يفكّرون بطريقة أخرى، هذا شكلٌ من أشكال العنف.
في مثل هذا المناخ، تختنق الثقافة، ويتحوّل التعليم إلى تكرار، ويتراجع الإبداع، لأنّ الخوف يحلّ محلّ الحرّيّة. وهنا يظهر عمق كلام البابا: الحرّيّة في البحث والتعبير، والحقّ في المعلومات الصحيحة، والحقّ في التعليم الحقيقيّ، ليست ترفًا أو رفاهية إنها شروطٌ أساسيّة لتحقيق السلام الاجتماعيّ الحقيقيّ، والرقي البشريّ.
إنّ السلام لا يقوم على الصمت المفروض، ولكنّه يُبنى على الحوار المبنيّ على الاحترام المتبادل. لا يمكن أن يُبنى السلام على تطابق الآراء، ولكن على احترام الضمير الحرّ غير الخائف. عندما تُقمع الكلمة، يتآكل النسيج الأخلاقيّ للمجتمع وتدريجيًّا يحلّ الشكّ محلّ الثقة، والخوف محلّ المشاركة، والولاء القسريّ محلّ القناعة الحرّة. هذا يمكن اختصاره بكلمة واحدة “مجتمع مزيّف” أو “مجتمع منافق”.
لذلك، الدفاع عن حرّيّة البحث والتعبير والتعليم هو دفاع عن إنسانيّة الإنسان نفسها، وعن إمكان قيام مجتمع عادل وحقيقيّ يستطيع أن يعيش اختلافه من دون أن يتحوّل إلى صراع أو إقصاء.
من نصّ رسالة البابا:
للإنسان حقٌّ طبيعيّ في أن يُعامَل باحترام، وله حقّ في سمعته الطيّبة. وله الحقّ في حرّيّة البحث عن الحقيقة -في حدود النظام الأخلاقيّ والصالح العامّ- في حرّيّة الكلام والنشر، وفي اختيار العمل الذي يريد أن يمارسه. كما أنّ له الحقّ في الحصول على معلومات صحيحة عن الشؤون العامّة.
وله أيضًا حقّ طبيعيّ في الاستفادة من ثمار الثقافة، ولذلك يحقّ له أن ينال تعليمًا عامًّا جيّدًا، وتدريبًا تقنيًّا أو مهنيًّا يتناسب مع مستوى التعليم في بلده. وينبغي كذلك وضع نظام يتيح لأصحاب المواهب في المجتمع فرصة متابعة دراسات أعلى، ليشغلوا -قدر الإمكان- مواقع مسؤوليّة تتوافق مع مواهبهم الطبيعيّة وما اكتسبوه من مهارات.[2](البابا يوحنا الثالث والعشرون، السلام على الأرض، ١٩٦٣)
صدر للكاتب:
كتاب نقدي: اللاهوت السياسي، هل من روحانية سياسية؟
تعريب كتاب جوستافو جوتييرث: لاهوت التحرير، التاريخ والسياسة والخلاص
تعريب كتاب ألبرت نوﻻن الدومنيكاني: يسوع قبل المسيحية
تعريب أدبي لمجموعة أشعار إرنستو كاردينال: مزامير سياسية
تعريب كتاب البابا فرانسيس: أسرار الكنيسة ومواهب الروح القدس
