يوم الجنازة ميتوصفش.. عمال بالآلاف واقفين زي النمل، كلهم بيعيطوا وهم بيلقوا نظرة الوداع على أبوهم؛ بابا جمال، ما عدا شوية قلة… زي اللي كانوا عارفين اللي ليه واللي عليه، أو اللي شايلين منه زي ولاد عم ليڤي وعم لبيب. غير كده؟ الكل زعلان. الكل بيبكي. في ناس كانت بتعيط بشكل هيستيري. والحزن كان مسيطر على المكان.
سؤال واحد بيتكرر بأشكال مختلفة: “مين هيملى مكانك يا بابا جمال؟”
والمكان هنا مش كرسي الرئاسة التنفيذية وبس، ده المكان اللي في القلوب، وده أصعب بكتير إن حد تاني يملاه. نفس السؤال كان بيدور جوه دماغ عم معين، الرئيس التنفيذي المؤقت وقائم بأعمال بابا جمال. عم معين كان فاهم كويس إنه لو مسك ملف اختيار البديل لوحده الناس هتاكله حي. وهيقولوا بيختار ناس على مزاجه.
بلية وعطية
عشان كده قرر يشرك حد بيحب اللقطة: عم بلية، رئيس عمال منطقة رقم خمسة، بتاعة الحلويات.
بديات عم بلية كانت كمساعد رئيس عمال لعم صخر لغاية ما اختلفوا، وبابا جمال حطه رئيس على منطقة رقم خمسة. عم بلية تصريحاته كانت دايمًا ممكن تودي سلسلة مصنع الرجال في ستين داهية، بس في نفس الوقت كان مستعد يشتغل طول ما له دور باين.
وبكده الباب اتفتح، أي رئيس عمال، وأي مساعد، يقدم ملفه، والملفات تتدرس، وعم بلية يعمله مقابلة، ونقرر مين يترشح ومين لا.
أول ناس قدموا كانوا أقرب الناس لبابا جمال: عم أحمد، وعم يحيى، وعم صخر.
كل واحد فيهم كان شايف نفسه الامتداد الطبيعي لبابا جمال.
عم أحمد كان واخد من بابا جمال فن الكلام مع الوزارة بعد أزمة الإيقاف خمس سنين. بابا جمال اتعلم إمتى يتكلم، وإمتى يسكت، وإزاي يختار الكلمة الصح. وأحمد ورث الحتة دي.
عم يحيى كان واخد الشعبية. القرب من العمال، والضحك، والوجود وسطهم. بس ساعات كان بيزودها. مرة عامل سلم عليه، وهو بيتصور، راح ضاربه على دماغه. برغم كده كان أكترهم كاريزما.
عم صخر؟ كان شايف نفسه الابن الأقرب. مخزن أسرار بابا جمال. وأكتر واحد لف في كل حتة في السلسلة بسبب الثقة الكبيرة فيه.
بس من وجهة نظر العمال من الناس اللي مش عايزينهم:
عم أحمد = راجل الوزارة، يعني استقلال سلسلة مصنع الرجال في خطر.
عم يحيى = راجل طيب بس الوزارة عمرها ما تحترمه وهو بيحكي أحلامه لكل من هب ودب.
عم صخر = راجل قاسي، بيجازي على الصغيرة قبل الكبيرة، وده ممكن يبوظ العلاقة مع العمال ومع الوزارة كمان، ويحطنا في أزمة زي أزمة الإيقاف.
وغيرهم كتير قدموا. وناس اترشحت غصب عنها.
عم معين قعد يفرز ومعاه عم بلية، واستقروا إنهم يبعدوا أي اسم عليه علامة استفهام قد ما يقدروا.
الاختيار رسى على ثلاثة:
- عم سرور، اللي دايمًا يتباهى بحبه لبابا جمال، ومحبوب نوعًا ما من العمال.
- عم عطية، مساعد عم معين في المنطقة رقم عشرة.
- عم أمين اللي كان في يوم مساعد عم حكيم.
في اليوم الحاسم، بدأ الانتخاب.
وعكس كل التوقعات… كسب عم عطية.
نجاح عم عطية كان في الحقيقة نجاح عم معين.
هو اللي علمه الشغلانة، وفن إدارة العمال، من أول يوم وهو اللي مسك الدفة بعد وفاة بابا جمال لحد ما سلمها له.
عم معين سلم الجمل بما حمل وساب الرئاسة التنفيذية ورجع لمنطقته الصناعية ولا كأن حاجة حصلت.
عم بلية عمل نفس الكلام، بس فضل يطلع من وقت للتاني بتصريحات تكسف سلسلة المصانع واسمها وتاريخها.
مرت سنين قليلةـ وبعدها عم معين حصل بابا جمال وتوفى.
أما عم عطية فلقى نفسه فجأة واقف وسط رؤساء عمال عمره ما اشتغل معاهم قبل كده. ناس من مدرسة عم لبيب الغلبان، وناس من مدرسة عم ليڤي الصوفي، وناس من ولاد بابا جمال. وهو من مدرسة عم عبد السميع واقف بينهم، المدرسة اللي الكل نسيها.
عم عطية كان محتاج يطلع شوية من جوه نفسه، تبقي صورة يبان بيها قدام العمال رئيس تنفيذي جديد كـ”بابا جمال”.
بس الحقيقة كانت واضحة من الأول: عم عطية… مش بابا جمال.
عهد عم عطية
من أول يوم، عم عطية كان فاهم إن الشيلة تقيلة… بس ماكنش متخيل الثقل ده كله. سقف طموحاته كان بسيط:
حاجة واحدة بدأها، إنه ينظم علاقات رؤساء العمال ومساعديهم ببعض زي ما شاف في مدرسة عم معين وعم عبد السميع عشان المركب تفضل ماشية لقدام. وحاجة تانية إن العمال يحبوه كفاية عشان في يوم يقولوا له “بابا عطية”.
أول خطوة، شكر عم سرور وأداله دور مهم عشان يرضيه مقابل إن الرئاسة التنفيذية مكنتش من نصيبه.
حاول يعمل نفس الموضوع مع عم أمين، بس عم أمين رفض وقال “أنا راجع منطقتي ومش عاوز دور إداري”.
عم عطية سابه على راحته.
كان عارف كويس إنه مساعد رئيس عمال أصبح في يوم وليلة رئيس تنفيذي،
وكان عارف إنه أقل خبرة من عم أحمد وعم يحيى وعم صخر.
أمل عم عطية كان على حاجة واحدة: يرتب البيت ويلم الشمل.
لكن النجاح كان مربوط بحاجتين: الحسم في الإدارة وقبول العمال له.
الحسم مكانش أقوى نقطة عنده. عم عطية كان ممكن يرجع في كلامه بسهولة أو يغير رأيه عند أول علامة خطر.
قبول العمال له؟ صعب جدًا. صورة بابا جمال كانت مسيطرة على القلوب. والعمال لسه بيقيموه. عم عطية بالنسبة لهم الرئيس التنفيذي لكن لسه مش بابا المسيطر على القلوب زي بابا جمال.
احتار عم عطية، وقرر يرجع للمدرسة اللي اتعلم فيها: مدرسة عم معين واللي بدوره اتعلم من عم عبد السميع.
من هنا، بدأ عم عطية يشتغل مشاريع تطوير، تعليم، ومشاريع كتير. وكل مشروع له رئيس، وكل رئيس له مساعد.
وبكده، اتوسعت قاعدة عم عطية في الإدارة.
بدأ يحط عمال ورؤساء عمال ومساعدين من تلامذة عم ليڤي وعم لبيب وطبعًا بابا جمال.
بس مرات اتسرع وحط ناس أقل ما يقال عنها إنها مش طايقاه.
وطبعًا، الصبر كان أهم ميزة عنده. فكان صعب جدًا يشد على رئيس عمال على عكس بابا جمال.
مرة شاف رئيس عمال بيغلط، شد عليه، فرئيس العمال قال له: “لو شديت علي كده تاني، هسيب السلسلة وأروح للمنافس”.
في اللحظة دي، عم عطية جاب ورا… ومن يومها، ماعرفش يتقدم خطوة لقدام خصوصًا بعد ما رؤساء العمال القدام عرفوا ايده اللي بتوجعه.
أصبح جوه قلب عطية خوفين: الأولاني أن رئيس العمال يمشي للمنافس، والتاني أن رئيس العمال يزعل منه.
بالتالي، محدش بقى خايف منه، على عكس بابا جمال، اللي حتى اللي كان مش بيحبه، بيخاف من غضبه.
في نفس الوقت، بدأ عم عطية يبقى موضع نقد من ولاد بابا جمال لما شافوه بيحط في الإدارة ولاد عم ليفي وولاد عم لبيب أو العمال المقتنعين بطرقهم في الشغل.
رد عم عطية؟ ولا حاجة.
الـ”ولا حاجة” دي بقت طريقة رده على أغلب المشاكل.
لدرجة أنه خلى واحد من مساعديه يكون المتحدث الرسمي باسم سلسلة مصانع الرجال، عشان يرفع عن نفسه الحرج قدر الإمكان.
بسرعة اتحولت مدرسة عم عطية من مدرسة عم عبد السميع لمدرسة خاصة بيه هدفها الأساسي: تقليل الخسائر على قد ما يقدر.
أي مشكلة تحصل بين العمال؟ دوره كان حاجة من اتنين: إما ميتدخلش ويبعتلهم حد ينوب عنه، يا إما يمشي مع رأي الأغلبية أو الصوت العالي عشان يتجنب أكبر قدر ممكن من الخسائر.
الطريقة دي… ممشتش مع العمال في السلسلة.
وبدل ما يوقفها، قرر يتعامل بنفس الطريقة مع المصانع المتحالفة مع سلسلة مصانع الرجال.
