علشان نفهم ما يجري حاليًا في السياسة الأمريكية، لازم نفهم كويس مأزق وتحديدًا مأزق نخبة الحزب الجمهوري، وهي فعليًا معضلة كبيرة في الكتلة الانتخابية الجمهورية اللي نتجت عن صعود لمدة ١٢ سنة داخل الحزب.

من ضمن طبائع السياسة الأمريكية هي الكتل الصامتة، وبتبان تحديدًا داخل الحزب الجمهوري. الكتل الصامتة عادة هي كتل بتتعمد الاختفاء عن الظهور لو توجه الحزب العام مش عاجبها، لا بتعترض ولا بتعمل أي موقف احتجاجي، هي فقط بتتوقف عن التصويت.

الحزب الجمهوري عانى من المشكلة دي طوال سنوات التيه اللي أصابت الحزب من بعد نجم الحزب الجمهوري، واللي معاه تم إعادة صياغة كل الحياة السياسية الأمريكية وتبادل كتير من المواقف بين الحزبين، حتى مع انتخاب والأب، كان صعود الاتنين هو فعليًا نتيجة صمت مشابه على الجانب ال أكتر منه نجاح على الجانب الجمهوري.

نجاح ترامب في تحريك كتلة صامتة كبيرة داخل المعسكر الجمهوري في ٢٠١٦، أثار شكوك عند النخبة الجمهورية، لكن بعد هزيمته في ٢٠٢٠ والنتائج الهزيلة للجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي ٢٠٢٢، اعتقد الجميع أن الترامبية انتهت، ليفاجئ الجميع بعودة كاسحة لترامب في ٢٠٢٤.

وهي عودة استعاد بيها الحزب الجمهوري كل المؤسسات المنتخبة على المستوى الفيدرالي لدرجة إن جزء غير بسيط من الديمقراطيين كان بيصوت ديمقراطي في الكونجرس وجمهوري في الرئاسة، وهنا بدأت المعضلة.

المعضلة تتلخص أن هناك كتلة انتخابية لا تقل عن ثلث الحزب الجمهوري أصبحت “ترامبية”، هذه الكتلة قادرة على حسم أي انتخابات تمهيدية داخلية، وقادرة على هزيمة أي جمهوري تقليدي مؤسسي مهما كان تاريخه ومهما كانت بطولاته، وكانت الإطاحة بـ”ليز تشيني” ابنة أحد أهم صقور الحزب الجمهوري؛ ، نائب الرئيس السابق، جرس إنذار لكل النخبة الجمهورية، بأن معارضة الكتلة الترامبية ثمنه فادح، فادح لدرجة أن قد تحتاج إلى دعم ديمقراطي في صورة عفو رئاسي من !

كمان تصعيد چي دي ڤانس المتزوج من امرأة ملونة ذات أصول هندية، من ناشط سياسي ومعلق إخباري تلفزيوني إلى سيناتور ثم إلى نائب رئيس خلال أقل من ٣٠ شهرًا، كان مرعب لكل صقور الحزب الجمهوري، لأن ظهر جدًا قدرة ترامب ليس فقط على هزيمة خصومه بل قدرته المخيفة على استبدالهم تمامًا وإنهاء مستقبلهم السياسي.

البعض بيحاول السيطرة على الأثر الفردي لترامب، عبر تسمية كتلة ترامب بكتلة “الماجا”، على أمل تحجيم نفوذ ترامب في المستقبل بعد تقاعده المجبر عليه دستوريًا في ٢٠٢٨، ومحاولة وراثة الكتلة اللي ظهر قدرتها فعلًا على التأثير داخل الحزب وعلى مستوى كل السياسة الأمريكية.

لما تدرك معضلة كتلة الماجا، هتقدر تستوعب مستويات التحول اللي بتحصل في خطاب اتنين تحديدًا في الإدارة الحالية: ؛ وزير الخارجية، وچي دي ڤانس؛ نائب الرئيس، ولهذا عدة أسباب لكن أهمها هو رغبة الاتنين في الترشح للرئاسة في ٢٠٢٨.

  • ماركو روپيو تحديدًا بيعتبرها الفرصة الأخيرة له، لأنه لو فشل ده معناه أنه هيتنسى تمامًا بعد خروجه من السلطة في ٢٠٢٨.
  • چي دي ڤانس ولصغر سنه لسه قدامه فرص، لكنه عايز يستفيد من الزخم الترامبي الحالي على أمل أنه يكمل مساره لمنصب الرئيس ليصبح واحدًا من أصغر الرؤساء في تاريخ أمريكا وأسرعهم صعودًا في التاريخ، ليصبح “” الحزب الجمهوري.

لكن هناك فارق بين الاتنين، ڤانس وروپيو،

ڤانس ملوش رصيد إلا عند كتلة الماجا، وده بيخليه أكثر حدة وفظاظة من ترامب شخصيًا، ظهر ده جليًا في أول ظهور دولي له في مؤتمر ميونخ ٢٠٢٥ لما كان شديد النقد للأوربيين لدرجة الوقاحة، ثم سلوكه الأكثر وقاحة وتنمر في اجتماع المكتب البيضاوي الشهير مع زيلنيسكي، ثم مواقفه الداخلية التي يحاول فيها دائمًا المزايدة على ترامب شخصيًا في قضايا الهجرة والاختلافات مع الديمقراطيين، ڤانس ولأنه قليل الخبرة ومن خلفية ناشطية، فضلًا عن زواجه من امرأة ملونة، متخيل أنه بالوقاحة والخطاب الذي يمكن تأويله عنصريًا ممكن يستعمل كتلة الماجا للصعود والفوز بترشيح الحزب في ٢٠٢٨.

ماركو روپيو مختلف تمامًا، سيناتور قديم، لحد ١٨ شهر كانت كل مواقفه تقريبًا مغايرة لمواقف ترامب، كان جمهوري تقليدي بكل ما تحمل الكلمة من معنى، لكن بمجرد تكليفه بمنصب وزير الخارجية، ولأنه سياسي قديم، فاهم كويس إن عك ترامب في قضايا الأمن والتحالفات الاستراتيجية ضد المصلحة الأمريكية، صمت تمامًا في اجتماع زيلنسكي، ملوش تصريحات حادة ضد الناتو أو أوروبا، ولم يعلق أو ينظر أبدًا لهراء مبدأ “دونرو” واستراتيجية الأمن القومي البلهاء التي اعتمدتها إدارة ترامب ومجموعة المخابيل اللي حواليه زي ستيڤين ميلر ولورا لومر والتافه هيجسيث، روپيو بيحاول بقدر الإمكان مجاراة كتلة الماجا في قضايا الهجرة علشان يتقي شرها كأمريكي كاثوليكي من أصل كوبي، وعلشان يضمن حيادها على الأقل في معركته المستقبلية من أجل الحصول على ترشيح الحزب في ٢٠٢٨.

من هنا نقدر نفهم خطاب ماركو روپيو في مؤتمر ميونخ للأمن، روپيو بيحاول يحافظ على جمهوريته التقليدية ويعمل توازن دون استفزاز ترامب ومن حوله، وكمان بيحاول يغازل كتلة الماجا بفكرة الحضارة الغربية المسيحية اللي روپيو نفسه عمره ما كان من مُنظّريها.

بالمناسبة ده كمان تقدر تسحبه على الديمقراطيين، وده اللي يفسر التحركات الدولية الكثيرة اللي بيعملها جافين نيوسوم؛ حاكم كاليفورنيا، علشان يمهد لنفسه الفوز بترشيح الحزب الديمقراطي في ٢٠٢٨، بالتالي كتير من السياسة الأمريكية حاليًا هي حملات انتخابية رئاسية مبكرة لـ ٢٠٢٨.

فمتاخدوش الكلام اللي جاي من أمريكا جد أوي الفترة الحالية!

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي 0 حسب تقييمات 0 من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

عمرو بقلي
[ + مقالات ]