- الصهيومسيحية والملك الألفي
- اليهودية والملك الألفي
- عصر المسيح والملك الألفي
- الجماعات المسيحية الأولى والملك الألفي
- أوريجينوس السكندري والملك الألفي
- يوسابيوس القيصريّ والملك الألفي
- الآباء والملك الألفي [١]
- الآباء والملك الألفي [٢]
- الآباء والملك الألفي [٣]
- العصور الوسطى والملك الألفي
- ☑ الإصلاح البروتستانتي والملك الألفي
خلال عصر الإصلاح الدينيّ، تقريبًا من أوائل القرن السادس عشر حتى منتصف القرن السابع عشر، شهدت أوروبا انفجارًا في التنوع الطائفيّ الدينيّ والاضطرابات السياسية، وظهرت بدعة الملك الألفيّ الحرفيّ للمسيح بين عدة طوائف. سوف نستعرض في هذا الفصل هذه الطوائف الألفية، ومقاومة رجالات الإصلاح البروتستانتيّ لهذه الحركات والطوائف المتطرفة والمبتدعة. فقد أفرز الإصلاح البروتستانتيّ المتطرف أكثر الحركات الألفية وضوحًا. هذه الحركات والجماعات رفضت كلاً من السلطة الكاثوليكية والبروتستانتية الرسمية، وفسَّرت سفر الرؤيا والنصوص النبوية تفسيرًا حرفيًا كخريطةٍ زمنيةٍ للتغيير المرتقب.
بدعة اللا معمدانيين الألفية
لقد كانت هذه الحركة المتطرفة من حركات الإصلاح البروتستانتيّ، بل من أشد الحركات المتطرفة في ألمانيا آنذاك، حيث أصرَّت على أن المعمودية، لو تلقاها المرء في طفولته، فيجب أن تُعَاد مراسيمها عند البلوغ، بل من الأفضل أن يتمَّ تأجيلها، كما فعل يوحنا المعمدان، إلى أن يتمكَّن المتلقي الراشد من اعتناق العقيدة المسيحية بعلمه واختياره [1].
قادة هذه الحركة في مونستر بألمانيا هما: يان ماثيس (Jan Matthys) ويان ڤان ليدن (Jan van Leiden)، وهي عبارة عن نزعة مفرطة في التوقعات الرؤيوية؛ اعتبروا أنفسهم ”أورشليم الجديدة“ المذكورة في سفر الرؤيا [2]. وتوقعوا مجيء المسيح في حياتهم، وطبَّقوا نظام الملكية المشتركة للمال والممتلكات، وأقرُّوا تعدد الزوجات وحُكمًا ثيؤقراطيًا (حُكمًا إلهيًا) استعدادًا للملك الألفيّ الحرفيّ. تمَّ قمع هذه الحركة بعنفٍ على يد القوات الكاثوليكية واللوثرية.
وهناك لا معمدانيون آخرون كان من أبرزهم: ميلكيور هوفمان (Melchior Hoffman) ويان تريبماكر (Jan Trypmaker)، اللذان كانا يؤمنان بحرفية الألف سنة لملك المسيح، ووضعوا أحيانًا تواريخ مُحدَّدة لمجيء المسيح، وبعضهم دعا لإسقاط الحُكام الظالمين، وقد ألهموا حركات تقوية وانعزالية لاحقة بذات النزعة الألفية [3].
لقد استلهمت كل جماعات اللا معمدانيين من سفر الرؤيا عقيدتهم، وتوقع عودة المسيح المبكرة بصفةٍ يقينيةٍ إلى الأرض. وأكَّد كثيرٌ من المؤمنين أنهم يعرفون موعد مجيئه، وحدَّدوا الساعة واليوم. ومن هنا كان لا بد من القضاء على كل الهراطقة -وهم هنا جميع الناس ما عدا اللا معمدانيين- بحدّ سيف الربِّ، ولا بد أن يعيش الصفوة يحفهم المجد في فردوسٍ أرضيّ بلا قوانين، ولا زواج، وينعمون بفيضٍ زاخرٍ من أطايب كل شيء [4].
بدعة أنبياء سڤيكاو الألفية
ظهر كلٌّ من نيكولاس ستورش (Nicholas Storch) وماركوس ستابنر (Markus Stubner) اللذين عُرِفَا باسم ”أنبياء مدينة سڤيكاو“، ظهرا في فتنبرج يعظان بأفكارٍ تشبه بعض أفكار اللا معمدانيين المنادين بإعادة المعمودية. كانا يُعلِّمان أن ملكوت الله سيظهر بعد قليل على الأرض، وأن أتباعهم سينالون إعلانًا خاصًا. فتأثَّر الشارع الألمانيّ بهذه التعاليم، مما دفع لوثر أن يخاطر بحياته، ويرجع إلى فتنبرج في عام 1522 لمواجهة هذه التعاليم. ونجح في دحر أنبياء سفيكاو بعد أن ألقى ثماني عظات نارية، أكَّد فيها سلطان الكتاب المقدَّس والحاجة إلى التغيير التدريجيّ في الكنيسة [5].
فلقد أعلن توماس مونتسر ونيكولاس ستورش وماركوس ستابنر أنهم وحدهم المؤهَّلين ليكونوا مُفسِّرين للكتاب المقدَّس، فقد أحسوا بأنه يُوحَى إليهم من الروح القدس. وصرَّحوا بأن هذا الروح القدس أمرهم بأن يُؤجِّلوا المعمودية إلى حين بلوغ سن الرشد لأن القربان المقدَّس لا يكون له أثر إلا بالإيمان، وهو أمرٌ لا يُنتظَر من الأطفال. وتنبؤوا بأن العالم سيتعرَّض عما قريب لخرابٍ شاملٍ يهلك فيه كل الفجار – بما فيهم جميع القساوسة الجامدين بصفةٍ خاصةٍ، ونبدأ بعد ذلك على الأرض مملكة الربِّ الشيوعية [6].
رفض لوثر للملك الألفي
لا ينخرط مارتن لوثر في توقعات المُلك الألفيّ الحرفيّ. بالنسبة له، فإن الإشارات إلى المُلك الألفيّ في سفر الرؤيا لا تُشِير إلى نهاية العالم، بل إلى زمن الكنيسة [7]. يرفض لوثر الألفية [التنبوءات بنهايةٍ عنيفةٍ عندما يعود المسيح ثانيةً] [8]. صحيحٌ أن لوثر تكهن بموعد نهاية العالم [9]، وكان منفتحًا على استخدام الصور والاستعارات في وصف تجربة القيامة [10] عندما كان المصلح يُفسِّر النصوص فقط، يزعم أن اليوم الأخير سيكون غير متوقع [11]. وفي بعض الأحيان، أدَّعى أن علامات النهاية لم تظهر بعد [12]. ينصحنا لوثر ألا نفرح بالواقع الحاضر، بل بالرجاء في الأمور الآتية [13]، [14]، [15].
بالتالي، لم يوافق لوثر ولم يشارك بشكلٍ واعٍ في الجهود المبذولة للتنبؤ بالنهاية، حتى عندما جرت هذه المحاولة بين أقرب رفاقه. حسابات لوثر بشأن ”الألف سنة“ في كتابه ”حساب سنوات العالم“ Supputatio annorum mundi (1541-1545) لا تتعارض مع هذا البيان [16]. لقد فسَّر لوثر النص القياسيّ للشيلية أو المُلك الألفيّ في (سفر الرؤيا 20: 3-7) بحديثه عن الألف سنة والقيامة الأولى، لا بالإشارة إلى نهاية الزمان، بل بالإشارة إلى تاريخ الكنيسة، كما يُشِير كتابه ”حساب سنوات العالم“. وهذا يستبعد أيّ أساس كتابيّ للتكهُّنات حول المُلك الألفيّ قبل الدينونة الأخيرة. ويتبع لوثر بهذا التفسير أوغسطينوس، الذي فسَّر أيضًا هذا النص عن زمن الكنيسة [17].
رفض كالڤن للملك الألفي
يصف چون كالڤن التعليم بالملك الألفيّ الحرفيّ بأنه خرافة صبيانية لا تحتاج إلى تفنيد، ولا تستحق التفنيد، حيث يرى أن الإشارات الرؤيوية التي يستندون إليها لا تدعم ضلالتهم قائلًا: [18]
وبعدئذٍ بقليل جاء الألفيون الذين وضعوا حدًا لمُلك المسيح مدة ألف عام. أمَّا تفاهة خرافتهم الصبيانية فلا تحتاج إلى تفنيد، بل لا تستحقه. فإن الإشارات الرؤيوية التي يستندون إليها من دون شك، لا تدعم ضلالتهم. هذا لأن عدد 'الألف‘ [19] لا ينطبق على السعادة الأبدية التي تتمتَّع بها الكنيسة، بل على الكروب المتنوعة فقط التي تعرَّضت لها في غضون جهادها الأرضيّ. على العكس، فإن الكتاب المقدَّس كله يعلن مُؤكِّدًا أن فلا نهاية لسعادة مختاري الله أو لشقاء الأشرار [20].(چون كالڤن، أسس الدين المسيحي مج2)
ويستطرد كالڤن في توبيخ القائلين بالملك الألفيّ الحرفيّ للمسيح، حيث يرى أنهم لا يدركون قدر العار الذي يجلبونه على المسيح وملكوته، ويصف هؤلاء الأشخاص بأنهم إما في غاية الجهل بالإلهيات، أو إنهم يحاولون بطريقةٍ خبيثةٍ طمس نعمة الله وقوة المسيح في محو الخطايا وابتلاع الموت واستعادة الحياة الأبدية استعادة كاملة كالتالي: [21]
ومَن يُحدِّدون مدة ألف عام يتمتَّع فيها أبناء الله بميراث الحياة العتيدة، لا يدركون قدر العار الذي يجلبونه على المسيح وملكوته. […] إنْ كانت لسعادتهم نهاية، إذًا ملكوت المسيح الذي هناؤهم على ثباته، مؤقتٌ وآيلٌ إلى الزوال. بالإيجاز، إمَّا أن يكون مثل هؤلاء الأشخاص في غاية الجهل بالأمور الإلهية، أو إنهم يحاولون -بحيلةٍ خبيثةٍ ومتمعجةٍ- طمس نعمة الله وقوة المسيح اللتين تتحقَّقان بمحو الخطايا فقط، وابتلاع الموت، واستعادة الحياة الأبدية استعادة كاملة!.(چون كالڤن، أسس الدين المسيحي مج2)
ويُؤكِّد كالڤن أنه حتى الأعمى يستطيع أن يرى غباوة الهراء الذي يتكلَّم به هؤلاء الألفيون كالتالي: [22]
فحتى الأعمى يستطيع أن يرى غباوة الهراء الذي يتكلَّم به هؤلاء الذين يخافون أن ينسبوا إلى الله القساوة المفرطة إذا حكم على الأشرار بالعقاب الأبديّ! إنْ كان الله يحرم من ملكوته مَن أثبتوا بجحودهم الزائد عدم جدارتهم به – بات ذلك، حقًا، ظلمًا مفرطًا! يقولون إن خطاياهم شيءٌ موقتٌ. فليكن. أمَّا عزة الله وعدالته اللتان انتهكتهما خطاياهم، فهما أبديتان.ولذا فإن ذاكرة آثامهم لا تزول. مع ذلك يقولون إن العقاب يفوق حدود التعدي. على أن هذا التجديف لا يُطَاق عندما يُحقِّر المخلوق جلالة الخالق، أو عندما يُفضِّل الازدراء بها على فقدان نفسٍ واحدةٍ. لكن دعونا نتجاوز هذا العبث وهذه التوافه لئلا، على عكس ما قُلنا سابقًا، يبدو أننا نحسب هذيانهم جديرًا بالتفنيد.)(چون كالڤن، أسس الدين المسيحي مج2)
صدر للكاتب:
ترجمة كتاب: "الثالوث"، للقديس أوغسطينوس أسقف هيبو [٢٠٢١]
كتاب: عظات القديس غريغوريوس النيسي على سفر الجامعة [٢٠٢٢]
ترجمة كتاب: "ضد أبوليناريوس"، للقديس غريغوريوس النيسي [٢٠٢٣]
كتاب: الطبيعة والنعمة بين الشرق والغرب [٢٠٢٣]
كتاب: مونارخية الآب في تعليم آباء الكنيسة [٢٠٢٤]
