- الصهيومسيحية والملك الألفي
- اليهودية والملك الألفي
- عصر المسيح والملك الألفي
- الجماعات المسيحية الأولى والملك الألفي
- أوريجينوس السكندري والملك الألفي
- يوسابيوس القيصريّ والملك الألفي
- الآباء والملك الألفي [١]
- الآباء والملك الألفي [٢]
- الآباء والملك الألفي [٣]
- ☑ العصور الوسطى والملك الألفي
خلال فترة العصور الوسطى، ظلَّ الإيمان بالملك الألفيّ الحرفيّ للمسيح لمدة ألف سنة موجودًا بالأساس خارج التعليم الرسميّ للكنيسة. لأن معظم الكنيسة الكاثوليكية والكنيسة الأرثوذكسية الشرقية كانتا قد رفضتا هذا التعليم منذ بدايات العصور الوسطى، ولكن بعض الحركات غير الأرثوذكسية، والحركات النبوية والإصلاحية أحيَّت هذه الفكرة. وغالبًا ما كانت هذه التعاليم الألفية مرتبطةً باضطراباتٍ اجتماعيةٍ أو سياسيةٍ. وسوف نستعرض في هذا الفصل أهم الفرق والحركات الأوروبية في العصر الوسيط التي حملت أفكار التعليم الألفيّ الحرفيّ.
بدعة يواقيم من فلورا الألفية
مُؤسِّس هذه الحركة الألفية هو الراهب السيستريّ يواقيم الفلوريّ Joachim of Flora (1135-1202)، وهو راهبٌ متصوفٌ إيطاليّ الأصل. قسَّم التاريخ إلى ثلاثة عصور وهي: عصر الآب (العهد القديم)، وعصر الابن (العهد الجديد)، والعصر القادم هو عصر الروح القدس الذي سيكون عصر سلام وروحانية ويستمر لمدة ألف سنة حرفية. لقد أثَّر تعليم هذا الراهب الألفيّ على الرهبان الفرنسيسكان الروحيين، وعلى حركات نبوية لاحقة. تمَّت إدانة بعض التفاسير الخاصة بيواقيم الفلوريّ في مجمع لاتيران الرابع 1215 وتمَّت إدانته من قِبَل البابا الرومانيّ لاحقًا [1].
وقد أرسل يواقيم الفلوريّ بمجموعةٍ من مؤلفاته إلى البابا إنوسنت الثالث في عام 1200، قال إنه كتبها بوحي من عند الله، ولكنه رغم هذا يضعها بين يديّ البابا ليبحثها، ويبدي رأيه فيها. ثم مات بعد سنتين من ذلك الوقت.
وكان أساس كتابة يواقيم الفلوريّ هو النظرية الأوغسطينية -التي كانت تلقى قبولًا عظيمًا لدى جميع المتمسكين بالديانة القويمة- القائلة بأن هناك توافق رمزيّ بين الحوادث الواردة في العهد القديم وفي تاريخ العالم المسيحيّ من ميلاد المسيح إلى قيام مملكة السماء على الأرض. وقسَّم يواقيم تاريخ البشر إلى ثلاث مراحل: كانت أولاها تحت حُكم الله (الآب) وانتهت بميلاد المسيح، والثانية يحكمها الابن وتستمر وفقًا للحساب السريّ 1260 سنة، والثالثة تحت حُكم الروح القدس، ويسبقها عهدٌ من الاضطراب، والحرب، والفقر، وفساد الكنيسة، ويعلن عن حلولها قيام طائفة جديدة من الرهبان تُطهِّر الكنيسة، وتُحقِّق الغبطة العالية من السلام والعدالة والسعادة [2].
صدق آلاف من المسيحيين، ومنهم رجال ذوو مناصب عالية في الكنيسة ما قاله يواقيم عن الوحي الذي أُوحي إليه، وأخذوا يتطلعون والأمل يغمر قلوبهم إلى الميلاد الثاني في عام 1260. وبعثت تعاليم يواقيم الشجاعة في قلوب الفرنسيسكان الروحيين الذين كانوا يوقنون بأنهم هم الطائفة الرهبانية الجديدة، التي تحدَّث عنها يواقيم الفلوريّ، ولما أعلنت الكنيسة أنهم خارجون عن القانون الكنسيّ، واصلوا دعوتهم بما أذاعوه من الكتابات التي تحمل اسم يواقيم الفلوريّ. وظهرت في عام 1254 مجموعةٌ من أهم مؤلفات يواقيم بعنوان ”الإنجيل الخالد“، وعليها تعليق يقول: إن بابا من البابوات ملوثٌ ببيع المناصب الكهنوتية سيكون خاتم العهد الثاني، وإن الحاجة إلى العشاء الربانيّ والقساوسة تنتهي في العهد الثالث حين يسود الحب العالميّ
. وقامت الكنيسة بتحريم قراءة هذا الكتاب، وحُكِمَ على راهب فرنسيسكانيّ يُدعَى چيرارد من بورچا ظُنَّ أنه هو مُؤلِّف الكتاب بالسجن مدى الحياة؛ ولكن الكتاب ظلَّ يتمُّ تداوله سرًا، وكان له أثر بالغ في التفكير الصوفيّ وفي تفكير الطوائف الضالة في إيطاليا وفرنسا [3].
وتأجَّجت حول بروصا في عام 1259 صورة جنونية من الندم والتوبة عن الذنوب، واكتسحت شمالي إيطاليا؛ ولعل الباعث عليها كان هو الحماسة الشديدة في ترقب مملكة السماء. وأخذ آلاف من القادمين من مُختلف الطبقات والأعمار يسيرون في مواكبٍ غير منتظمة وليس عليهم من الثياب إلا ما يستر حقويهم، ويبكون ويرجون من الله الرحمة، ويضربون أنفسهم بسياطٍ من الجلد. وانضم إلى هذه المواكب اللصوص والمرابون وردوا ما كسبوه من المال المسروق، مُتأثِّرين بعدوى الندم، فكانوا يركعون أمام ضحاياهم ويطلبون إليهم أن يقتلوهم؛ وأُطلِقَ سراح المسجونين، وطُلِبَ من المنفيين أن يعودوا إلى أوطانهم، وزالت العداوات بين الناس وصفت القلوب. وسارت هذه الحركة من ألمانيا إلى بوهيميا (التشيك حاليًا)، وخُيِّلَ إلى الناس وقتٌ ما أن إيمانًا جديدًا صوفيًا سيغمر أوروبا كلها متجاهلًا الكنيسة [4].
بدعة الفرنسيسكان الروحيين الألفية
مُؤسِّس هذه الحركة هو جناحٌ متطرفٌ (راديكاليّ) من الرهبنة الفرنسيسكانية. وقد جمعوا بين النبوات الخاصة بيواقيم الفلوريّ ومثالية الفقر المطلق، وتوقعوا اقتراب مُلك المسيح الألفيّ الحرفيّ على الأرض. ومن أهم قادة هذه الحركة الألفية: بيتر أوليفي (1248-1298) الذي حدَّد نهاية العالم ووضع مُخطَّطات مُعقَّدة لنهاية الزمان. تمَّ اعتبارهم هراطقة من قِبَل الكنيسة الكاثوليكية، وتمَّ إعدام بعضهم على يد محاكم التفتيش البابوية [5]، [6].
بدعة إخوة الرسل الألفية
مُؤسِّس هذه الحركة الألفية هو چيرارد سيجاريلي Gerard Segarelli في بارما بإيطاليا. وقد نادوا بالفقر التام والتوبة، وانتظروا الملك الألفيّ الوشيك شللمسيح على الأرض، فقد رأوا في أنفسهم الممهِّدين للعصر الألفيّ القادم. تمَّ قمع هذه الحركة، وإحراق سيجاريلي عام 1300، ولكن تلميذه؛ فرا دولتشينو، واصل الحركة [7]، [8].
بدعة الدولتشينيين الألفية
مُؤسِّسها هو فرا دولتشينو تلميذ چيرارد سيجاريلي. وقد تنبأوا بمجيء مملكة مسيحية ألفية بعد الإطاحة بالكنيسة والحُكام الفاسدين. وقد جمعوا بين المساواة الاجتماعية الراديكالية (المتطرفة) والمقاومة المسلَّحة. تمَّ قمع هذه الحركة بوحشيةٍ عام 1307 [9]، [10].
بدعة التابوريين الألفية
مُؤسِّس هذه الحركة هو جناحٌ متطرفٌ من حركة الهوسيين (أتباع چون هَس) في بوهيميا (التشيك حاليًا). وقد آمنت هذه الحركة بقُرب عودة المسيح لإقامة مُلكه الألفيّ، ودعوا إلى إسقاط السلطات الزمنية. تمَّت هزيمتهم على يد أتباع الحركة الهوسية المعتدلين والقوات الكاثوليكية [11].
ولقد استخلص مُعظم التابوريين الاتجاه الشيوعيّ من الاعتقاد بعودة المسيح وحُكمه لمدة ألف سنة. فإن المسيح سُرعان ما يأتي ويُوطِّد مملكته على الأرض، ولن تكون في هذه المملكة، ملكية، ولا كنيسة، ولا دولة، ولا تفرقة طبقية، ولا قوانين وضعية، ولا ضرائب، ولا زواج، ومن المؤكَّد أن المسيح، سيسره عند مجيئه أن يجد المؤمنين به قد أنشأوا مثل هذه المدينة الفاضلة السماوية، وتمَّ تطبيق مثل هذه المبادئ في مدينة تابور وبعض المدن الأخرى، وقال أستاذ معاصر من أساتذة جامعة براغ: كل شيء هناك على المشاع، لا يملك أحدٌ شيئًا لنفسه وحده، ولذلك عُد التملك دائمًا يستحق مقترفه الموت. وهم يرون أن الجميع يجب أن يكونوا إخوةً وأخوات متساويين [12].
بدعة الممهِّدين لتجديدية العماد الألفية
على الرغم من أن البعض منهم ينتمي بالفعل إلى ما بعد العصر الوسيط، إلا أن عدة حركات ما بين القرنين الخامس عشر والسادس عشر استمدت أفكارها من الفكر الألفيّ في العصر الوسيط، ومن أمثلة هذه الحركات: حركة إخوة الروح الحرة، وكانت عبارة عن نزعات متصوفة مضادة للشريعة، وكانت تؤمن بالملك الألفيّ الحرفيّ للمسيح على الأرض، وحركة الراين الأعلى، وكانوا عبارة عن وعاظ نهاية العالم الذين بشَّروا بعصرٍ ألفيّ جديد [13].
بدعة الجلد الذاتيّ الألفية
كان وعاظ حركة الجلد الذاتيّ، خاصةً في القرنين الثالث عشر والرابع عشر، يعلنون أن توبتهم سوف تجلب العصر الألفيّ. وكان منهم حركة رعاة الغنم (1251-1320) التي أدَّعى قادتها رؤى نبوية عن الملك الألفيّ الوشيك [14]، [15].
صدر للكاتب:
ترجمة كتاب: "الثالوث"، للقديس أوغسطينوس أسقف هيبو [٢٠٢١]
كتاب: عظات القديس غريغوريوس النيسي على سفر الجامعة [٢٠٢٢]
ترجمة كتاب: "ضد أبوليناريوس"، للقديس غريغوريوس النيسي [٢٠٢٣]
كتاب: الطبيعة والنعمة بين الشرق والغرب [٢٠٢٣]
كتاب: مونارخية الآب في تعليم آباء الكنيسة [٢٠٢٤]
