هدأ الحديث عن أزمة كنيسة السيدة العذراء وال بمنطقة الزهور في مدينة 15 مايو جنوب القاهرة، بعدما لفتت مشكلات جديدة انتباه المواطنين لمتابعتها، وهي فرصة للحديث عن الأزمة بهدوء، وبحث عدم تكرارها مجددًا، في أماكن أخرى سواء من قبل الكنيسة أو المواطنين، أو جهات إنفاذ القانون في القطاعات المختلفة من الدولة، وحتى كتابة هذه السطور لا يزال 13 مسيحيًا محبوسين وقيد التحقيق من قبل النيابة العامة، بعدما تم رفض الاستئناف المقدم من قبل الدفاع عنهم في 11 فبراير الجاري.

بغض النظر عن واقعة كنيسة 15 مايو، فهناك ميراث طويل من عدم الثقة بين الدولة والكنيسة. تاريخيًا، عانى المسيحيون في بناء الكنائس. وكان النمط السائد في الفترة بين 1981 و2011، وهي فترة حكم الرئيس الأسبق ، هو عدم وجود قانون لبناء وترميم الكنائس. وكان دخول الجنة أسهل من الحصول على تصريح لترميم دورة مياه في كنيسة قائمة. وكان بناء الكنائس يتم بالتحايل، حيث يحصل المسيحيون على قطعة أرض يتم الإعلان أنها ستُبنى كمصنع أو عمارة سكنية، ثم بعد إقامتها يتم الإعلان أنها كنيسة، فيتفجر الوضع مجتمعيًا باعتراض المسلمين على بناء كنيسة وتتدخل الجهات الأمنية ويتم وضع تسويات تكرس لوضع غير دستوري وغير قانوني وضد مفهوم المواطنة، في بقاء الكنيسة دون تراخيص، مع استمرار حالة من الاحتقان بين المواطنين المسلمين والمسيحيين، وتدخل التكتلات والجماعات لممارسة دور الدولة، وغياب أجهزة الدولة عن تأدية دورها بمهنية، وبدلًا من ذلك، تُدار بتسويات لا تصح وفق مفهوم الدولة والقانون.

بيان إيبارشية حلوان والمعصرة حول كنيسة مايو

رغم صدور قانون بناء وترميم الكنائس رقم 80 لعام 2016، وتقنين أوضاع كنائس قائمة منذ صدور القانون، إلا أن أزمة عدم الثقة لا تزال قائمة بين أجهزة الدولة والمسؤولين في الكنيسة. وتجلى هذا في قصة كنيسة 15 مايو، فقد حصلت الكنيسة على قطعة أرض مساحتها 1950 مترًا مربعًا. تم بناء سور حول القطعة، لكن كما تم الإعلان في بيان إيبارشية حلوان والمعصرة التابعة لها الكنيسة، فقد تم التوسع عن مساحة الأرض المخصصة وبناء سور حولها. وجاءت جهات إنفاذ القانون من أجل هدمه، فتجمع المسيحيين الرافضين لهدم السور المبني حول قطعة الأرض، وقامت أجهزة الشرطة بالاستعانة بفرق الأمن المركزي لتفريق التجمع، وتم إلقاء قنابل مسيّلة للدموع، والقبض على 58 شخصًا من الموجودين بمحيط الاشتباكات، منهم كاهن الكنيسة.

بالتأكيد تقع مسؤولية على الكنيسة كمؤسسة في عدم الالتزام بقطعة الأرض المخصصة من قبل جهاز مدينة 15 مايو، ولكن كذلك تقع مسؤولية على جهات إنفاذ القانون التي وجدت نفسها في اشتباك شعبي كان يمكن تجنبه بطرق أكثر سلمية وقانونية وأقل عنفًا. وبدلًا من مواجهة المواطنين بفرق مكافحة الشغب، كان يمكن إيجاد وسائل سياسية مع قيادات الكنيسة، وأقصد هنا أسقف الإيبارشية أو البابا، من أجل إنفاذ القانون وإزالة التعديات.

الحكومة لا تسير على خطى الرئيس

اللافت للنظر هنا هو حدوث أزمة بدأت تختفي بشكل كبير من الفضاء العام خلال السنوات الأخيرة، وهي الاعتراض على بناء كنيسة كما كان يحدث في الماضي. فمنذ بدأ رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي تقليد زيارة الكاتدرائية في قداس منذ 6 يناير 2015، وتكفل الدولة ببناء كاتدرائية في العاصمة الإدارية، ثم قانون بناء وتقنين الكنائس في 2016. وفي ديسمبر 2018، خلال افتتاح مشروع أهالينا 1 لتطوير منطقة عشوائية في شرق القاهرة، انتشرت عبارة فين الكنيسة يا عماد؟ لل، حينما كان يتم عرض المنطقة التي تم تطويرها وذكر المنشآت الخدمية (المسجد والمدرسة والوحدة الصحية) ولم توجد كنيسة. وأمر الرئيس ببناء الكنيسة في مشروع أهالينا 2 المواجه لأهالينا 1، وهو ما تم بالفعل وبنت الدولة الكنيسة ودشنها ال في وقت سابق.

لكن هذا النهج المتسامح والداعم لحرية الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية، والداعم للمواطنة وحق كل مجموعة دينية في ممارسة شعائرها، والقادم من أعلى هرم السلطة في الدولة، ربما لا يجد طريقه في النزول ليشمل بقية قاعدة هرم السلطة بالنسبة للموظفين الأصغر. فنجد مجلس الوزراء يصدر تهنئة للإخوة الأقباط/المسيحيين، بدلًا من استخدام خطاب “يهنئ المواطنين المسيحيين/المصريين المحتفلين بعيد الميلاد”، أو كما فعل وزير العمل السابق قبل عيد الميلاد 2026، بتقسيم إجازات أعياد المسيحيين حسب الطائفة، وهو نهج مخالف لمفهوم المواطنة [1].

موقف آخر يوضح عدم الثقة لدى قيادات الكنيسة من الأساقفة والكهنة في المسؤولين الحكوميين في الدرجات الأدنى من الوزراء. أنقله كما حكاه القمص روفائيل الأنبا بيشوي، النائب البابوي في مدينة العبور التي تتبع إيبارشية البابا بالقاهرة، ففي قداس تدشين كنيسة السيدة العذراء والأرشيدياكون في 22 أغسطس 2024، وفي حضور البابا تواضروس، حكى القمص روفائيل أن أرض هذه الكنيسة خُصصت بأمر مباشر من الرئيس عبد الفتاح السيسي عام 2018، عندما كان يفتتح مجموعة مشروعات للمدن الجديدة بمدينة العلمين. وخلال شرح المشروعات المنجزة، سأل الرئيس عن الكنيسة، وقيل له إنه لم يطلب أحد أرضًا لبناء كنيسة، فقرر الرئيس أن يتم تخصيص قطعة أرض لبناء كنيسة في كل مدينة جديدة، وفقًا لرواية النائب البابوي.

وقال القمص روفائيل إن رئيس الجهاز وقتها طلب منه العمل دون انتظار التراخيص، وبعدما بدأ في وضع الأساسات، أرسل رئيس الجهاز لوادر لهدم ما تم إنجازه، مشيرًا إلى أن من طلب منه العمل هو رئيس الجهاز، كما أشار إلى أنه حصل على أرض كنيسة في الحي الترفيهي الذي تعيش فيه ألف أسرة وتحتاج لكنيسة، لكن ليس عن طريق الجهاز بل عن طريق مسؤول في مجلس الوزراء.

يتضح مما رواه القمص روفائيل بخصوص كنيسة العبور الجديدة، وما حدث في كنيسة 15 مايو، أن هناك أزمة ثقة لدى قيادات الكنيسة في المسؤولين في الدرجات الأدنى من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والوزراء. ويبدو أن النهج الذي أقره رئيس الجمهورية لمواجهة التمييز وترسيخ التسامح الديني لا يستجيب له المسؤولون الحكوميون في الدرجات الأدنى.

العمل الاجتماعي بدلًا من الرعوي

بالعودة لكنيسة 15 مايو وما حدث من محاولة الكاهن المسؤول عن بناء الكنيسة زيادة مساحتها، فهذا يعود لأزمة كبيرة تطغى على الكنيسة، وهي تغوّل الدور الاجتماعي على الدور الروحي والرعوي. فأصبح أهم ما يشغل قادة الكنائس هو بناء الحجارة لا بناء الإنسان، فالمهم هو الحصول على قطعة أرض كبيرة وبناء كنيسة كبيرة ومبنى خدمات للأنشطة ومستشفى، ومدرسة وملعب، وغيرها من المباني التي لا تخص دور الكنيسة الرئيسي.

وفي ميزان دولة المواطنة، فأغلب أدوار الكنيسة الاجتماعية لا تُقدم خدماتها للمسيحيين فقط، بل لكل المجتمع سواء في المستشفيات أو المدارس، لكن هناك أنشطة أخرى سواء فنية أو رياضية لا تقدم إلا لأبناء الأرثوذكسية فقط وتساهم في عزلة المسيحيين عن المشاركة بفاعلية في المجتمع في تلك المجالات.

مقترحات لتحسين اﻷوضاع

لا يجب أن تستمر حالة الارتياب والشك بين قادة الكنيسة والمسؤولين في الحكومة، ولابد أن تكون هناك قنوات للحوار والتفاهم، بل والعمل المشترك بين الكنيسة والحكومة. فالكنيسة، بجانب دورها الروحي، لها دور اجتماعي يجب أن يتطور ليكون لكل المصريين في كافة المجالات وليس للمسيحيين فقط. وهذا يحتاج للتعاون مع الحكومة وتنظيم أنشطة مشتركة تسمح بتفاعل المواطنين المصريين بمختلف خلفياتهم الدينية لتحسين حياتهم وأوضاعهم للأفضل، بدلًا من العيش في جزر منفصلة ومنعزلة.

وإذا كانت الكنيسة تريد مساحة أكبر، فالأكثر أهمية هو فتح حوار مع المسؤولين وتحديد الاحتياجات، واتباع سلوك القمص روفائيل في العبور الذي يتحرك بشكل قانوني، وإذا واجه مشكلة مع مسؤول يذهب إلى من هو أعلى منه في هرم السلطة لحل المشاكل، بدلًا من وضع اليد أو اللجوء إلى تصرف غير قانوني وغير مقبول.

أيضًا يجب أن يكون هناك دور لرئيس الوزراء في تطبيق منهج وسياسات الرئيس في دعم خطاب التسامح والمحبة تجاه المواطنين المصريين بمختلف إيمانهم، ليكون نهجًا حكوميًا يُنفذ في كل الوزارات والهيئات. وأن تساهم مؤسسات الدولة المختلفة في خلق حالة من التعاون مع المؤسسات الدينية الإسلامية والمسيحية من أجل دعم مبادئ المواطنة وفتح باب الحوار ليتعرف كل مجموعة من المواطنين على الآخرين المختلفين عنهم، ويجمعهم تحسين أوضاعهم والمشاركة في جعل البيئة والمناخ الذين نعيش فيهم أفضل.

‎ ‎ هوامش ومصادر: ‎ ‎
  1. نادية هنري، ضبط الخطاب الرسمي التزام دستوري لا خيار سياسي. [🡁]

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي 0 حسب تقييمات 0 من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

پيتر مجدي
[ + مقالات ]

باحث وكاتب صحفي متابع للشأن الكنسي وشؤون الأقليات.
زميل برنامج زمالة الأقليات- مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان- ، جنيف/ ستراسبرج 2023.
زميل برنامج "" () لشبونة 2022.

‎ ‎ نحاول تخمين اهتمامك… ربما يهمك أن تقرأ أيضًا: ‎ ‎