يصعب تناول شخصيّة الأب متّى المسكين من دون الوقوع في أحد فخَّين شائعين: إمّا تحويله إلى رمزٍ صراعيّ داخل التاريخ الكنسيّ الحديث، أو تقديمه بوصفه قدّيسًا معاصرًا منزّهًا عن أيّ إشكال.

غير أنّ القراءة الهادئة لسيرته وكتاباته، تكشف أنّه لا ينتمي حقًّا إلى منطق الاصطفاف، بل إلى مسارٍ أعمق: مشروع روحيّ نشأ في قلب الكنيسة القبطيّة، لا على هامشها، لكنّه بسبب ظروفٍ سياسيّة وإداريّة ظلّتْ صورته، وليس هو، في حالة توتّر دائم مع منطق المؤسّسة (أو بالأحرى شخصٍ مثَّل المؤسّسة).

لم يكن الأب متّى المسكين محض رجل إدارة، ولا منظّرًا كنسيًّا بالمعنى التنظيميّ، لكن راهبًا تشكّل وعيه الروحي واللاهوتي من الكتاب المقدّس بوصفه الكلمة الحيّة، ومن الخبرة النسكيّة بوصفها مكان التحوّل الحقيقي للإنسان. لهذا السبب بالذات، جاءت كتاباته في معظمها قراءةً وجوديّة للنصّ الكتابيّ، لا شرحًا أكاديميًّا تقنيًّا صارمًا، ولا خطابًا وعظيًّا تقليديًّا. فالتفسير عنده ليس نقل معنى، بل “مواجهة بين النصّ والإنسان”، حيث يُعرَّى القلبُ قبل أن يُقنَع العقل.

في هذا الإطار، لا يمكن فصل لاهوته عن رؤيته للرهبنة. فالرهبنة عند الأب متّى ليست انسحابًا من العالم ولا ملاذًا نفسيًّا، بل فعل مواجهة جذريّة مع الذات ومع الله. لذلك عاد مرارًا إلى والأنبا مقار لا بوصفهما رمزين تاريخيّين، بل شاهدين على نمط حياةٍ يُعيد ترتيب الأولويّات، ويضع الله في مركز الوجود الإنسانيّ والحياة المسيحيّة. الرهبنة، بهذا المعنى، ليست حالةً كنسيّة خاصّة، بل “اختبارٌ كنسيّ كاشف”: ما يحدث في البرّيّة يكشف ما يحدث في الكنيسة كلّها.

من هنا نفهم تركيزه اللافت على شخص المسيح. فمشروعه اللاهوتي لم يكن بناء منظومة فكريّة متكاملة، بل “إعادة توجيه النظر إلى المسيح نفسه”: المسيح المقروء في الإنجيل، والمُختبَر في الصلاة، والمَعيش في التوبة. لهذا بدت كتاباته الّة ولا سيّما سلسلة ألقاب المسيح كأنّها محاولةٌ دائمة لإنقاذ الإيمان من التحوّل إلى أفكارٍ مجرّدة أو شعارات ترفع من شأن الهويّة.

لكن هذا العمق الروحي نفسه هو ما وضعه في حالة احتكاكٍ مع الواقع الكنسيّ المعاصر. فالمؤسّسة، في عصره، بظروفها التاريخيّة والسياسيّة، احتاجت إلى وضوحٍ إداريّ وحدود وتعريفات، بينما كان الأب متّى يكتب ويتكلّم من منطق الخبرة، لا من منطق الضبط ولا السلطة. لم يسعَ إلى هدم المؤسّسة، ولا إلا الصدام معها، ولا إلى مصارعتها على السلطة، لكنّه لم يقبل أيضًا أن يُختزل الإيمان في آليّاتها وانغلاقها. لذلك بدا صوته مزعجًا أحيانًا، لا لأنّه تصادميّ، بل لأنّه يذكّر الكنيسة بما لا يمكن تنظيمه وحصره في بعض الأشخاص: سرّ اللقاء بالله.

ولعلّ هذا ما يفسّر حضوره المسكونيّ الضمني بالمعنى الشامل. فخطابه لم يكن مسكونيًّا بالمعنى الدبلوماسيّ أو الحواريّ الرسميّ، لكن مسكونيًّا من حيث الجوهر: العودة إلى الجذور، إلى الإنجيل، إلى الآباء، إلى الخبرة المشتركة التي تسبق الانقسامات، إلى ما عند الآخر المختلف من صدقٍ وخبرة. لقد كتب من داخل التقليد القبطيّ، لكن من دون انغلاق، لأنّ العمق الروحيّ بطبيعته لا يعرف الحدود الصلبة، ولا القوميّة والمسمّيات المصنِّفة.

لا يمكن اختزال الأب متّى المسكين في صراعٍ كنسيّ أو خلافٍ إداريّ. إنّه مشروعٌ روحيّ كامل، نابع من قراءة كتابيّة وجوديّة ومن اختبار نسكيّ عميق وفريد. قوّته كانت في عمقه، وضعفه كان في أنّ العمق لا يُترجم دائمًا بسهولة إلى مؤسّسة. لذلك ظلّ صوته مُقلِقًا لأنّه لم يقبل التبسيط.

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي 0 حسب تقييمات 0 من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

چون جبرائيل الدومنيكي
راهب في معهد الدراسات الشرقية للآباء الدومنيكان   [ + مقالات ]

صدر للكاتب:
كتاب نقدي: ، هل من روحانية سياسية؟
تعريب كتاب جوستافو جوتييرث: ، التاريخ والسياسة والخلاص
تعريب كتاب ألبرت نوﻻن الدومنيكاني: يسوع قبل المسيحية
تعريب أدبي لمجموعة أشعار إرنستو كاردينال: مزامير سياسية
تعريب كتاب ال: ومواهب الروح القدس