في جملة بتتكرر كل ما حد يقرأ حكاية جيفري إبستين: إزَّاي واحد بدأ مُدرِّس رياضيات/فيزياء، وخرج من التدريس، يبقى بعد كام سنة واقف جوه قلب دوائر المال والسلطة، ويبان كأنه ماسك خيوط ناس “كبار”؟
واللي نعرفه من الوقائع ببساطة إن قصته كانت ماشية كده:
- مُدرّس في مدرسة ولاد ناس مؤثرة (مدرسة غالية بتجمع ناس ليهم نفوذ) والغِنى هنا مش هو المشكلة.
- علاقات مع أولياء أمور أغنياء، والغِنى برضه مش المشكلة.
- وول ستريت (قلب أسواق المال في مانهاتن: بنوك استثمار، بورصة، وشركات بتدير فلوس الدنيا) هنا يبدأ يبان اتجاه القلب: طموح بيجري ورا “ممالك العالم” أكتر ما هو بيدوّر على حياة سليمة.
- بير ستيرنز (دخل عالم البنوك والاستثمار من أوسع أبوابه) وهنا فكرة “الصيد” بتبدأ: لما الشهوة تبان، الطُعم يبقى جاهز.
- إدارة ثروات (شركة خاصة تشتغل مع ناس معاهم مليارات) هنا الطُعم اتقدَّم: نفوذ أسرع، باب أوسع، وسُلّم أقصر.
- ملياردير “فاتح له الأبواب” (ليزلي وكسنر، العميل الأكبر والبوابة الأهم) وهنا الصيد اكتمل: ظهر الراعي، واتفتحت أبواب ما بتتفتحش لأي حد.
- نفوذ وممتلكات (بيت فخم في مانهاتن، ثم توسّع في الملكيات) وهنا “ممالك العالم” بقت حقيقة في إيده أكتر وأكتر.
- شبكات علاقات (سياسة، بيزنس، مشاهير، ودوائر مغلقة) وهنا طريق الهلاك بقى “عادي”، لأن اللي حواليه ساكتين أو مستفيدين.
- طيّارة وجزيرة (حياة فوق الطبيعي لواحد “بدأ من تدريس”).
- شبكة بتستدرج بنات قاصرات بحجج “شغل/فلوس/وغيره”، وبعدين الموضوع يتدرّج في البشاعة: استغلال، تعدّي، إكراه، اعتداء، ثم اتجار وإدارة شبكة. ومع التدرّج ده: رشوة، وسكوت، وخداع، وهنا يبان أوجه الشر وأجندته، سفك دم الأبرياء واستغلال الضعفاء.
- صفقة قضائية مُخفَّفة بشكل صادم: بدل ما يتحاكم على تهم تقيلة تفضي لسنين طويلة، اتعملت له تسوية خففت التهم والنتايج، وخد عقوبة أقل بكتير من اللي تخليه يقف وقفه شديده مع نفسه.
- رجع يعيش كأن مفيش حاجة: سهرات، علاقات، سفر، نفوذ، رغم إنه اتسجّل رسميًا كمعتدٍ جنسي، وهنا كعادته بدأ ينسج “حبل التبريرات” اللي مع الوقت هيتحول لحبل معقود بعناية على مدار حياته كلها، يستخدمه قرب النهاية.
- الملف اتفتح من جديد: تحقيقات وضغط عام رجّعوا القضية للواجهة، والكشف بدأ يزيد، والضغط علي،عشان يواجه الحقيقة بدل ما يهرب منها.
- اعتقال تاني: قبضوا عليه بتهم اتجار جنسي/استغلال قاصرات.
- نهاية قبل المحكمة: مات في السجن قبل ما يتحاكم، والناس ما بين “انتحار” و”شكوك إن حدّ قتله”.
هنا يجي السؤال النفسي/الروحي: هو الصعود ده كان مجرد “ذكاء و علاقات”؟ ولا فيه بُعد أعمق…؟
فيه آه. إبليس رئيس هذا العالم ساعات يبني “سُلّم سريع” للي عنده قابلية، ويغريه بطُعم يناسب شهوته: نفوذ، لذّة، حصانة، وإحساس إنك فوق القانون. لحد ما الإنسان يتحوّل لأداة في إيد الشر تنفّذ رغبته، وتضرب أضعف مكان في الإنسانية: وأهمهم الأطفال.
وأنا بقرأ المعنى ده، جه في ذهني مشهد تجربة المسيح على الجبل:
ثم أخذه أيضا إبليس إلى جبل عال جدا، وأراه جميع ممالك العالم ومجدها، وقال له: «أعطيك هذه جميعها إن خررت وسجدت لي». حينئذ قال له يسوع: «اذهب يا شيطان! لأنه مكتوب: للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد».(إنجيل متى 4: 8-10)
ثم أصعده إبليس إلى جبل عال وأراه جميع ممالك المسكونة في لحظة من الزمان. وقال له إبليس: «لك أعطي هذا السلطان كله ومجدهن، لأنه إلي قد دفع، وأنا أعطيه لمن أريد. فإن سجدت أمامي يكون لك الجميع». فأجابه يسوع وقال: «اذهب يا شيطان! إنه مكتوب: للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد».(إنجيل لوقا 4: 5-8)
التجربة دي مش مجرد “إغراء لحظي” لسقوط وقتي. دي كشف لطريقة الحيّة القديمة كمنهج حياة: تعدك بسلطان وغِنى داخل نظام العالم،بس بثمن واحد: السجود. يعني طاعة، وتنازل داخلي، وتسليم القيادة لرئيس العالم، وروح ضد المسيح.
إبليس لما عرض على المسيح “الممالك”، ماكنش بيرمي كلام في الهوا ولا “فلوسه على الأرض”. كان بيقدّم صفقة: [تملِك، مقابل خضوع]. لكن المسيح حسم الصفقة من جذرها وردّ ردّ قاطع: «اذهب يا شيطان… للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد.»
وإبليس ماكنش “كذّاب” في حتّة” هتِملِك” من منظور شهوة قلبة. يعني يفتح لك فعلًا باب نفوذ وسلطان. بس قدّام ده هيستنزفك، ويستعبدك، ويستخدمك لهلاك أكبر عدد ممكن من اللي حواليك. وفي الآخر هتخسر نفسك اللي كنت فاكر إنك بتربحها.
وعشان كده المسيح كان حاسم، لأنه عارف طبيعة إبليس زي ما قال الكتاب: …كَذَّابٌ وَأَبُو الْكَذَّابِ، وَكَانَ قَاتِلًا لِلنَّاسِ مِنَ الْبَدْءِ…
ونفس النهج أتكرر مع إبستين، وبيتكرر معانا كلنا بدرجات مختلفة. يكفي إبليس يشم خيط صغير جوّه النفس: طموح بلا ضمير على حساب الآخرين، حب سيطرة، شهوة، أنانية، فيرمي الطُعم. ولو الإنسان شبك بالطُعم، يبدأ يطلع بسرعة، وبعدين يفضل يخدع نفسه بحيل بتتعقّد مع الوقت، ويبرّر لنفسه، لحد ما “ينكشف”. ولحد ما العَفَن اللي جوّه الميّت اللي ساكن في الإنسان تطلع ريحته، وساعتها مايبقاش قدّام الناس غير إنهم “يطلبوا الحكومة” على رأي أطاطة.
والمرعب إن السقوط والدينونة بييجوا فجأة، على عكس ما الشرير المتكبر متخيل. يصحى يلاقي الأبواب اتقفلت، والحصانة اتكسرت، والدوائر اللي كانت حواليه بدأت تتخلى عنه. ثم نهاية: موت، وفي الأغلب “انتحار”. وكأن الخيوط اللي حبكها سنين في تبريراته لنفسه اتحولت في الآخر للحبل اللي خنق بيه نفسه.
المخيف إن في طرق بتبان “نجاح” وهي في الحقيقة صفقة مهلكة. والأمين مع نفسه فقط، اللي بيرفض الطُعم والسجود لشهوة وغرور قلبه، هو اللي يقدر ينجو منها.
لأنه ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟(إنجيل متى 16: 26)
