في قصة ، ناس كتير انشغلت بتفاصيل “الجزيرة” و“الحفلات” و“الأسماء الكبيرة”، واللي كانوا بيهبّبوه هناك. لكن من أولها لأخرها، القصة ببساطة متفرقش عن قصة سوي في حجمها: قاصِر عندها إعاقة ذِهنيّة تخليها -من حيث النُّضج- زي طفلة صغيرة. الشرّ سواء لبس بدلة أفرنجي شيك، أو حتى جَلابيّة بيضا، لكنه دايمًا يختار الفريسة الأكثر براءة، عشان مقاومتها تبقى أقل.

ومن هنا يبان إننا مش قدّام حكايتين… إحنا قدّام نفس الجُرم ونفس الجرح: خطف بالحيلة والمراوغة، واحتجاز، واستغلال، وأكاذيب وتضليل نِغلوش بيه على الحكاية، وتعطيل طريق الرجوع لحضن أهلها. مفيش فرق جوهري بين اللي كان بيتعمل هناك… واللي بيتحكي وبيتكشف إنه بيتعمل هنا. “الإيد الآثِمة” واحدة: إيد بتخطف، وبتستغل، وبتتاجر بالإنسان وهو في أضعف حالاته… للتلذّذ بيه، وتشويه نفسه، وسَحق وإهلاك روحه.

والصادم أكتر إن سِلفانا مش مجرد قاصِر وبس… دي كمان قاصِر “مستضعفة” بحكم حالتها الذهنية. وده بيخلّي الألم أتقل، والجريمة أخسّ: قدرتها على الفهم أقل، وعلى الدفاع أقل، وعلى الاعتراض أقل، وعلى النجاة وحدها أقل.

ومع ذلك، تلاقي ناس عندنا بتفتّش باجتهاد وبتتفرّج على “ملفات إبستين” كأنها فرصة تشتم “الغرب الكافر” وتاخد جرعة تفوّق أخلاقي رخيص… وتَقْوَى مُزيّفة… كأن مجرد إن الوساخة هناك يبقى إحنا تلقائيًا الأبرّ والأنقَى هنا. ووسط ما هو بيدين “إپستين” واللي معاه، بيسكت عن “سِلڤانا” لأنها بتكشَف اللي جوّه عنده… واللي مخبّيه. هنا الخدعة بتبان: لا هو أبرّ، ولا هو أنقَى… بل يمكن أشدّ قسوة وفُجورًا وشرًّا، وبقدرة أعلى على التبرير والتحوير واللفّ والدوران؛ يلعن الشرّ وهو بعيد… ويدفنه وهو قريب منه. نُفوس مَيّتة مش مريضة… تِنسى وتتناسى، وتكمّل خداع لنفسها.

والحقيقة المؤلمة إن قضية إپستين نفسها -بغضّ النظر عن تفاصيلها- مش بس “عار” هناك… دي كمان بتكشف حاجة تانية: إن فيه آليات بتخلّي الجريمة تطلع للنور بدل ما تتدفن. هناك فيه صحافة وإعلام عندها مساحة تسأل وتنبش، وقضاء يقدر يفتح ملفات حسّاسة، ويقدر يوقف قدّام القوي بدل ما يرفع وجه شرّه وهو دايس على الفقير.

لكن عندنا هنا… كتير من اللي بيتسمّى “سِتر” بيتحوّل لحاجة تانية خالص: دفن. والفرق بين الاتنين كبير جدًا. السِّتْر مش تواطؤ على الظلم، ولا حماية للمُجرم، ولا “تمرير” للجريمة من غير عقابٍ مناسب يوقّف اللي ارتكب الشرّ قدّام نفسه، ويخلّيه يِفكّر ويرجع لنفسه، معترف إنه أخطأ ومحتاج للي يِغفر له. السِّتْر الحقيقي بيبقى مساحة رحمة، بيشتغل فيها الله على القلب، وبيوجّه إنذارات، وبيفتح باب توبة، ويدي فرصة للرجوع… أمّا لما تبقى فيه ضحية… وقاصِر… ومستضعفة… هنا السِّتْر اللي يبقى “دفن” مايبقاش حكمة: يبقى خيانة للحقّ وظلم.

كم “إپستين” عايش بينّا بأسماء مشهورة، ولُحى وقورة، وخطاب ديني، أو ألقاب رسمية؟ ليه عندنا بيتعمل ألف مخرج عشان المستور يفضل مدفون، والضحية تفضل وحيدة، والأهل يفضلوا بين خوف وذُهول ووجع قلب بالباطل، والقانون يبقى عاجز أو مُعطَّل أو مُلتفّ عليه؟ وليه ناس كتير تتفنّن في “ستر المُجرم” باسم الحكمة… بدل ما تستر الضحية بالحماية والإنصاف؟!

الشرّ دايمًا بيشتغل على فكرتين: التغطية بهدف يفضل في الضلمة… وكتم صوت الضحية. ولو الصوت ما اتخرسش، ولو النداء ما سكتش… ساعتها الشرّ بيبدأ يتخنق. لأن الظلمة بتكره النور… وبتكره السؤال… وبتكره المُساءلة.

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي 0 حسب تقييمات 0 من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

أشرف سمير
Environmental Planning & Management Systems Specialist في Vodafone Egypt   [ + مقالات ]