يتكرّر في الكتاب المقدّس مشهدُ الصراخ إلى الله طلبًا للعدالة في وجه ظلم القادة والرؤساء، سواء كانوا ملوكًا وحكّامًا سياسيين يدّعون الدرايةَ والحكمة، أو قادةً دينيّين يلبسون ثوبَ البرّ الذاتيّ والتقوى والقداسة الزائفة. ففي أزمنةٍ مختلفة، واجه الشعبُ فسادًا واستبدادًا من قادته، فعبّروا عن آلامهم بصلواتٍ ونبوّاتٍ صارخة، لا لأنهم لم يعرفوا إلى مَن يتّجهون، بل لأن الأبوابَ الأرضيّة أُغلِقت في وجوههم، فارتفعت الصرخةُ إلى السماء تستدعي تدخّلَ الله نفسه بوصفه الديّانَ العادل.
يمتدّ هذا الصوت عبر العهدين القديم والجديد؛ إذ تتردّد الصرخة في المزامير، وتتعالى في أسفار الأنبياء الكبار والصغار، وتظهر بوضوح في تعاليم المسيح، وفي رؤى العهد الجديد، كلّها تطلب أن يقضي الله في الرؤساء الظالمين قضاءً إلهيًّا قائمًا على الحقّ والسلطان والبرّ، وأن يُنصِفَ المظلومين الذين سُحِقَت نفوسُهم على الأرض.
وفي كلِّ هذه الصرخات يتكرّر المعنى ذاته: قد يطول زمنُ الظلم على الأرض، لكن العدل لا يغيب عن السماء؛ فهناك إلهٌ يرى ما يُخفى، ويسمع أنينَ المقهورين، ولا يسمح أن يستقرّ الفسادُ إلى الأبد. لذلك لا تنتهي هذه الصلوات عند حدود الألم، بل تتحوّل إلى رجاءٍ ثابت، وإيمانٍ راسخ في نفوس طالبيه ومنتظريه بإيمانٍ حيّ، بأنّ الربَّ — وإن أمهل وتأنّى — لا يُهمِل ولا ينسى، وأنّ يوم قيامه للقضاء هو وعدٌ لا يسقط، وكلمتُه لا ترجع فارغة.
يا إله النقمات أشرق(مزمور ٩٤)
من بين الصرخات التي تردّدت عبر صفحات الكتاب المقدّس على امتداد الأجيال طلبًا للعدل في وجه الظلم، يبرز صوتٌ لا يكتفي بوصف الألم، ولا يطلب تعزيةً عابرة، بل يقف في حضرة الله مطالبًا بقيام العدالة ذاتها.
في مزمور ٩٤ نجد صلاةً إيمانيّةً جريئة يطلقها المرنّم في مواجهة ظلمٍ مُستعلَن، طالبًا من الربّ أن يظهر بوصفه ديّانَ الأرض العادل، وأن يتدخّل ضد المتجبّرين الذين استطال شرّهم. ويُفتتح المزمور بنداءٍ غير مألوف في لغة الصلاة: يا إله النقمات أشرق
.
والمصطلحُ العبرانيّ هنا («إيل نِقَموت») يجمع بين اسم الجلالة «إيل» وكلمة «نِقمة» (جمعها «نِقَموت»)، وهي تدلّ في ثقافة العهد القديم على أعمال القصاص العادل وإعادة الحقوق، لا على انتقامٍ بشريّ. صيغةُ الجمع تُبرز كمالَ العدالة الإلهيّة وتنوّعَ صورها، وأن الجذر ن-ق-م يعبّر عن حماية المظلوم ومعاقبة المعتدي، وبالتالي يُنسَب القصاصُ لله وحده.
وهو نداءٌ لا يُراد به أن يصدر عن روحِ انتقامٍ بيدٍ بشريّة، بل عن إيمانٍ عميق بأنّ النقمة — أي القضاء العادل — هي حقٌّ إلهيّ خالص، لا يملكه الإنسان ولا يُسمح له أن يغتصبه. فالمرنّم لا يطلب أن ينتقم بنفسه، بل يسلّم القضيّة كاملةً إلى الله، معترفًا بأنّ الربّ يرى ظلمَ الأشرار، ولا يغيب عنه ما يُرتكَب في الخفاء، وأنّ تدخّله — وإن بدا متأخّرًا — سيأتي بسلطانٍ وفي الوقت المعيَّن.
ومن هذا الإدراك تنطلق الصرخةُ المركزيّة في المزمور: ارتفع يا ديّانَ الأرض، جازِ صنيعَ المستكبرين
، وهي صرخةٌ تطلب قيامَ الله في موضعه السياديّ كالقاضي الأسمى، ليُعيد الأمور إلى ميزانها، ويُعلن أنّ العدل حيّ، حتّى حين يبدو أنّ الظلم قد صار هو النظام السائد.
يوضّح المزمور حالةَ شعبٍ واقعٍ تحت اضطهاد فئةٍ متغطرسة تمادت في الشرّ دون رادع. فيصرخ المرنّم متسائلًا: حتّى متى يفتخر الأشرار؟
وهو سؤالٌ لا يحمل استفسارًا زمنيًّا بقدر ما يعبّر عن ثِقَل الانتظار، حين يبدو وكأنّ الظلم ممتدّ بلا حساب.
ويرسم المزمور صورةً قاسية لما يفعله هؤلاء الرؤساء أو القضاة الفاسدون، فيقول: يسحقون شعبك يا ربّ، ويُذلّون ميراثك. يقتلون الأرملةَ والغريب، ويُميتون اليتيم، ويقولون: الربّ لا يُبصر
. لا يتحدّث النصّ هنا عن اعتداءاتٍ عابرة، بل عن سحقٍ منهجيٍّ للحياة ذاتها؛ إذ يُسلَب الضعفاء أبسطُ مقوّمات يومهم العادي: الأمان، والكرامة، وحقّ البقاء. فالأرملةُ تُترك بلا مُعيل، والغريبُ بلا حماية، واليتيمُ بلا سند، وكأنّ وجودهم نفسه صار عبئًا في نظر المتسلّطين.
ويمتزج في هذا المشهد نوعان من الشرّ: عنفٌ اجتماعيٌّ مباشر يُمارَس على الأجساد والنفوس، وتجديفٌ روحيٌّ أخطر يُمارَس في الفكر، حين يقول الظالمون: «الربّ لا يُبصر». بعضهم يتوهّم أنّ الله غائب، وبعضهم -وهو الأخطر- يخدع نفسه بأنّه وكيلٌ عن الله، يتصرّف باسمه، ويبرّر ظلمه بسلطةٍ دينيّة أو شرعيّة زائفة. وهكذا يتحوّل الظلم من فعلٍ فرديّ إلى منظومةٍ كاملة تقتل باسم السلطة، وتُبرَّر باسم الله.
ومع ذلك، لا يكتفي المرنّم بوصف المأساة، ولا يسمح لغضبه أن يتحوّل إلى تمرّدٍ أو عنف، بل يصنع فعلًا روحيًّا عميقًا: يُحوّل شكواه إلى صلاة، وألمه إلى عبادة، وغضبه إلى تضرّعٍ أمام الله، طالبًا لا انتقامًا بشريًّا، بل قيامَ العدل الإلهيّ الذي وحده يقدر أن يُعيد الحياة إلى ميزانها الصحيح.
ورغم نبرة الشكوى التي تملأ المزمور، يتخلّل كلماته يقينٌ راسخ بعدالة الله، لا يسمح لليأس أن يستقرّ. فالمرنّم لا يرى صمتَ الله غيابًا، ولا طولَ أناته غفلة، بل يواجه فكرَ الأشرار مواجهةً مباشرة، قائلًا: أفهِموا أيّها البُلداء في الشعب، ويا جُهّال متى تعقلون؟ الغارسُ الأُذنَ ألا يسمع؟ الصانعُ العينَ ألا يُبصر؟
.
بهذه الأسئلة الساخرة يهدم المرنّم أخطرَ كذبة يقوم عليها الظلم: وهمُ أنّ الله لا يرى ولا يسمع. فالله — الذي خلق أدوات السمع والبصر — لا يمكن أن يكون أعمى أو أصمّ عمّا يجري في الأرض. صمته ليس تجاهلًا، بل صبرٌ إلهيٌّ يحمل في داخله فرصًا للرجوع، وحُكمًا مؤجَّلًا لا مُلغى لمن يعاند.
ومن هذا اليقين ينتقل المزمور إلى إعلان رجاءٍ واضح، فيقول: لأنّ الربّ لا يرفض شعبه، ولا يترك ميراثه. لأن إلى العدلِ يرجعُ القضاء، وعلى إثره كلُّ مستقيمي القلوب
. لا يَعِد النصّ بعدم الألم، لكنّه يعلن حقيقةً أعمق: أنّ القضاء، وإن انحرف زمنًا في أيدي البشر، لا يفقد جوهره، بل يرجع في النهاية إلى أصله، إلى العدل. وحين يعود العدل إلى مكانه، يسير مستقيمو القلوب في نوره، لا بقوّة أيديهم، بل بقوّة ثبات الحقّ نفسه فيهم.
ويختم المزمور هذا المسار برجاءٍ حاسم لا يحمل تردّدًا، قائلًا: ويردّ عليهم إثمهم، وبشرّهم يُفنيهم. يُفنيهم الربُّ إلهُنا
. ونلاحظ أنّ المزمور يبدأ بنداء «إله النِّقَمات» وينتهي بتكرار فعل «يُفنيهم» مرّتين للتوكيد، في بناءٍ يُظهر أنّ العدالة الإلهيّة ليست فكرةً عابرة، بل الإطار الذي يحتضن المزمور من أوله إلى آخره. فالربُّ الذي يُدعى في البداية ليقوم، هو نفسه الذي يُعلَن في الختام أنّه سيتدخّل بالفعل.
وهكذا يتحوّل القلق داخل المزمور إلى تسبيحٍ مُطمئن في حضرة الله؛ فالألم الذي كاد أن يقود إلى اليأس، يصير فرصةً لإعلان الثقة، والشكوى تتحوّل إلى عبادة، لأنّ الإيمان الحقيقي لا يُنكر الظلم، لكنّه يرفض أن يكون الظلم هو الكلمة الأخيرة بل لإلهنا.
