والله لسه بدري، والله، يا شهر الصيام
أغنية تتردد أصداء كلماتها في البيوت والشوارع، فيما يتساءل المسلمون: كيف انقضى نصف الشهر المبارك دون أن نشعر به؟ وتلك هي حال رمضان، سريعٌ كوميض البرق. أما المسيحيون، فينتظرون حلوله شغفًا، فهو عندهم موسمٌ للبُهجة والفرح، تزينه المسلسلات والسهرات الرمضانية، مع ساعات استيقاظ متأخرة وأعمالٍ تتخذ إيقاعًا خاصًا. ولكن، على النقيض، يعرب بعض المسيحيين عن انزعاجهم من صعوبات التجويع الغذائي. ويصفون شعورهم بثقل الأيام وبطء مرور الزمن خلال فترة الصيام.
أعود من عملي في إحدى الشركات في مصر الجديدة إلى منزلي السادسة مساءً، وأعاني في يومي الطبيعي من القلق والنوم المتقطع، لأجد نفسي في شهر رمضان مجبرًا على المعاناة بشكل مضاعف، حتى أن أدوية المهدئات باتت غير مجدية.
كان يمكن لشهر رمضان أن يكون مثاليًا لو اتخذ الاحتفاء به طابعًا اجتماعيًا شعبيًا، وأصَّل للعادات والتقاليد الفريدة التي تتمتع بها مصر. إلا أن الممارسات الشائعة تحول دون ذلك، وتحيل الشهر إلى رحلة متواصلة من القهر الممارس ضد الأقليات الدينية.
ميكروفون واحد لا يكفي
صوت المسحراتي الذي لا يهدأ له بال إلا إذا اطمئن على استيقاظ كل النائمين، بقرعات طبلته المدوية التي يجوب بها الشوارع الجانبية، توقظني من نومي العزيز. وإذا كنت أغط في النوم وأفلتت منه، فإني أسمع أذان الفجر الذي يصليه شيخ جامعنا القريب من المنزل، بعدما قرر أن ميكروفونًا واحدًا لا يكفي، فأحضر آخر منذ اليوم الأول لشهر رمضان. وتضاعف الصوت في شارع ضيق لا يحتمل كل هذه المُكبرات الصوتية، بل يتحول صوته إلى ما يشبه أمواجًا صاخبة تهتز معها شبابيك غرفتي، فأستيقظ لتتجدد معاناتي كل يوم على نفس الحال.
يتحول مسلمون كُثُر إلى شرطة دينية في مجال العمل، ولو كل مسيحي وقف ضد هذه الممارسات، وتعوّد المسلمون على وجود من يأكل ويشرب أمامهم، لما وصلنا إلى ما نحن عليه الآن.(يوسف سامر)
يعتبر سامر نفسه محظوظًا كونه من جيل نجح في رسم صورة بذاكرته عن رمضان… لا يزال يتمسك بها لتعينه على تحمل السلوكيات “الداعشية” كما وصفها، دون أن ينهار.
جيل الماضي ورمضانه الذهبي
هنا، نشير إلى أن سامر ينتمي إلى جيل عاش رمضان في فترة زمنية سابقة، ربما قبل الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي، وقبل تصاعد وتيرة الانقسامات المجتمعية والصراعات التي أدت إلى ظهور سلوكيات متطرفة. كان رمضان في ذاكرته يحمل طابعًا خاصًا، طابعًا مشبعًا بالقيم الأصيلة للتعاون، التآخي، التسامح، والتواصل الإنساني الحقيقي.
هذه “الصورة المرسومة في الذاكرة” ليست مجرد ذكريات عابرة، بل هي بمثابة مخزون عاطفي وروحي. وكأنها أرشيف حي لكل لحظات الفرح، السكينة، والوحدة التي أختبرها في طفولته وشبابه خلال هذا الشهر المبارك. هذه الذكريات تتضمن تفاصيل حسية وجياشة: رائحة الطعام العائلي، أصوات صلاة التراويح، دفء اللقاءات مع الأصدقاء والجيران، الشعور بالانتماء للمجتمع، والخشوع في العبادة.
عندما يواجه سامر هذه السلوكيات المشوهة، فإن ذكريات رمضان النقية تعمل كمرآة تعكس الفرق الشاسع بين الصورة الحقيقية وبين التفسيرات المغلوطة والمتطرفة. هذه الذكريات بمثابة حصن نفسي. عندما يرى سامر حوله حالة من التطرف، فإن الذكريات الإيجابية تساعده على عدم الانجرار إلى اليأس أو الغضب الشديد. إنها تمنحه بصيص أمل وتذكره بأن هناك جانبًا آخر، جانبًا إنسانيًا وروحانيًا أصيلًا، لا يزال قائمًا.
إذا لم يكن لدى سامر هذا المخزون من الذكريات الإيجابية، لكان من المرجح أن ينهار أو ينجرف مع التيار السلبي. قد يصل به الأمر إلى الإحساس بفقدان الأمل في المجتمع، أو حتى اعتناق بعض الأفكار المتطرفة كرد فعل على ما يراه. لكن تمسكه بذاكرة رمضان الأصيل يمنحه استقرارًا ويحميه من هذا الانهيار.
لدي ذكريات مثالية عن رمضان، مثل تجمعات الأصدقاء والسهر في منطقة الحسين حتى الفجر، وحضور حفلات تواشيح دينية. إلا أن هذه الذكريات يعكرها تصرف مئات الصائمين الذين يتمسكون بقشرة التدين.
في القاهرة، تُغلق المقاهي والمطاعم، والقليل الذي يفتح منها يكون على استحياء وفي الخفاء كأننا مجرمون، هذا بخلاف نظرات التعالي والاستهجان التي قد تصل إلى حد التطاول والتشابك مع كل من يقضم لقمة أو يشرب ماءً في العلن.(يوسف سامر)
الزمالك حي مهجور
معاناة أخرى تحكيها مارينا عماد، تعمل بالشؤون الإدارية للموظفين في إحدى الشركات السياحية بمنطقة الزمالك.
تتحول منطقة الزمالك الصاخبة إلى أخرى مهجورة في شهر رمضان، فلا توجد أماكن لشرب مشروباتنا الصباحية المعتادة من قهوة وشاي، ولا مطاعم للأكل.(مارينا عماد)
ما يضايق مارينا، ويشعرها بالغضب فكرة “الفرض” الذي يمارسه مسلمون كثر على من حولهم، ويجعل هذا “أقرب لموظفين بهيئة الأمر بالمعروف”، على حد تعبيرها.
اعتدت على التعامل بشكل طبيعي قدر الإمكان في العمل منذ سنوات، على عكس زملائي المسيحيين الذين يختبئون لشرب قليل من الماء في نهار رمضان وكأنهم مجرمون.(مارينا عماد)
تلقي مارينا باللوم على خوف المسيحيين أمام تلك السلوكيات التي تحولت مع الزمن من “هزار ومناغشة” إلى “حق مكتسب، تمارسه الأغلبية المسلمة لفرض الصيام على المسيحيين بالعنوة”. بحسب تعبيرها
لو كل مسيحي وقف ضد هذه الممارسات في مجال عمله، وتعوّد المسلمون وجود من يأكل ويشرب أمامهم، لما كنا وصلنا إلى ما نحن عليه الآن.(مارينا عماد)
تخبرنا مارينا أن أحاديث المسيحيين في الخفاء حانقة وناقمة على هذا القهر السنوي الممارس ضدهم، بينما في العلن يسوقون لأنفسهم كمن يحرص على مشاعر الزملاء الصائمين.
أشخاص كسالى
في الفضاء الإلكتروني، يجد مينا صليب مساحة له للتنفيس عن غضبه، كتب قبل شهر رمضان على صفحته بموقع “فيسبوك” منشورًا طريفًا، لكنه لا يخلو من الغضب، أطلق عليه: “الوصايا الخمس بمناسبة الشهر الفضيل”، وطرح فيه ما يراه أزمات يواجهها كل عام الكثير من المسيحيين، أو غير الصائمين، أبرزها السرعة الجنونية قبيل موعد الإفطار، والحوادث التي تتسبب فيها تلك السرعة. تحدث مينا عن دافع منشوره الذي وجد تفاعلًا كبيرًا معه حتى من المسلمين المحتجين على نفس السلوكيات.
كل هذه السلوكيات تعودنا عليها منذ الصغر، لكن مع الوقت أصبحت تحدث بشكل أكثر فجاجة، وتأخذ شكلُا متطرفًا.(مينا صليب)
أما “أزمته الحقيقية مع المسلمين الصائمين”، كما يقول، فهي تعطيل العمل، وتحجج الموظفين في أي مصلحة حكومية بالصوم ذريعة للكسل مقارنة بالأيام العادية.
هناك جملة متكررة نسمعها حتى في المهن التي لا تحتمل التأجيل: “تعالَ بعد الفطار”، لنجد أنفسنا على مدار الشهر نتعامل مع أشخاص كسالى، لا يقدرون العمل كفضيلة.(مينا صليب)
نصائح بهائية
الصورة الإيجابية للشهر الكريم تعكر صفوها شوائب الأفكار المتطرفة، وشعور البعض بتطبيق فرض الصوم على الجميع بالقوة، أو بالتلاسن وإلقاء النظرات الحادة لمن يتجرأ على شرب أو أكل شيء ما أمام الصائمين.(غادة علاء)
هذا ما وصفته غادة علاء، شابة ثلاثينية، بهائية الديانة، تنقلت بين مصر والأردن والإمارات.
رمضان بالنسبة لي مميز، يحمل ذكريات لا تفارقني، لكن الأمر في مصر مختلف عن أي بلد أخرى، فكل المناطق والأماكن تعلن عن وجود رمضان.(غادة علاء)
الشهر الكريم هو فرصة غادة في طفولتها للتساؤل عن الفرق بين الصوم البهائي، ونظيره في رمضان، وكانت تمدها والدتها بالكثير من المعلومات، التي وجدت أن الهدف الروحي منهما واحد وإن اختلف شكل الصيام.
توضح غادة أن الأساس في طقوس الصوم هو إعلاء الروحانية، ودفع الإنسان للتفكير في أخطائه، وإعادة حساب الذات من جديد، لكن مؤخرًا تراجعت الكثير من الروحانيات لحساب زخم الجانب الترفيهي، ومشاهدات التلفزيون التي زادت عن الحد.
ما يثير القلق لدى غادة عدم استيعاب البعض حالة الصيام في رمضان وهي عبادة فردية بين الخالق وربه، لا فكرة إلزام جماعية حتى لمن لا يقتنع بها.
أشعر بالضيق من الرفض العام لفكرة عدم الصيام، فهناك الكثيرون ممن لا يستطيعون الصوم لأسباب مختلفة إيمانية أو صحية، فأن نجبرهم على ادعاء الصوم أو الامتناع عن تناول ما يحتاجونه بحجة ضرورة مراعاة مشاعر الصائمين فهذا أعتبره تجويفًا لفكرة الصوم الأساسية من مضمونها كونها رحلة إيمانية شخصية لن تفيد الآخرين أو تضرهم في شيء.(غادة علاء)
تدرك غادة أن الصوم جزء منه خارجي بالامتناع عن الطعام، لكن هذا ليس كل شيء وإلا أصبح نظام تجويع غذائي، أما الجانب الداخلي فهو الأهم، تمرين روحنا على التحكم في غرائزنا، حتى نوازن بين الروحي والجسدي.
لا توجد في مصر إحصائية رسمية بتعداد المسيحيين المصريين، ولكن تقدر الأعداد بحسب قاعدة البيانات لدى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وهي الطائفة الأكثر انتشارًا، بنحو 12 مليونًا، وبحسب تصريحات سابقة للبطريرك الراحل الأنبا شنودة الثالث، فإن هذه الأعداد تقريبية وليست دقيقة لاستحالة الوصول لتسجيل أسماء المواليد المسيحيين أولًا بأول.
أما أعداد البهائيين فهي غير معروفة على الإطلاق، إذ سبق أن صرّح بذلك أمين بطاح، عميد البهائيين في مصر.
وتنظم غادة من أجل ترسيخ قيم القبول واحترام الآخرين مجموعة تدعى “غذاء الروح”، تقول عنها:
هي مساحة لمجموعات من أديان وقناعات مختلفة، ناس متدينة من كل الأديان، وآخرون لا يزالون في رحلة البحث عن الإيمان، لكن ما نحرص عليه هو مناقشة الأفكار دون فرض رأي بعينه على الآخرين.
كان الحديث عن صوم رمضان مطروحًا في مجموعة غذاء الروح، وانتهى النقاش إلى أهمية الاحترام بين المختلفين، وقبول التنوع، والتوصية بضرورة أن يراعي مجتمعنا المصري الفروق بين الجميع، إذ لا يفرض أحدنا على الآخر فكرة ما، ورفض إصدار الأحكام على غير المتدينين، أو استهجان سلوكهم لمجرد أنه لا يتفق والأغلبية.(غادة علاء)
