- الحالة المصرية: اقتراب حذر
- الدولة بين النظام الرئاسي والنظام البرلماني
- الحكومة بين السياسيين والتكنوقراط
- ☑ مدنية الدولة وإدارة الإقتصاد [١]
السياسة، الاقتصاد، الدولة، الصراع، الديمقراطية، الرفاهية… مصطلحات تمثل متتالية في سلسلة، لا يمكن قراءة إحداها منفردة، أو لذاتها، ولا يمكن القفز على مراحلها، فالرفاهية التي هي سعي كافة أنظمة الحكم لشعوبها لا يمكن أن تتحقق دون التدقيق في السياسات التي تتبعها، والسياسات لا تستقيم دون الانتباه لتشابكات الاقتصاد ومعادلته القائمة والدائمة؛ الموازنة بين مواردها المتاحة والمحدودة في غالب الأحوال وبين الاحتياجات المتنامية في كل الأحوال، لما تحمله من انعكاسات على الحياة اليومية وما تتطلبه من توفر عوامل تحقيق معالجة الفجوة بينهما، من خلال بنية اقتصادية وتعليمية وتوعوية وقانونية وتنظيمية قوية، وهي مسؤولية تحملها “الدولة”.
والدولة هي من تقوم بإدارة مواردها وتعظيمها وحماية أمنها وأرضها واستقلالها، وانضباط وتوازن العلاقات بين مكوناتها، وتملك القدرة على إدارة التنافسية بينها حتى لا تتحول إلى صراعات، وبحسب الخبرات السياسية التي نستقرئها ـ باتساع الجغرافيا وامتداد التاريخ ـ يستحيل تحقيق هذا إلا من خلال إعمال الديمقراطية، التي هي في أبسط تعريفاتها، حكم الشعب لنفسه بنفسه، من خلال توزع وتوازن السلطات داخلها، بين السلطة التنفيذية والسلطة القضائية والسلطة التشريعية. وتوفر الديمقراطية، إيمانًا وفعلًا وممارسة، عوامل استقرار الحكم وتضمن من خلال أدواتها الانتقال السلمي للسلطة، بعيدًا عن شبح الانقلابات وتغيير النظم بالقوة، ومن ثم تُجنِب البلاد دوامة الصراع المسلح الذي قد ينتهي بها إلى التفتيت العرقي والعقائدي والجغرافي، ومحيطنا الإقليمي خير مثال على هذه التداعيات.
وفيها التزام صارم بتداول السلطة عبر انتخابات حرة منضبطة، باعتبارها آلية تجديد دماء الحكم وتعظيم الاستفادة من خبرات وقدرات القوى السياسية والجيلية المتنافسة، وتجنب أن تشيخ القيادات على مقاعدها بحسب تعبير الكاتب الصحفي المصري محمد حسنين هيكل.
وفيها التزام باستقلال وحيادية ونزاهة القضاء، والتزام بقيام برلمان قوي يملك بفاعلية واستقلال أدوات التشريع والرقابة ويتم تشكيله عبر آلية الانتخابات بشفافية وضوابط تحميها من تغول وتدخل العصبيات والمال السياسي، ويترجم كل هذا في دستور مدني يؤكد الحقوق والحريات والواجبات والالتزامات على أرضية مدنية لا تخضع أو تنحاز لأية انتماءات فئوية أو قبلية أو عصبية أو عقائدية، ولا تعترف في صياغاتها إلا بالانتماء للوطن بشكل مجرد، الأمر الذي ينسحب على منظومة القوانين التي تؤسس موادها على الدستور، فتأتي موادها عامة ومجردة وملزمة، كما هو مستقر في الفقه الدستوري.
يتبادر إلى الذهن سؤال لماذا يحتل الاقتصاد مقدمة الاهتمامات؟، ولماذا لا يكون التعليم أو الثقافة أو الحياة الاجتماعية، أو أمور كثيرة حياتية كالإبداع والفنون وغيرهما، ظني أن السبب يعود إلى أن كل هذا لكي يتحقق تحتاج إلى مناخ سياسي واقتصادي سليم، وتندرج في مجملها تحت عنوان كبير اسمه الاحتياجات، مادية كانت أو نفسية أو حتى روحية، ولما كانت الاحتياجات هي قضية الاقتصاد المحورية، على الأقل في توفير البيئة التي تنتجها، لذلك يتصدر الاقتصاد المشهد، فالبطون الجائعة لا تصنع إنتاجًا ولا تقوى على عمل ولا تملك رفاهية الإبداع.
وكما أسلفنا القول فإن هدف الاقتصاد السياسي – علمًا وواقعًا – هو التوصل لفك المناقضة بين الموارد والاحتياجات، فبينما الموارد محدودة تتنوع وتتزايد الاحتياجات بما يتجاوز قدرة تلبيتها وتحقيقها.
وهنا تأتي أطروحات السياسة الاقتصادية؛ وبغير الدخول في متاهة التنظير فمداخل الحل في تقديري هي:
– تعظيم الموارد الحقيقية وهي بشكل عام، الصناعة والزراعة والسياحة، لأنها تمثل القيم المضافة والمستدامة للموارد عبر ما توفره لاحتياجات السوق المحلي وما تتيحه من فرص عمل، إضافة إلي ما تحققه من موارد التصدير وهذا يتطلب:
– مراجعة القوانين واللوائح ذات الصلة بثلاثية الصناعة والزراعة والسياحة، وتخليصها من القيود المعطلة والمعوقة لها وتضمينها حوافر للصناعات الصغيرة والمتوسطة والمغذية للصناعات الإستراتيچية.
– تحديث أدوات الإنتاج بما يحقق جودة أعلى للمنتج وإنتاجية أكبر وتكاليف أقل، مع الاهتمام بالصيانة الدورية لها، ووضع خطة واضحة للاستبدال والإحلال توافقًا مع تطور صناعة المعدات والآلات المُنتِجة.
– تطوير المهارات المهنية للعاملين عبر دورات تدريبية حقيقية، ترفع الكفاءة الإنتاجية لهم، وقبل هذا إعادة هيكلة منظومة التعليم الفني بالشراكة بين وزارات التعليم والصناعة والزراعة وبين الكيانات الاقتصادية الكبري، يرتفع بمستوي التأسيس النظري والتدريب العملي.
– مراجعة السياسات الضريبية بما يدعم استقرار وتطور وثقة المنتجين في كل مجالات الإنتاج. وضع سياسات جمركية واعية لدورها في دعم استيراد المواد الخام برسم التصنيع والآلات وقطع الغيار التي تشكل رقمًا أساسيًا في تكلفة المُنتَج، الأمر الذي يحقق استقرارًا في الأسعار في السوق المحلي، وتوفر البديل المحلي بما يخفض استيراد المنتجات تامة الصنع، ودعم القدرة التنافسية التصديرية للأسواق العالمية.
– الاهتمام بالصناعات المغذية والوسيطة وشبكة الورش الفنية الصغيرة، تحديثًا وتدريبًا ودعم استمرارها، وهي تحتل مساحة كبيرة في مجال التصنيع. ولها دورها في انتظام الكيانات الصناعية الكبري.
– تفعيل دور الهيئات الرقابية وآليات تعقب الفساد بصوره المختلفة، بشفافية وحزم.
– دعم دخول الاقتصاد الموازي تحت مظلة الاقتصاد الرسمي، من خلال حوافز حقيقية وسياسات تدرك أهمية ذلك، بعيدًا عن المطاردات ومفهوم الجباية.
– رفع الوعي العام بأهمية السياحة والارتفاع بمكونات صناعة السياحة، من لحظة وصول السائحين وحتى مغادرتهم، الإقامة والبرامج السياحية، وجودة الخدمة، ودعم الوعي في التعامل معهم، وهذا يتطلب الاهتمام بكوادر العاملين في الإرشاد السياحي والمرافق السياحية وحتى رجل الشارع عبر التوعية الإعلامية ومناهج المدارس.
– تطوير ودعم أنواع السياحة غير التقليدية، العلاجية والساحلية والثقافية والمؤتمرات، وغيرها، وتوفير العناصر المكونة لها.
– إعادة الحياة للسياحة الداخلية كمتنفس اجتماعي للأسر من الطبقة الوسطي وما دونها، عبر برامج منخفضة التكاليف، وعودة منظومة الرحلات المدرسية الترفيهية والثقافية لخلق جيل متصالح مع الحياة ومع مجتمعه ووطنه.
وعندما نقترب من الحالة المصرية بموضوعية، يصدمنا الانتقال من منهج ورؤية سياسية واقتصادية إلى نقيضها ـكما أشرنا قبلًاـ ويعمق ارتباك الحالة المصرية أن الاختيارات المتتالية كانت في مجملها وليدة رد فعل، ولم تقم على دراسات ولم تسند لأهل الخبرة، دون أن ننكر حسن النوايا على الأقل في بداياتها.
فعندما اتجهنا إلى تبني النهج الاشتراكي لم نتبع قواعد الاشتراكية كما تقول أدبياتها، واكتفينا بسلسلة تأميمات ومصادرات وقرارات تغازل الحس الشعبوي، التي بدأت بما عرف بـ”الإصلاح الزراعي”، وانتهى إلى تفتيت الملكية الزراعية، وتفاقمت مع الملكيات الصغيرة التي نشأت جراء ذلك وسرعان ما تزايد تفتتها بفعل عوامل تقسيمها بالوراثة في أجيال تالية، فاستحال تطويرها بأدوات الميكنة الزراعية التي تتطلب مساحات كبيرة تتوزع عليها تكلفتها.
وفي مراحل لاحقة داهمتنا جرائم تجريف الأرض حتي كادت أن تصل لتبويرها مع الزحف العمراني الذي ساهم بقدر كبير في تآكل الرقعة الزراعية، فرحنا نستصلح فى الصحراء بتكلفة مضاعفة عدة مرات وبإنتاجية لا تضاهي الأرض الزراعية الطبيعية، وفُهِمت قرارات التأميم عند كثيرين خاصة في دوائر الإدارة والقاعدة العمالية أنها تعني القفز فوق تراتبية العمل، ولم تأت مشاركة العاملين في مجالس إدارة المصانع المؤممة بما كان مخطط لها، فغابت الرقابة، وتراجعت الجودة، وقفز السياسي فوق الأداء المهني، لتشهد هذه الكيانات موجات من الضمور وتجد نفسها على حافة الإفلاس وكان بقاؤها مرتهنا بالدعم الحكومي.
وأمتد الارتباك إلى الثروة العقارية التي تتالت فيها قرارات تخفيض الإيجارات لتقترب من نسبة الـ40% ليتوقف النمو العقاري وتختل توازنات العرض والطلب، وتتوالى الحلول المدمرة بدءً من ظاهرة الخلوات، وفشل محاولات تحجيمها واللجوء للتعامل العنفي معها خارج القانون، ووصولًا إلى التمليك، وبينهما تحاول الحكومات سد الفجوة ببناء ما عرف بالمساكن الشعبية وهي بحكم ذهنية القائمين عليها جاءت استنساخًا للثكنات العسكرية، ولم يوقف موجات تخفيضات الإيجارات إلا نكسة يونيو 67، لكن الأزمة لم تتوقف عن التفاقم.
كانت أزمة إدارة الكيانات الاقتصادية التي طالها التأميم، في سيطرة العقلية الحكومية عليها بأدواتها البيروقراطية فتسلل إليها الجمود وافتقرت للنمو والتطوير ووجد الفساد له فيها مكانًا، لم تنجح الجهات الرقابية في كبح جماحه. فضلًا عن سوء الإدارة، التي غاب عنها أهل الخبرة، وعمقها غياب ثقافة الملكية العامة وغياب المنافسة وعدم اعتماد القواعد الاقتصادية في إدارتها. وبدأت من هنا معاناة التضخم، الذي لم يفلح الدعم في معالجته أو الحد منه، وهنا تتأكد مقولة “ليس كل ما يلمع ذهبًا”، وأن الاقتصاد لا يدار بالنوايا الحسنة.
وتبدأ معاناة التضخم، التي تفاقمت حتى بعد الانقلاب السياسي والاقتصادي على هذه المرحلة، وساهمت السياسات المتضاربة في تغول التضخم، ما بين مواجهته بزيادة طباعة البنكنوت، وبين طرق باب الاقتراض الداخلي والخارجي، الذي بدأ على استحياء ثم صار منهجًا في متتالية عنكبوتية، حتى إلى الاقتراض لسداد أقساط قروض سابقة، وتبتلع خدمة الدين نسبة كبيرة من الناتج القومي.
تأتي السبعينيات وما تلاها في القرن المنصرم بتحولات دراماتيكية من النقيض للنقيض، فيما سمي بالانفتاح الاقتصادي، الذي لم يستطع أن يتخلص من جينات الإدارة البيروقراطية، وكان محلًا مختارًا للفساد، ولم يكن يملك رؤية واضحة أو معالم تقوده لمعالجة معاناة الحالة الاقتصادية، ويصدق فيه وصف الكاتب المصري الكبير أحمد بهاء الدين “انفتاح السداح مداح”، وتتضافر كل هذه التداعيات لتقذف في وجوهنا بالعشوائيات التي حاصرت الأحياء في عواصم المحافظات، وفي القاهرة بالأكثر مصحوبة بهجرة سكان القري المقفرة بحثًا عن فرصة عمل، أنتجت بدورها أسواقًا عشوائية وظاهرة باعة الأرصفة.
وهو ما سنتناوله في جزء تال لهذا الطرح.
صدر للكاتب:
كتاب: العلمانيون والكنيسة: صراعات وتحالفات ٢٠٠٩
كتاب: قراءة في واقعنا الكنسي ٢٠١٥
كتاب: الكنيسة.. صراع أم مخاض ميلاد ٢٠١٨
