- مارتن لوثر ليس رجلا من قش
- أين يقع «رجل القش» لاهوتيا؟
- Sola Scriptura
- بين النظرية والتطبيق
- المصلحين الأوائل
- ما بعد عصر الإصلاح
- ☑ التطبيقات في الكنائس العربية
نناقش تطبيقات مبدأ Sola Scriptura اليوم في الكنائس العربيّة بين الفهم الصحيح وسوء الاستخدام، حيث يشهد واقع الكنائس ذات الخلفية البروتستانتية في السياق العربي اليوم تباينات في فهم وتطبيق مبدأ الكتاب المقدس وحده. ففي ظل كون هذه الكنائس أقليّة محاطة بتقاليد رسولية قديمة (أرثوذكسية وكاثوليكية)، يكتسب موضوع سلطان الكتاب مقابل التقليد حساسية خاصة. ويمكن رصد أنماط مختلفة.
أولًا: الفهم الصحيح المتزن (نماذج إيجابية)
هناك قادة وكنائس عربية إنجيلية تسعى لتبنّي Sola Scriptura بروحها الأصلية المتزنة. يظهر ذلك من خلال التمسك بأن الكتاب المقدس هو المرجع الأخير في كل تعليم وعِظة، مع الاستفادة من شروحات التراث الآبائي والإقرار بأن فهمنا المعاصر للكتاب يُبنى على أساس ما سلّمته الكنيسة عبر الأجيال. هذه الكنائس تُدرّس عقائد الإيمان التاريخية (مثل الثالوث والتجسّد) مستعينة بإجماع الآباء والقوانين القديمة، لكنها توضح دائمًا أن سلطة تلك التعاليم مستمدة من مطابقتها للكتاب. كذلك يحرص بعض الخدام على ترجمة مصادر إصلاحية وآبائية للغة العربية لتعليم المؤمنين كيف فهم قديسو الكنيسة كلمة الله، وبذلك يربطون المؤمن المعاصر بتراث كنيسته الجامعة بدل أن يتركوه فريسة التفسير الفردي المغلوط.
ومن العلامات الصحّية أيضًا اعتماد منهج الوعظ التفسيري المنتظم (آية بآية وإصحاحًا تلو الآخر)، مما يرسّخ أن رسالة الكتاب بأكملها هي التي تُعلِّمنا وتصحح أفكارنا، لا اجتزاء آيات لخدمة أفكار مسبقة. نجد أيضًا احترامًا ملحوظًا لدى هؤلاء لدور المجامع الكنسية في التاريخ، فمثلاً قد تُتلى أجزاء من قانون الإيمان النيقاوي في العبادة الإنجيلية أو يُستشهد بكتابات آباء كمصدر حكمة – مع التأكيد أن اللمسة النهائية دائمًا للكتاب في تقرير الصح والخطأ. مثل هذه الممارسات تشير إلى فهم سليم لـSola Scriptura: الكتاب مرجع فريد وكافٍ، لكن فهمه مسؤولية جماعية تاريخية وليست مغامرة فردية معزولة [1]، [2].
ثانيًا: ممارسات مختلطة وشعارية (نماذج سلبية)
في المقابل، تعاني بعض الكنائس والتيارات الإنجيلية العربية من سوء فهم أو تطبيق مشوّه للمبدأ، ما بين تفريط وإفراط:
• إفراط في رفض التقليد:
لدى شريحة من الإنجيليين العرب، خاصة من خلفيات كانت تقليدية ثم انتقلت إلى البروتستانتية، يظهر ردّ فعل حاد ضد كل ما يمت بصلة لتراث الكنيسة القديمة. يرفع هؤلاء شعار “الكتاب وحده” للتشكيك أو رفض أي تعليم آبائي أو ممارسة تاريخية لمجرّد كونها مرتبطة بالكنائس الرسولية التقليدية. فمثلًا قد يرفضون الاعتراف بقانون الإيمان النيقاوي أو يحتقرون كتابات الآباء الأولين، ظانين أن التمسك بالكتاب يستلزم القطيعة التامة مع التراث.
يصل الأمر ببعضهم إلى الشك في عقائد أساسية لمجرد صياغتها بمصطلحات غير حرفية من الكتاب (كاستخدام تعبير “أقنوم” أو “ثالوث”، رغم انطباق مفهومها كتابيًا). كما يتسم خطابهم أحيانًا بعدائية تجاه التاريخ الكنسي عمومًا، فيختزلون كل حقبة ما بعد الرسل في أنها عصر ظلمة وارتداد انقطع فيه نور الإنجيل – وكأن الكتاب لم يُفهم مطلقًا عبر 15 قرنًا حتى مجيء الإصلاح! هذا التوجه يتجاهل حقيقة أن المصلحين أنفسهم استخدموا إرث القرون الأولى لإثبات صحة الإصلاح.
والنتيجة العملية لهذا الفهم المغالي، انفصال المؤمن عن الغنى التفسيري المتراكم، وركونه إلى قراءته الخاصة المنعزلة التي كثيرًا ما تشوبها محدودية المعرفة وأحيانًا الانحيازات المسبقة. وهكذا تظهر تفاسير غريبة بل وانحرافات عقائدية في بعض الجماعات التي قطعت نفسها عن الجسم التاريخي للإيمان ظانّة أنها تطبق Sola Scriptura، فيما هي واقعة في فخ Solo Scriptura الفردية.
من الأمثلة الواقعية، جماعات ترفض الاحتفال بأيٍ من الأعياد المسيحية القديمة (كالميلاد والفصح) بحجة أنها “تقليد غير موجود بالكتاب”، أو من يرفضون ممارسة أي طقس كنسي جماعي (مثل ترتيل قانون الإيمان أو الصلاة الربانية في الاجتماعات) بدعوى الاكتفاء بالنصوص الكتابية وحدها. هذه المواقف تغالي في حرفيّة الشعار حتى تُفرِّغ الكنيسة من بُعدها المجمعي التاريخي، وقد تؤدي بالمؤمن إلى الاعتقاد أنه ليس ملزَمًا بفهم أحد غيره للنص، مما يفتح الباب لكل رياح تعليم غريب تضرب وحدة الكنيسة [3]، [4]، [5].
• تفريط وانفتاح غير منضبط للتقليد:
على النقيض، هناك حالات تقع فيها بعض الكنائس الإنجيلية في العالم العربي في مزج غير صحي بين الكتاب وتقاليد بشرية معاصرة، فتقوّض عمليًا مبدأ الكتاب وحده حتى لو رفعته نظريًا. مثلاً قد تتأثر كنيسة ما بشدة بشخصية قائد روحي معين (محلي أو عالمي) فتصبح تعاليم ذلك القائد وأسلوبه هي المعيار العملي، حتى إن خالفت صراحة نصوص الكتاب. أو قد تدخل ممارسات شعائرية جديدة إلى العبادة دون أساس كتابي واضح تحت تأثير ضغط الواقع أو تيارات فكرية.
شهدنا مثلًا بعض الكنائس تتبنى ممارسات مستوحاة من ثقافة ما بعد الحداثة أو من حركات كاريزمية عالمية (مثل طقوس “إطلاق مواهب النبوة” أو مبالغة في مفهوم البركة المادية/إنجيل الرخاء) دون فحص كافٍ كتابيًا، رغم أنها ترفع شعار الإخلاص للكتاب. كذلك بعض الكنائس الإنجيلية ذات الجذور التبشيرية الأجنبية ظلت تتوارث تقاليد موروثة عن المؤسسين الأوائل حتى لو لم تكن مرتبطة مباشرة بالكتاب، وأحيانًا تُعطى هذه التقاليد وزنًا كبيرًا بحكم العادة لا القناعة الكتابية. هذا قد يشمل أساليب معينة في العبادة أو أنماط تنظيمية لا يتم تقييمها دوريًا على ضوء مبادئ الكتاب.
ورغم أن هذه الحالات ليست صارخة كالانحرافات العقائدية، لكنها تمثل إخفاقًا في “الإصلاح المستمر” الذي يتطلبه مبدأ الكتاب وحده – أي إخضاع كل ممارسة للفحص والتقويم الكتابي المستمر [6].
• سوء الفهم الشعبي لمبدأ الوضوح والكفاية:
تبرز أيضًا مشكلة على مستوى الفرد العادي في الكنيسة العربية، حيث يُفهم الكتاب وحده أحيانًا بمعنى سطحي، أي أن الكتاب واضح جدًا وبسيط لدرجة تنتفي معها الحاجة إلى أي تعليم منهجي أو دراسي. يُروَّج ضمنيًا أن “كل ما عليك هو أن تقرأ الإنجيل والروح القدس يعلّمك مباشرة، فلا داعي لدرس لاهوت أو للرجوع لتفسيرات الدارسين”.
هذا الفهم يجعل البعض يظنون أن أي محاولة لشرح الخلفية أو اللغة الأصلية أو حتى الاستعانة بتفسير آبائي هي انتقاص من كفاية الكتاب أو من وضوحه. وكانت النتيجة أن كثيرين اعتمدوا على قراءتهم الحرفية السطحية فقط، مما أدى إلى شيوع تفسيرات ضيقة أو مغلوطة لعدد من الآيات وظهور تعاليم غريبة. وقد شهدت الساحة العربية جدالات بسبب ذلك—فعلى سبيل المثال كُتِبت توضيحات أكاديمية معاصرة تؤكد أن فهم الكتاب يتطلب تفسيرًا مسؤولًا لا يكتفي بالمعنى الظاهري البسيط دائمًا، وأثارت اعتراضات من بعض من رآها مساسًا بوضوح الكتاب.
هذا النموذج يبيّن سوء فهم لمبدأ الوضوح الكتابي الذي نادى به المصلحون، فالكتاب واضح في أمور الخلاص الأساسية لكل قارئ مخلص، لكنه لا يلغي الحاجة إلى الشرح والتعليم الممنهج في الأمور العميقة، ولا يعد قارئيه بعصمة فردية في التفسير. الإصلاح لم يُلغِ دور المعلّم الموهوب أو الشيخ المؤتمن على التعليم—بل على العكس اعتبرهم عطايا إلهية للكنيسة—لكنه أخضعهم لكلمة الله وحدها. من هنا، فإن التعليم الكتابي الرصين القائم على دراسة وأمانة هو تطبيق صحيح لـSola Scriptura، أما تجاهل التعليم ظنًا بأن “الكتاب يكفي وحده بلا شرح” فهو في الحقيقة تعطيل لمواهب أعطاها الله للكنيسة من أجل بنائها [7].
خاتمة
إن واقع كنائسنا العربيّة يدل أننا ما زلنا بحاجة ماسّة لفهم أعمق وأدق لشعار الكتاب المقدس وحده. الفهم الصحيح ليس شعارًا يُرفع لهدم كل ما سبقنا، ولا ستارًا لتبرير كل رأي فردي، بل هو دعوة للرجوع الدائم إلى النص الإلهي كمرجع أعلى مع تواضع في التفسير والاتكال على إرشاد الروح في إطار جسد المسيح كله (حاضرًا وماضيًا). الفهم الناضج للمبدأ سيظهر عندما نرى كنائسنا:
• تولي دراسة الكتاب المكانة الأولى فعلًا، وتعطي المنبر والتعليم الكتابي أولوية فوق كل نشاط آخر.
• وفي نفس الوقت، تعترف بأنها ليست أول قارئ للكتاب في التاريخ! بل تبني على عمل الروح في من سبقوها، مميِّزةً الصالح من التقليد لتنتفع به ورافضةً ما يناقض الكتاب.
• ترفض الاستبداد الكهنوتي الذي يقيّد كلمة الله، وكذلك ترفض الاستقلالية الفردية التي تمزق جسد المسيح. فتعيش حالة توازن، حق الفرد في الوصول المباشر للكتاب، مع مسؤولية الكنيسة في الإشراف والتعليم.
• تطبّق مبدأ Sola Scriptura بصورة إيجابية بنّاءة، أي الرجوع إلى الكتاب لإصلاح الذات أولًا قبل استخدامه لهدم الآخرين. فهذا المبدأ وُجد في الأصل لتطهير الكنيسة من الفساد بحسب معيار كلمة الله، وليس لمجرد الإدانة الجدلية للآخرين.
إن Sola Scriptura في جوهرها نداء لتوبة دائمة إلى صوت الله في كلمته الحية المكتوبة، ووعدٌ بأن هذا الصوت متاح لكل جيل وكل لغة. متى فهمنا هذا النداء بعمقه، سنستخدمه لا كمعول هدم أو كشعار فارغ، بل كبوصلة ترشد كنيستنا اليوم في خضم التحديات—للثبات على أساس الوحي الإلهي المعصوم، والبناء عليه ذهبًا وفضةً (تعاليم حق) بدلًا من القش الذي هو تقاليد الناس المنحرفة وأهواء الأفراد [8]. وكما قال لوثر نفسه محذّرًا: “إن قدّم أحد تفسيرًا لا يشهد له الكتاب، فلا يجب أن نقبله” [9]. فلتكن الكنيسة في بلادنا أمينة في الإصغاء لصوت راعيها في الكتاب المقدس وحده، مستفيدة من عصا الإرشاد (التقليد السليم) دون أن تجعل منه القائد أو المرجع الأعلى. هذا هو التوازن الذي تركه لنا المصلحون، وهو الامتحان أمام الكنائس الإنجيلية اليوم لتحقيق شعار الكتاب المقدس وحده لا قولًا فحسب، بل واقعًا حيًا يشاهده جميع الناس [10]، [11].
أرى أن أضعف ما في الكنيسة اليوم هو أن قلّةً قليلةً فقط تؤمن بأن الله قد أودع قوّته في الكتاب المقدّس. فالناس جميعًا يبحثون عن القوّة في برنامج، أو في منهجٍ، أو في تقنيةٍ، أو في أيّ شيءٍ وكلّ شيءٍ سوى الموضع الذي وضع الله فيه قوّته حقًّا… في كلمته. إنّه وحده الذي له القدرة أن يغيّر الحياة إلى الأبد، وهذه القدرة متركّزة في الأسفار المقدّسة.(R. C. Sproul)
