يستعد مسيحيو مصر في هذه الأيام لذكرى أسبوع آلام السيد المسيح ومن بعده عيد القيامة. وهذا العام، عاش مسيحيو مصر أسبوعًا يمكننا أن نسميه مجازًا أسبوع آلام الأقباط. وكأن جهود الإرهاب والشر تضافرت ليشارك أقباط مصر آلام الرب.
وكأن هما واحدا لا يكفي، أو كأن الهموم تأتنس بعضها ببعض فلا تنزل على الناس إلا معا!(رضوى عاشور، ثلاثية غرناطة)
بدأ هذا الأسبوع الحزين بمقتل القمص أرسانيوس وديد على قارعة الطريق بالإسكندرية غدرا لارتدائه زي الكهنوت، وهي ليست الحادثة الأولى من نوعها لمقتل كاهن على الهُوِيَّة -أي دون وجود أسباب شخصية أو معرفة سابقة بين القاتل والمجني عليه- فالقمص أرسانيوس واحد من بين كثيرين قتلوا بطرق متشابهة إلى حد التطابق، مثل: القس مينا عبود (شهيد العريش عام 2013)، والقس روفائيل موسى (شهيد العريش عام 2016)، والقس سمعان شحاتة (شهيد المرج عام 2017)، وغيرهم.
كشف الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة، ماهر فرغلي، أن قاتل القمص أرسانيوس هو “نهرو عبد المنعم”، القيادي المتطرف، قد أمضى وقتا بمستشفى الأمراض النفسية سابقا، وليس بكامل قواه العقلية. لا يخفف جنون القاتل من وطأة الجريمة على الإطلاق بل يجعل المصيبة أعظم ويزج بالمجتمع كليًّا في قفص الاتهام؛ لأنه يشير إلى وجود كره مجتمعي متأصل وأفكار إرهابية راسخة لا يمحيها حتى فقدان العقل أو الذاكرة! فهذا العقل النَخِر المُتفتت لا زال يحوي تلك التعاليم السامة التي تربى عليها منذ النشأة، واستعصت أفكاره على ترويض الأطباء والسجون! ربما لم يكذب من قالوا أن التعليم في الصغر كالنقش على الحجر.
إن هؤلاء يدينون بالكراهية ونبذ المختلف، ولا تلين قلوبهم حتى أمام طفلة صغيرة تأكل. ففي واقعة أليمة أخرى، ذهبت سيلفيا بطرس مع ابنتها إلى مطعم كشري التحرير لتناول الغداء بعد إنهاء اليوم الدراسي ليمنعها مدير الفرع لأن الإفطار لم يحن وقته بعد.
الوقوف أمام طاولة الطعام وتحضيره ومشاهدة إعلانات الطعام وتناول الممثلين أشهى الأكلات في التلفاز طوال اليوم لا تضايق من اتخذوا الكراهيَة عقيدة لهم. إنما ما يثير جنونهم بالتحديد هو أن يتناول شركائهم في الوطن طبقا من الكشري أمامهم.
ما حدث في هذا المطعم ليس بواقعة فردية ولا يمثل أصحاب هذا المطعم فقط. فالتعصب سم يسري في عروق هذا المجتمع المرعب؛ تتكرر تلك المشاحنات هكذا دواليك حتى أصبحنا نعتادها ولم تعد تستوقفنا مثلما استوقفتنا قديما. على سبيل المثال، هناك مطاعم وشركات مثل مطعم مؤمن لا تحبذ تعيين المواطنين المسيحيين. وهناك مطاعم أخرى تنتقم من الفاطر بوضع سموم في الوجبة لعلها تكون وجبته الأخيرة كما سكب أحد العاملين بمطعم ماكدونالدز الكلور لسيدة ابتاعت وجبة في نهار رمضان.
حتى الجرائد ووسائل الإعلام التثقيفية أصبحت تصل إلينا محملة لا بالثقافة والفن بل بشحنات الكراهيَة. فالإعلام والفن لم يعدا منافذ نرى من خلالها واقعنا كما نتمناه أن يكون بل أصبحا كالمرايا يعكسا صورة الشارع القبيحة، مرايا نرى فيها وجه أخينا المؤمن الهائج.
صار الاعتذار عن مثل هذه التصرفات مبتذلا! من العته أن نصدق أن صحفي المصري اليوم صاحب فتوى تحريم “بيع الطعام للكافر” قد نشرها من تلقاء ذاته، أي بلا مراجعة محرر ديسك، ولا مدير تحرير، ولا رئيس التحرير، ولا سياسة جريدة. وأنه قد نشرها كذلك على صفحة المصري اليوم على فيسبوك دون أن يراه أحد.
هؤلاء يفرضون الدين فرضا، يسلبون كل صفاته الجمالية الكامنة في الفردانية، يسلبون الإنسان نضجه الوجداني. ألا يفهمون أن أسمى العقائد تفقد جدواها متى فرضت كأن يصير الحب اغتصابا بفرضه قهرا؟ تلك هي انتصارات الضعفاء، من يستشعرون القوة الكاذبة في إجبار أحدهم على ما لا يريده قلبه. هم كالفئران لا يعيشون إلا حين يقرضون خيوط حياتنا.
دعني الآن أحكي لك عن يومي العادي -كفتاة مصرية غير محجبة- كيف يكون. ولا أعتقد أن يومي يختلف عن أيام فتيات كثيرات مثلي: كفتاة مسيحية غير محجبة أسير على أرضنا الحبيبة وكأني أحمل روحي على راحتي بالأخص في شهر رمضان. تناول الطعام والشراب في الشارع هو بمثابة مجازفة لأن أخينا المؤمن الهائج سيعاملني وكأني عدو المجتمع الأول، وكأنه بمنع الطعام عني يحفظ الوجود وعلة الوجود! ارتداء الفساتين التي لا تغطي الساقين بالكامل مغامرة رهيبة تثير غضب أخينا الهائج وتبرز هوسه الجنسي على السطح. لطالما سألت عن سبب الأزمة في رؤية ساقي امرأة! هل الأمر مثير لهذه الدرجة؟ وهل زوجة أخينا الهائج ليس لديها مثلهما؟
أصبحت أعتاد المضايقات اليومية وكأن تلك هي طبيعة الحياة في مصر؛ أن أسمع سبابهم كل يوم بأبشع الألفاظ. كان أخر تلك المضايقات المعتادة هو سب عامل نظافة لي في أثناء مروري قائلاً: “اتفو، رباية وسخة”. فتخيل عزيزي القارئ أن ذلك الشخص الودود إلى حد اللزوجة، الذي يلقي السلام على كل من يمر بجواره ويتبعه بعبارة “كل سنة وأنت طيب/طيبة” ليحصل على المساعدات المادية، قرر أن يستثنيني ويبصق عليّ لأني أخرجته عن صيامه! هل جار علينا الزمن إلى هذا الحد، نحن بنات ذلك البلد المنكوب؟
بعد أن أنهيت يومي، وقفت تحت أشعة الشمس الحارة لأنتظر وصول المواصلة التي ستأخذني للمنزل بعيدًا عن هذا الجحيم، ولسوء حظي أني شعرت بالعطش، وفعلت ما أفعله في الأيام العادية، أخرجت زجاجتي لأشرب لأجد أمامي مؤمن هائج آخر يرمقني بنظرة احتقار شديدة، فوجدت نفسي أركض إلى أقرب كشك لابتاع أي شيء يؤكل وأعود لمكان أخينا الهائج وأتناول ما ابتعته أمامه وأنا أشاهد غضبه يتصاعد في اغتباط إلى أن رحل.
ويبدو أن ما يفعله هؤلاء الغاضبين يأتي بنتائج عكسية، بالأخص مع من يتسمون بالعناد ولديهم ميول استفزازية مثلي. تصريحات عبد الله رشدي -الذي لا أعلم حقا السر وراء كونه حرا طليقًا إلى الآن- عن ملابس الفتيات تزيدني إصرارًا يومًا فيوم أن أرتدي ما أشاء وأن أفعل ما أشاء بلا انصياع لأي قيود مجتمعية؛ لأني لست من جنس الفئران أو القوارض ولن أكون.
أتناسى ما يحدث كل يوم حتى أنسى، لكنني لا أنسى، ومع ذلك، أحاول كل يوم أن أبدأ مرة أخرى لأواصل الحياة العادية.