ليست خيانة الأكراد حدثًا طارئًا في تاريخ ، ولا نتيجة سوء تقدير عابر من قوة عظمى هنا أو هناك، بل هي نمط متكرر تحكمه معادلة قاسية: الجغرافيا حين تُفسر دينياً، تصبح التحالفات مؤقتة، والدماء قابلة للمقايضة، إن كان لها ثمن أصلاً.

على امتداد قرن كامل، لم يكن الأكراد سوى قوة تُستدعى عند الحاجة، ثم يُتخلى عنها عند أول تغيير في موازين المصالح. بعد الحرب العالمية الأولى، دُفن حلم الدولة الكردية تحت أنقاض اتفاقيات القوى المنتصرة. وفي سبعينيات القرن الماضي، شجعت واشنطن التمرد الكردي في العراق، ثم تخلت عنه بلا تردد في صفقة الجزائر عام 1975، تاركة الأكراد يواجهون مصيرهم. وتكرر المشهد بعد حرب الخليج، حين شُجعوا على الانتفاض ثم تُركوا فريسة للبطش. أما في سوريا، فقد بلغ النمط ذروته؛ قاتل الأكراد نيابة عن العالم، ثم رُفع عنهم الغطاء في اللحظة التي انتهت فيها وظيفتهم. أمر محزن، وبلوغ المأساة ذروتها فعلًا.

هنا تسقط الأسطورة التي رُوّج لها بكثافة عن دونالد بوصفه رئيسًا يخوض حربًا وجودية ضد الإسلاميين، فالوقائع تقول شيئًا آخر تمامًا. القوة التي كانت الأكثر ة، والأبعد عن ، والأكثر فاعلية في قتال التنظيمات الجهادية، لم تحظ بأي حماية حقيقية حين تغيرت الحسابات الأمريكية. إذا كان الهدف هو القضاء على الإسلام الإرهابي، فمن المنطقي دعم من حاربه بالفعل، لا تركه وحيدًا. لكن ما جرى كشف أن المشكلة لم تكن يومًا في الإسلاميين بوصفهم عدوًا، بل في مدى فائدتهم بوصفهم أداة. وقد يكون بقاؤهم خيرًا لمشروع أكبر، وجودهم هو شرط تحقيقه (سأشرح ذلك بعد قليل).

إسرائيل، من جهتها، لم تخرج عن هذا المنطق. فالدولة التي تحب تقديم نفسها حامية للأقليات، لم تُظهر أي استعداد للدفاع عن الأكراد سياسيًا أو أمنيًا، رغم ما بينهم من تواصل دبلوماسي ووعود أمنية وما هو أكثر من ذلك. السبب ليس فيه أي غموض، وإن بدا مدهشًا فعلًا: إسرائيل لا تبحث عن حلفاء أخلاقيين، بل عن وقائع مُستقرة تخدم أمنها. ما دام الواقع الجديد يضمن إبعاد إيران، وهدوء الجبهة الشمالية، وإعادة رسم نفوذ فعلي يمتد من الجولان إلى جبل الشيخ، جبل حرمون الكتاب المقدس، وصولًا إلى تخوم ريف دمشق، فإن مصير الأكراد يصبح تفصيلًا هامشيًا في معادلة أكبر، ولسان حالهم: ما يغوروا في داهية!

الأخطر من ذلك أن الإسلاميين، الذين يُقدمون في الخطاب الأمريكي المحافظ والإسرائيلي كتهديد وجودي، يتحولون عمليًا إلى ذريعة دائمة. وجود عدو إسلامي متطرف يسمح بتبرير كل توسع، ويمنح الغطاء الأخلاقي والسياسي لأي تغيير في الخرائط. بشرط ألا يكون أبدًا تهديدًا وجوديًا حقيقيًا، بل أولاً تحت السيطرة والمراقبة، وفي الوقت المناسب يمكن السماح له بارتكاب حماقة مثل حماقات حماس، التي تجاوزت كل حد في 7 أكتوبر، مقصودة كما هي، أو خرجت عن الحسابات والتوقعات، ثم تقوم الماكينة الإعلامية العربية والإسلامية، بطبيعتها في تضخيم قوتها حتى يكون كل عنف مبررًا، فينتشي البلهاء ويون إلى حين، دون أن يفكر “فسل” من شطار التجعير والحنجورية أنه قد يكون فخًا يستدرجهم حتى آخر شبر بقي لهم كرد فعل على إرهابهم، لا لتحقيق أي مكسب على الأرض، واثقًا في أنه يخدم قضية الحق وينتصر لها، وغيره جبان “” إمبريالي بالعدس والمايونيز، وهو في الواقع يخدم الغاية المطلوبة منه. وهنا، أستعير من عبد الوهاب المسيري بعد التعديل، أو بالأحرى التصحيح، مصطلح: “الإسلامي الوظيفي”.

دليلي على ذلك هو متابعتي لقناة i24 الإسرائيلية بالعربية والفرنسية، فلن تجدها مختلفة جوهرياً عن الجزيرة، وتشعرك أن الجيش الإسرائيلي في خطر حقيقي في غزة.

هنا تتقاطع السياسة مع اللاهوت، خصوصًا في خطاب الصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة، حيث لا يُقرأ الصراع باعتباره نزاعًا سياسيًا، بل تحقيقًا لوعد ديني يمتد، في المخيال، من نهر مصر إلى النهر الكبير الفرات. ولكي تبقى هذه السردية حية، لابد من عدو يؤدي دوره باستمرار. حتى لمن لا يتعاطف أو يؤمن بها، ولكنه يؤيدها من منطلق القضاء على الوحش الإسلامي وإرهابه، وأنهم ليسوا أهل ثقة وأصحاب عهد أو استحقاق، ليس فقط في الوجود كتنظيمات بل في الحياة برمتها، حيث يصير كل مسلم أو فلسطيني هو إرهابي بالقوة إن لم يكن بالفعل، فتصفيته أو تهجيره هو من أجل الخير العام وخدمة للإنسانية، وإنقاذ لروح الطيبين منا.

في هذه اللعبة، يصبح الأكراد الضحية المثالية. رغم أنهم فعلًا وحقًا علمانيون لا يخدمون خطاب الحرب الدينية، وون لا يصلحون للفزاعة الة، وحلفاء صادقون إلى حد يجعل التضحية بهم سهلة وغير مكلفة. وحشية السياسة بطبيعتها، يضاف لها بعد لاهوتي يحول دم الأبرياء إلى قربان مقدس على مذبح الإله الإبراهيمي. مرة بعد مرة، يُضحى بهم لصالح تسويات كبرى تُدار أمريكيًا، وتصب في مصلحة إسرائيل، ويُستخدم فيها الإسلاميون كعدو ضروري لاستمرار المشهد.

القضية الكردية، في جوهرها، ليست فقط قصة شعب بلا دولة، بل قصة عالم تحكمه الجغرافيا. ولأن الجغرافيا الدينية هي الحاكمة للمنطقة، جغرافية دينية إسلامية وأخرى صهيونية، لا مكان فيها لوعد أو عهد أو تحالف أو شرف أو أخلاق ولو في حدها الأدنى، ولا مجال إلا لبعض الدمع، أو التظاهر به، وكتابة بضعة منشورات، وهو هو من يُصفق للخائن ويُبارك للغادر.

الصراع ليس غدًا، بل الآن، وعلى الأرض، لا السماء، حيث تُدار السياسة بشعاري “الله أكبر” و”هليلويا”، ويُعاد تقديم الأكراد، مرة أخرى، أو أي شعب آخر مهما أُعطيت له الوعود أو الضمانات، ضحية ضرورية لحرب تُبرر باسم الوعد الإلهي لـ “شعب الله المختار” ضد “خير أمة” الذي به تتحقق نبوءة خراب عام وشامل، وهو أقرب للواقع في قلب فنتازيات هذه الأساطير المدمرة، ووعود النصر النهائي بظهور المخلص، أو جنته على الأرض.

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي 5 حسب تقييمات 1 من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

ارنست وليم
[ + مقالات ]
‎ ‎ نحاول تخمين اهتمامك… ربما يهمك أن تقرأ أيضًا: ‎ ‎