- الحالة المصرية: اقتراب حذر
- الدولة بين النظام الرئاسي والنظام البرلماني
- ☑ الحكومة بين السياسيين والتكنوقراط
في تعرضنا لمنظومة وفلسفة الأحزاب، والنظام السياسي بين الرئاسي والبرلماني، ونحن نقترب من الحالة المصرية، لم نكن نسعى لاستعراض المفاهيم الأكاديمية لها، أو طرح معلومات مجردة عنها، وإنما كنا نفكر بصوت عالٍ في مستقبل وطن وشعب يستحقان أن نقيِّم تجربتهم على الأرض في زمن محدد يبدأ من يوليو 52 وحتى اللحظة الراهنة، وهو زمن ثري بالتغيرات والخبرات المتباينة، بغير أن ننزلق إلى صراعات المعارضين والمؤيدين لمجمل المرحلة أو لحقبة منها، وأمام أعيننا أمران، أولهما طوفان التقسيمات العرقية والطائفية الذي اجتاح -وما يزال- دول محيطنا الإقليمي، حتى صرنا جزيرة مازالت متماسكة تصد أعاصير ذلك الطوفان، محصنة بموروث حضاري ممتد إلى عمق التاريخ، رسخ الانصهار النوعي في بوتقة الوطن، مع بقاءه عاملًا فاعلًا في التنمية والتكامل على غرار تعدد وتكامل مكونات الجسد الواحد، ليصير الكل في واحد، ويحول التنوع المبهر إلى طاقة حياة متجددة.
ولا يمكن لمنصف موضوعي أن يتجاهل فضل القوات المسلحة المصرية في حماية مصر وإجهاض مخطط التقسيم، ومرد ذلك وسره في كونها كيان مصري لا يعرف التقسيمات الفئوية الطبقية والإثنية والقبلية، فهي جيش مصر وحسب، وهو ما اعترفت به وزيرة خارجية الولايات المتحدة الأمريكية، هيلاري كلينتون، في مذكراتها، وذكرته الوثائق الأمريكية المتعلقة بتلك الفترة، ولذلك سيظل 30 يونيو 2013 يومًا فارقًا في تاريخنا، والأمر الثاني الذي نضعه نصب أعيننا هو مسؤوليتنا تجاه أجيالنا القادمة أن لا نُرحل لهم إخفاقاتنا، وأن ندعم حقهم في حياة آمنة مستقرة يراكمون عليها ويختبرون فيها حياة الرفاه.
وقد انتهينا في سطورنا السابقة، نصًا، إلى أننا بحاجة إلى إعادة فحص النظام الرئاسي بعد تجربة اقتربت من القرن، ومدى مناسبة النظام المختلط لنا، الذي عرضناه قبلًا، وهو يخفف العبء عن كاهل رئيس الدولة، ويدعم الاستقرار ويعيد الحيوية لمنظومة الأحزاب ويصحح مسارات الانتخابات البرلمانية، ويؤكد على دور رئيس الدولة كحكم بين السلطات، وقدرته على ضبط بوصلة الحياة السياسية، ومن ثم ترسيخ قيم الديمقراطية. فضلًا عن خضوع رئيس الوزراء وحكومته للمساءلة البرلمانية، حتى إلى إقالة الحكومة حال إخفاقها في تحقيق برنامجها.
وربما يكون من المناسب، في تقديري، للحالة المصرية ـ التجربة والمناخ والتحديات ـ أن يأتي رئيس الجمهورية من خلفية عسكرية، وأن يأتي رئيس الحكومة من خلفية مدنية سياسية، ليست دينية أو عسكرية، ويستقيم هذا مع إقرار النظام الرئاسي المختلط، وفيه يتم توزع السلطة بينهما، رئيس الجمهورية، القادم بانتخابات حرة مباشرة من الشعب، ومنها يستمد شرعيته وقوته، ويكون بمثابة حكم بين السلطات ويتولى ملفات الجيش والعلاقات الدولية، فيما يأتي رئيس الحكومة، الذي يمثل الطرف الثاني في توزع السلطة، والقادم بتكليف برلماني يمنحه صلاحيات إدارة الحكومة وإدارة الشأن الداخلي، في تكامل بينه ورئيس الدولة، على غرار النموذج الفرنسي.
وهنا يبرز أمامنا سؤال ما هي طبيعة “الحكومة” وقواعد اختيار أعضائها، الوزراء، في ضوء تجاربنا السابقة التي انحازت للتكنوقراط، وكان لهذا أسبابه، فقد كانت ثورة يوليو تسعى لتثبيت أقدامها، وكانت تحمل شكوكًا في الوزراء السياسيون وقتها، فاتجهت لإسناد مهام الحكومة للتكنوقراط، ورأس الحكومة في تجربة يوليو في غالب الأوقات رئيس الدولة، في ضوء أن النظام الرئاسي يحسب الوزراء سكرتارييون لرئيس الدولة ينفذون مشروعه السياسي ورؤيته، وتعد الولايات المتحدة الأمريكية النموذج الأكثر وضوحًا في هذا، وفي غالبية دول العالم الثالث لا توجد أحزاب قادرة على المشاركة، موالاة ومعارضة، وفي مصر كان قرار إلغاء الأحزاب 1953، وعودتها بقرارات فوقية، كما عرضنا سابقًا، لهما ـ الإلغاء والعودة ـ دور فاعل وكبير في تأكل الفعل السياسي للأحزاب وفي تراجع وانحسار الكوادر السياسية، المتمرسة في العمل الحزبي والسياسي، لذلك غاب الوزراء السياسيون عن غالبية إن لم يكن كل الوزارات خلال الفترة التي نقترب منها هنا.
اللافت في الدول التي تشكل حكوماتها من السياسيين أنها لا تشترط أن يكون الوزير متخصصًا أكاديميًا في طبيعة وعمل وزارته، وتترك الأمور الفنية فيها أما لنائب وزير أو وكيل أول وزارة، فيما يبقى القرار السياسي للوزير، الذي يأتي متسقًا ومتكاملًا مع رؤية وسياسة مجلس الوزراء، مدعومًا ببرنامج الحزب -أو الائتلاف- الذي تشكلت منه الحكومة وخاضعًا لرقابة البرلمان.
وحتى وزارة الدفاع في كثير من هذه الدول، في مختلف القارات، وهي من الوزارات السيادية ولها طبيعتها الخاصة والدقيقة، أُسندت إلى وزيرات سيدات، في توقيتات مختلفة، وكانت رئيسة وزراء سريلانكا، سيريمافو باندرانايكا أول امرأة شغلت هذا المنصب، في ستينيات القرن الماضي، وتعددت الاختيارات فيما بعد، ومنها على سبيل المثال؛ فرنسا والنرويج والسويد وأسبانيا (أوروبا)، كندا وكوستاريكا ونيكاراجوا (أمريكا الشمالية والوسطى)، تشيلي وكولومبيا والأرجنتين (أمريكا الجنوبية)، والهند وبنجلاديش وسيريلانكا (أسيا)، والسنغال وزيمباوي وغينيا بيساو وجنوب السودان (إفريقيا)، والقائمة ممتدة.
ولنا في مصر تجارب في هذا الصدد لعل أبرزها، في وزارات العهد الملكي، حين تولى فؤاد باشا سراج الدين وزارة الداخلية، وهو بالأساس محامٍ لم ينخرط يومًا في العمل الأمني، لكنه كان متمرسًا في العمل السياسي والحزبي، واستطاع أن يدير وزارته بخلفياته السياسية وتجلى هذا في مواجهة اعتداء قوات الاحتلال على مبنى محافظة الإسماعيلية، حيث رفض رجال الشرطة تسليم أسلحتهم وإخلاء مبنى المحافظة للقوات البريطانية، 25 يناير 1952، وحُسب يوم المواجهة عيدًا قوميًا للشرطة حتى يومنا هذا.
لكن هذا لا ينفي التجارب الناجحة لوزراء تكنوقراط تركوا بصمتهم في العمل الوزاري في لحظات غاية في الدقة، لعل أبرزهم، المهندس صدقي سليمان وزير السد العالي، المهندس عزيز صدقي وزير الصناعة، والدكتور محمود فوزي وزير الخارجية، وثلاثتهم تولوا رئاسة الوزراء فيما بعد منصبهم الوزاري، والمهندس حسب الله الكفراوي وزير الإسكان والمجتمعات العمرانية الجديدة، والأستاذ فاروق حسني وزير الثقافة.
لكن ملفات التعليم والإعلام لم يكن لهما نفس القدر من التوفيق، وانعكس هذا على أدائهما وتأثيره السلبي على الحياة العامة، وارتباكات التنشئة وتشكيل العقل الجمعي وإدارة التنوع، ربما بسبب تغلب التوجه البيروقراطي الوظيفي، وغياب الخبرة عنهما.
ودعوتي لعودة الوزير السياسي تستند على أنه يملك رؤية شاملة عن طبيعة الشارع وطرائق تفكيره وكيفية مخاطبته، فضلًا عن تيقنه من أهمية التكامل بين وزارته والوزارات الأخرى فلا يعاني من تضارب القرارات، ويملك القدرة على شرح سياسة وزارته وقراراته، ويتعاظم عنده الحس السياسي ومسؤولياته، ويتمسك بحقه في تطبيق رؤيته ولديه خبرة وقدرة إدارة الأزمات ومهارات القيادة السياسية وابتكار الحلول، في إطار السياسة العامة للحكومة والدولة.
وأشارت دراسة عن الوزير السياسي إلى أنه يُعتبر حلقة وصل بين القيادة السياسية والمواطنين، وبين الوزارات المختلفة، ويساهم في تحقيق التوازن بين الأهداف الفنية والسياسية للحكومة، خاصة في أوقات الأزمات. ويعزز دور الحكومة في إدارة الدولة بكفاءة وفعالية، من خلال الخبرة والقيادة.
بهذه التصورات التي حملتها وقدمتها سطوري فيما يتعلق بمنظومة الأحزاب ونظام الحكم وطبيعة الحكومة، نكون قد اقتربنا من رسم رؤية للمداخل التي تناسب الحالة المصرية في مرحلة غاية في الدقة، وهي تطرق أبواب الاستقرار بعد طول عناء.
وظرف الحالة المصرية، يؤهلها للتحول إلى النظام المدني الرئاسي المختلط وتشكيل حكومتها من السياسيين المدنيين، وإعادة هيكلة الحياة الحزبية لتناسب تلك التحولات، بعد أن نجحت الدولة في إعادة تأهيل البنية التحتية، وقفزت بمنظومة الطرق قفزة واسعة، وتعيد تخطيط القاهرة التاريخية بعد تفكيك جل العشوائيات مع توفير إسكان آدمي لقاطنيها، واستكمال أركان العاصمة الإدارية الجديدة، وشرعت في نقل المؤسسات السيادية والسياسية والإدارية إليها.
وبغير ممالأة أقول بضمير مستريح أن الرئيس السيسي مؤهل للانتقال بنا إلى الأمرين معًا، فيما يمكن أن نحسبه إعلانًا لقيام الجمهورية الثانية على غرار الجمهورية الخامسة بفرنسا التي قادها زعيمها التاريخي الجنرال شارل ديجول.
واستكمالًا لاقترابنا من الحالة المصرية يبقى أمامنا ثلاث محاور:
ـ مدنية الدولة وإدارة الاقتصاد.
ـ التعليم والإعلام والثقافة: الإشكاليات والطموحات.
ـ الدستور أبو القوانين ودواعي تعديله.
وهو ما سنتناوله تباعًا.
صدر للكاتب:
كتاب: العلمانيون والكنيسة: صراعات وتحالفات ٢٠٠٩
كتاب: قراءة في واقعنا الكنسي ٢٠١٥
كتاب: الكنيسة.. صراع أم مخاض ميلاد ٢٠١٨
