أنا كمسلم، أرفض التعزية التي قدمها الأزهر في القس الشهيد "أرسانيوس"، وارفض ما قاله الشيخ "أحمد كريمة" من ألا يتحمل الأزهر خطايا السلفيين، لأن الأزهر الحالي يعتبر المادة الخام للسلفية، وحسب المادة السابعة من دستور دولتنا فالأزهر هو المؤسسة (الوحيدة) المسؤولة عن نشر الدعوة والقيام بكافة ما يتعلق بأمور الدين الإسلامي، فان كان الأزهر غير قادر على إنهاء الفكر السلفي، فليترك للدولة المساحة لاستغلال جامعاتها وقصور ثقافتها وإعلامها وسيل المفكرين التنويريين للإصلاح دون مهاجمتها والتأليب عليها بأنها تهاجم الدين كالعادة.
أي رجل دين مسيحي يخطئ في التعدي اللفظي على الإسلام أو المسلمين؛ فجميعنا نتوجه نحو الكنيسة التي تقوم بشلحه مع بيان اعتذار، وهو ما حدث عدة مرات، آخرها بيان الكنيسة بعدم علاقتها بـ”زكريا بطرس”، ورفض منهجه الفكري تضامنا مع شركاء وطنهم المسلمين، والآن، فإنني أتقبل من الشيخ الذي قال أن التراث الفقهي (كله) يمثل ¾ الدين، أن يتقدم باعتذار لا تعزية، لأن الاعتذار يعنى وجود خلل يتطلب معالجته، ومستعد تمامًا لتحمل أي قضية ازدراء لشيخ الأزهر لو ذلك سيحل مشكلة ازدراء الإنسان في بلدي، من منطلق ضميري، وحبي لوطني، ورغبتي في دولة مواطنة حقيقية.
وأعتذر عن تصنيف نفسي دينيًا أول المقال، ولكن ذلك هو لتسجيل موقف، وعلى كل مسلم الآن أخذ موقف حاسم غير متميع، لأن دائرة القتل تضيق فتبدأ بغير المسلم، ثم المسلم الصوفي كقتلهم لمصلين مسجد الروضة الصوفيين الـ400، ثم الشيعي كقتل الشيخ الشيعي حسن شحاتة… الخ، فهي دائرة جهنمية إن لم نوقف دورانها فلن ينجو أحد من الحرق.
إن دم القس “أرسانيوس” معلق في رقبة المجتمع…
وذنب ترويع أولاده…
من رأوا أبوهم يقتل أمام أعينهم…
سيظل لعنة تطاردنا…
ما لم…
القانون وحده ليس كفيلا بحمايتي، وليس كافيا لعمل أرضية تعايش حقيقية، لأننا هنتعايش غصب عننا في الحالة دي،،، لكن اللي هيعمل ده هو خلق التعايش الحقيقي، هو فهم أخي المسلم لأهمية التعايش من منطلقات اجتماعية وطنية ودينية، وده هيتم بتغيير الفكر(قداسة البابا شنودة الثالث، في حوار مع الإعلامي “عبد اللطيف المناوي” على خلفية إطلاق النار من “حمام الكموني” على كنيسة “نجع حمادي” وروادها عام 2010)
وهذا الكلام صحيح جدا، فإعدام “حمام الكموني” لم يردع قتلة ضحايا “كنيسة القديسين”، وإعدام قاتل القس “سمعان شحاتة” لم يقم بردع قاتل القس “أرسانيوس”،، لان هناك شحنة حقد مقدسة حفرتها في العقول قوى آثمة لعينة، نحاول أن نواجهها كي نغير الفكر الجمعي.
ومسيحيو مصر يدفعون ثمن هذا التغيير والمواجهة الفكرية من دمائهم وكنائسهم في سبيل الوطن، فنزلوا في 30 يونيو دون خوف من الإرهاب،، وقال البابا “تواضروس” جملة انتقده بسببها الكثيرين: وطن بلا كنائس، خير من كنائس بلا وطن
.
لكن كما يدفعون ثمن وطنيتهم ووقوفهم مع دولتهم بدمائهم، يجب أيضا أن يرون منا كمسلمين -أفرادًا ومؤسسات وحكومة- مواجهة حقيقية لهذا الفكر الذي يستهدفهم بغشومية حاقدة.
فماذا لو سأل أبناء القس المغدور “أرسانيوس”: بأي ذنب يقتل والدنا؟ ولماذا يقتلون أب أمام أبناءه؟ وماذا عن رؤيتنا لهذا المشهد من طعن والدنا أمام أعيننا؟ كيف سنصبح بعده أسوياء؟ وكيف سنكون آمنين بين إخوتنا وشركاء وطننا؟ أفنجيبهم بأننا حين نناقش حديثًا خرافيًا أو به تمييز ضد غير المسلم أو المرأة أو أمرا غير قابل للتطبيق مثلا، يقولوا ضعيف مع أنه في البخاري،، وإن ناقشنا فتوى دموية مثلا أو رأى شاذ لفقيه، يقولوا هذا لا يمثل الدين،، وإن طرحنا تفسير المفسرين لأية، يقولوا هناك تفسيرات أخرى، ومجرد أن تناقش رجل دين أو متدين عادي، يقول لك مثلا هل قرأت أصول الفقه وعلوم الحديث والنحو واللغة حتى تجادل؟ وحين تسأله بالمقابل هل قرأت عن عقائد وأفكار غيرك ولغتها وفقهها وعلومها حتى تسخر منها ليل نهار وتظن أنك الأفضل، لن يجيب، ولن يقر أن هذا دليل أن الدين عقيدة خاصة بالأفراد، مكانها دار العبادة والقلب، ولا تصلح للتشريع القانوني أو الحكم لأن بها بالطبع تمييزًا لأصحابها عن غيرهم، فما بالنا بفقه يقوم على تقسيم المجتمع لرجل وامرأة، وغير مسلم ومسلم، مطيع و عاصي، وكل تلك التصنيفات.
نعم، إن أي تغيير وإصلاح يسقط فيه ضحايا، ودائمًا ما يكون الضحايا من الطراف الأضعف في المجتمع كالأقليات الدينية والفكرية والمرأة، فهم الأكثر تضررا، وهم أكثر من يناضل لنيل مواطنة كاملة،، ولكن مثلا، فإن قاتل القس “أرسانيوس” هو مختل، فمن يصاب بالذعر حين يري قسا أو كنيسة أو صليب أو ملحد أو سيدة غير محجبة أو فتاة سعيدة، لابد أن يكون مختلًا،، لكن ستظل بلدنا تنتج المختلين طالما نقبض عليهم بعد أن يؤذوا غيرهم بخللهم، ولا نعالج الخلل وأسبابه،، تلك الأسباب التي تجعل بنى آدم تثير غرائزه المرأة الغير محجبة والتي لا تلتزم بمعاييره،، ويستفزه المفطر برمضان،، ويرى في وجود المختلف والتارك لدينه والناقد لموروثه، تهديدًا كونيًا له، ويريد أن يكون متديّنًا ويفوز بجنته، ويريد من العالم حوله أن يتكيف، ويتنازل، ويُنافق، ليُساعده في عباداته وتدينه الذي قد يؤدي به لقتل غيره طمعا في رضا الله، فأخطر القتلة هو من يقتل لا طمعا في جنة ولا حور عين ولكن ظنا منه أن الله يرضى يذلك!!
ثم أتعجب فعلا بعد ذلك ممن يقول أن خوف المسيحيين من الإسلاميين ومن تطبيق الشريعة، هو كراهيَة للإسلام،، وأنهم نزلوا في 30 / 6 ضد الإسلام وليس الإخوان المسلمين، فيما نحن أنفسنا كمسلمين كرهناهم وكرهنا دينهم بفهمهم وتدينهم بفهمهم. إن بيان 3 / 7 جاء لينسف أحلام الإخوان، لكنهم لا زالوا يعملون، ولا زال فكرهم حاضرا، استتروا به خلف الأزهر تمامًا فصوروا لشيخه أنه سلطة فوق السلطة، ليستطيعوا من خلاله البقاء في المشهد،، لذا فالصراع الآن فكريا في المقام الأول، وهو ما لم يعلمه القائمين على الإعلام للان، فيستضيفون “خالد زعفراني” مثلا على أنه من المنقلبين على فكر الإسلام السياسي ويفند فكر الإخوان، فيما صفحته تحريضية بامتياز ضد “سعد الدين الهلالي” و”إسلام البحيري” وغيرهما.
ولا أعرف متى سيفهم هؤلاء الإعلاميين أنهم أهم مصدر في تشكيل الوعى، وتشكيل الفكر الجمعي العام، فيكون لديهم هدف حقيقي دون مداعبة فكر القطيع، ويدركوا أنه لا يُصلَح الفكر بمن أفسده أصلا، ولا يريد إصلاحه. والعلاج ليس سهلا ويحتاج للمصارحة المجتمعية ومناقشة تلك القضايا بوضوح وتوجيه البوصلة الإعلامية المؤثرة في المجتمع بدلا من عشوائيتها الدينية والثقافية. مع استمرار كتابتنا عن أهمية فصل السلطة الدينية عن واقعنا الدستوري والمجال السياسي للدولة ومراجعة ما يقال على المنصات الدينية وبرقابة الدولة هو ما سيقفز بنا قفزة سريعة تعوض قرون الظلام،، وتريح دماء الضحايا.
المنتقدون للباكين على استشهاد القس أرسانيوس والمهونون من الجريمة، قد لا يدركون أن خطورة تلك الجريمة أنها أول جريمة قتل تحدث على أساس الهوية الدينية، ودون أي خلفية مسبقة،، نعم هي ليست أول مرة يُقتل فيها كاهن، ولكن تلك ليست فتنة طائفية نتيجة هروب فتاة مسلمة أو مسيحية مع شاب مختلف عنها دينيًا، أو بسبب كنيسة تبنى، أو مشكلة ما يتدخل فيها رجال دين ينتج عنها مقتل كاهن من بين الضحايا ويكون لها بعد ديني. وليست عملية إرهابية قام بها دواعش أو جماعة إرهابية في تنظيم ضد كنيسة أو تجمع مسيحيين، أو مسجد صوفي أو شيعي، ولكن القاتل هنا اختار ضحيته لأنه يرتدى زي كهنوت مسيحي فقط، مما يعنى قتله لأنه كاهن مسيحي من بين كل المارين في الشارع، ولم يكن ثمة سبب لهذا خصوصا وأن القاتل مسن أيا كانت حالة عقله،، وهنا خطورة تلك الجريمة
حين قام المتطرف اليميني النيوزلندي بقتل المصلين بالمسجد منذ ثلاث أعوام، ورغم عدم وجود أي دافع ديني لجريمته إلا البعد القومى، لكن انتفض النيوزلنديين وذهبوا إلى المسجد إعلانًا لتضامنهم الكامل مع الضحايا، وذهبوا لجنازتهم، ورأينا صورا وفيديوهات احتضانهم ومعهم رئيسة الحكومة لعائلات الضحايا، وجمع سكان هذه المقاطعة 5 مليون دولار قدموها لعائلات الضحايا الذين لن يرجعهم ذلك، لكن خطوة ذهاب النيوزلنديين واعتذارهم ودعمهم لعائلات الضحايا كان إعلانًا برفض الجريمة، وضمانا لعدم تكرارها في خطوات ملموسة، ورأينا رئيسة الحكومة النيوزلندية في البرلمان النيوزلندي بعد تحويل القاتل للمحاكمة وهى مرتدية الحجاب وتقرأ القرآن تضامنا مع أهالي الضحايا دون أي اعتبارات لخلفياتهم، فيما دارت تعليقاتنا نحن هنا حول ارتداء رئيسة الحكومة للحجاب وهل أسلمت وآمنت أم لا!!! وهذا هو الفارق بيننا كمجتمعات تشغلها الأديان، وبينهم كشعوب يشغلها الإنسان، والمصيبة أننا نشغل بالأديان لا بجوهرها ومضمونها وقيمها،، لا،، ولكن بمدى قوتها وضعفها وأعداد معتنقيها ومن أسلم ومن تنصر.
حتى لا تكون واقعة قتل القس أرسانيوس مثل غيرها وتهدأ ردود أفعالنا، يجب أن نتحمل المسؤولية كاملة كمجتمع قبل الحكومة، فنحن لا نريد تحمل أي مسؤولية، فأى محاولات إصلاح فكرى وديني نعتبرها مؤامرة، وحتى الفساد مؤامرة، والحروب والطائفية مؤامرة، وداعش مؤامرة، والجهل مؤامرة، والتخلف مؤامرة، والانهزام مؤامرة،، ولا يوجد أفشل وأسهل من إلقاء المسؤولية على المؤامرة لنخدر ضمائرنا،، ونرتاح. وبداية التغيير الحقيقية تبدأ بالشفافية في التاريخ والأحداث التاريخية والمجتمعية، ويبدأ التغيير حين نسمى كل الأشياء والأحداث بمسمّياتها،، وكفانا تجميلًا لواقع مزري لا ينبغي أن يكون.
[*] صورة المقال هي آخر صورة تجمع القمص “أرسانيوس” بأبنائه حيًا، وقد تم التقاطها يوم وقوع الجريمة، قبيل ساعة من انتقاله.
