تضافرت عوامل عديدة عبر قرن من الزمان لتُجهد الاقتصاد القومي بل وتكاد تجهضه، ربما بسبب الانتقال من منهج أو رؤية سياسية إلى أخرى، وبعضها من النقيض للنقيض، إضافة إلى سلسلة الحروب التي خضناها بتعدد أسبابها، تراوحت بين أيديولوجية اقتحمتنا، أو فخاح استُدرجنا إليها، أو انقضت علينا غيلة، أو لاسترداد أرضنا وكرامتنا، وتتابعت على فترات متقاربة لم تتح لنا فرصة التقاط الأنفاس، وكان من الطبيعي أن تُنهِك الاقتصاد وتُعطل بل وتلتهم كل مساعي التنمية. وفي العقدين الأخيرين كانت الصراعات الخارجية بين دول المنطقة، بل وبامتداد خريطة العالم واحدة من عوامل تعثر مساعي النهوض. لارتباكات التجارة العالمية وتأثير ذلك على توفر الاحتياجات الأساسية في دوائر الطاقة والمواد الخام ومستلزمات الإنتاج والغذاء وغيرها، فضلًا عن ارتفاع تكلفة الشحن والأسعار بقفزات غير طبيعية، وتأثر حركة الملاحة بقناة السويس سلبًا جراء تلك الصراعات والحروب.
وبين هذا وذاك وربما قبلهما كان التطرف الذي أفرزه مد الإسلام السياسي يعمق من المعاناة ويضعنا على حافة التمزق وتفتيت الوطن على غرار دول محيطة بنا، لكن وعي الشارع وانتباه قواتنا المسلحة ويقظتها ومبادرتها حالت دون ذلك، لكونها جيش الشعب الذي تنصهر فيه كل الانتماءات بتنوعها.
اختارت الأنظمة الحاكمة المتتالية في الحالة المصرية النظام الرئاسي، الذي ـ حسب التعريفات الأكاديمية ـ يمنح صلاحيات واسعة للرئيس وهو الذي يترأس السلطة التنفيذية، ويشكل حكومة لتنفيذ برنامجه السياسي وتكون مسؤولة أمامه وليس أمام البرلمان، ويتميز النظام الرئاسي بالفصل بين السلطات الثلاث بشكل صارم، كضرورة تفرضها الديمقراطية، من خلال التوازن بين هذه السلطات، فلا تتغول إحداها على الآخرتين. وفيه يسمح لكل سلطة برصد الآخر ومراقبته، ومنعه من إساءة استخدام السلطة.
ويرجع الفضل في هذا للفيلسوف الفرنسي شارل مونتسكيو (القرن 17) باعتباره صاحب نظرية الفصل بين السلطات، متأثرًا بأفكار الفيلسوف الإنجليزي جون لوك (القرن 16) ويرى “مونتسكيو” أن تداخل السلطات يُؤثر سلبا على النظام الديمقراطي معللًا ذلك بأن “تناغم البرلمان والحكومة (الأغلبية والحكومة المنبثقة عنها) قد يكون عامل تواطؤ في إدارة الدولة، كما أنَّ الحكومة قد تُحِكم قبضتها على البرلمان نتيجة الولاء السياسي لأعضائه، مما يُفرغ مهمته الرقابية من مضمونها ويقضي عليه كسلطة ضامنة للتوازن”.
ويتميز النظام الرئاسي بأن للرئيس ولاية محددة. يمكن تجديدها حسب ما ينص عليه الدستور، وإن استقر الأمر في الدول الديمقراطية على أن لا تتجاوز المرتين، وتُجرى الانتخابات في أوقات منتظمة، تتمثل السلطة التنفيذية في شخص واحد، يعمل أعضاء مجلس الوزراء وفقًا لمشيئة الرئيس ويجب عليهم تنفيذ سياسات السلطتين التنفيذية والتشريعية. ولا يحق للوزراء أو رؤساء الإدارات التنفيذية الجمع بين مواقعهم التنفيذية وعضوية البرلمان. فيما يمكن للرئيس توجيه أعضاء مجلس الوزراء أو الجيش أو أي مسؤول أو موظف في السلطة التنفيذية، ولكنه لا يستطيع توجيه القضاة أو عزلهم. ويعد الرئيس المسؤول الأول عن تطبيق القوانين، فيما تقوم السلطة التشريعية بإصدار القوانين، وتقوم المحاكم بإصدار الأحكام.
ويأتي رئيس الجمهورية بالاقتراع العام المباشر، وله صلاحيات واسعة، سواء في السياسة الخارجية والدفاع فضلًا عن شؤون البلاد الداخلية، ويشرف على الحكومة. ويأتي رئيس الوزراء باختيار رئيس الدولة، ولهذا يكون مسؤولًا أمامه وليس أمام البرلمان، ويتمتع الرئيس في هذا النظام بصلاحيات إصدار العفو العام بحق المجرمين أو تخفيف عقوباتهم، ويحق له الاعتراض على قرارات البرلمان وعدم اعتمادها (سنها) وإعادتها للمجلس ومعها أسباب اعتراضه.
يُؤخذ على هذا النظام “قصوره في تسيير الخلاف السياسي المؤسساتي، فنشوب أي خلاف بين الرئيس والبرلمان قد يؤدي بالبلاد إلى أزمة شاملة تشل أجهزة الدولة وتعطل الاقتصاد، كما يُؤخذ عليه مركزية منصب الرئيس، الذي يهمش دورَ حزبه.” وأبرز الدول التي تعتمد النظام الرئاسي الولايات المتحدة الأمريكية والعديد من دول الغرب.
بالتوازي مع النظام الرئاسي يوجد النظام البرلماني، وفيه يكون للأحزاب دور كبير في تشكيل وعضوية البرلمان من خلال انتخابات حرة مباشرة، وهي التي تشكل الحكومة بتكليف حزب الأغلبية أو ائتلاف مجموعة أحزاب على أن تحصل على ثقة البرلمان، ويرأسها رئيس وزراء، ويحق له أن يعين بعض أعضاء البرلمان ليقوموا بالوظائف التنفيذية، بحيث تعمل السلطتان التشريعية والتنفيذية مع بعضهما، في حين تعمل السلطة القضائية بشكل مستقل، وقد نشأ النظام البرلماني في المملكة المتحدة (بريطانيا).
والنظام البرلماني أكثر مرونة، إذ يحق له حجب الثقة عن الحكومة إذا لم تحقق برنامجها الذي على أساسه وافق البرلمان على تعيينها، وفيه تحاسب السلطة التشريعية السلطة التنفيذية فيما يتعلق بالمصلحة العامة، ويحق لأعضاء السلطة التشريعية سؤال الحكومة في الأمور التي تصب في المصلحة الوطنية، فتفرض ضوابط على الحكومة وأنشطتها.
وفي هذا النظام لا توجد مدة محددة أو ثابتة لتولي الحكومة الحكم، بل يتوقف هذا على تأييد الأغلبية في البرلمان، وتسقط الحكومة إذا حُجبت ثقة البرلمان عنها؛ وعليها أن تتقدم باستقالتها، ومن ثم تُجرى انتخابات أخرى. ويمتلك هذا النظام جهتين تنفيذيتين بحيث يمتلك رئيس الدولة ـ أو الملك ـ السلطة التنفيذية اسميًا، في حين تكون السلطة التنفيذية الحقيقية بيد رئيس الوزراء.
بين النظامين الرئاسي والبرلماني يوجد نظام ثالث، هو النظام شبه الرئاسي أو النظام المختلط، وهو نظام يجمع بين النظامين الرئاسي والبرلماني، وتعد فرنسا أبرز الدول التي تعتمد هذا النظام، وجاء به الدستور الفرنسي 1958 الذي أعده وقدمه الجنرال شارل ديجول رئيس الحكومة وقتها، بعد حالة عدم الاستقرار التي عانت منه فرنسا في ظل النظام البرلماني.
وفي النظام المختلط يُنتخب الرئيس بالاقتراع العام المباشر ويتمتع بقدر كبير من الصلاحيات، وفيه تتشكل الحكومة من خلال البرلمان الذي تكون مسؤولة أمامه وأمام رئيس الدولة، ويتمتع رئيسها بصلاحيات واسعة. وفيه يتقاسم رئيس الدولة ورئيس الحكومة السلطة، فتقع مسؤولية السياسة الخارجية والجيش في صلاحيات رئيس الدولة، فيما يسند لرئيس الحكومة إدارة الشأن الداخلي، ويملك البرلمان محاسبة الحكومة وسحب الثقة منها، وفي المقابل يملك رئيس الدولة أو الحكومة أو كلاهما معًا حق حل البرلمان والدعوة لانتخابات مبكرة.
في تقديري وبعد أن خطونا ـ في مصر ـ خطوات واسعة في تحقيق الاستقرار، وفي مسارات الإصلاح الاقتصادي، والأمن، نحن بحاجة إلى إعادة فحص النظام الرئاسي بعد تجربة اقتربت من القرن، ومدى مناسبة النظام المختلط لنا، وهو يخفف العبء عن كاهل رئيس الدولة، ويدعم الاستقرار ويعيد الحيوية لمنظومة الأحزاب ويصحح مسارات الانتخابات البرلمانية، ويؤكد على دور رئيس الدولة كحكم بين السلطات، وقدرته على ضبط بوصلة الحياة السياسية، ومن ثم ترسيخ قيم الديمقراطية، وغير بعيد تأثر منظومة القضاء المصري بهيكلة وفلسفة مثيلاتهما في النظام القضائي الفرنسي.
وهذا التغيير بحاجة لمراجعة الدستور بما يسمح بإقرار النظام الرئاسي المختلط، وهو ما سنعرض له في طرحنا فيما يتعلق بقضية تعديل الدستور.
في الأجزاء القادمة من الطرح نتناول:
• الحكومة بين السياسيون والتكنوقراط.
• مدنية الدولة وإدارة الاقتصاد.
• التعليم الإشكاليات والطموحات.
• الدستور أبو القوانين ودواعي تعديله.
صدر للكاتب:
كتاب: العلمانيون والكنيسة: صراعات وتحالفات ٢٠٠٩
كتاب: قراءة في واقعنا الكنسي ٢٠١٥
كتاب: الكنيسة.. صراع أم مخاض ميلاد ٢٠١٨
