السؤال عمّا إذا كان يسوع فلسطينيًا أم إسرائيليًا يكشف قبل أي شيء خلطًا مفاهيميًا خطيرًا سببه اللغة والسياسة لا التاريخ.
يسوع الناصري كان يهوديًا Israelite
Jewish، وليس Israeli.
الفرق الجوهري غير الواضح في العربيّة، وبالتأكيد يُستخدم للتلاعب ولقلب الحقائق من الكثيرين: Israelite التي تترجمها العربيّة “إسرائيليّ”: مصطلح كتابي ولاهوتي قديم، يشير إلى الانتماء إلى شعب إسرائيل الكتابي (بني إسرائيل)، أي هُوِيَّة دينية–عهدية، لا سياسية حديثة. ويوجد في مصر مدارس أقدم من تأسيس دولة إسرائيل مكتوب عليها “مدرسة الجالية أو الطائفة الإسرائيليّة! وهؤلاء كانوا مصريّين وولاؤهم لمصر بعيدًا عن الدخول فيما فعله عبد الناصر من تنكيلٍ بهم!
Israeli: تترجمها اللغة العربيّة بنفس الكلمة “إسرائيليّ”، وهنا بمعنى “مواطن في دولة إسرائيل المؤسسة في القرن الـ٢٠”، وهنا يكمن أساس الخلط وسوء الفهم. فهو إذًا مصطلح سياسي–قانوني حديث، يعني Citizen of the modern State of Israel (est. 1948).
ماذا عن يسوع؟ هو رجلٌ عاش في القرن الأول داخل ما كانت تُسمى “اليهوديّة”ولكنها أيضًا كانت وطنًا للسامريّيين وللوثنيين، والأناجيل ذكرتْ جليل الأمم، فهي لم تكن أرضًا حكرًا على اليهود، حتي زمن المسيح نفسه! نحو قرن بعد ذلك سُمّيت “فلسطين الرومانيّة” Roman Palestine، تحت احتلال روماني، قبل: نشوء الدولة القومية الحديثة بنحو ١٩ قرنًا! وقبل مفهوم الجنسية، وقبل مفهوم الدولة اليهودية السياسيةَ!
لذلك: لم يكن يسوع Israeli (إسرائيليّ) بالمفهوم السياسي القانوني (لأن دولة إسرائيل لم تكن موجودة). ولم يكن فلسطينيّ Palestinian بالمعنى القومي السياسي القانونيّ الحديث (لأن القومية الحديثة لفلسطين لم تكن موجودة، وهي تاريخيًّا أقدم بقرون من دولة إسرائيل الحديثة ١٩٤٨ فقط، وبها لـ٧ قرون مسيحيون ويهود ثم مسلمون لاحقًا).
يسوع كان يهوديًّا (إسرائيليًّا بمعنى الدين اليهودي وليس السياسيّ) Israelite / Jewish man of the 1st century
لاهوتيًا، الفكر المسيحيّ واضح منذ زمن طويل: رسالة يسوع لا تُؤسَّس على أرض محدّدة ولا شعب أو أمة ولا على عرق بعينه، بل على “ملكوت الله” أي أو كل مكان على الأرض، يتحقّق فيه العدل والسلام والمحبة، الذي يتجاوز الجغرافيا والسيادة السياسية. ولهذا ترفض الكنيسة أي توظيف قومي أو عنفي لشخص المسيح، أيًّا كان اتجاهه.
من المهم تاريخيًا التذكير بأن الصهيونيّة Zionism نفسها لم تكن منذ البداية مرتبطة حتميًا بفلسطين. فمثلا مشروعات إقامة وطن قومي لليهود طُرحت لتأسيس دولة للشعب اليهودي أو الإسرائيليّ بمعنى اليهودي في: أوغندا في إفريقيا عام ١٩٠٣، وأيضًا الأرجنتين في أمريكا الجنوبيّة قبل أن يُحسم الخيار سياسيًا واستعماريًا و للاستنفاع واستغلال نصوص مقدّسة لصالح احتلال أرض فلسطين التي كان فيها يهود ومسيحيون ومسلمون يعيشون في سلام ولكن تحت الاحتلال البريطانيّ الذي سلّم للصهاينة لاحقًا هذه الأرض. وهذا ينسف أي ادّعاء بأن الدولة الحديثة امتداد “طبيعي” أو “لاهوتي” ليسوع أو للعهد الجديد.
الخلاصة يسوع يهودي ويجب النظر للغات غير العربية لاستخدام أن يسوع إسرائيليّ فهو Israelite وليس Israeli. وأي خلط بين المصطلحين هو خطأ تاريخي ولاهوتي يُستَخدم غالبًا لخدمة صراعات معاصرة لا علاقة لها بالإنجيل.
صدر للكاتب:
كتاب نقدي: اللاهوت السياسي، هل من روحانية سياسية؟
تعريب كتاب جوستافو جوتييرث: لاهوت التحرير، التاريخ والسياسة والخلاص
تعريب كتاب ألبرت نوﻻن الدومنيكاني: يسوع قبل المسيحية
تعريب أدبي لمجموعة أشعار إرنستو كاردينال: مزامير سياسية
تعريب كتاب البابا فرانسيس: أسرار الكنيسة ومواهب الروح القدس
