- بدعة الملك الألفي الحرفي للمسيح
- أصل التعليم بالملك الألفي للمسيح
- موقف المسيح والرسل من الملك الألفي
- تفشي التعليم الألفي في الجماعات الأولى
- رفض تعليم الملك الألفي [١]
- رفض تعليم الملك الألفي [٢]
- ☑ رفض تعليم الملك الألفي [٣]
نستمر في الحديث عن موقف الكنيسة الرافض لتعليم الملك الألفيّ الحرفيّ للمسيح على الأرض، ومن خلال كتابات آباء الكنيسة المعلِّمين عبر العصور، وفي تقاليد كنسية مختلفة شرقًا وغربًا. كما نتناول البدع والهرطقات المختلفة التي تبنَّت تعليم الملك الألفيّ الماديّ للمسيح، وكيف تصدى آباء الكنيسة لهذا التعليم المتهود المنحرف عبر العصور.
ق. ديونيسيوس السكندريّ
يُوضِّح رايموند براون أنه في القرن الثالث ثمة دراسة واعية للغة الرسالة وأسلوبها وفكرها أقنعت، وعن صوابٍ، ديونيسيوس السكندريّ أن سفر الرؤيا لم يكتبه الشخص المسؤول عن إنجيل يوحنا، ورسائل يوحنا الأولى والثانية والثالثة، الذي افتُرض أن يكون يوحنا الرسول هو كاتبها. وبناءً على ذلك، قال ديونيسيوس إن كاتب سفر الرؤيا هو يوحنا الشيخ (القس)، وهذا فرقٌ يعكس إشارة إلى شخصين باسم ”يوحنا“، يوحنا واحدٌ من الأثنى عشر، ويوحنا الشيخ بحسب بابياس 125م.
على الرغم من ذلك، فبالنظر إلى أن ”يوحنا“ كان اسمًا شائعًا بين مسيحيي العهد الجديد، فإن الاستنتاج الذي ينصف الدليل بشكلٍ تامٍ هو أن الرائي في سفر الرؤيا كان شخصًا غير معروف، اسمه ”يوحنا“. وهذا ما يشير إليه ديفيد دي سيلفا الذي يرى أنه من الجدير بالذكر هو نقد النظرة التقليدية لسفر الرؤيا من قِبَل عالم القرن الثالث ديونيسيوس السكندريّ. فتحليله الدقيق للغة سفر الرؤيا وأسلوبه مقابل الإنجيل الرابع قاده ليستنتج أن المؤلِّف ذاته لا يمكن أن يكون قد كتب هذين السفرين. إن نهج ديونيسيوس في البحث استبق ظهور البحث النقديّ. [1]
دحض بدعة كيرنثوس الألفية
يرفض ق. ديونيسيوس السكندريّ تعليم كيرنثوس الهرطوقيّ بالملك الألفيّ الحرفيّ والأرضيّ للمسيح، حيث يرى أن كيرنثوس الشهوانيّ في ميوله توهم أن ملكوت الله هو ملكوت أرضيّ وماديّ سيتضمَّن كل أنواع الملذات الجسدية قائلًا: [2]
لأن عقيدة كيرنثوس هي: أن للمسيح مُلك أرضيّ، ولأنه [كيرنثوس] هو إنسانٌ عاكفٌ على مسرات الجسد، وهو شهوانيٌّ في كل ميوله، فقد توهم أن ملكوت الله سيتضمَّن كل أنواع الملذات التي يشتهيها قلبه، مثل ملذات البطن، وشهواته الدنيا، بالمأكل والمشرب والتزاوج، وبأشياءٍ أخرى اعتقد تحت ستار الكياسة أنها تمنحه مزيد من الملذات، مثل الأعياد، والتقدمات، وذبح الأضاحي.(ديونيسيوس السكندري، ترجمة وتقديم: أمجد رفعت رشدي)
دحض بدعة نيبوس الألفية
يرفض ق. ديونيسيوس تعليم الأسقف نيبوس، أسقف أرسينوي (الفيوم حاليًا)، الذي علَّم بأن ملكوت المسيح سيكون على الأرض، وألَّف كتابًا في هذا الأمر يرفض فيه التفسير الروحيّ أو الأليجوريّ للمُلك الألفيّ، ويدعم فيه التفسير الحرفيّ للمُلك الألفيّ، وهذا ما يرفضه ق. ديونيسيوس قائلًا: [3]
إنهم ينتقلون إلى مؤلفات نيبوس، وفي ظنهم أنها لا تُدحَض، يُعوِّلون عليها كثيرًا في إيمانهم بأن ملكوت المسيح سيكون على الأرض، ورغم أنني أحب نيبوس من أجل أشياء أخرى كثيرة، مثل إيمانه وجهده ودراسته للأسفار، […] إلا أن الإيمان عزيزٌ جدًا عليَّ، وله عندي كل الأفضلية، فأعطي كل استحساني وقبولي للفكر السليم، ولذا علينا أن نختبر ونُصحِّح كل ما يظهر لكي يكون [الإيمان] مُحدَّدًا وبغير تشويش.(ديونيسيوس السكندري، ترجمة وتقديم: أمجد رفعت رشدي)
ويتهم ق. ديونيسيوس أصحاب التعليم بالملك الألفيّ الحرفيّ للمسيح، بأنهم يحاولون إقناع البسطاء بأن الملذات الزمنية موجودةٌ في ملكوت الله، لذا يجب مناقشة وتفنيد آراء نيبوس وأتباعه حول الملك الألفيّ الحرفيّ قائلًا: [4]
ولكن الآن بعدما نُشِرَت كتاباته، التي يعتقد البعض أنها أكثر إقناعًا لهم، ووضع بعض المعلمين الناموس والأنبياء جانبًا، وابتعدوا عن أتباع البشائر، وازدروا الرسائل التي كتبها الرسل، في حين يستعرضون تعاليم هذا الكتاب على أنه سرٌ عظيمٌ وخفيٌّ، ويمنعون إخوتنا البسطاء من إدراك أيّ رأي ساميّ ونبيل، سواء كان عن الظهور الإلهيّ المجيد والحقيقيّ لربّنا، أو عن قيامتنا من الأموات وانضمامنا فيه لنكون على صورته، ويقنعونهم بالملذات الزمنية على أنها موجودةٌ في ملكوت الله، فوجب علينا أن نناقش الأمر مع أخينا نيبوس وكأنه مازال على قيد الحياة.(ديونيسيوس السكندري، ترجمة وتقديم: أمجد رفعت رشدي)
ويرى ق. ديونيسيوس أن مُبتدع هذا التعليم الألفيّ الحرفيّ هو شخص يُدعَى ”كوراسيون“، ولكنه لم يعد يتمسَّك بهذا الفكر آنذاك قائلًا: [5]
إن مبتدع هذا الفكر شخص يُدعَى كوراسيون، ولقد شهد الإخوة كلهم -وهو ما تأكَّد لنا نحن أيضًا- أنهم قد سمعوا أن هذا الرجل لم يعد يتمسَّك بهذا الفكر، ولم يعد يتحدَّث عنه أو يذكره أو يُعلِّم به، لأنه قد اقتنع بالردود التي وُجِّهت لهذا الفكر.(ديونيسيوس السكندري، ترجمة وتقديم: أمجد رفعت رشدي)
يشير رايموند براون إلى أنه في العصور القديمة كانت هناك مشاكل تتعلَّق بقانونية سفر الرؤيا، ذلك ضمن أمور أخرى، من ناحيةٍ ما إذا كان يوحنا (الرسول) هو الذي يُعتقَد أنه كاتبه. وكان السفر قد قُبِلَ وعلى نطاقٍ واسعٍ في الكنائس الغربية (لم يكن رفض غايس الكاهن الذي كان قد رفض إنجيل يوحنا أيضًا ذا أهمية). وفي آسيا الصغرى وقُرب نهاية القرن الثاني، أدت معارضة معتقدات المونتانين التي تقول بانسكاب الروح القدس، الأمر الذي أدى بالأولغيين إلى رفض سفر الرؤيا (كذلك إنجيل يوحنا). وفي مكانٍ آخر في الشرق، ما أن بيَّن ديونيسيوس الإسكندريّ (عام 250 تقريبًا) أن سفر الرؤيا لم يكتبه يوحنا الرسول، إلا ورُفِضَ هذا السفر، ولا سيما كردة فعل لاستخدام سفر الرؤيا لتدعيم عقيدة الحكم الألفيّ الأرضيّ.
على الرغم من ذلك، فقد قَبِلَ القديس أثناسيوس الرسولي سفر الرؤيا في القرن الرابع، وأخيرًا قبلته كنيسة الناطقين باللغة اليونانية. برغم ذلك، استمر رفض هذا السفر في سورية وكذلك كنيسة الناطقين باللغة السريانية. وفي أزمنة الإصلاح الدينيّ، وضع مارتن لوثر سفر الرؤيا في وضعٍ ثانويّ. وقد أنكر زوينجلي أنه من الأسفار المقدَّسة، وكان السفر الوحيد من أسفار العهد الجديد الذي لم يكتب له كالڤن تفسيرًا. [6]
ق. أمبروسيوس أسقف ميلان
أليجورية الملك الألفيّ
يرى ق. أمبروسيوس أسقف ميلان، مثل ق. غريغوريوس النيسيّ، أن هناك عملية تطهير يجب أن تتمَّ بعد الموت، إذَا لم تحدث في هذه الحياة. ويُشِير ق. أمبروسيوس إلى أن هذا التطهير بعد الموت والتحرُّر منه هو ما سوف يتمتَّع به القديسون، كما يقترح، ويُشِير سفر الرؤيا (20) إليه بالحديث عن القيامة ”الأولى“ و”الثانية“. أولئك الذين يشتركون في القيامة الأولى
[7] هم أولئك الذين ”سوف يأتون إلى النعمة دون الحاجة إلى الدينونة. أمَّا أولئك الذين لم يأتوا إلى القيامة الأولى، ولكنهم محفوظون للقيامة الثانية، فسوف يحترقون، حتى مرور الوقت بين القيامتين الأولى والثانية – أو لو لم يُتمِّموا تطهيرهم، فسوف يبقون في العقاب طويلًا“. [8] لذلك، فإن ق. أمبروسيوس يُحوِّل تقليد المُلك الألفيّ المعبَّر عنه في هذا المقطع إلى أليجورية أو مجازية الحالة ”المؤقتة“ بين الموت والقيامة العامة. [9]
ق. غريغوريوس النزينزيّ
رفض الملك الألفيّ الماديّ
يُوجِّه ق. غريغوريوس النزينزيّ نقدًا لاذعًا إلى معتقدات الأبوليناريين المتهودة حول الملك الألفيّ الحرفيّ للمسيح، وتفسيرهم إياه بطريقةٍ فظةٍ وماديةٍ، وكيف أن البابا الرومانيّ داماسوس الأول حرمهم وحرم كتاباتهم وتعاليمهم المنحرفة هذه كالتالي: [10]
إنهم [الأبوليناريون] أعداء أنفسهم إلى حدِّ أنهم بسبب الجسد يُفسِّرون كل ما سواه تفسيرًا فظًا وماديًا – من هنا تأتيهم اليهودية الثانية، والسعادة الألفية والحمقاء في الفردوس، وما يقرب من الاعتقاد بأننا نستعيد الأشياء نفسها بعد الأشياء نفسها […] ولهذا السبب، على ما يبدو لي، عندما ازداد داماسوس اطلاعًا، وعندما علم أنهم قائمون على تفسيراتهم الأولى، أعلن خروجهم من الكنيسة، وحرم كتاباتهم في موضوع الإيمان وأتلفها، واستنكر خداعهم الذي جرَّ براءته إلى ما لا تريد.(غريغوريوس النزينزي، رسائل لاهوتية وفصلان من مسرحية المسيح المتألم)
ق. غريغوريوس النيسيّ
رفض نهم الملك الألفيّ الحرفيّ
يستنكر ق. غريغوريوس النيسيّ فكرة الملك الألفيّ الحرفيّ للمسيح، حيث يرى أن هذه الأمور عودةٌ إلى التهود والمعتقدات اليهودية حول الملك الألفيّ الحرفيّ للمسيح، وإلى ذبائح اليهود الحيوانية، وبالتالي يرفض فكرة الوعد بنهم المُلك الألفيّ، والرجاء في ملكوتٍ أرضيّ في مدينة أورشليم قائلًا: [11]
إذ كنا نعلن ذلك […] ففيما نحن مذنبون، ولماذا نبعث على الحقد؟ وما معنى أن نُعارض بمذابحٍ جديدةٍ؟ هل نُبشِّر بيسوعٍ آخر [12]؟ هل نُعلِّم بغير تعليمه؟ هل نضع أسفارًا مُقدَّسةً أخرى [13]؟ هل تجرأ أحدٌ منَّا أن يدعو العذراء القديسة 'أمًا للإنسان‘ لا 'أمًا لله‘، كما نسمع ذلك عند بعضهم بكل وقاحة؟ هل نبتدع خرافة قياماتٍ ثلاث؟ هل نعدُ أنفسنا بنهم ألف سنة؟ هل نقول بالعودة إلى ذبائح اليهود الحيوانية؟ هل نتدنى بآمال البشر نحو أورشليم أرضية؛ نتخيّل إعادة بنائها بحجارةٍ جميلة المنظر؟ بأيٍّ من هذه الأمور نُتهَم لكي نُحاكَم ممَن يجب تجنبهم، ولماذا يقيم بعضهم ضدنا هيكلاً آخر، وكأننا ننتهك المقدَّسات؟ [14].(Gregory of Nyssa)
صدر للكاتب:
ترجمة كتاب: "الثالوث"، للقديس أوغسطينوس أسقف هيبو [٢٠٢١]
كتاب: عظات القديس غريغوريوس النيسي على سفر الجامعة [٢٠٢٢]
ترجمة كتاب: "ضد أبوليناريوس"، للقديس غريغوريوس النيسي [٢٠٢٣]
كتاب: الطبيعة والنعمة بين الشرق والغرب [٢٠٢٣]
كتاب: مونارخية الآب في تعليم آباء الكنيسة [٢٠٢٤]
