- بدعة الملك الألفي الحرفي للمسيح
- أصل التعليم بالملك الألفي للمسيح
- موقف المسيح والرسل من الملك الألفي
- تفشي التعليم الألفي في الجماعات الأولى
- ☑ رفض تعليم الملك الألفي [١]
نستعرض في هذا الفصل موقف الكنيسة الرافض لتعليم الملك الألفيّ الحرفيّ للمسيح على الأرض، ومن خلال كتابات آباء الكنيسة المعلِّمين عبر العصور، وفي تقاليد كنسية مختلفة شرقًا وغربًا. كما نتناول البدع والهرطقات المختلفة التي تبنَّت تعليم الملك الألفيّ الماديّ للمسيح، وكيف تصدى آباء الكنيسة لهذا التعليم المتهود المنحرف عبر العصور.
العلامة أوريجينوس السكندريّ
دحض بدعة الملك الألفيّ الحرفيّ
رفض العلامة أوريجينوس تعليم الملك الألفيّ الحرفيّ للمسيح، حيث يرى أن البعض يُخيَّل له أنه حريٌّ بنا أن ننتظر في المستقبل تمام المواعيد في الملذة والشهوة الجسدية، هؤلاء هم القائلون بالملك الألفيّ الحرفيّ، الذين يتمسَّكون بمعنى الشريعة الحرفيّ على نحوٍ سطحيّ، فهم تلاميذ الحرف ليس إلا قائلًا: [1]
يُخيَّل للبعض [الألفيين] أنه حريٌّ بنا أن ننتظر تمام الموعود، في المستقبل، في الملذة والشهوة الجسدية، فيأبون إعمال الفكر على نحوٍ ما، متشبثين بمعنى الشريعة الحرفيّ على نحوٍ سطحيّ، وراغدين في ما يطيب لهم ويسرُّهم في وجهٍ من الوجوه، إذ هم تلامذة الحرف لا غير. لذلك، يتوقون إلى أن يجدوا لهم في القيامة جسدًا لحميًا ثانيةً، يجعل لهم من المأكل والمشرب والإقبال على كل فعلٍ يمتُّ بصلةٍ إلى اللحم والدم أمورًا ممكنةً.(أوريجينوس، في المبادئ)
ويستطرد العلامة أوريجينوس في نقده لتعليم الألفيين حول الملك الألفيّ الماديّ والشهوانيّ، ويوضح أنهم لا يأخذون برأي بولس الرسول في قيامة الجسد الروحيّ، وأنهم يصورون لأنفسهم مدينة أورشليم على أنها مدينةٌ أرضيةٌ، ويحسبون أنهم سوف يتسلمون فيها خيرات الأمم طعامًا لهم، ويكونون أسيادًا على ثرواتهم، وإنهم يسعون بكل جهدهم لإثبات هذا التعليم المتهود المنحرف عبر سلطان الأنبياء، عندما يتكلَّمون عن المواعيد المقطوعة في أورشليم، ويشير أوريجينوس إلى أنهم يأتون بنصوصٍ أخرى عديدة من الكتاب المقدَّس، دون أن يفقهوا أنه ينبغي فهمها بطريقةٍ مجازيةٍ وروحيةٍ كالتالي: [2]
فهم لا يأخذون برأي بولس الرسول في قيامة الجسد الروحيّ [3]. ويزيدون على هذا بشكلٍ منطقيّ الطاقة على عقد الزواج وولادة البنين، بعد القيامة أيضًا. ويُصوِّرون أورشليم لأنفسهم مدينةً أرضيةً، سوف يُعاد تشييدها على أحجارٍ كريمةٍ تُجعَل في أساسها [4] […] ولهم اعتقاد بأن لهم ثمة غرباء كخدامٍ، لأجل ملذاتهم، يعملون كأنهم فلاحون أو كأنهم كرَّامون، وبنَّائين لكي يبنوا لهم ثانيةً مدينتهم المهدَّمة والمتداعية [5]. ويحسبون أنهم سوف يتسلَّمون فيها خيرات الأمم طعامًا لهم، ويكونون أسيادًا على ثرواتهم حتى إن جمال مدين وعيفة تأتي لتحمل إليهم الذهب والبخور والحجارة الكريمة [6]. ويسعون جهدهم لإثبات هذا عبر سلطان الأنبياء، عندما يتكلَّمون على المواعيد المقطوعة في أورشليم. فقد جاء فيها قولهم بأن الذين يخدمون الله سيأكلون ويشربون، ويجوع الأثمة ويعطشون، ويبتهج الأبرار ويخزى الكفرة [7]. […] بل يأتون بنصوصٍ أخرى عديدة من الكتاب، دون أن يفقهوا أنه ينبغي فهمها بطريقةٍ مجازيةٍ وروحيةٍ. فيحسبون أنهم سيغدون ملوكًا وأمراءً، على شاكلة ملوك الدنيا وأمرائها، مدركين ذلك على حسب أنظمة هذه الحياة، وعلى حسب المراتب والمصاف المنشأة في هذا العالم، أو على حسب درجات التسلُّط […] وقُصارى القول أنهم يريدون كل أمر مما يرجونه من تمام المواعيد مطابقًا في شبهه لطريقة العيش في هذه الفانية، أيّ أن يرجع العالم الراهن فيشرع في الوجود. هذا ما يُفكِّر به أناسٌ يؤمنون، بلا ريبة، بالمسيح. ولكنهم إذ يفقهون الأسفار الإلهية على الطريقة اليهودية لا يستشرفون فيها شيئًا مما هو جديرٌ بالوعود الإلهية.(أوريجينوس، في المبادئ)
يدحض العلامة أوريجينوس بدعة الملك الألفيّ الحرفيّ في عصره، ويعطي تفسيرًا روحيًا للمُلك الألفيّ للمسيح، حيث يرى أن القديسين سيأكلون في السماء خبز الحياة، الذي يُغذِّي النفس بأطعمة الحقيقة والحكمة، ويُنير الفهم ويُرِويه من كأس الحكمة الإلهية قائلًا: [8]
أمَّا الذين يتلقون تفسير الكتب حسب معنى الرسل، فيرجون أن ما سيأكله القديسون هو خبز الحياة [9]، الذي يُغذِّي النفس بأطعمة الحقيقة والحكمة، ويُنير الفهم ويُرِويه من كأس الحكمة الإلهية، كما يقول الكتاب:الحكمة أعدَّت مائدتها، وذبحت ذبائحها، ومزجت خمرها في القربة، وهي تُنادِي بأعلى صوتها: هيَّا إليَّ، كُلوا من الخبز الذي أعدَّدته لكم، واشربوا من الخمرة التي مزجتها لأجلكم[10]. فيأوي الإدراك وقد اغتذى من أطعمة الحكمة هذه إلى نصاعته وكماله، إلى الحالة التي خُلِقَ عليها الإنسان في البَدْء [11]، على صورة الله ومثاله. ومَن يُغادِر هذه الحياة بمعرفةٍ ناقصةٍ، لكنه قد أتى أعمالًا خليقةً بالاستحسان، يتهذَّب أيضًا في أورشليم هذه [12]، مدينة القديسين، وينل التعليم والتنشئة فيغدو حجرًا حيًا، حجرًا ثمينًا ومُصطفَى [13]. فالأمراء والرؤساء هم أولئك الذين يسوسون رعاياهم ويُهذِّبونهم، ويُعلِّمونهم، ويُنشَّئونهم على معرفة الحقائق الإلهية.(أوريجينوس، في المبادئ)
يشرح الكاردينال چوزيف راتسنجر (البابا بنديكتوس 16 لاحقًا) ويُوضِّح لماذا رُفِضَت الألفية التي كان بإمكانها أن تجعل إنشاء أوضاع المجيء الثاني مهمة عملية؟ هذا الرفض للألفية يعني في الواقع أن الكنيسة لا تقبل فكرة اكتمال نهائيّ ضمن التاريخ، ولا أن يجد التاريخ كماله في ذاته. بالتالي، فإن رجاء المسيحيّ لا يتضمَّن أيّ تصوُّر لاكتمالٍ باطنٍ للتاريخ؛ بل بخلاف ذلك، يقول صراحةً إن مثل هذا الاكتمال الباطن للعالم أمرٌ مستحيلٌ. إن ما يجمع بين العناصر المختلفة التي، في الكتاب المقدَّس، تتصوَّر نهاية العالم، إنما هو رفض ترقُّب حالةٍ من الخلاص النهائيّ ضمن التاريخ. هذا الموقف، من الناحية العقلانية، هو موضوعيٌّ جدًا، لأن فكرة الاكتمال النهائيّ ضمن التاريخ لا تأخذ بالاعتبار الانفتاح والحرية اللذين يُفسِحان في المجال لرفض الإنسان. وبذلك تُعبِّر في نهاية الأمر عن تغيير أنثروبولوچيّ عميق: فلا يعود الإنسان من ثمَّ ينتظر خلاصه من قيمته الأخلاقية ولا في عمق أعماق شخصيته الأخلاقية، بل يرجوها من آلياتٍ يمكن التخطيط لها، ما يعني أن هذا الخلاص يُبنَى من دون الأخذ بالاعتبار ما هو حقًا إنسانيٌّ. وهكذا تنقلب رأسًا على عقب القيم التي تحمل العالم؛ إن خلاصًا يُخطَّط له هو خلاص معسكرات الاعتقال، وهو بالتالي نهاية الإنسانية. هكذا، فإن الإيمان بعودة المسيح يعني أولًا إنكار إمكانية اكتمال العالم ضمن التاريخ؛ وهذا الموقف الرافض هو بالضبط ما يحمي الإنسان من فقدان إنسانيته من خلال ذاته. [14]
صدر للكاتب:
ترجمة كتاب: "الثالوث"، للقديس أوغسطينوس أسقف هيبو [٢٠٢١]
كتاب: عظات القديس غريغوريوس النيسي على سفر الجامعة [٢٠٢٢]
ترجمة كتاب: "ضد أبوليناريوس"، للقديس غريغوريوس النيسي [٢٠٢٣]
كتاب: الطبيعة والنعمة بين الشرق والغرب [٢٠٢٣]
كتاب: مونارخية الآب في تعليم آباء الكنيسة [٢٠٢٤]
