المقال رقم 4 من 3 في سلسلة بدعة الملك الألفي

نفحص في هذا الفصل كيف تفشى التعليم الألفيّ الحرفيّ في الجماعات المسيحية الأولى، ونستعرض أهم ملامح هذا التعليم الألفيّ خلال فترة القرون الخمسة الأولى، وأبرز الجماعات المبتدعة التي تبنَّت هذا التعليم، وعملت على نشره في القرون الأولى للمسيحية.

بدع الملك الألفيّ في القرون الخمسة الأولى

البدعة الأبيونية الألفية

يذكر ق. الليونيّ عن أتباع البدعة أنهم كانوا يستخدمون إنجيل متى فقط، وكانوا يرفضون ، ويقولون عنه إنه مرتدٌ عن الناموس، وإنهم يمارسون الختان، ويثابرون على حفظ عادات الناموس، وإنهم متهودون جدًا في أسلوب حياتهم، لدرجة أنهم يُكرِّمون أورشليم كما لو كانت بيت الله. [1]

البدعة المونتانية الألفية

نشأت الحركة المونتانية في مقاطعة فريجية بآسيا الصغرى، ولذلك يُطلِقون عليها أحيانًا اسم ”هرطقة فريجية“ [2]. ولكنها سُرعان ما انتشرت في مُختلف بلدان آسيا الصغرى، وامتدت إلى روما، ثم وصلت أيضًا إلى شمال إفريقيا، حيث أصبح أحد أتباعها الذي يُعتبر من أهم مصادر المعلومات المتوفرة لدينا اليوم عن هذه الحركة [3]. وكانت المونتانية عمومًا ضد التوجهات العالمية التي سادت في الكنيسة [4]. حيث نادى مونتانوس من البداية بأن المسيح سيأتي ثانيةً سريعًا جدًا، وسيُؤسِّس أورشليم الجديدة النازلة من السماء، وأعتبر مونتانوس أن ذلك سيحدث في قرية بيبوزا في مقاطعة فريجية. إلا أنه عندما انتشرت المونتانية وشملت كثيرًا من البلاد أعتبر أن أورشليم الجديدة ستكون حيث توجد أورشليم التي بفلسطين [5]. وبسبب تهديد المونتانية للسلطة الكنسية، عُقِدَت مجامع في آسيا الصغرى بعد عام 160، التي تُعد أول مجامع محلية معروفة في تاريخ الكنيسة أدانت الحركة المونتانية [6].

ويُشِير ق. السلاميسيّ، في سياقه إيضاحه لفكرة الملك الألفيّ الحرفيّ للمسيح على الأرض عندهم، إلى إكرام المونتانيين أو الفريجيين لمكانٍ مهجورٍ في فريجية، وهو عبارة عن بلدة كانت تُسمَّى في السابق ”بيبوزا“، على الرغم من أنها الآن سُويت بالأرض، ويقولون إن أورشليم السمائية ستنزل هناك، ولذلك يلجأون إلى هناك، ويحتفلون بأسرارٍ على الموقع ويُقدِّسون أنفسهم [7].

وقد أشار ّ إلى هذا الأمر، عندما كان ينقل شهادة أبولونيوس أسقف أفسس عن البدعة المونتانية أو الفريجية، حيث أطلق مونتانوس على بيبوزا وتيميون -وهما مدينتان صغيرتان في مقاطعة فريجية- اسم أورشليم، لرغبته في جمع الناس إليهما من كافة الأرجاء. [8]

وهذا ما يُوضِّحه العلامة ترتليان القرطاچنيّ في شهادته عن الملك الألفيّ للمسيح، في أثناء انضمامه فكريًا للمونتانية، حيث يرى أن البشر موعودون بملكوتٍ على الأرض، وإنْ كان قبل السماء، إلا في حالة وجود أخرى؛ بقدر ما ستكون هذه الحالة بعد القيامة ألف سنة في مدينة أورشليم المبنية إلهيًا نازلةً من السماء [9]، التي يُسمِّيها الرسول: أمنا العليا [10]، وبينما أعلن الرسول إن وطننا هو في السماء [11]، تنبأ عنها إنها حقًا مدينةٌ في السماء. وأن حزقيال النبيّ على علمٍ بها، ورأرها يوحنا الرسول [12]. وكلمة النبوة الجديدة التي هي جزء من إيمان ترتليان المونتانيّ آنذاك تشهد كيف تنبأ، على حد زعمه، بأن سيكون هناك كآيةٍ صورةً لهذه المدينة بالذات ظاهرةً لعرضها قبل ظهورها. لأنه يتضح من شهادة الشهود الوثنيين أنه في يهوذا كانت هناك مدينة معلَّقة في السماء، في الصباح الباكر، كل صباح لمدة أربعين يومًا. مع تقدم اليوم، يتلاشى شكل أسوارها تدريجيًا، وفي بعض الأحيان تختفي على الفور. ويقول ترتليان إن هذه المدينة قد زوَّدها الله لاستقبال القديسين عند قيامتهم، وإنعاشهم بوفرة كل البركات الروحية حقًا، كتقديرٍ للذين احتقرناهم أو فقدناهم في العالم. ويرى ترتليان أنه من العدل وجدير بالله أن يتمتَّع عبيده بفرحهم في المكان الذي عانوا فيه من البلاء لأجله. ويصف ترتليان أنه سيحدث من أجل هذه المملكة السماوية التالي: بعد مرور ألف عام، يتمُّ خلالها الانتهاء من قيامة القديسين، الذين سيقومون إنْ آجلًا أو عاجلًا وفقًا لاستحقاقهم، وسوف يترتب على ذلك تدمير العالم وحرق كل الأشياء عند الدينونة، وسوف يتغيَّر البشر بعد ذلك في لحظةٍ إلى جوهر الملائكة، أيّ إلى الطبيعة غير القابلة للفساد، بالتالي ينتقلون إلى تلك المملكة في السماء. [13]

ق. يوستينوس الشهيد

خلاف بين المسيحيين حول الملك الألفيّ

يبدو أنه لم يكن هناك إجماع بين المسيحيين الأوائل حول أصالة التعليم بالملك الألفيّ الحرفيّ والماديّ للمسيح، وأكبر دليل على ذلك هو إشارة ق. الشهيد إلى وجود خلاف كبير بين المسيحيين حول حقيقة وأصالة التعليم بالملك الألفيّ الحرفيّ الماديّ للمسيح.

فعلى الرغم من أن ق. يوستينوس يشير إلى اعتقاده بالملك الألفيّ، حيث يرى أنه بعد قيامة الجسد يتبعها ألف سنة في مدينة أورشليم التي ستُبنى من جديد بشكلٍ أوسع وأجمل، إلا أنه يستعرض أن هناك خلاف حول تعليم الملك الألفيّ الحرفيّ والماديّ بين المسيحيين أنفسهم قائلًا: [14]

إنني وكثيرين معي نُؤمن أن هذا سيحدث وقد ذكرت أيضًا أن كثيرين من المسيحيين الأتقياء لا يُشارِكوننا هذا الرأي. وقد قلت إنَّ هناك مسيحيين بالاسم فقط وفي حقيقة الأمر هم هراطقة [يقصد الأبيونيين والين] بعيدون عن الإيمان والتقوى يُنادون بتعاليم تجديف وإلحاد وحماقة. […] وإذَا قابلتم أيّ أحد يُدعَى مسيحيًا ولا يعترف بهذه العقيدة، بل يُجدِّف على إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب بإنكاره قيامة الأموات، ويقول إن النفس تُرفَع إلى السماء في لحظة الموت، فلا نَعتبر مثل هذا مسيحيًا حقيقيًا […] أمَّا أنا وكُل مسيحيّ قويم الاعتقاد فنُؤمن بقيامة الجسد يتبعها ألف سنة في مدينة أورشليم التي ستُبنَى من جديد بشكلٍ أوسع وأجمل، كما يُعلِن الأنبياء حزقيال وإشعياء وغيرهم.

(يوستينوس، الدفاعان والحوار مع تريفون اليهودي ونصوص أخرى)

بدعة أبوليناريوس الألفية

يبدو أن معروفٌ بالأساس في تاريخ الكنيسة بسبب آرائه الة المبتدعة. ولكن يجب أن نضع في الاعتبار أن هناك بعض الجوانب الأخرى من تعليمه شغلت أيضًا اهتمام مُعاصريه. حيث ذُكِرَت بالفعل المزاعم السابيلية عن لاهوته الثالوثيِّ، واتُهِمَ أيضًا بنزعات التهود، والاعتقاد بعودة ذبائح الهيكل الحيوانية في الملك الألفيِّ. [15]

‎ ‎ هوامش ومصادر: ‎ ‎
  1. إيرينيؤس، ضد الهرطقات مج1، ترجمة: د. ، القاهرة: ، 2013، 1: 26: 2، ص 114. [🡁]
  2. Louis Berkhof, The History of Christian Doctrines, Grand Rapids: Baker Book House, 1990, p. 54 [🡁]
  3. Reinhold Seeberg, Textbook of the History of Doctrines Vol. 1, tr. by Charles E. Hay, Grand Rapids: Baker Book House, 1958, p. 105 [🡁]
  4. Williston Walker, A History of the Christian Church, Rev. by C. Richardson, W. Pauk & R. T. Handy, New York: Charles Scribner's Sons, 1959, p. 56 [🡁]
  5. Reinhold Seeberg, Textbook of the History of Doctrines Vol. 1, tr. by Charles E. Hay, Grand Rapids: Baker Book House, 1958, p. 105 [🡁]
  6. Williston Walker, A History of the Christian Church, Rev. by C. Richardson, W. Pauk & R. T. Handy, New York: Charles Scribner's Sons, 1959, p. 56 [🡁]
  7. ، باناريون ضد الهرطقات ج2، ترجمة: القس ، تقديم: الأسقف العام، القاهرة، 2024، 48: 14: 1-2، ص 43-44. [🡁]
  8. يوسابيوس القيصري، تاريخ الكنيسة، ترجمة: القمص ، القاهرة: ، 1998، 5: 18: 2، ص 227. [🡁]
  9. سفر الرؤيا 21: 2 [🡁]
  10. رسالة بولس إلى غلاطية 4: 26 [🡁]
  11. رسالة بولس إلى فيلبي 3: 20 [🡁]
  12. سفر حزقيال 48: 30-35، سفر الرؤيا 21: 10-23 [🡁]
  13. ترتليان، ضد ، ترجمة: القس بولا رأفت، القاهرة، 2023، 3: 24، ص 182-183. [🡁]
  14. يوستينوس، القديس يوستينوس الفيلسوف والشهيد (الدفاعان والحوار مع تريڨون اليهودي ونصوص أخرى)، ترجمة: أ. ، القاهرة: ، 2012، الحوار مع تريفون اليهودي : 80، ص 242، 243. [🡁]
  15. In Basil's ep. 263 & elsewhere [🡁]

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي 0 حسب تقييمات 0 من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

‎ ‎ جزء من سلسلة: ‎ ‎ بدعة الملك الألفي[الجزء السابق] 🠼 موقف المسيح والرسل من الملك الألفي
أنطون جرجس
بكالوريوس اللاهوت اﻷرثوذكسي في    [ + مقالات ]

صدر للكاتب:
ترجمة كتاب: "الثالوث"، للوس أسقف هيبو [٢٠٢١]
كتاب: عظات القديس على سفر الجامعة [٢٠٢٢]
ترجمة كتاب: "ضد أبوليناريوس"، للقديس غريغوريوس النيسي [٢٠٢٣]
كتاب: الطبيعة والنعمة بين الشرق والغرب [٢٠٢٣]
كتاب: مونارخية الآب في تعليم آباء الكنيسة [٢٠٢٤]

‎ ‎ نحاول تخمين اهتمامك… ربما يهمك أن تقرأ أيضًا: ‎ ‎