المقال رقم 3 من 4 في سلسلة ليس رجلا من قش

بعد ما تتبّعنا رحلة لوثر من جوّه- من قلق الضمير إلى انفتاح عطية “برّ الله”، بقي نثبّت الإطار اللي اشتغل فيه الإصلاح تنظيميًّا: المرجع الذي تُوزَن به كل سلطة أخرى. هنا يظهر المبدأ الشكلي للإصلاح: Sola Scriptura.

‏Sola Scriptura بدقّتها التاريخية

1- تعريف المبدأ

يقصد المصلّحون بـ Sola Scriptura أنّ الكتاب المقدّس هو السلطةُ المعصومةُ الوحيدة في الإيمان والحياة؛ أمّا الكنيسة والآباء والمجامع واعترافات الإيمان فهي سلطات ثانوية خادمة: مُعتَبَرة ونافعة، لكن غير معصومة وتُختبَر دومًا بالنص. بهذا المعنى لا يُستبدَل المسيح بالكتاب، بل يشهد الكتاب للمسيح ويضبط تسليم الإيمان داخل جسدٍ كنسيّ حي [1].

2- خريطة “التقليد” عند ماثيسون (Tradition I/II/III/0)

يقدّم خريطةً شارحة: [2]، [3]
‏ • Tradition I (موقف الإصلاح التاريخي): الكتاب معصوم وحده؛ والتقليد مُرشِد خادم للتفسير ما دام خاضعًا للنص [4].
‏ • Tradition II (ما بعد ترنت): الكتاب + التقليد مصدران للوحي على قدم المساواة، تُبيّنهما السلطة التعليمية.
‏ • Tradition III (ما بعد ال الأوّل 1870): إضافة العصمة البابوية في حالات محدّدة؛ فتغدو المؤسسة المُعلِّمة صاحبةَ سلطانٍ معصومٍ مؤسّسيًّا.
‏ • Tradition 0 ـ (Nuda/Solo): رفضٌ جذري لكل تقليد وتاريخ جمعي- “أنا وحدي والكتاب”- وهذا ما رفضه المصلحون أنفسهم [5] [6].

3- التفريق المصيري: Sola ≠ Solo

يلخّص ماثيسون الفكرة بدقّة: الكتاب وحده لا يعني: أنا وحدي مع الكتاب [7].
بعض الخطابات الإنجيلية الحديثة راديكَلَت المبدأ نحو فردانية تطيح بكل وسيطٍ كنسيّ؛ وهذا انحرافٌ عن موقف الإصلاح الكلاسيكي، نبّه إليه ماثيو باريت تفصيلًا [8]، [9].

الخلاصة هنا:
‏ • Sola = مرجعٌ معصومٌ واحد داخل جماعة تاريخية لها أدوات خادمة.
‏ • Solo = نزعة فردانية لاحقة لا تعبّر عن الإصلاح التاريخي.

4-  صيغة قريبة: Prima Scriptura (“الكتاب أوّلًا”)

تتبنّى تيارات (أنجليكانية/ميثودية…) صيغة Prima Scriptura: الكتاب أوّلًا ورئيسًا مع الاستئناس بالتقليد/العقل/الخبرة- من غير مساواة أي مصدرٍ به. الفارق أنّ Sola تشدّد على نفي وجود أي مصدرٍ معصومٍ آخر، في حين Prima تُبقي فسحةً إرشادية أوسع دون إلزام [10].

5- تطبيقات تاريخية (أمثلة عملية)

• لوثر: اختار تنقية لا اجتثاثًا: أبقى مُنقّاة، دافع عن معمودية الأطفال بتأويل غير مباشر، قبل الصور غير المعبودة، وأطلق تعليمًا شعبيًا بالترجمة والوعظ- أي أنّ Sola عنده اشتغلت داخل بنية كنسيّة منظّمة [11].
: شدّد قاعدة “ما لم يَرِد صراحةً في الكتاب يُرفَض”، فألغى الموسيقى الكنسيّة والصور وعناصر طقسيّة واسعة- اتجاهٌ أكثر صرامة من لوثر [12].
• كالڤن: وسطٌ منضبط: سلطان الكتاب مع فسحةٍ لـ adiaphora (أمور تنظيميّة ثانويّة) ما دامت لا تمسّ الجوهر؛ عمليًا أسّس Consistory للانضباط والتعليم [13].
• اعترافات الإيمان: صاغ الإصلاحيون معايير غير معصومة تنظّم التفسير والعبادة؛ مثال اعتراف وستمنستر: الكتاب وحده موحى به قاعدةً للإيمان والطاعة [14].

6- مكانة الآباء والمجامع عند الإصلاحيين

لم يرَ الإصلاحيون تعارضًا بين احترام الآباء والمجامع القديمة وبين Sola: الآباء شهود معتبرون، والمجامع نافعة في تقرير الإيمان، لكن الحُكم الأخير للكتاب. أوضح ذلك تيموثي جورج وهيكو أوبرمان في قراءتين تأسيسيّتين [15] [16].

7- ليه بيحصل خلط لحدّ النهارده؟

• لأن خطابًا حديثًا خلط بين Sola وSolo (فردانية إنجيليّة لاحقة) [17]، [18].
• ولأن الهجوم الكاريكاتيري يصوّر Sola كقطعٍ مع التاريخ والكنيسة، في حين الموقف التاريخي هو Tradition I: كتابٌ معصومٌ وحيد ضمن جماعة لها سلطات خادمة [19]، [20].
• ولأن بعض ممارسات “اقتصاديات التقوى” قبل الإصلاح ولّدت حساسيةً ضد أي سلطةٍ فوق النص، فاندفع نقدٌ شعبي غير دقيق- وهو ما يدعو إليه باحثون معاصرون لإرجاع المبدأ إلى جذره التاريخي [21]، [22].

خلاصة عملية سريعة

Sola Scriptura ليست فصلًا للكتاب عن جسد المسيح ولا تأليهًا للنصّ؛ بل هي ضبطٌ للمرجع المعصوم الوحيد الذي تُختبَر به كلّ سلطةٍ أخرى- مع احترام الآباء والمجامع والاعترافات والعمل داخل جماعة منظّمة. أمّا Solo فهو شيءٌ آخر تمامًا، وقد رفضه المصلحون التاريخيّون صراحةً [23]، [24]، [25].

وكنتيجة لمغالطة رجُل القشّ التي تكررت بأكثر من وجه- وأبرزها الادعاء الشائع أن لوثر “شق الكنيسة”- بييجي في بالي مشهد داود الصغير قدّام شاول الملك الكبير. داود ما شقّش إسرائيل وهو بيتعرّض لظلم شاول ومحاولاته المستمرة للقضاء عليه؛ بالعكس، احترم المسحة، وامتنع عن العنف، لكنه واجه بالحق وترك الدينونة لله [26]. وعلى نفس المنوال، لوثر ما بدأش بانقسام، لكن بدعوة لإصلاحٍ مُعلَّل ومناظرةٍ أكاديمية. وحين قوبل الإصلاح بالحرمان والإقصاء، صار التمايز أمرًا واقعًا- تمامًا كما حدث مع داود لما هرب من وجه شاول، فلحقه المطرودون والمنبوذون والمهمَّشون، في حين بقي شاول في طريقه يسحب وراءه الشعب نحو الهزيمة؛ حتى يوناثان الحلو سقط ضحيةً في سكته.

الفارق حاسم بين شجاعةٍ نبوية تُنقّي البيت وبين روحٍ انشقاقية تُهدّم البيت. ولوثر لم ينشق، بل هم الذين انشقوا عنه.

ما أحوج الكنيسة اليوم إلى من يملكون شجاعة : فرسانًا نُبلاء يقفون بشهامة مثل سيّدهم، مسنودين بقوة كلمته الحيّة، لينقّوا البيت من زيف السلطة الدينية وفسادها، لا ليصنعوا خصومات.

‎ ‎ هوامش ومصادر: ‎ ‎
  1. , Reformation Thought: An Introduction, 4th ed. (Wiley, 2012) [🡁]
  2. Keith A. Mathison, The Shape of Sola Scriptura (2001) [🡁]
  3. Mathison, The Shape of Sola Scriptura, p. 13 [🡁]
  4. Keith A. Mathison, The Shape of Sola Scriptura (2001) [🡁]
  5. Keith A. Mathison, The Shape of Sola Scriptura (2001).[🡁]
  6. , “Sola Scriptura Radicalized and Abandoned,” The Gospel Coalition (2013) [🡁]
  7. Mathison, The Shape of Sola Scriptura, p. 13 [🡁]
  8. Matthew Barrett, “Sola Scriptura Radicalized and Abandoned,” The Gospel Coalition (2013).[🡁]
  9. Matthew Barrett, God's Word Alone: The Authority of Scripture (Zondervan, 2016) [🡁]
  10. Prima Scriptura – Wikipedia [🡁]
  11. Martin Luther – (تطبيقاته الطقسية واللاهوتية) [🡁]
  12. Huldrych Zwingli – Encyclopaedia Britannica [🡁]
  13. – Encyclopaedia Britannica [🡁]
  14. Westminster Confession of Faith (1646) – CCEL [🡁]
  15. Timothy George, Theology of the Reformers (1988).[🡁]
  16. , The Dawn of the Reformation (1986) [🡁]
  17. Matthew Barrett, “Sola Scriptura Radicalized and Abandoned,” The Gospel Coalition (2013).[🡁]
  18. Matthew Barrett, God's Word Alone: The Authority of Scripture (Zondervan, 2016) [🡁]
  19. Keith A. Mathison, The Shape of Sola Scriptura (2001) [🡁]
  20. Mathison, The Shape of Sola Scriptura, p. 13 [🡁]
  21. Alister E. McGrath, Reformation Thought: An Introduction, 4th ed. (Wiley, 2012) [🡁]
  22. Matthew Barrett, “Sola Scriptura Radicalized and Abandoned,” The Gospel Coalition (2013) [🡁]
  23. Keith A. Mathison, The Shape of Sola Scriptura (2001) [🡁]
  24. Matthew Barrett, “Sola Scriptura Radicalized and Abandoned,” The Gospel Coalition (2013) [🡁]
  25. Matthew Barrett, God's Word Alone: The Authority of Scripture (Zondervan, 2016) [🡁]
  26. سفر صموئيل اﻷول 24؛ 26 [🡁]

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي 0 حسب تقييمات 0 من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

‎ ‎ جزء من سلسلة: ‎ ‎ ليس رجلا من قش[الجزء السابق] 🠼 أين يقع «رجل القش» لاهوتيا؟[الجزء التالي] 🠼 بين النظرية والتطبيق
أشرف سمير
Environmental Planning & Management Systems Specialist في Vodafone Egypt   [ + مقالات ]