نستعرض في هذا الفصل موقف المسيح نفسه والرسل من بعده من فكرة مجيء المسيح مرةً أخرى لكي يملك ملكًا ألفيًا حرفيًا على الأرض، كما يزعم أصحاب بدعة الملك الألفيّ الحرفيّ، بأن المسيح سيأتي في الأيام الأخيرة ليملك ملكًا سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا على الأرض.
ونجد أول موقف للمسيح من فكرة الملك الأرضيّ الماديّ هو موقفه في التجربة على الجبل، حيث عرض عليه الشيطان ممالك العالم ومجدها لكي يملك عليها، وكان موقف المسيح موقفًا صريحًا، وهو رفضه التام لهذا الملك الأرضيّ الماديّ كالتالي: ثُمَّ أَخَذَهُ أَيْضًا إِبْلِيسُ إِلَى جَبَل عَال جِدًّا، وَأَرَاهُ جَمِيعَ مَمَالِكِ الْعَالَمِ وَمَجْدَهَا، وَقَالَ لَهُ: 'أُعْطِيكَ هذِهِ جَمِيعَهَا إِنْ خَرَرْتَ وَسَجَدْتَ لِي‘. حِينَئِذٍ قَالَ لَهُ يَسُوعُ: 'اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ! لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ‘
[1].
ويُعلِّق رايموند براون على تجربة المسيح على الجبل، حيث يرى أن التجارب الثلاث قد حاولت تحويل الإعلان الخاص بملكوت الله، ومن ثمَّ يصير ملكوتًا حسب معايير هذا العالم. حاول الشيطان إغراء يسوع أن يُحوِّل الحجارة إلى خبز ليسد رمقه، وسوف يجعل يسوع الخبز يتزايد بكمياتٍ وفيرةٍ، لا من أجل نفسه، بل من أجل الآخرين [2]. ثم جرَّب المجرِّب يسوع، وذلك بأن يمنحه كل ممالك الأرض، ولكن يسوع سوف يُعطَى كل سلطان في السماء وعلى الأرض [3]، ولكن ليس بأن يسعى وراءها، بل حين يمنحها له الله. [4]
ويرى إن. تي. رايت أن الناس في زمن المسيح كانوا يتوقون أن يسمعوا عن ملكوت الله الذي يأتي بواسطة ثورةٍ سياسيةٍ واجتماعيةٍ. وقد حدث هذا النوع من الأحداث قبل ذلك بمئتي سنة. كما حدث في ما بعد: أول مرة في ستينيات القرن الأول، وأخر مرة نحو سنة 130م. وبين هذين الحدثين الكبيرين كانت هناك عدة ثوراتٍ صغيرةٍ. لقد كانت هذه الأمور البينة في ذلك الوقت. وكان هذا هو ما يريده الناس. لو أن يسوع أعطاهم كلمةً، لحوَّل آلافٌ منهم آلاتهم الزراعية إلى حرابٍ وسيوفٍ وانضموا إلى جيشه. كل ما نعرفه عن يسوع يشير بكل وضوح إلى أنه لم يردٍ السير في هذا الاتجاه، بل كان أيضًا يُحذِّر منه. لقد كان يحسب هذه الثورات القومية جزءًا من المشكلة وليس من الحل، حاسبًا إياها مؤشراتٍ على أن أقرانه اليهود أسأوا فهم إلههم ونياته بصورةٍ جذريةٍ. حتى أنه كان يحسب أن تمردهم المأمول في وجه روما يمكن أن يُعدَّ تمردًا على الله، وعلى دعوتهم أن يكونوا نورًا للأمم. لذا كان من أهداف عظته المشهورة على الجبل أن يُذكِّر العبرانيين بدعوتهم ودورهم. [5]
ويُعلِّق رايموند براون على طلبة ”ليأت ملكوتك“ أن يأتي ملكوت الله، فهذا يتضمَّن المأدبة السماوية. [6] ويرى نيكولاس توماس رايت أن صلاة يسوع أن يأتي ملكوت الله ”على الأرض كما في السماء“، فهي صلاةٌ إمَّا أن تكون منسيةً، وإمَّا أُعِيد تفسيرها لتعني أمرًا آخر. وحيث إن إتيان ملكوت الله على الأرض كان عنصرًا أساسيًا من عناصر الخبر السار التي أعلنها يسوع، فيعني هذا التغيير أيضًا أن فهم هذه العبارة تغيَّر أيضًا. فحسب هذا، الأمر لا يعدو كونه تقوى شخصية في الحاضر، وحياة في السماء في المستقبل (إذا كنت محظوظًا، أو إذا كنت تؤمن بالعقيدة القويمة).
هكذا صارت المسيحية، وهكذا صار الخبر السار. لم تعد له علاقة بما اعتاد الناس أن يسمُّوه الحياة الحقيقية. في الواقع، يشعر كثيرون بالصدمة إذا ذكَّرتهم أن يسوع كان يعني ما يقوله عندما قال إن كل سلطان في السماء وعلى الأرض قد دُفِعَ إليه [7]، وعنى أيضًا أن علينا أن نفعل هذا السلطان في ممارسات حياتنا اليومية. لقد صار كثيرون لا يؤمنون ولا يعلمون أن يسوع وأتباعه الأوائل كانوا يقصدون، عندما تكلَّموا عن الخبر السار، أن شيئًا ما حدث (أو كان يحدث)، ومن نتائجه أن العالم صار مكانًا مختلفًا، وعليهم أن يعملوا لكي يُحقِّقوا هذا على أرض الواقع الذي يعيشون فيه. لكن الحقيقة هي أن هذا بالفعل هو ما كان يعنيه يسوع وأتباعه الأوائل. [8]
ويرى رايموند براون أن موضوع ملكوت السماوات أصبح في غاية التعقيد حيث أصبح يتضمَّن فيضًا من تاريخ الخلاص إلى جانب تحقُّق الكثير من الأمور الاسخاتولوچية. والكنيسة ليست متاخمةً لملكوت السماوات، بل لها دور تؤديه باعتبارها المكان الذي تمَّ فيه الاعتراف بأنه الربُّ. وفي (إنجيل متى 21: 43) أُخِذَ الملكوت من رجال السلطة اليهودية غير المؤمنين إلى شعبٍ جديرٍ يُعطِي ثمره، وهم الذين يُشكِّلون الكنيسة. [9] ويشير إن تي رايت إلى أن المسيحيين الأوائل، الذين تبعوا يسوع وأمنوا بالخبر السار الذي أعلنه يسوع، أعلنوا هم أيضًا أن بموت يسوع وقيامته، أُطلِقَ ملكوت الله. وكانت هذه هي نقطة التحوُّل الوحيدة والنهائية في التاريخ البشريّ على وجه الإطلاق. [10]
ويُؤكِّد ديڤيد دي سيلفا أنه من المهم أن نُدرِك أن خدمة يسوع لم تساو أيًّا من التوقعات المسيحانية المتنوعة التي تبنَّتها مجموعات يهودية مختلفة. فأكثر اليهود توافقوا على أن الله كان سيعمل شيئًا رائعًا ونافعًا جدًا لأجل شعب الله الأمناء في مرحلةٍ مُعيَّنةٍ في المستقبل، من خلال وريث لمواعيد داود. ولكن على أية حال، لم يتوقع أحدٌ مسيَّا يأتي بوداعةٍ ليتألَّم ويموت ميتةً مشينةً. التوقع الذي كان أكثر شعبيةً هو توقع مسيَّا بطل عسكريّ يُبشِّر بقدوم ملكوت الله، الذي سيحلُّ محل ممالك العالم مع مُلك الله [11]. ولقد شحن هذا التوقع الكثير من الثورات الفاشلة في فلسطين.
كانت الكنيسة الأولى مُنخرطةً بشكلٍ خلاَّقٍ منذ أيامها الأولى (حتى خلال خدمة يسوع) في اكتشاف نموذج مسياويّ جديد من الأسفار المقدَّسة الذي سيلائم حقائق حياة المسيح، الذي كان يُحرِّكه اقتناع المؤمنين بأن الله أقام يسوع كمسيح الله. بدأ المسيحيون يتكلَّمون عن مجيئين للمسيَّا بدل من مجيءٍ واحدٍ. من السهل أن نبرهن من كلمة الله مجيئًا نهائيًا في أخر الأزمنة، عندما ستزول ممالك العالم لتُفسِح مجالاً لمُلك الله. كان من الأصعب جدًا أن نُظهِر الجدوى الكتابية لمجيء أبكر، مجيءٍ أول ”بوداعةٍ“. على أية حالٍ، هذا ما حقَّقه مرقس بالتحديد، وهذا ما حقَّقه متى أيضًا، ولكن إلى حدٍّ أبعد. [12] وهكذا يُشدِّد دي سيلفا، حسب حقيقة الإنجيل، على مجيئين للمسيح الأول لتتميم الخلاص والثاني النهائيّ في أخر الأزمنة، ولم يتحدَّث عن مجيء ثالث للمُلك الألفيّ الحرفيّ للمسيح على الأرض.
لذا يرى رايموند براون أن مرقس الرسول يبدأ قصته بعبارة بدء إنجيل يسوع المسيح
. إن الأخبار السارة الخاصة بما عمله الله، التي أُعلِنَت لإسرائيل، ستُعلَن الآن في يسوع المسيح وبواسطته لجميع الأمم [13]. وهي تتضمَّن ملكوت أو حُكم الله الذي أصبح موجودًا من خلال غفران يسوع للخطايا وشفاء المرضى وإطعام الجوعى وإقامة الموتى وتهدئة الرياح. وهو ملكوتٌ أو حُكمٌ أُعلِنَ في تعاليمه وأمثاله، التي ترمي إلى الإشارة إلى العقبات التي تواجه الإنسان ومواجهتها. ويسوع هو ملكٌ جعله الله مُنتصرًا حتى عندما صلبه الأعداء. [14]
ويرى إن. تي. رايت أن يسوع قد جاء لينقل خبرًا أن الله يتحرك، وسيملك، ويُخطِّط لخروجٍ جديدٍ. كان هذا الخبر السار الذي طال انتظاره، الذي من شأنه أن يُغيِّر كل شيء. ودون شك، لا يستطيع أحدٌ أن يصمت أو يهدأ ولديه خبرٌ سارٌ كهذا. لذلك لم يهدأ يسوع، حيث كان يحكي باستمرارٍ القصص (الأمثال) ليشرح -قدر ما تستطيع القصص غير المباشرة أن تشرح- أن الطريقة التي سيعلن الله بها مملكته طريقة مختلفة. وعلى القدر ذاته من الأهمية، كان يفعل أمورًا للإشارة إلى الشكل الذي سيكون عليه ملكوت الله الجديد. لقد كان الناس يُشفون، علامة على أن الخليقة الجديدة تُقبِل لتحتضن الخليقة القديمة بتلامس المسيح مع أجساد البشر وحياتهم الحقيقية، ومن ثمَّ تشفيها جسديًا ونفسيًا. لقد نال الناس الغفران عندما تلامست الخليقة الجديدة مع المسيح في حياتهم الروحية والأخلاقية، ونقلت إليهم دفء التيقن من محبة الله. [15]
وينفي رايموند براون فكرة أن ملكوت المسيح ملكوتٌ أرضيٌّ حرفيٌّ، حيث يُعلِّق على (إنجيل مرقس 10: 35-45) أنه على الرغم من وجود أماكن مُميَّزة أعدَّها الله لتلاميذه، فإنه يجب على التلاميذ أن يعرفوا أن النموذج الأمميّ الذي يتسيَّد فيه الملك على الشعب لا يُتبَع في الملكوت الذي يكرز به يسوع، والحرية هي التي تجعل المرء عظيمًا، وعبارة لأن ابن الإنسان لم يأت ليُخدَم، بل ليخدم ويفدي بنفسه جماعة الناس
[16] تُعدُّ موجزًا مناسبًا لروح هذا الملكوت، وهو روحٌ كان متوقعًا في (سفر إشعياء 53: 10-12). [17]
ويُوضِّح إن. تي. رايت أن يسوع كان يدفع الناس بصورةٍ مقصودةٍ لأن ينظروا من زوايا جديدة ومختلفة تمامًا إلى أمورٍ كانوا يعتقدون أنهم يعرفونها جيدًا. لم تكن نماذج الملكية الموجودة في عصر يسوع أمرًا مُشجِّعًا بتاتًا؛ إذ لم يكن القيصر في روما ولا هيرودس في الجليل نموذجين إيجابيين يمكن أن يتمثَّل السامعون بهما وهم يستمعون إلى يسوع وهو يتكلَّم عن مملكة الله. وفي الواقع، كثيرًا ما أشار يسوع إلى الاختلافات والتناقضات ما بين مملكة الله وممالك البشر. وقد رأينا سابقًا كيف أوضَّح يسوع ذلك في كلامه مع يعقوب ويوحنا عندما قال إن حُكام البشر يفعلون الأمور بطريقةٍ، أمَّا نحن فسنفعلها بطريقةٍ أخرى؛ فالسلطة تأتي عندنا من الخدمة، والخدمة المضحية أيضًا. والسبب الذي جعل يسوع يستمر في الكلام عن الملكوت، رغم مخاطر سوء الفهم، هو أنه أراد أن يستبدل ملكوت الله بالمفهوم السائد عن الملك والملكوت. [18]
ويرى رايموند براون أن صيحات الجماهير عن مجيء الملكوت ”أبينا داود“، أثناء دخول المسيح إلى أورشليم. وهنا، أُعلِنَ يسوع كمَلكٍ يستعيد مملكة داود الأرضية، ولكن هذا سوء فهم آخر منهم. [19]
ويتكرَّر نفس المشهد مرةً أخرى في إنجيل لوقا، وروايته عن التجربة على الجبل، حين رفض المسيح الملك الأرضيّ الماديّ على كل ممالك المسكونة، بعدما أراها له الشيطان في لحظةٍ من الزمان، ووعده أن يعطيها له لو سجد المسيح له، وكان رد المسيح هو رفض هذا الملك الأرضيّ الفانيّ كالتالي: ثُمَّ أَصْعَدَهُ إِبْلِيسُ إِلَى جَبَل عَال وَأَرَاهُ جَمِيعَ مَمَالِكِ الْمَسْكُونَةِ فِي لَحْظَةٍ مِنَ الزَّمَانِ. وَقَالَ لَهُ إِبْلِيسُ: 'لَكَ أُعْطِي هذَا السُّلْطَانَ كُلَّهُ وَمَجْدَهُنَّ، لأَنَّهُ إِلَيَّ قَدْ دُفِعَ، وَأَنَا أُعْطِيهِ لِمَنْ أُرِيدُ. فَإِنْ سَجَدْتَ أَمَامِي يَكُونُ لَكَ الْجَمِيعُ‘. فَأَجَابَهُ يَسُوعُ وَقَالَ: 'اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ! إِنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ‘
[20].
يرى إن. تي. رايت أن يسوع لم يكن راضيًا أن يترك الكيانات الموجودة كما هي ويبدأ في صُنع حركةٍ أخرى غير متحدِّية في مكانٍ آخر. ولم يكن يريد أن يستمر العالم في فكرته عن الملك، وفي الوقت نفسه، يبدأ هو حركته الانفصالية التي لا تتحدَّى النظام القائم. ربما كان هذا ما سيحدث لو كان ترك كلمة مَلك لهم واختار هو كلمةً أخرى، وتبنَّى شعارًا مختلفًا. لم يفعل يسوع هذا، بل ما فعله كان أكثر ثوريةً وأشد تحديًا. كان يسوع يُقدِّم ليس فقط تعليمًا مرتبطًا بالوعود الكتابية القديمة التي كانت تتكلَّم عن مجيء الملك في النهاية إلى شعبه وإلى العالم بأسره، بل كان أيضًا يُؤكِّد أن ملكوت الله، ذلك الواقع الجديد وقلب الخبر السار، هو نوعٌ مختلفٌ تمامًا من الحُكم والسيادة مبنيٌّ على نوعٍ آخر تمامًا من القوة والسلطان، وهو يقصد أن يتحدَّى القوى الكائنة في العالم بملكوتٍ جديدٍ سيقلب الطاولة تمامًا على أنظمة الحُكم الحالية. [21]
ويشهد الملاك جبرائيل في بشارته إلى العذراء مريم بميلاد يسوع المسيح الجسديّ منها بأنه يأخذ كرسي داود الملك، ويملك على بيت يعقوب (إسرائيل) إلى الأبد، ولن يكون لملكه نهاية، فهو بذلك يدحض آراء الألفيين الذين ينادون بمُلك ألفيّ حرفيّ للمسيح على الأرض لمدة ألف سنة مُحدَّدة المدة، فالملاك هنا لم يُحدِّد مدة مُلك المسيح، بل شهد بأن مُلك المسيح مُلكٌ أبديٌّ لا نهاية له كالتالي: وَهَا أَنْتِ سَتَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْنًا وَتُسَمِّينَهُ يَسُوعَ. هذَا يَكُونُ عَظِيمًا، وَابْنَ الْعَلِيِّ يُدْعَى، وَيُعْطِيهِ الرَّبُّ الإِلهُ كُرْسِيَّ دَاوُدَ أَبِيهِ، وَيَمْلِكُ عَلَى بَيْتِ يَعْقُوبَ إِلَى الأَبَدِ، وَلاَ يَكُونُ لِمُلْكِهِ نِهَايَةٌ
[22].
وهكذا لما سأل الفريسيون المسيح عن موعد ملكوت الله، أعلن إن ملكوت الله لا يأتي بمراقبةٍ، أيّ لا يأتي بجداول وحسابات زمنية مُحدَّدة المدة، فلا يخضع ملكوت الله لتحديدات زمنية مُحدَّدة، كما يدَّعي المنادون بالمُلك الألفيّ الحرفيّ للمسيح لمدة ألف سنة مُحدَّدة على الأرض كالتالي: وَلَمَّا سَأَلَهُ الْفَرِّيسِيُّونَ: 'مَتَى يَأْتِي مَلَكُوتُ اللهِ؟‘ أَجَابَهُمْ وَقَالَ: 'لاَ يَأْتِي مَلَكُوتُ اللهِ بِمُرَاقَبَةٍ‘
[23]. ويستطرد المسيح، ردًا على سؤال الفريسيين، ليدحض فكرة مادية أو مكانية أو زمانية ملكوت الله، بل ويعلن صراحةً أن ملكوت الله قائمٌ وموجودٌ داخل البشر كالتالي: وَلاَ يَقُولُونَ: هُوَذَا ههُنَا، أَوْ: هُوَذَا هُنَاكَ! لأَنْ هَا مَلَكُوتُ اللهِ دَاخِلَكُمْ
“ [24]. فنحن لا نتنظر ملكًا أرضيًا زمنيًا مُحدَّد المدة، بل ملكوت الله مُستعلَن ومُتحقِّق فينا وفي داخلنا بالفعل الآن وإلى الأبد.
ويستعرض رايموند براون ما يتضمَّنه إنجيل لوقا من نصوص تُوضِّح تعقيد فكرة ”ملكوت الله“. ويرى أنه يوجد تساؤل من ناحية ما إذا كان هذا المفهوم يتضمَّن ملكية (منصب الملك) أو ملكوتًا، وما إذا كان قد أتى وإلى أيّ مدى و/أو أنه مازال آتيًا، وما إذا كان بشكلٍ مرئيّ. وقد استُخدِمَت صور صريحة مثل: باب ومائدة وطرد من الملكوت، وذلك في (إنجيل لوقا 13: 24، 28، 29)، وفي (إنجيل لوقا 9: 27) نقرأ: إن من القيام ههنا قومًا لا يذوقون الموت حتى يروا ملكوت الله
، برغم ذلك، فإن يسوع في (إنجيل لوقا 17: 20-21) يقول إن ملكوت الله لا يأتي بمراقبةٍ، حتى لا يُقَال هوذا ههنا أو هوذا هناك
. وفي (إنجيل لوقا 11: 2) عُلِّمَ التلاميذ كيف يصلون من أجل إتيان الملكوت، وفي (إنجيل لوقا 10: 9) طُلِبَ من التلاميذ أن يعلنوا للمدينة التي يزورونها: قد اقترب منكم ملكوت الله
. وقال يسوع في (إنجيل لوقا 11: 20): وأمَّا إذا كنتُ بإصبع الله أخرج الشياطين فقد أقبل ملكوت الله داخلكم
“، وفي (إنجيل لوقا 21: 31-32) (المحادثات الإسخاتولوچية) عند رؤية علامات الأزمنة الأخيرة بوسعه أن يقول: ”ملكوت الله قريبٌ“. وهذا كله سيحدث ”قبل أن يمضي هذا الجيل“، وهذا الرأي المختلف إنما هو انعكاس لمشكلة الاسخاتولوچيات المستقبلية، التي تحقَّقت ونجدها في مواضع أخرى في العهد الجديد. [25]
ويُورِد سفر الأعمال قول المسيح لتلاميذه أنه ليس لهم أن يعرفوا الأزمنة والأوقات التي جعلها الآب في سلطانه، مما يُوضِّح أنه لا يمكن تحديد جداول زمنية أو مدد زمنية مُحدَّدة لملكوت المسيح ومجيئه الثاني كالتالي: فَقَالَ لَهُمْ: لَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا الأَزْمِنَةَ وَالأَوْقَاتَ الَّتِي جَعَلَهَا الآبُ فِي سُلْطَانِهِ
[26].
وفي ردٍ قويّ على تعليم الألفيين، يرى رايموند براون أنه من ناحية إقامة الله الملكوت أخيرًا والمجيء الثاني ليسوع، أصبح ما جاء في (سفر أعمال الرسل 1: 7) ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التي جعلها الآب في سلطانه
يُشكِّل ردّ الكنيسة الكبرى: الإيمان بأن هذه التي سيتمُّ بها ذلك. وفي صراعٍ حادٍ مع هذا الوضع كثيرًا ما يبذل الرؤيويون جهودًا كثيرةً في حساب نهاية الزمان والتنبؤ بها. وحتى الآن كانوا دائمًا مخطئين بالنسبة للتورايخ الخاصة بهذا الأمر. لذلك فإن مسيحيي الكنيسة الأكبر تراهم ينظرون لمَن يدَّعون أنهم يتنبؤن بالمستقبل ويَعتبرونهم منافقين. وبرغم ذلك، تُقدِّم المسيحية الرؤيوية القوية فرصةً، فإذا كان الذين يدَّعون أنهم لا يعرفون الأزمن والأوقات، وشرعوا يتجاهلون العقيدة التي تقول إن يسوع سيأتي ثانيةً ليدين الأحياء والأموات، فإنهم قد يشرعون في الاعتقاد بأن بمقدورهم أن يبنوا ملكوت الله. والرؤيويون على يقينٍ تامٍ بأن نهاية الأزمنة تعتمد على إقامة الله للملكوت، لأن البشر إذا اعتمدوا على أنفسهم دائمًا فلن يبنوا سوى برج بابل. ولعل المسيحيين في حاجةٍ إلى الاعتراف وبالحماسة نفسها، أنه ليس باستطاعتهم معرفة الأزمنة والأوقات، وأنه في يومٍ ما، وبطريقةٍ قد تكون مفاجأةً للجميع سيُقيم الله الملكوت. [27]
ويُوضِّح المسيح لنيقوديموس شرط رؤية الملكوت، وهو الولادة العلوية السماوية من فوق، فالملكوت ليس ملكوتًا ماديًا خاضعًا للحواس، بل ملكوتًا روحيًا علويًا وحقيقيًا كالتالي: أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: 'الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنْ فَوْقُ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَى مَلَكُوتَ اللهِ‘
[28]. ويستطرد المسيح في نفس السياق مُؤكِّدًا على ضرورة الولادة الروحية في المعمودية لكي يستطيع الإنسان أن يدخل ملكوت الله الروحيّ وليس الماديّ كالتالي: أَجَابَ يَسُوعُ: 'الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ‘
“ [29].
وهناك موقفٌ واضحٌ وصريحٌ للمسيح من فكرة الملك الأرضيّ الحرفيّ يأتي في إنجيل يوحنا، حينما جاء البعض لكي يختطفوه ويجعلوه ملكًا أرضيًا، وهنا انصرف عنهم المسيح إلى الجبل وحده، مُعلِنًا بذلك رفضه التام لأيّ مُلك ماديّ حرفيّ على الأرض كالتالي: وَأَمَّا يَسُوعُ فَإِذْ عَلِمَ أَنَّهُمْ مُزْمِعُونَ أَنْ يَأْتُوا وَيَخْتَطِفُوهُ لِيَجْعَلُوهُ مَلِكًا، انْصَرَفَ أَيْضًا إِلَى الْجَبَلِ وَحْدَهُ
[30].
وكان جواب المسيح الواضح والصريح على بيلاطس البنطيّ وقت محاكمته، حين سأله بيلاطس عن كونه ملكًا أرضيًا، فأجاب المسيح صراحةً أن مملكته ليست من هذا العالم الأرضيّ الماديّ الفانيّ، وبذلك أعلن المسيح رفضه التام لفكرة الملك الماديّ الحرفيّ على الأرض، داحضًا بذلك المزاعم الألفية بمُلك ماديّ أرضيّ كالتالي: مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ. لَوْ كَانَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هذَا الْعَالَمِ، لَكَانَ خُدَّامِي يُجَاهِدُونَ لِكَيْ لاَ أُسَلَّمَ إِلَى الْيَهُودِ. وَلكِنِ الآنَ لَيْسَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هُنَا
[31]. وكان هذا هو موقف المسيح في الأناجيل من فكرة الملك الأرضيّ الحرفيّ، الذي رفضه تمامًا.
لذا يرى تشارلز هارولد دود أن رسالة يسوع تتلخَّص في عبارة الاسخاتولوجيا المحقَّقة
[32]، حيث يرى أن عمل الله، بفضل ما قام به يسوع، قد تدخَّل في التاريخ، الآن وهنا: لقد أعلن أن النظام الأبديّ قد حضر في الوضع الواقعيّ، وأن هذا الوضع هو حصاد التاريخ الذي سبق
. [33] أمَّا طابع كرازة يسوع الشديد فلا يتأتى من انتظار قريب يتَّسم بتوترٍ خاصٍ، بل من المطالبة بأنه تجسيد حضور الله. ويربط دود هذا التفسير لرسالة يسوع عن الملكوت بمفهومٍ خريستولوچيّ وأسراريّ مُتعلِّق بتطوُّرٍ باطنٍ للمسيحية التي كانت في طور التأليف: إن يسوع، في أمثاله، يكرز بالتيقظ بالنسبة إلى أمرٍ غير منتظر لن يُعتِّم أن يحدث، وفي هذا الموضع يسقط الستار على مشهد تضيئه الأمثال. وفجاءة يبدأ المشهد، ويسوع لا يعود يتكلَّم، بل يعمل ويتألَّم. والتلاميذ، بإزاء القيامة، وقد فاجأتهم هذه البداية وأذهلتهم، يدركون أن سرَّ ملكوت الله قد تجلَّى أخيرًا في موته وقيامته [34].
والكنيسة ترجع بنظرها إلى هذه اللحظة التي فيها حصل الحدث الحاسم. وتعيده في علامة الإفخارستيا، تلك العلامة الفعَّالة التي يمكن نعتها بـ”الاسخاتولوجيا المحقَّقة“. [35] إن حضور الحدث في سرِّ الكنيسة يفتح الوقت عينه وفي الارتباط بالربِّ الممجَّد، الباب على نظام الأبد الذي هو مصيرنا، الذي لم تره عين، ولم تسمع به أذن، ولا خطر على قلب بشر ما أعدَّه الله للذين يحبونه
. [36] وبذلك رسم دود في الواقع، انطلاقًا من التفسير الكتابيّ الحديث، الرؤية الكنسية التي فيها فسَّر إيمان الأجيال تداخُّل الماضي والحاضر والمستقبل في رسالة العهد الجديد الاسخاتولوجية. بالتالي ينصب تركيز دود على أن ملكوت الله قد تحقَّق الآن بصورةٍ نهائيةٍ في مجيء يسوع وعمله، وهذا يدحض أيّ آراء ألفية حول مُلك ألفيّ مُنتظَر.
يتفق أوسكار كولمان مع دود في أن الملكوت قد بدأ، ولكنه شدَّد على أنه لم يكتمل بعد. ولتفسير هذا التصوُّر يختار كولمان، في كتابه الذي ظهر في نهاية الحرب العالمية الثانية، تشبيه الحرب، حيث يمكن أن يقوم فاصل زمنيّ بين المعركة الحاسمة ويوم النصر، في حين أن النقطة المركزية هي المعركة الحاسمة مهما طال انتظار نتيجتها النهائية. لقد حدث أمرٌ شبيه بالنسبة إلى مجيء المسيح. فمجيئه هو نقطة التحوُّل واللحظة الحاسمة، لكن هذه اللحظة لا تتطابق مع نهاية تاريخ العالم الفعلية، التي يمكن أن يطول انتظارها طويلًا. إن المسيح نفسه، لوعيه بأنه هو الوسط، قد علَّم رؤيةً جديدةً لتاريخ الخلاص. فمع الفصل بين الوسط والنهاية ونقل الوسط إلى الماضي، أعلن زمنًا جديدًا، ”حقبة حصول ما لم يكتمل بعد“، زمن وسط قد تحقَّق ونهايةٍ لم نزل ننتظرها. هذا الفصل المبدئيّ هو جزءٌ من رسالة يسوع نفسه؛ مقابل هذه الرؤية الجديدة التي بها كوَّن يسوع مفهومًا جديدًا للتاريخ والإسخاتولوجيا، تبدو ثانويةً مسألة المدى الفعليّ لهذا الفاصل الزمنيّ. وبذلك تفقد مشكلة الانتظار القريب أهميتها.
إذ إن الأمر الأساسيّ في رسالة يسوع لم يعد معرفة مدى الفترة التي تفصلنا عن المجيء الثانيّ، بل الوسط الذي حدث. وبفعله هذا كوَّن فكرة وواقع ”الزمن الذي يقع بين زمنين“. هذه المرحلة الجديدة من تاريخ الخلاص، التي لم يستدركها الفكر اليهوديّ، لا تناقض رسالته، بل هي ثمرتها، وإنْ تجاوزت المدة ما كان مُنتظرًا. [37] لأنه بخلاف فكرة الزمن الدائرية عند اليونانيين، ثمة مفهوم خطيّ عن الزمن في الكتاب المقدَّس. فيُنظَر إلى الزمن في علاقة تصاعدية بين البارحة واليوم والغد. والزمن، لكونه خطًا تصاعديًا، يعرض حيزًا يمكن أن يتحقَّق فيه كمال التصميم الإلهيّ؛ وبتعبيرٍ آخر: الخلاص يتحقَّق في الزمن؛ الزمن والخلاص مرتبطان أحدهما بالآخر. [38] وهكذا هذه الرؤية الخطية لتاريخ الخلاص تنتقد الألفية من خلال رؤية الفترة بين المجيئين كفترة صراع روحيّ مستمرة، وليست انتظار مملكة حرفية مستقبلية.
ويشير الكاردينال چوزيف راتسنجر (البابا بنديكتوس السادس عشر) في نفس السياق إلى أن إنجيل متى عندما يتكلَّم عن ”ملكوت السماوات“، ومرقس ولوقا عن ”ملكوت الله“، فإن المعنى واحدٌ في كلتا العبارتين. طريقة كلام متى تشير إلى إطار يهوديّ، فاسم الله وحتى مفهوم ”الله“ لا يُستعمَلان في العالم اليهوديّ، وذلك احترامًا لعظمة الاسم؛ فالكلام عنه يجري من خلال لفظة ”السماوات“، التي هي مرادفٌ لكلمة ”الله“. هذا مهم لنفهم أن متى، على غرار مرقس ولوقا، لا يتكلَّم عن شخص يقيم وراء هذا الكون؛ فالموضوع لا يتعلَّق بما هو وراء هذا الكون، بل بالله، وبالله الذي يعمل شخصيًا.
هذه الملاحظة تكتسب وزنًا أكبر إذا أضفنا أن اللفظة التي نترجمها عادةً بكلمة ”ملكوت“ لا تعني، في البلدان الناطقة بالعبرية، المكان الذي تُمارَس فيه الملكية، بل تعني نشاطًا يمكن ترجمته بلفظة ”مُلك“ أو ”رئاسة“ أو ما شابه ذلك. ومن ثمَّ، فعبارة ”ملكوت الله“ تشير إلى ممارسة الله سيادته وسلطته الحية على العالم. بالتالي، فالإعلان بأن ”قد اقترب ملكوت الله“، بحسب إرميا، يجب أن يُترجَم بالضبط: ”قد اقترب الله“. فيسوع، باستعماله هذه العبارة، لا يتكلَّم عن أمرٍ قائمٍ في السماوات، بل عن أمرٍ يعمله الله، وسوف يعمله هنا على الأرض [39].
وهنا لا يوجد مكان لملكوت ألفيّ حرفيّ في المستقبل، بل ملكوت الله مُتحقِّق وحاضر بالفعل في العالم. وهذا ما يُؤكِّد راتسنجر في موضع آخر، حيث يرى أن يسوع في أمثاله المتعدِّدة قد كرز بملكوت الله على أنه حاضرٌ وفي الوقت عينه واقعٌ سوف يأتي. يبقى أن الكنيسة التي تكتمل مع الزمن قد أدركت أنها أمينةٌ لهذه الرسالة التي أُعلِنَت في البدء، وذلك بتبشيرها بأن يسوع هو المسيح الذي يعمل بواسطة الروح القدس، والذي هو بالتالي الوجه الحاليّ للملكوت. ويبقى أخيرًا أن المسيحية، بنظرها إلى القائم من بين الأموات، قد علَّمت بمجيءٍ قد حدث فعليًا؛ وأنها لم تعد تعظ بلاهوت رجاء محض، وأنها لم تعد تحيا وعيونها محدقةٌ فقط إلى المستقبل، بل أشارت إلى وقت حاليّ صار فيه الوعد حاضرًا. وهذا الحاضر هو بالضبط رجاءٌ، إنه يحمل في طياته المستقبل. [40]
ويدحض بولس الرسول أفكار الألفيين عن مُلك ألفيّ ماديّ سياسيّ وعسكريّ واقتصاديّ، ويعلن بكل وضوح أن ملكوت الله ليس أكلاً وشربًا، أيّ أن ملكوت الله لا يوجد به الاحتياجات البشرية المادية والزمانية، بل هو برّ وفرح وسلام في الروح القدس، أيّ ملكوت روحيّ غير ماديّ كالتالي: لأَنْ لَيْسَ مَلَكُوتُ اللهِ أَكْلاً وَشُرْبًا، بَلْ هُوَ بِرٌّ وَسَلاَمٌ وَفَرَحٌ فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ
[41].
يشير رايموند براون إلى الاسخاتولوچية المحقَّقة عند بولس الرسول الذي كان يفهم تمامًا ما عمله الله في المسيح من الناحية الرؤيوية أو الاسخاتولوچية، لقد كان موت يسوع وقيامته إيذانًا بتغيير الأزمنة، لذلك فإن الكل يعيش الآن في نهاية الزمان. [42] وهذا ما يُؤكِّده براون في موضع آخر، في سياق حديثه عن الاسخاتولوچيّ البولسيّ، حيث يرى ق. بولس أن الوضع الحاليّ للمسيحيّ في غاية المجد، وبتعبيرٍ آخر، يبدو أن الأمور الاسخاتولوچية التي تحقَّقت تسمو على الاسخاتولوچيات المستقبلية. فالمسيحيون هم بالفعل في ملكوت ابن محبته [43]. فهم في المعمودية قد أُقيموا مع المسيح [44]، وهذا أمرٌ لم تنكره إطلاقًا كتابات بولس التي لم تكن موضع جدل [45].
ويوضح إن. تي. رايت الرجاء الذي نجده في فقراتٍ كثيرةٍ من العهد الجديد، ولكن بالأكثر في إسخاتولوچية بولس الرسول، ففي الرسالة إلى أهل أفسس، مثلًا، يعلن ق. بولس أن خطة الله النهائية كانت أن يجمع كل شيءٍ في المسيح [يسوع، المسيا، ابن داود]، ما في السماوات وما على الأرض
[46]. ويشير هذا العدد إلى الشروح الأطول للنقطة نفسها في كورنثوس الأولى 15 وكذلك رومية 8. كما تظهر النقطة ذاتها في تلك القصيدة الرائعة التي نقرأها في الاصحاح الأول من رسالة كولوسي، التي تحتفل بأن كل العالم والخليقة قد خُلِقَت ”فيه […] وبه“ [47]. ثم يستمر ليعلن أن ”فيه“ (أيّ في يسوع المسيح) كل شيء في الأرض والسماوات، سيتصالح مع الله. ويُذكَر هنا أن العهد الجديد لا يحسب الرجاء النهائيّ رجاءً يُهمِل الأرض. لذا فإن الكلام المعتاد ما بين الناس عن السماء يجعلنا نفقد الرؤية المحورية التي يُقدِّمها العهد الجديد. والمهم للعهد الجديد هو السماء الجديدة والأرض الجديدة. [48] بالتالي لا يوجد مكان هنا للحديث عن مُلك ألفيّ حرفيّ للمسيح على الأرض، بل تجديد كونيّ شامل للخليقة كلها.
ويُؤكِّد بولس الرسول أن ملكوت الله لا يخضع للأمور المادية الحسية، لأنه لا يقدر أن يرثه لحم ودم، ولا يمكن أن يكون ملكوت الله ملكوتًا ماديًا قابلاً للفساد، بل ملكوت الله هو ملكوتٌ غير قابل للفساد بشتى أشكاله وصوره، فهو بذلك يدحض آراء الألفيين المادية والحسية عن الملكوت الإلهيّ كالتالي: إِنَّ لَحْمًا وَدَمًا لاَ يَقْدِرَانِ أَنْ يَرِثَا مَلَكُوتَ اللهِ، وَلاَ يَرِثُ الْفَسَادُ عَدَمَ الْفَسَادِ
[49].
ويُفسِّر إن. تي. رايت ما يقصده بولس الرسول في (رسالة كورنثوس اﻷولى 15: 20-28)، حيث يشرح بولس في هذه الأعداد أنه كما كانت حال أوكتافيوس/أوغسطوس بعد انتصاره الحاسم على مارك أنطونيوس، فكذلك يسوع المسيح الآن هو المنتصر الغالب، وهو الحاكم الفعليّ للعالم، لكنه حتى الآن لم يُخضِع كل قوى التمرد تحت سلطانه. وما يقوله الرسول بولس في باقي الاصحاح هو أن ما فعله الله ليسوع في القيامة، بأن أقامه من بين الأموات، سيفعله لكل خاصته في النهاية. ويدور أغلب ما تبقى من الاصحاح حول هذا الأمر تحديدًا. والمشكلات التي يواجهها بولس -مشكلات الأفكار الخاطئة في الكنيسة، ومشكلات الأخلاقيات الجنسية، ومشكلات الحياة في المجتمع الوثنيّ، ومشكلات تنظيم العبادة الجماعية- تتعلَّق أغلب هذه المشكلات بصورةٍ أو بأخرى بالخبر السار نفسه. فبمجرَّد أن يستوعب الناس أن الأحداث الخاصة بموت المسيح وقيامته غيَّرت كل شيء، وأنهم الآن يعيشون بين الحدث الأول الذي بدأ بالفعل بإطلاق الخطوة الأخيرة لإنقاذ البشرية والعالم، وقيام الله في النهاية بترتيب كل أوضاع العالم -عندما سيكون الله الكل في الكل- عندها سيتغيَّر كل شيء: الإيمان والتوجهات السلوكية، والتوقعات، وأخيرًا سينشأ حبٌّ جديدٌ وإحساسٌ جديدٌ بالانتماء، بين كل هؤلاء الذين يشتركون معًا في ذلك. هذا هو ما يتناوله أغلب ما كتبه ق. بولس في هذا الموضع. [50]
ويُؤكِّد بطرس الرسول أن ملكوت ربِّنا ومُخلِّصنا يسوع المسيح هو ملكوتٌ أبديٌّ، وليس ملكوت مُحدَّد المدة، أيّ لمدة ألف سنة حرفية ثم ينتهي بعد ذلك، فملكوت المسيح ليس لها نهاية وليس له انقضاء، ولا يمكن حصره في مدة زمنية مُحدَّدة أو مكان ماديّ مُحدَّد كالتالي: لأَنَّهُ هكَذَا يُقَدَّمُ لَكُمْ بِسِعَةٍ دُخُولٌ إِلَى مَلَكُوتِ رَبِّنَا وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ الأَبَدِيِّ
[51].
صدر للكاتب:
ترجمة كتاب: "الثالوث"، للقديس أوغسطينوس أسقف هيبو [٢٠٢١]
كتاب: عظات القديس غريغوريوس النيسي على سفر الجامعة [٢٠٢٢]
ترجمة كتاب: "ضد أبوليناريوس"، للقديس غريغوريوس النيسي [٢٠٢٣]
كتاب: الطبيعة والنعمة بين الشرق والغرب [٢٠٢٣]
كتاب: مونارخية الآب في تعليم آباء الكنيسة [٢٠٢٤]
