كنت أرى في إسرائيل -رغم كل الصراع السياسي معها- تجربة دولة مختلفة عن محيطها. دولة مدنية، صاخبة، تمشي على حد سكين، فصل بين السلطات والحريات الفردية مصونة بالقانون الأساسي للبلاد، والأرض ترجمان القانون.
لم تكن يومًا “جمهورية توراتية” ولا “دولة ناموس” ولا “سلطة كهنوت”. كانت دولة يعيش فيها اليهود، لا دولة دينية يحكمها اليهود بوصفهم شعب الله. لكن هذا كله بدأ يتغير.
فمع تحول الميزان الديموغرافي لصالح الحريديم والمتدينين القوميين، ومع صعود يمين يرى في كل تنازل مؤامرة وفي كل مساواة تهديدًا، راحت إسرائيل تعيد تعريف نفسها من الداخل.
لم تعد “دولة يسكنها اليهود” بل “دولة للشعب اليهودي وحده”، دولة لا تسمح بمواطنة كاملة إلا لمن ينتمي إلى الرواية التوراتية نفسها.
وهنا كانت اللحظة المفصلية: قانون القومية (2018).
قانون 2018.. قانون تهويد الدولة
القانون الذي لم يكن مجرد إعلان رمزي، بل قانون أساسي ذو مكانة شبه دستورية (إسرائيل لا تملك دستور بل قانون أساسي في منزلة الدستور -لأسباب دينية أيضا او مراعاة لأهل التوراة دستورنا- حول إسرائيل فعليا إلى دولة يهودية بحكم القانون الأساسي.
لم يعد تعريف الهوية الدينية وصفا اجتماعيًا، بل صار التزامًا تشريعيًا مكتوبًا بمداد قانون فوقي. ولأول مرة، باتت الهوية اليهودية نصا ملزمًا لا مجرد حالة.
تمامًا كما حدث في دساتير عربية كثيرة حين تحول “الإسلام دين الدولة” من جملة لطيفة إلى قيد على التشريع، ثم إلى سيف في يد المؤسسة الدينية، ثم إلى سبب مباشر لانهيار سيادة القانون.
كنت أراقب ما يحدث في إسرائيل بشيء من الاستغراب: كيف تتحول الدولة التي كانت محل إعجاب كثيرين، مقارنة بما حولها، إلى نموذج آخر من “الدولة الشرق أوسطية” التي يلتهمها الدين والسياسة معا؟
لكن حين نظرت إلى الصورة الكبرى، أدركت أن ما يحدث ليس استثناء، بل حلقة جديدة في سلسلة عالمية.
من الصحوة الإسلامية لليقظة المسيحية للصحوة اليهودية
العالم العربي عرف الصحوة الإسلامية منذ السبعينيات. الصحوة التي حولت الدين إلى مشروع دولة، وأسلمة المجتمع والتعليم والقوانين، ودفعت الفقهاء إلى صدارة السلطة حتى فوق الدستور نفسه.
الغرب الأمريكي من جهته عرف اليقظات المسيحية التي صاغت البروتستانتية الإنجيلية الحديثة. حركة ترى أمريكا “أمة مختارة للمسيح”، وتطالب بتقنين الأخلاق الدينية، وتجريم ما تراه انحلالًا، وإعادة بناء “المدينة المسيحية على الجبل”. ومن رحمها خرجت الصهيونية المسيحية التي تقرأ السياسة بنصوص التوراة النبوية وسفر الرؤيا أكثر مما تقرأها بالخرائط والاقتصاد.
وفي قلب هذه اليقظات عادت أفكار “مدن المتطهرين” في نيوإنجلاند، تلك التي حكمت بالسوط والكتاب المقدس، وشنقت الساحرات، وجرمت الاختلاف، واعتبرت نفسها نموذج الخلاص الإلهي على الأرض.
إذن فالمسألة إننا نعيش عودة الدين بقوة، ومنافسه بين الأديان يقوي كل خصم خصمه، وإن بقي خصما بل عدو.
حين يدخل الدين إلى تعريف الدولة، يتحول المواطن إلى مؤمن، والمعارضة إلى زندقة.
واليوم، يبدو أن إسرائيل تسير على الطريق نفسه: نسخة يهودية من الصحوة الإسلامية، أو اليقظة المسيحية، أو أي صحوة دينية قومية تعتبر نفسها مفوضة باسم الله والتاريخ.
إسرائيل على نهج المنطقة التي هربت منها
المؤسف ليس صعود اليمين -فاليمين موجود في كل الدول- بل أن إسرائيل تتخلى بإرادتها عن نموذج الدولة المدنية، لتقترب من النماذج التي لطالما احتقرتها:
دول تخلط الدين بالسياسة، وتكتب هويتها في نصوص مقدسة، وتترك التشريع لرجال الدين أو لأحزاب تتحدث باسم الإله.
كنت أتمنى أن تبقى إسرائيل “دولة قومية صاخبة” لا “دولة شريعة يهودية”.
لكن المؤشرات، من 2018 حتى اليوم، تقول شيئا آخر:
تشريعات تستلهم الدين.
نفوذ ديني في الجيش.
تعليم يهودي قومي متشدد.
محاولات لإعادة صياغة القضاء.
صعود أحزاب توراتية ترى نفسها فوق الدولة نفسها.
إنها الصحوة اليهودية.
صحوة لا تختلف كثيرًا عن الصحوة الإسلامية أو اليقظات المسيحية.
صحوة لا تعيد إسرائيل إلى التوراة قدر ما تقحم التوراة في الدولة، وتجعل الدين إطارًا مُلزمًا للمؤسسات والحقوق والمواطَنة.
وهكذا تمشي إسرائيل بخطى ثابتة -ومؤلمة بالنسبة لمن عرفها كدولة مدنية- نحو النموذج ذاته الذي دمر دول المنطقة:
نفوذ ديني/ ديني-قومي داخل مؤسسات الدولة (بما فيها الجيش).
النموذج الذي يبدأ بـ “هوية دينية” وينتهي بـ “دولة فاشلة مقدسة”.
