في أوقات الأزمات يتأجج الصراع حول الانتماء ويتفاقم الشعور بأن هوية جماعة ما في خطر وأن المؤامرات تحاك لخنق أو تهميش تلك الهوية. ولكن في الحقيقة لا يشوِّه هوّيات الشعوب أكثر ممن يدَّعون أنهم يدافعون عنها، لأنهم ينطلقون من فكرة نقاء هويتهم ورغبتهم في تطهيرها من دنس الآخرين. وهكذا تتحول الهوية المُهدَّدة إلى هوية مُهدِّدة، وهكذا تنبت الحركات الفاشية في حقول الهويات التي يرويها التوجس من الآخر.

بعد سقوط بغداد في يد المغول، شعر المسلمون بالذل والهوان وراحوا يبحثون عن أسباب السقوط. لم يتحدث أحد عن ترهل الدولة وسيطرة أمراء الحرب الأتراك عليها ولا عن الصراع السني الشيعي، ولا عن إهمال العلم والتعليم وعدم وجود رؤية اقتصادية واضحة لإمبراطورية مترامية الأطراف، بل ركزوا على فكرة الهوية الإسلامية النقية التي اخترقتها الفلسفة والعلوم الإغريقية فدنَّستها. وكان سبب صعود نجم ابن تيمية في هذا العصر هو تركيزه على فكرة تلوث الهوية والقيم الإسلامية بسبب هجر الشريعة والاعتماد على علوم الإغريق وتمرد الأقليات وانتشار الديانات الباطنية.

ما لم يعلمه أو ما لم يقله ابن تيمية هو أن تقدم الدولة العباسية لم يكن إلا نتيجة تنوع مصادر هويتها العرقية والثقافية والعلمية والاقتصادية، فلولا علوم وفلسفة الإغريق ولولا المترجمين السريان واليهود، والعلماء من الفرس والأمازيغ، ولولا اليد العاملة الإفريقية لما تبلورت هذه الحضارة. والدليل أن هذه الحضارة ترعرعت في بغداد وليس في مكة أو المدينة. مالم يقله ابن تيمية أيضا هو أن تعطيل أجزاء كبيرة من الشريعة والسماح ببعض الحريات النسبية في بغداد كان أحدد أسباب التقدم.

وما نسيه أتباع ابن تيمية فيما بعد هو أن العودة إلى الشريعة بعد سقوط بغداد والتضييق على أهل الذمة وتحويل التعليم من الفلسفة والعلوم إلى الدين واللغة العربية لم ينقذوا هوية الأمة ولم يستعيدوا مجدها القديم، بل زادوا من عزلتها وجعلوها ملطشة للمماليك والأتراك، وجعل أصحاب الديانات الأخرى يعيشون في خوف تحت جناح الهوية الإسلامية المهووسة بالنقاء حتى يومنا هذا.

نفس الفيروس أصاب أوروبا في القرون الوسطى حين سيطرت عليها هوية دينية واحدة جامدة ومتسلطة، فاضطهدت العلماء وحرقت الساحرات وضيقت الخناق على اليهود والوثنيين. ولم تأتِ النهضة إلا حين حاول بعض الفلاسفة والعلماء والفنانين التنصل من قبضة الكنيسة والبحث في التراث الإغريقي القديم عن روافد جديدة لثقافتهم. حركة التنوير لم تقم بإقصاء البعد المسيحي من هوية الشعوب الأوروبية، لكنها رفضت أن يكون هو البعد الوحيد، فأصبح نقد الدين مرافقا لحرية العقيدة، كما أصبح نقد أفكار التنوير نفسها جزءً من حركة التنوير.

وبعد سقوط الإمبراطورية الألمانية مع نهاية الحرب العالمية الأولى كانت هناك أصوات تقول إن سبب السقوط هو اختراق الهوية الألمانية النقية عن طريق الفن الحديث و والشعوب غير الآرية. فجاءت الحركة النازية كثورة ضد الحداثة والتنوير ورفعت شعار تنقية الهوية الألمانية من الشوائب. وقد حاول النازيون العودة للأساطير الجرمانية القديمة وقصص الأبطال الشعبية لشحذ الهوية النقية وتشذيب الحقل الألماني من “الأعشاب الضارة”، فكان ذلك بداية النهاية للهوية المنشودة.

من نماذج السلفية الإسلامية والنازية والتنوير، نرى أن الرجوع للماضي كأساس للهوية قد يؤدي إلى نتائج مختلفة. المشكلة إذًا ليست الاتكاء على الماضي في رسم الخطوط العريضة للهوية، فكل هوية يجب أن يكون لها عمق في التاريخ، ولكن المشكلة تبدأ حين يكون هذا الماضي جامد وإقصائي وحين يكون التاريخ مقدسًا ولا يتيح المجال لمكونات أخرى للهوية. المشكلة حين يتم استدعاء الماضي والاستنجاد به كدرع واقي ضد الآخرين وكصوتٍ عالٍ يُخرس باقي الأصوات. المشكلة حين تكون الشوفونية العرقية أو الدينية هي المصدر الوحيد والمحرك الوحيد للهوية والأخلاق وسياسات الدولة.

يمكن للهوية أن تكون عزاءً وسند، ويمكنها أن تكون عبءً وبلاء. خاصة في أوقات الأزمات والتحولات الكبرى، كثيرا ما تكون الهويات محاطة بحقول ألغام تقتل أصحابها قبل أعدائها. نعم، نحن نحتاج إلى هوية مشتركة كي نتعاون على نطاق واسع وننجز ما لا يستطيع فرد أن ينجزه بمفرده. لكن حين تكون معالم الهوية دينية فقط أو عرقية فقط، تبدأ الكوارث.

آه نسيت أقول لكم أنا مصري أو عربي. أنا راجل على باب الله، بفكر وبارمي أفكاري في سوق الفكر. مصري أحب الملوخية على الطريقة اللبنانية، ومسلم ينتقد الإسلام، وألماني يشجع الأرجنتين في كاس العالم. أحب اللغة العربية جدًا، لكن أكتب كتبي بالألمانية أولًا، فاللغة المكتسبة تضبط مصطلحاتي وتساعدني على صياغة أفكاري بطريقة أفضل، خاصة حين أكتب عن السياسة والتاريخ. أعتز بالماضي المصري القديم، ولا أنكر التأثير المسيحي والإسلامي على الوعي الجمعي والثقافة في مصر. الهوية القوية هي القادرة على إدارة الاختلاف وتحمُّل التناقضات. هويتي هي صنيعتي أنا، ورثت جزءً منها بالميلاد وصنعت باقي الأجزاء عن طريق القراءة والتفكير والسفر والخبرات والصراعات. وجزء هام من هويتي هو المسافة التي خلقتها بيني وبين تلك الهوية كي أرى عيوبها بوضوح وأقوَّمها متى لزم الأمر…

الهوية بالنسبة إليَّ ليست جسدًا يخاف على نفسه من الميكروبات والفيروسات التي تحملها الأجساد الغريبة، بل هي جهاز المناعة نفسه الذي يزداد قوة وفاعلية كلما تعرض لأجسام غريبة أكثر، فيحمي الجسد أكثر. ولكن حين يتحفز جهاز المناعة أكثر من اللازم، يسبب مرض ذاتي المناعة، فينقلب الجسد على ذاته ويفترس نفسه بنفسه!

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي 5 حسب تقييمات 5 من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

حامد عبد الصمد

حامد عبد الصمد

[ + مقالات ]
‎ ‎ نحاول تخمين اهتمامك… ربما يهمك أن تقرأ أيضًا: ‎ ‎