بعد المقالات السابقة للبحث ورا لوثر وتاريخه… يُعَدّ مبدأ “الكتاب المقدس وحده” (Sola Scriptura) أحد الشعارات المركزية للإصلاح البروتستانتي في القرن السادس عشر. وقد أثار هذا المبدأ نقاشات عميقة حول علاقة الكتاب المقدس بالتقليد الكنسي، وكيفية تطبيق سلطان الكتاب في التعليم والممارسة الكنسيّة. فيمَا يلي تقرير تحليلي يحاول أن يجيب تاريخيًا ولاهوتيًا عن أربعة أسئلة رئيسية أثيرت حول هذا المبدأ:
العلاقة بالتقليد الكنسي
لم يقصد المصلحون بشعار Sola Scriptura رفضًا كليًا للتقليد الكنسي أو إنكار ميراث الآباء. بل أكّدوا أن الكتاب المقدس هو المرجع الأعلى المعصوم للإيمان، في حين أن قرارات المجامع وكتابات الآباء والتقليد الكنسي لها سلطان خادم غير معصوم، تستنير به الكنيسة ولكنها تظل دومًا خاضعة لفحص الكتاب المقدس [1]، [2].
لقد احترم لوثر وكالفن وسائر المصلحين تعاليم الكنيسة الأولى ورأوا فيها انسجامًا مع الكتاب، فقبلوا مثلًا قوانين الإيمان المسكونية وتحديدات مجامع نيقية وخلقيدونية لأنها -في نظرهم- لا تقول إلا ما يؤكده الكتاب المقدس [3]، [4]. وقد شدّدوا في الوقت نفسه على رفضهم لوضع التقليد البشري على قدم المساواة مع وحي الكتاب، رافضين مفهوم الكنيسة الكاثوليكية في ذلك العصر الذي أعتبر التقليد الرسولي مصدرًا معصومًا آخر للوحي بجوار الكتاب [5]، [6]
الموقف من الكتاب والتقليد وأنواعه
لفهم موقف المصلحين، ميّز علماء تاريخ اللاهوت بين نماذج مختلفة لعلاقة الكتاب بالتقليد. يبيّن الجزء التالي باختصار أربعة مفاهيم ظهرت عبر التاريخ، وفق تصنيف المؤرخ هايكو أوبِرمان وتلميذه كيث ماثيسون [7]
أ) التقليد الصفري (Solo Scriptura) — الكتاب المقدّس هو المصدر الوحيد للحق دون أي اعتبار للتقليد الكنسي. يرفض أتباع هذا التوجه كل الرموز والإجماعات التاريخية، فيكتفون بالكتاب وحده ويفسّره كل فرد بمعزل عن الآخرين [8]، [9]. هذا الفهم (المسمى أيضًا Nuda Scriptura) ساد لدى بعض المصلحين الراديكاليين وكثيرٍ من الكنائس الإنجيلية الحديثة، وقد أدى إلى ظهور فرق شتى نتيجة غياب مرجعية تفسيرية مشتركة.
ب) التقليد الأول (Sola Scriptura) — الكتاب المقدس هو المصدر الإلهي الوحيد للوحي المدوَّن وهو المرجع المعصوم النهائي للعقيدة [10]، [11]. في هذا النموذج الذي تبنّاه مصلحو القرن الـ16، تُفسَّر النصوص في الكنيسة وضمن حدود “قاعدة الإيمان” الرسولية القديمة، بحيث يكون التقليد مساعدًا في الفهم ولكنه خاضع للكتاب ويمكن أن يخطئ [12]. أي أن الكتاب هو القاعدة الحاكمة (Norma Normans) في حين التقليد الكنسي هو قاعدة محكومة (Norma Normata) تقودها كلمة الله [13].
جـ) التقليد الثاني (Scripture + Tradition) — الكتاب المقدس والتقليد الرسولي معًا هما مصدرَا الحقيقة. تبنت الكنيسة الكاثوليكية هذا النموذج وكرّسته في مجمع ترِنت (1546م) حيث اعتُبرَت التسليمات الشفوية المنقولة عبر الأجيال وحيًا إلهيًا مساويًا في السلطان لنص الكتاب [14]، [15].
د) التقليد الثالث (“الكنيسة وحدها”) — تطور حديث في الكاثوليكية الرومانية (منذ مجمع الفاتيكان الأول 1870م) يُعرف أحيانًا بـSolo Ecclesia. يرى أن الهيئة التعليمية للكنيسة (المجامع والبابا) هي وحدها صاحبة الحق في تفسير الكتاب والتقليد، مع الإيمان بعصمة قراراتها (البابا معصوم رسميًا عند النطق ex cathedra) [16] ). وعمليًا صار المصدر الحقيقي للوحي هو تعليم الكنيسة الحيّ نفسه، إذ يُعتبر أن ما تعلنه روما اليوم هو بالإطلاق إيمان الرسل [17].
تبنّى المصلحون موقف “التقليد الأول” الذي يحفظ مرجعية الكتاب العليا دون إلغاء التقليد بالمطلق. لقد أعتبروا شعار الكتاب وحده معركة ضد نموذج “التقليد الثاني” الذي ساد أواخر العصور الوسطى [18] [19]، وليس حربًا على تراث الكنيسة الأولى نفسه. يقول أحد الباحثين إن الإصلاح في جوهره كان صراعًا بين تقليد1 وتقليد2 أكثر منه صراع الكتاب ضد التقليد [20].
لذلك أكد المصلحون أن كل تعليم كنسي يجب أن يوافق صراحة الكتاب، وأن أي تقليد يثبت تعارضه مع الكتاب يجب طرحه جانبًا [21]، [22]؛ أما ما انسجم مع الكتاب –كإجماع الكنيسة الجامعة الأولى على عقائد أساسية– فيُقبل تقديرًا لكلمة الله التي شهدت له عبر العصور [23] [24]. هذا التوازن الدقيق هو ما ميز Sola Scriptura الأصلية عن الفهم المشوّه الذي يرفض كل تراث ويعتمد التفسير الفردي المنعزل للكتاب [25] [26].
