انتشر منذ أيامٍ فيديو الشابٍ أندرو ميشيل -من ذوي الإعاقة- يشكو من بعض خدام كنيسة القديسة بربارة بحي الشرابية، القاهرة، لأنهم -وفقا لأندرو- نشروا بعض الشائعات الخاطئة عنه، مما جعله غير قادرٍ على الاستمرار في الحياة. وانتحر أندرو بكل أسف سقوطًا من الشرفة بعد هذا الفيديو. وصدر بيان عن كنيسة القديسة بربارة وحمل توقيع الأنبا مارتيروس الأسقف العام، مجمله أن أندرو كان يغضب لأي سبب، ومريض نفسي شديد الحساسية، لذا، ما قاله عن الكنيسة غير حقيقي، والخدام لم يقصروا في حقه. واختتمت الكنيسة البيان بدعوة الجميع إلى عدم الإدانة، والفرح.

نحن نثق فيمن لا نعرفهم ﻷنهم لم يخدعوننا من قبل 1كيف يصدر بيانًا كهذا بهذه السرعة بعد وفاة أندرو بساعات قليلة؟ فالمتوقع في مثل هذه الحوادث هو التحقيق في الأمر لتقصي الحقيقة، ومحاسبة المخطئ إن وُجد، لكن البيان لم يذكر أنه سيفتح تحقيقًا مع الخدام لدراسة الأمر، فقط، دار الأمر حول تجميل صورة الكنيسة بالتأكيد على مرض أندرو وحساسيته، وكيف يطالبنا البيان بعدم الإدانة وهو قد أدان أندرو فعلًا بتكذيب ما قاله في مقطعه بهذه السرعة؟ أليس من الممكن أن يكون أندرو مريض نفسي شديد الحساسية، ولكنه أيضًا تعرض لأذى حقيقي ومؤلم ربما لا يتحمله حتى الأسوياء؟ هل المريض النفسي غير صادق على طول الخط؟ ولماذا لم يسأل الآباء أنفسهم لماذا خص أندرو كنيستهم “بربارة الشرابية” ونفى الأمر عن كنيسة “العذراء الشرابية”؟ فمن يشعر بالكره لأتفه الأسباب، بالطبع سيجد في كل مكان يدخله أسبابًا تافهة تجعله يغضب!

الإقدام على خطوة الانتحار ليس أمرًا سهلًا، بل يتعارض مع الغريزة الإنسانية للبقاء، وغالبية المنتحرين لا يريدون قتل أنفسهم بقدر ما يريدون إيصال رسالة للعالم، وتلقين من عنفوهم درسًا قاسيًا كيلا يفعلوا ذلك، مرة أخرى مع الآخرين، ولم يكن أندرو كارهًا لحياته ولنفسه؛ فقد ذكر في مقطعه أنه إنسان جميل، ونقي، ويستحق الحب بعكس ما يقوله الناس عنه.

ابدأ بتصديق الضحية

ذكرتني قصة أندرو بقصة “ماري أدلر”، تلك الفتاة الشهيرة التي تعرضت للاغتصاب بولاية لينوود بالولايات المتحدة الأمريكية، التي أنتجت شركة “نتفلكس” مسلسلًا عن قصتها في ٢٠١٩ باسم “Unbelievable”

كانت ماري تعاني مشكلات نفسية عدّة، بسبب العنف الأسري الذي تعرضت له، ودخولها لعدة ملاجئ ومؤسسات إصلاحية، فكانت تحاول دائمًا جذب انتباه المحيطين بها باختلاق أحداث وهمية تجعلها تظهر دائمًا في دور الضحية.

تعرضت ماري للاغتصاب في عمر ١٨ عامًا على يد مجرم مهووس باغتصاب النساء وتعنيفهم جنسيا (serial rapist). وحين ذهبت إلى الشرطة لتقدم بلاغًا، رفضوا مساعدتها بعد معرفتهم بمشكلتها النفسية، ظنا منهم أن الاغتصاب أكذوبة جديدة للحصول على تعاطف الآخرين.

نعم، كانت ماري مريضة، وقد اختلقت كثيرًا قصصًا غير حقيقية؛ لكنها، لم تكن تكذب هذه المرة، فيا للمصادفة، قد تعرضت تلك الفتاة “المريضة” للإيذاء عن طريق حادث اغتصاب بشع، واتهمتها الشرطة أنها تكذب ولم يكلفوا أنفسهم مشقة التحقيق، وبعد سنوات، أعادت الشرطة فتح المحضر من جديد، بعدما تكرر الحادث مع فتيات أخريات بنفس التفاصيل التي روتها ماري للشرطة، كما تم العثور على صورة لماري على كاميرا المتهم بعد القبض عليه، فكان يحب أن يصور ضحاياه في حالة الضعف والرعب.

أثارت تلك القضية الرأي العام وأحدثت صخبًا واسعًا بين الحقوقيين الذين رفعوا شعار “Start by Believing”، “ابدأ بالتصديق”. وحركة “We Believe Survivors” “نحن نصدق الناجيات”.

نال الشرطي الأمريكي، الذي سارع بإغلاق محضر ماري وإرهابها لتعترف أن البلاغ كاذب، جزاءه المستحَق، ودفع غرامة باهظة للضحية، بل وصار أيضًا عبرة للرأي العام لأنه لم يصدق الضحية ولم يؤدي واجبه.

فهل إذا جاء له أحد الرجال ليبلغ عن سرقة سيارته أو منزله، سيرتدي نظارة ليحلل صاحب البلاغ نفسيًا، ويرى إذا كان صادقًا أم لا؟ بالطبع لا؛ بالرغْم من إمكانية اختلاق حدث كهذا لكسب تعاطف الناس أمر وارد، فلماذا نفعل ذلك مع الفتيات اللاتي تعرضن للتحرش والابتزاز والأقليات كأصحاب الأمراض النفسية مثل أندرو؟ فالتصرف الإنساني المتوقع هو أن تبدأ الكنيسة بتصديق روايته.

هل نذكر فتاة الدقهلية بسنت التي انتحرت بسبب الصور المزيفة لأنها لم تجد من يصدقها؟ فحتى أسرة الفتاة لم تستطع تطبيق ذلك المبدأ الأخلاقي البسيط “القضاء على الشر يبدأ بتصديق الضحية” حتى انتهى الأمر بالفتاة بكتابة رسالة فحواها أن الصور ليست لها ومزيفة وأنها ستنتحر لأنها لم تجد من يصدقها.

فمتى سنتعلم أن الضحية صادقة حتى يثبت العكس، ثم أن المتهم بريء أيضًا حتى تثبت إدانته! وكم حادث انتحار نحتاج أن نكف عن إدانة الضحية وصم آذاننا نحو صراخها كما فعلت الكنيسة ولا زالت تفعل مع أندرو؟

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

نحن نثق فيمن لا نعرفهم ﻷنهم لم يخدعوننا من قبل 3