عيد الميلاد، والقبطي المخالف 1منذ عدة أيام انشغلت السوشيال ميديا بمنشور منسوب لصفحة باسم “حنان ترك” تدعوا فيها لعدم الاحتفال بال ولا أي مظاهر تخصه، وهاجمها كثيرون لهذا السلوك المتطرف، ورغم أنها ليست المرة الأولى لحدوث هذا الأمر، إلا أن الموضوع أخذ زخمًا ونقاشًا لعدة أيام، فمنذ عدة سنوات اعتدنا فتاوى تحريم تهنئة المواطنين المصريين الذين يدينون بالمسيحية بأعيادهم، ولكن هذه الدعوات المتطرفة واجهها مواطنون مصريون يدينون بالإسلام بمنتهى القوة، وكانوا يقدمون التهاني بالأعياد لمواجهة الدعوات المتطرفة، وكانت هذه الدعوات تسبب ألما وضيقا للمسيحيين إلا أن هناك قطاعًا منهم رغم شكواه من هذه الدعوات المتطرفة، مارسها بنفسه بطريقة أخرى مع المسيحيين الذين يحتفلون ب في 25 ديسمبر من كل عام رافضًا الاحتفال معهم أو تهنئتهم.

الكيل بمكيالين

ما يدعو للتساؤل هو كيف تجرؤون على الشكوى وتوجيه الانتقاد لحنان ترك لما في رسالتها من تشدد وتطرف وأنتم تمارسون نفس هذا التطرف والتشدد مع آخرين؟

لا توجد لدي إجابة سوى أن كل من يشعر أن لديه شيئًا من القوة يحاول ممارسة قهر وتشدد على من يعتبره أضعف منه، وهذا ما يفعله بعض من المصريين المسيحيين المنتمين لل الأرثوذكسية مع أتباع الكنائس الأخرى باعتبار أن (الأقباط الأرثوذكس) الأكثرية العددية من المسيحيين داخل مصر.

عيد الميلاد، والقبطي المخالف 3منذ عدة سنوات ظهرت صورة على مواقع التواصل الاجتماعي، يتفاخر من صممها بكونه “مسيحي أرثوذكسي ولا أحتفل بأعياد الكاثوليك.. أنا عيدي  29 كيهك”، وكأن العيد الذي يحتفل به الكاثوليك وغيرهم من الكنائس المختلفة حول العالم في 25 ديسمبر ليس تذكارًا لميلاد السيد المسيح على الأرض، ونحن لا نعرف لا اليوم ولا الشهر  ولا السنة التي ولد فيها المسيح تحديدًا، وكل ما يتم هو مجرد نظريات وتخمينات غير مؤكدة تمامًا، فإذا كنتم بهذا التشدد أيضا مع المسيحيين الكاثوليك وغيرهم الذين هم من نفس ديانتكم فلماذا الشكوى من بعد المتشددين من غير المسيحيين الذي يرفضون تهنئتكم؟

هل تناسيتم قول المسيح “لأن الكيل الذي تكيلون به يكال لكم ويزاد”، وحقًا أنه يزاد.

وَقَالَ لَهُمُ: «انْظُرُوا مَا تَسْمَعُونَ! بِالْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ وَيُزَادُ لَكُمْ أَيُّهَا السَّامِعُونَ.

(مرقس 4: 24)

العار أن تتحكم فينا مغاغة وأطفيح

منذ عدة سنوات ظهرت دعوات تطالب بتوحيد عيد الميلاد بين جميع الكنائس، فهناك من يحتفل به يوم 25 ديسمبر وهناك من يحتفل به يوم 7 يناير، والسبب ليس عقائدي أو إيماني، وإنما لاختلاف التقويم الذي تتبعه كل كنيسة، فكان الرد من والعدوة، وكذلك من الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، برفض هذا الدعوات، وأدعى أحدهم بأن “الوحدة في الإيمان قبل الوحدة في الأعياد“، بينما قال الآخر في فيديو إن يوم 29 كيهك من التقويم المصري القديم -المعاد إحيائه كنسيًا منذ عام 284م باسم تقويم الشهداء واستخدمته الكنيسة في تحديد أعيادها ومناسباتها-  “هو اليوم الذي ولد فيه السيد المسيح، كما قال الآباء”، ولم يذكر أي آباء ذكروا هذا، وأكمل حديثه: “يكون في 29 كيهك الموافق 7 يناير أقصر نهار وأطول ليل”، وهذا الكلام غير دقيق فقد حدث الانقلاب الشتوي هذا العام في 21 ديسمبر 2021، وليس 7 يناير 2022، بينما حدث الانقلاب الشتوي في عام 2019 الذي تم تصوير هذا الفيديو خلاله في 22ديسمبر 2019 وليس 7 يناير 2020 كما أدعى.

 

 تطور الحسابات وزيف الادعاءات

تحدد الاحتفال بعيد الميلاد في القرن الرابع الميلادي، وتم الاتفاق على يوم 25 ديسمبر ب، الموافق 29 كيهك بال، ويروج الرافضون من الكنيسة القبطية الأرثوذكسية لفكرة أو ضبط التقويم القبطي الذي تتبعه الكنيسة حاليًا، لفكرة أن تقويمنا هو الأدق، وبذلك نحن من لا يجب أن نغير مواعيد الاحتفال بل على الآخرين أن يتبعونا، ولكن هذا الادعاءات غير صحيحة، فالتقويم المصري القديم الذي بدأ منذ 6262 عاما، غير التقويم القبطي الحالي الذي بدأ عام 284م وهي سنة اعتلاء حكم ، فالمتشابه بينهم هو استخدام أسماء الشهور المصرية فقط.

ففي 11 سبتمبر 2021، نشر موقع المصري اليوم خبرا على لسان الدكتور جاد القاضي، رئيس المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية، الذي أكد أن جميع الدراسات العلمية (سواء كانت فلكية أو أثرية أو كانت عربية أو أجنبية) اتفقت أن المصريين القدماء هم أول من قاموا بحساب طول السنة الشمسية عن طريق رصد ما يسمى بظاهرة الشروق الاحتراقي ل وعرفوا أن طول السنة 365،25 يوم وسمى بالتقويم المصري القديم الذي بدأ منذ 6262 عاما وينسب إلى «توت» رب الحكمة والكتابة في عقيدة المصريين القدماء الذي توصّل إلى أول حساب للأيام عرفه الإنسان.

وأن هذه الظاهرة تحدث مع بداية فيضان النيل في شهر يوليو من كل عام حسب خط عرض المكان ففي القاهرة بداية شهر توت فلكيا هو 24 يوليو من كل عام. ولأسباب سياسية أمر الإمبراطور «» بتغيير بداية التقويم المصري ليبدأ يوم 29 أغسطس من كل عام ليتزامن مع التقويم اليوناني الجديد (وهو أساس التقويم الجريجورى الذي يسير عليه الغرب إلى اليوم)، وهكذا ظهر إلى الوجود “التقويم القبطي” أو “التقويم السكندري” الذي يختلف عن التقويم المصري الفرعونى في بدايته فقط.

عدّ تاريخ تقلد الإمبراطور الروماني دقلديانوس حكم مصر بداية للتقويم القبطي تخليدًا للشهداء الأقباط الذين نكل بهم هذا الإمبراطور الوثني لتمسكهم بعقيدتهم المسيحية ورفضهم تأليهه وعبادته، وتم تحديد بداية التقويم القبطي على هذا الأساس بيوم 29 أغسطس من عام 284 ميلادية، الذي قابل بداية شهر توت وهو الشهر الأول في التقويم القبطي وبعد عدة تصحيحات في التقويم الميلادي في منتصف القرن السادس عشر بات يوم 11 سبتمبر هو بداية السنة القبطية البسيطة، و12 سبتمبر بداية السنة القبطية الكبيسة. والثلاثة عشرة يوما ما بين 7 يناير و25 ديسمبر هو نفس الفرق ما بين 29 أغسطس و11 سبتمبر، وهو فرق أيام التصحيح بين التقويم اليولياني والجريجوري.

وقد احتفظ الأقباط بالنظام الفرعوني للتقويم المصري على أساس أن السنة الشمسية تضم 12 شهرا عدد أيام كل منها 30 يومًا يلحق بها أيام شهر النسيء، وعدد أيامه إما 5 أيام في السنة البسيطة، أو6 في السنوات الكبيسة، وتم الاحتفاظ بأسماء الأشهر القبطية ال 12 كما عرفت بها في التقويم الفرعوني منذ الأسرة الخامسة والعشرين في عهد الاحتلال الفارسي لمصر، هي بترتيب تواليها: توت، بابه، هاتور، كيهك، طوبة، أمشير، برمهات، برمودة، بشنس، بؤنة، أبيب، مسرى، ونسئ.

إذن فأي ادعاء يربط بين تقويم الشهداء (القبطي) والتقويم المصري القديم هو باطل، لأن السنة المصرية القديمة تبدأ فلكيا في 24 يوليو، عند مشاهدة الشروق الاحتراقي لنجم الشعرة اليمانية “سبدت”، وبسبب أغسطس قيصر تم ترحيل بداية السنة المصرية لتبدأ في 29 أغسطس، وكان أخر تطور للتقويم هو حساب أن السنة مدتها 365 يومًا و6 ساعات، ولكن مع الوقت وبالتحديد في 1582 م أي في القرن الـ16 اكتشف العلماء كريستوفر كلافيوس ويوهانس كيبلر في زمن بابا روما جريجوري الـ13 إن الاعتدال الربيعي، أصبح يقع في 10 مارس بدلا من 21 مارس، وبذلك انتهى يوم 4 أكتوبر1582، وأصبح اليوم التالي له هو 15 أكتوبر وليس 5 ليتم ضبط التقويم بالمقاييس الجديدة، حيث أن مدة السنة هي 365 يوم و5 ساعات و48 دقيقة و46 ثانية أي هناك فارق 11 دقيقة و14 ثانية، عن طريقة الحساب القديمة للتقويم الذي كان يعرف باسم “اليولياني” -نسبة ل- وتحول اسمه إلى الجريجوري.

مختلفين في الإيمان متحدين في التقويم والعكس

العجيب كل العجب في قصة عيد الميلاد، هو أن كنائس اتفقت في الإيمان وتختلف في موعد العيد، بينما كنائس اختلفت في الإيمان تتفق في موعد العيد، فمعروف أن أول انشقاق حدث كان في مجمع خلقدونية 451م وفيها انفصلت وأصبح اسمها “القبطية الأرثوذكسية” وكنيسة أنطاكية وأصبح اسمها “السريانية الأرثوذكسية”، عن كنيستي روما والقسطنطينية، وفي 1054م حدث بين الأخيرتين، وعرفت القسطنطيينة باسم “”، وبعد سقوط القسطنطينية على يد العثمانيين في 1453م أصبح أهم كنائسها و.

ويحتفل بعيد الميلاد يوم 7 يناير كلا من الكنيسة القبطية الأرثوذكسية (لا خلقدونية)، وكذلك كنيسة روسيا الأرثوذكسية (خلقدونية)، وهما كنيستان مختلفتان في الإيمان ولكن اتفقتا على عدم قبول تعديلات البابا جريجوري على التقويم، بينما تحتفل كنيستا السريان والأرمن الأرثوذكس المتحدين في الإيمان مع الكنيسة القبطية، وكنيسة اليونان المتحدة في الإيمان مع كنيسة روسيا يوم 25 ديسمبر حسب التقويم الجريجوري مع .

كنيسة عالمية لا يعرف قيمتها محدودي الفكر

إن دعوات ضبط التقويم القبطي على أحدث طريقة لقياس السنة، ليست إلا تصحيح خطأ قديم وتطور لمسايرة حركة الزمن بدلا من الوقوف للتباه بماضٍ لم يعد منه لدينا إلا سيرته ونبتعد كل البعد عنه، والاعتراف بالخطأ وتصحيحه من شيم الكبار، وكنيسة الإسكندرية هي كنيسة كبيرة وعريقة، وكانت في يومًا من الأيام تقود المسيحيين لاهوتيًا وفكريًا، ولم تنحسر عن دورها العالمي إلا بانغلاقها على ذاتها، من بعد خلقدونية وتغيرت هويتها من “الإسكندرية” إلى “القبطية الأرثوذكسية”.

هذه الكنيسة التي عانت كثيرًا طوال تاريخها، لم تعد اليوم منحسرة داخل مصر، بل مع حركة هجرة المواطنين المصريين وفي القلب منهم المسيحيين منذ خمسينيات القرن الماضي، امتدت هذه الكنيسة من داخل مصر إلى قارات العالم الست المأهولة بالسكان، وأصبح لها أتباع لهم ثقافة مختلفة، فأبناء الجيل الثاني والثالث من المصريين المهاجرين، هم أبناء بلدانهم وثقافتهم ومجتمعاتهم التي نشأوا فيها، ومن العار أن يتحكم في هؤلاء مغاغة أو أطفيح أو المنوفية، وليس المقصود المدن بل المسؤولين عن هذه الإيبارشيات، فكنيسة الإسكندرية يجب أن يتسع صدرها لتشمل الجميع باختلافاتهم وثقافتهم المتنوعة، وضبط التقويم القبطي هو تصحيح وضع خاطئ وفي نفس الوقت يجعل أبناء كنيسة الإسكندرية مرتبطين بكنيستهم ومندمجين مع مجتمعاتهم غير منفصلين عنها ولا يشعرون أن كنيستهم تقف حجر عثرة في هذا الاندماج.

من غير الطبيعي أن يعيش المصري المسيحي فترة إجازة عيد الميلاد من 24 ديسمبر إلى 6 يناير في بعض الدول، ويوم الاحتفال بالعيد حسب تقويمنا الخاطئ. يجد الأطفال أنفسهم في الامتحانات وآبائهم في العمل لانتهاء إجازة العيد، فلماذا التشدد في موعد العيد وهو أمر له علاقة بالحسابات التي يحسمها العلم وليس له علاقة بالإيمان والعقيدة؟ ثم إذا كان التاريخ يسمى بالميلادي نسبة لميلاد السيد المسيح أليس من باب أولى إتباعه، ورغم ذلك لم يطالب أحد بالتنازل عن التاريخ القبطي بل ضبطه وفق تطورات العلم الحديث كما حدث في التاريخ الميلادي/ الجريجوري، وهذا سيعيد 29 كيهك ليوافق 25 ديسمبر، كما أن الـ13 يومًا فرقًا بين التقويمين سيتم إزالتهم وسينعكس هذا على وهو موضوع له مقالًا آخر.

فهل يدرك أساقفة مجمع كنيستنا قيمة هذه الكنيسة التي هي اليوم عالمية؟ أم يتعاملون معها بمنطق أنها “بيعة” محلية في قرية صغيرة في ريف مصر؟

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

بيتر مجدي

باحث وكاتب صحفي متابع للشأن الكنسي وشؤون الأقليات.
زميل برنامج زمالة الأقليات- مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان- ، جنيف/ ستراسبرج 2023.
زميل برنامج "" () لشبونة 2022.

‎ ‎ نحاول تخمين اهتمامك… ربما يهمك أن تقرأ أيضًا: ‎ ‎