ظل الباحثون يدرسون تلك المجموعة التي تعرف باسم “تاركو الكنائس” وهى مجموعة يتزايد عددها في السنوات الأخيرة. وبعض أولئك التاركين هم مؤمنون حقيقيون، لكنهم صاروا محبَطين من الكنائس. وقد قطع هؤلاء الرجال والنساء عهدَ علاقةٍ قلبيًا وحقيقيًا بالسيد المسيح، ولكنهم بدأوا يدركون بالتدريج، وعلى نحو مؤلم، أنَّ الروحانية المتاحة في الكنائس لم تقدم أي عمق حقيقي يُغَيِّر الحياةَ إلى صورة المسيح، سواء فيهم أم فيمن حولهم.
أين الخطأ؟ لقد كانوا تابعين مُخلصين ليسوع المسيح، لكنهم كانوا يصارعون كغيرهم في زيجاتهم وطلاقهم وصداقاتهم وتربية أولادهم، وعزوبتهم وحياتهم الجنسية وإدماناتهم وشعورهم بعدم الأمان، وكذلك في الرغبة في نوال قبول الآخرين، ومشاعر الفشل والاكتئاب في العمل، وأيضًا في الكنيسة والبيت. فما الخطأ في الكنيسة؟ ولماذا لم تستطع مساعدتهم؟
يتضمن قسم آخر من تاركي الكنائس، من ظلوا في الكنائس، لكنهم صاروا خاملين بعد سنوات من الإحباط واليأس، وأدركوا أن طريقة الأبيض والأسود التي تقدم بها حياة الإيمان لا تتلائم مع خبرات حياتهم، فقرروا التوقف -على الأقل داخليًا- غير أنهم ظلوا في الكنائس من أجل أطفالهم، أو بسبب عدم وجود بديل لكن بصورة سلبية. ورغم أنهم لا يستطيعون تشخيص المشكلة بدقة، فإنهم يعرفون أن هناك شيئا ما ليس سليمًا. هناك أمرٌ ما مفقود، لكنهم لا يعرفونه، ولا يعرفون ما يفعلونه إزاءه.
وهناك مجموعة ثالثة ممن قرروا التخلي عن إيمانهم تمامًا، بعد ملوا من حالة التوقف التي يعانونها في مسيرتهم الروحية، وصاروا يشعرون بالإحباط كلما رأوْا أنَّ المؤمنين حولهم غالبًا ما يكونون غضوبين وعنيدين ومعتدين بآرائهم ودفاعيِّين ومتكبرين ومشغولين تمامًا حتى إنه ليس لديهم وقت لمحبة يسوع الذي يشهدون عنه، مع أن هؤلاء يعرفون الله ومنخرطون في الكنيسة، ويُبدون حماستهم باستمرار. وجراء ذلك صار الإيمان عندهم أشبه بعناء أكثر من كونه قيمة لحياتهم. لذا بات الجلوس في المقاهي وقراءة الصحف في عطلة نهاية الأسبوع الخيار الأفضل بدلًا من الذهاب إلى الكنيسة.
لقد مر وقت في حياتي كان أكثر ما أتمناه هو أن أكون ممن يتركون الكنيسة. لقد كان الألم الشديد الناتج عن أزمة كبيرة في حياتي يجعلني أتلوى من الغضب والخزي، فأنا من حاول باجتهاد وإخلاص أن يكون مسيحيًا مُخلصًا ملتزمًا تجاه خدمة الرب وملكوته. كيف انتهت بي كل جهودي هذه إلى تلك الحالة السيئة التي وصلت إليها؟
ظل الأمر هكذا حتى وصل الألم إل درجة كشفت ما تحت سطح “المسيحي الصالح“، وواجهت طبقات متراكمة من حياتي الوجدانية الداخلية التي ظلت مدفونة ولم تلمسها بتاتًا قوة الله المغيرة. لقد كنت مشغولًا حتى إنه لم يكن لدي وقت لما أسميه حينها ”التحليل المرضي لأعماق نفسي“، كما أني كنت منهمكًا وعلى شفير الهاوية في عمل الله، فلم يكن لدي وقت لأحفر في مناطق أقل وعيًا من إدراكي المباشر. لكن عندما تعرضت لمشكلات حقيقية في حياتي، دفعني الألم لأن أواجه حقيقة أن يسوع لم يخترق مني إلا طبقات سطحية جدًا مع أنّي كنت مسيحيًا حقيقيًا على مدى أكثر من عشرين سنة.
عندئذ اكتشفت الحقيقة الجذرية التي غيرت حياتي وزواجي وخدمتي، وفي النهاية غيرت الكنيسة التي كان لي امتياز أن أخدمها. لقد كانت حقيقة بسيطة لكني لم أدركها، ويبدو أنها أيضا حقيقة لا تدركها الغالبية العظمى من التيار الذي أنتمي إليه؛ فأنا أؤمن بأن الحقيقة البسيطة العميقة قادرة على إحداث تغيير ثوري في حياة الكثيرين ممن أصابهم اليأس من محاولة عيش إيمانهم المسيحي. والحقيقة أن الصحة النفسية والنضج الروحي لا يمكن أن ينفصلا.
“تاركو الكنائس”، عن كتاب بيتر سكزيرو، “الروحانية الناضجة وجدانيًا”
أرشح الكتاب للقراءة بشدة..