“أنتم نور العالم” كانت دعوة واضحة وصريحة من السيد المسيح لأتباعه بأنهم “نور للعالم”، وكذلك دعاهم بـ”ملح للأرض”، ورغم ضآلة قيمة الملح بالنسبة لمكونات الطعام الأخرى إلا أن وجوده مهم لضبط مذاق الطعام، ولكن رغم كل هذه الدعوات من المسيح لأتباعه بأن يكونوا مؤثرين في العالم بشكل إيجابي، إلا أن في مصر تقع في تناقض كبير مع هذه الدعوة، إذ إن خطابها اللاهوتي يطلب من أتباعها أن “ينعزلوا عن العالم” وأنهم “ليسوا من العالم”، وأن “يهتموا بالأبدية ولا يلتفتوا للأرضيات”، فكانت النتيجة عزلتهم وخروجهم من المجتمع وانحصارهم داخل أسوار الكنيسة بالتزامن مع ظروف البلد في السبعينات وصعود الجماعات المتشددة مثل الإخوان والصراع بين الرئيس وال.

لا أخفيكم سرا أن هذا الخطاب رغم أنه رد فعل على الظرف السياسي الذي مرت به مصر وارتفاع وتيرة الأحداث الطائفية، إلا أنه لاقى قبولا وارتياحا لدى أغلب ال في الكنيسة، فهو خطاب يجعل من المواطن المصري المسيحي عجينة لينة في يد الأب الكاهن والأسقف والبابا، يجعله يشعر بالغبن والاضطهاد والخوف وحينما يحتاج لشيء فعليه اللجوء للكاهن والكنيسة لمساعدته في أمور ليست من اختصاص الكنيسة، مثل المشاركة السياسية والإدلاء بالصوت في الانتخابات، وصولا لفتح مكاتب توظيف داخل الكنائس، فأصبحت الكنيسة مجتمع بديل للمجتمع الكبير الذي يجب أن يعيش فيه كافة المواطنين المصريين باختلاف انتماءاتهم الدينية أو السياسية.

يشير البعض إلى أن هذا مجرد رد فعل على ما حدث من لفظ للمواطنين المصريين المسيحيين من المجتمع الكبير، ربما يكون هذا صحيحا لكنه ليس عذرا كافيا، لأنه بدلا من الانسحاب كان يجب على الكنيسة أن تبث في أولادها خطاب لاهوتي يحثهم على المشاركة وعلى عدم الخوف والجبن والابتعاد عن المجتمع، بل كان يجب أن تشجعهم على حب بلدهم والانتماء لها والعمل من أجلها ومن أجل الحصول على حقوقهم كاملة كمواطنين مصريين.

لن أوجه كلامي للكنيسة كمؤسسة يترأسها البابا بل سأوجه كلامي للكنيسة (جماعة المؤمنين) وبمعايير المواطنة في الدولة المدنية الحديثة هم المواطنين المصريين الذين يدينون بالمسيحية، أنتم مصريون قبل أن تكونوا مسيحيين، أنتم أبناء هذه الأرض، أجدادكم أقاموا حضارة عظيمة على هذه البقعة من الكوكب مازالت تطل إلى الآن من نافذة عظيمة على التاريخ، أجدادكم أيضا كانوا مؤثرين في تاريخ المسيحية وفي تأسيس اللاهوت كعلم قبل أن يصيب الاضمحلال الفكري منذ منتصف القرن الخامس الميلادي وما بعده. لا يجب أن تخافوا، ولا تقفوا مكتوفي الأيدي في انتظار حقوقكم كمواطنين مصريين، بل اسعوا وتحركوا وساهموا في بناء مجتمعكم، وهذه دعوة المسيح الأساسية لأتباعه من المؤمنين: “أنتم نور العالم وملح الأرض ولا يمكن أن تخفى مدينة كائنة على جبل ولا يوقدون سراج ويوضع تحت المكيال”. لا تنتظروا من الإكليروس أن يمثلونكم لدى الدولة، فهذا ليس دورهم، أنتم مواطنين لديكم حقوق وعليكم واجبات تجاه الوطن.

وسأقول للكنيسة (المؤسسة) والممثلة في الشكل الهرمي، رجاءًا راجعوا خطابكم الانعزالي الموجه للمؤمنين، هذا الخطاب لا يضر المواطنين الذين يدينون بالمسيحية فقط، لكنه يضر الكنيسة ككل ويضر مصر كلها، اجعلوا خطابكم تحفيزي للناس للمشاركة والتواجد، اجعلوا خطابكم محرر من الخوف، اجعلوا خطابكم كخطاب المسيح المشجع، والذي لفتيلة مدخنة لم يطفئ، هذه السيطرة المزعومة والتي تم بناؤها على مدار 50 عاما ليست في صالح أحد، ولا في صالح الإكليروس خصوصا (الآباء الكهنة) الذين صاروا محملين بأعباء اجتماعية تجاه المؤمنين جارت على دورهم الروحي والذي الهدف منه مساعدة الجميع على الاقتراب من المسيح.

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

بيتر مجدي

باحث وكاتب صحفي متابع للشأن الكنسي وشؤون الأقليات.
زميل برنامج زمالة الأقليات- مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان- ، جنيف/ ستراسبرج 2023.
زميل برنامج "" () لشبونة 2022.

‎ ‎ نحاول تخمين اهتمامك… ربما يهمك أن تقرأ أيضًا: ‎ ‎