تجلس الأمهات مع غالبية الفتيات اللاتي ولدن وكبرن في الكنيسة الأرثوذكسية عند بلوغهن لا ليسمعن حقائق الحياة فقط والتغييرات التي شاء الله أن نمر بها وأملنا أن نصبح أمهات يومًا ما، بل يعد هذا أيضًا وقت تعليم الأمهات لنا عن طقس عدم الطهارة أو تقليد النجاسة الجسدية.

الأمهات الأرثوذكسيات التقيات يعرفن بناتهن الصغار الشديدي التأثر أنهن حين يكون عليهن دم الحياة، أنهن في فترة من النجاسة وبالتالي عليهن ألا يلمسن أي شيء خاص بعبادة الله. هذا يتضمن قراءة الكتاب المقدس، تقبيل الأيقونات، إضاءة الشموع أو القناديل، تحضير خبز التقدمة، تقبيل يد الكاهن، والابتعاد عن ال عمومًا وال بشكل خاص.

بعض الفتيات يقبلن ذلك بهدوء كحقيقة نسوية. بالنسبة للغالبية، يصبح هذا بمثابة عقبة في طريق النمو الروحي، وسببًا لكراهية الممارسات الكنيسة التي تعد بلا معنى بالنسبة للسيدات المتعلمات. فلو أن الله خلق المرأة وأعطاها أن تمر بالطمث منذ بلوغها كي يجعل جسدها قادر على جلب الحياة وبهذا تشترك مع الله في طاقته الخلاقة، فلماذا يعاقب الله النساء بمنعهن من شتى أنواع العبادة والتقوى وهن عليهن دم الحياة؟

ناموس العهد القديم:

كُتبت قوانين الطهارة الطقسية أولًا في سفر اللاويين، ثالث الخمسة والموجودة بالعهد القديم. أول هذه القوانين يتعامل مع تطهير النساء بعد الولادة في لاويين 12. ويُلاحظ مباشرًة ثلاثة أشياء عن هذا القانون الذي يشكل إصحاحًا كاملًا من سفر اللاويين.

أولًا، هناك تفضيل للمولود الذكر حيث تظل المرأة نجسة أسبوع واحد، يتبعه 33 يوما من بعد الختان ، وبالتالي تصبح نجسة لمدة 40 يوما. أما المولودة الأنثى، تعد الأم نجسة لمدة أسبوعين بالإضافة ل66 يوما فيصبح المجموع 80 يوما. بالتالي، تعد الأم التي وضعت طفلة نجسة ضعف الأمهات اللاتي وضعن أطفالًا ذكور.

ثانيًا، غير مسموح للنساء فترة نجاستهن أن يدخلن خيمة الاجتماع المقدسة، أي موضع العبادة. ويجب ألا يقدمن تقدمات عند الباب وألا يقابلن الكهنة هناك.

أخيرًا، تعد النجاسة مساوية للخطية، حيث يتحتم عليها أن تقدم ذبيحة خطية. لذلك، فحسب ناموس العهد القديم الموسوي، الأم التي تضع أطفالًا تعد في مقام الخطاة حتى يتم تطهيرها من طمثها.

نجاسة المرأة خطية، ونجاسة الرجل طقسية:

يوجد قانون ثاني في ناموس العهد القديم يتعامل مع النجاسة الطقسية (أو الشعائرية) في لاويين 15: 16-33. هذا القانون يتعامل مع مسألة النجاسة سواء بالنسبة للرجال أو النساء. وهنا توجد بعض المسائل المثيرة للدهشة التي لابد من ذكرها.

الأمر الأول والأكثر أهمية هو أن الرجال لا يتم استثنائهم من قوانين الطهارة الطقسية. فأي رجل تخرج إفرازات من جسده سواء في إطار العلاقة الجسدية أو الاستحلام، يعد غير طاهر إلى غروب اليوم التالي. كذلك لو كان هناك تواصل جسدي بين رجل وامرأة دمها عليها، أو أي شيء لمسته، سواء كان مقعد أو سرير، يصبح هو أيضًا غير طاهر حتى المساء. وإذا اضطجع رجل مع امرأة وقت طمثها وتلامس مع دمها يصير غير طاهر مدة سبعة أيام، ويصير أي شيء يلمسه غير طاهر للمساء تمامًا كالمرأة الحائض. أما لو اضطجع على سريرها ومارس العلاقة الجسدية معها فيقطع من الشعب (لاويين 20: 18).

أما النقطة التالية فهي أن المرأة وقت طمثها تكون غير طاهرة سبعة أيام، وكل ما أو من تلمسه يصير نجسًا حتى المساء. أما المرأة التي يتعدى طمثها مدة السبعة أيام الخاصة بالطمث وتعاني من نزيف غير الطمث الشهري أو في وقت غير الوقت الطبيعي لطمثها، فتعد غير طاهرة لمدة سبعة أيام إضافية. وفي اليوم الثامن يتحتم عليها أن تأخذ يمامتين أو فرخي حمام وتعطيهم للكاهن (مثل الأم بعد الإنجاب) لباب خيمة الاجتماع. ويقدم الكاهن أحدهم كتقدمة خطية والآخر كمحرقة كحال المرأة التي تتعدى فترة طمثها مدة الأسبوع حيث تعد مريضة وبالتالي خاطئة في احتياج لكفارة. لذلك، نجد في العهد القديم رباط وثيق بين النجاسة الجسدية والمرض والخطية.

قوانين الآباء الأولين:

وجدت الممارسات اليهودية لنفسها طريقًا لعالم العهد الجديد وأصبحت موجودة في قوانين الاباء الأولين. إنه أمر عجيب أن نواميس اللاويين الخاصة بالعهد القديم تتخلل كنيسة المسيح، خصوصًا بعد ما علم الرب بقوة ضد التعامل الحرفي مع الناموس كسبيل للخلاص بدلًا من روح الناموس وبعد تعاليم ق. بولس القوية ضد تهويد المسيحية. على الرغم من ذلك، وضعت الكنيسة في حكمتها لأسباب عملية قوانين تعلن الحق وتنظم العوائد.

يمكن التعرف على قوانين الآباء الأولين من المجلدات التي تتضمنها ولكني قررت الاعتماد على المجلد الأشهر والأحدث في الكنيسة الأرثوذكسية المعروف بـ”الردر” أو ال، الذي جمعه الآثوسي، والذي جمعه في أواخر القرن السابع عشر لفحص كتابات الاباء الأولين. يوجد العديد من القوانين المختصة بالطهارة الجسدية في هذا المجلد وسنقوم بمعالجتهم واحد تلو الأخر.

أول قانون يتعلق بموضوعنا هو القانون الثاني من وضع ق. ديونيسيوس السكندري بابا الإسكندرية الثالث عشر والذي عاش في منتصف القرن الثالث الميلادي. نص القانون:

بخصوص النساء الحوائض وعما إذا كان من الممكن أن يدخلن هيكل الله في هذه الحالة، فأعتقد أن هذا السؤال لا لزوم لوضعه من الأساس. لأني أعتقد، أنه ولا هن أنفسهن إن كن مؤمنات وتقيات، يجترئن أن يقتربن من المائدة المقدسة أو يلمسن جسد ودم المسيح وهن في هذه الحالة. لأنه ولا حتى المرأة نازفة الدم اثنتا عشر عام لمسته هو بالفعل، بل فقط لمست هدب ثوبه كي تشفى. فلا مانع من الصلاة أو تذكر الرب أو تقديم الطلبات لنوال المعونة، أيًا كانت حالة الشخص وأيًا كان الوقت؛ ولكن إن كان الشخص غير طاهر جسدًا ونفسًا، فيجب أن يمتنع من الاقتراب من قدس الأقداس.

(كتاب البيذاليون، القانون الثاني)

يعلن ق. ديونيسيوس أن حتى النساء أنفسهن لا يجترئن على التقرب من الكأس وقت دورتهن الشهرية. مع هذا فهو لا يعطي تفسيرًا لذلك. وهنا لابد من وضع سؤالين إزاء كلماته:

أولًا، هل النساء في هذه الفترة امتنعن عن حضور الخدمة أو الاشتراك في الكأس بسبب قلة استعدادات النظافة الجسدية وقت الطمث آنذاك؟ أم كانت النساء في ذلك الوقت متأثرات بالمتهودين الذين قال بولس أنهم أرادوا أن يحفظوا الناموس؟ فعلى الرغم من قوة حجة بولس ضد التهود بمعالجته لمسألة ختان الذكور إلا أنه من الوارد أن تكون القوانين الخاصة بطهارة النساء استمر تسليمها بين النساء وبعضهن البعض وبهذا الشكل تم انتشار هذه القوانين في العهد الجديد.

توقعي أن قلة استعدادات النظافة أدى لشعور النساء بعدم الراحة أو الحرية في دخول مبنى الكنيسة وقبول الأسرار، فجاء هذا القانون لا لمنع النساء بقدر ما كان الهدف منه اعطائهن عذرًا لعدم اشتراكهن في الأسرار حيث اشترك الشعب في الإفخارستيا يوميًا آنذاك. فالنساء اللاتي عشن في هذه الأيام كن مرتبطات بسريرهن حتى انتهت فترة طمثهن. فعادات النظافة الجسدية في ذلك الوقت تضمنت البقاء في مكان واحد لمدة سبعة أيام حتى لا تتنجس الأماكن الأخرى التي قد يتلامسن معها. فلو لم تظهر العادات الصحية الحديثة، لكانت النساء في أيامنا مترددات في حضور الكنيسة أو ترك منازلهن تمامًا كنساء القرن الثالث. فعلى ما يبدو أن قلة أدوات النظافة في ذلك الوقت كانت أغلب الظن سببًا رئيسيًا في تردد النساء في الاشتراك في الإفخارستيا.

نساء اليوم محظوظات لقدرتهن على الخروج والدخول كيفما شئن فترة الدورة الشهرية دون أن يدري أحد بأي شيء. فلو كان سبب ديونيسيوس هو عادات النظافة، فهذا السبب لم يعد له معنى في أيامنا وتحتاج الكنيسة لإعادة النظر في موقفها من الطهارة الجسدية. أما لو كان السبب راجع لقوانين اللاويين، يجب على الكنيسة أن تعيد النظر في موقفها اللاهوتي المترتب على هذا القانون في ضوء التعليم الأرثوذكسي الخاص بالخلاص بالنعمة. على الكنيسة أن تعيد النظر بجدية ما إذا كان تفسير ديونيسيوس الخاص بالطهارة الجسدية متماشيا مع تعليم الكنيسة فيما يخص الخلق، والخلاص، ولاهوت الأسرار، والإفخارستيا بشكل خاص.

حجة ديونيسيوس المبنية على المرأة نازفة الدم التي لمست المسيح وليس شخصه هو (أي جسده) لا أساس لها، حيث إن النساء في زمن المسيح لم يكن مسموح لهن أن يتحدثن مع الرجال في المناطق العامة، فما بالك لمس أجسادهم. لا بد أن نتذكر أن هذه المرأة كانت مرتبطة بالناموس القديم وكل ما لمسته كان يعد غير طاهر. وعلى الرغم من لمسها فقط لهدب ثوب المسيح إلا أن ذلك الفعل يعتبر كافي جدًا لتنجيس أي رابي أو معلم شريعة يهودي حتى المساء (لاويين 15: 19-30).

في عظة ق. يوحنا عن المرأة نازفة الدم في لوقا 8: 46، يذكر أن يسوع عرف أن ثمة شخص لمسه لأن شعر بقوة تخرج منه. بالتالي فإن جسده قد تأثر، ومن المؤكد أنه عرف أنه في نظر الناموس كإنسان يعد “غير طاهر”. ومع ذلك، فلم يحاول المسيح أن يخبئ الموقف. بل على العكس، أعلن الأمر ثم تحرك صوب منزل ابنة يايرس ليقيمها من الموت (متى 9: 18-25). فهل من الممكن لشخص غير طاهر طقسيًا أن يقيم الموتى؟ لا, لكن في هذه الحالة قد يقول ديونيسيوس أن المسيح لم يكن إنسانًا عاديًا لكنه إله كامل أيضًا ولا يوجد ما يستطيع أن ينجس الإنسان. وهذا حقيقي. فلماذا إذن لا يُسمح للمرأة للتقرب من الكأس لو أنهم لا يستطيعون أن ينجسوا الله؟ فالكأس الذي يحمل سر جسد ودم المسيح العظيم يُطهر ويُشفي.

كلمات ذهبي الفم في هذا الصدد هي كلمات جميلة وغاية في الحب. يقول عن المرأة نازفة الدم:

“فعلى الرغم من أنها كانت مقيدة بمرضها إلا أن إيمانها أعطاها أجنحة. وانظر كيف عزاها قائلًا “إيمانك خلصك”. حقًا الآن قد دعاها ليراها الكل, فقد كان من الممكن ألا يضيف هذا [أي قوله إيمانك خلصك] ولكنه قال هذا من ناحية ليعلم رئيس المجمع كي يؤمن، ومن ناحية ليكرمها، ومن ناحية أخرى ليعطيها بهذه الكلمات [أي إيمانك خلصك] كلمات طيبة مشجعة تتماشى مع حالتها الصحية الجديدة… لهذا السبب أتى بها أمام الجميع ومدحها وطرد خوفها خارجًا [لأنه مكتوب أنها أتت مرتعدة]؛ وأعطاها كلمات تشجيع مع صحة الجسد، وأعطاها أيضًا زاد لرحلتها في قوله “اذهبي بسلام””.

(القديس يوحنا ذهبي الفم، العظة 31 عن إنجيل متى)

فلم يتنجس المسيح ولم يعنفها أو يطردها لأنها لم تحفظ قوانين الطهارة. بل على العكس قبلها كابنه. ومن الهام جدًا أن نلاحظ أن يسوع لم يذكر أي شيء عن تعلق حالتها المرضية بأي خطية. فلم يعلق بأي شيء يأمرها فيه أن تذهب لتقدم كفارة عن خطاياها للكهنة كما يُحتم قانون اللاويين. فحين شفى البرص، أمرهم أن يذهبوا للكهنة ليتطهروا. فلماذا لم يأمر بهذا في حالة المرأة؟

والسؤال المحير هو الحالة اللائقة بالاقتراب من الإفخارستيا في نظر ديونيسيوس، فيقول إنه لا ينبغي أن يقترب أي شخص غير طاهر جسدًا ونفسًا ليشترك في الإفخارستيا. فمن يستطيع إذن أن يشترك؟ ألا يُعطى جسد ودم المسيح لتطهير الخطاة؟ فلو كان فقط الأطهار وذوي الفضائل والكاملين، حسب رأي ديونيسيوس، هم من يحق لهم الاقتراب من قدس الأقداس، إذن فلماذا يقتربوا من الأساس؟ أليسوا بالفعل طاهرين؟ مع ذلك فنحن نعلم أنه ما من أحد طاهر كليةً إلا المسيح فقط، فبالتالي، حسب وجهة نظر ديونيسيوس، لا ينبغي أن يقترب أي شخص على الإطلاق للإفخارستيا. أنا متأكدة أنه لم يكن هذا هو المقصود من كلمات ديونيسيوس بل بالحري يقصد أن من يقترب ينبغي أن يكون مجاهد الجهاد الحسن، وأن يقترب من الإفخارستيا في خوف (أو ورع) الله، ولكن لماذا ينبغي أن نعتبر الوظائف الطبيعية الجسدية مؤثرة على حالة الشخص الروحية أو شعوره بالورع تجاه الله؟

ومن يقرأ مقدمة قوانين ديونيسيوس، يجد أنه كان تلميذَا ل الذي تم إدانته نظرًا لرؤيته غير الأرثوذكسية للجسد البشري والجنس. ومع ذلك فهذا القانون الذي كتبه رجل واحد تم تقنينه في القانون الأول من المجمع المسكوني الرابع والقانون الثاني من المجمع المسكوني السادس، وبفعل هذا التقنين أصبح لهذا القانون درجة من القوة المسكونية إلى حد ما. كتب تيموثاوس رئيس أساقفة الإسكندرية في النصف الثاني من القرن الرابع ثمانية عشر قانونًا في صورة سؤال وجواب. في السؤال السابع، قال “إن كانت هناك امرأة تمر بالحالة الخاصة بجنسها، فهل يمكن أن تتقرب في هذا اليوم للأسرار أم لا” إجابة تيموثاوس على هذا السؤال كانت قصيرة جدًا: “لا ينبغي أن تفعل هذا إلى أن تتطهر“. نيقوديموس (الذي جمع القوانين في كتاب البيذاليون) يعلق بأن هذا القانون في توافق مع ديونيسيوس. ولكن ما معنى “أن تتطهر”؟ لا يوجد طقس تطهير للمرأة التي تمر بفترة الطمث الطبيعية في سفر اللاويين (لاويين 15: 30). فهل كان بالنسبة لتيموثاوس التطهير هو انتهاء الدورة الشهرية فقط أم أنه، كما كان الحال مع أنبياء العهد القديم، يطبق طقس تطهير من الخطية؟ وهل رأى الاباء أن حالات الجسد الطبيعية خاطئة؟

القانون الأخير المتعلق بهذه المسألة في كتاب البيذاليون من وضع ق. يوحنا الرابع بطريرك القسطنطينية الذي عاش في نهابات القرن السادس الميلادي. يتحدث أيضًا عن الطهارة الجسدية الخاصة بالرجال في حالة الاستحلام. فيقول:

“أي شخص تلوث في منامه بسبب خروج إفرازات جسدية [سائل منوي] لا يتقرب للأسرار لمدة يوم، لكن بعد قراءة المزمور الخمسين وعمل تسعة وأربعين ميطانية يعد طاهرًا.”

(كتاب البيذاليون، القانون السادس)

لذلك فحسب قوانين الاباء الأولين يمكن أن يمر الرجال بفترات يعدوا فيها نجسين وعلى عكس النساء يحتجن لطقس تطهير. والمثير للدهشة في هذا الموضوع أن لا يوجد من يعرف الأولاد فور بلوغهم بقانون الطهارة وطقس التطهير على عكس الفتيات وقت بلوغهن.

القانون السابع عشر الخاص بطهارة النساء من وضع ق. يوحنا مبني على قانون ق. ديونيسيوس لكن بتطور مثير للاهتمام. فيقول القانون:

“أما النساء اللاتي لهم مقعد منفصل [أي في فترة الطمث]، فعليهم ألا يلمسوا شيئًا مقدسًا لمدة سبعة أيام”

(كتاب البيذاليون، القانون السابع عشر)

حسب القانون الثاني لديونيسيوس والقانون السابع لتيموثاوس. وهذا عينه هو ما حتمه الناموس الموسوي ولم يُسمح لهن بممارسة العلاقة الجسدية مع الرجال لأنهم ظنوا أن هذا يُضعف البذرة ويجعلها سريعة الزوال. لهذا أمر موسى أن يُرجم أبو الطفل المعيب بسبب إدمانه وعدم صبره على امرأته حتى تتطهر. أما بالنسبة للمرأة التي تحتقر نجاسة هذه الفترة وتلمس شيء مقدس، فيؤمر بأن تقطع من الشركة لمدة أربعين يومًا.

في عام 1989، كنت أدرس بكلية الصليب المقدس اللاهوتية لل وسألت الرجال من الطلبة عما إذا كان علمهم أحد عن هذا القانون الكنسي وعما إذا كانوا تبعوه منذ بلوغهم. وكانت المفاجأة أن لم يوجد ولا رجل واحد على علم بمثل هذا القانون ولم يعلمهم ابائهم بوجود مثل هذا القانون. ومن كان على علم بمثل هذا القانون عرفه بعد بلوغه بسنين. والبعض لم يسمع به إلا حين بدأوا الدراسة بالكلية اللاهوتية.

كان شيء مدهش بالنسبة لي أن أعرف أن قوانين طهارة الرجال الجسدية لا تُتبع بدقة حتى بين الرجال الأتقياء الأرثوذكسيين. أما القوانين الخاصة بطهارة النساء الجسدية فظلت قائمة بسبب الأمهات اللاتي يسلمن هذا القانون لبناتهن في هدوء. فبينما يمكن للرجال أن يتطهروا بترتيل المزمور الخمسين وعمل تسعة وأربعين ميطانية ويتمكن له أن يتناول، نجد أن المرأة التي تتجرأ على التقرب للأسرار وقت طمثها تعاقب كنسيًا بالقطع من الشركة أربعين يومًا, ومن المثير للاهتمام أن نفس القانون يُطبق على من يمارس العادة السرية أو أي خطية جنسية خاصة بالجسد,

فإنه لشيء محير وصادم أن نقرأ أن عقوبة الاشتراك في الأسرار الإلهية في وقت يمر فيه الشخص بحالة جسدية طبيعية من صنع الله يتساوى مع الخطية الجسدية، التي تمنع الشخص من أن يرى ملكوت الله (حسب 1 كورنثوس 6: 9-10 وأفسس 5: 5). من الواضح أن واضعي القانون عانوا من سوء فهم طبيعة الطمث، وهدفها الذي رسمه الله، وكيفية تأثيرها على الحالة النفسية والروحية للمرأة. فالمرأة تحتاج لله في هذا الوقت أكثر من أي وقت آخر حيث أنها تمر بأعراض ما قبل الحيض من ألام جسدية ونوبات خوف وبكاء ودوخة وتغيرات هرمونية. فتحتاج النفس في هذا الوقت لقوة المسيح الشافية لتطببها.

أن نعاقب المرأة المحتاجة لشفاء وغذاء روحي في وقت حاجتها الشديدة لذلك بسبب جرأتها في الاقتراب من ولمس المسيح بأن نبعدها عنه لمدة أربعين يوم إضافية هو أمر خالي من الرحمة المسيحية وأمر متضارب تمامًا مع تعاليم المسيح نفسه.

هل من الممكن إذن دحض مثل هذه القوانين الابائية؟ كنيسة المسيح تتبع فقط التعاليم الآبائية التي عليها اتفاق وإجماع. فهناك بعض من آباء الكنيسة الذين واجهوا التخاريف وقوانين الطهارة بقوة مثل ق. يوحنا ذهبي الفم كما سنرى فيما بعد.

تنويه من المترجم: لم يتطرق البحث لما قاله  عن الطمث أو رسالة أنطونيوس عن الإفرازات الجسدية حيث اعتمدت الباحثة على كتاب البيذاليون وهو يعد من كتب القانون الكنسي الرئيسية للروم الأرثوذكس والذي لا يتطرق لأيهما. على الرغم من عدم وجود هذا الكتاب في ال الأرثوذكسية إلا أن منطق نيقوديموس —مجمع كتاب البيذاليون— يتشابه مع منطق بعض المتشددين وبالتالي يمكن لهذا البحث أن يساهم في إعادة النظر في الموضوع بطريقة أكثر أكاديمية وبطريقة تاريخية توضح السياق التاريخي لهذه القوانين.  نلت شرف التعلم من د. "كابساليس" مادة علم الآباء في العام الأخير من رسالة الماجستير في اللاهوت الأرثوذكسي الخاص بي، ونشرت هذه الترجمة بسماح منها، وهي بدورها تؤكد على أن الأمر بين الفتاة أو السيدة وأب اعترافها أولًا وأخيرًا. - نُشر هذا البحث أولًا في دورية الكنيسة القبطية الجزء التاسع عشر والعدد الرابع عام 1998. هذه الدورية تنشر العديد من المقالات الأكاديمية وبدأها وأشرف على إصدارها د. "ردولف ياني" من مواليد أسيوط، مصر، ومقيم بالولايات المتحدة الأمريكية. يشرف على إعدادها لفيف من الأكاديميين والآباء الأساقفة والكهنة وهم: الأنبا ويصا أسقف البلينا، وال أسقف الشئون الأفريقية، والأنبا اسحق أسقف قويسنا، والأنبا ديسقوروس الأسقف العام بالقاهرة، والقمص تادرس ملطي كاهن كنيسة ، والبروفيسور فايق اسحق، والدكتور ويليام الميري، والدكتور جرجس إبراهيم، والدكتور عصمت غبريال. (أندرو يوسف)

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

قوانين الطهارة الجسدية والمرأة <br />في الكنيسة الأرثوذكسية 1

ماريا فوتيني كابساليس

محاضرة اللاهوت اﻷرثوذكسي في كلية ترينيتي   [ + مقالات ]

ماجستير الدراسات اللاهوتية، كلية الصليب المقدس، بروكلين - دكتوراه الدراسات اللاهوتية، كلية سانت مايكل، تورونتو

معيد بكلية الثالوث، تورونتو في الأكاديمية البطريركية، تورونتو   [ + مقالات ]

كاتب وباحث دكتوراه اللاهوت اﻷرثوذكسي بكلية الثالوث، تورونتو - بكالوريوس الدراسات الدينية، ماكماستر

‎ ‎ نحاول تخمين اهتمامك… ربما يهمك أن تقرأ أيضًا: ‎ ‎