في الأيام القليلة الماضية، احتدم الصراع الدموي بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وسقط مئات القتلى والجرحى على الجانبين بصورة لم يشهدها هذا الصراع من قبل، وأصبح من المؤكد أن هناك قوى دولية خارجية تؤجج هذا الصراع على الجانبين، ومحاولة توريط مصر في هذا الصراع واختراق حدودها واستغلال جزء من أراضيها بغية تحقيق مخططات دولية.
كانت الدولة المصرية بقيادتها السياسية والعسكرية واعية جدًّا لهذا المخطط، وتتصدى له بحكمة وحنكة وقوة، فقد أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال كلمته في حفل تخريج دفعة جديدة من الأكاديمية والكليات العسكرية ٢٠٢٣، على ما يلي:
إن وضع الفلسطينيين مختلف عن بقية مَن تستضيفهم مصر، فمصر تستضيف ٩ ملايين نزحوا من بلادهم بسبب الاضطرابات الدائرة فيها(الرئيس عبد الفتاح السيسي – حفل تخريج الكليات العسكرية ٢٠٢٣)
أوضح الرئيس أن الوضع مختلف مع الفلسطينيين، الذين يجب أن يبقوا في بلادهم ويواصلوا الصمود حفاظًا على قضيتهم وأرضهم، ويتحتم على مصر ألّا تتركهم.
وبعد مرور عشرات السنوات من الصراع الدموي العربي الإسرائيلي، بات من المحتم أن نسأل أنفسنا: هل توصل العرب إلى حل مبنى على العدل والحق والسلام؟!. في الحقيقة لا.
إذًا لماذا لا نجرب طريقة أخرى، وقد جربها آخرون، وكان لها عظيم الأثر في حل الكثير من الصراعات والنزاعات؟!.
لماذا لا نجرب النضال اللاعنفي بدلًا من المقاومة الدموية المسلّحة؟
اللاعنف هو ممارسة شخصية لا يؤذى الفرد فيها ذاته والآخرين تحت أي ظرف، وينبع ذلك من الاعتقاد بأن إيذاء الناس أو الحيوانات أو البيئة لا لزوم له لتحقيق النتيجة المرغوبة، كما يُستنبط من فلسفة عامة تقوم على الامتناع عن العنف على أساس المبادئ الأخلاقية والدينية والروحية.
ويُنظر للاعنف على أنه بديل لموقفين آخرين، هما: الرضوخ والانصياع السلبي من جهة، أو النضال والصدام المسلح من جهة أخرى.
لذلك، فإن اللاعنف يدعو إلى وسائل أخرى للكفاح الشعبي، منها العصيان المدني أو «المقاومة اللا عنفية» أو عدم الطاعة وعدم التعاون.
استُخدم هذا المصطلح كمصطلح معاكس للمسالمة السلبية، ومنذ منتصف القرن العشرين أخذ يُظهر الكثير من التكتيكات التي تهدف إلى التغيير الاجتماعي دون استخدام القوة. إن اللاعنف يختلف عن المسالمة لأنه يواجه القمع والطغاة بشكل مباشر.
المهاتما غاندي كان من أبرز الأشخاص الذين دعوا إلى النضال اللاعنفي، وأبرز مَن حققوا نجاحًا من خلاله. غاندي، السياسي الأبرز والزعيم الروحي للهند، خلال حركة استقلال الهند كان رائدًا لمقاومة الاستبداد بواسطة العصيان المدني الشامل، والتي أدت إلى استقلال الهند من السيطرة الأجنبية، وألهمت الكثير من حركات الحقوق المدنية والتحررية في جميع أنحاء العالم.
كان غاندي يعارض العنف لأنه حيث يبدو الشخص العنيف وكأنه يفعل خيرًا، فإن ما يفعله من خير هو مؤقت فقط، أما ما يفعله من شر فهو دائم، وإن الرد على الوحشية بوحشية هو إقرار بالإفلاس الأخلاقي والفكري، وإن النصر الناتج عن العنف هو مساوٍ للهزيمة، إذ إنه سريع الانقضاء، و«إن العين بالعين» هو مبدأ يحوِّل البشر إلى مجموعة من العميان، وإنه ليس هناك طريق إلى السلام، ولكن السلام هو الطريق. واستمر غاندى على مدى أكثر من ٥٠ عامًا يبشر بالنضال اللاعنفي، ومن أبرز أقواله:
إن اللاعنف هو أعظم قوة متوفرة للبشرية.. إنها أقوى من أقوى سلاح مدمر صنعته براعة الإنسان، وهو أكبر وأسمى بما لا يُقاس من شريعة القوة الغاشمة، وفى نهاية المطاف فإن اللاعنف لا يناسب أولئك الذين لا يملكون إيمانًا حيًّا بألوهية المحبة(مهاتما غاندي)
من المؤسف أن: الحرب مجزرة تدور بين أناس لا يعرفون بعضهم البعض، لحساب آخرين يعرفون بعضهم البعض، ولا يقتلون بعضهم البعض.
، كما قال الشاعر الفرنسي “بول فاليري”، وعندما تتصارع الأصوليات تتسارع القذائف ويغيب السلام.
إن هذه الصراعات الدموية التي حادت بالقضية الفلسطينية عن مسارها الساعي لإقرار السلام القائم على العدل، كانت صراعات صفرية ليس فيها منتصر أو مهزوم، وإن: أيّ صراع لا يؤول إلى السلام: عبث، لا يعوّل عليه
، كما قال الرئيس السيسي.
إننا وصلنا إلى المرحلة التي تجعلنا نؤكد ما قاله الصحفي والفيلسوف الفرنسي ألبير كامو: لسنا ننشد عالمًا لا يُقتل فيه أحد، بل عالمًا لا يمكن فيه تبرير القتل!
كما أن أي حلول بديلة لوضع “مكسب/مكسب” لكلا الطرفين، فهي خسارة للكل، وهذا لن يتأتى إلا من خلال العودة الهادئة إلى مائدة المفاوضات والالتزام بقرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين سنة ١٩٤٧، والذي نص على وجود دولة لليهود ودولة للعرب على أرض فلسطين، نحتاج لتفعيل كل هذا عن طريق النضال اللاعنفي حتى يمكننا نَيْل احترام العالم المتحضر من حولنا، فكما قال غاندى إننا: سوف نكسب معركتنا لا بمقدار ما نقتل من خصومنا، ولكن بمقدار ما نقتل في نفوسنا الرغبة في القتل.
فهل نحن فاعلون؟!
إضافة من الناشر: المقال السابق تمت الإشارة له في برنامج "قضايا ساخنة"، على قناة: الكرازة، حلقة 16 أكتوبر 2023، من إعداد وتقديم نفس الكاتب، وبرغم أن التناول في موضوع الحلقة كان منفصلًا عن متن المقال، إﻻ أننا فضّلنا نشر المجموع كاملًا في مقال واحد، لعدم توافر تفريغ نصّي لمحتوى الحلقة. أما الحلقة ذاتها فيمكنك مشاهدتها أسفل صندوق الإضافة، وهي حلقة استثنائية جدا وخطها العريض "كيف يمكن للمسيحي المعاصر التعامل مع القضية الفلسطينية في ظل ما يقرأه من نصوص الكتاب المقدّس"، ونثق أنها حلقة جديرة بالمشاهدة.
صدر للكاتب:
كتاب: "التسامح"، الفضيلة الغائبة ٢٠١٠
كتاب: العنف ضد المرأة ٢٠١٧
كتاب: الإصلاح الديني بين الغرب والشرق ٢٠١٨