الاستعمار وإن انتهى إلى حدٍّ بعيدٍ من الناحية العسكريّة إلا إنه حاضر بطريقة أكبر اقتصاديًا وثقافيًا، في عددٍ كبيرٍ من بلدان العالم المسمّى بـ"العالم الثالث".
في مصر مثلًا، في الكنيستين الكاثوليكيّة والبروتستانتيّة هناك احتياج كبير للاهوت إنهاء الاستعمار. ففي الكنيستين بيتم نقاشات لاهوتيّة وصراعات لاهوتيّة هي صراعات نشأت في تربة مختلفة تمامًا عن التربة المصريّة، للأسف بعض ممن يسافرون للدراسة في أوروبا من الكاثوليك، وأمريكا من البروتستانت لما بيرجعوا مصر بيجيبوا معاهم لاهوت بيرد وبيتخيّل صراعات لكي يرد عليها هي أصلا مش موجودة في مصر أو غير موجودة بالقوة المبالغ فيها.
أما الكنيسة القبطيّة الأرثوذكسيّة فلاهوت الاستعمار مختلف فيها إلى حدٍ بعيدٍ لأنه مرتبط بملامح استعمارية أقدم سواء كانت مرتبطة بالحقبة البيزنطيّة أو ببدايات الغزو العربي.
الكنائس المصريّة في احتياج شديد إلى لاهوت نزع الاستعمار الذي يجعل هناك نظرة نقديّة لكل المشاكل اللاهوتيّة التي لا يوجد لها علاقة بالواقع المصري، ويبحث عن تعميق الفكر اللاهوتي المرتبط ارتباط وثيق بالثقافة المحليّة بمشكلاتها المكانيّة.
نحو قراءة مختلفة للاهوت التجسّد
يمكن تعريف الاستعمار بأنّه الوضع الذي تصبح فيه دولةٌ مسيطرة على دولة أخرى، ومن ثمّ تمارس عليها سلطة اقتصاديّة وعسكريّة وثقافيّة. قد تكون السيطرة لغويّة أيضًا وقد لا تكون. فعلى سبيل المثال لم تتعرّب بلاد الفرس، وهناك دول احتلّتها انجلترا ولم تتحدّث الإنجليزيّة نتيجة لذلك.
يبدأ الاستعمار بإنماء شعور قوميّ بسموّه وتحضّره وقوّته عسكريًّا وثقافيًا، وأحيانًا عرقيًّا، هذا ملخّص عقدة التعالي القوميّة. من جهة أخرى، هناك دولٌ لديها عقدة النقص القوميّة. هذه الدول يتم غزوها فكريًّا ووجدانيًا حيث يُزرع في مواطنيها دونيّتهم وعدم جدواهم، ينمّي ويكرّس هذا الشعور رُخص حياة المواطن وحقوقه.
تُصبح هذه الدول أرضًا خصبًة لجميع أنواع الاستعمار. بعض الشعوب لديها عقدتان نقيضتان في الوقت عينه، مثلا عقدة نقص أمام الغرب، وعقدة تعالٍ أمام الأفارقة وبعض الدول الناطقة بالعربيّة على سبيل المثال. يمكن أن نلاحظ في مقهى واحدٍ إلى مائدة واحدة كيف يتعامل شخص بعنصريّة بغيضة تجاه شخص وبانبطاح قميء تجاه الجالس إلى جواره.
سرّ التجسّد هل استعمر اللاهوت إنسانيّتنا؟
في التأمّل في سرّ التجسّد، تكمن دائمًا في ذهني مسألة العقدتَين، انبطاح الإنسانيّة أمام الألوهيّة، وانتظار تعالي اللاهوتِ.
يُسبغ الإنسان على الله مشاكله التي تشكّلت في العقليّة الاستعماريّة. في هذه الإشكاليّة يجدر النظر بعمقٍ في سرّ التجسّد. في التجسّد، كيف أدّى اللاهوت دورًا في شخص المسيح من غير الانتقاص من كرامته كونه إنسانًا، وكيف أدّى الناسوت دورًا في اللاهوت من غير انبطاح وعقدة نقص؟
تجسّد كلمة الله هو في الأساس كسرٌ لهذه العقد، لكل عقد تعالي وتسامي الآلهة، وكسر ومسك بيد طبيعة الإنسان لرفعها من كلّ انبطاحٍ وعقد نقصٍ:
«لا أدعوكم عبيدًا بعدُ بل أحبّاءَ (أصدقاء)»
(إنجيل يوحنّا ١٥: ١٥)
لماذا صار الإنسان صديقًا لله وليس عبدًا؟ ذلك لأن المسيح، الإله الكامل والإنسان الكامل، أطلع الإنسان على «كلّ ما سمعه من الآب» (راجع يوحنا ١٥:١٥).
في العلاقة التي تحترم الإنسان، كونه إنسانًا، بقدر ما يحافظ على إنسانيّته من أي انتهاك، يمكن له الدنوّ من سرّ الله، في المسيح، وتتأسس علاقة حقيقيّة ليس علاقة المنبطح بالقادر، الضعيف بالقدير، بل الحبيب بالحبيب. في المحبّة الجميع متساوون، وفي المحبّة والعدالة تُصانُ كرامة الإنسان. تلك الكرامة، الإنسانيّة تعبّر عنها بصورة جميلة أيقونة قيامة المسيح التي يأخذ فيها المسيح القائم من القبر يديّ الإنسان. يدي الإنسان: يدُ أدم ويدُ حوّاء.
كلّ محاولة روحيّة لجعل الإنسانِ منحطًا، ذي عقدة نقصٍ أمام الإله المحبّة تمهيدٌ للاستعمار بكل أشكاله. مساهمة لاستخدام الإيمان المسيحي لكي يعود الإنسانُ عبدًا ذليلًا أمام آلهة الماضي. وهو بمثابة وضع حبل حول الرقبة ليمسك بزمامه دعاة الاطّلاع على أسرار الله دينيًا ودعاة التفوّق دنيويًا وعنصريًا.
صدر للكاتب:
كتاب نقدي: اللاهوت السياسي، هل من روحانية سياسية؟
تعريب كتاب جوستافو جوتييرث: لاهوت التحرير، التاريخ والسياسة والخلاص
تعريب كتاب ألبرت نوﻻن الدومنيكاني: يسوع قبل المسيحية
تعريب أدبي لمجموعة أشعار إرنستو كاردينال: مزامير سياسية
تعريب كتاب البابا فرانسيس: أسرار الكنيسة ومواهب الروح القدس