إذا كنت تحاول أن تفهم السر وراء الغضب والهياج والاستياء الشعبي العارم الذي يصدر عن عامة الشعب تجاه بعض الوقائع في حين تقابل وقائع أخرى -ربما أكثر أو على نفس درجة الأهمية- بصمت وخنوع ولا مبالاة، فلسوف تصاب بلوثة وبكل الأمراض الفصامية والأعطاب النفسية التي يصعب علاجها، إلا إذا كنت مثلي تعرف كلمة السر القادرة على استنفار مكنون الهياج الذي يحفل به مزاج الشارع العربي ألا وهي: الدين.

النعرة الدينية ببساطة هي ما يحدد سرعة الانفعالات ونوعها وحجمها لدى العامة. فلقد تمت خلال العقود القليلة الماضية صياغة الإنسان العربي الحديث بصياغة دينية بحتة حتى يسهل على أولي الأمر تحريكه في أي اتجاه يريدون.

يكفي أن يتكلموا باسم الدين ليستطيعوا تمرير ما يريدون من معلومات وأفكار وتوجهات يعززون بها مصالحهم دون أي فحص أو بحث أو اعتراض من قبل الجماهير.

ومن أجل حماية هذا السيناريو، ومن أجل بقاء الأمور على حالها، نلاحظ تقلصاً للمادة الجادة والجرعات العلمية والفكرية التي يتلقاها المواطن العربي من خلال وسائل الإعلام والمؤسسات التعليمية، ليفرخ لنا المجتمع نوعين سائدين من الشخصيات؛ شخصيات سطحية هشة سهلة الانقياد والتبعية، وشخصيات مدعية تتظاهر بالبطولة والمثالية وتنحاز إلى القضايا الجدلية الشائكة بغرض التربح أو الشهرة أو تحقيق مصالح شخصية.

وقد تدور بين الطرفين صراعات ومكائد ومعارك غير أخلاقية تحت رعاية الدولة التي تصنع من خلال هذا الصراع رباطاً لصيقاً بين وجودها وبين الدين والوطن ليكون أي انتقاد لها هو هدم للدين وخيانة للوطن.

وبالإضافة إلى التديين فإن من أسوأ الاستراتيجيات التي تعمد الدولة إلى تبنيها من أجل القضاء على فكرة معينة هي الشخصنة. فلقد يستغرق الأمر كثيراً من الوقت والجهد من أجل هدم فكرة ما أيديولوجياً، في حين أن التركيز على الأشخاص هو الأسهل دائماً.

أن تجعل من الشخص رمزاً للفكرة، ثم تهاجمه، وتعمل على تشويهه وهدم مصداقيته، حتى تتخلص منه، وبسقوطه تمحى هوية الفكرة بالتبعية. هذا الفخ يسقط فيه الأغلبية بما فيهم الطبقة المثقفة التي يتحدد موقفها من القضية تبعاً لموقفها الشخصي من الشخصية التي تتعرض للقصف.

نحن بصدد قضايا حرية رأي وتعبير ومن واجبنا جميعاً أن نخوض هذه الحرب الضروس ضد كل من يحاول تحجيم العقل ومنع التفكير ومصادرة الرأي بغض النظر عن قائله.

ومرة أخرى: أحذر من السقوط في فخاخ الدين والشخصنة لئلا نحيد عن الموضوعية وفي خضم التحزبات الدينية والتحيزات الأخلاقية والانتقادات الشخصية نغفل تفنيد ومعالجة القضايا الجوهرية، فتضيع ما بين حانا ومانا.

العنوان مستمد من المثل العربي الذي يقول: بين حانا ومانا ضاعت لحانا. ويعود المثل إلى قصة عربية قديمة؛ وذلك أن رجلا تزوج من امرأة اسمها حانا، فعندما كبرا في السن ورأى أنها شاخت تزوج بفتاة صغيرة اسمها مانا، فكانت حانا زوجته الأولى تلتقط من لحيته الشعرات السود حتى يبدو مسنا مثلها، بينما كانت مانا زوجته الثانية تلتقط الشعرات البيض حتى يبدو شابا مثلها.. وهكذا ضاعت لحيته، وباتت العرب تضرب به المثل عندما يحار المرء بين موقفين فيفقد أمرًا هاما.

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

بين حانا ومانا ضاعت قضايانا 1