من يدرس كلمة الله في الكتاب المقدس، فإنه يجد إن جذور الصلاح في هذا الكتاب مبنية على الرحمة، الرحمة للقريب والغريب، بدون مفاضلة بينهما؛ ولكن بمعرفة إن الله يشاء هذا لكل البشر الذين خلقهم لصُنع الخير، ليكون لهم حياة أفضل. فمن حالفه الحظ ووجد نفسه يعيش في سلام وهدوء، فليمُد يد العون لمن هم أقل حظًا، وحالهم تتدهور من سيء إلى أسوأ.
في بلاد الشرق الأوسط كانت “بركة” تعيش بين سكان الحي الشعبي المتواضع، ولها معرفة بعدد كبير من سكانه. فتزورهم بين الحين والآخر لتعرف أخبارهم بهدوء، دون إزعاجهم.
تقول “بركة”: حين تزوجت منذ زمنٍ، قالت لي أمي، رحمها الله: اسمعي يا ابنتي، أنتِ القائمة ببناء هذا البيت؛ فعليكِ أن تهتمي بجيرانك. فإذا سمعتي بأن امرأة مريضة، فعليكِ بعمل الآتي: خذي حلة من الدقيق، ثم ضعي فيها بعض المال، ثم أحضري فرخة جاهزة للأكل؛ ثم اذهبي إلى بيت تلك المريضة، واقرعي الباب ثم اتركي كل هذا على الباب وارجعي إلى بيتك! هذا ما تعلمناه، وهو أن نفعل أعمال الرحمة في الخفاء، بدون أن يرانا أحد! فلا يعرف أحد من أحضر هذه الأشياء! هكذا نفعل.
وقد قال الله لنا: “اجعل هناك ثقب إبرة وأنا سأجعله يكفي لمرور مركبة”، أي إن عمل رحمة واحد سوف يقود إلى آخر، مثلما تقود خطية واحدة إلى أخرى!
فالله يأمرنا بأن نعمل أعمال الرحمة في كل وقت، بقدر استطاعتنا، وهو سوف يكمِّل…
كان الحي الشعبي ممتدًا حول المدينة التي كانت تعيش فيها “بركة”. ساهمت بركة في رعاية 30 حالة من الشيوخ الذين فقدوا أقربائهم ولم يبقَ معهم أحد يهتم بهم. ثم امتدت الدائرة لتشمل العائلات التي تشابه هؤلاء الشيوخ. ولمدة 30 عامًا ومع تقدم العمر بالنسبة لبركة، أصبح عدد العائلات 1400 عائلة في المدينة، وهو ما مجموعه أربعة آلاف إنسان.
إحدى الأمهات تصف ما تفعله “بركة” فتقول: إنها امرأة بسيطة ولها قلب كبير. تعرف الطريق إلى مساعدة كل إنسان محتاج.
وقالت أخرى: إنها امرأة مميزة جدًا. إنها تعطي جزءًا كبيرًا من نفسها للآخرين! فإذا كان إنسان في ورطة، فليذهب إليها وهي تساعده.
تقول بركة: إننا نعرف مقدار احتياج الناس للملابس، لذلك فإننا نوزع عليهم بالدور كل أسبوع مرتين لكي نكفي الجميع.
وبالإضافة، فقد ساعدت “بركة” آخرون بتنظيم قوافل لمساعدة البعيدون عن مدينتهم لإمداد الأطفال بما يحتاجون من أشياء تساعدهم أن يعيشوا حياة آدمية، على قدر المستطاع!
تقول بركة: ونشكر الله أن كل هذا هو من إرادة الله، فإني لم أفعل شيئًا من نفسي بل الله هو من أرشدني إلى كل هذا. وتضيف: ماذا تظن؟ لماذا أعطى الله لأبرام هذه الخيرات التي كانت عنده، وسماه “خليلي”، أي صديقي (إبراهيم الخليل)؟ فتجيب على هذا السؤال قائلة: لأن أبرام أحب الرحمة وصُنع الخير. فنحن نكمل ما بدأه أبرام وسارة. فقد صنعوا أعمال رحمة ومحبة، لذلك نكمِل نحن أيضًا تلك الأعمال ذاتها من الرحمة والمحبة.
تحكي بركة عن تجرِبة شخصية وتقول:
كانت الساعة حوالي الحادية عشرة صباحًا، وقد سمعت امرأة تصيح: إنني جائعة! أعطوني لآكل. فذهبتُ إليها في مسكنها، فوجدتها تسير بحذاء واحد في أحد قدميها وتدور حول المائدة. حينما سألتها ماذا حدث؟ فقالت لي: قليل من الطعام؟ قليل من الطعام! فعدت إلى منزلي وأعددت وجبة ساخنة وعدت إليها أعطيها هذه الوجبة! فأخذتها وبدأت تأكل، ثم سألتني: من أرسلكِ؟ فأجبتها: الرب الإله القدير! فبكت، وقامت وأمسكت يدي وقبَّلتها بشدة. وعشت معها أربع سنوات، كنت أعطيها ثلاث وجبات كل يوم، وأقوم بحميمها كل أربعاء وأغسل لها ملابسها! (وهنا بكت بركة من فرط تأثرها بحالة تلك السيدة، وذرفت دموع يختلط فيها الفرح والشفقة!) وحتى بعد وفاتها، راعيتها رعاية كاملة: فأديت بكل ما احتاجت حتى إلى مثواها الأخير. إنها صديقة حياتي!! إنها عزيزة عندي جدًا.
هل تسألني لماذا فعلت ذلك؟ أقول لك: بعد اليوم الأول مع تلك السيدة، أحسست أنني فعلت شيئًا مهمًا! لقد صليت إلى الله وقلت له: اسمح لي أن أقوم بهذا العمل، وهكذا سمح بإتمام هذا العمل على أكمل وجه!
إني أقوم بهذا العمل التطوعي لأكثر من أربعين سنة! وأتمنى أن أكمل هذا العمل. هذه هي الرحمة الحقيقية! نعم!
ولأعمال الرحمة بقية!