كنت أجلس في مطعم الحي الذي نعيش فيه، أنا وزوجي، مع طفلي الذي لا يتجاوز عامه الثاني، وقد أجلسته على كرسي عالٍ إلى حدٍّ ما. ولم يكن في المطعم غير قليل من الرواد.

لاحظت أن طفلي بدأ في الحركة قليلًا، ثم بدأ يشير إلى إحدى السيدات الجالسة بعيدًا مع حفيدها. كانت هذه السيدة العجوز ذات ملابس متواضعة تلفت النظر من بعيد، وقد ملأ الشعر الأبيض رأسها. كنت أخاف أن أقترب منها لئلا تكون رائحتها غير مقبولة. المهم أن ابني لمحها من بعيد، فبدأ أن يشير لها وكأنها صديقة له!! تلفتُّ لزوجي وتبادلتا لهمسات: “ماذا نفعل؟” فطأطأ برأسه وابتسم، وكأنه يقول لي: “ليس هناك من شيء نستطيع أن نفعله”.

لحظات وجاء الأكل الذي كنا قد طلبناه. وبدأت في إطعام ابني وهو يمسك قطعة الشيبسي من يدي ويشير بها إلى السيدة وكأنه يريد أن يعطيها مما يأكل. بدأ الجالسون في المطعم يلاحظون هذا، وبدأت الابتسامات على الوجوه تزداد، وحالة السرور تفرِّح قلب الجالسين في المطعم.

بسرعة أكلنا وانتهينا من أكلنا، فقام زوجي ليدفع الحساب وقال لي أن ألحقه إلى عربتنا الواقفة خارج المطعم.

وعندما قمت من مكاني لأذهب إلى خارج المطعم، صليت قائلة: “يا ربي يسوع، أتوسل إليك: اجعلني أمر بسلام دون همسات وغمز ولمز من رواد المطعم!!”.

ومررت وأنا أحمل طفلي بجانب السيدة العجوز ولا أنظر إليها. وحالمَا اقتربت من طاولة هذه السيدة، إذا بابني يمد كلتا يديه إلى هذه السيدة العجوز، وهي بدورها مدت يديها إلى ابني وتلقفته قبل أن يفلت من بين يديَّ.

فإذا بابني يلقي رأسه على كتف هذه السيدة العجوز ليعبِّر عن محبة فياضة، وثقة عميقة، بطهارة قلب، وكأنه يعرفها منذ زمن بعيد.

لم أرَ عمقًا هكذا من المحبة النقية الصادقة! توقفت وأنا أشاهد هذا المنظر الجميل، كيف يعبِّر الطفل هكذا عن محبته دون خوف أو حاجز بينه والطرف الآخر.

نظرت إليَّ السيدة بتمعُّن والدموع في عينيها، ثم قالت: “من أجل خاطر المسيح، اهتمي بهذا الطفل”! قلت لها: “سأفعل”. ثم حَمَلـَت السيدة طفلي في كلتا يديها وأعادته إليَّ وقالت: “لقد أسعَدَتني رؤيتكما اليوم، أسعد الرب صباحكما”. قلت لها: “المسيح يبارك حياتك!” قالت: “شكرًا”.

وأخذت طفلي وأنا أرتعش، وقليلًا قليلًا خرجت من المطعم وأنا أفكر في ما حدث: طفلي كان ينظر إلى روح إنسان؛ وأما أنا فقد نظرت إلى ملابس السيدة! كنت أنا المسيحية أحمل طفلي ولا أرى حقيقة ما يدور حولي؛ في حين ابني كان واعيًا بما يحدث!

كنت كمن يسأل نفسه: “هل لديَّ الاستعداد لكي يكون ابني مشاركًا الآخرين في مشاعره!؟”، ألم يكن الله مشاركًا لابنه مع كل العالم من أجل خلاصهم؟ فتذكرت الآية الجميلة التي تقول:

“إِنْ لَمْ تَرْجِعُوا وَتَصِيرُوا مِثْلَ الأَوْلاَدِ فَلَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ”

(إنجيل متى 18: 3)

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

برتي المقاري
راهب في دير القديس الأنبا مقار الكبير   [ + مقالات ]