« قال له فيلبّس:”يا سيّد، أرنا الآب وكفانا” »
(إنجيل يوحنا 14: 8)
رغبة فيلبّس في رؤية وجه الآب تعبّر في الواقع عن رغبة البشريّة كلّها وشوقها إلى المطلق، إلى رؤية وجه الله. يبحث الإنسان حتّى في الأديان الوثنيّة عمّا هو أبعد ممّا نلمسه، ممّا نشعر به. فكلّما اختبر الإنسان في حياته الجمال أو الخير أو العدالة، شعر أنّ هناك ما هو أعمق وأبعد. وحينما يصل إلى الحبّ، يجد رؤيته إلى جميع الأشياء تتغير. إلّا أنّ خبرة الحبّ هذه سواء كانت في الأسرة أو الأصدقاء أو في علاقة حبٍّ زوجيّ تشعره بأنّ هناك ما هو أعمق وأبعد وأنّ هذه الأشياء هي عربون لحبٍّ مطلق. اختبر ذلك أيضًا القدّيس أغسطينوس فيقول في اعترافاته:
« خلقتنا يا ألله لك، وقلوبنا مضطربة، لن تستريح إلّا فيك »
(القديس أغسطينوس، اعترافات أوغسطين)
وها بعد القدّيس أغسطينوس بحوالي قرنين نجد في القرآن معنًى مشابهًا:
« الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ »
(سورة الرعد: ٢٨)
هذا ما يعبّر عنه إنجيل اليوم: شوقُ البشرية جمعاء يعلنه فيلبّس أمام المسيح، فتتلقّى البشرية إجابة الله-الإنسان «مَن رآني فقد رأى الآب». الجواب إذًا هو مجيء المطلق عينه، وتجسّده في شخص يسوع المسيح حتّى يختبر الإنسانُ تلك المحبّة الفريدة، في داخل شخص هو كما يسمّيه أخونا اللاهوتيّ إدوارد سخلبيكس الدومنيكانيّ “سرّ الالتقاء بالله”. سرّ التقاء الشوق الذي تبحث عنه البشرية جمعاء.
” في يسوع، الطريق والحقّ والحياة، لا يأتي الله فقط ليظهر وجهه للبشرية، بل أيضًا يجذب البشريّة نحوه فيؤلِّهها ”
(مايستر إيكهارت، القرن الرابع عشر، العظه رقم ٥)
« “الحبّ يجعلنا نصير الذي نحبّ”. هل ينبغي لنا الآن أن نقول: عندما يحبّ الإنسان الله، يصبح إلهًا؟ هذا يبدو هرطقةً. في الحبّ الذي ينعم به الإنسان، لا يوجد اثنان، بل وَحدةٌ، واتّحادٌ: كذلك، من خلال الحب، أُصبِحُ أكثرَ إلهًا ممّا أنا عليه في ذاتي. لنستمع إلى النبيّ: “إنّي قلتُ: أنتم آلهةٌ وأنتم جميعًا أولاد العليّ” (مزمور 82: 6). يبدو غريبًا أن يمكن للإنسان أن يصبح إلهًا من خلال الحبّ، ولكنّها الحقيقة، حقيقةٌ أبديّة. يُظهِرها لنا ربّنا يسوع المسيح »
( القديس أغسطينوس)
الآن إخوتي وأخواتي الأحبّاء، يسوع هو الطريق والحقّ والحياة. ذلك لأنّه الكاشف عن وجه الله الآب الحقيقيّ. محقّق آمال البشريّة وشوقها لله. هو استجابة الله لشوق الإنسان بالتقائه، وفيه، لا يلتقي الإنسان به فحسب، بل يتألّه. يتّحد بالله اتّحادًا على مثال اتّحاد الله ببشريّتنا. نصير ما نحبّ. في هذا الاتّحاد إخوتي، لا ننسينّ أنّ اتّحادنا بالله هو أيضًا اتّحادٌ بجميع البشر. هؤلاء المختلفين معي في اللون والعرق والطبقة الاجتماعية ومن ننعتهم بالخطر على مجتمعاتنا هم أيضًا لهم المكانة عينها في قلب الله وفي يسوع المسيح الطريق والحقّ والحياة. إذا كان تألهنا يدور في شخص يسوع الإنسان-الإله، فتألهي كفردٍ إنسانيّ لا يتحقّق عن طريق ما هو إلهيّ فحسب بل عن طريق الاتّحاد والتضامن اليوميّ مع البشر. ببساطه كما اتحد يسوع ببشريتنا فتح المجال لنتحد بباقي البشر وبالله.
صدر للكاتب:
كتاب نقدي: اللاهوت السياسي، هل من روحانية سياسية؟
تعريب كتاب جوستافو جوتييرث: لاهوت التحرير، التاريخ والسياسة والخلاص
تعريب كتاب ألبرت نوﻻن الدومنيكاني: يسوع قبل المسيحية
تعريب أدبي لمجموعة أشعار إرنستو كاردينال: مزامير سياسية
تعريب كتاب البابا فرانسيس: أسرار الكنيسة ومواهب الروح القدس