لماذا يحتفي البعض بإسلام سيدة أو طفلة مسيحية؟ أحاول أن أقدم مقاربة اجتماعية لهذه الظاهرة المركبة، حول الاحتفاء الشعبي بإسلام سيدة أو طفلة مسيحية في مصر، والتي لا يمكن فهمها باعتبارها رد فعل ديني مباشر أو عفوي. الظاهرة أعمق من ذلك بكثير، وهي نتاج تراكمات ثقافية ونفسية وبنيوية تشكّلت عبر عقود، بل قرون، داخل مجتمع لم يحسم علاقته بفكرة “الاختلاف”. ونحن لا نتعامل هنا مع الإيمان، بل مع بنية وعي.
أولًا: الدين الشعبي مقابل الدين المعرفي
في علم الاجتماع الديني، نفرّق بين الدين كنص وقيم، والدين كممارسة اجتماعية. الاحتفاء الذي نتحدث عنه هو نتاج دين شعبي، لا ديني معرفي ولا روحي. دين قائم على: الرموز لا المعاني، الطقوس لا الأخلاق، الانتصار العددي لا التحول القيمي. في هذا الإطار، تتحول عملية معقدة مثل تغيير العقيدة إلى حدث قابل للاستهلاك الاجتماعي، وتُختزل رحلة إنسانية كاملة في جملة واحدة: دخلت الإسلام
.
ثانيًا: القلق الهويّاتي لدى الأغلبية
من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن الأغلبية دائمًا واثقة من نفسها. في الواقع، الأغلبية في المجتمعات غير المستقرة ثقافيًا تعاني من قلق هوياتي مزمن. ففي الحالة المصرية؛ الدولة وطنية، والمجتمع متدين، والخطاب الديني تعبوي، وفكرة المواطنة لم تترسخ نفسيًا، فالأغلبية تبحث عن لحظات تؤكد فيها تفوقها الرمزي، وإسلام “الآخر المختلف دينيًا” يصبح دليلًا نفسيًا سريعًا على صحة الذات. الاحتفال هنا ليس فرحًا بالهداية، بل طمأنة للذات القلقة.
ثالثًا: منطق الغلبة بدل منطق الإقناع
في الثقافة الشعبية، لم يُقدَّم الدين كمساحة حوار، بل كمعركة صفرية: إما أنا… أو أنت. وهذا منطق الغلبة، لا منطق الإقناع. لذلك: لا يُسأل: هل الاختيار حر؟ لا يُسأل: هل الشخص ناضج؟ لا يُسأل: هل هناك ضغط؟ السؤال الوحيد: “كسبنا ولا لاء؟” وهذا منطق قريب جدًا من منطق العصبية القبلية، وليس منطق الإيمان.
رابعًا: الجسد الأنثوي كساحة صراع رمزي
في التحليل النسوي السوسيولوجي، غالبًا ما يكون جسد المرأة ساحة لإسقاط صراعات الجماعة. المرأة هنا ليست فردًا، بل رمز ودليل، وغنيمة معنوية. ولذلك، فإن التركيز دائمًا على السيدات، والفتيات، وأحيانًا الأطفال. إسلام امرأة مسيحية يُقرأ اجتماعيًا كاختراق للهوية الجماعية للطائفة الأخرى، لا كقرار فردي مستقل. ومن هنا يتحول الفرح إلى استعراض.
خامسًا: أثر التاريخ غير المُعالَج
العلاقة الإسلامية/المسيحية في مصر لم تُحَل تاريخيًا على مستوى الوعي الشعبي. لقد أُديرت سياسيًا، لكن لم تُناقش اجتماعيًا. فبقيت: مشاعر مكتومة، تصورات نمطية، وأساطير شعبية عن “الآخر”، وعند أول حدث قابل للتأويل، تخرج كل هذه الطبقات دفعة واحدة في شكل فرح هستيري.
سادسًا: غياب الدولة كمرجعية أخلاقية
في المجتمعات الحديثة، تحمي الدولة الفرد من تغوّل الجماعة. ولكن حين تغيب الدولة كمرجعية أخلاقية واضحة في قضايا الحريات الشخصية، تملأ الجماعة هذا الفراغ. فتُدار المسألة لا بالقانون ولا بالحقوق، بل بالعُرف والانفعال الجمعي، ومن هنا تتحول حياة إنسانه إلى شأن عام، وتتحول قناعاتها -الحقيقية أو المزعومة- إلى احتفال جماعي.
أخيرًا، الاحتفاء الشعبي بإسلام سيدة أو طفلة مسيحية ليس تعبيرًا عن قوة الإسلام، بل عن أزمة وعي ديني واجتماعي. الإيمان الواثق لا يحتاج مظاهر غلبة، والدين الحقيقي لا يفرح بسقوط الآخر، بل بارتقاء الإنسان. والسؤال الأخطر الذي نتهرب منه دائمًا: هل نحتفل لأننا نحب الدين؟ أم لأننا نخاف من المختلف؟
