صراع التبتّل هو كتاب لپول ستانوز، ما الذي يناقشه؟ ولماذا فرض التبتّل؟ وما المشكلات الناتجة؟ [1]
يقدّم بول ستانوز، في أطروحته للدكتوراه، دراسةً سوسيولوجيّة نقديّة عن “التبتّل الكهنوتي الإلزاميّ” في الكنيسة الكاثوليكيّة (اللاتينيّة)، لا بوصفه “فضيلة” فقط، بل بوصفه “نظامًا ثقافيًّا ومؤسّسيًّا” تصنعه الإكليريكيّات وتعيد إنتاجه من التدريب والطقوس والضبط واللغة اللاهوتيّة.
الكتاب لا يكتب دفاعًا تبشيريًّا عن التبتّل ولا هجومًا سهلًا عليه، بل يحاول أن يشرح كيف يُبنَى التبتّل، وكيف يُفرض، وكيف يُدرَّس، وكيف يخلق توتّراتٍ ومفارقات داخل الحياة الكهنوتيّة والكنسيّة.
لماذا فُرض التبتل تاريخيا؟
يبيّن الكتاب أنّ التبتّل لم يتحوّل إلى قانونٍ مُلزِم دفعةً واحدة، بل تدرّجَ من خلال القرون، وكان وراءه أكثر من عامل:
أ. “المقدّس” في مقابل “الدنيوي”: تاريخيًّا، خدم التبتّل فكرة أن الكاهن ينتمي إلى مجال مقدّس أعلى، منفصل عن “عالم الجسد” والإنجاب والأسرة. وبذلك صار التبتّل أداة لإظهار تمييز الكاهن عن المؤمنين لا فقط روحيًّا ولكن اجتماعيًّا أيضًا.
ب. هواجس “الطهارة الطقسيّة”: المؤلف يشرح أنّ خلفيّة مهمّة في القرون الأولى والوسطى كانت قناعة أن الممارسة الجنسيّة تقف على مسافة من “القداسة الطقسيّة” وخدمة الأسرار، وهو ما صاغ لغة تجعل التبتّل يبدو شكلًا من “الطهارة الأعلى”.
جـ. حماية أملاك الكنيسة ومنع “وراثة المنافع”: في القرنين العاشر والحادي عشر، ظهرت أزمة كبيرة: أبناء الكهنة يرثون “منافع” آبائهم وامتيازاتهم الكنسيّة. فصار فرض التبتّل أيضًا “حلًّا سياسيًّا-اقتصاديًّا” لحماية ملكيّة الكنيسة ومنع تحولها إلى ميراثٍ عائلي.
د. الإصلاح الغريغوري وترسيخ طبقتين داخل المسيحيّة: مع إصلاحات البابا غريغوريوس السابع ثمّ مجمع لاتيران، ترسّخ تقسيم المجتمع المسيحي إلى طبقتين: الإكليروس في الأعلى والعلمانيون في الأسفل. وبهذا صار التبتّل “علامة حدوديّة”: من خلالها تظهر “فوقيّة” الكهنوت وكونه “مفصولًا” عن الحياة العاديّة.
كيف أعادت الإكليريكيّات إنتاج التبتل؟
في بداية الكتاب، يوضح ستانوز أنّ مجمع ترنت أسّس الإكليريكيّة بوصفها “مدرسة كمال” هدفها تكوين كهنة: أكثر انضباطًا وأكثر “نقاءً” وأكثر تمايزًا عن “العالم”. وتأثر التكوين طويلًا بالمدرسة الفرنسيّة والسولبيسيّين:
نظام يومي صارم، طاعة وقانون بيت، صلوات متكرّرة، فحص ضمير، توجيه روحي.
أسلوب يربط الكاهن بشخص المسيح بصفة “كاهن-ذبيحة”.
النتيجة: تكوين يربّي “روحانيّة الفصل” لا “الاندماج”.
كيف برّرت الكنيسة التبتّل؟
يشير الكتاب إلى أنّ الكنيسة الحديثة بعد المجمع الڤاتيكاني الثاني، تخلّت عن لغة “الطهارة الطقسيّة” بصفتها حجّةً رئيسة، وركّزت على مبرّرات أخرى:
سبب رعوي: خدمة الناس بحرّيّة أكبر و”قلب غير منقسم”.
سبب كريستولوچي: الاقتداء بتبتّل المسيح.
سبب إسخاتولوچي/ أخروي: التبتّل علامة على القيامة والمستقبل النهائي.
سبب إكليزيولوچي/ عروسي (يوحنا بولس الثاني): علاقة “عريس-عروس” بين الكاهن والكنيسة، حبّ حصري على مثال المسيح.
كما يؤكد البابا يوحنا بولس الثاني أنّ الكنيسة تريد “المحافظة على قانون” التبتّل الدائم المختار بحرّيّة، مع تعزيز التكوين، وخصوصًا التكوين الإنساني والنضج العاطفي والجنسي.
أين تظهر المشكلات؟
الكتاب يفتح ملفات حسّاسة، أبرزها:
أ. التبتّل بصفته فاصلًا طبقيًّا، فحسب التحليل التاريخي، التبتّل ساعد في تكوين صورة الكاهن بوصفه: منفصلًا عن “العالم”أسمى من المؤمنين وهذا يخلق بنيةً سلطويّة داخل الكنيسة: الكاهن “فوق”، والناس “تحت”.
ب. العزل يخلق هشاشة: الأنظمة الإكليريكيّة التي تعزل الطالب عن الحياة العاديّة قد تنتج “نجاحًا” داخل الإطار المغلق، لكن لا تضمن قدرته على الاستمرار خارجه في واقع الحياة والخدمة.
جـ. “إدارة الانطباع” بدل الصراحة: حسب وصفه للثقافة الإكليريكيّة، يتعلّم الطلبة كيف يظهرون “مناسبين” للتقييم، وهو ما يجعل نقاش موضوع الجنسيّة والتوتّرات الداخليّة “أقلّ شفافيّة”.
هذا الكتاب يشرح أنّ التبتّل الإلزامي ليس مجرّد “قرار روحي”، بل نتاج تاريخ طويل من:
رغبة في الفصل بين المقدّس والدنيوي؟
اعتبارات اقتصاديّة وسياسيّة.
بناء طبقة كهنوتيّة متميّزة.
ثم يعرض كيف يُعاد إنتاجه داخل الإكليريكيّات، وكيف تُعاد صياغة تبريراته لاهوتيًّا اليوم، مع إبراز المشكلات الواقعيّة: العزل، السلطة، النضج، والشفافيّة.
صدر للكاتب:
كتاب نقدي: اللاهوت السياسي، هل من روحانية سياسية؟
تعريب كتاب جوستافو جوتييرث: لاهوت التحرير، التاريخ والسياسة والخلاص
تعريب كتاب ألبرت نوﻻن الدومنيكاني: يسوع قبل المسيحية
تعريب أدبي لمجموعة أشعار إرنستو كاردينال: مزامير سياسية
تعريب كتاب البابا فرانسيس: أسرار الكنيسة ومواهب الروح القدس
