المقال رقم 6 من 4 في سلسلة ليس رجلا من قش

تثبيت المبدأ في الكنيسة: تطبيق المبدأ بعد عصر الإصلاح.

شعار نظري أم ممارسة عملية؟

لم يبقَ مبدأ مجرد صيحة في الهواء، بل جرى تضمينه في صلب هيكليات الكنائس الية واعترافاتها الإيمانية عبر القرون اللاحقة. لقد حرصت الكنائس الإصلاحية على سنّ آليات وقواعد تضمن أن يكون الكتاب المقدس هو المرجع الأعلى عمليًا في حل النزاعات التعليمية وفي حياة الكنيسة اليومية. من تلك الآليات مثلًا:

وضع اعترافات إيمان ومعايير تعليمية:
أكدت معظم الطوائف البروتستانتية الكُبرى إيمانها بأن “كل ما يُلزِم الضمير في أمور العقيدة يجب أن يكون موثقًا في الأسفار المقدسة”. فجاء في الفصل الأول من اعتراف وستمنستر للإيمان (1646م) تصريح واضح بأن: “مجمع الكتاب المقدس يحوي كل ما يلزم لإعلان مجد الله وخلاص الإنسان وإيمانه وحياته؛ لذلك لا يجوز لأي إعلانات جديدة من الروح أو تقاليد بشرية أن تُضاف إليه” [1].

كما نصّ الاعتراف نفسه على أن الحَكَم النهائي في كل قضايا الدين يجب أن يُستمد من الروح القدس المتكلم في الكتاب المقدس، بحيث تُمحَّص جميع قرارات المجامع وآراء الآباء وتعاليم الناس بواسطة كلمة الله التي بها يجب أن تُقاس [2]. وبالمثل، أعلنت اعترافات لوثرية ومُصلَحة أخرى حقبة الإصلاح وما بعدها أن “سلطان الكتاب الإلهي فوق سلطان الكنيسة”، واعتُبر الكتاب القاعدة الوحيدة المعصومة للإيمان القويم [3]. هذه الاعترافات والوثائق التنظيمية شكّلت آلية كنسيّة واضحة لضمان بقاء سلطان الكتاب نظريًا وعمليًا، إذ ألزمت القادة والمعلمين بأن يكون البرهان الكتابي هو أساس أي تعليم يُقدَّم للشعب [4].

منابر الكلمة والأسرار:
لم يُلغِ الإصلاحيون الكلاسيكيون (وخاصة لوثر) المذبح أو سرّ ال، بل أعادوا العبادة لتتمحور حول الكلمة والسرّ معًا. صار شرح الكتاب المقدس بالوعظ المنتظم هو العنصر المركزي في الاجتماع الجماعي، وفي نفس الوقت ظل عشاء الرب يُحتفَل به بخشوع وبكِلا النوعين (الخبز والخمر) [AC X]، باعتباره سرًّا أسّسه المسيح نفسه وأوصى به . رفض لوثر فقط فكرة “ذبيحة القداس” كعمل بشري يُكرَّر تكفيرًا عن الخطايا [AC XXIV]، لكنه شدّد أن الإفخارستيا الحقيقية تُقام في كوسيلة للنعمة.

بهذا المعنى، لم يُستبدل المذبح بالمنبر، بل أُعيد التوازن: الكلمة تُكرز، والأسرار تُقام كما أوصى بها المسيح. اعتراف أوجسبورج يوضح أن علامات الكنيسة الحقيقية هي: “حيث يُعلَّم الإنجيل طاهرًا وتُقام الأسرار على نحو مستقيم” [AC VII]. ومن هنا شجّعت الكنائس أيضًا المؤمنين على قراءة الكتاب بأنفسهم في مجموعات (مثل دروس الكتاب و)، ما عزز ثقافة اللجوء المباشر للوحي في الإرشاد الروحي [5].

التقويم والتجديد المستمر:
أحد المبادئ التي تفرعت عن Sola Scriptura هو شعار: “الكنيسة المُصلحة يجب أن تُواصل الإصلاح” (Ecclesia reformata, semper reformanda). بمعنى أن على الكنيسة باستمرار أن تقوِّم ممارساتها وتعاليمها على ضوء كلمة الله، وتصوب المسار كلما اكتشفت انحرافًا ما. وقد شهد التاريخ بالفعل حركات تصحيحية داخل البروتستانتية نفسها (مثل في إنجلترا بالقرن 17م، وحركة التقوية اللوثرية بالقرن 18م) نادت بالعودة لتعاليم الكتاب في مجالات أهملتها الكنائس القائمة. هذا الاتجاه الإصلاحي الداخلي دليل أن مبدأ الكتاب وحده ظل عاملًا ومحركًا داخل التقليد البروتستانتي لتجديد الكنيسة وفق الأساس الكتابي [6].

التزام الطوائف اللاحقة أو انحرافها

ورغم التأصيل الواضح للمبدأ، اختلف مدى التزام الطوائف البروتستانتية عبر الزمن بـ Sola Scriptura بمفهومها الأصلي:

استمرار الالتزام المتزن:
حافظت الكنائس الإصلاحية التقليدية (كالكنائس المشيخية واللوثرية والمعمدانية المحافظة) على مبدأ سلطان الكتاب فعليًا، من خلال تمسّكها باعترافات إيمان تستند إلى الكتاب وتقديمها التعليم اللاهوتي ضمن إطار احترام إرث الكنيسة التفسيري دون إخضاع الكتاب له. فعلى سبيل المثال، ظلت الكنيسة اللوثرية ترفع شعارات “الكتاب يفسّر نفسه بنفسه” و“وضوح الكتاب”، لكنها أيضًا حفظت تقديرها لإجماع الكنيسة القديمة على العقائد الأساسية واستخدمت كتابات الآباء بطريقة تكميلية.

وكذلك الكنائس الإصلاحية (المشيخية) تمسكت بوستمنستر وغيره من الوثائق التي تعلن صراحة أن أي تعليم كنسي يمكن مراجعته وتصحيحه إذا تبيَّن عدم توافقه مع الكتاب. هذا التكامل بين كفاية الكتاب ووحدة الإيمان التاريخي جسّد الاستمرار الحقيقي لفكر المصلحين. وبشكل عام، بقيت التيارات الإنجيلية المحافظة ترى في الكتاب سلطة فوقية مطلقة، وتحرص أن “كل عقيدة يلزم أن تُثبت بنص صريح أو استنباط صحيح من الكتاب المقدس” [7]، وهو ما يظهر في كتاباتهم وعظاتهم وطرق استدلالهم [8].

ميل نحو التقليد الصفري والفردية:
على الجانب الآخر، انحرفت بعض الأوساط البروتستانتية تدريجيًا عن روح Sola Scriptura الأصلية نحو مفهوم مغالى فيه أقرب إلى Solo Scriptura. فمع صعود الروح الفردية و خاصة في التقليد الأمريكي بالقرنين 18–19م، ظهرت حركات وشعارات ترفض أي سلطة كنسيّة أو إجماع تاريخي، وترفع شعار “لا كتاب إلا الكتاب” بمعزل عن أي تفسير جماعي. على سبيل المثال، أعلن ألكسندر كامبل (أحد قادة حركة الاستعادة في أمريكا، 1809م) أنه يجتهد أن يقرأ الكتاب “كما لو لم يسبقه أحد إلى قراءته”، ورفع كثيرون غيره شعار: “الكتاب كله ولا شيء غير الكتاب”.

هذه العقلية شجعت نزعة استقلالية قصوى في تفسير الكتاب وانعدام المحاسبة، فانتشرت مئات الجماعات المستقلة كل واحدة تدّعي تأسيس معتقداتها فقط على الكتاب بينما تصل لتفسيرات متباينة جدًا. يصف الباحث كيث ماثيسون هذا التطور بأنه انقلاب الكتاب وحده إلى “أنا وحدي”. مثل هذا النهج في نظر ماثيسون يضع الفرد في مقام السلطة النهائية بدلًا من الكتاب نفسه؛ فكل شيء يقاس في النهاية برأي الشخص وما يراه “كتابيًا” في نظره. وهكذا آل الأمر إلى ضرب من النسبية الذاتية، حيث لم يعد هناك مرجح ملزم عند اختلاف التفسيرات سوى قناعة كل فرد في عزلتة. هذا انحراف واضح عن مقصود المصلحين الذين لم يقولوا إن “الكتاب وحده” تعني “لي وحدي حق تفسيره” [9][10].

الإفراط في اعتماد التقليد الكنسي الجديد:
من ناحية أخرى، شهدت بعض الفئات البروتستانتية ما يمكن تسميته ارتدادًا معاكسًا نحو الاتكاء الزائد على التقليد البشري. فمثلًا، في القرن التاسع عشر وأوائل العشرين، انجرف التيار ال في الكنائس البروتستانتية إلى تبني منهج نقدي عقلي جعل الفكر الإنساني والعلم الحديث عمليًا فوق الكتاب. اعتبر لاهوتيو هذا الاتجاه أن كثيرًا من تعاليم الكتاب نتاج ثقافة قديمة يجب تعديلها أو تأويلها جذريًا لملاءمة العقلانية الحديثة.

وهكذا أفرغوا مبدأ Sola Scriptura من مضمونه، إذ صار سلطان النقد العلمي أو التقليد الفكري العصري أعلى من نصوص الوحي نفسها. هذا بالطبع خروج جوهري عن موقف الإصلاح ومبدأ الكتاب وحده. وبالمثل، ظهرت في القرن العشرين حركات داخل البروتستانتية تبالغ في التقليد الكنسي الطائفي: فبعض الكنائس العالية الطقس (كالأنجليكانية الأنجلو-كاثوليكية) عادت لتشدد على سلطة التقليد الكاثوليكي الرسولي بشكل يقارب مفهوم “التقليد الثاني”، مما أضعف تركيزها على كفاية الكتاب وحده [11].

نتائج الانحراف:
نتيجة لهذه الانحرافات بشقيها (الفردية المفرطة أو الاعتماد المفرط على تقاليد غير كتابية)، واجهت البروتستانتية تحديات خطيرة. فالنزعة الفردية والتفسير الخاص قادت إلى طوائف لا حصر لها وانقسامات أضعفت شهادة وحدة الكنيسة، كما أنها أوقعت البعض في دوامة الشك والتشوش، ودَفَعت عددًا من المؤمنين البروتستانت الذين سئموا انعدام اليقين إلى اعتناق الكاثوليكية أو الأرثوذكسية حيث ظنّوا أنهم يجدون سلطانًا مستقرًا.

وعلى الجانب الآخر، فإن تمييع سلطان الكتاب لصالح الفكر الحداثي أو التقليد الطقسي جعل كنائس أخرى تنحرف عن جوهر الإنجيل نفسه أحيانًا، ما دفع جماعات إنجيلية إلى الانفصال عنها حفاظًا على نقاء التعليم الكتابي. باختصار، عندما لم يُفعَّل مبدأ Sola Scriptura بالمعنى الإصلاحي الصحيح، إما أفرطًا أو تفريطًا، ظهرت آثار سلبية على وحدة الكنيسة وصحة تعليمها [12]، [13].

مقارنة ختامية

من المهم التمييز بين Sola Scriptura الأصيلة ونسخها المشوّهة. فالأولى تعني: الكتاب المقدس هو المصدر الوحيد المعصوم يستنير به كل ما عداه، والتقليد الكنسي له مكانة مرجعية خادمة يوجّهنا للاستنارة بفهم الكنيسة الجامعة عبر العصور – بشرط خضوعه للكتاب. أما النسخ المشوّهة فتقع إما في رفض كل تراث (Solo Scriptura) أو رفع التراث البشري لمرتبة المساوي للكتاب أو أحيانًا فوقه (وهو ما ثار ضده المصلحون ابتداءً).

من ثمَّ فنجاح المبدأ تاريخيًا اقترن بالموازنة التي أرسيت خلال عصر الإصلاح: لا كنيسة بلا كتاب، ولا فهم سليم للكتاب في عزلة عن الكنيسة. هذا ما سعت الطوائف المخلصة للإصلاح للحفاظ عليه، في حين تخلّت عنه أو شوّهته طوائف أخرى بدرجات متفاوتة [14]، [15].

‎ ‎ هوامش ومصادر: ‎ ‎
  1. Westminster Confession of Faith (1646), ch. 1 (Of the Holy Scripture) [🡁]
  2. Westminster Confession of Faith (1646), ch. 1 (Of the Holy Scripture) [🡁]
  3. , Reformation Thought: An Introduction, 4th ed. (2012) [🡁]
  4. Westminster Confession of Faith (1646), ch. 1 (Of the Holy Scripture) [🡁]
  5. Alister E. McGrath, Reformation Thought: An Introduction, 4th ed. (2012) [🡁]
  6. Alister E. McGrath, Reformation Thought: An Introduction, 4th ed. (2012) [🡁]
  7. Westminster Confession of Faith (1646), ch. 1 (Of the Holy Scripture) [🡁]
  8. Alister E. McGrath, Reformation Thought: An Introduction, 4th ed. (2012) [🡁]
  9. , The Shape of Sola Scriptura (2001[🡁]
  10. , God's Word Alone: The Authority of Scripture (Zondervan, 2016) [🡁]
  11. Alister E. McGrath, Reformation Thought: An Introduction, 4th ed. (2012) [🡁]
  12. Keith A. Mathison, The Shape of Sola Scriptura (2001) [🡁]
  13. Alister E. McGrath, Reformation Thought: An Introduction, 4th ed. (2012) [🡁]
  14. Keith A. Mathison, The Shape of Sola Scriptura (2001) [🡁]
  15. Alister E. McGrath, Reformation Thought: An Introduction, 4th ed. (2012) [🡁]

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي 0 حسب تقييمات 0 من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

‎ ‎ جزء من سلسلة: ‎ ‎ ليس رجلا من قش[الجزء السابق] 🠼 المصلحين الأوائل
أشرف سمير
Environmental Planning & Management Systems Specialist في Vodafone Egypt   [ + مقالات ]
‎ ‎ نحاول تخمين اهتمامك… ربما يهمك أن تقرأ أيضًا: ‎ ‎