- بدعة الملك الألفي الحرفي للمسيح
- أصل التعليم بالملك الألفي للمسيح
- موقف المسيح والرسل من الملك الألفي
- تفشي التعليم الألفي في الجماعات الأولى
- رفض تعليم الملك الألفي [١]
- رفض تعليم الملك الألفي [٢]
- رفض تعليم الملك الألفي [٣]
- ☑ رفض تعليم الملك الألفي [٤]
نواصل الحديث عن موقف الكنيسة الرافض لتعليم الملك الألفيّ الحرفيّ للمسيح على الأرض، ومن خلال كتابات آباء الكنيسة المعلِّمين عبر العصور، وفي تقاليد كنسية مختلفة شرقًا وغربًا. كما نتناول البدع والهرطقات المختلفة التي تبنَّت تعليم الملك الألفيّ الماديّ للمسيح، وكيف تصدى آباء الكنيسة لهذا التعليم المتهود المنحرف عبر العصور.
ق. إبيفانيوس السلاميسيّ
دحض بدعة الناصريين الألفية
يدحض ق. إبيفانيوس، أسقف سلاميس، بدعة الناصريين المتهودين، الذين نادوا بمُلك أرضيّ ماديّ للمسيح، حيث يؤكد ق. إبيفانيوس على أن كرسي داود وكرسي ملكه هو الكهنوت في الكنيسة المقدَّسة، وأن الربَّ يسوع جمع بين الرتبة الملوكية والرتبة الكهنوتية العليا، ومنحها لكنيسته المقدَّسة بنقل كرسي داود إليها دون انقطاع: [1]
لأن كرسي داود وكرسي ملكه هو الكهنوت في الكنيسة المقدَّسة. وقد جمع الربُّ بين هذه الرتبة الملوكية والكهنوتية العليا، ومنحها لكنيسته المقدَّسة بنقل كرسي داود إليها، لا ينقطع أبدًا. استمر عرش داود في الماضي بالوراثة حتى المسيح نفسه، إذ لم يفشل رؤساء يهوذا حتى جاءما وُضِعَ له، وهو انتظار الأمم[2] كما يقول الكتاب.(إبيفانيوس أسقف سلاميس، باناريون ضد الهرطقات ج1)
ويعود ويُؤكِّد ق. إبيفانيوس، في سياق دحضه لبدعة الناصريين الألفية، على انتقال العرش الملوكيّ، ورتبة الملك، في المسيح، من بيت داود وإسرائيل الماديّ إلى الكنيسة، لأن العرش تمَّ تأسيسه في كنيسة الله المقدَّسة إلى الأبد: [3]
ولكن مع انتقال العرش الملوكيّ، انتقلت رتبة الملك، في المسيح، من بيت داود وإسرائيل الماديّ إلى الكنيسة. العرش تمَّ تأسيسه في كنيسة الله المقدَّسة إلى الأبد.(إبيفانيوس أسقف سلاميس، باناريون ضد الهرطقات ج1)
ويرى ق. إبيفانيوس أن مملكة المسيح ليست مملكةً أرضيةً، كما اعترف بذلك لبيلاطس البنطيّ في الإنجيل بأن مملكته ليست من هذا العالم، لأن المسيح كرسيه ثابتٌ، ولن يكون لملكه نهاية، وهو جالس على كرسي داود، ونقل مُلك داود وأعطاه مع الكهنوت الأعظم لعبيده من كهنة الكنيسة الجامعة: [4]
الآن ربنا يسوع المسيح، هوكاهنٌ إلى الأبد على رتبة ملكي صادق[5]، وفي نفس الوقت هو ملكٌ بالوراثة، حتى ينقل الكهنوت مع وضع الناموس. وبما أن نسل داود، من خلال مريم، يجلس على العرش، فإنكرسيه يبقىإلى الأبد، ولن يكون لملكه نهاية. وعليه الآن أن ينقل ترتيب الملكية السابقة؛ فإن مملكته ليست أرضيةً، كما قال لبيلاطس البنطيّ في الإنجيل:مملكتي ليست من هذا العالم[6]. لأنه إذ كان المسيح يُتمِّم [7] كل ما قيل بالألغاز، وصل القياس إلى الحد الأقصى. لأن الذي هو ملكٌ على الدوام لم يأت ليُحقِّق السيادة. لقد منح التاج لمَن عيَّنهم، لئلا يُظنّ أنه ارتقى من مرتبةٍ أدنى إلى مرتبةٍ أعلى. لأن كرسيه ثابتٌ، ولن يكون لملكه نهاية، وهو جالسٌ على كرسي داود، ونقل مُلك داود وأعطاه مع الكهنوت الأعظم لعبيده. كهنة الكنيسة الجامعة.(إبيفانيوس أسقف سلاميس، باناريون ضد الهرطقات ج1)
دحض بدعة أبوليناريوس الألفية
يدحض ق. إبيفانيوس السلاميسيّ تعليم أبوليناريوس اللاوديكيّ المتهود عن الملك الألفيّ الحرفيّ، حيث يرى ق. إبيفانيوس أن الناموس الذي أعطاه الربُّ على يد موسى هو مُؤدِّبنا إلى المسيح بسبب دونيته عن الأشياء الكاملة، ولكن قد تمَّ إلغاؤه لأن المسيح الكامل والربَّ قد جاء واستقبل العروس المقدَّسة والكنيسة، أيّ المؤمنين، من مُرشِد المتدرِّبين، ويرى ق. إبيفانيوس أن الرسول بولس كان يقصد العهد القديم والناموس عندما قال إنه ما عتق وشاخ هو قريبٌ إلى الاضمحلال: [8]
مع ذلك، يقول أبوليناريوس إننا نتناول الملذات المادية أولًا، في الألفية، دون تعب أو حزن، ولكن بعد الألفية، نشارك في الأشياء التي كما قيل:لم تر عينٌ ولم تسمع أذنٌ. ولكن هذا يخالف وجهة نظر الكتاب المقدَّس بأكمله. لأنهإنْ كان الناموس لم يُكمِّل شيئًا[9]، لكننا أُوصِيَنا أن نحفظ الناموس بعد قيامتنا، فهذا تناقضٌ. وإذَا كانالناموس المُقدَّسالذي أعطاه الربُّ على يد موسى هومُؤدِّبنا إلى المسيح[10]، [11]، بسبب دونيته عن الأشياء الكاملة [12]، ولكنه تمَّ إلغاؤه لأن المسيح الكامل والربَّ قد جاء واستقبل العروس المقدَّسة والكنيسة من مُرشِد المتدرِّبين، أيّ المؤمنين – وإذَا كُنا قد تعرَّفنا على يسوع الأعظم والمُكمِّل [13] من خلال ناموس المرشِد – كيف لا يمكن أن تكون حجتهم سوى علامةٌ على تفكير سطحيّ وسخافة، عندما يقولون مثل هذه الأشياء. هناك حاجةٌ إلى مُرشِد مرةً أخرى بعد كمال المسيح، حتى نتمكَّن من العودة إلىأركان بداءةالتعليم، ووضع الأيدي[14]، [15]، كما يقول الكتاب. لكن يُخبرنا الرسول بوضوحٍ، وكأنه يقصد العهد القديم والناموس، أنما عتق وشاخ فهو قريبٌ من الاضمحلال[16].(إبيفانيوس أسقف سلاميس، باناريون ضد الهرطقات ج3)
ق. إيرونيموس چيروم
أسطورية الملك الألفيّ الحرفيّ
كان تفسير ق. چيروم لتفاصيل الدهر الآتيّ حذرًا وتقليديًا. فقد رفض التفسير الحرفيّ للمُلك الألفيّ باعتباره من قبيل الأساطير، [17]، [18] وفضَّل في تفسيره لسفر حزقيال (بعد عام 411) أن يأخذ تفاصيل أورشليم الجديدة في سفر الرؤيا [19] باعتبارها إشاراتٍ رمزيةً إلى الكنيسة التاريخية. [20] ومع ذلك، فقد حرص في نفس المقطع على ذكر التفسير الألفيّ لترتليانوس وفيكتورينوس وإيرينيؤس وأبوليناريوس باعتباره تقليدًا محترمًا، لا يتطابق على الإطلاق مع الآمال اليهودية ”المادية“. [21]، [22]، [23]
ويصف ق. چيروم التعليم بالملك الألفيّ الحرفيّ بأنه خرافةٌ من نسج خيال اليهود: [24]
لقد اكتملت ألف سنة من سفر الرؤيا، وتحرَّر الشيطان […] نحن الروحانيون نفهم الألف سنة على أنها مدة العصر الحاضر كاملة، ونرفض خرافة مملكة الألف سنة، فهي من نسج خيال اليهود.(Jerome, Commentary on Isaiah)
تايكونيوس الدوناتيّ
الملك الألفيّ الروحيّ للمسيح
يُفسِّر تايكونيوس الدوناتيّ، المفسِّر اللاتينيّ لسفر الرؤيا، والمؤثر في اسخاتولوچيّ أوغسطينوس أسقف هيبو، وعد المُلك الألفيّ في سفر الرؤيا [25] بأنه يُشِير إلى زمن الكنيسة من الآم الربِّ حتى مجيئه الثانيّ
. [26]، [27] القيامة الأولى
، التي تفتتح ألف سنة من مُلك الكنيسة مع المسيح المنتصر، هي إعادة ميلاد المعمودية التي تؤدي إلى التحرُّر من موت الخطية: [28]، [29] إنها الوعد المتاح في العصر الحاضر من خلال التوبة […] بداية اليوم الأبديّ
[30]، [31].
في العصر الحاضر، يُكلَّل القديسين بالفعل من المسيح المنتصر الذي يدين العالم [32]. فإن عرش مجد الربِّ هو إنسانيته الممجَّدة: وينضم كل جيل القديسين إلى جسده باستمرارٍ، ويجلس بواسطة رأسه عن يمين القوة، ويدين بواسطة كهنته وجميع خدامه. إنه يدين الآن في الكنيسة، لأن كل [مسيحيّ] منشغلٌ بالتوبة، ويُشعِل الحب في الآخر، أيّ المحبة
[33]، [34].
كل البركات الموعودة للمؤمنين في الحياة الآتية –الصحة، والشباب، والغذاء الوفير– موجودةٌ بالفعل في الكنيسة روحيًا، لأننا لبسنا المسيح وامتلأنا من فرح الروح
. [35]، [36] إن خدام الله الذين يتخلون عن كل انشغال في العالم
، يتوقعون بالفعل في تخليهم انتقال الكنيسة إلى رؤيا الله الطوباوية، وفي معاينتهم هنا يبدأون في التمتُّع بالحياة الأبدية
. [37]، [38] يتنبأ تايكونيوس في كثير من النواحي بكلٍّ من إكليسيولوچيّ واسخاتولوچيّ أوغسطينوس، الذي اعترف على مضض إلى حدٍّ ما بفضل الكاتب الدوناتيّ وإعجابه به [39]، [40]، [41].
ق. يوحنا كاسيان
دحض الملك الألفيّ الجسدانيّ
يُشِير ق. يوحنا كاسيان، نقلًا عن الأب إبراهيم، أحد آباء البرية المصرية، إلى قول البعض بفكرٍ أحمق أن هناك مكافأت سوف تُعطَى للقديسين بطريقةٍ جسديةٍ في الحكم الألفيّ، ويُسلِّمون بأن هذا العصر الذي سيحدث بعد القيامة لا يمكن مساواته بالعصر الحاليّ: [42]
ولكن كثيرون إذ انتهزوا فرصة هذا القول يُصرُّون بفكرٍ أحمق على أن هذه الأمور ستُعطَى للقديسين بطريقةٍ جسديةٍ في الحكم الألفيّ، على الرغم من أنهم يُسلِّمون بأن هذا العصر الذي يقولون إنه سيحدث بعد القيامة لا يمكن مساواته بالحاليّ.(يوحنا كاسيان، المحاورات)
ثم ينقل ق. يوحنا كاسيان دحض الأب إبراهيم للمُلك الألفيّ الحرفيّ الماديّ والجسدانيّ، ويُوضِّح أن كثيرين أسأوا استغلال نص سفر الرؤيا عن الألف سنة كفرصةٍ لبلبلة مفاهيم البعض، ويدَّعون عن جهل أن الملك الألفيّ هو تحقيق للأمور الجسدية، ولكنه يرى أن هذا النص يشير إلى أن مَن يتبع المسيح تخفُّ عنه الآلام العالمية والملذات الأرضية، فالارتباط في الحياة هو شركةٌ وارتباطٌ روحيٌّ بإخوة وشركاء للإنسان في الحياة، وهكذا عوض الفرح الذي يختبره الإنسان بملكيته حقل أو منزل في الملك الألفيّ الحرفيّ، فإنه يتمتَّع ببهجة الغنيّ مئات المرات بكونه ابنًا لله يملك كل ما يخص الآب واضعًا في قلبه وروحه مثال الابن الحقيقيّ، وهكذا أيضًا عوض المباهج المزدرية والعواطف الأرضية يُوهَب للإنسان فرحٌ روحيٌّ، وسعادة الحب الثمين للغاية، ولو بنفس القدر، لكنه أفضل منها مائة ضعف أو أكثر: [43]
يتحقَّق هذا بحقٍ وصدقٍ، ولا يضطرب إيماننا لأن كثيرين استغلوا هذا النص كفرصةٍ لبلبلة مفاهيم البعض قائلين بأن هذه الأمور [المائة ضعف] تتحقَّق جسديًا في الألف سنة، لكن الأمر المعقول جدًا والواضح وضوحًا تامًا أن مَن يتبع المسيح تخف عنه الآلام العالمية والملذات الأرضية، مُتقبِلًا إخوة وشركاء له في الحياة ارتبط بهم ارتباطًا روحيًا. فيقتني في هذه الحياة حبًا أفضل مائة مرة من الحب الناتج عن الرباط الدمويّ. […] وعوض الفرح الذي يختبره الإنسان بملكيته حقل أو منزل، يتمتَّع ببهجة الغنيّ مئات المرات بكونه ابنًا لله يملك كل ما يخص الآب واضعًا في قلبه وروحه مثال الابن الحقيقيّ القائل:كل ما للآب هو لي[44]. إنه يربح لنفسه كل شيء مُنصِتًا كل يوم لإعلان الرسول:كل ما لي هو لكم[45]. […] وهكذا عوض المباهج المزدرية والعواطف الأرضية يُوهَب لك فرح روحيّ، وسعادة الحب الثمين للغاية، ولو بنفس القدر، لكنه أفضل منها مائة ضعف أو أكثر.(القمص تادرس يعقوب ملطي، القديس يوحنا كاسيان)
صدر للكاتب:
ترجمة كتاب: "الثالوث"، للقديس أوغسطينوس أسقف هيبو [٢٠٢١]
كتاب: عظات القديس غريغوريوس النيسي على سفر الجامعة [٢٠٢٢]
ترجمة كتاب: "ضد أبوليناريوس"، للقديس غريغوريوس النيسي [٢٠٢٣]
كتاب: الطبيعة والنعمة بين الشرق والغرب [٢٠٢٣]
كتاب: مونارخية الآب في تعليم آباء الكنيسة [٢٠٢٤]
