# Theosis Across Borders — Full Content
> Complete content index for LLM consumption
> Generated: 2026-08-04 | Posts: 300
---
## Theosis Across Borders
URL: https://tabcm.net/
Type: page
Modified: 2026-08-03
الأكثر إنتاجية
الأكثر شعبية
#
User Display Name
مقالًا
1
بيشوي القمص
4
2
أشرف سمير
4
3
باسم الجنوبي
3
4
مايكل جميل
3
5
أنطون جرجس
3
6
رامي كامل
2
7
جميل رسمي
1
#
User Display Name
متابعًا
1
باسم الجنوبي
896
2
بيتر مجدي
650
3
بيشوي القمص
207
4
أشرف سمير
204
5
أنطون جرجس
172
6
مايكل جميل
152
7
رامي كامل
101
طبقًا لمخرجات الشهر الماضي فقط
المخرجات العامة
شئون علمانية
كتاب مقدس
ﻻهوتيات
إصلاح كنسي
تاريخ وميثولوچيا
المرأة القبطية
أدبيّات وفنون
مقاﻻت وآراء
يكتب معنا
76
كاتبًا
1754
مقالًا
ميرنا عادل
2 مقال
بيتر مجدي
91 مقال
الأب برتي المقاري
44 مقال
كمال زاخر
194 مقال
ناني عبد الحكم
2 مقال
مارسيل نظمي
20 مقال
أشرف سمير
59 مقال
مايكل جميل
61 مقال
وديع منصور
8 مقال
فادي سليم
27 مقال
بيشوي القمص
127 مقال
ماري سرجة
12 مقال
رامي كامل
8 مقال
باسم الجنوبي
127 مقال
سعيد فايز
10 مقال
سليمان وديع
4 مقال
چون جبرائيل الدومنيكي
80 مقال
فريق العمل
اكتب مقالك معنا
دليل الكاتب
---
## [١] أنواع ومنهجيات البحث
URL: https://tabcm.net/2235/
Type: post
Modified: 2026-08-03
السلسلة دي بنسبة كبيرة هتبقى معتمدة على الكتب الآتية:
John Joseph Collins, Introduction to the Hebrew Bible, Fortress Press, 2014.
Michael D. Coogan, The Old Testament: A Historical and Literary Introduction to the Hebrew Scriptures, Oxford University, 2005.
Stephen L. Harris & Robert Leonard Platzner, The Old Testament: An Introduction to the Hebrew Bible, McGraw Hill, 2007.
Barry L. Bandstra, Reading the Old Testament: Introduction to the Hebrew Bible, Cengage Learning, 2008.
Jan Christian Gertz, Grundinformation Altes Testament: Eine Einführung in Literatur, Religion und Geschichte des Alten Testaments, UTB, 2010.
مع الاستعانة بمصادر أُخرى من وقت لآخر.
في المقال دا، هنتكلم شويه عن محتويات الكتاب المقدس العبري مقارنة بالعهد القديم، وعن المحطات المهمة في مناهج البحث.
اولًا: محتويات الكتاب المقدس العبري والعهد القديم: (التناخ-TaNaK)
بيتكون من 24 كتاب، بيقسمهم اليهود لثلاثة أقسام:
1- التورآة (Torah):
بتحتوي على 5 كتب:
التكوين
الخروج
اللاويين (الأحبار)
العدد
التثنية
2- الأنبياء (Nebi’im):
بتحتوي على 8 كتب وبتنقسم لقسمين:
أ- الأنبياء السابقين فيهم 4 كتب:
يشوع
القضآة
صموئيل
الملوك
ب- الأنبياء اللاحقين فيهم 4 كتب:
إشعياء
أرميا
حزقيال
الإثنى عشر (هوشع، يوئيل، عاموس، عوبديا، يونان، ميخا، ناحوم، حبقوق، صفنيا، حجي، زكريا، ملاخي)
3- الكتابات (Ketubim):
بتحتوي على 11 كتاب:
المزامير
الأمثال
أيوب
نشيد الأناشيد
راعوث
المراثي
الجامعة
استير
دانيال
عزرا – نحميا
الأخبار
الطوائف المسيحية بتسمي الكتب دي بالعهد القديم على اعتبار ان العهد الجديد حل محله أو أتمه.
الكنائس البروتستانتية ليها نفس تقسيمة اليهود للتناخ / العهد القديم، لكنها بتختلف في ترتيهم، كل من (صموئيل، ملوك، عزرا، نحميا، الأخبار) بيتم تقسيمهم لكتابين، والإثني عشر بيتم تقسيمهم لـ12 كتاب، فبيبقوا في النهاية 39 سفر بدل 24،
لكنهم نفس الأسفار. بيتم ترتيبهم بشكل مختلف عن ترتيب اليهود، بيبدأ بالتورأة (الأسفار الخمسة Pentateuch بنتاتوخ)، بعدين الأسفار التاريخية (يشوع، قضآة، راعوث، صموئيل أول وثاني، ملوك أول وثاني، الأخبار أول وثاني، عزرا، ونحميا، إستير)، بعدين الأسفار الشعرية / الحكمية (أيوب، مزامير، أمثال، جامعة، نشيد الأناشيد)، بعدين أسفار الأنبياء (إشعياء، إرميا، المراثي، حزقيال، دانيال، الأنبياء الإثني عشر بعد ما تم تقسيمهم لـ12 سفر).
الكنيسة الكاثوليكية ليها نفس تقسيمة الكنيسة البروتستانتية، لكنها بتضيف الأسفار الآتية:
طوبيا ويهوديت، باعتبارهم أسفار تاريخية، بيكونوا موجودين بعد سفر نحميا وقبل سفر إستير.
سفر إستير فيه بعض الإضافات مش موجودة في التقنين اليهودي أو البروتستانتي.
مكابيين الأول والثاني، باعتبارهم أسفار تاريخية، بيكونوا موجودين بعد إستير وقبل أيوب.
سفر الحكمة وسفر يشوع ابن سيراخ، باعتبارهم إسفار شعرية / حكمية، بيكونوا موجودين بعد سفر نشيد الأناشيد وقبل سفر إشعياء.
سفر باروك / باروخ، باعتباره سفر نبوي، بيحتوي على رسالة إرميا، بيكون موجود بعد سفر المراثي وقبل سفر حزقيال.
سفر دانيال بيحتوي على بعض الإضافات مش موجودة في التقنين اليهودي أو البروتستانتي.
الكنيسة الارثوذكسية اليونانية والروسية ليها نفس تقسيمة الكنيسة الكاثوليكية واسفارها، لكنها بتضيف سفر إسدراس الأول بعد سفر عزرا وقبل نحميا (والكنيسة الروسية بتضيف إسدراس الثاني)، وبيضيفوا مكابيين ثالث بعد المكابيين الثاني ضمن الأسفار التاريخية، والمزامير بيضيفوا مزمور زيادة (المزمور 151)، وصلاة منسى، وبيتم اضافة سفر مكابيين الرابع للفهرس.
الكنيسة الإثيوبية بتضيف سفر اليوبيلات وأخنوخ الأول.
بعض الكنائس الشرقية بتضيف أسفار أُخرى.
الأسفار الغير موجودة في الكتاب المقدس العبري اليهودي اتكتبت في فترات متأخرة نسبيًا عن باقي الأسفار، واوقات بتكون لغتها الأصلية اللغة اليونانية،
دي نظرة عامة على محتويات العهد القديم، لكن مش موضوعنا الأساسي البحث في قانونية الأسفار.
كيف أصبحت أناجيل العهد الجديد "قانونية"؟يقوم الإيمان المسيحي على أساس نصوص تعد كتابًا مقدسًا. لكن كيف أصبحت هذه النصوص مقدسة (قانونية)؟ بعض الأديان ليس لديها ما نسميه نحن كتابا مقدسا كما في الإسلام أو اليهودية أو المسيحية. فبعض الديانات لديها الكثير من الكتابات الدينية، ولكن ليس لديهم مجموعة واحدة محددة من الكتابات تم عزلها عن جميع الكتابات الأخرى بالتقنين. تشير […]
ثانيًا: المحطات المهمة في مناهج البحث:
في القرن الـ19 بدأ يظهر اتجاهات لدراسة العهد القديم بشكل منهجي وكان من أشهر الباحثين اللي ظهروا هو السكولار الألماني يوليوس ڤلهاوزن اللي بيعتبر مؤسس الفرضية الوثائقية اللي اتكلمت عنها في سلسلة تكوين التوراة. الفرضية قائمة على منهجية من البحث معروفة باسم Source Criticism (نقد المصدر) وهي بتقسم التورآة لـ4 مصادر مستقلة (المصدر اليهوي، والمصدر الإيلوهيمي، والمصدر الكهنوتي، والمصدر التثنوي)، النظرية لاقت قبول قوي مع ظهورها لكن مع الوقت إبتدا البعض يتراجع عنها. حاليًا هي بتلقى قبول في أمريكا وإسرائيل، لكنها بتلقى قبول أقل في ألمانيا، مشكلة فلهاوزن إنه لما ظهر مكانش لسة تمت ترجمة أساطير الشرق الأدنى القديم (تمت ترجمتها في حياته لكنه لم يؤسس شغله عليها)، وبالتالي مكانش في تركيز في منهجيته أوي على السياق الثقافي/ الأسطوري المؤثر على كتابة التوراة.
كرد فعل لقصور شغل يوليوس فلهاوزن، ظهر السكولار الألماني هرمان جونكل وكان شغله معتمد على منهجية بحث معروفة باسم Form Criticism (نقد الشكل) وهي منهجية بتركز على وحدات أو قصص محددة من النص (من التكوين مثلًا) وبالتالي لفت النظر لضرورة الانتباه للتنوع الأدبي للنص لإمكانية فهمه والنظر لسياقه الاجتماعي، جونكل مرفضش نقد المصدر اللي أسسه فلهاوزن ولا قلل من أهميته، لكن كان تركيزه الأساسي في النظر لأدبيات الشرق الأدنى القديم ومقارنته بالعهد القديم لإمكانية فهمه في سياقه، لكن كان أحد عيوب النظرة دي هي تقسيم التوراة لقصص مستقلة وبالتالي مش بتقدر توضح او تضع تكاملية النص في الاعتبار وبتتعامل معاه باعتباره نصوص مستقلة ومتقطّعة.
كرد فعل للقصور دا ظهر Redaction Criticism (النقد التحريري) في منتصف القرن العشرين على ايد الباحثين الألمان جيرهارد ڤون راد ومارتن نوث، فون راد شغله كان منصب على المصدر اليهوي، ونوث على المصدر التثنوي (هو اللي لفت النظر لوحدة التأريخ التثنوي من يشوع للملوك بحسب التقسيم اليهودي للأسفار)، نقد التحرير مرتبط بشكل وثيق بنقد المصدر ونقد الشكل، لكنه أظهر اهتمام واسلوب بحث مختلف في التعامل مع العهد القديم في الوسط الأكاديمي.
في أمريكا الشمالية ظهر اهتمام لدراسة العهد القديم عن طريق الأركيولوجي، وكان من أشهر الباحثين ويليام أولبرايت وتلميذه چون برايت ولاقت المنهجية دي قبول للسكولارز في إسرائيل، وكان في الوقت دا من المتوقع إن الأركيولوجي أبحاثه هتتكامل مع نصوص العهد القديم، لكن مع الوقت إبتدت الاكتشافات الأثرية تتباعد بشكل قوي، وبالتالي رجع التركيز مرة تانية في التعامل مع العهد القديم من منطلق النقد الأدبي (كتاب The Bible Unearthed لإسرائيل فينكلشتاين Israel Finkelstein بيناقش النقطة دي).
أثناء كتابتي ممكن أتعرض لفرضية أُخرى بدأت تلقى قبول كبديل للفرضية الوثائقية وهي Supplementary Hypothesis (الفرضية التكاملية) واللي بتفترض إن المصدر التثنوي تمت كتابته أولًا في نفس الزمن اللي بتضعه فيه النظرية الوثائقية، لكن تمت كتابة المصدر اليهوي بعد المصدر التثنوي، وأخيرًا تمت كتابة التقليد الكهنوتي، المصدر الإيلوهيمي في الفرضية التكاملية بيتم اعتباره واحد مع المصدر اليهوي، مش مصدر مختلف.
أنا مش برجح أي فرضية عن التانية، لكن دول الفرضيتين الأكثر قبولًا النهاردة بين الباحثين، وإن أمكن هحاول أعقد مقارنات بين الفرضيتين في التعامل مع بعض النصوص.
---
## الذين لا يقيمون وزنا للتاريخ
URL: https://tabcm.net/27966/
Type: post
Modified: 2026-08-03
منذ أيام، كانت ذكرى القديس كيرلس الكبير، الملقب بـ"عمود الدين". قدّم القديس كيرلس لاهوتًا شرقيًا تستعين به الكنيسة في فهم الثالوث والجدل حول الكريستولوجيا. لجأت الكنيسة الكاثوليكية لأعماله عندما رأت فيه شاهدًا من الآباء اليونانيين الكبار على انبثاق الروح القدس من الآب والابن ((في القرن التاسع عشر، أعلن البابا ليون الثالث عشر اعتبار القديس كيرلس معلمًا للكنيسة الجامعة. )). لكن في الوقت ذاته، وبعيدًا عن التنظير اللاهوتي وما ساهم به من إنجازاتٍ غير مسبوقة، فمن مدخل الدفاع عن الأرثوذكسية ضلع بما نسميه اليوم؛ تطهيرًا على أسس دينية. أكثر ما اشتهر به في كنيسة الإسكندرية هو كتاباته بخصوص الصراع النسطوري ((أنبا غريغوريوس أسقف عام للدراسات اللاهوتية العليا والبحث العلمى، مذكرة: علم اللاهوت المقارن، الكلية الإكليريكية اللاهوتية للقبط الأرثوذكس، الصفحات 106 - 107. )). لا يعلم أغلب الأقباط شيئًا عن توسعه في مفهوم الاستشهاد بحيث يشمل المبادرين بالاعتداء بشكل لم تعرفه المسيحيّة قبله، أو توليه سدة الإسكندرية بعد يومين فقط من وفاة خاله، البطريرك ثاؤفيلس، مؤسس الهرطقة الأنثروبومورفية ((عزت إندراوس، موسوعة تاريخ أقباط مصر، التاريخ والبابا ثاؤفيلس البطريرك رقم 23. )) وزعيم رهبنة العصابات السوداء، البارابولاني ((بارابولاني: πᾰρᾰβολᾶνοι (parabolânoi)، هي كلمة تعود بأصولها إلي تعبير paraballesthai ten zoen بمعنى: الذين لا يقيمون وزنا للحياة الدنيا، كان أول ظهور للبارابولاني في عهد البابا "ديونيسيوس الكبير" في النصف الثاني من القرن الثالث، كأخوية دينية متطوعة لدفن الموتى خلال وباء الطاعون الذي ضرب الإسكندرية، ومنذ ذلك الحين أستمر البارابولاني تحت سلطة بطريرك الإسكندرية كنوع من الحرس الخاص وكانت لهم سلطة دينية واجتماعية باعتبارهم وكلاء البطريرك. استخدمهم البطريرك ثاؤفيلس في تعذيب وحرق قلالي الرهبان في أحداث وادي النطرون، وأعاد البطريرك “كيرلس” تنظيمهم للاستعانة بهم في الأحداث التي تستدعي القمع بالقوة. في الأعوام 416، 418م ظهرت مراسيم إمبراطورية تحظر أن يزيد عددهم عن 500 فردًا، مع تجريم وجودهم في الأماكن العامة بسبب سلوكهم القتالي العنيف. )) والذين أخضعهم كيرلس، ربيب دير القديس مكاريوس الكبير، والذي شهد فيه تعذيب وقتل رهبان أمونيوس [الأخوة الطوال] ((موقع سانت تكلا هيمانوت، سير القديسين والشهداء في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية الأب أمونيوس الطويل. )) بواسطة رهبان وادي النطرون [الأنثروبومورفليت] ((عزت إندراوس، موسوعة تاريخ أقباط مصر، مشكلة الأخوة الطوال. )). لا يعلم المعاصرون شيئًا عما هو مُتهم به باستثناء ما تجادل حوله المؤرخون في واقعة تعذيب الفيلسوفة هيباتيا.
جديد هذا العام، أن بعض المعترضين صاغوا اعتراضاتهم بشكل قوي فكريًا، وخطهم العريض كان استنكار محافظة الكنيسة القبطية على التراث دون أي مراجعات فكرية تتناسب مع معايير العصر، وإصرار الكنيسة على أن الرجل كان بارًا رغم جرائمه.
في المقابل، لم ألحظ تطورًا موازيًا عند التراثيين، وما زلوا متوقفين عند استنكار مقتل هيباتيا المحقق تاريخيًا، بشكل هجومي أكثر من كونه دفاعًا خاليًا من التحيزات. يوجد من رفض ما سطره المؤرخ داماسكيوس (لأنه وثني!) والمؤرخ سقراط القسطنطيني (لأنه قسطنطيني!) والمؤرخ يوحنا النقيوسي (لأنه كتب بعد قرنين!) وموسوعة Suda (لأنها بيزنطية!) وڤولتير (لأنه علماني!) وبيرتراند راسل (لأنه ملحد!) وچون تولاند (لأنه بروتستانتي!) وإدوارد چيپون (لأنه كاثوليكي تحول للبروتستانتية!) وويليام أولبرايت (لأنه أنجليكاني!) وچون أنتوني مكجوكين (لأنه أرثوذكسي لكن خلقيدوني!) وتشارلز كينجسلي (لأنه أنجلوساكسوني!) والموسوعة الكاثوليكية (لأنها استعانت بما سبق!).
الأصوليون، كعادتهم، يأخذون على غيرهم “انحيازاتهم” الدينية والقومية، بينما يفترضون أن الأسقف كيرلس غير منحاز دينيًا وقوميًا! هل هذه مزحة؟ هل هي ازدواجية معايير؟ ألا يعلمون معنى “التحقيق التاريخي” وأنه يتعامل مع كل هذا وأصعب؟ أم تراهم لا يعرفون أن الأدلة التاريخية على سلخ هيباتيا بقشور المحار أكثر من الأدلة على جلد المسيح قبل صلبه؟ لو أخذنا هذا التعسّف بالجدية الملائمة وطبقناه على 99% من سير القديسين والشهداء، بحيث نعاملهم معاملة هيباتيا في التحقق، فماذا سيحدث؟ ستبقى هيباتيا، ويتحول السنكسار كله إلى وهم قصصي لا دليل عليه!
لذلك، فأنا هنا لمناقشة من هو جاد في الحوار العقلاني، لا لمحاولة تغيير قناعات أولئك المتجمدين على نهج “محصلش”، و”أثبت”، وانتهاءً بـ”أبقى اشتكيني”، أو المؤمنين بأن لهذا الجمود معنى!
المطالبة بمراجعات فكرية
يجب أن نعترف أن المراجعات الفكرية والتراثية مهمة طوال الوقت، لكن ربما تتعجب عندما أقول أن فكرة توليد العنف من المسيحية هي بالأصل نتيجة مراجعات فكرية في مرحلة أسبق.
تُقدم مسيحية القرون الأربعة الأولى موقفًا سلبيًا جدًا بإلغاء العنف من معاملات الحياة العامة. في الموعظة على الجبل وحدها، طوّب المسيح الحزانى، والمُعايرين المطرودين، والمتآمر عليهم كذبًا، ووعدهم بتصحيح كل هذا بعد الموت في حياة أُخرى. وعلى خلاف عظات أساقفتنا لحث الشعب على دفع النقود للكنيسة، يقدم المسيح إلهًا غير متسوّل للذبائح والقرابين، بل لا يقبل الهدايا المقدمة له من البشر المتخاصمين. يقول المسيح صراحة: اترك هناك قربانك قدام المذبح، واذهب أولًا اصطلح مع أخيك، وحينئذ تعال وقدم قربانك ((إنجيل متى 5: 24. )). لكن الوجه الآخر لوصيّة المسيح أن تعيش في العالم غير آمل في عدالة أو إنصاف، وعليك تقبّل أن تعيش بلا كرامة، كعبد تم تسخيره للعمل، وسعيد بقبول عبوديته: من سخرك ميلًا واحدًا، فاذهب معه اثنين – لا تقاوموا الشر، بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضًا – من أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك، فاترك له الرداء أيضًا. ((راجع الموعظة على الجبل في إنجيل متى، الإصحاح الخامس. )).
يتم تفسير نفس الكلمات بأن المسيح لم يمنع مقاومة الشر، وإنما منع فقط مقاومته بوسائل شريرة؛ لا يغلبنك الشر بل اغلب الشر بالخير ((رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية 12 : 21. ))، ولا بأس من أن تجد أحدهم يفسّر لطمك على خدك الأيمن على أن المعتدي يقف خلفك، وإلا ما أصاب خدك الأيمن بيمناه، وبناء عليه تصبح حول له الآخر معناها أن تستدير لتواجهه وتلقنه درسًا. حسنًا؛ كل هذا قولٌ جميل ومنطقي و”بلح”! لست سعيدًا بإخبارك هذا؛ لكن لا يوجد أي شيء من هذا في رسالة بولس الرسول صاحب التعبير لا يغلبنك الشر بل اغلب الشر بالخير في خاتمة نفس الإصحاح الذي يشرح الكيفية لذلك، وهي ببساطة أن تغيّر أنت من ذهنك، ولا تحاول تغيير الواقع لا تشاكلوا هذا الدهر، بل تغيروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم ((رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية 12 : 2. )). الأمر الذي دعى القديس أمبروسيوس، أسقف ميلان، للقول بإن المسيحي ﻻ يجب أن يرد عنف السارق المسلح لئلّا في أثناء دفاعه عن نفسه يدنِّس محبته لأخيه، الذي هو السَّارق هنا ((چون إدوارد، ورقة بحثية عن المسيحية وفقه العنف، مقال بعنوان: فقه العنف والمسيحية. ))
هناك عشرات الكتب التي انتقدت سلبية المسيحية بشكل موضوعي، أغلبها قُدم من فلاسفة غير مسيحيين (وثنيين)، في مقابل عشرات الكتب من الآباء الأولين لم تأبه لمثل هذه الانتقادات ورسّخت لبقاء المسيحيّة خالية من العنف حتى لو كان هذا يعرّض المؤمنين أن يصيروا ضحايا ومستعبدين بين الأمم. تُجمع كل قوانين الكنيسة اﻷولى على تجريم حمل السلاح ولو دفاعًا عن النفس، وترفض الانخراط بالجندية، وإن تم إجبار المسيحي على التجنيد اﻹلزامي فهو يعامل كخاطئ يحتاج توبة ويُحرم من حياة الشركة ((الإنسان المسيحي لا يتجند. لا يجب أن يصير المسيحي جنديًا إلا إن تم إجباره من رئيس أن يحمل السيف. لا يحمّل ذاته خطيّة الدماء. وان شارك في سفك الدم، لا يشترك في الأسرار، إلا إن خضع لتأديب، وتوبة، وبكاء ودموع، ولا يأتي للكنيسة مخادعًا بل في خوف الله. (القانون ١٤ من قوانين هيبوليتس، القرن الرابع) ))، وإن كان كاهنًا فمصيبته أعظم، إذ لو دافع عن نفسه ولو بغرض صد الأذى، يقطع من الكهنوت ((إن كان إكليروس وقع في دنس القتل، حتى لو دفاعا عن النفس، يسقط من الكهنوت الذي دنسه هو بهذه الجريمة البشعة. (القانون الخامس من قوانين القديس غريغوريوس النيسي) ))، والأمر أعقد وأكثر قسوة مع الأساقفة وقوانين الرسل التي تحظر عليهم الانتماء للرومانية [الدولة] كما للمنصب الكنسي ((إن كان أسقف، كاهن، أو شماس منخرطًا في أعمال عسكرية، ويبتغي أن ينتمي للرومانية كما للمنصب المقدس، فهو يسقط من منصبه الكنسي. (القانون ٨٣ من قوانين الرسل) )).
لا مراجعات تتم إلا بالإجبار
يخبرنا التاريخ أن كل ما سبق قد تمت مراجعته فكريًا في القرن الخامس على يد القديس أوغسطينوس، أسقف هيبو، في كتاب مدينة الله ما بين عاميّ 413-426م. وقد كتب أوغسطين هذا الكتاب استجابةً لتحديات واجهت الإمبراطورية الرومانية خلال تعرضها لهجمات شرسة من قبائل الجرمان الذين نجحوا في دخول روما ونهبها عام 410م. ((چون إدوارد، ورقة بحثية عن: المسيحية وفقه العنف، مقال بعنوان: أغسطينوس والحرب العادلة. ))
التحدي المطروح أمام أوغسطين هو: كيف يستطيع المسيحي ممارسة العنف اللازم للحرب دون أن يستلزم ذلك كسره لمسيحيته؟ كيف يقدر أن يحمل السلاح ويقتل العدو مع إطاعة: أحبوا أعدائكم؟ ولكي يتمكن أوغسطين من ذلك، قام بعمل مجموعة من التمييزات المهمة. من بينها أن المسيحي لا يستقيم مع حب الحرب، ولكنه يحارب -مُكرهًا- لو اضطرته الضرورة.
لذلك، يُشترط في المُقاتل المسيحي أﻻ يحب الحرب وألا يطلبها. الأمر الذي اختصره القرآن بعدها بقرنين: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ((سورة البقرة ٢١٦. )). القصة طويلة وثرية بالتفاصيل المهمة، وأنصح فيها بقراءة سبع مقالات ثمينة كتبها الزميل چون إدوارد، متوافرة على الشبكة في سلسلة: المسيحية والعنف.
"فقه العنف" والمسيحية ثلاثة من أتباع المسيح توحي ألقابهم أنهم من دعاة العنف. الأول سمعان الغيور، والذي كان من الغيورين zealots وهم جماعة يهودية تقود مقاومة مسلحة ضد الاحتلال الروماني. الثاني يهوذا الإسخريوطي، وهنا يفكك لقب الإسخريوطي إلى man of the sicarii وهكذا يشير لجماعه men of daggers [رجال الخناجر]، وهم جماعة يهودية كانت تمارس الاغتيالات السياسية. الثالث هو سمعان بطرس، والذي يشير لقبه “باريونا” في اللغة الأكادية لمعنى: الإرهابي
في عصر القديس أوغسطينوس، تمت معالجة التحديات التي تواجه جيش الإمبراطورية في نسخة جديدة من المسيحية، تستطيع توظيف فكرة الحرب العادلة للفيلسوف سيسرو ((ماركوس توليوس سيسرو: هو شيشرون، كاتب روماني وخطيب في روما القديمة، ولد سنة 106 ق.م، صاحب إنتاج ضخم يعتبر نموذجًا مرجعيًا للتعبير اللاتيني الكلاسيكي، أثارت شخصيته الكثير من الجدل خاصة في الجانب السياسي من حياته، فهو تارة مثقف عربيد، وتارة أخرى ثري إيطالي صاعد في روما، وثالثة انتهازي متقلب و«أداة طيعة في يد الملكية» و«متملق لبومبي ثم قيصر». تميز النصف الأخير من القرن الأول الميلادي بالفوضي والحروب الأهلية وديكتاتورية جايوس يوليوس قيصر، ولكن شيشرون حارب ضده وقام بمناصرة الحكم الجمهوري التقليدي. وبعد وفاة يوليوس قيصر، أصبح شيشرون عدوًا لمارك أنتوني في الصراع على السلطة الذي أعقب ذلك، فقام شيشرون بالهجوم عليه بسلسلة من الخطب. وخلال حكم تريومفيراتوس الثاني أو الحكم الثلاثي الثاني -وهو التحالف السياسي الرسمي من إثر اغتيال يوليوس قيصر- أصبح شيشرون عدوًا للدولة، وتم اغتياله في 7 ديسمبر 43 ق.م. )). بالطبع نحن نتحدث هنا عن لاهوت لاتيني (غربي) تم في روما، وتم توريثه للشرق مع إنشاء روما الجديدة: القسطنطينية.
نتيجة لمجهودات المراجعات الفكرية هناك، ظهر لدينا في مصر لأول مرة “شهداء محاربين”. وعلى الرغم من قناعتي الشخصية أن نصف هذه الشخصيات الحربية مُختلقة ونصف أسطورية ومزيدة وشعبية، إلا أنني ساهمت منذ عقود في تنقيح السنكسار. وسأذكر واحدة من القصص التي تم حذفها عن شخص (اسمه جرجس، وليس قديسًا مهمًا مثل مار جرجس، بل هو تافه) عاصر مرسوم الإمبراطور ثيودوسيوس الكبير بتحويل معبد مصري قديم إلى كنيسة.
بطبيعة الحال، كانت هذه ديانة قائمة ولها أتباع، فتجمع الأتباع داخل المعبد لحمايته. وجاء الأقباط المسيحيون لمحاصرة المكان بالفؤوس والمعاول حتى نجحوا في اقتحامه، ودارت معركة انتهت بفوز الأغلبية المسيحية. هذا الـ”جرجس” التافه لم يقم بأي عمل في سيرته بالسنكسار سوى كونه شارك في الهجوم على المعبد المصري، وقُتل. وبالطبع، قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار! فتم قيده في السنكسار ليكرم وتتعلم منه الأجيال الشابة عبر الزمن.
القصة مرفوعة حاليًا من النسخ المنقحة، لكنها واحدة مما يشير إلى فترة من “الاستشهاد الرخيص”. بالمقابل، فهناك بالضرورة قصص عن “استشهاد الطرف الآخر” من أصحاب المعتقدات المصرية القديمة نتيجة لقوانين “دين ودولة” جائرة، بشكل يجعلنا نعتقد أن المعايير تداخلت حتى في المسيحية الشرقية.
وأباطرة روما أيضًا يراجعون أفكارهم
في عام 313م، راجع الإمبراطور الروماني قسطنطين الكبير أفكاره، فأصدر مرسوم ميلان، الذي أعلن فيه إلغاء العقوبات المفروضة على المسيحيين، وأنهى حقبة الاضطهاد بعدما اعتنق المسيحية، وجعلها ديانة شرعية في الإمبراطورية الرومانية. وتوفي عام 337م، مورثًا ابنيه قسطنطين الثاني وقنسطانطيوس الثاني: اسمه، ودينه، وقميص الفتن ((بيشوي القمص، مقال بعنوان: الذين لا يقيمون وزنا للحياة. )).
كان للإمبراطور قسطنطين ثلاثة أبناء وليس إثنين، اشتعلت الحرب بينهم فور وفاته. ما يهمنا هو حفيده، طفل في السادسة من عمره، شهد إعدام أسرته المسيحية بواسطة عمه المسيحي، ونجا من الموت بأعجوبة. كان هذا الطفل اسمه جوليان/ يوليان/ يوليانوس، وأما عمه فكان الإمبراطور “قسطنطين الابن”. الطفل يوليان كان مقررًا ذبحه أيضًا لولا تدخل إفسابيوس، أسقف نيقوميدية، وظل تحت رعايته في حياة ديرية نسكية متبتلة، وعندما توفى الأسقف تم نفيه 6 سنوات في قيصرية، ثم نُفي 7 سنوات أخرى في القسطنطينية، ثم بعدها تقرر إعادته إلى نيقوميدية. ((باسم الجنوبي، مقال بعنوان: المرتد / الكافر / الجاحد. ))
خلال الحياة الديرية النسكية، تربى الصبي يوليان مع الصبي “باسيل” [القديس باسليوس الكبير] قبل أن يصير أحدهما إمبراطورًا رومانيًا واﻵخر بطريركًا كبادوكيًا. إلى هنا فالمتوقع لـ”يوليان” حياة مسيحية مليئة بالتقوى، وربما هذا بعض ما حدث فعلًا، إﻻ أن ذبح أسرته أمام عينيه وهو طفل قد شكّل لديه موقفًا ﻻ عنفيًا تفوق فيه على المسيحيين الرومان المولعين بالعنف. فراجع الطفل الإمبراطوري أفكاره! لم يعودوا أمامه “مسيحيون” بعد، بل “جليليون”، (نسبة للجليل، موطن المسيح) وكتب فيهم كتبًا نقدية أشهرها ثلاثية: ضد الجليليون، ويقصد هنا نسخة المسيحية المبنية على العنف والاستقواء الديني.
أثار هذا غضب البطريرك باسيليوس الكبادوكي، وشرع الرهبان في تأليف اﻷكاذيب عنه، حتى رماه غوغاء أنطاكيَة بالتراب وبالحجارة، ومع كل هذا الاستفزاز لم يجنح الإمبراطور مرة إلى اضطهادهم وكان يقول: يجب ألا يستشهد أحد. ((سلامة موسى، حرية الفكر وأبطالها في التاريخ، الجزء الأول: حرية الفكر في العصور القديمة، 1927، آخر التسامح: يوليان وهيباطية. )).
ألم يأمرنا الإمبراطور “يوليان” ألا نعذب المسيحيين؟ وأنه يكفيهم عذابًا الخيالات والأباطيل التي يعتقدون بصحتها ويعذبون أنفسهم في سبيلها؟
(هيباتيا، كما كتبها: تشارلز كينجسلي)
في وقت تعرض الإمبراطورية الرومانية لغزو الفرس، خرج الإمبراطور يوليان لصد خطرهم، وفي الطريق، تعرض للخيانة من أحد جنود الحرس المسيحي الإمبراطوري، وطعنه بطعنات نافذة من الخلف بكل خسة، ومات غدرًا.
هذا القاتل الخائن الخسيس، مشهور شعبيًا تحت اسم: القديس العظيم فيلوباتير مرقوريوس، أبو سيفين!
بالطبع تورط الشهيد أبو سيفين في المسألة هو تورط هزلي في خرافيته! فهو لم يعش في عصر يوليان بالأساس ولم يعاصره، لكن التقاليد الكنسية الشرقية كلها تنسب جريمة اغتيال سياسي ضلع فيها القديس باسيليوس، ذلك بالصلاة أمام أيقونة الشهيد المسيحي القديم، الذي غادر أيقونته في بعض القصص ثم عاد لها وسيفه ملوث بدماء الإمبراطور يوليان. بطريقة أخرى: القديس باسيليوس يصلي، وشهيد يعود للحياة وينفذ جريمة قتل، استجابة من الله لصلوات قديسيه ذوي الكراهية الحارة ((موقع سانت تكلا هيمانوت، سير القديسين والشهداء في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، الشهيد فيلوباتير مرقوريوس أبو سيفين، القديس باسيليوس يطلب صلواته. )).
المرتد / الكافر / الجاحدالقاتل الخائن الخسيس، مشهور شعبيًا تحت اسم: القديس العظيم فيلوباتير مرقوريوس، أبو سيفين
لنلتقط بعض أنفاسنا.. ونفكّر..
كما القديس كيرلس الكبير مُتهم غير مُدان في مقتل هيباتيا، فالقديس باسليوس الكبير مُتهم غير مُدان في مقتل الإمبراطور يوليان. المسؤولية السياسية والتاريخية دومًا مُربكة، ومختلفة تمامًا عن المسؤولية القانونية والجنائية.
في حين أن المسؤولية الجنائية، كما هو واضح من اسمها، تستهدف الجاني بهدف تقديمه للعدالة التي تنظم عملية العقاب، يرى فقهاء القانون بمختلف توجهاتهم أن العقاب ذاته ليس هدفًا، بل الردع المجتمعي. فعند معاقبة الجاني، لن يستفد المجني عليه ولن يعود للحياة بعد أن قُتل، بل تكمن العبرة في ردع هذا النوع من الجرائم مستقبلًا، وجعل “مشاريع الجريمة” تعيد حساباتها خشية العقاب.
على الجانب الآخر تأتي المسؤولية السياسية والتاريخية. حتى لا ندخل في جدل الاصطلاحات، فالمقصود هنا هو مدى مسؤولية القائد عن تحريك مرؤوسيه. والمثال الواضح مسؤولية أدولف هتلر عن قيادة الحزب النازي. ففي حين أنه مارس دوره بإخلاص في تحسين الظروف السياسية والاقتصادية للشعب الألماني، تسببت سياساته في قتل ملايين المدنيين والعسكريين.
هنا يُطرح السؤال الأخلاقي الكبير: هل يبرر إخلاصك لشعبك معاداة وقتل ملايين من الشعوب الأجنبية لتحسين الظروف المعيشية لجماعتك؟
والإجابة سهلة إن كنا نتحدث عن هتلر، المتعصب اليميني الذي يؤمن بتفوق الجنس الآري. سهلة لأنك لست ألمانيًا ولا نازيًا. أما إذا كان هتلر الخاص بنا واحدًا منا، قبطيًا أرثوذكسيًا مخلصًا لشعبه، ومؤمنًا بتفوقنا نحن المسيحيين على الأمم الوثنية الكافرة، فستكون الإجابة صعبة للغاية.
تشرح الأناجيل للقارئ المسيحي تفاصيل الأيام الأخيرة قبل قتل المسيح. فهي توضح خيانة يهوذا وتعاونه مع قيافا، رئيس مجمع السنهدرين المقدس ((كان قيافا في السياق التاريخي بمثابة بطريرك ليهود أورشليم، كما كان باسيليوس الكبير لمسيحيي أنطاكية، وكيرلس الكبير لمسيحيي الإسكندرية. )). كما يتجلى تأثير قيافا على رؤساء الكهنة والخدام في تحريض الغوغاء على صلب المسيح: فلما رآه رؤساء الكهنة والخدام صرخوا قائلين: اصلبه! اصلبه! ((إنجيل يوحنا 19: 6. )).
بالرغم من هذا، تلقي الأناجيل باللائمة الأعظم على يهوذا باعتباره المنفذ الواضح، وليس قيافا، المحرك الخفي للأحداث والمستفيد منها وصانع مؤامرة العنف المقدس والمحرض الشعبي عليه. إن صناعة بيئة متطرفة دينيًا، تحض على العنف الجماعي تجاه المخالفين دينيًا، تقع دائمًا على عاتق الرئيس الديني للجماعة. ولكن يبدو أننا لم ندرك هذا.
في صلاة تجنيز الأنبا إبيفانيوس، أسقف ورئيس دير الأنبا مكاريوس الكبير، قال قداسة البابا تواضروس الثاني درسه المُستفاد من كل ضحايا وشهداء العنف الديني: كل ١٢ تلميذ، في بينهم يهوذا.. وقتها، وجدت نفسي استكمل مقولته بدرس من التاريخ: وكل يهوذا يقف خلفه قيافا رئيس كهنة عظيم في مجمع سنهدريم مقدس.. فالتاريخ يعلمنا ألا نخشى يهوذا الذي يقتل نفسه ندمًا في مراجعة فكرية، إنما المخيف حقًا هو مسؤولية قيافا، الذي قاد الجموع لقتل المسيح ذاته، إيمانًا منه بأنه يعاقب “المجدف على الله”، وأنّه بقتل المسيح يكون حاميًا للإيمان الأرثوذكسي المستقيم.
قداسة موظّفة لحماية القتلة
ربما يكون باسيليوس الكبادوكي قد اختلق قصة الصلاة أمام أيقونة فليوباتير مرقوريوس ونشرها شعبويًا لإضفاء سمة القداسة على حادث الاغتيال وتبرئة الجندي المسيحي، لا أحد يعلم كيف بدأ هذا، لكن المؤكد أن هذه القصة الشعبية ستترسخ كمعجزة على يد المؤرخ الكنسي “سوزمين” الذي كتب عن البطريرك ومرقوريوس بعد أكثر من 80 عامًا من اغتيال اﻹمبراطور يوليان. ومن كتابات “سوزمين” الكنسية، ستصبح هذه القصة مصدرًا في التقاليد الشرقية المتعددة لسيرة الشهيد فيلوباتير مرقوريوس، بل حتى أيقوناته الطقسية، التي يظهر فيها وهو يقتل “يوليان” من ظهره، وفي الخلفية يقف القديس “باسيليوس الكبادوكي” وهو يصلي بوداعة ((باسم الجنوبي، مقال بعنوان: المرتد / الكافر / الجاحد. )).
وكما اعتدى المسيحيون من غوغاء أنطاكيا على الإمبراطور يوليان بالتراب وبالحجارة استجابة لضغائن الرهبان، قامت جماعة من رهبان الإسكندرية بالتهجم على عربة الحاكم الروماني، أوريستوس، خلال سيرها في شوارع الإسكندرية، وقام الراهب أمونيوس من جماعة البارابولاني برجم أوريستوس بحجر شج رأسه، فقبضت الحامية العسكرية على أمونيوس وعاقبته بالقتل طبقًا للقانون الروماني.
اعتبر كيرلس ما حدث جريمة في حق الراهب، وصلى عليه بنفسه، وألقى عظة أعلن فيها أمونيوس شهيدًا للمسيحية وقام بتغيير اسمه إلى ثاوماسيوس [الرائع] ((بيشوي القمص، مقال بعنوان: الذين لا يقيمون وزنا للحياة. )). وعلى الرغم من عدم وجود نص تاريخي يقطع بتورط كيرلس في مهاجمة الحاكم الروماني، إلا أن رد فعله على ما حدث يدل على أن عنف الرهبان ضد الحاكم الروماني كان حائزًا على رضائه، ويثاب فاعله المعتدي “الرائع”، وأن كيرلس يتوّج العنف والاعتداء على الحاكم بتاج الاستشهاد.
القديس كيرلس له إنتاج لاهوتي تأسيسي في الكنيسة القبطية، وهو نفسه من قام بالتوسع في مفهوم “الاستشهاد” بحيث يشمل أمونيوس رغم كونه مبادرًا بالاعتداء ولاقى جزاءه وفقًا للقانون السائد وقتئذ. وبناءً عليه، أزعم أنّ القديس كيرلس استحدث مُدخلات ثقافية دخيلة على المسيحية النقية، وأفسدها فسادًا عنفيًا ولا أخلاقيًا ودمويًا، ولا يقارن بما قدمه من إيجابيات في علم اللاهوت النظري.
بدأت المسيحية كجماعة سلمية مضطهدة. أسس المسيح ذاته قواعد جماعته اللاعنفية. دأب الوثنيون لأربعة قرون على الازدراء بسلميتها ولا عنفيتها وأنها “جماعة عبيد بائسة”، بينما تمسك الرسل والآباء الأولون بقواعد صارمة تحظر حمل السلاح أو الدفاع عن النفس أو حتى مقاومة الشتيمة بشتيمة. لكن المشهد في القرن الخامس كان معكوسًا تمامًا ومجنونًا حد الارتباك! فالوثنيون صاروا أقلية مسالمة تتبنى الأفلاطونية الجديدة، وكان فلاسفتهم متفوقين أخلاقيًا وسلميًا على نسخة جديدة من المسيحية المتطرفة التي صارت دين الأغلبية ودين الشعبوية ودين تسيير الحياة اليومية بين العوام والرعاع وقطاع الطرق.
تاريخ يكتبه أساقفة عن الأساقفة
التاريخ يكتبه المنتصر، وفي عصر المجامع، تفتتت الكراسي بسبب صراعات قومية يقودها أساقفة ضيقي الأفق. وتحولت مدرسة الإسكندرية الأفلاطونية إلى مُتهم بالتفلسف والفلسفة في ظل نمو عصابي لرهبانيات الشوارع والأزقة التي ترى الفلسفة ترفٌ يعيق الرهبنة عن الجهاد ضد قوات الظُلمة، وتحولت مدرسة أنطاكية الأرسطوطالية إلى المورد الحصري لأساقفة القسطنطينية [روما الجديدة، وعاصمة إمبراطورية الشرق الناطقة باليونانية]، وتحول بطريرك الإسكندرية وأساقفتها إلى أداة تأديب وإصلاح في يد زوجات الأباطرة ((چون جبرائيل الدومنيكي وباسم الجنوبي، ورقة بحثية بعنوان: هل كان نسطور نسطوريا؟. )).
في خضم صراع الكراسي، راسل ثاؤفيلس ذهبي الفم رافضًا تقدم كرسي القسطنطينية في الكرامة لا لشيئ سوى كونه البطريرك القبطي ((أوّل ذكر تاريخي لقبطيّة الكنيسة السكندرية كان هنا، بشكل يجعلنا نؤكد أن ثاؤفيلس أول من أطلق على كنيسة الإسكندرية الأرثوذكسية مسمى كنيسة الأقباط الأرثوذكس في خضم صراعه مع كنيسة القسطنطينية. ))، وإنّه: وإن كان يجب أن أُحاكم، تكون محاكمتي أمام المصريين، ولا أن أحاكم أمامك، أنت [يقصد ذهبيّ الفم] الذي يفصلنا عنك طريق يستغرق خمسة وسبعين يومًا! ((تادرس يعقوب ملطي، القديس يوحنا ذهبي الفم (سيرته، منهجه وأفكاره، كتاباته)، الفصل الثامن مشكلة الإخوة الطوال. )). بالمقابل، يعظ ذهبي الفم متسلقًا على جدار الدين لتوجيه ضربات قوميّة لخصمه القبطي بشكل انتهازي وعنصري ضد الأقباط والمصريين، مثلاً نجده في تفسيره للرسالة الثانية إلى أهل تسالونيكي، وعندما يتحدث عن يوسف كعبد في بيت فوطيفار المصري، يقول: كان يقدم حساباته لمصري. وأنتم تعرفون أن هذا الجنس [يقصد المصريين] مندفع، يثأر لنفسه. إذا ما نال سلطة لا يمكن وقف غضبه. ((تادرس يعقوب ملطي، القديس يوحنا ذهبي الفم (سيرته، منهجه وأفكاره، كتاباته)، الفصل الثامن مشكلة الإخوة الطوال. ))
التاريخ يكتبه المنتصر، وفي هذا العصر، يرى كل مهزوم نفسه منتصرًا ويكتب تاريخًا خاصًا ويسميه “تاريخ مدينة الله العظمى”، سواء كان اسم المدينة الإسكندرية أو أنطاكية، فلا فرق مهم! المهم فقط أن تنحاز لمدينة في الأرض وتُنتج قومية محليّة منفصلة عن النظام المسكوني وتسميها استقلالًا، حتى لو سمى العالم ذلك انفصالًا، فلن تختلف المسميات كثيرًا وكل المهم أن تصير مدينتك هي كنيستك هي جسدك وكل الباقي هراطقة وأعداء المسيح!
تقديس هيباتيا
هل تذكر ما بدأنا به عن أولئك المستنكرين لما كتب التاريخ عن مقتل هيباتيا، وأننا لو أخذنا هذا التعسّف بالجدية الملائمة: ستبقى هيباتيا، ويتحول السنكسار كله إلى وهم قصصي لا دليل عليه؟ هل سمعت عن القديسة سانت كاترين؟ وهل تعرف أنها: إسكندرانية؟
تعذيب وقتل الفيلسوفة هيباتيا كان مماثلاً لموت الشهداء المسيحيين في الإسكندرية أثناء اضطهاد ديسيوس (250م). وهناك جوانب أخرى من حياة هيباتيا تصب أيضًا في قالب الشهيد المسيحي، مثل عذريتها طوال حياتها. وفي العصور الوسطى المبكرة، خلط المسيحيون استشهاد هيباتيا بقصص شهداء ديسيوس وأصبحت جزءًا من تأسيس أسطورة سانت كاترين السكندرية.
سانت كاترين، شهيدة مسيحية، قيل إنها من الإسكندرية، عذراء، شديدة الحكمة، ومثقفة. يعود تاريخ أول إجازة لتقديس سانت كاترين إلى القرن الثامن، أي بعد حوالي ثلاثمائة عام من استشهاد هيباتيا. تحكي إحدى القصص عن مواجهة سانت كاترين لخمسين فيلسوفًا وثنيًا سعوا لتحويلها عن دينها، لكنها بدلًا من ذلك حوّلتهم جميعًا إلى المسيحية بفضل بلاغتها. زعمت أسطورة أخرى أن القديسة كاترين كانت طالبة لدى القديس أثناسيوس في الإسكندرية.
المؤرخون المعاصرون لهيباتيا في القرن الخامس مصدران:
1. المؤرخ الكنسي سقراط القسطنطيني ((سقراط القسطنطيني، التاريخ الكنسي لسقراتيس سكولاستيكوس عن الفترة ٣٠٦م – ٤٣٩م، الكتاب السابع، الفصل الخامس عشر، ترجمة ايه. سي. زينوس، تعريب د. بولا ساويرس، مراجعة الأنبا إبيفانيوس، أسقف ورئيس دير الأنبا مقار. )).
2. المؤرخ الوثني داماسكيوس (458-538م) ((داماسكيوس، في كتابه: حياة إيسيدور، عام 527م. )).
وكلاهما ذكرها بتفاصيل خطفها بواسطة جماعة مسيحية، ومحاكمتها كنسيًا أمام شماس اسمه بطرس، في كنيسة قيصرون حيث تم البدء بسلخها وجرها في الشوارع، ثم جرها مقتولة لمكان اسمه سينارون واحراق جثتها.
في القرن السابع ظهر مصدر أهم:
3. الأسقف يوحنا النقيوسي John of Nikiû، ((القمص بيشوي عبد المسيح، وكيل مطرانية دمياط، تاريخ العالم القديم ودخول العرب مصر ليوحنا النقيوسي، ترجمه: ليزة عزيز إسكندر، موجهة اللغة الفرنسية، عن النص الفرنسي Chronique de Jean de Nikious للمستشرق الفرنسي: Hermann Zotenberg، باريس، 1883، مراجعة الأنبا بيشوي، مطران دمياط وكفر الشيخ وبراري بلقاس. )) وهو أهم لأنه يوضح وجهة نظر الكنيسة من الحدث بعد قرنين من هدأة الصراعات والفورات العاطفية. هذا نصّ ما كتب: ((عمرو صابر عبدالجليل، تاريخ مصر ليوحنا النقيوسي: رؤية قبطية للفتح الإسلامي، عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، 2003، الصفحات 127-130. ))
وفي هذه الأيام ظهرت امرأة وثنية فيلسوفة بمدينة اسكندرية اسمها أنباديا [هيباتيا] تخصصت لعمل السحر وللأسطرلابات وأدوات اللهو في كل وقت، وغررت بكثير من الناس بتموية الشيطان، وكان حاكم المدينة [أُوريستوس] يكبرّها كثيرًا لأنها خدعته بسحرها.
ثم قامت جماعة المؤمنين بالرب مع القاضي بطرس، وكان بطرس هذا مؤمنًا تمامًا لكل ما ليسوع المسيح، وذهبوا للبحث عن هذه المرأة الوثنية التي كانت تضلل أهل المدينة والحاكم بأسحارها. وحين عرفوا المكان الذي كانت به ساروا إليها فوجدوها تجلس على كرسى، فأنزلوها من الكرسي وسحبوها حتى أوصلوها إلى الكنيسة العظيمة التي تسمى قيصرون، وكان هذا في أيام الصوم، ونزعوا ملابسها، وسحبوها حتى أحضروها إلى شوارع المدينة حتى ماتت، وألقوا بها في مكان يدعى سينارون وأحرقوا جسدها بالنار.
(يوحنا النقيوسي، تاريخ مصر ليوحنا النقيوسي، ترجمة: عمرو صابر عبد الجليل)
وينهي النقيوسي قصته بهذه الإشارة الفخورة: ((عمرو صابر عبدالجليل، تاريخ مصر ليوحنا النقيوسي: رؤية قبطية للفتح الإسلامي، عين للدراسات والبحوث الانسانية والاجتماعية، 2003، ص130. ))
وكان كل الشعب يحيط بالبطريرك كيرلس ويسمونه ثاوفيلوس الجديد، لأنه أزال باقي الأوثان من المدينة.
(يوحنا النقيوسي، تاريخ مصر ليوحنا النقيوسي، ترجمة: عمرو صابر عبد الجليل)
في عصر التنوير، تم تحقيق الحدث بواسطة إدوارد چيپون، واستخدم ڤولتير قصتها في مؤلفه إسحقوا العار الذي كتبه من منفاه. ثم من بعده برتراند راسل معلقًا بامتعاض إنّ الإسكندرية، بعد هذا الحادث، خلت من متاعب الفلاسفة.
في القرن العشرين كتب الكثيرون، أبرزهم تشارلز كنجزلي، الذي استعنا باقتباس له بالأعلى، وچون تولاند، ووليام أولبرايت، وچون أنتوني مكجوكين، والموسوعة الكاثوليكية، وكريستوفر هاس، وأصبح الأمر مفروغًا منه لدرجة إن المؤرخ ويل ديورانت في مجلدات قصة الحضارة استعان بالحدث لإثبات ضعف الدولة البيزنطية.
---
## مخطط سريان العمل
URL: https://tabcm.net/workflow/typical-workflows/
Type: page
Modified: 2026-08-03
مخطط سريان العمل
المقال يبدأ بفكرة ثم يتم صياغتها على فقرات. المقال النموذجي له حبكة وهيكل بناء، لكن لو اعتقدت أن الأمر انتهى هنا فأنت بالتأكيد مخطئ، فهو للتو بدأ.
الكاتب
فكرة
🡇
مسودة
🡇
المحرر
قيد المراجعة
🡇
الناشر
تجهيز للطبع
🡇
Automation
مجدول للنشر
🡇
الجمهور العام
مقال منشور
أبسط طريقة لتصور مخطط سريان العمل هو التركيز على ما يتم في محتوى المقال، ﻻ الشخص أو الهيئة الذي يقوم به. تصوّر أن للمقال عدة أطوار من النمو حتى يصبح بشكله النهائي المنشور. هذه الأطوار يمكن تحديدها فيما يلي:
١- [ مسودة Draft ] هذا الطور يعني أن المقال مازال في حيازة الكاتب ولم ينته بعد، ولا يمكن لبقيّة الكتاب مشاهدة مسوداتك.
المسودة مفيدة عند الكتابة على أكثر من جلسة عمل، وقتها يمكنك كتابة جزء ما وحفظة كمسودة لاستكمال العمل عليه لاحقًا. يمكنك أيضًا إجراء “معاينة” للمسودة الحالية كي ترى كيف تبدو للقارئ.
عندما تنتهي ويبدو لك كل شيئ على ما يرام، يمكنك إرسال المسودة للمراجعة. ووقتها سيتم إخطار هيئة التحرير بأنك أنهيت عملك وبدأ عملهم.
يمكنك إجراء كافة العمليات: “حفظ مسودة”، “معاينة”، أو “إرسال للمراجعة” من صندوق النشر على يسار المقال، كما هو موضّح بالشكل التالي:
نشر
حفظ المسودة معاينة
الحالة: مسودة تحريرالظهور: عام
إرسال للمراجعة
۲- [ بانتظار المراجعة Pending Review ] هذا الطور يعني أن المقال في حيازة هيئة التحرير للقيام بعمليات الضبط اللغوي والإملائي وتطبيق الأنماط البصرية وتحسين صياغة المحتوى.
مازلت تستطيع في هذا الطور مشاهدة مقالاتك وأيضًا تعديلها لكننا لا ننصح بذلك حتى لا تتداخل الصلاحيات بشكل يعطّل سريان العمل. يمكنك بدلا من هذا ترك ملاحظة إدارية أسفل المقال سواء بالتعديل المطلوب، أو حتى طلب استعاده المقال إلى طور مسودة إن أردت التعديل بنفسك.
في أحيان نادرة قد يتم رفض المقال على وضعه الحالي نتيجة كونه غير مكتمل وأرسل بالخطأ، أو نتيجة نقص في التوثيق، أو نتيجة مشكلة في تكوين المقال وأفكاره الأساسية، وفي هذه الحالة سيتم ترك ملاحظة إدارية لك أسفل المقال، مع إرجاعه لطور مسودة وسوف يصلك في كل الأحوال إخطارات مسجّلة على بريدك الإلكتروني سواء عند تحرك المقال من طور إلى أخر، أو عند ترك ملاحظة إدارية عليه.
في أغلب حالات المقال، عندما ينتهي المحرر من تحرير مقالك، سيرسله للمطبعة، وسوف يصلك إخطار على بريدك الإلكتروني عند تحقق ذلك.
يمكنك التحكم في الإخطارات التحريرية إن وجدتها مزعجة، ووضع بعض أو كل مسارات العمل على الوضع الصامت. لكننا ﻻ ننصح أبدا بذلك.
۳- [ تجهيز للطبع Press Rredy ] هذا الطور يعني أن المقال في حيازة هيئة النشر للقيام بعمليات المراجعة على الإخراج البصري، مع إجراء التحسينات على المانشيت (العنوان) وصورة الغلاف، وتحديد القسم المناسب، بالإضافة لتحسينات محركات البحث، وضبط المقالات ذات الخواص التقنية المعقدة مثل الإشارات المرجعية، وتقنية السلاسل، والكلمات الدلالية، ومفتتح المقال وما إلى ذلك.
بنهاية التجهيز للطبع، يتم جدولة المقال للنشر الآلي في موعد محدد حسب خريطة النشر. مثلًا لو أرسلت أكثر من مقال في وقت واحد، فسيتم جدولتهم بمعدل مقال واحد لكل أسبوع.
الحجم المثالي للمقال هو من ٦٠٠ إلى ١٢٠٠ كلمة، لكن الأمر يختلف مع المقالات الاستقصائية أو التاريخية أو الأوراق البحثية التي ربما تصل إلى ألفين أو ٤ آلاف كلمة.
ﻻ ننصح بالمقالات الطويلة ويفضّل تقسيم المقال إلى جزئين، أو إن تطلب أكثر من ذلك فالأفضل هنا إنشاء سلسلة مستقلة.
٤- [ مجدول للنشر Scheduled ] هذا الطور يعني أن المقال ليس في حيازة البشر، بل انتهت كافة عمليات التعديل والتحسين ومن ثم تعطيل الوصول إليه لمنع أي تدخل بشري في المحتوى.
لا يسري هذا التعطيل على تحريك المقال داخل جدول النشر إلى يوم أو موعد أخر، لتمكين الناشر من أي تدخّل طارئ، أو غير معتاد.
في كل الأحوال سيصلك إخطار على بريدك الإلكتروني، وسيحتوي هذا الإخطار على التاريخ المُرجح للنشر.
إن وصلك إخطار بالجدولة السريعة، فهذا يعني المقال رُوجع بواسطة الناشر مباشرة وليس بواسطة المُحرر لدواعي الاستعجال. ومن الوارد حدوث أخطاء تحريرية.
٥- [ منشور Published ] هذا الطور يعني أن المقال تم نشره، ومن ثم تعطيل تعديله بشكل نهائي حتى تعتبره محركات البحث محتوى ستاتيكي فتقوم بأرشفته بشكل أفضل.
فور عملية النشر على الشبكة، يتم الإعلان عن ذلك في ثلاث منصات للتواصل الاجتماعي، وعمليّة الإعلان ذاتها تتم بواسطة Robots من دون تدخّل بشري.
Twitter
Facebook
Telegram
جميع المقالات المنشورة على الشبكة تُنسب ملكيتها لكاتبها الأصلي، دون الإشارة لطواقم العمل.
---
## واجهة محرر الكتابة
URL: https://tabcm.net/workflow/classic-editor/
Type: page
Modified: 2026-08-03
واجهة محرر الكتابة
الصفحة متاحة فقط لكتاب الشبكة. يرجى تسجيل الدخول ككاتب معتمد حتى تتمكن من استكمال التصفح، أو العودة للرئيسية إن كنت دخلت الدليل بالخطأ.
يتم التعرّف عليكم برتبة:
كاتب دائم
محرر
ناشر
الشبكة ﻻ تتعرف عليك تلقائيًا، بل تعرفك وتعطيك صلاحياتك الخاصة عند تسجيل الدخول بكلمة المرور الخاصة.عند تسجيل الخروج ستعاملك الشبكة كقارئ أو زائر ليس من حقه الدخول إلى المكتب الشخصي.
واجهة محرر الكتابة هي الواجهة المستخدمة لتحرير المقالات على الشبكة. نحن نستخدم أداة تحرير كلاسيكية وتم تطويرها خصيصًا لكتّاب الشبكة، لذلك فهي تجمع بين البساطة والكفاءة.
الواجهة ستظهر لك عند:
إضافة مقال جديد [المكتب الشخصي] 🡄 [مقالات] 🡄 [أضف مقالةٌ جديدةٌ]
أو عند الضغط على كلمة “تحرير” أسفل اسم المقال المراد تحريره [المكتب الشخصي] 🡄 [مقالات] 🡄 كل المقالات]
أضف مقالةٌ جديدةٌ
إضافة عنوان
معايير الجودة
لست مضطرا لأي معايير جودة
أضف ملفات وسائط مرئي فقرة
ABC
عدد الكلمات: 000
آخر تحرير في يوم 0 شهر، 0000 الساعة 00:00 م/ص
ملاحظات إدارية
أضف ملاحظة إدارية
نشر
حفظ المسودة معاينة
الحالة: مسودة تحريرالظهور: عام
إرسال للمراجعة
الصورة البارزة للمقالة
تعيين الصورة البارزة للمقالة
يجب الضغط على أيقونة
لكي يظهر شريط الأدوات الثاني لكتابة مقال جديد، كل ما عليك سوى أختيار عنوان في الخانة المخصصة. ثم البدء في الكتابة مباشرة. ﻻ تشغل بالك بأيٍّ من هذه الأدوات لو لم تكن تعرفها. ضع تركيزك كله على المحتوى النصي فقط.
ﻻ ننصح أبدا أن تقوم بتشكيل وتلوين محتوى المقال إلا إذا كنت على دراية بالأنماط البصرية المستخدمة في مقالات الشبكة. دع هذه المهام لهيئة التحرير.
يفضّل أن تكتب على المحرر مباشرة بدلا من الكتابة على برنامج Word أو أي برنامج محرر آخر. البرامج أو حتى النسخ من منشور سابق لك على فيسبوك مثلًا ﻻ ينقل النص مجردًا، بل ينقل أيضًا بشكل غير ظاهر لك أكواد خبيئة. أغلب هذه الأكواد له وظيفة في تشكيل النصوص أو تحديد فونت وشكل الخط المستخدم على حسب المكان الذي نسخت منه. بعض هذه الأكواد الغير مرئية ضار حتى مع افتراض حسن النوايا، ولذلك، ستقوم تي.بوت، الإنسانة الآلية، بحذف أي أكواد غير مفهومة لها. هذا يعني ضياع أي نصوص بين كود الفتح واﻹغلاق المحذوفان. من ناحية أخرى، ستقوم تي.بوت بمحاولة ترجمة الأكواد التي تفهمها إلى نفس الأكواد المستخدمة على الشبكة، هذا يعني انها ستجتهد في ألا يضيع شيء (فعليًا لو فُقد نص فهو بالضرورة ضار للشبكة وتراه تي.بوت أكواد اختراق أو سبام إعلاني مثلًا).
في حالة نسخ نص من محرر آخر، استخدم أيقونة
للصق النص داخل المحرر. هذه الخطوة ضرورية لتجنب أي أكواد غير مرئية مثل المستخدمة لتشكيل وتلوين النصوص.
من حين لآخر، قم بالضغط على زر “حفظ المسودة” لتجنب أي مشكلات غير متوقعة. في أغلب الحالات ستقوم تي.بوت، الإنسانة الآلية، بالحفظ الآلي نيابة عنك، لكنها لن تبدأ في ذلك قبل حفظ المسودة لمرة واحدة على الأقل، كما أن تي.بوت تقوم بقياس الأحمال على مزود الخدمة وبناء على ذلك تُقرر الفترة الزمنيّة بين وقت الحفظ والحفظ الآخر. نحن مضطرين لتصميم تي.بوت بهذه الكيفية لتخفيف الضغط على قواعد البيانات في أوقات الذروة. لذلك، قم بحفظ المسودة كلما انتهيت من جزء مفهوم لك. وتذكر: أن تكون محترفًا، معناه أن تكون مستعدًا لمفاجآت اللحظة الأخيرة.
يمكنك كتابة المقال على أكثر من جلسة. وبشكل عام فتركك للمقال في طور المسودة لن يشعر به أحد. الهيئات الإدارية تستطيع بالطبع قراءة وتحرير المسودات، لكن هذا هو المقصود من طور المسودة، أن يعلم من يتابع أن هذا العمل غير منتهي بعد.
عند الانتهاء من المقال بالكامل. اضغط إرسال للمراجعة ثم توقف عن القيام بأي تعديلات لاحقًا.
عند إرسالك المقال للمراجعة، فوريًا تتحرك تي.بوت لمراسلة كل محرر في الهيئة التحريرية على بريده الإلكتروني، تحتوي هذه الرسالة على إخطار بأن الكاتب [أنت] قد انتهيت من المقال [كذا كذا] وأرسلته للمراجعة. تحوي الرسالة رابط للوصول السريع للمحررين إلى مقالك مباشرة للقيام بمهامهم. والباقي مفهوم من شرح مخطط سريان العمل بالشبكة.
سيصلك أيضًا إخطار مماثل عند انتهاء كل مرحلة واسم القائم بها على بريدك الإلكتروني. كما يمكنك في أي وقت مطالعة مقالك ومعرفة التحسينات التي طرأت عليه.
في حالة وجود أي ملاحظات لك، استخدم أضف ملاحظة إدارية حتى تبقى ملاحظاتك أسفل كل مقال يخصها.
---
## خاصية السلاسل
URL: https://tabcm.net/workflow/series/
Type: page
Modified: 2026-08-03
خاصية السلاسل
إيقاع العصر جعلت مستخدم الإنترنت متعجّل بطبعه عن قارئ الكتب الكلاسيكي. كل مؤشرات قياس الأداء وتحليل سلوك المستخدم العام تنطق بأنه لا يحب القراءة الطويلة أو الأسلوب المطنب ويفضّل الخلاصات. من ناحية أخرى فالشبكة تستهدف القارئ النخبوي الذي يهتم بالتفاصيل ويقرأ قراءة نقديّة وذلك بالتأكيد يتعارض مع هواة الخُلاصات. أحيانًا نقوم بنشر كتب كاملة، أو أوراق بحثيّة ونماذج تحليلية، وكل هذا يزيد من تعقيد المشكلة، فالمحتوى بالتأكيد سيتضخّم بشكل يُحبط القارئ العام الذي لن يروق له قراءة بحث أو كتاب كامل من أجل إجابة سؤال يثير شغفه.
الحجم المثالي للمقال هو من ٦٠٠ إلى ١٢٠٠ كلمة، لكن الأمر يختلف مع المقالات الاستقصائية أو التاريخية أو الأوراق البحثية التي ربما تصل إلى ألفين أو ٤ آلاف كلمة.
من هنا، جاءت أهميّة خاصية السلاسل، وهي تقنية الغرض منها أن تحتوي الصفحة المعروضة جزءًا من محتوى أضخم، ولنقل فصلًا من كتاب، مع وجود فهرس يستطيع منه التنقل بين الصفحات أو الفصول أو الأجزاء المختلفة. بطريقة أخرى، تقنية السلسلة هي نمط بصري يختص بمسألة مكررة للغاية على الشبكة فتم التوافق على تقنينها وأتمتتها قدر الإمكان.
ﻻ ننصح بالمقالات الطويلة ويفضّل تقسيم المقال إلى جزئين، أو إن تطلب أكثر من ذلك فالأفضل هنا إنشاء سلسلة مستقلة.
من زاوية الكاتب، لا يوجد شيئ تقني ليفعله يتعلق بخاصيّة السلاسل. فإنشاء سلسلة جديدة يحتاج صلاحيات هيئة النشر، وإدراج مقال ما كجزء من هذه السلسلة يحتاج صلاحيات الهيئة التحريرية. وعلى هذا، فكل ما على الكاتب هو إبداء رغبته وإعداد مواد تصلح لثلاثة أجزاء [مقالات] على الأقل، ثم بعد ذلك ولكي يخبر الهيئات بالأجزاء التالية أنها ضمن السلسلة فلن يفعل أكثر من إضافة ملاحظة إدارية بنهاية الجزء المراد إدراجه.
في السطور القادمة، نستعرض ما الذي سيختلف مشاهدته بصريًا في مقالات السلاسل عن أي مقال آخر. لنفترض أن لدينا سلسلة من خمسة مقالات، وفتح القارئ المقال الثاني منها لقراءته، فما المُختلف بصريًا عن أي مقال عادي؟ ولنبدأ بمقدمة المقال:
المقال رقم 2 من 5 في سلسلة اسم السلسلة يظهر هنا
مقدمة المقال تحتوي على نمطين بصريين جديدين:
النمط الأوّل: ميتابوكس السلسلة، ويظهر كشريط أفقي بعرض المقال أسفل اسم الكاتب مباشرة. وظيفة الميتابوكس معلوماتيّة بحتة، فهي شريط هادئ يظهر قبل أن يشرع القارئ في القراءة ليخبره أن المقال الذي يقرأ فيه الآن هو الجزء رقم كذا من سلسلة تحتوي على عدد كذا من المقالات المنشورة، كما يظهر اسم السلسلة كارتباط تشعيبي، عند النقر عليه ينتقل القارئ لصفحة تستعرض كل أجزاء السلسلة.
والنمط الثاني: فهرس السلسلة، ويظهر كصندوق في أقصى يسار مقدمة المقال، ومتداخل مع النص وكأنه جزء منه، ومن الجدير بالذكر هنا أن النصوص في متن المقال الأصلي تضبط نفسها تلقائيًا بمساعدة من تي.بوت بالتأكيد. هذا يعني أنه مهما كان طول هذه الفقرة ومحتوياتها النصية، فستتوقف نهاية الأسطر قبل أن تمس الصندوق الحاوي لفهرس السلسلة. أنا الآن أكتب لغوًا غير هامًا فقط لضمان أن تكون الفقرة كبيرة بما يكفي لتصل أسطرها إلى صندوق الفهرس تاركًا تي.بوت تقوم بشد الخط وتمطيطه كي يتحاذى من الجانبين ويتوقف قبل أن يمس الصندوق للاستكمال في سطر جديد.
وظيفة الفهرس مفهومة بالطبع، ألا وهي استعراض جميع المقالات بهذه السلسلة على هيئة روابط تشعيبية، وعند النقر على أحدها ينتقل القارئ إلى المقال أو الجزء الذي اختاره. أيضًا يقوم الفهرس تلقائيًا بتحديد المقال الذي تقرأ فيه الآن بعلامة ☑ قبل اسمه، مع إطفاء الرابط التشعيبي له، إذ لا معنى للانتقال لنفس المقال الذي أنت فيه الآن.
اسم السلسلة يظهر هنا
المقال الأول في السلسلة☑ المقال الثاني في السلسلةالمقال الثالث في السلسلةالمقال الرابع في السلسلةالمقال الخامس في السلسلة
عند نهاية المقال، يوجد نمط بصري ثالث يحاكي مسألة قلب الصفحة في القراءة التقليدية، وظيفته التنقل بين الجزء السابق والجزء التالي من نفس السلسلة التي يتم القراءة فيها الآن.
جزء من سلسلة: اسم السلسلة يظهر هنا
[الجزء السابق] 🠼 المقال الأول في السلسلة
[الجزء التالي] 🠼 المقال الثالث في السلسلة
لتقنية السلاسل وظيفة هامة تتعلق بمحركات البحث. إذ أن تقنية السلسلة تنشئ بطبيعتها مجموعة من الارتباطات التشعيبية المتماسكة في وحدة مستقلة (السلسلة ذاتها) ولكل هذا تأثيرًا إيجابيًا على إنشاء خريطة داخلية للسلسلة مما يقوي من مسألة أرشفتها على محركات البحث. بطريقة أخرى، كتابتك للمحتويات الكبيرة مستخدمًا تقنية السلاسل، تعطي فرصة تنافسية أعلى لأرشفة المقالات على محركات البحث. هذا يعني مزيدًا من القراء الذين يبحثون عن كلمات وردت فيما تكتبه على الشبكة.
من زاوية الكاتب، لا يوجد شيئ تقني ليفعله يتعلق بخاصيّة السلاسل، وكل ما عليه هو إبداء رغبته وإعداد مواد تصلح لثلاثة أجزاء على الأقل.
---
## الروابط التشعيبية وأنواعها
URL: https://tabcm.net/workflow/footnotes/
Type: page
Modified: 2026-08-03
الروابط التشعيبية
الرابط التشعيبي، أو hyperlink يعني أن هناك نصًا يحتوي بداخله على رابط ينقلك لصفحة أو منطقة جديدة غير التي تقرأ فيها. ويهمنا هنا التركيز على ثلاثة أنماط بصرية لثلاث أنواع من الروابط التشعيبيّة تُقسّم على حسب ما هو الشيء المراد الانتقال إليه بالرابط؛ هل هو مقال من مقالات الشبكة؟ أم ﻻ، بل مقال أو صفحة من موقع آخر؟ أم نريد الانتقال لمنطقة ارتكاز أخرى بنفس المقال كما في الهوامش والمصادر؟
الرابط التشعيبي الخارجي
الصفحة متاحة فقط لكتاب الشبكة. يرجى تسجيل الدخول ككاتب معتمد حتى تتمكن من استكمال التصفح، أو العودة للرئيسية إن كنت دخلت الدليل بالخطأ.
الشبكة ﻻ تتعرف عليك تلقائيًا، بل تعرفك وتعطيك صلاحياتك الخاصة عند تسجيل الدخول بكلمة المرور الخاصة.عند تسجيل الخروج ستعاملك الشبكة كقارئ أو زائر ليس من حقه الدخول إلى المكتب الشخصي.
لإضافة رابط خارجي، قم بتظليل النص المراد تحويله لرابط تشعيبي ثم اضغط
من صندوق الأدوات كما بالشكل. فقرة
سيظهر لك صندوق صغير، الصق الرابط الخارجي الذي تشير إليه هنا، ثم اضغط السهم الأزرق المجاور.
الصق رابط أو اكتب للبحث
↵
الرابط التشعيبي للمقال
الأمر هنا أسهل بكثير، لقد قمنا بتصميم نمط بصري محدد لهذا الغرض.
لإضافة رابط مقال بالشبكة، اضغط
من صندوق الأدوات كما بالشكل. فقرة
سيظهر لك صندوق Visual Link Preview، المكون من ثلاث خانات، عند الخانة الوسطى [Post] ابدأ في كتابة الحروف الأولى من عنوان المقال حتى يظهر اسم المقال الذي تريد إدراجه، ثم اضغط Insert.
خاصية الهوامش والمصادر
هل تود أن يكون مقالك مكتوبًا بطريقة علمية قياسية، بحيث يظهر للقارئ أرقامًا مرجعيّة مسلسلة وليكن بدايتها [1] مثلًا، وعند النقر على الرقم ينتقل القارئ للهامش عند هذا الرقم بالضبط؟ هل تريد أن يحدث العكس أيضًا؟ بمعنى وجود علامة آخر كل هامش [🡁] عند الضغط عليها يعود لاستكمال القراءة من النقطة التي بها الرقم المرجعي المسلسل الموازي للهامش؟ هل تود ألا يتحرك القارئ أساسًا أيضًا وأنه يكفيه الوقوف على الإشارة المرجعية المسلسلة رقم [7] لكي يختلس النظر السريع لما تعنيه هذه الإشارة تحديدًا دون قفز للأسفل والعودة للأعلى؟ كل هذا متاح مع إضافة الهوامش والمصادر المتطورة.
هذه الإضافة لا تحتاج أيقونات، ببساطة عند النقطة في وسط النص التي تريد ظهور الرقم المرجعي المسلسل، إفتح قوسًا دائريًا مرتين هكذا: “((“، ثم ابدأ في كتابة محتوى الهامش كما تشاء، وعندما تنتهي من الهامش أو المرجع أغلق القوس الدائري مرتين هكذا: ” ))”، وكل الباقي سيتم تلقائيًا بمساعدة تي.بوت، هي من ستحوّل ما بين الأقواس المزدوجة إلى أرقام متسلسلة تصاعدية كل مرة بدون اضطرار لحساب الأرقام، أما محتوى ما بين الأقواس المزدوجة، فسيتم نقله مرتبَا مهندمًا إلى أسفل المقال بعد أن تفتح صندوق لكل هذا وتسميه “هوامش ومصادر”، أيضًا التنقّل بين التشعيب المرقمن من وإلى الهوامش، واختلاس النظر دون حركة سيحدث تلقائيًا.
الهوامش والمصادر ﻻ تظهر نتيجتها على صفحة محرر الكتابة التقليدي، ولمطالعة النتيجة اضغط معاينة من صندوق النشر كما بالشكل.
نشر
حفظ المسودة معاينة
الحالة: مسودة تحريرالظهور: عام
إرسال للمراجعة
---
## الأنماط والهويّة البصرية
URL: https://tabcm.net/workflow/visual-identity/
Type: page
Modified: 2026-08-03
الأنماط والهويّة البصرية
النمط البصري، هو قالب يتم من خلاله عرض كتلة نصّية بشكل وألوان معينة. الغرض الرئيسي من النمط البصري للاقتباس مثلًا هو أن تستعرض النص المقتبس بشكل مميز عن نص المقال الأصلي. شكل عندما تعتاده ستدرك أن هذا اقتباس خارجي وليس جزءًا من متن المقال بالرغم من أن كلاهما “نصوص”. قد يبدو هذا مبشرًا كبداية، لكن ماذا لو أردنا تعويد القارئ على أدراك العائلة التي يتم الاقتباس منها؟ نريد مثلا أن يميّز القارئ بين النص المقتبس من الكتاب المقدس، وبين النص المقتبس من أقوال الآباء، وبين النص المقتبس من شخصية عامة غير ذات قدسية؟ الأمر بسيط، سنصنع إذن عدة أنماط بصرية.
هذا الأمر البسيط في التنفيذ هو معقد جدا في مسألة الصياغة والتخطيط (تصميم النمط البصري)، إذ كيف تنشئ مجموعة أنماط وكل نمط يختلف عن غيره وكأن له هويّة مستقلة، وفي نفس الوقت يشترك مع غيره لأن الكل اقتباس؟ هل تملك الأنماط البصرية، أو العين الخاطفة، لغة بينها وبين القارئ؟ لغة نستطيع من خلالها إرسال رسالة لعقله أن هذا نص مقال وهذا نص اقتباس من الكتاب المقدس، بينما ذاك هو اقتباس أيضًا لكن لشخصية معاصرة؟ والإجابة المختصرة هي: نعم نستطيع.
الهويّة البصرية: هو مجموع الأنماط البصرية المتعددة التي تُستخدم على الشبكة بشكل مدروس ومسبق الإعداد للتعبير عن ماهيّة الكتل النصية ذاتها. هذه الأنماط لصيقة بشبكة التأله وحدها، ومترابطة فيما بينها بشكل قياسي مطبّق على كل كبيرة وصغيرة في الشبكة، ومنفصلة عن العالم الخارجي بحيث تشكل سويًا هويّة محددة للشبكة ذاتها. هويّة يمكن لقارئ الشبكة أن يميزها عن غيرها من المواقع حتى لو تكرر نفس المقال. ونحن نتحدث عن هويّة حقيقية تستدعي في عقل القارئ حتى اللوجو والألوان المستخدمة فيه.
هذا يعني أن كل شيء بنظام وترتيب، وأن كتابتك لأمر عادي مثل آية من الكتاب المقدس، هي هنا على الشبكة ليست حرّة، بل بمثابة أمر لهيئة التحرير والنشر بتطبيق القالب البصري المخصص للكتاب المقدس هنا. وسنحاول في السطور القادمة تعريفك بأهم المصطلحات والأنماط البصرية المستخدمة على الشبكة.
ﻻ ننصح أبدا أن تقوم بتشكيل وتلوين محتوى المقال إلا إذا كنت على دراية بالأنماط البصرية المستخدمة في مقالات الشبكة. دع هذه المهام لهيئة التحرير.
النمط القياسي للفقرات
جميع القوالب مهيأة مسبقًا بنمط بصري شبه ثابت مستوحى من ألوان اللوجو؛ أرضية بيضاء وكتابة سوداء والعناوين باللون الأحمر القاني. لكننا في بعض الكتل الخاصة نتلاعب في درجات هذه الألوان. في المقال مثلًا لا نجعل الأرضية بيضاء تمامًا وإنما مشوبة بالاصفرار. هذا يجعلها مريحة أكثر في القراءة لأن هذا هو اللون الطبيعي للأوراق إن تُركت فترة من الزمن مثل الكتب. لون الخط أيضًا ليس أسودًا تمامًا وإنما هو درجة غامقة من اللون الرمادي، بالنهاية لم يعد النص أبيض وأسود حاد، لكن الانطباع النفسي هو بحميمية الكتب الورقية مع درجة مقصودة من التقارب بين المتضادين.
الفونت المستخدم ثابت وهو Markazi Text، بنط ١.٢، بنسبة تباعد بين الأسطر ١.٨ في الفقرة الواحدة، وعند كتابة فقرة جديدة فنسبة التباعد تتضاعف تلقائيًا بين الفقرتين وكأنما تركت سطرًا فارغًا بينهما لجعل الفقرات مفصولة عن بعضها بشكل مريح للعين. أيضًا الوضع الافتراضي للمحاذاة ليس لليمين ولا لليسار بل لكلاهما (Justified) ماعدا السطر الأخير. وكل هذا يحدث تلقائيًا دون تدخل منك.
ﻻ ننصح باستخدام أيًا من أيقونات المحاذاة
لأن الوضع الافتراضي هو
تلقائياً
لو لأي سبب غيرت نمط الفقرات وتريد العودة للوضع الافتراضي، قف على أي مكان في الفقرة المراد تغييرها، ثم اختر “فقرة” من صندوق الأدوات كما بالشكل التالي:
فقرة
الترويسات
الترويسة (من الرأس، أي جعل للفقرة رأسًا) هي ببساطة العناوين الفرعية أو الداخلية للمقال. للشبكة ٦ أحجام من الترويسات، الفونت المستخدم ثابت وهو El Messiri لكنها تختلف في البنط ونسبة التباعد بين الأسطر، أكبرها هو “ترويسة1” وأصغرها هو “ترويسة6”.
للترويسات طريقة يجب أن تبدأ بالترويسة2 دائمًا (لأن ترويسة1 هي المانشيت، أو عنوان المقال). بمعنى اننا لو أردنا استخدام عنوانًا فرعيًا أو أكثر وجميعهم متماثل، إذن سنستخدم “ترويسة2” فقط لكل العناوين الفرعية المتماثلة. لكن لو كنا نريد استخدام درجتين من العناوين الفرعية (واحدة لاسم الفصل، والثانية للباب داخل الفصل مثلاً) فوقتها سنستخدم “ترويسة2″ و”ترويسة3”. وفي حالة إذا ما أردنا ثلاث درجات من العناوين إذن سنبدأ بترويسة2″، ثم “ترويسة3″، ثم ترويسة4”. لاختيار نمط ترويسة معيّنة، قف على السطر المراد تغيير نمطه ثم اختر “ترويسة2” من صندوق الأدوات كما بالشكل التالي:
ترويسة2
الترويسة تعامل معاملة فقرة مستقلة. هذا يعني أننا لا نستطيع كتابة ترويسة وفقرة في نفس السطر.
النص المهيأ مسبقًا
النصوص المهيأة مسبقًا هي نصوص عادية لكن يتم وضعها في إطار خاص لفصلها وتمييزها عن المحتوى النصي المعتاد للمقال. تخيّل لو أن الكاتب يكتب مقولة فلسفية من ابتكاره، أو أننا نقتبس منه في مقال سابق وليس من التواضع أن يقتبس المرأ من نفسه وأقواله، أو على سبيل المثال يود الناشر إضافة ملاحظة أو تعليق لم يكتبه الكاتب، لذا في مثل هذه الحالات نستخدم النص المهيأ مسبقًا.
لاختيار نمط النص المهيأ مستقبلًا، قف على الفقرة المراد تغيير نمطها ثم اختر “مهيأ مسبقًا” من صندوق الأدوات كما بالشكل التالي:
مهيأ مسبقاً
الاقتباس المتطور
الاقتباس من الأمور التي تم التوسّع فيها على الشبكة لتلبية متطلبات لاهوتيّة معينة. الأصل في الاقتباس هو كتابة النص المُقتبس بشكل منفصل عن محتوى المقال، وإلى هنا والأمر بسيط، وقد تم تصميم نمط الاقتباس عمومًا وكأنه ورقة مسطّرة مقطوعة من نوتة قديمة، مع تغيير نوع الخط إلى Amiri المستخدم في الكتب القديمة كالكتاب المقدّس. الخط الأميري جميل لكنه صعب القراءة، ولذلك، فهو يجبر القارئ على قراءة متأنيّة نوعًا تليق بالاقتباس من مخطوطة أو نوتة مذكرات خطيّة مثلًا.
السطر الأخير من الاقتباس له معاملة خاصة، فهو السطر الدال على مصدر الاقتباس. سيتغير نوع الخط إلى الرقعة كالتوقيع اليدوي، الخط الرقعة أصعب في القراءة لإجبار القارئ على التأني الإضافي الذي يليق بالمصادر. نحن نستخدم طريقة قياسية تشبه المراجع العلمية (مطابق لمقايسات شيكاغو تيكست بوك) في الإشارة للمصادر المُقتبس منها، والمهم هنا أن تعرف ترتيبها؛ (اسم قائل الاقتباس، اسم الكتاب الذي ورد فيه الاقتباس، اسم المُعد أو المترجم، اسم دار النشر، سنة النشر، الفصل، الباب، الصفحة) مع ملاحظة وضع هذا السطر مستقلًا عن الاقتباس نفسه (بالضغط Enter) وأنه بكامله بين قوسين دائريين (هكذا) وأيضاً Italic (مائل)، والباقي سيتم تلقائيًا.
لاستخدام خاصية الاقتباس، قف على الفقرة المراد تغيير نمطها ثم اضغط أيقونة
من صندوق الأدوات كما بالشكل. فقرة
لتظليل كلمة كاملة، أنقر عليها نقرًا مزدوجًا، ولتظليل فقرة بكاملها أنقر عليها نقرًا ثلاثيًا.
لتمييز السطر الأخير الدال على مصدر الاقتباس، ﻻ تنس جعله مائلاً بتظليله ثم الضغط على
من صندوق الأدوات كما بالشكل. فقرة
الاقتباس المُختصر وألوانه
الاقتباس المختصر يبدو للقارئ كجزء من النص لكنه موضوع بين علامتيّ تنصيص، وملون بشكل معيّن. نحن نستخدم نفس الأنماط اللونية سواء في الاقتباس المتطور أو الاقتباس السريع. هذا نموذج للاقتباس المختصر من آيات الكتاب المقدس بينما هذا نموذج للاقتباس المختصر من أقوال الآباء بينما هذا نموذج للاقتباس المختصر من شخصيّة عامة.
نحن نستخدم ثلاث أيقونات متجاورة للقيام بمهمتيّ التلوين والوضع بين علامات التنصيص. أيقونة للكتاب المقدس، وثانية لأقوال الآباء، وأخيرة لأقوال الشخصيات العامة، كما بالشكل:
ABC
لتمييز الاقتباس من الكتاب المقدس، قم بتظليل النص ثم اضغط على
لتمييز الاقتباس من أقوال الآباء، قم بتظليل النص ثم اضغط على
لتمييز الاقتباس من الشخصيات العامة، قم بتظليل النص ثم اضغط على
التعليق التفسيري داخل الاقتباس
تخيّل أنك تقتبس نصًا من الكتاب المقدّس مثلًا، والاقتباس يحتوي على ضمير يعود على شخص [لنقل “المسيح” مثلًا] واسم هذا الشخص ليس مذكورًا داخل الجزء المقتبس. في هذه الحالة من الأفضل أن تكتب تفسيرًا يوضّح أن هذا الضمير يعود على المسيح. الإشكاليّة هنا أنك لو كتبت داخل الاقتباس الملون بنفس طريقته الملونة فقد يختلط الأمر على القارئ وتسبب تشويشًا في نصٍ مقدسٍ، فما العمل؟ ببساطة علينا كسر النمط البصريّ الملون للاقتباس والعودة إلى النمط البصري الأسود المعتاد لكي تكتب شيئًا تفسيريًا بين قوسين مربّعين [هكذا] ثم من جديد تعود لاستكمال النمط البصري الملون المستخدم للكتاب المقدس. أليس كذلك؟
لقد قمنا بتسهيل هذه الخطوات المركّبة قدر الإمكان، ببساطة قم بتظليل النص المقتبس كاملًا وتلوينه بأيقونة النمط البصري للكتاب المقدس وبداخله نصك التفسيري [الموضوع بين قوسين مربعين]، هكذا صار الكل بين علامتيّ تنصيص وملونَا بالأحمر القاني. بعد ذلك لكسر التلوين في نصك التفسيري، قم بتظليل القوسين [المربعين] وما بينهما من تفسيرك، ثم غيّر اللون إلى اللون الأسود.
لكسر النمط البصري للإقتباس في [تعليق تفسيري]، ظلله ثم إختر
من صندوق الأدوات كما بالشكل. ثم اختر اللون الأسود.
ABC
ﻻ ننصح أبدا أن تقوم بتشكيل وتلوين محتوى المقال إلا إذا كنت على دراية بالأنماط البصرية المستخدمة في مقالات الشبكة. دع هذه المهام لهيئة التحرير.
---
## الصلاحيات والهيئات
URL: https://tabcm.net/workflow/permissions/
Type: page
Modified: 2026-08-03
الصلاحيات والهيئات
هل تتذكر مخطط سريان العمل؟ أبسط طريقة لتصوّر فكرة الصلاحيات الجماعية (الهيئات) هو إعادة النظر لها، لكن هذه المرّة مع التركيز على الشخص أو الهيئة الذي يقوم بدور ما:
فريق العمل
فكرة
🡇
مسودة
🡇
هيئة التحرير
قيد المراجعة
🡇
هيئة النشر
تجهيز للطبع
🡇
Automation
مجدول للنشر
🡇
الجمهور العام
مقال منشور
بطبيعة الحال، الجمهور العام أو القارئ الزائر هو الأقل في الصلاحيات على الإطلاق. أقل لدرجة عدم وجود مكاتب شخصية للزوار على الإطلاق. بالرغم من ذلك، توجد درجة من درجات الكاتب تتقارب في الصلاحيات مع الزائر وليس لها مكتب شخصي أيضًا.
الشبكة ﻻ تتعرف عليك تلقائيًا، بل تعطيك الصلاحيات الملائمة عند تسجيل الدخول بكلمة المرور الخاصة.وعند تسجيلك الخروج ستعاملك الشبكة كقارئ أو زائر ليس من حقه الدخول إلى المكتب الشخصي.
الكاتب الضيف
الكاتب الضيف هو مساهم غير مسجل بالشبكة. ظهرت الحاجة لهذا النوع من الحسابات عند قيام بعض كتّابنا بترجمة مقالات لاهوتيّة متخصصة، وفي مثل هذه الحالات ﻻ يمكن اعتبار القائم بالترجمة مالكًا أصيلًا للمحتوى المترجم للغة العربيّة، لذا تم تطوير الشبكة وإضافة هذا النوع من الحسابات بغرض حماية الملكية الفكرية حتى وإن كانت تشاركيّة. المقالات المترجمة لها مالكين (كاتبين) يظهران سويًا وعادة ما يوضع اسم الكاتب الضيف أولًا قبل الكاتب الدائم القائم بالترجمة.
بمرور الوقت، طورنا استخدام حسابات الكاتب الضيف لتلبية أوضاع أخرى، على سبيل المثال استقبال ونشر مقالات من بريد القراء إلينا. نحن في “نموذج نشر مقال” نجمع البيانات المكوّنة للحساب مثل البريد الإلكتروني والصورة الشخصية من أصحابها الطبيعيين بغرض ظهور هويّتهم مقترنة بإنتاجهم الفكري.
من الناحية التقنيّة، الكاتب الضيف له سجل وملف على الشبكة، لكن من دون صلاحيات، لذا ليس للكاتب الضيف كلمة مرور أو مكتب شخصي، وﻻ يستطيع الدخول للأماكن المتاحة لطواقم العمل ويعامل كزائر أو قارئ عادي. هذا النوع من الحسابات غرضه الوحيد هو حماية الملكية الفكرية لمواد نراها تستحق النشر وكُتبت من غير فريق العمل من كتّاب الشبكة.
الكاتب الضيف ﻻ يظهر ضمن قائمة فريق العمل، وحسابه هو مجرد هويّة بصرية لمالك المقال لكنه بدون أرشيف مقالات.
الكاتب الدائم (عضو فريق العمل)
الكاتب الدائم هو أول درجات الصلاحيات الخاصة. يملك الكاتب حسابًا مستقلًا بكلمة مرور خاصة، وله مكتب شخصي مستقل عن بقيّة زملائه في فريق العمل. من خلال هذا الحساب يستطيع الكاتب إضافة وتعديل وإدارة مقالاته دون تماس أو تقاطع مع مقالات غيره.
على الرغم من أن المكتب الشخصي للكاتب يستطيع من خلاله التحكّم الكامل بتفاصيل المقال، إلا أننا ننصح بالتركيز فقط على متن المقال النصوصي واعتبار كل الباقي اختياريًا. من الناحية التقنيّة، الكاتب له سجل وملف على الشبكة يرتبط بكافة المقالات المتعلّقة به.
نحن نعتبر الكاتب هو المالك الأصيل لإنتاجه الفكري، لذلك يظل له اليد العليا فيما يطرأ على مقاله من تحسينات، ويحق له وقف مسار النشر لمقاله إن لم يوافق على ما تم فيه من تعديل. بالمقابل، فنحن نخطر آليُا كل كاتب على بريده الإلكتروني بكافة مراحل وأطوار مقالاته، ويستطيع من خلال أدواته مراجعة مقاله من جديد، وترك ملاحظات إدارية أسفله إن وجد شيئًا لا يروق له. ونعتبر صمته سلبًا بمثابة الموافقة على كل ما يطرأ على مقاله من تحسينات.
جميع الكتّاب على الشبكة هم شخصيات طبيعية وليس شخصيات اعتبارية. نحن ندرك أن الإنتاج الفكري هو ملك لإنسان طبيعي وليس ملكًا لشركة أو مؤسسة أو جماعة أو أي نوع من الكيانات والشخصيات الاعتبارية. وعلى هذا نرفض تمامًا أي حسابات جماعيّة أو ذات السمة الاعتبارية أو تلك التي لا تشير لشخص طبيعي حقيقي.
يمكنك استعراض جميع الكتّاب الدائمين والتعرف عليهم وعلى مقالاتهم من خلال صفحة فريق العمل.
المحرر (عضو هيئة التحرير)
المحرر هو أعلى الصلاحيات عموميّة من حيث الانتشار والتداخل مع متن المقال وأفكاره، وبشكل يمكن اعتباره كاتبًا عامًا على كافة المقالات وليس مقالاته فقط. تحتاج هيئة التحرير إلى هذه الصلاحيات العامة لتمكين أفرادها من إجراء عمليات المراجعة اللغوية والإملائية لكافة المقالات بحسب المستعد منهم للعمل أونلاين الآن.
تهتم هيئة التحرير بتطبيق السياسات التحريرية للشبكة على كافة المقالات. هذا يعني إمكانية تعديل بعض الصياغات كي تتوافق مع الأطر العامة للشبكة، وإن كان التوفيق غير ممكن، أو مقصود من الكاتب، أو متداخل مع فكرة أساسية للمقال، سيتم إرجاع المقال إلى طور المسودة مع ترك ملاحظة إدارية، وذلك حتى يتمكن الكاتب من استكمال العمل على مقاله بنفسه. على كل حال، أغلب عمليات المراجعة تتعلق بتحسين المقال ورفع مستواه من الناحية المهنيّة البحتة وفق سياسات عمل صارمة ﻻ تسمح بالاشتباك الفكري أو الجدل مع الكاتب، أو مناقشته في أطروحاته الفكرية. يمكن للكاتب إدراك دور المحرر بالأكثر مع العمليات الإجرائية مثل التحسينات على المانشيت (عنوان المقال) وصورة الغلاف، وتحديد القسم المناسب، وضبط المقالات ذات الخواص المعقدة تقنيا مثل الإدراج في تقنية السلاسل، ومفتتح المقال وما إلى ذلك.
بخلاف سمة العموميّة، يمتلك المحرر صلاحيات أعلى من صلاحيات الكاتب التقليدية، منها على سبيل المثال صلاحية تعديل كاتب المقال نفسه من أجل إضافة أكثر من كاتب في المقالات المشتركة الملكية الفكرية، أو كتابة مقال جديد باسم كاتب معين لمساعدة الكتّاب غير المحترفين أو حديثي الانضمام للشبكة، أو مقالات مرسلة من القراء. أيضًا تظهر أمام المحرر خواص إضافية غير ظاهرة للكاتب مثل سطر المفتتح، أو الكلمات الدلالية، كما يمكنه ربط صورة الغلاف من مكتبة الصور عمومًا، وليس من الصور التي قام هو برفعها فقط.
الحجم المثالي للمقال هو من ٦٠٠ إلى ١٢٠٠ كلمة، لكن الأمر يختلف مع المقالات الاستقصائية أو التاريخية أو الأوراق البحثية التي ربما تصل إلى ألفين أو ٤ آلاف كلمة.
ﻻ ننصح بالمقالات الطويلة ويفضّل تقسيم المقال إلى جزئين، أو إن تطلب أكثر من ذلك فالأفضل هنا إنشاء سلسلة مستقلة.
الناشر (عضو هيئة النشر)
الناشر هو أعلى الصلاحيات العامة من حيث التفاصيل وليس العمومية. مثلًا إن أردت إدراج صورة داخلية متشابكة مع المحتوى النصي، وتريد أن تحدد مقاس هذه الصورة بشكل معيّن على كافة الشاشات، أو أن أردت تقسيم المقالات على عمودين أو أكثر، أو أردت إظهار جدول، أو رسم بياني، فكل هذه الأمور تتطلب تفاصيلاً وصلاحيات تفوق المحتوى البصري النمطي للشبكة. أيضًا الناشر هو المنشئ لحسابات الأفراد (الكتًاب، أو المحررين، أو الناشرين) كما أنه المنشئ للسلاسل الجديدة. فعليا هيئة التحرير في عملها اليومي تقوم بعمليات ربط قد أنشأتها هيئة النشر في مرحلة سابقة.
على عكس هيئة التحرير التي تهتم بالمضمون، تهتم هيئة النشر بالشكل النهائي وعمليات الإخراج البصري والألوان والمقاسات والنسب بين الوحدات والكتل النصوصية. قد يبدو لك الأمر كمسالة أذواق شخصية، لكن الأمر متخطي هذا حقيقة، فدور الناشر فعليًا تسهيل عمليات القراءة ﻻ على البشر المكفوفين وحسب، بل وغير البشر أيضًا، هذا يشمل مثالَا لا حصرا معايير محركات البحث لتقوية مسألة الأرشفة والكلمات المفتاحية وكافة الأمور التقنية الغير الظاهرة بالعين أيضًا.
أيضًا تعد هيئة النشر أعلى سلطة في الهرم الإداري للشبكة، لذا يمكن أن تقوم بالفصل في الأمور الداخلية إن حدث أمر طارئ. كما يملك أعضائها شرف تمثيل مجموعة العمل والتنسيق مع الهيئات والمؤسسات الخارجية باعتبارهم منسقين عموميين للشبكة.
إن وصلك إخطار بالجدولة السريعة، فهذا يعني المقال رُوجع بواسطة الناشر مباشرة وليس بواسطة المُحرر لدواعي الاستعجال. ومن الوارد حدوث أخطاء تحريرية.
T.Bot, The Automation Robot
تي.بوت أو تيبوت، هي اختصار لجملة Theosis Robot، ويتم إطلاقه على مجموع البرمجيات التي تقوم بوظائف كانت تدار بالبشر، ثم تمت أتمتتها (أي جعلها أوتوماتيكيّة).
البداية كانت تتعلق بالأمان الرقمي، ونقصد بذلك بعض الخصائص التقنية مثل رقم بروتوكول الإنترنت أو حتى بعض التفاصيل مثل الموقع الجغرافي أو نوع المتصفح ونظام التشغيل. أشياء مثل هذه نستطيع معرفتها لكن نراها تعصف بالخصوصيّة. لذا تم ولادة تي.بوت هنا كي تقوم بالأعمال التي لا نأتمن عليها البشر وبغرض تقديم تقارير معمّاة تُستخدم في قياس الأداء.
لمزيد من التفاصيل عن البيانات المعماة، يمكنك زيارة صفحة سياسة الخصوصية.
بمرور الوقت وتشعّب الجهد المبذول بشكل مكرر، وأتمتتة هذا العمل، أصبح من الصعب تحديد مهام تيبوت بشكل واضح. الدور الرئيسي لتيبوت هو القيام بالمهام المجدولة، مثل تحديد تاريخ النشر لتقوم هي بالنشر بشكل دقيق. لكن حتى هذه النقطة تم التوسع فيها للنشر على منصات التواصل الاجتماعي المختلفة، والقيام بدور دعائي يشمل تصميم بوستر خاص وفريد لكل مقال، هذا يشمل عمل تلخيصات للمقال بشكل تشويقي جذاب، وكل هذا تقوم به تيبوت بمفردها دون تدخّل بشري.
تيبوت أيضًا تقوم بإخطارك بكافة العمليات التي تطرأ على مقالاتك على الشبكة، ومن ومتى بدأ أو انتهى. تيبوت تساعدنا كثيرًا بحفظ نسخ تلقائية من المقالات على الشبكة خلال التعديلات عليها. هي فعليًا تراقب كل أفراد الشبكة والزوار والقراء وتحلل بياناتهم وتدرس شغفهم، تراقب حتى محاولات الدخول من المخترقين وتحظرهم، تراقب حتى الكودرز (المطورين) وتساعدهم في ذلك سواء بالتحديث الأوتوماتيكي للإضافات المتعددة من شركاتها المصّنعة المختلفة، أو حتى إجراء عمليات النسخ الاحتياطي للشبكة بكاملها عقب أي ترقية تراها تيبوت خطرة أو غير متوافقة مع المكونات الأخرى للشبكة.
أيضًا تقوم تيبوت بتدوير (إعادة نشر) أربع مقالات قديمة يوميًا على ثلاث منصات اجتماعية مختلفة وتخليق البوسترات الجديدة من المقالات القديمة. فعليًا هي الأدمن على هذه المنصات جميعًا ولا أحد منا يكتب شيئًا أو حتى يملك صلاحية الكتابة على هذه المنصات سواها.
Twitter
Facebook
Telegram
---
## كيف يمكن تسجيل الدخول؟
URL: https://tabcm.net/workflow/sign-in/
Type: page
Modified: 2026-08-03
تسجيل الدخول
أسفل يسار أي صفحة، ستجد وجهًا رسوميّا مثل هذا: 👁️ʖ ͜👁️ اضغط عليه ليظهر صندوق تسجيل الدخول:
Username or Email Password هل فقدت كلمة المرور؟
اكتب بياناتك في الخانات المخصصة، ويفضّل التأشير على “تذكرني”، ثم اضغط دخول الكاتب لكي تتعرف عليك الشبكة وتعطيك صلاحياتك الملائمة.
في حالة إدخال بيانات خاطئة، ستقوم الشبكة بتنبيهك بنوع الخطأ. وفي حالة الإصرار على كتابة بيانات خاطئة، أو التجريب، ستعتبر الشبكة محاولاتك نوعًا من الاختراق، وسيتم حظرك.
يمكنك استخدام نفس الصندوق لاستعادة كلمة مرورك، وذلك عن طريق الضغط على رابط: هل فقدت كلمة المرور؟
في حالة تسجيل دخولك بطريقة صحيحة، سيختفي الوجه الرسومي ويظهر مكانه وجهك أنت
هذا الوجه هو قائمتك الخاصة، والتي ستظهر تلقائيًا عند المرور عليها.
فريق العمل
لوحة الشرف
المكتب الشخصي
دليل الكاتب
Logout
صفحة فريق العمل تستعرض كل الكتّاب الدائمين معنا، لطالما تم نشر مقال واحد على الأقل للكاتب. وترتيب ظهور الكتّاب في هذه الصفحة على حسب المقال الأحدث أولًا.
أما لوحة الشرف، فهي ثلاث قوائم تظهر أعلى سبعة كتاب في كلًا من: الالتزام (عدد أيام العمل)، والإنتاجية (عدد المقالات)، والشعبية (عدد المتابعين).
المكتب الشخصي هو منطقة خاصة بك، محمية بكلمة مرورك، ويعد غرفتك الخاصة بالشبكة. وكما المكاتب التقليدية، يحتوي المكتب الشخصي على عدة أدراج، كل درج يحتوي على مجموعة أوراق [صفحات]، ولكل صفحة وظائف وخصائص.
هناك درج يحتوي على بعض المعلومات والإحصائيات العامة للشبكة، وأخر متخصص للتقارير المفصّلة. هناك أيضًا درج يحتوي على مكتبة الصور والتي قد ترتبط بمقالاتك كصورة غلاف.
هناك درج يحتوي على جميع مقالاتك؛ سواء تلك التي تعمل عليها مسودات ، أو التي قمت بتسليمها إلى هيئة التحرير قيد المراجعة ، أو التي أنهتها هيئة التحرير وسلمتها لهيئة النشر تجهيز للطبع ، أو التي أنهتها هيئة النشر وأُدرجت في جدول النشر مُجدولة ، أو التي تم نشرها بالفعل مقال منشور .
يحتوي المكتب الشخصي على ملف الكاتب كاملًا، هذا يشمل جميع بياناته الشخصية ومن أمثلتها الاسم والبريد الإلكتروني والصورة الشخصية وروابط صفحات التواصل الاجتماعي المرتبطة بملفه معنا. ومن خلال إعدادات الملف الشخصي يستطيع الكاتب تعديل إظهار هذه البيانات، وتحديد البيانات التي يرغب في إظهارها للجمهور العام.
يحتوي المكتب أيضًا على واجهة لإضافة المقالات الجديدة، أو تحرير المقالات وتعديلها. بالإضافة لسجل ملاحظات إدارية أسفل كل مقال (متاح رؤيته لك وحدك، وللهيئات الإدارية مثل التحرير والنشر)
عند الرغبة في إنهاء يوم العمل، يمكنك تسجيل خروج من مكتبك الشخصي عبر الضغط على Logout الموجودة بذيل قائمتك الخاصة.
جميع الاتصالات والتحركات والتعديلات داخل المكاتب الشخصية مراقبة آليًا لدواعي الأمان الرقمي.
---
## دليل الكاتب
URL: https://tabcm.net/workflow/
Type: page
Modified: 2026-08-03
«( دليل الكاتب )»
الدليل متاح فقط لكتاب الشبكة. يرجى تسجيل الدخول ككاتب معتمد حتى تتمكن من استكمال التصفح، أو العودة للرئيسية إن كنت دخلت الدليل بالخطأ.
يتم التعرّف عليكم برتبة:
كاتب دائم
محرر
ناشر
الشبكة لها واجهتين رئيستين:
* Front End وسنعربها إلى: واجهة المستخدم.* Back End وسنعربها إلى: المكتب الشخصي.
يمكنك تصور الأمر وكأن خط سير المعلومات هو حبل ذو طرفين: طرف أولي يمسكه الكاتب [أنت]، وطرف نهائي يمسكه الجمهور [القارئ]، وعلى هذا فجميع المقالات الصادرة من الكاتب إلى القارئ يمكن اعتبارها معلومات تتحرك منه للقارئ، أو من طرف الحبل المسمى “المكتب الشخصي” إلى الطرف الأخر المسمى “واجهة المستخدم”. وكما أن جميع مقالات الشبكة تتحرك من كاتبيها المتعددين إلى القارئ على هذا الحبل، يمكنك اعتبار الشبكة ذاتها هي مجموع الأحبال من كل الكتّاب إلى كل القراء.
الأمر يبدو بسيطًا من ناحية القارئ النهائي الذي لا يرى سوى طرف الحبل المسمى “واجهة المستخدم”، لكنه ليس كذلك من الناحية الأخرى.
الأمر معقد نوعًا، ومتخطي أن هناك عدد من المكاتب الشخصية ويلزم تمييز كل مكتب بشكل مستقل، بل هناك هيئات مختلفة، لها وظائف وصلاحيات ومكاتب مختلفة، مثل هيئة التحرير، أو هيئة النشر، أو الطاقم التقني، أو مصممي الإعلانات، يوجد أيضًا Robots [برمجيات تحاكي السلوك البشري] تقوم بعمليات التفسير والتخاطب بين الشبكة والعالم الخارجي.
بطريقة أخرى، الواجهة التي يراها القارئ لا تشكل سوى نسبة صغيرة من الجزء الظاهر من الشبكة. وهو وإن كان ﻻ يحتاج سواها لتصفح المقال بشكله النهائي. لكن الكتّاب وجميع فرق العمل لديهم أماكن خاصة خبيئة وغير ظاهرة يمارسون من خلالها أعمالهم المتعددة.
سنحاول في صفحات هذا الدليل تعريفك بالأمور الأساسية دون تعقيد، ودون تبسيط مخل بقدر الإمكان.
الشبكة ﻻ تتعرف عليك تلقائيًا، بل تعرفك وتعطيك صلاحياتك الخاصة عند تسجيل الدخول بكلمة المرور الخاصة.عند تسجيل الخروج ستعاملك الشبكة كقارئ أو زائر ليس من حقه الدخول إلى المكتب الشخصي.
---
## طلب انضمام كاتب
URL: https://tabcm.net/contact-us/author-request/
Type: page
Modified: 2026-08-03
«( طلب انضمام كاتب )»
إن كنت تود كتابة مقال لمرة واحدة دون استمرارية، يرجى عدم استخدام هذا النموذج والذهاب مباشرة إلى: طلب نشر مقال.
هذه الصفحة مخصصة لاستلام ثلاث مقالات من كاتبها الأصلي بهدف التقييم، وبعد استلام بياناته الشخصية في نفس النموذج.
في حالة الموافقة على الانضمام، سيتواصل الناشر معكم، سواء للتحقق من البيانات، أو للتدريب الأولي على كيفية دخول الكاتب لمكتبه الشخصي.
الشبكة تستقبل المقالات الثلاثة في ملف واحد بصيغة Microsoft Word القياسية، سواء بالامتداد doc أو docx، وعليك مراعاة عدم تداخل الفقرات داخل هذا الملف.
ﻻ تنشغل بالتنسيق للمحتوى من حيث الألوان والبونط ونوعه أو الصور. ارسل الملف بشكل نصوصي فقط.
بإرسالك المقالات فأنت تفوض هيئة التحرير والنشر بإجراء كافة التعديلات اللازمة لضبط اللغة، وإعادة الصياغات، وترسيخ الأنماط البصرية الملائمة من ألوان وصور وما إلى ذلك.
جميع المقالات على شبكة التأله Theosis Across Borders، هي مواد مقدمة على مسؤولية كاتبها. ونتوقع منكم القدر الملائم من المسؤولية.
---
## طلب نشر مقال
URL: https://tabcm.net/contact-us/send-article/
Type: page
Modified: 2026-08-03
«( طلب نشر مقال )»
إن كنت تود كتابة أكثر من مقال، وكان لديك ثلاث مقالات فأكثر، يرجى عدم استخدام هذا النموذج والذهاب مباشرة إلى: طلب انضمام كاتب.
هذه الصفحة مخصصة لاستلام مقال مفرد من كاتبه الأصلي، وبعد استلام بياناته الشخصية في نفس النموذج.
في حالة الموافقة على المقال، قد يتواصل الناشر معكم، سواء للتحقق من البيانات، أو إن كان في المقال ما يستدعي التعديل في بنيته الأساسية.
الشبكة تقبل المقال بصورته النصوصية فقط، وعليك مراعاة ذلك بوضع مسافات بينية واضحة بين الفقرات، أو العناوين الفرعية إن وجدت. ﻻ تنشغل بالتنسيق للمحتوى.
بإرسالك المقال فأنت تفوض هيئة التحرير والنشر بإجراء كافة التعديلات اللازمة لضبط اللغة، وإعادة الصياغات، وترسيخ الأنماط البصرية الملائمة من ألوان وصور وما إلى ذلك.
جميع المقالات على شبكة التأله Theosis Across Borders، هي مواد مقدمة على مسؤولية كاتبها. ونتوقع منكم القدر الملائم من المسؤولية.
---
## اتصل بنا
URL: https://tabcm.net/contact-us/
Type: page
Modified: 2026-08-03
«( اتصل بنا )»
إن كنت تود الكتابة معنا، يرجى الذهاب مباشرة إلى نماذج طلب نشر مقال، أو طلب انضمام كاتب.
بدون أرشيف
طلب نشر مقال
خاص بكتابة مقال لمرة واحدة
كاتب ذو أرشيف
طلب انضمام كاتب
خاص بكتابة ثلاث مقالات فأكثر
إن كنت تود متابعة مقالاتنا، يرجى الاشتراك في منصتك المُفضلة بالنقر على أيقونتها الموجودة أسفل كل صفحة.
هذه الصفحة مخصصة للتواصل مع إدارة الشبكة، على المستويين، التحريري والتقني.
يسعدنا تواصلكم معنا دومًا، ونرحب بتلقي أفكاركم ومقترحاتكم وأيضًا انتقاداتكم.
نعتذر عن أي بطء في التفاعل مع رسالتكم، فجميع أعضاء الشبكة متطوعين.
حتى مع التأخير، فلا شيء يضيع وتحظى رسالتكم بالاهتمام الملائم.
---
## فريق العمل
URL: https://tabcm.net/staff/
Type: page
Modified: 2026-08-03
طاقم التحرير والنشر هم جزء من الكتّاب الدائمين، والجميع متطوع ﻻ يتقاضى أجرا نظير مساهماته. وترتيب الظهور بحسب المساهمات الأحدث.
« كتب معنا »
ميرنا عادل
2 مقال
بيتر مجدي
91 مقال
الأب برتي المقاري
44 مقال
أنطون جرجس
135 مقال
كمال زاخر
194 مقال
ناني عبد الحكم
2 مقال
مارسيل نظمي
20 مقال
أشرف سمير
59 مقال
مايكل جميل
61 مقال
وديع منصور
8 مقال
فادي سليم
27 مقال
بيشوي القمص
127 مقال
ماري سرجة
12 مقال
رامي كامل
8 مقال
باسم الجنوبي
127 مقال
سعيد فايز
10 مقال
سليمان وديع
4 مقال
چون جبرائيل الدومنيكي
80 مقال
جميل رسمي
10 مقال
ڤنيس بولس
46 مقال
يوستينا عطية
3 مقال
إرنست وليم
14 مقال
أشرف راضي
8 مقال
يوسف المصري
8 مقال
نادية هنري
2 مقال
عمرو بقلي
2 مقال
منال عبد العال
1 مقال
تامر فرج
32 مقال
ماهر عزيز
8 مقال
حنان فكري
1 مقال
چون إدوارد
44 مقال
وسام سعادة
2 مقال
چورچ مكين
14 مقال
Candace Lukasik
1 مقال
حسام الحداد
1 مقال
رءوف إدوارد
131 مقال
غادة سمير
5 مقال
شيري فلسطين
1 مقال
سارة قسط
13 مقال
تامر ممدوح
18 مقال
عاطف حنا
30 مقال
كرستينا عزيز
45 مقال
سامي سيدهم
9 مقال
الأب متى المسكين
20 مقال
مينا مبارك
1 مقال
ميشيل مكين
5 مقال
ماركو إيميل
9 مقال
توني مرقس
12 مقال
إيريني إستمالك
28 مقال
رجائي شنودة
68 مقال
سلامة موسى
21 مقال
مينا نادر
1 مقال
القس رفعت فكري
5 مقال
كيرلس عبد المسيح
1 مقال
أنبا غريغوريوس
1 مقال
ديڤيد عزيز
3 مقال
دولا اندراوس
5 مقال
فؤاد يوسف
3 مقال
مايكل لويس
31 مقال
ريهام زاهر
32 مقال
پيتر لطيف
5 مقال
فيبي أنور
9 مقال
مايكل النميس
1 مقال
باهر عادل
9 مقال
مينا زكريا
3 مقال
أبانوب صبري
7 مقال
ماريانا باسيلي
19 مقال
أندرو يوسف
32 مقال
وسام اسطاورو
3 مقال
أمجد نادي
0 مقال
أليكسندر سابا
0 مقال
إيريني أسعد
0 مقال
مكاريوس لحظي
0 مقال
مريانا سامي
0 مقال
نبيل غبريال
0 مقال
رفيق رائف
0 مقال
سامي عياد
0 مقال
كمال سدره
0 مقال
هاني وليم
1 مقال
78
كاتبًا
1794
مقالًا
من نحن؟
لوحة الشرف
اكتب مقالك معنا
دليل الكاتب
---
## سياسة الخصوصية
URL: https://tabcm.net/privacy-policy/
Type: page
Modified: 2026-08-03
«(سياسة الخصوصية)»
عند استخدام خدماتنا، فإنك تأتمننا على بياناتك. نحن ندرك أن هذه مسؤولية كبيرة ونعمل بجدية لحماية خصوصيتك.نحاول من خلال هذه الصفحة مساعدتك على فهم ماهية البيانات التي نجمعها، وسبب جمعنا لها، وكذلك طريقة تحديث بياناتك وتصديرها وحذفها.
ما البيانات التي نجمعها، ولماذا نحصل عليها؟
البيانات الشخصية للكاتب
ويقصد بها البيانات الشخصية للكاتب المسجّل، والمقدمة لنا من قبله في وقت التسجيل الطوعي أو بعده، مثل، وليس على سبيل الحصر، الاسم، والبريد الإلكتروني، ورقم الهاتف، تاريخ الميلاد، الجنس، الجنسية و / أو معلومات الصفحات والموقع الجغرافي الخاص به. كل هذا يُعتبر “بيانات شخصية”.
البيانات المُعمّاة للمستخدمين
ويقصد بها المعلومات المجمعة من خلال أنظمتنا، والتي تراقب حركة المرور إلى شبكتنا ولكن لا تتصل بالمستخدم شخصيًا، مثل نوع المتصفح، نظام التشغيل، الصفحات التي يزورها في موقعنا ومواعيد زيارتها، والترتيب الذي تمت زيارتها فيه وعبر أي الروابط التشعبية، وغيرها من أدوات واجهة المستخدم. وتستخدم هذه المعلومات لأغراض البحث الخاصة بنا مثل تحسين خدماتنا وقياس الأداء وأنماط التعلّم، وهي منفصلة عن أية بيانات شخصية.
إلى أي وقت نحتفظ بهذه البيانات؟
البيانات الشخصية للكاتب تسجل في قاعدة بيانات الشبكة، وتبقى تحت تصرفه بالتعديل والإزالة من خلال لوحة تحكمه الشخصية.أما البيانات المعماة للمستخدمين فهي تجدد نفسها تراكميًا وفق الاستخدام، ونحتفظ بإحصائيات الشهر الأخير فقط.
من يستطيع مشاهدة بيانات الكاتب الشخصية؟
الجميع يستطيع مشاهدتها، والكاتب نفسه من يحدد درجة خصوصيتها ومشاركتها العامة أم لا من خلال لوحة تحكمه الشخصية.
هل يمكنني التعليق دون إعطاء بياناتي؟
نعم، يمكن ذلك من خلال حسابك على فيسبوك، ووقتها ستظهر هويتك في التعليق بحسب حساب فيسبوك وليس موقعنا.تحديث: بتاريخ ١٠ فبراير ٢٠٢٦، أوقفت شركة Meta إضافة التعليقات الخارجية (Facebook Comments Plugin) وزر الإعجاب (Like Button) للمواقع الإلكترونية.
هل يمكنني إرسال مقال دون إعطاء بياناتي؟
ﻻ، فنموذج إرسال مقال يتطلب: الاسم، وصورة شخصية، والبريد الإلكتروني، ورقم الهاتف، ورابط صفحة فيسبوك، على الأقل. هذه البيانات لن يظهر منها عند النشر سوى الاسم والصورة الشخصية، باعتبارهما الحد الأدنى لضمان حقوق الملكية الفكرية لشخصية طبيعية (إنسان) ذو هويّة قادرة على إعلان ملكية المقال. أما باقي البيانات فدورها تقني، مثل إنشاء واستعادة كلمة المرور، أو لإجراءات التراسل الخاص للإخطار بكل ما يطرأ على المقال، حتى وإن لم يرغب الكاتب في إظهاره هذه البيانات لجمهور القرّاء.
قد يتعيّن علينا مستقبلًا إجراء تعديلات على هذه الصفحة، سواء لإجراء تطورات فنية بالشبكة أو لتغيّر في سياستنا. لذا نأمل منكم المتابعة وإعادة القراءة من حين لآخر.
فريق العمل
من نحن؟
اكتب مقالك معنا
دليل الكاتب
---
## اﻻكتئاب كطريق للنضج
URL: https://tabcm.net/56978/
Type: post
Modified: 2026-08-03
ذات يوم أعطاني شخص أحبه صندوقًا مليئًا بالعتمة، تطلب مني الأمر سنوات لأفهم أنها أيضًا كانت هدية. ((ماري چين أوليڤر، فوائد الحزن، 2007، ترجمة ضيّ رحمي. ))
(ماري چين أوليڤر، فوائد الحزن)
الحقيقة أنا بدأت أشوف عتمة الاكتئاب جزء أصيل في نضج الإنسان، اللي بيمر بالمرحلة دي سواء استوعبها وحط لها اسم الاكتئاب أو لا.
الاكتئاب هو إحباط شديد، لما الإنسان منا يستوعب إن الحياة المثالية اللي كان راسمها لا تتطابق مع واقعه.
والاكتئاب على قد ماهو مؤلم جدًا، ولا أستطيع أن أقلل من هذا أبدًا، لكن أيضا نستطيع أن نستخدمه لفايدتنا.. ازاي؟
الاكتئاب بيخليك تعرف أن على الأقل، الواقع اللي أنت عايشه، أنت مش راضي عنه، وده بيخلينا نرجع نفكر؛ أنا مين أصلًا؟ وعايز إيه؟ وأوصل إزاي للي أنا عايزه؟… هنا بيبدأ التغيير وبيبدأ النضج. على سببل المثال أنا اكتئابي عرفني كويس جدًا إيه اللي أنا مش عايزاه، سواء بقى شغل، علاقات، نمط حياة.
فأنا معاك أن العتمة مخيفة ومؤلمة ولكن العتمة بتعلمك كتير عن نفسك واحتياجاتك… بتعلمك إزاي بدل ما تقعد تستنى حد يفتح الباب ويخرجك، إنك على الأقل تولع شمعة.
كل شخص أذاني… كل شغل رفضني… كل تجربة مؤلمة… كل محاولة فاشلة… كل ده أهداني عتمة،
ولكن بشكل ما، العتمة دي أضاءت روحي، ووصلتني لنضج أكبر، وصلتني إزاي استوعبها في داخلي وانطلق منها للنور وتقبل الحياة بحلوها ومرها.
ومن العتمة هنقل لحاجة تاني بنعملها مع مريض اﻻكتئاب، ﻷن في أوقات كتير بنحاول نساعد اللي قدامنا بس بطريقة غلط بتبوظ الدنيا أكتر، مريض الاكتئاب مش عايز، بل مش قادر، يسمع عبارات زي: قوم… اتحرك… خليك قوي… انزل اشتغل… ماتسيبش نفسك للحال ده… قدر اللي في ايدك… أنت أحسن من غيرك. بالرغم أن الكلمات دي خارجة من ناس بيحبوه وعايزين يساعدوه ولكن بشكل مؤذي جدًا، الكلمات دي بتغرقه أكتر.
الوقت اللي فات كان فيه مثال أنا بقوله دايمًا لأي حد يتكلم معايا: أنا حاسة إني في نص البحر والموج عالي وأنا بغرق، الناس “صحابي وأهلي” على الشط عمالين يزعقولي إني سايبة نفسي أغرق ومستغربين أنا مش بطلع ليه ما أنا بعرف أعوم، بس أنا رجلي مربوطة بحاجة تحت المياه بتشدني لتحت.. عشان كده أكتر ناس فرقت جدا جدا، إن الوقت ده يعدي، هي الناس اللي سمعتني من غير أي حكم وتفهمت أنا بمر بإيه، الناس اللي ماكنش عندها كلام تقوله فكانت بتبعتلي بس تقولي إنها فاكراني وبتصليلي.
في جزء من أصحابي بدأ يسرش ويسأل شات جي بي تي ازاي يقدروا يتعاملوا معايا ويساعدوني (شكرًا من قلبي)، البيئة اللي حوالين المكتئب أهم بكتير من أي دواء ممكن يأخده، والأهم فعلًا أنه يلاقي ناس بتحبه مش بتلومه، بتساعده بهدوء سواء بصلاة أو قعدة هادية أو حتي تعزمه على أكلة بيحبها… تجيبله ورد… تجيبله هدية… تشاركه وتحاول تخرجه من سريره بالراحة ومن غير ضغط… تفكره بنفسه ومهاراته… الأهم تؤمن بيه وتصدق أنه هيعدي هو بجد بيعدي بسبب إيمانكم ده.
كل حد عمل معايا كده أنا مش ناسياه.
---
## كيف أخرجت كرة القدم أسوأ ما بداخلنا؟
URL: https://tabcm.net/57023/
Type: post
Modified: 2026-08-02
من اﻷنماط التي تكررت معنا في مصر أكثر من مرة هو وقوع حدث يبدو جيدًا في بدايته ثم يتحول ليُظهر أسوأ ما في مجتمعنا، فخلال كأس العالم 2026 المُنظم في أمريكا وكندا والمكسيك، قدم منتخب مصر مباريات جيدة، وﻷول مرة نكسب ونحرز أهداف كثيرة وكنا أقرب لتحقيق الفوز على اﻷرجنتين -خسرت النهائي أمام إسبانيا- في مباراة دور الـ16، ولكن تحول فوز مصر بهدفين إلى هزيمة بـ3 أهداف في أخر 10 دقائق من المباراة، وليس هذا أسوأ ما في القصة، فقبل المباراة بدأ جدل بسبب رفع حسام حسن مدرب المنتخب لعلم فلسطين، وقبلها عاد التساؤل القديم حول عدم وجود لاعبين مسيحيين في منتخب مصر أو اﻷندية الكبرى، وتحول اﻻلتفاف حول المنتخب إلى حالة من الجدل والصراع.
سؤال لماذا لا يوجد لاعبين مسيحيين في المنتخب باستثناء 3 أو 4 لاعبين عبر تاريخ مصر أشهرهم هاني رمزي؟ لم يثر انقسامًا حادًا مثلما أثار رفع علم فلسطين بعد انتصار مصر في مبارة أستراليا بدور الـ32 من كأس العالم، انقسامًا حادًا وشيوع حالة من التخوين على مواقع التواصل اﻻجتماعي بسبب هذا الموقف.
فاالتفاف حول منتخب مصر، تحول إلى صراع بين الفريق الذي يضع فلسطين في مقدمة أولوياته ويعتبر الموقف منها هو معيار الوطنية بالنسبة ﻷي شخص، بينما هاجم جانب آخر تصرف حسام حسن “العفوي” عقب مباراة أستراليا، جزء منهم مسيحيين وجزء منهم من تيار “كيميت”/ القومية المصرية، الذين يضعون مصر ومصالحها قبل أي شيء. وهنا اشتد الصدام لدرجة أن البعض وصف الرافضين بـ”الصهاينة”، والبعض اﻵخر استخدم لغة اﻹخوان حول متظاهري اﻻتحادية في 5 و6 ديسمبر 2012 بأن غالبيتهم “أقباط”، بأن غالبية “الكميتيين” من المسيحيين وكأنها سُبة أن يكون أولوية المسيحيين، مصر ومصالحها.
وفي خضم هذا الصدام ظهرت أصوات لمسيحيين تدعو لتشجيع منتخب اﻷرجنتين أمام مصر، وتم تحويل منتخب اﻷرجنتين قبل المباراة لداعم إسرائيل، ووصف ليونيل ميسي الذي ليس له ناقة ولا جمل في كل ما يدور على السوشيال ميديا بين المصريين بـ”الصهيوني”، وتحولت المباراة لصراع ديني وسياسي، وانقلب اﻻلتفاف حول منتخب مصر من المصريين إلى نزاع ديني، ومكايدات رخيصة بين مختلف المنقسمون، وخفتت الهوية الرئيسية وصعدت الهويات الفرعية للصدام.
خسرنا المباراة ولم نخرج فقط من المونديال لنقيم التجربة بشكل عقلاني، بل انتشرت نظريات المؤامرة في تحليلات الناس، وتحول اﻷمر وكأنها خسارة في الحرب، وصارت هناك ردود فعل عنيفة، فمثلًا ليونيل ميسي وكرستيانو رونالدو يتمتعون بشعبية عابرة لفكرة تشجيع الفرق والمنتخبات وفي كل دول العالم هناك من هو متيم بهم خصوصا الأطفال، فنجد طبيبة تعلن عن عدم تعاطفها مع طفل جاء لها العيادة بسبب محبته لميسي، وغيرها من المواقف التي ظهر فيها العنف وتصرفات غوغائية.
خلال المونديال أثير التساؤل حول عدم تواجد لاعبين مسيحيين في المنتخب واﻷندية، حيث يوجد أرث قديم من رفض اﻷطفال بسبب دياناتهم من قبل القائمين على اختيار اﻷطفال باختبارات الناشئين بمختلف اﻷندية، حتى جاءت واقعة الطفل مكاري يونان بنادي اﻻتحاد السكندري مع المدرب أحمد ساري، وانتشرت قصة رفض الطفل التي روتها والدته على مواقع التواصل الاجتماعي كالنار في الهشيم لتؤكد تلك الصورة القديمة، لكن هذه المرة كان التصرف مختلف من قبل الدولة ممثلة في وزارة الشباب والرياضة.
فبينما بحثت إدارة نادي اﻻتحاد عن الطفل لتقديم اﻻعتذار له وإعلان قبوله بالنادي وأن اﻷمر غير مقصود، وظهر منشور من المدرب أحمد ساري عبر حسابه على فيسبوك لتوضيح موقفه، مسحه فيما بعد، أعلنت وازرة الشباب والرياضة أنها حققت في الموضوع وثبت ممارسة التمييز من قبل المدرب تجاه الطفل، وأرجعت اﻷمر لنادي اﻻتحاد لتوقيع العقوبة على المدرب وتحويل الأمر إلى النيابة العامة، وتم إيقاف المدرب 6 أشهر.
ثم ظهر ماجد سامي صاحب نادي وادي دجلة، ليثير الجدل بعدما أشار إلى أن أسماء الأطفال المسيحيين التي توضح هويتهم الدينية قد تكون سببًا في إبعادهم، وهذا من وجهة نظري مبرر واهٍ، ﻷنه يطلب من الضحية التي يقع عليها فعل التمييز أن تقدم تنازلات بدلًا من مواجهة الجاني مرتكب التمييز، متناسيًا أن بعض اﻷشخاص يسألون الشخص صاحب الاسم المشترك الذي لا يُظهر هوية دينية حتى اسمه الرابع أو الخامس لمعرفة هويته الدينية، ويتناسى أن هناك بطاقة رقم قومي وشهادة ميلاد يظهر فيها ديانة الشخص، ودعواته هي عكس التصرف السليم من وزارة الشباب والرياضة بالتحقيق وإعلان النتيجة بشفافية ضد فعل التمييز، وتوقيع العقاب، ونتمنى أن تكون هذه اﻹجراءات هي التصرف الطبيعي في أي موقف ليس فيما يخص التمييز بل وأي شبهة فساد.
يرى البعض أن التمييز تجاه المسيحيين في مجال كرة القدم ممنهج، وأنا أرى أنه لا يوجد عمل منظم تقف خلفه المنظومة ﻻستبعاد المسيحيين، بل هي في وجهة نظري هي ممارسات فردية ناتجة عن ثقافة عامة شائعة، وسأوضح ما أقصد، فمجال كرة القدم والرياضة عمومًا، يرتبط بسوء اﻹدارة ووجود “الشللية” المسيطرة ليس فقط على إدارة اﻷندية بل “الشلل” تكون عابرة للإعلام والصحافة، واﻻتحادات المختلفة، وكل “شلة” تنارع اﻷخرى لتحتل مساحتها.
وإذا نظرنا إلى غالبية لاعبي كرة القدم، سنجد أن كثير منهم لم يكمل تعليمه أو نال قسط قليل من التعليم باستثاء أسماء قليلة نالت قدر جيد من التعليم والثقافة وتتحدث بأكثر من لغة، في المقابل غالبية اللاعبين رغم الموهبة إلا أن الـ”mentality” أو العقلية التي تحدث عنها محمد صلاح سابقًا وتم الهجوم عليه بسبب اﻹشارة لها لا توازي الموهبة، فتنتهي مسيرة لاعب مبكرا بسبب عقليته غير اﻻحترافية، ونفس هذا الشخص الذي قد يكون خرج من بيئة لم يتعلم فيها جيدًا، ويسودها خطاب ديني متشدد في القرى واﻷحياء المختلفة على أطراف القاهرة، بعدما يعتزل اللعب، يتحول إلى مدرب، سواء في النادي الذي كان يلعب به أو بتأسيس أكاديميات كرة ﻻكتشاف اﻷطفال والناشئين، فماذا ننتظر منه؟
وهنا الخطورة فالتمييز لا يمارسه نادي بعينه أو اتحاد معين أو تنظيم مثل اﻹخوان، حاول اختراق أندية كرة القدم وحقق النجاح في ذلك، بل تحول اﻷمر إلى ثقافة عامة تمارس هذا التمييز والتشدد الديني بمنهى اﻷريحية، وتحرم اﻷندية من ﻻعب موهوب وبالتبعية منتخب مصر، ﻷنه مسيحي، حتى أن كثير من المسيحيين بدلًا من مواجهة التمييز استسلموا، ولم يحاولوا الحصول على حقوق أبنائهم مثل والدة مكاري، بل من البداية يبعدون أطفالهم عن كرة القدم للاهتمام بمجالات أخرى أو رياضات أخرى فردية.
لذا حل مشكلة التمييز في كرة القدم لا يعتمد على تغيير الخطاب الديني ومواجهة التشدد فقط، بل باﻷساس يتطلب من الدولة أن تواجه الفساد اﻹداري، وتضع خطة لتطوير الرياضة عمومًا، وكرة القدم بشكل خاص، باﻻعتماد على الكفاءات والدارسين للإدارة الرياضية والتحليل الفني بشكل أكاديمي، بدلًا من اﻻعتماد على لاعبين سابقين قد يكون كل مؤهلاتهم أنهم لعبوا كرة القدم، وبعضهم لم يحصل على دراسات أكاديمية بل مر للمناصب بسبب الشعبية أو العلاقات -أي اﻻنتماء لشلة-، فإذا وضُعت خطة بشكل علمي وتم وضع الكفاءات في مكانها دون النظر إلى انتماءات ﻷندية أو دينية أو لشلة، ستختفي قصة التمييز الديني وبالعمل والتخطيط تتطور الكرة المصرية، وقد يأتي يوم وتكون مصر منافس حقيقي على كأس العالم.
---
## المذاهب والطوائف اليهودية [٤]
URL: https://tabcm.net/57006/
Type: post
Modified: 2026-08-01
6 – الصدوقيون
العدائية الموجودة بين الصدوقيين والفريسيين في أيام العهد الجديد كانت مؤكدة لتوضح أن الجماعة الأولى نشأت من رد فعل تزمُّت الأخيرة. وأكثر من ذلك، كما نرى، أن الاثنين نشأ بسبب رغبة الجزء الأكبر المُخلِص من اليهود للحفاظ على نقاوة الديانة اليهودية، حيث تهتز بسبب الوثنيين المعاندين.
ويقول يوسيفوس، في أول ذكره للصدوقيين، في تاريخ يوحنا هيركانوس ((Ant. XIII, 10, 6. ))، يقول ببساطة إن آراؤهم عكس تلك التي للفريسيين تمامًا.
وهناك تقليد يهودي متواتر يَنْسب أصلهم واسمهم إلى صدوق تلميذ أنتيجونس (170-200 ق.م.)، الذي يُقال إنه علم أن هذه الفضيلة تفلح لعرض نفسها بلا حساب للنتائج أو أمل في ثواب في المستقبل… فكرة نبيلة! بينما بعد ذلك إعوجت إلى إنكار الثواب نفسه!!
أما أفضل الدارسين فإنهم يرفضون هذا التقليد. وهذا الصادوق غير معروف لكتَّاب التلمود المبكرين، ويكون من الخطأ أن ندعو اسم جماعة يهودية باسم مكتشفها. ولا زال غير محتمل أن يكون اشتقاق الاسم من صادوق رئيس الكهنة في أيام داود، وهكذا تسمى الصدوقيون بسببه “كجماعة كهنوتية”، وكلمة “صدِّيق” توضح معنى الكلمة.
ومن كلمة حسيديم انتشرت تدريجيًّا فئة من الرجال الذين أصروا أساسًا على تبني الآداب والأخلاق العامة، كما فعل الفريسيون على دقة العبادة، ومع مرور الوقت على التدقيق في كل الأمور.
والصدوقيون (أو قسم منهم) يُدعون في التلمود باسم “بوثيوس” وهو تلميذ آخر لأنتيجونوس. وسمُّوا أيضًا باسم القارئين، وذلك من التصاقهم بالكلمة المكتوبة. ولكن هذه التسمية الأخيرة يُحتمل أن تكون أقدم من الأصل عن أيام العهد الجديد، واليهود القارئين لا زالوا موجودين بأعداد كبيرة كجماعة خاصة أساسًا في النمسا وروسيا وتركيا.
وبالإجمال، فإن أصل الصدوقيون هو مفتاح لتاريخهم.
ويرى العلماء المتخصصون إن تسميتهم تنحدر من بساطة أساسياتهم البدائية. لذا علَّم إبيكوروس ((إبيكوروس / أبيقور: (341-270 BC) هو فيلسوف يوناني، أسس المدرسة الإبيقورية، ومن مبادئها أن أفضل ما يعيش به الإنسان هو السلام الداخلي والعيش بأسلوب بسيط وحياة فيها الفضيلة الخالية من المخاوف المادية. )) إن السعادة الحقيقية تكمن في الفضيلة فقط، وأصبح “الإبيقوري” باحث عن السعادة المطلقة. بينما تمسَّك زينو Zeno ((الفيلسوف زينون: (335-263 BC) هو أحد الفلاسفة اليونانيين. اعتمد في فلسفته على أهمية المنطق والمعرفة. قليل من كتاباته وصل إلينا، ولكنها أثرت تأثيرًا بالغًا في تطور الفكر الفلسفي والأخلاقي في الثقافة اليونانية والرومانية، في ذلك الزمان )) بأن ضبط النفس هو التفوق الأعظم. أما الرواقيون فقد امتهنوا الغرائز والمشاعر الإنسانية.
من هم الرواقيون؟
الرواقية: هي مذهب فلسفي يوناني أسسه الفيلسوف اليوناني زينون في أثينا في بدايات القرن الثالث قبل الميلاد. ومن أقواله: إن العالم كلٌّ عضوي، تتخلله قوة الله الفاعلة، وإن رأس الحكمة هو معرفة هذا الكل، مع التأكيد أن الإنسان لا يستطيع أن يلتمس هذه المعرفة، إلا إذا كبح جماح عواطفه، وتحرر من الانفعال.
وقد دُعيَ هؤلاء بالرواقيين أو أصحاب المظلة أو حكماء المظال، لأنهم عقدوا اجتماعاتهم في الأروقة في أثينا، حوالي عام 300 ق. م. ومن أشهر الرواقيين المتأخرين، العلامة سينيكا (4 ق. م. – 65 م)، والإمبراطور ماركوس أوريليوس (121 – 180 م). وقد انتشرت الفلسفة الرواقية حتى أُغلقت كل مدارسها في عام 529م بأوامر من الإمبراطور جوستينيان الأول.
ومن وجهة نظر الرواقيين فإن الفلسفة هي ممارسة الفضيلة، والفضيلة بأعلى أشكالها هي المنفعة، وتكون مبنية على مُثُل المنطق، والمادية الأحادية، والأخلاق الطبيعية. وتشكل هذه المُثُل الثلاثة فضيلة ضرورية “لعيش حياة عقلانية،” نظرًا لأنها جميعها أجزاء من اللوغُس أو الخطاب الفلسفي، الذي يتضمن حوار العقل مع نفسه.
وتعلم الرواقية تنمية ضبط النفس كوسيلة للتغلب على المشاعر المؤذية؛ وترى أن الإنسان حاضر الذهن وغير المتحيز يمكنه أن يفهم المنطق الكلي الذي هو اللوغُوس. ويتضمن الجانب الأساسي للرواقية تحسين الرفاهية الأخلاقية والمعنوية للفرد، فتقول: تتكون الفضيلة من إرادة متناغمة مع الطبيعة.
أثر الرواقية على الصدوقيين
وهكذا بدأ الصدوقيون بالالتزام الأول بالأخلاق، وانتهوا إلى المذهب الأخلاقي التعقلي المطلق، بينما بسبب رفضهم ما أُضيف على التعاليم الشفهية للقانون الموسوي، ساروا إلى إنكار أي تعاليم مُدَرَّسة حرفيًا أو تنظيميًا دون أن يكونوا هم القائمين عليها، كمثل تلك التي للحياة بعد الموت (أي الحياة الأبدية). ومن الممكن أيضًا إن “الشك” في فكرة المجازاة في الحياة الأبدية، كان مبالغٌ فيها. وعدم الإيمان في الحياة الأبدية أدى إلى الاستنتاج أنه لا يوجد “لا ملائكة ولا أرواح”، بينما من الصعب أن نرى كيف توافقت هذه العقيدة مع الترجمة الحرفية للأسفار الخمسة.
ومن المعقول أنه “بالملائكة” عزم الصدوقيون على تحرير الروح البشرية ((سفر أعمال الرسل 12: 15، قارن مع إنجيل متى 14: 26، إنجيل لوقا 24: 37 )). وقد كانت الفلسفة الأخلاقية للصدوقيين تقوم على الإيمان بالحرية المطلقة لإرادة الإنسان. وهنا أيضًا كانوا في صدام مع الفريسيين الذين تمسكوا بنظرية التأثير الإلهي التي تعمل دائمًا على خلاص النفس.
ويقول يوسيفوس: ينسب الفريسيون كل الأشياء إلى القدر وإلى الله. ((Wars, ii, 8, 14. )) كما تبالغ هذه النظرية في فكرة القضاء والقدر، والحكم بحرية الإنسان، مما يدفع إلى نزع فكرة العناية الإلهية كلها، وإلى هذا الحدّ يبدو إن كثير من الصدوقيين قد سقطوا.
ويبدو إن آراء الصدوقيون كانت سائدة أساسًا أو جزئيًّا بين الطبقات العليا من الشعب اليهودي. ويظهر ذلك من كلام يوسيفوس حين يقول: إنهم غير قادرين على إقناع أحد إلا الأغنياء فقط؛ ولكن الجموع كانت في صف الفريسيين. ((Ant. xiii, 10, 6 ))
وفي أيام التلاميذ كان رئيس الكهنة الأعظم وجماعته كانوا من جماعة الصدوقيين ((سفر أعمال الرسل 4: 1؛ 5: 17 )). وقد اعترف هيرودس أنتيباس رئيس ربع (والي الجليل وشرق الأردن)، بقبول عقائدهم، بينما ضميره أثبت كثير من التعفن حين خاف أن يكون –في يسوع– يوحنا المعمدان قد قام من الأموات ((إنجيل مرقس 6: 14-16 )).
الصدوقيون، كأكثر الجماعات غنىً في الأمة، أصبحت مسلِّمة بالأمور السائدة للأشياء؛ وحين فقدت كثير من الغيرة والحماس وحرارة الإيمان الأول، أصبحوا بكل سهولة متعاونين مع الحكومة الحالية. ويوحنا المعمدان أدرج الصدوقيون مع الفريسيين “كجيل” أو أولاد “الأفاعي” ((إنجيل متى 3: 7 ))، جيل سام وخطير.
والصدوقيون كمثل الفريسيين حاولوا أن يوقعوا ربنا يسوع المسيح في فخٍ من التساؤلات الخبيثة ((إنجيل متى 16: 1 و22: 23 ))، ويسوع حذر تلاميذه من خمير الفريسيين والصدوقيين، أي التعاليم المضرة للإثنين ((إنجيل متى 16: 6 و11 )). وعامة، أينما يظهر الإنسان صاحب التدين الظاهري، فالإنسان المتدين الشكاك أو المرتاب لا يكون بعيدًا.
المعاداة للرب يسوع
و بالإجمال، حتى الآن، كان الصدوقيون أقل بروزًا عن الفريسيين في معاداتهم لربنا يسوع المسيح، ولا يبدو إنهم كمثل الفريسيين، قد دبروا مشاورات ضد حياته ((انظر إنجيل يوحنا 7: 32 و11: 47 )). ولكن حنان وقيافا كانوا من جماعة الصدوقيين، أي من الطبقة الأرستقراطية الكهنوتية. كما أن القديس يوحنا الإنجيلي لم يذكرهم ولا مرة واحدة. وربما هم أنفسهم لم يهتموا بمسألة المسيا (أي مجيء المسيح المخلص)، إذ كانوا حاملين لآرائهم هذه. وربما أيضًا كانت بدرب من الغطرسة أكثر منها بالغضب مما اعتبروه من دعاوى تعاليم الرب. ولكن عند استعلان القيامة أثيروا إلى حد الغضب، وتبعًا لذلك رأينا اضطهادهم الوحيد المعروف ضد الرسل الذين بشروا بأن يسوع المسيح قد قام ((سفر أعمال الرسل 4: 1-3 )).
هذه الحقيقة تعتبر مثال صارخ “للتطابق غير المدبر” بين سفر الأعمال وتاريخ الإنجيل.
ويمكن أن يضاف أنه لم تصل إلينا أي كتابات للصدوقيين، وبعد خراب أورشليم وحرق هيكل أورشليم، لم يُسمع عنهم قط، لأنهم كانوا كهنة الهيكل، وحتى القرن السابع نُسيَ أصلهم. (العالم Ginsburg).
---
## الموقف من الناموس في رسالة رومية
URL: https://tabcm.net/56289/
Type: post
Modified: 2026-07-31
سوف نفحص في هذا الجزء موقف بولس الرسول من الناموس الموسويّ، من خلال كلماته ومُعالجته لقضية الناموس والأعمال الناموسية في رسالته إلى أهل رومية، وسوف نفحص مُقارنة بولس الواضحة بين برِّ الناموس وبرِّ الإيمان بالمسيح، وكيف نظر بولس إلى برِّ الناموس في مُقابل برِّ الإيمان بالمسيح. وكيف يرى أن برَّ الله ظهر بدون الناموس الموسويّ وقبله. لأن الوعد كان لإبراهيم ونسله قبل الناموس وبدونه. وكيف هاجم تبرير الإنسان بالأعمال الناموسية، وتأكيده القويّ على تبرير الإنسان بالإيمان بيسوع المسيح. وسوف نرى أيضًا كيف أن بولس يشهد مدويًا بأننا قد تحرَّرنا من الناموس، وهي صرخةٌ في وجه كل متهود في كل عصر، يُحاوِل أن يرتد بالمسيحية إلى الناموسية والحرفية الناموسية والفرائض الناموسية.
لذا يرى ديفيد دي سيلفا أن موقف بولس الجديد من التوراة جعل منه شخصًا غير مرغوب فيه بين اليهود غير المسيحيين، وبالحقيقة، بين الكثيرين من المسيحيين اليهود في اليهودية. حيث تعكس الكلمات المنسوبة إلى يعقوب في سفر أعمال الرسل، المشاعر المناهضة لبولس في أورشليم: وقد أخبروا عنك أنك تُعلِّم جميع اليهود الذين بين الأمم الارتداد عن موسى قائلًا أن لا يختنوا أولادهم ولا يسلكوا حسب العوائد.
بكلماتٍ أخرى، نُظِرَ إلى بولس كيهوديٍّ مرتد يُروِّج للهلينية، خرج ليُدمِّر طريقة العيش والهوية المميَّزة للشعب اليهوديّ. وهو مصبوغٌ بالصبغة نفسها التي اصطبغ بها الهلينيون الذين جلبوا الكثير من الحزن على إسرائيل، قبل الثورة المكابية، ولقد تكاملت صورته هذه عندما أشار اليهود إلى أنه دنَّس الهيكل بإدخال صديقٍ أمميٍّ إلى باحة الإسرائيليين. ((ديفيد دي سيلفا، مقدمة للعهد الجديد ج2، ترجمة: القس الدكتور بيار فرنسيس، لبنان: دار منهل الحياة، 2014، ص 34. ))
في البداية، تجدر الإشارة إلى تأكيد رايموند براون على أن الكثيرين من الباحثين يأخذون أمرًا مُسلَّمًا به أن كلمة ”ناموس“ في رسالة روما تعني الناموس الموسويّ مع إصرار نسبيّ. ((رايموند براون، مدخل إلى العهد الجديد، ترجمة: نيكلس نسيم، سلسلة آفاق كتابية 5، القاهرة: دار لوغوس ودار الأكويني، 2021، ص 783. )) ثم نجد إشارةً إلى أن رسالة رومية ليست مُجرَّد طرح بسيط مُنعزِل لإنجيل بولس، بل هي طرحٌ مُصمَّمٌ للتغلب على الشك بصلاح ذلك الإنجيل، ليقبله مسيحيو رومية كمُرسَلٍ جديرٍ بالدعم الكامل. بما أن الشكوك تُركِّز على قضايا مثل كيف يُفترَض بالمسيحيّ أن يعيش حياةً أخلاقيةً من دون أن يصبح حافظًا للتوراة، وصل هذا الأمر ببولس إلى مواضيع برزت في الأوضاع المعروفة في أنطاكية وغلاطية، بالتالي إلى عددٍ كبيرٍ من العلاقات بين رسالتي غلاطية ورومية. ((ديفيد دي سيلفا، مقدمة للعهد الجديد ج2، ترجمة: القس الدكتور بيار فرنسيس، لبنان: دار منهل الحياة، 2014، ص 194. ))
ظهور بر الله بدون الناموس
وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ ظَهَرَ بِرُّ اللهِ بِدُونِ النَّامُوسِ، مَشْهُودًا لَهُ مِنَ النَّامُوسِ وَالأَنْبِيَاءِ، بِرُّ اللهِ بِالإِيمَانِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، إِلَى كُلِّ وَعَلَى كُلِّ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ
(رسالة بولس إلى رومية 3: 21-22 )
يقول بولس ((رسالة بولس إلى رومية 3: 21-26 )) إنه قد أُعطِيَت لليهود مواعيد الله، والله أمينٌ لمواعيده. لقد كان الرسول يصف ما وُعِدَ به أو ما سبق وأخبر به الناموس والأنبياء، وهو برُّ الله بالإيمان في/ بيسوع المسيح الذي يُبرِّر من دون تفرقة بين يهوديّ أو يونانيّ. وقد بُرِّرَت أمانة الله: الله ليس بظالمٍ، لأن خطايا الكل كُفِّرَ عنها بدم المسيح. وليس لأحد الحقّ في أن يفتخر لأن الله في رحمته برَّر المختونين وغير المختونين بالطريقة نفسها، أي بإيمانٍ بعيدًا عن واجبات/أعمال الناموس ((رسالة بولس إلى رومية 3: 27-31 )). ذكر بولس الناموس والأنبياء، وفي الإصحاح الرابع، يعود إلى أول كتاب في الناموس، ويذكر إبراهيم ليُبيِّن أن الله عَمَلَ بشكلٍ مُتناغِمٍ، لأن برَّ الله جاء بالإيمان وليس بالناموس. ((رايموند براون، مدخل إلى العهد الجديد، ترجمة: نيكلس نسيم، سلسلة آفاق كتابية 5، القاهرة: دار لوغوس ودار الأكويني، 2021، ص 765. ))
لقد كانت غيرة إسرائيل بإظهار نفسها ذات ولاء للعهد الموسويّ. كان هذا في نهاية المطاف هدف كل يهوديّ تقيّ وقيمةً جوهريةً لكلٍّ من الأشكال المتعدِّدة لليهودية في القرن الأول. لقد أرادت إسرائيل أن تُظهِر نفسها مُخلِصةً لله (أو ”بارةً“) من خلال حفظ التوراة، ”أعمال الناموس“ التي تفصل إسرائيل عن باقي الأمم. كان هذا مرةً هدفًا نبيلًا، ولكنه أصبح الآن ضياعًا للهدف الحقيقيّ ”ليس حسب المعرفة“، ((رسالة بولس إلى رومية 10: 2 )) بما أن كلمة التوراة قد وصلت إلى نهايتها المنشودة بمجيء المسيح ((رسالة بولس إلى رومية 10: 4؛ قارن رسالة بولس إلى غلاطية 3: 23-4: 7 )). لقد فشلت إسرائيل في ”تكميل ناموسها“ ((رسالة بولس إلى رومية 9: 31-32 ))، ولهذا أصبحت مُتعدِّيةً، وبالتحديد بعدم الاعتراف بهدف الناموس وغايته القصوى في المسيح.
لقد رفضت إسرائيل الاعتراف بإعلان الله لأمانة العهد بموت يسوع وقيامته، التي هي أمانة لليهود وللأمم (أمانةٌ، في النهاية، للوعود التي قطعها الله لإبراهيم)، وبالخضوع لبرِّ الله. بدل ذلك، وجدوا أنفسهم يُقاوِمون تصميم الله على خلق عائلةٍ لإبراهيم مُتعدِّدة الأعراق على أساس الثقة/الإيمان بدل أن تكون على أساس الالتصاق بنظامٍ سلوكيٍّ مُحدَّدٍ بعرقٍ مُعيَّنٍ. الإصرار على التمسُّك بناموس إسرائيل الخاص ورفض نتائج موت المسيح وقيامته التي تعني لهم نهاية عهد التوراة، حُسِبَت على أساس مُحاولةٍ للاحتفاظ برضى الله ولطفه لليهود فقط بينما أراد الله أن يجعل إبراهيم أبًا لأممٍ كثيرةٍ، ولمجموعات شعوب عديدة. (( James D. G. Dunn, The Theology of Paul the Apostle, Grand Rapids: Eerdmans, 1998, pp 354-66 )) كان حفاظهم على انفصالهم عن الأمم له قيمته في ظلِّ التوراة قبل المسيا؛ ولكن الآن، وبعد أن جاء ملء الزمان أصبح هذا التعبير عن ”البرِّ“ يتجه بشكلٍ مُعاكِسٍ لنشاط الله. ((ديفيد دي سيلفا، مقدمة للعهد الجديد ج2، ترجمة: القس الدكتور بيار فرنسيس، لبنان: دار منهل الحياة، 2014، ص 224. ))
تبرير الإنسان بالإيمان لا بأعمال الناموس
فَأَيْنَ الافْتِخَارُ؟ قَدِ انْتَفَى. بِأَيِّ نَامُوسٍ؟ أَبِنَامُوسِ الأَعْمَالِ؟ كَّلاَّ. بَلْ بِنَامُوسِ الإِيمَانِ. إِذًا نَحْسِبُ أَنَّ الإِنْسَانَ يَتَبَرَّرُ بِالإِيمَانِ بِدُونِ أَعْمَالِ النَّامُوسِ
(رسالة بولس إلى رومية 3: 27-28)
يفترض بولس أنه إنْ كان التبرير يتحقَّق حقًا من خلال أعمال الناموس، عندها فإن الله سيكون ”إله اليهود فقط“، وليس ”إله الأمم أيضًا“ ((رسالة بولس إلى رومية 3: 29 )). ”أعمال الناموس“ هي إذًا الأعمال التي يقوم بها اليهود كيهودٍ، بالتمايُّز عن الأمم، أي بالتركيز على إتمام الناموس اليهوديّ، التوراة. في رسالة غلاطية، برزت بعض هذه الأعمال في واجهة المجادلة أكثر من غيرها، ولا سيما الختان، ولكن حتى ولو أُؤخِذَت التوراة ككل، فإنها كانت لا تزال تُمثِّل انفصال اليهوديّ عن الأمميّ. ولهذا لم يعد لديها قوةً، بعد أن أصبح الله يجمع اليهوديّ والأمميّ معًا في جسد الكنيسة الواحد من خلال الروح. لذلك، يبرهن الله الواحد كونه إله الأمم أيضًا، مُبرِّرًا اليهوديّ والأمميّ كليهما على الأساس نفسه، وبالتحديد ”الإيمان“ ((رسالة بولس إلى رومية 3: 27-30 )). حقًا، تنبثق وحدة الله كمصادقةٍ قويةٍ على شعبٍ مُوحَّدٍ لله، لا يمتاز بكونه يهوديًا مُقابل الأمميّ، ولا أمميًا مُقابل اليهوديّ. ((ديفيد دي سيلفا، مقدمة للعهد الجديد ج2، ترجمة: القس الدكتور بيار فرنسيس، لبنان: دار منهل الحياة، 2014، ص 206-207. ))
الوعد لإبراهيم ونسله بدون الناموس
فَإِنَّهُ لَيْسَ بِالنَّامُوسِ كَانَ الْوَعْدُ لإِبْرَاهِيمَ أَوْ لِنَسْلِهِ أَنْ يَكُونَ وَارِثًا لِلْعَالَمِ، بَلْ بِبِرِّ الإِيمَانِ. لأَنَّهُ إِنْ كَانَ الَّذِينَ مِنَ النَّامُوسِ هُمْ وَرَثَةً، فَقَدْ تَعَطَّلَ الإِيمَانُ وَبَطَلَ الْوَعْدُ
(رسالة بولس إلى رومية 4: 13-14)
لقد كان اليهود على أيام بولس يعتبرون إبراهيم حبرهم الأعلى، لكن بالنسبة لبولس فهو ”أبٌ لنا جميعًا“ الذين يشاركونه إيمانه ((رسالة بولس إلى رومية 4: 16 )). ((رايموند براون، مدخل إلى العهد الجديد، ترجمة: نيكلس نسيم، سلسلة آفاق كتابية 5، القاهرة: دار لوغوس ودار الأكويني، 2021، ص 765. )) وهكذا يُكرِّم بولس إيمان إبراهيم بوعد الله عندما كان لا يزال أمميًا، كالأساس الوحيد لبرِّه أمام الله. فلقد حُسِبَ إبراهيم بارًا (حقًا، هنا أيضًا يظهر مفهوم البرِّ بكونه أمانة في إطار علاقة، في المقدمة) لأنه تجاوب مع وعد الله بإيمانٍ ((سفر التكوين 15: 6 )) – وحدث هذا تحديدًا قبل أن يُختَّتن ((رسالة بولس إلى رومية 4: 9-12؛ سفر التكوين 17: 1-14 )).
شدَّد بولس على أن إبراهيم ينبغي أن يصبح أبًا لأممٍ كثيرةٍ، وليس لإسرائيل فحسب ((رسالة بولس إلى رومية 4: 17؛ أنظر سفر التكوين 17: 5 )). لهذا لا يمكن حصر الميراث بالتوراة، أي بالناموس اليهوديّ الذي عَمِلَ لحفظ إسرائيل مُنفصِلًا ومُميَّزًا عن الأمم. (( James D. G. Dunn, Romans 1-8, WBC 38A, Dallas: Word, 1988, pp. 71-72 )) بالأحرى، ينبغي تناقُّله من خلال ما يُوجِّد كل ذرية إبراهيم مع شخصية سلفهم، الذي ينبغي أن يشبهوه، بالتحديد بالثقة بوعد وموثوقية الله وبالأمانة تجاه الله في تلك الثقة أو ذلك الإيمان. يصبح التوازي بين إيمان إبراهيم وبين الإيمان المسيحيّ أكثر دقةً بتركيز بولس على قدرة الله على الإتيان بالحياة من الموت. بالنسبة لإبراهيم كان يعني هذا نسلاً من جسدين كانا ”بمثابة ميتين“ ((رسالة بولس إلى رومية 4: 19 ))؛ بالنسبة للمسيحيّ يعني هذا إقامة المسيح من الموت ((رسالة بولس إلى رومية 4: 23-25 )). ((ديفيد دي سيلفا، مقدمة للعهد الجديد ج2، ترجمة: القس الدكتور بيار فرنسيس، لبنان: دار منهل الحياة، 2014، ص 210. ))
عند هذه النقطة، قد يكون مناسبًا أن نسأل لماذا ينبغي على الثقة أو الإيمان أن يكونا على درجة من الأهمية بالنسبة لله أكثر جدًا من أعمال الناموس. هنا، يُقدِّم التفسير الوجوديّ لبولس، الذي استحضر مفهوم الاعتماد على الله إلى الواجهة، منفعةً كبيرةً لفهمنا اللاهوتيّ. فأولئك الذين ”يعملون“ يعتمدون في النهاية على عهدٍ – شيءٌ مستقلٌ عن الطرفين المرتبطين به. هذه أيضًا هي قضية ثقة، بمقدار ما يعتمد ”العامل“ على كلٍّ من كون العهد يعتمد عليه، وعلى جدارة الله بالثقة لإتمام مسؤوليات عهده. على أية حالٍ، فإن إيمان إبراهيم لم يكن في أي شيءٍ آخر إلا في الله نفسه، في شخص الله الذي يعتمد عليه لإتمام وعده، وفي قدرة الله على منح الحياة للأموات، وفي صلاح الله وكرمه كذاك الذي سيجعل حتى الأثمة أبرارًا. ((ديفيد دي سيلفا، مقدمة للعهد الجديد ج2، ترجمة: القس الدكتور بيار فرنسيس، لبنان: دار منهل الحياة، 2014، ص 201-211. ))
ويجب التنويه إلى أن أحد أنواع التراث المؤسف العائد إلى عصر مُجادلات الإصلاح البروتستانتيّ، هو الميل بين المسيحيين البروتستانت لمناقضة الإيمان مع الأعمال الصالحة، مُقلِّلين من شأن الأخيرة في الحياة المسيحية. لم يتبنَّ بولس أبدًا مجادلاتٍ ومرافعاتٍ ضد الأعمال الصالحة. بالأحرى، عارض باستمرارٍ اتباع ”أعمال الناموس“ كوسيلةٍ لإظهار أنفسنا بأننا أمناء وأبرار أمام الله. ولقد قصد بهذا تحديدًا التوراة اليهودية، التي كان دورها في حفظ اليهود منفصلين عن الأمم، قد وصل إلى نهايته في تلك المرحلة. بالأحرى، وبالنسبة لبولس، الإيمان وأعمال البرِّ لا ينفصلان، ولا يتناقضان. ((ديفيد أ. دا سيلفا، مقدمة للعهد الجديد ج2، ترجمة: القس الدكتور بيار فرنسيس، لبنان: دار منهل الحياة، 2014، ص 214. )) وهكذا في العهد الجديد بشكلٍ حاسمٍ، على أية حالٍ، فإن الوسيلة الفعَّالة لعيش حياة البرِّ قد توفَّرت الآن في المسيح، وبالتحديد، في الروح ((رسالة بولس إلى رومية 8: 4 ))، الأمر الذي يُحقِّق فينا ما لم يستطع الناموس تحقيقه (رسالة بولس إلى رومية 8: 3؛ قارن رسالة بولس إلى غلاطية 3: 21-22 )). لهذا السبب، ”لا دينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع“. ((ديفيد دي سيلفا، مقدمة للعهد الجديد ج2، ترجمة: القس الدكتور بيار فرنسيس، لبنان: دار منهل الحياة، 2014، ص 218. ))
التحرُّر من الناموس
وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ تَحَرَّرْنَا مِنَ النَّامُوسِ، إِذْ مَاتَ الَّذِي كُنَّا مُمْسَكِينَ فِيهِ، حَتَّى نَعْبُدَ بِجِدَّةِ الرُّوحِ لاَ بِعِتْقِ الْحَرْفِ
(رسالة بولس إلى رومية 7: 6)
لقد تحرَّر التلميذ من سلطة الخطية والناموس، ليصبح ”طائعًا من القلب“، وداخلًا في ”طاعة الإيمان“ ((رسالة بولس إلى رومية 1: 5 )) الذي يُشكِّل الهدف الأساسيّ لإرسالية بولس، وللحياة التي تتيحها عطية الله النهائية. ((ديفيد دي سيلفا، مقدمة للعهد الجديد ج2، ترجمة: القس الدكتور بيار فرنسيس، لبنان: دار منهل الحياة، 2014، ص 216. )) في الإصحاح السابع، يعود بولس ثانيةً إلى موضوع الشريعة الموسوية. والمبدأ الأساسيّ هو أن موت المسيح ألغى سلطة الناموس الملزِمة. ولا يمكن مُساواة الناموس بالخطيئة، ولكن الشهوات الخاطئة يُثِيرها الناموس: ”لم أعرف الخطيئة إلا بالناموس“ ((رسالة بولس إلى رومية 7: 5، 7 )). ((رايموند براون، مدخل إلى العهد الجديد، ترجمة: نيكلس نسيم، سلسلة آفاق كتابية 5، القاهرة: دار لوغوس ودار الأكويني، 2021، ص 766. ))
لقد شكَّك بولس بأنه في جماعةٍ تحتضن كلًا من اليهود الأكثر حزمًا ذوي التوجه المتزمت وأولئك الذين لم يكونوا مُؤهَّلين للنظر إلى حفظ الناموس اليهوديّ كجزءٍ من واجباتهم المسيحية. تتعلَّق القضية أيضًا بحفظ روزنامةٍ طقسيةٍ مُقابل عدم تخصيص أيام مُعيَّنة لهذه الطقوس. قد يميل هذا أيضًا إلى الإشارة باتجاه الطقوس اليهودية مثل السبت وأيام أخرى مُميَّزة مُوصَى بها لمراسيم خاصة في التوراة، وبما أن بولس لم يكن غير مبالٍ حيال هذه الأيام المتعلِّقة بالروزنامة المقدَّسة للمهتدين الأمم (بما أن هذه كانت مُرتبِطةً بطقوسٍ ومراسيمٍ وثنيةٍ). لم يكن بولس مهتمًا بأن يُعزِّز موقع ”القويّ“ بأنه على حقٍّ، وأن يُقوِّض موقع ”الضعيف“، رغم أن استخدامه لهذه العبارات واعترافه ”أن ليس شيءٌ نجسًا بذاته“ ((رسالة بولس إلى رومية 14: 14 )) يكشف أن بولس نفسه سيصطف مع ”القويّ“ في ممارسته الشخصية. بالأحرى، يريد بولس أن يحافظ على الوحدة والاعتبار المتبادل في الجماعة. ((ديفيد أ. دا سيلفا، مقدمة للعهد الجديد ج2، ترجمة: القس الدكتور بيار فرنسيس، لبنان: دار منهل الحياة، 2014، ص 230. )) وهكذا كان مسيحيو روما ”الأقوياء“ أو ”الضعفاء“ قد سمعوا أن بولس لم يُطالِب المسيحيين الأمميين الذين تجدَّدوا على يديه بالالتزام بالناموس الموسويّ، إلا أنه لم يكن يقبل أبدًا أن تُستخدَم هذه الحرية لتقسيم المجتمع. ((رايموند براون، مدخل إلى العهد الجديد، ترجمة: نيكلس نسيم، سلسلة آفاق كتابية 5، القاهرة: دار لوغوس ودار الأكويني، 2021، ص 772. ))
لقد اختلفت نظرة بولس عن دور الناموس اليهوديّ، في خطة الله، بشكلٍ ملحوظٍ عن نظرة المؤلِّفين اليهود الآخرين الذين يرجعون إلى قرونٍ قبل وبعد نهاية العصر، وعن نظرة المسيحيين اليهود الآخرين، مثل مُناهِضيه في غلاطية. الأمر المدهش والمميَّز هو فهمه للناموس كفرصةٍ للخطية مما يُعزِّز قبضتها على البشرية. بالنسبة لبولس، الخطية هي سلطةٌ روحيةٌ تجر الناس كالقطيع، وهي فوضى وتمردٌ على النظام الذي يمكنه الازدهار فقط بوجه نظامٍ (ناموس) موجود. فحيث هناك نظام (أو ناموس) تُظهِر الفوضى (أو العصيان على النظام) نفسها بشكلٍ أوضح وأفضح ((رسالة بولس إلى رومية 7: 7-13 )). تقف هذه النظرة على نقيضٍ تامٍ مع تعبيرات الثقة بالناموس عند ابن سيراخ وباروخ. بالنسبة لهذين المؤلِّفين، التوراة هي ”ناموس الحياة“ ((سفر يشوع ابن سيراخ 17: 11؛ 45: 5؛ سفر باروخ 3: 9 ))، لكن بولس يُبطِل صلاحية هذا التصريح: فوُجِدَت الوصية التي للحياة هي نفسها لي للموت ((رسالة بولس إلى رومية 7: 10 )).
وما يلفت الانتباه أكثر هو التباين بين بولس والمؤلِّف المعاصر القريب، لمكابين الرابع. في النص الأخير، الناموس هو الدليل الموثوق للفضيلة. بالنسبة لكاتب مكابين الرابع، ”بما أن الناموس قال لنا: لا تشته“، كان بإمكانه ”برهان المزيد عن أن العقل [القدرة الذهنية للذهن] يمكنه السيطرة على الرغبات“ ((سفر مكابين الرابع 2: 6 )). يفترض المؤلِّف أن ما يُوصِي به الناموس هو ضمن مجال قدرة الكائنات البشرية على تطبيقه. أمَّا بولس، من الجهة الثانية، فيقتبس من الوصية ”لا تشته“ باعتبار أنها فرصةٌ لسلطة الخطية لتظهر في الحياة، مُثِيرةً أهواء شتى أنواع الطمع والنزوات ((رسالة بولس إلى رومية 7: 7-10 )). ولقد وفَّر الناموس حقًا نقطة تركيزٍ للقوى الكونية المتمرِدة على الله لتكثيف طاقاتها لتنتصر على الكائن البشريّ. ((ديفيد دي سيلفا، مقدمة للعهد الجديد ج2، ترجمة: القس الدكتور بيار فرنسيس، لبنان: دار منهل الحياة، 2014، ص 227. ))
---
## الرهبنة.. إشكاليات تدبيرية
URL: https://tabcm.net/57016/
Type: post
Modified: 2026-07-30
جاءت الرهبنة، والقرن الثالث الميلادي يلملم أوراقه، بمبادرة شخصية من شاب مصري منحدر من صعيد مصر الأوسط، في اختيار البعد عن المدينة والعيش منفردًا بالقرب من النيل، تاركًا خلفه ممتلكانه وأهله، في تلبية حرفية لدعوة المسيح التي وجهها لشاب مثله حين سأله عما يفعل ليرث الحياة الأبدية، فأشار عليه أن يذهب ويبيع كل ما يملك ويتبعه، لكن ذاك الشاب لم يستطع ومضى حزينًا، ليأتي هذا الشاب المصري الصعيدي، أنطونيوس، بعد ثلاثة قرون، ويحسب هذه الدعوة موجهة له، فيقوم لتوه وينفذها، يترك قريته وقد باع كل ما يملك، وقصد مكانًا منعزلًا قرب نيل قريته، لكنه يكتشف افتقاره للتفرغ للعبادة كما أرادها، فينتقل إلى عمق الصحراء، بحثًا عن سكينة وهدوء لم يتوفرا له على ضفاف النهر، وفيها يختار لحياته نسقًا جديدًا يقوم على العزلة والنسك والبتولية وعدم الاقتناء.
يتفاجئ بعد سنوات قليلة، وقد عرف البعض بسيرته، بطيف من الشباب يقصدونه ويقتدون به ويحذون حذوه. فتتشكل إرهاصات الرهبنة، تمضي الأيام وتشهد الصحراء مزيدًا من المؤسسين يؤازرون أنطونيوس ويطورون منظومة الرهبنة، من التواجد الفردي أو الرهبنة التوحدية إلى المنشوبيات وهي تجمع رهبان للمعيشة بالقرب من بعضهم البعض ثم إلى حياة الشركة داخل أسوار تجمعهم فيما يعرف بالأديرة، تستقر فيها النذور الأربعة ويحولون الصحراء إلى سماء، لغتها الصلاة ورباطها الفقر الاختياري والزهد، وزادها من عمل يدين الرهبان.
لم تكن الرهبنة دعوة كنسية مؤسسية بل كانت اختيارًا حرًا لأناس تحرك قلبهم نحو محبة المسيح ورأوا في نسقها ما يشبع خيارهم، وحين يأتي القرن السادس تشهد الكنيسة صراعات لاهوتية عاتية انتهت إلى انقسامها عقب مجمع خلقيدونية 451 م، لم تقف هذه الصراعات عند أبواب قاعات البحث والحوار بل انتقلت إلى الشارع وتتحول إلى اشتباكات وأعمال شغب، طالت الكنيسة المصرية وطالت مدرسة الإسكندرية اللاهوتية التي دعمت موقف كنيستها، ودافعت عنه، بالمخالفة لما انحازت إليه الدولة، التي تبنت رؤية ذاك المجمع، فراحت تتعقب الكنيسة لقبول مقرراته. وطالت الاستهدافات مدرسة الإسكندرية اللاهوتية.
لم يكن أمام علماء مدرسة الإسكندرية وقد أضحت مخطوطاتهم وكتبهم محل خطر، إلا أن يحملونها قاصدين الاختباء في الصحراء البعيدة، ووجدوا في الأديرة ملاذًا آمنًا، وبالأكثر دير الأنبا مقار، وهناك واصلوا دورهم التعليمي سواء في تعليم الرهبان أو نسخ ما يحملون.
كانت الكنيسة قبلًا تختار أساقفتها من علماء المدرسة، وعندما احتموا بالأديرة استمرت الكنيسة في منهجها في الاختيار منهم، الذي امتد لتلاميذهم من الرهبان، لتشهد الأديرة دورًا جديدًا لها. وكان من الطبيعي أن تتأثر الكنيسة ـ خارج نطاق الأديرة ـ بأنساق حياة مدبريها من الرهبان، وهو الأمر الذي انعكس على ممارساتها التي تسلل إليها بعدًا نسكيًا في الطقوس والعبادة والأصوام.
ما أن يحل القرن الحادي عشر حتى يصيب الأديرة ما أصاب الحياة خارجها، جراء الانقطاع المعرفي والتضييق على الناس والكنيسة ليدخلا نفقًا مظلمًا، أمتد حتى مطلع القرن التاسع عشر، لتشهد الكنيسة إرهاصات صحوة تتلمس طريقًا لوصل ما انقطع، بحسب ما تناولناه قبلًا هنا في هذه الأطروحة، وفي النصف الثاني من القرن العشرين تشهد الأديرة سلسلة من الوافدين الجدد طالبي الرهبنة، من شباب واعٍ من خريجي الجامعات، اختلفت مشاربهم واتفقوا على إقامة الكنيسة من عثرتها.
انعكس هذا بالضرورة على الحياة داخل الأديرة، تنظيمًا وإعمارًا وإحياءً للتقاليد الرهبانية، والتواصل مع فكر الآباء عبر قراءة مخزونها من المخطوطات والكتب التي تحتشد بها أقبيتها، اللافت أن دير الأنبا مقار، الذي استقبل قبل قرون علماء مدرسة الإسكندرية اللاهوتية، كان الأبرز في هذا التوجه، بجوار الأديرة العامرة الأخرى، سواء في وادي النطرون أو تلال البحر الأحمر.
جذبت سيرة الرواد الجدد عشرات وربما مئات من الشباب للرهبنة، وإن تباينت دوافعهم، فكثيرهم وجد فيها بعثًا لصورة الآباء الذين تركوا العالم حبًا في المسيح وسعيًا للالتصاق والاقتداء به، يخايلهم ما وقر في ذهنهم عنهم في دروس مدارس الأحد، وقد جسدوا العفة والطهارة وإنكار الذات والنسك، وبعضهم انتبه للأديرة كملاذ من متاعب تلاحقهم وفشل في التحقق وسط الناس، وبعضهم ذهب ليدفن في رمال الصحراء إخفاقات اجتماعية ونفسية، وقليلهم ـ وقتها ـ ذهب على أمل أن يعرف طريقه للدرجات الكهنوتية.
كان من الطبيعي وقد توافرت للأديرة مختلف التخصصات العلمية، أن يتطور مفهوم “عمل اليدين”، وهو الأسلوب الذي استقر في الأديرة ويعني أن يقوم الرهبان بالعمل بجوار العبادة، أعمالًا توفر لهم مصدرًا ماليًا يغطى احتياجاتهم البسيطة من مأكل وملبس وما يحتاجه الدير، كانت أعمالهم بالضرورة بسيطة، فلما صار بالأديرة الوافدون الجدد تطورت معهم طبيعة ونوعية أعمال الرهبان، فبدأوا في استصلاح وزراعة أراضي الدير، واستتبعها إقامة المشروعات ذات الصلة، التصنيع الزراعي ومزارع الثروة الحيوانية والدواجن، ومعها استقدمت الأديرة عديد من الأيدي العاملة من الشباب الباحثين عن عمل، وعرفت الأديرة الطريق إلى الأسواق، والتصدير، ومنافذ التوزيع. ويتوفر للأديرة مصادر تمويل تحقق لها وفرة دعمت التوسع العمراني بها في بناء كاتدرائيات كبيرة داخلها، وبعضها عمل على دعم مئات من الأسر الفقيرة خارجها.
مع تطور وسائل المواصلات ورصف الطرق المؤدية للأديرة بدأت رحلات الكنائس لزيارة الأديرة تشكل معلمًا جديدًا في الأديرة استتبعها إقامة أماكن لاستقبال الزوار، ومعها منافذ توزيع داخلها لمنتجاتها وللهدايا التقليدية الدينية.
بين تواجد العمالة وكثافة توافد الزوار ارتبكت منظومة الرهبنة في كثير من الأديرة وقد زاحمت التزامات الرهبان والتدقيق فيها، ومعها تتوارى التلمذة كنسق رهباني، ربما بسبب قلة الآباء الشيوخ قياسًا على عدد الرهبان المتزايد، ومع خفوتها تعاني الأديرة من متاعب عديدة، بين الرهبان الصغار وشيوخهم، وتفاقمت مع رسامة أسقف لكل دير، ومعه اختفى تنوع المدارس الرهباية وتم قولبتها في نسق أحادي سلطوي، يكرس ما يراه أسقف الدير، وهو أمر يحتاج لفحص وتقييم، والعودة لنظام تولي راهب بدون رتبة الأسقفية إدارة شؤون الدير، فيسهل تغييره حال وجود متاعب جراء أسلوب إدارته وفقًا لقوانين الرهبنة. وكان من نتائج ربط الأديرة بالسياسة التدبيرية الكنسية أن اقتحمت الرسامات الكهنوتية الأديرة وصار كل راهب ينتظر دوره في الرسامة الكهنوتية وفق قائمة انتظار، ونتج عن هذا عديد من الإشكاليات، منها حق الكاهن الراهب في تلقي الاعترافات وسعيه للخدمة في الكنائس خارج ديره، وما يترتب على ذلك من متاعب يئن منها الدير والكنيسة معًا.
خارج الأديرة تتوسع الكنيسة في تقسيم الإيبارشيات، ورسامة أسقف لكل إيبارشية، مع التوسع في رسامة أساقفة عموم (بدون إيبارشيات وبدون مهام تدبيرية محددة)، فضلًا عن أساقفة المهجر، وكان من الطبيعي أن يتم اختيارهم من رهبان الأديرة، لم ينتبه أحد لما آل إليه وضعية الرهبان مع غياب التلمذة، وترتب عليه غياب التسليم، وافتقارهم ـ في كثيرهم ـ لمعرفة الفكر الآبائي، وانتقالهم بغير مرحلة انتقالية من الدير للخدمة خارجه وما يتطلبه من تأهيل فكري ونفسي وروحي وإداري، بعد غلق مدرسة الرهبان بحلوان التي كانت تؤدي هذه المهمة، ولعل هذا يفسر تفاقم الأزمات في إيبارشيات عديدة وبالأكثر في إيبارشيات الخارج، كندا وأستراليا وعدد من الولايات الأمريكية على سبيل المثال.
وثمة ظاهرة استبانت بعد انفضاض القبضة الحديدية برحيل قداسة البابا شنودة الثالث وهي المصادمات بين الأساقفة وبعضهم، وبينهم والبابا تواضروس، ووجدت طريقها للإعلان عبر وسائل ومواقع العالم الافتراضي، وما يلوح في الأفق من بوادر انفصالية في بعض إيبارشيات المهجر. وهنا تحتاج الكنيسة إلى قراءة واقعها بتبصر ومسؤولية، بعيدًا عن الشخصنة والانحيازات الضيقة، والعمل الجاد على وضع رؤي لتفكيك أزماتها تبدأ بالإقرار بوجودها ودراسة مسبباتها والتباحث حول الحلول الممكنة، والبداية بإعادة النظر في هيكلية منظومة الرهبنة قياسًا على قواعدها المؤسِسة ونذورها الأساسية وطبيعة التغيرات الجيلية وفك الارتباط القسري بينها وبين الكهنوت.
---
## عدالة معطلة وأجساد تدفع الثمن
URL: https://tabcm.net/56989/
Type: post
Modified: 2026-07-29
يناقش البرلمان المصري مشروع القانون الموحد لمناهضة العنف ضد النساء والفتيات، يتجدد التحرك مرة أخرى ويظهر على الأجندة التشريعية بعد فشل محاولتين سابقتين، لكن، هل يوافق مجلس الشعب على نصوص توفر الوقاية والحماية والعدالة في إطار واحد بدلا من القوانين المتفرقة والتي تترك النساء في مواجهة العنف وحدهن.
هذا النقاش، الذي طال انتظاره، قد آن له أن يرحم النساء من واقع شديد القسوة، خاصة أن بيانات الحكومة المصرية التي تصدر عن أجهزتها الرسمية، وهي متاحة للإطلاع عبر المواقع الرسمية، تؤكد أن العنف يطال ملايين النساء والفتيات سنويا، وأن لهذا العنف تكلفة اقتصادية واجتماعية تصل لمليارات الجنيهات. ومع ذلك، يظل مشروع القانون معطلا.
في المقابل، تدفع المرأة المصرية ثمن هذا البطء التشريعي من أمانها اليومي. وهو ما تؤكده أيضا الاعتداءات والانتهاكات ضد النساء والفتيات، من خلال رصد بعض الأخبار في الأشهر الأخيرة عقب موافقة الحكومة المصرية على تعديلات قانون الأسرة وإحالته للمناقشة في البرلمان. بعد جدل عام حول ما تؤدي إليه تلك التعديلات وهل هي في مصلحة الأسرة أم تهدد استقرارها.
وربما بنظرة سريعة على جزء من هذا الواقع يمكن الكشف عما تختبره النساء في مصر، وهي وقائع قرأنا عنها جميعا ورأيناها بالصوت والصورة، ولعلها توضح ما في صالح الأسرة المصرية حقا.
مايو 2026
تولت النيابة العامة بالجيزة التحقيق في واقعة إنهاء ربة منزل حياتها شنقا إثر مرورها بأزمة نفسية عقب منع زوجها لها من زيارة والدتها المريضة ((صابر المحلاوي، مصراوي: حكاية “دعاء”.. منعها زوجها من زيارة والدتها فأنهت حياتها في الجيزة. بتاريخ 2 مايو 2026. ))، وفي عين شمس ضرب أب ابنته ذات الـ 13 عام بالخرطوم حتى فارقت الحياة، لأنها تواصلت مع والدتها التي تركت البيت بسبب خلافات أسرية ((حسن أحمد حسين، المصري اليوم: اعترافات صادمة لقاتل طفلته بالسلام: «خانتنى وتواصلت مع أمها فقصدت تأديبها». بتاريخ 26 مايو 2026. ))، فيما قررت محكمة جنايات القاهرة تأجيل محاكمة المتهم بالقتل العمد لوالدته وشقيقته في منطقة النزهة أكتوبر المقبل، وكان قد طعنهما بسلاح أبيض لشكه في سلوكهما ((صابر المحلاوي، مصراوي: قرار قضائي بشأن المتهم بإنهاء حياة والدته وشقيقته في النزهة. بتاريخ 25 يوليو 2026. ))، وفي واقعة أخرى، باشرت النيابة التحقيق في مقتل ربة منزل على يد زوجها الجزار خنقا بالقليوبية إثر خلافات مالية وشكوك في سلوكها ((أمين مجدي، بوابة أخبار اليوم: جزار ينهي حياة زوجته خنقاً في شبرا الخيمة بسبب مكالمة هاتفية. بتاريخ 11 مايو 2026. )).
كما تباشر النيابة العامة التحقيق في مقتل زوجة بمدينة بدر بالقاهرة على يد زوجها حيث طعنها بسلاح أبيض بسبب خلافات زوجية ((عبد الرحمن سيد، اليوم السابع: القبض على المتهم بقتل زوجته فى مدينة بدر. بتاريخ 2 يوليو 2026. ))، وضبط مسن 63 سنة، بالقاهرة لقتله زوجته بطعنها 23 طعنة أداة حادة وضربها بـ “شاكوش” حتى تهشم رأسها ((أحمد عادل، مصراوي: “شاكوش ومقص وجثة مهشمة الرأس”.. ماذا حدث داخل شقة بدر؟ بتاريخ 14 مايو 2025. ))، كذلك باشرت النيابة التحقيق مع زوج طعن زوجته بأداة حادة في البطن داخل مسكنهما بالقاهرة إثر مشادة ناتجة عن شكه فيها وغيرته عليها ((طلعت الصناديلي، بوابة الأهرام: التحقيق مع المتهم بقتل زوجته في عين شمس. بتاريخ 25 مايو 2026. ))، فيما قرر قاضي المعارضات في محكمة أشمون بالمنوفية تجديد حبس الزوج المتهم بقتل زوجته طعنا داخل مسكن الزوجية إثر خلافات أسرية 15 يوما على ذمة التحقيق ((محمد فتحي، اليوم السابع: تجديد حبس عامل قتل زوجته طعنا بسكين بسبب خلافات زوجية فى المنوفية. بتاريخ 5 مايو 2026. )).
بينما أمرت نيابة الحسينية العامة بالشرقية حبس عاطل قتل زوجته طعنا أمام طفليهما إثر خلافات متكررة ((فتحية الديب، اليوم السابع: حبس الزوج المتهم بقتل زوجته بالسكين بسبب خلافات أسرية بالشرقية. بتاريخ 15 مايو 2026. ))، وفي مركز الصف بالجيزة، تقرر حبس جدة وشقيقتها وعمة طفلين لقتلهن رضيعا عمره شهر واحد والشروع في قتل شقيقته عام وشهرين، بحقنهما بمواد سامة و”كلور” بسبب خلافات أسرية ((صابر المحلاوي، مصراوي: تجديد حبس 3 سيدات في جريمة قتل رضيع الصف والشروع في قتل شقيقته. بتاريخ 1 مايو 2026. ))، ولذات السبب أُلقي القبض على محاسب بالإسكندرية للتعدي المتكرر بالضرب والسب على زوجته وابنتهما ((أشرف عمران، بوابة الأهرام: أحكام غيابية لم تُردعه.. سقوط زوج بالإسكندرية للاعتداء المتكرر على زوجته وابنتها. بتاريخ 28 مايو 2026. ))، كما ألقت الأجهزة الأمنية القبض على عاطل بالجيز بسبب التعدي على والدته بالسب والضرب وطردها من منزلها تحت تأثير المخدرات ((علاء عمران، مصراوي: فيديو صادم | عاطل يعتدي على والدته ويطردها من المنزل في الجيزة.. والداخلية تتدخل. بتاريخ 23 مايو 2026. )).
وضبط شخص بدمياط للتعدي بالضرب على طفليه أثناء تنفيذ حكم الرؤية بإحدى الأندية لإجبارهما على الإقامة معه ((أشرف عمران، بوابة الأهرام: تفاصيل صادمة أثناء تنفيذ حكم الرؤية بدمياط.. وضبط الأب. بتاريخ 4 مايو 2026. ))، فيما أُلقي القبض بالدقهلية على مالك مكتب شحن لاستيلائه على محتويات مسكن الزوجية لمنع طليقته من تنفيذ قرار التمكين ((علاء عمران، مصراوي: قرر “ياخد العفش معاه”.. مطلقة تستغيث من زوجها السابق في بالدقهلية. بتاريخ 27 مايو 2026. ))، واتخذت جهات التحقيق الإجراءات القانونية تجاه مقاول بالإسكندرية اعتدى بالضرب والسب على سيدة وابنتها وطردها من مسكنها واستولى على محتوياته بسبب خلافات على العقار ((صابر المحلاوي، مصراوي: اعتدى عليها وطردها من شقتها.. سقوط مقاول وراء واقعة الدخيلة بالإسكندرية. بتاريخ 15 مايو 2026. ))، كما باشرت النيابة التحقيق بالغربية في اعتداء شقيقتي زوج متوفي بالضرب والسب على أرملته وطردها والاستيلاء على المحتويات قبل تصالح الطرفين ((مصطفى عطية، جريدة الشروق: ضبط شقيقتي زوج متوفى لاتهامهما بالاستيلاء على شقة سيدة والتعدي عليها بالغربية. بتاريخ 4 مايو 2026. )).
وضُبط عاطل بالقاهرة لاتهامه بالاعتداء على طليقته ووالدتها بالسب واحتجازهما داخل مسكنهم بعين شمس ((محمود الشوربجي، مصراوي: الداخلية تكشف تفاصيل تعدي عاطل على طليقته وأسرتها واحتجازهم داخل مسكنهم. بتاريخ 4 مايو 2026. ))، وضُبط شخص بالمنوفية بالتعدي بسلاح أبيض على زوجته ووالدتها وإصابة الأخيرة بجرح قطعي بالوجه ((مصطفى عطية، جريدة الشروق: ضبط المتهم بالتعدي على سيدتين بسلاح أبيض وإصابة إحداهما في المنوفية. بتاريخ 13 مايو 2026. ))، بينما أحيل أب وعم بالجيزة للنيابة لاحتجاز ابنة الأول وتكبيلها بسلاسل حديدية أعلى عقار لإجبارها على العودة لطليقها ((جيهان عبد العزيز، صحيفة الوطن: تحرير ربة منزل كبلها والدها وعمها بجنزير لإجبارها على العودة لزوجها في الجيزة. بتاريخ 19 مايو 2026. )).
وفي الشوارع ووسائل النقل والمرافق العامة، ألقت الأجهزة الأمنية القبض على عامل متهم بالتحرش بطالبة والإتيان بأفعال منافية داخل سيارة ميكروباص ((مصطفى عطية، جريدة الشروق: ضبط المتهم بالتحرش بفتاة داخل ميكروباص في الجيزة. بتاريخ 25 مايو 2026. ))، كما ألقي القبض على سائق ميكروباص بالإسكندرية لاتهامه بالتحرش بطالبة تبلغ من العمر 17 سنة ((علاء عمران، مصراوي: الداخلية تكشف ملابسات واقعة التحرش بفتاة داخل ميكروباص في الإسكندرية. بتاريخ 24 مايو 2026. ))، وفي النزهة، اعترف سائق بأحد تطبيقات النقل الذكي بارتكابه أفعالا خادشة للحياء في حق طالبة جامعية أثناء استقلالها السيارة معه ((محمود عبد الراضي، اليوم السابع: فيديو «النزهة» الفاضح.. الأمن يضبط سائق «نقل ذكى» تحرش بطالبة. بتاريخ 29 مارس 2026. ))، كما أُحيل سائق ببني سويف للتحقيق من قبل النيابة العامة لاتهامه بالتحرش بطالبة داخل سيارته ((أشرف عمران، بوابة الأهرام: سقوط سائق تحرش بفتاة داخل سيارة أجرة في بني سويف. بتاريخ 12 مايو 2026. )).
وفي جرائم الشارع والاعتداء المباشر أيضا، أيدت محكمة استئناف القاهرة سجن عاطل 3 سنوات لهتك عرض فتاة بملامسة جسدها بالشارع ((أحمد محفوظ، جريدة الشروق: الاستئناف تؤيد الحبس 3 سنوات لمتهم بملامسة جسد فتاة بالشارع في المقطم. بتاريخ 18 مايو 2026. ))، وفي الوراق، قضت محكمة جنايات الجيزة بالسجن المشدد 3 سنوات لعامل هتك عرض فتاة بالقوة أثناء استقلاله دراجة نارية ((تامر عادل، بوابة أخبار اليوم: المشدد 3 سنوات للمتهم بهتك عرض فتاة في الوراق. بتاريخ 6 مايو 2026. ))، كما ضُبط عاملان بالفيوم تعديا بالضرب والتحرش الجسدي بطالبة من دراجة نارية ((مصطفى عطية، جريدة الشروق: ضبط عاملين بتهمة التحرش والتعدي على طالبة في سنورس بالفيوم. بتاريخ 23 مايو 2026. ))، بالإضافة إلى القبض على سائق “توك توك” بالحوامدية بتهمة معاكسة فتاتين والاصطدام بهما وإحداث إصابات متفرقة وذلك إثر مشادات كلامية ((مصطفى عطية، جريدة الشروق: ضبط سائق توكتوك بتهمة معاكسة فتاتين والاصطدام بهما في الحوامدية. بتاريخ 10 مايو 2026. )).
يونيو 2026
قضت محكمة الجنايات بالسجن المؤبد على قاض سابق أدين بقتل طليقته رميا بالرصاص بسبب خلافات أسرية بينهما ((محمد القماش، المصري اليوم: حيثيات «مؤبد» القاضى السابق المتهم بقتل طليقته: ادعى المرض النفسى.. والتقرير الطبى حسم سلامته العقلية. بتاريخ 20 يوليو 2026. ))، كما أيدت محكمة جنايات الزقازيق حكم المؤبد على زوج أدين بقتل زوجته عمدا بطعنها 21 طعنة بسلاح أبيض لطلبها توثيق عقد الزواج ((فتحية الديب، اليوم السابع: طلبت منه إشهار عقد الزواج ..تأييد حكم المؤبد على المتهم بقتل زوجته بالشرقية. بتاريخ 8 يونيو 2026. ))، كما تنظر محكمة استئناف القاهرة النظر في حكم المؤبد لسائق متهم بقص شعر زوجته وطعنها وإلقائها من الطابق السابع بعين شمس ((سعيد حسين، المصري اليوم: بدء أولى جلسات استئناف متهم بقتل زوجته بإلقائها من الطابق السادس فى عين شمس. بتاريخ 11 يوليو 2026. )).
وفي السياق نفسه، أُحيل عامل إلى الجنايات ببني سويف لضربه زوجته بعصا وإلقائها من شرفة المنزل ((محمود الشوربجي، مصراوي: “افتكرتها ماتت فرميتها من البلكونة”.. ليلة مقتل “آلاء” على يد زوجها في بني سويف. 26 يونيو 2026. ))، وأمرت نيابة القاهرة بحبس زوج للتعدي بالضرب على زوجته بدار السلام قبل سكبها مادة اشتعال على جسدها وإشعال النيران في نفسها متأثرة بجراحها ((علاء عمران، مصراوي: “النار” تنهي جحيم الزوجية في دار السلام.. لماذا أحرقت “سيدة” نفسها أمام طفلها؟ بتاريخ 5 يونيو 2026. ))، فيما تباشر النيابة بالجيزة التحقيق في مقتل عروس إثر سقوطها من الطابق السابع بعد 5 أيام من زواجها ((جريدة الأهرام: بعد 5 أيام من الزفاف.. سقوط عروس كرداسة من الطابق السابع يثير الشكوك. بتاريخ 22 يونيو 2026. ))،
وعلى صعيد الجرائم التي طالت الأطفال، تكثف الأجهزة الأمنية بالجيزة جهودها لضبط زوج أم هارب لقتله طفلة زوجته 6 أعوام، بالضرب بعصا وسلك وتقييدها لمنعها من الإبلاغ عن تعديه السابق عليها بأبو النمرس ((محمود عبد السلام، جريدة الشروق: مصرع طفلة على يد زوج والدتها بأبو النمرس: ضربها ضربا مبرحا لمدة ساعتين بعصا وسلك. بتاريخ 5 يونيو 2026. ))، كما تباشر النيابة التحقيق بالجيزة إثر العثور على جثة فتاة قاصر 15 عاما، عليها آثار ضرب بفيصل لبيان وجود شبهة جنائية ((محمد شعبان، مصراوي: غموض يحيط بوفاة قاصر في فيصل.. وآثار ضرب على وجهها. بتاريخ 15 يونيو 2026. ))، كما أمرت النيابة بحبس مسجل خطر بالقاهرة لقتله شابا بقتله ذبحا إثر معاتبة المجني عليه له على التحرش بفتاة بالشارع ((محمود الشوربجي، مصراوي: عاتبه على التحرش بفتاة.. تطور جديد في اتهام مسجل خطر بذبح شاب بمنشأة ناصر. بتاريخ 21 يوليو 2026. )).
أما جرائم العنف والتهديد والتعدي الأسري، أُلقي القبض بالقاهرة على أب أقر بالتعدي الجنسي المتكرر على ابنته 18 عاما، داخل منزل الأسرة بحلوان منذ كانت في سن 14 عاما ((صابر المحلاوي، مصراوي: “كنت خايفة يطردني من البيت”.. حكاية أب اعتدى على ابنته أمام والدتها في حلوان. بتاريخ 7 يونيو 2026. ))، وأمرت النيابة بحبس صاحب محلات ملابس بتهمة تعذيب أطفاله الأربعة وتقييد أحدهم بالحبال وحرقه بسكين ساخن بمدينة نصر إثر خلافات مع طليقته ((علاء عمران، مصراوي: للانتقام من طليقته.. حبس صاحب محلات ملابس بتهمة تعذيب أطفاله بمدينة نصر. بتاريخ 29 يونيو 2026. ))، كما ضُبط سائق ببني سويف لتقييده أطفاله الثلاثة والتعدي عليهم بالضرب وإرسال صورهم لزوجته لإجبارها على العودة ((أشرف عمران، بوابة الأهرام: صدمة في بني سويف.. ضبط أب عذب أبناءه لإجبار زوجته على العودة. بتاريخ 2 يونيو 2026. ))، وفي قنا، ضُبط شقيقان بالتعدي بالضرب والسب على شقيقاتهما الثلاث بنقادة لإجبارهن على التخلي عن الميراث ((مصطفى عطية، جريدة الشروق: الداخلية تكشف ملابسات اتهام شقيقين بالتعدي على شقيقاتهما بسبب خلافات على الميراث بقنا. بتاريخ 30 يونيو 2026. )).
وفيما يخص جرائم التحرش والاعتداءات الجنسية والملاحقات في الأماكن العامة ووسائل النقل، قضت جنايات القاهرة بالسجن المشدد 5 سنوات على سائق بشركة نقل ذكي لخطف طالبة وهتك عرضها بالإكراه وسرقتها بالمقطم ((رمضان يونس، مصراوي: خطف طالبة ورماها على طريق السخنة.. الجنايات تعاقب سائق “أوبر” بحكم رادع. بتاريخ 29 يونيو 2026. ))، وقضت جنايات الجيزة بالسجن المشدد 6 سنوات على موظف عام أدين بخطف ممرضة بالتحايل وهتك عرضها والتعدي عليها ببولاق الدكرور ((رمضان يونس، مصراوي: صرخة أنقذت ممرضة من المجهول.. كيف خطف موظف أبو قتادة فتاة بولاق بمكالمة هاتفية؟ بتاريخ 13 يونيو 2026. ))، والمشدد 10 سنوات لسائق ميكروباص أدين بهتك عرض طفلة بالقوة برفقة والدتها بالعمرانية ((رمضان يونس، مصراوي: هتك عرض طفلة في ميكروباص.. السجن 10 سنوات ضد “سائق العمرانية” بالجيزة. بتاريخ 10 يونيو 2026. ))، والحبس سنة مع الشغل لسائق سيارة أجرة أدين بهتك عرض سيدة والتحرش بها جسديا بالمرج ((صابر المحلاوي، مصراوي: حبس سائق سنة مع الشغل بتهمة هتك عرض سيدة في المرج. بتاريخ 1 يونيو 2026. ))، كما أُلقي القبض على محاسب بالقاهرة اعتدى بالضرب على سيدة في الشارع إثر معاتبتها له على التحرش بها لفظيا ((محمود عبد الراضي، اليوم السابع: التحقيق فى اتهام سيدة لشخص بضربها بعد معاكستها فى القاهرة الجديدة. بتاريخ 6 يونيو 2026. ))، وضبط سائق توك توك بالإسماعيلية اعتدى بالسب وجذب طالبة من ذراعها إثر خلاف على الأجرة ((أشرف عمران، بوابة الأهرام: جذبها من ذراعها وسبّها.. ضبط سائق توك توك للتعدي على طالبة بالإسماعيلية. بتاريخ 15 يونيو 2026. )).
يوليو 2026
أحيلت إلى مفتي الديار المصرية أوراق زوج بتهمة قتل زوجته بسلاح أبيض وإصابة ابنته بتسع طعنات بالمرج في القاهرة ((سعيد حسين، المصري اليوم: إحالة أوراق المتهم بقتل زوجته ومحاولة إنهاء حياة ابنته فى المرج لـ«المفتي». بتاريخ 13 يوليو 2026. ))، وأحيل بائع بمقهى إلى محكمة الجنايات لقتله زوجته خنقًا بحبل غسيل و”إيشارب” بالقليوبية لشكه في سلوكها ((محمود الشوربجي، مصراوي: خنقها بحبل غسيل وإيشارب.. لماذا تخلص قهوجي الشرابية من زوجته في القليوبية؟ بتاريخ 9 يوليو 2026. ))، وفي الجيزة، أمرت النيابة بحبس مزارع ضرب زوجته حتى الموت ودفن جثمانها بأرض زراعية بالواحات البحرية وقدم بلاغ باختفائها، هذا غير سابقة اعتدائه على ابنتهما ((صابر المحلاوي، مصراوي: من جثمان الزوجة إلى سر الابنة.. كيف كشفت جريمة الواحات البحرية ماضي الأب؟ بتاريخ 24 يوليو 2026. )).
وأحيل إلى جنايات قنا الأب الذي قتل ابنته “19 عاما” عمدا، وذلك بعد احتجازها مدة عام كامل داخل غرفة ومنع عنها الطعام والشراب ((محمد حمدي، المصري اليوم: إحالة الأب المتهم بقتل ابنته جوعًا بعد حبسها داخل غرفة لمحكمة الجنايات بقنا. بتاريخ 7 يونيو 2026. ))، بينما تم إلقاء القبض على أب بالقاهرة بسبب قتله طفله الصغير 4 سنوات، بالضرب المبرح إثر استغلاله وأشقائه في التسول بحي حلوان ((أحمد محفوظ، جريدة الشروق: تحقيقات واقعة قتل شخص لطفله في حلوان: المتهم استغل أبناءه في أعمال التسول واعتاد ضربهم. بتاريخ 5 يوليو 2026. ))، فيما أيدت محكمة الاستئناف بالقاهرة حكم بالسجن 7 سنوات على أب بتهمة ضرب أفضى إلى الموت لقتله طفله الرضيع 9 أشهر، بشرخ في الجمجمة أثناء مشاجرة مع زوجته ودفنه بالإسكندرية دون تصريح ((أحمد محفوظ، جريدة الشروق: حيثيات تأييد سجن أب 7 سنوات بتهمة قتل طفله: صفعه على رأسه بسبب خلافات زوجية. بتاريخ 21 يوليو 2026. )).
وفي قضايا العنف والتهديد والتعدي الأسري الجسيم، أضرم أخ النيران في غرفة شقيقته وإتلاف محتوياتها بالصف في محافظة الجيزة، وذلك بسبب رفضها العودة لطليقها ((صابر المحلاوي، مصراوي: “ارجعي لطليقك”.. حكاية فلاح أشعل النار في غرفة شقيقته لرفضها العودة لزوجها بالصف. بتاريخ 24 يوليو 2026. ))، وفي الغربية، أُلقي القبض على زوج وشقيقته لتعديهما بالضرب والسحل على الزوجة بحجة حل خلافات ونزاع على المنقولات ((علاء عمران، مصراوي: سحلها في بيت عيلته.. ماذا حدث لـ “سيدة المحلة” بعد فخ إنهاء الخلافات؟ بتاريخ 8 يوليو 2026. ))، كما أُلقي القبض بالشرقية على أخ تعدى بالضرب المبرح بسلاح أبيض على شقيقته بمحل عملها بسبب خلافات عائلية ((أشرف عمران، بوابة الأهرام: ضبط شخص اعتدى على شقيقته بسلاح أبيض داخل محلها بالشرقية. بتاريخ 10 يوليو 2026. )).
وفي حوادث الاعتداءات الجسدية والتحرش وملاحقة النساء في وسائل النقل والأماكن العامة، قضت محكمة جنايات القاهرة بالسجن المشدد 6 أشهر لسائق شركة نقل ذكي هتك عرض طفلة بالقوة أثناء توصيلها بمدينة نصر ((رمضان يونس، مصراوي: الحبس 6 أشهر لسائق تطبيق نقل ذكي أدين بهتك عرض طفلة بمدينة نصر. بتاريخ 4 يوليو 2026. ))، كما تم إلقاء القبض على موظف تحرش بسيدة داخل مواصلة نقل عام بمنطقة الأميرية ((محمد أبو سيف، بوابة الأهرام: بعد انتشار الفيديو.. ضبط موظف تحرش بسيدة أثناء استقلالها «ميني باص» بالأميرية. بتاريخ 25 يوليو 2026. ))، كما ضُبط طالب بالإسماعيلية تحرش بسيدة أثناء قيادته دراجة نارية بأبو صوير ((يسري البدري، المصري اليوم: ضبط طالب بتهمة التحرش بسيدة أثناء استقلاله دراجة نارية فى الإسماعيلية. بتاريخ 13 يوليو 2026. ))، كما أُلقي القبض على 3 طلاب بالإسكندرية تعدوا بالضرب على بائعة متجولة بالمنشية لمعاتبتها إياهم على التحرش بفتيات ((محمود عبد الراضي، اليوم السابع: القبض على 3 طلاب لضربهم سيدة فى الإسكندرية. بتاريخ 16 يوليو 2026. )).
هذه الاعتداءات التي تبدو صادمة للرأي العام لا تجد الأحكام المشددة التي تحقق الردع، وفي بعض القضايا تظل الضحية بلا حماية، وتلك الأحكام ليست محض صدفة إجرائية، بل تجد سندها القانوني في بعض مواد قانون العقوبات المصري الحالي، ومن أبرزها:
المادة 60 [حق التأديب الشرعي]: والتي تنص على “ألا تسري أحكام قانون العقوبات على كل فعل ارتكب بنية سليمة عملا بحق مقرر بمقتضى الشريعة”. ويستند إليها الدفاع لتخفيف وصف الجرائم من قتل عمد إلى “ضرب أفضى إلى موت تحت مسمى التأديب الأسري.
المادة 17 [الرأفة القضائية]: والتي تمنح القاضي سلطة تقديرية واسعة لتبديل العقوبة المقررة للجناية إلى درجة أو درجتين أخف إذا اقتضت الأحوال ذلك، ويتم اللجوء إليها تخفيفا للأزواج والآباء بحجة “مراعاة مستقبل الأبناء” أو “لحظة الغضب”.
المادة 236 [الضرب المفضي إلى الموت]: وتعاقب بالسجن من 3 إلى 7 سنوات كل من جرح أو ضرب أحدا عمدا ولم يقصد من ذلك قتلا ولكنه أفضى إلى الموت. ويتم تكييف قضايا تعذيب الزوجات والأطفال بها لعدم قدرة جهات التحقيق على إثبات القصد الجنائي الخاص “نية القتل العمد المسبقة”، ويُعتبر الفعل مجرد تجاوز في التأديب.
المادة 237 [قتل الزوجة متلبسة بالزنا]: والتي تمنح الزوج عذرا قانونيا مخففا يحول الجناية إلى جنحة عقوبتها الحبس البسيط إذا فاجأ زوجته متلبسة وقتلها في الحال، وهو تمييز صارخ كثيرا ما يحاول الدفاع استغلاله عبر إثارة الشكوك حول سلوك الضحايا لتخفيف الحكم.
وبين واقع النساء في المنازل والأماكن العامة، لاعتداءات وجرائم تصل إلى القتل والتعذيب والتحرش، وبيئة تشريعية تستند إلى مواد الرأفة والتأديب وتكييف الضرب المفضي إلى موت، يفلت الجناة من العدالة والعقاب الرادع. يأتي هذا التتبع الزمني والمكاني لحوادث العنف ليضع المجتمع بأكمله أمام مرآة كاشفة، ويثبت أن غياب الردع الحالي والتشهير الإلكتروني والنزاع اليومي في الشوارع يرتبط مباشرة بحزمة من القوانين المعطلة والمؤجلة في أدراج البرلمان، والتي ما تزال تنتظر الموافقة لتوفير بيئة آمنة للمرأة المصرية، وهي:
مشروع القانون الموحد لمناهضة العنف ضد النساء والفتيات: والذي تبنته نائبات في البرلمان بالتعاون مع المنظمات الحقوقية والنسوية، بهدف وضع إطار تشريعي شامل يدمج الوقاية والحماية والمساءلة، ويستحدث مواد خاصة لجرائم العنف الأسري، والاغتصاب الزوجي، والابتزاز الجنسي. مع سد الثغرات القانونية الخاصة ببدائل التأديب وتخفيف العقوبات، واستحداث أوامر حماية عاجلة ودوائر قضائية متخصصة لضمان العدالة الناجزة.
مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد للمسلمين: والذي أعدته لجنة قضائية بإشراك أطراف مجتمعية، بهدف إعادة تنظيم النزاعات الأسرية في إطار موحد يحمي حقوق المرأة والطفل، وسرعة الفصل في دعاوى النفقة والرؤية والحضانة، وتأسيس صندوق دعم الأسرة لضمان الصرف العاجل للأم ومواجهة المماطلة القضائية، إلى جانب تقنين أحكام توثيق الطلاق والتصدي لسلب الممتلكات والتمكين.
مشروع قانون الأحوال الشخصية الموحد للمسيحيين: والذي جرى إعداده بالتنسيق مع الكنائس المصرية، بهدف وضع تنظيم تشريعي حاسم ينهي العقود الممتدة من بطء التقاضي في قضايا الأسرة المسيحية، وتحديد أحكام وإجراءات سريعة وواضحة لبطلان الزواج، والانفصال، والنفقة، والحضانة وفق الاستحقاقات الدستورية للشرائع السماوية.
ولأجل أن تصبح حياة النساء والأطفال في مصر أكثر أمانا، وصونا لكرامتهن الإنسانية، يطرح هذا الواقع توصيات ملحة لا تقبل التأجيل، أولا تطهير قانون العقوبات من المواد المبررة للعنف بإلغاء أو تعديل المواد “60، 17، 236، 237” حتى لا تنتهي فرص التلاعب بوصف الجرائم، ومنع استخدام “حق التأديب” أو “الرأفة القضائية” كغطاء رسمي لتخفيف العقوبات في قضايا تعذيب وقتل النساء والأطفال.
وأيضا وضع ضوابط صارمة على نظام الصلح الجنائي، خاصة في وقائع العنف الأسري والعلني مثل حوادث المترو والشوارع، للتأكد من أن قرار التنازل لا يصدر تحت التهديد، أو الخوف من تكرار الاعتداء، أو الاعتماد الاقتصادي على المعتدي، واعتبار العنف العلني جريمة ضد أمن المجتمع لا تسقط بالتصالح.
مع ضرورة الحماية الإدارية والمهنية السريعة وذلك عبر إلزام المؤسسات وجهات العمل بوقف أي إجراءات تعسفية أو فصل بحق موظفات يتعرضن لحملات تشويه أو ابتزاز رقمي وفبركة صور، حتى تفصل النيابة العامة في زيف تلك المواد، مع تشديد الرقابة وتوسيع لجان الحماية من التحرش داخل بيئات العمل والمنشآت التعليمية.
مع الاهتمام بتفعيل وتطوير دور مراكز استضافة النساء المعنفات، وتأمين مسارات التقاضي الملحقة بدعاوى الطلاق والخلع لمنع التهديدات الجسدية والملاحقات التي تلي صدور الأحكام القضائية.
بدون هذه الخطوات، تبقى النصوص عاجزة عن تغيير الواقع الفعلي، ويظل جرس الإنذار يدق في مجتمع يتسامح تدريجيا مع دماء نسائه وأطفاله وحقوقهم الأساسية.
---
## المذاهب والطوائف اليهودية [٣]
URL: https://tabcm.net/56734/
Type: post
Modified: 2026-07-29
5 – الفريسيون
على عكس “الخليط” الذي تكلمنا عنه، بين الفريسيون والصدوقيون والأسينيون، فقد نمت أخوية توصف باسم “الانشقاقيين” وبالعبرية: بيروشيم؛ وهذا يترجم في اليونانية باسم “فريسيين،” وهو الاسم الذي أشاروا هم إليه (chaberim أو “المنضمين” أو “الموحَّدين”)؛ ولا نستطيع أن نحدد متى وأين اتخذت الجماعة شكلها.
أما كلمة “فريسي” فلم توجد في العهد القديم أو الأبوكريفا، بينما وجودها ظهر مبكرًا عند يوسيفوس في حوليات يوناثان رئيس الكهنة (144 ق.م.) ((Jos. Ant. XIII, sec 9 and 10, 5. See also XVIII 1, 3, and Wars, ii. 8, 14. حوليات بمعنى مدونات تاريخية تكتب حوليًّا، أي كل سنة )) وجون هيركانوس (109 ق.م.)، حينما كان نفوذ الجماعة قوي وله تبجيل كثير.
وقد وضع الفريسيون نقطتين هامتين ذوو أهمية عظمى وعلى كل منهم ضمان مطلوب كشرط للدخول إلى الجماعة: أحدهما الالتزام بدفع كل العشور قبل استعمال أو بيع أية سلعة، ولا يسمح أن يؤكل أي شيء قبل فرض العشور التي لم يكن ورائها أي شك.
أما النقطة الأخرى فتتعلق بالاحتراس من كل النجاسات، مع الانتباه إلى عدة قوانين موضوعة، معظمها بسيط وسطحي. ويشير ربنا يسوع إلى هاتين الصفتين اللتين للفريسية في إنجيل معلمنا متى البشير 23: 23 و25.
ولكن النقطة الأساسية والرئيسة في الأهمية، فترجع إلى انتباه الفريسيين إلى “القانون الشفهي،” وهو سلسلة من التفسيرات والإيضاحات للنبوات الروحية المسلَّمة من معلم إلى معلم (راباي Rabbi)، مكونة بذلك نظامًا محكم ودقيق يمتد إلى كل تفاصيل العبادة والحياة. وهكذا، فقد نسجت “تقاليد الشيوخ” بكل دقة وحنكة حول كلمة الرب، أي التوراة، أي كلمات العهد القديم.
وفي حين يقصدون حماية التوراة، أو إلى تقليل المخاطرة بكسره، أصبحت هذه التقاليد في تزايدها، تزيد التباعد عن أصل وغرض معناها وبذلك أصبحت ثقلاً على النفس. بالتالي فقد حلَّت الشكلية محل الديانة الروحية، بالتالي “الانفصالية” لهذا التآخي، كما يتضح ذلك من شكل ثيابهم الطويلة ذات الطرز المتنوعة وعصائبهم العريضة، وصلواتهم الطويلة التي يتلونها في المجامع، أو في الطرق، وفي ساعات النهار. وكذلك بالإفتاء بتعاليمهم وعدم الثبات في حياتهم. كل هذا أثبت أن تقواهم هي إلى حدٍّ كبير مبنية على التصنع.
مخيف جدًا الاتهام الذي قدمه ربنا يسوع المسيح على الفريسيين، كما كتب في متى 23، ومرقس 7، ولوقا 11. وقد كانوا العقبة الرئيسية في قبول المسيح وإنجيله. كان من المستحيل لهم أن يقبلوا روحانية تعاليمه أو ينزلوا إلى وداعة من تبعوه. كانت روحهم ذات كفاءة ذاتية وكبرياء.
وحينما بشر يوحنا المعمدان في البرية بمعمودية التوبة لمغفرة الخطايا، تنحى العدد الكبير من الفريسيين ((إنجيل لوقا 7: 30 ))، ولكن ليس كلهم ((إنجيل متى 3: 7 ))، بل كانوا يشكرون الله إنهم ليسوا “مثل باقي الناس” ((إنجيل لوقا 18: 10 )). ولكن بينما يغالون في تقدير أنفسهم إلى السماء، أصبحوا حقاً “أبناء الهاوية” ((إنجيل متى 23: 15 )).
وبلا شك فقد كان هناك جانب آخر للشخصية الفريسية: فقد كانوا يؤمنون ببعض التعاليم العظيمة مثل القيامة والحياة الأبدية. وذلك كان بصلابة غير معهودة بين الشعب ككل؛ بينما تدقيقهم على بعض الملاحظات الروحية، فقد كانت ذات نفع ضروري لمجابهة الانحلال السائد في ذلك الوقت. وقد اعتبر القديس بولس الرسول هذا كامتياز أمام معلمي اليهودية: “كفريسي ابن فريسي” ((سفر أعمال الرسل 23: 6، قارن مع رسالة بولس إلى فليمون 3-5 )).
وكمثل اليسوعيين في الكنيسة الرومانية، فقد أثبت الفريسيين عظم كفاءات نظام ديانتهم، وإن كان (مثلهم) وجدوها ناقصة.
وواضح أنه كان هناك تطرف في تصرفاتهم، فالأفضل والأردأ من بين الشعب كانوا من الفريسيين! ولكن في أفضلهم كان هناك تعصب وضيق أفق وهذا ظهر منه رد الفعل الحتمي في الأردأ.
وسياسيًا، كان الفريسيون هم الجزء الهام والمحافظ بدقة على انعزال واستقلال الشعب اليهودي، أمام كل المحاولات لدفعهم للولاء للحكم الروماني.
وقد اعتبروا أنفسهم حماة القانون الإلهي، وأنهم الورثة الشرعيون، واثقين ضمنًا أن الله هو الذي اختارهم ليكونوا الشعب المختار، وإنه سيحفظهم ويحوط حولهم وحول ذويهم من كل الأخطار الخارجية التي هزت كيان الأمة في ذلك الوقت.
وقد كانوا مدركين بشدة بالاقتناع أنه ما داموا هم مخلصين إلى ربهم، فليس هناك قوة أرضية، مهما كانت هائلة، تستطيع أن تقترب لتغتصب ورثته المختارين.
وهكذا، عند جلوس هيرودس السادس على العرش، رفض آلاف من الفريسيين أن يعطوه عهد الولاء، ولكن “أُخضعوا بيد قوية”، وهكذا إلى حد تجرؤهم كانوا دائمًا مضادين للقانون الروماني. وعلى هذا الحال، اختلفوا ما بين إنهم مناصرين لخدام الصدوقيين، ومضادين للهيرودسيين الرومانيين.
وعند اتحاد هؤلاء الثلاثة في عداوتهم للمسيح، يظهر كيف يكشف الخطأ المتعدد الأشكال في معاداتهم للحق.
وعامة، فإن عدد الفريسيين كان صغيرًا بالنسبة لسلطانهم العظيم بين الشعب. وبعد خراب أورشليم اختفوا كجماعة مميزة، ولكن تعاليمهم وروحهم أعطت وزنًا لليهودية الحديثة.
رأي التلمود الألماني في الفريسيين
التلمود يتهكم على النسخ العديدة من التقسيمات وتحت التقسيمات التي عملها معلمي الفريسية، ويميز سبع درجات من الفريسيين، واحدة فقط هم المستحقين لهذا الاسم. هؤلاء هم:
هؤلاء الذين يعملون إرادة الله بدوافع أرضية.
هؤلاء الذين يعملون قليلًا أو يقولون “انتظر قليلًا، فإن لديَّ عمل واحد جيد لأتممه.
هؤلاء الذين يطرقون بوجوههم في الحائط حتى لا يروا امرأة.
قديسين في الخدمة.
هؤلاء الذين يتوسلون إليك لتذكر لهم مهام إضافية ليكملوها.
الأتقياء بسبب خوفهم من الله.
الفريسي الحقيقي الوحيد هو “الذي يعمل إرادة الله أبيه السماوي لأنه يحبه.”
---
## الأنبا أغاثون والتشهير بالمكرسات
URL: https://tabcm.net/19624/
Type: post
Modified: 2026-07-29
أتابع هذه الأيام صفحة أبناء الأنبا ميخائيل كأحد الصفحات المهتمة بترتيب الكنيسة من الداخل، الصفحة نفسها ليست جديدة بل تضم 23 ألف متابع وقت كتابتي هذا المقال، وكان اسمها سابقا “إيبارشيّة أسيوط” ثم عقب مناقشة قرروا تحويلها لاسمها الحالي لفض أيّ ارتباط أو تداخل مع الإكليروس. الصفحة مسيحية عَلمانية وتدار من أسيوط ونتمنى لها كل التوفيق في التعامل مع ملفات الإصلاح الكنسي.
لمن لا يعلم، فنيافة الأنبا أغاثون، أسقف مغاغة والعدوة، هو بالأصل من أسيوط، ساحل سليم. وربما لهذا السبب تم اختيارهم لهذه الواقعة مع أنّ أحداثها في محافظة المنيا.
تناولت الصفحة بيان حديث صدر منذ بضعة أيام عن المتحدث الإعلامي لمطرانية مغاغة والعدوة، (هو لم يوقّع باسمه، لكن في العادة هو أستاذ بيتر إلهامي، الشماس الإعلامي للأنبا أغاثون) واعتبرت بيان المطرانية عملية “تشهير” متعمدة للإضرار بسمعة أنثى، خاصة إن البيان تعمد ذكر الاسمين العلماني واسم التكريس، واسم الأب بالكامل والعنوان والرقم القومي. هذا كله بخلاف المفردات التحقيرية المستخدمة، وسوف أسلط بعض الضوء عليها. الصفحة عتمت على البيانات الشخصية للفتاة، كسلوك محترم (ومهني) ولهذا السبب سنعيد النشر من خلال نسختهم المعمّاة وليس من خلال الانتهاك والسلوك اللا أخلاقي للبيان المنسوب للمطرانية والمنشور على صفحتها.
يعني إيه تكريس؟
التكريس هو ابتكار حديث نسبيًا وليس له تأسيس كنسي. الأصل في بيوت التكريس أنها حركات عَلمانية فردانية تعتمد أخلاقيا على “نذر النفس للرب”، ويمكنك اعتبارها نوعًا من الرهبنة داخل العالم، مع التعهد الضميري بأن تكون في خدمة الكنيسة ولست حرًا في قراراتك الشخصيّة.
التكريس في عالم الرجال له رموز كبيرة وناجحة في الدراسات. مثلا الأب متى المسكين كان له دور ضخم فيمَا يُعرف باسم بيت التكريس بحلوان في الستينيات والسبعينيات، لكن في عالم النساء فهو حقير جدًا وﻻ يتعدى “استخدام المرأة” في أعمال منزلية بدون مقابل تقريبًا (شغالات منخفضة الكلفة).
أنظر للبيان الصادر عن مطرانية مغاغة والعدوة، وستجد أنه ﻻ يتعامل مع “إنسانه” تقريبًا وإنما شيء، أو طرد، أو سلعة، خصوصًا في مفردات الاستلام والتسليم كما البضائع. فكل المكرسات هكذا.. الأمر أشبه بتطور الجواري وملك اليمين وحركات العبودية، لكن بأدوات دينية ومسحة قداسة حول مسألة “اﻹخلاص لله” في حين واقعيًا هذه البنات تم تعريضهن لمعسكرات “غسيل مخ” في مراحل مبكرة، وتم تدجينهن وعزلهن مجتمعيًا وأسريًا في معسكرات دينية تحت إشراف أساقفة طبعًا، صورة الله على الأرض!
القصة في تنشئتها التربوية تستلهم بشكل كبير نظام معسكرات المماليك في الدولة الأيوبيّة، فالمماليك في أصولهم هم مخطوفين بعيدًا عن أهاليهم وأسرهم وتم تربيتهم في معسكرات معزولة على شيئين: الدين والسلاح. الفرق هنا إنه مع انتشار الفقر ومن ثم ضعف المؤهلات والتعليم، وعدم وجود مستقبل لهؤلاء البنات في الزواج. سلمهن أهاليهن للكنيسة في معسكرات مغلقة ومعزولة على شيئين: الدين وشغل المنزل..!
الأمر يبدو للعقلاء أشبه بنوع متخفي من الاتجار في البشر، لكن بعد تثقيف البشر بثقافة العبيد فيصبح هو نفسه “عبدًا سعيد بعبوديته”. الفتيات الشغالات المكرسات ليس لهن نِقابة تراعي مصالحهن كعاملات، وﻻ أهل يسألون عليهن بعدما تُركن للكنيسة، وﻻ منظمات عمل وﻻ منظمات حقوقية تستطيع الوصول إليهن أو حتى التدخل لمساعدتهن ثقافيًا أو توعويًا وإﻻ سيحدث تصادم مع المؤسسة الكنسية كصاحبة مصلحة من الاتجار في النساء المستخدمات في الأعمال الدنيا كالتنظيف والطبخ والكنس والمسح وغسيل الملابس الداخلية للأساقفة.. و”ببلاش”، مقابل إنها تأكل وتشرب و”بس”!
هؤلاء النساء هن ضحايا “العطاء دون مقابل” عندما رخّصن من مجهودهن وقيمة عملهن فصار الجميع يتعامل معهن كـ”حق مكتسب”. وكما علّمونا أنّ الأسقف “متزوج الإيبارشية”، فالأسقف المتكبر المتعجرف “الدكر”، عادي كدا إنه -بدون سبب وبدون معيار وبدون رقيب عليه- يرجّع المكرسة لبيت أبوها “يستلمها” زي أي حد خد بضاعة ومعجبتوش وبيرجعها!
أكبر مصانع الشغالات المسيحية منخفضة الكلفة هي من إنتاج طما، محافظة سوهاج، المحافظة الأكثر فقرا في مصر، التي تُصدر بضاعتها من “المكرسات” الصيني منخفضة الكلفة والعقل لكل الجمهورية.
أتمنى، في عيد العمال، إن العاملات المحتقرات المكرسات، يحصلوا على بعض الاهتمام.
---
## بلوزة نص كم وبنطلون واسع
URL: https://tabcm.net/57002/
Type: post
Modified: 2026-07-28
قبل أسبوع، كنت في الإسكندرية، وقررت مع مجموعة بنات صديقات أن نتمشى على الكورنيش مثل مخلوقات الله، نستمتع بما تيسر من هواء. كانت معنا بنت ترتدي “بلوزة كت” وبنطلون واسع، وأخرى ترتدي فستانًا طويلًا نصف كم. كان لبسهن عاديًا جدًا، ولا يحمل أي شيء يستدعي لفت النظر، وكان مناسبًا للمكان والجو.
كانتا كلتاهما تمشيان أمامي، وفجأة وجدتُ سيدة ترتدي “جلابية سوداء” جالسة متربعة بجوار زوجها، الذي كان متربعًا هو الآخر على سور الكورنيش ويلعب في أصابع قدمه في أمان الله. فجأة، زغدته كأنها رأت شيطانًا، وبصوت واضح جدًا قالت له وهي تشير إلى البنات: إيه القرف ده؟ إيه الأشكال الضالة دي؟ مع تعبيرات وجه شديدة الشر والنفسنة. ثم فردت جذعها لتراهم جيدًا. وكان واضحًا لو الأمر بيديها، أو لا توجد عواقب، لكانت شدتهن من شعرهن.. كل ده حصل في ثواني..
تسمرت في مكاني لبرهة.. وبعدها قررت أن أنظر إليها بنفس نظرة الاحتقار؛ من فوق لتحت، وأتفحص ملابسها وشكلها كرسالة مبطنة معناها: “ما ترينه “قرف”، قد يرى غيرك شكلكِ مقرفًا أكثر ولا تستحقين الوجود في نفس المساحة”.. عندها انتبه زوجها وزغدها وقال لها: بس!. ارتبكت قليلًا وفهمت أن البنات “وراهم ناس”، لكنها كانت تحدق بي بنفس البجاحة. بعدها أدارت وجهها للناحية الأخرى، وأنا خبطت كفًا على كف، ومشيت.
بحكي المشهد ده كله ليه؟ عشان أقول إننا طول الوقت بنزعل من الناس اللي قفلت على نفسها 100 باب وباب..
فيلا جوه كومباوند جوه منطقة سكنية جديدة، جوه مساحة مختلفة.. بحر جوه منطقة ساحلية، جوه كومباوند تاني، متفرع منه كومباوند تالت، بكيو آر كود، وحق ملكية لمساحة في الأصل خلقها ربنا لكل الناس..
هل أنا مؤيدة ده؟
أبدًا..
أتمنى من كل قلبي تكون أي مساحة في مصر، مش بس الساحل الشمالي، تبقى فيها ناس مختلفة تمامًا شكلًا واجتماعيًا ودينيًا وفكريًا.. لكن كلهم متقبلين بعض.. من غير سلوكيات غوغائية وسرسرجية واستحقاقية متغلفة بأي غلاف ديني أو تقليدي أو عاداتي.. اللي تلبس بكيني حرة، واللي تلبس جلابية حرة..
هل ده بيحصل في أي حتة في مصر؟
الحقيقة لأ..
لأن في فئة فارضة أفكارها وعاداتها على الكل وعايزة الناس كلها تمشي على كيف كيفها زي الست والراجل اللي حكيت عنهم.. قاعدين مستربعين على سور كورنيش إسكندرية مفرشحين الأرجل وشايفين نفسهم محمود عبد العزيز في فيلم إبراهيم الأبيض.. محدش هيعدي من هنا إلا لو لابس زينا، وبيفكر زينا، إحنا الصح، وإحنا المتربيين الجدعان، وما دون ذلك: مناظر وأشكال تقرف..
هل دول حالة استثنائية؟
برضه لأ..
كل الشواطئ العامة والاقتصادية بقت مكان آمن لناس، وناس تانية متقدرش حتى تهوب ناحيتها..
تخيلوا بنت بشعرها لابسة مايوه قررت تروح شاطئ عام في إسكندرية أو جمصة أو بلطيم أو بورسعيد..
تخيلتوا المشهد؟
طيب هل ده مجتمع سوي؟
أكيد لأ.. لا ده مجتمع سوي ولا دي عيشة..
لكن لحد ما يبقى عند الدولة مشروع ثقافي وإنساني حقيقي، يبدأ من القضاء على السلوكيات دي، أو تحجيمها، وعلى رأسها التحرش، مرورًا بكل أشكال المضايقة والتطفل.. والقضاء على أي خطاب يحقر من أي إنسان مختلف أو يشوف الأفضلية عنده لمجرد أنه أو إنها لابس/ة لبس معين لسبب ديني أو اجتماعي.. مشروع يفهم المواطن/ة اللي جاي من قرية أنه مش عايش لوحده، بالتالي أخلاق القرية مش هي أخلاق الكون، وأنه مجبر يطاطي ويبعد نظره عن أي واحدة لبسها مش عاجبه لأنها ببساطة حرة زي ما هو حر..
مشروع ثقافي حقيقي، وفي نفس الوقت يفهم المواطن اللي ساكن في ڤيلا جوه كومباوند، خريج مدرسة بمليون جنيه؛ أن معندوش أي أفضلية إنسانية تخليه يبص لغيره باستحقار أو تعالي.. وأن الظروف القدرية بس هي اللي خلت واحد يتولد في مكان فيه كل حاجة مرتبة ومتوفرة، وواحد تاني يتولد في مكان مقفول عليه بالضبة والمفتاح ومعهوش حتى تمن أكل يومه..
لحد ما ده يحصل..
للأسف مفيش حل غير كل واحد يلزم طبقته والدواير اللي شبهه..
ونبطل كل سنة حكاية الناس الأشرار اللي راحوا الساحل والناس الطيبين اللي في الشواطئ العامة..
لأنهم ببساطة مش طيبين ولا حاجة..
وإذا أتيحت لبعضهم الفرصة يقابلوا الناس اللي بيكرهوهم من طبقات وأفكار تانية هيمارسوا عليهم نفس السلوكيات المهينة والاستحقاقية..
ومضطرين نعترف إن كلنا صنعنا دواير جوه دواير..
ومتصدقوش الناس والإعلاميين اللي بتتكلم ليل نهار عن حق الفقير في دخول أي مكان وهي أول ناس بتحمي أولادها بالتعليم غير الحكومي، وأول ناس لو شافوا شخص يبدو عليه الفقر أو الجوع مستحيل يدخلوه دوايرهم ويمكن يحتقروه ويهينوه كمان..
أقول قولي هذا، وأنا متأكدة إذا قررت أروح الساحل أو أدخل أي دايرة مش شبهي ممكن جدًا اترفض، أو اتطرد أو يتمارس ضدي إقصاء زي ناس كتير غيري.. لكن أنا متصالحة مع نفسي ومع قناعاتي وسلوكي الناتجة عن ظروف المجتمع، ومعنديش استعداد أكذب على نفسي وأقول لا يمكن استبعد ناس معينة من محيطي وكلنا واحد.. متصالحة مع ده فبروح أماكن تشبهني وتشبه طبقتي.. ويؤسفني أسف شديد أقول إني قبل ما اختار أي مكان فيه بحر ببقى متأكدة مليون في المية عدم سماحه ببعض الأشياء اللي بتتصادم مع قناعتي عن البحر..
يعني آه.. أنا كمان بشكل أو بآخر بمارس طبقية تجاه طبقات تانية..
محدش هيعترف بده..
لأن أسهل حاجة نقول البحر للجميع وكل الناس من حقها تدخل أي مكان..
كلام جميل وطيب وبيأكل عيش..
لكن محدش بيتكلم عن الضمانة اللي تخلي الناس تحترم اختلاف بعض في اللبس والشكل ونمط الحياة..
ولحد ما الضمانة دي تبقى موجودة..
للأسف هنفضل نقفل على نفسنا دواير تشبهنا، لئلا نتحول في يوم من الأيام للست الحيزبونة اللي شايفة واحدة لابسة “بلوزة كت”: منظر يقرف.
---
## معضلة الكنيسة مع الأب متى المسكين [٣]
URL: https://tabcm.net/56666/
Type: post
Modified: 2026-07-28
قبل البدء في قراءة هذا المقال أود أن أؤكد أن الهدف ليس الدفاع عن شخص ولا اتهام آخر، ولا التحيز لأب دون الآخر، ولا نزع القداسة عن أي شخص ولكن لا ننسي ولا ننكر إنسانيتهم الضعيفة. فإيماني الشخصي أن كل هؤلاء الآباء خدموا الكنيسة، كل بحسب قناعاته وإمكاناته.
ولكن الهدف أن تستفيد الكنيسة كمؤسسة ونستفيد نحن كأعضاء فيها من الماضي لحاضرنا ومستقبلنا. تستفيد الكنيسة من كل إنتاج وخدمات أبنائها ولا نصنع محاكم تفتيش تحرق الكتب ومن كتبوها الأحياء منهم والأموات. وفي حالة الخطأ (و هو وارد دائمًا) توجد طريقة أخلاقية وروحية وقانونية لتصحيح الخطأ.
عندما عجز قضاة محاكم التفتيش الخروج من معضلة لماذا لم يحاكم الأب متى المسكين مجمعيًا ويدان لو كان هرطوقيًا، وفي نفس الوقت وبرغم عدم إدانته كهرطوقي فإنه لم يسلم من الإتهامات والتشكيك ومصادرة كتبه. ولكن بسبب هذا التناقض في المواقف وعدم الاحتكام إلى القانون الكنسي، أدى هذا إلى انتشار فكر أبونا متى بل والاتجاه الآبائي بشكل عام.
كيف يواجه أحفاد حنان وقيافا هذه المشكلة؟
لجأوا لأسلوب غير أخلاقي في تشويه السمعة (مش عايز أقول أسلوب منحط علشان مغلطش)… دا كان عامل مشاكل مع ٣ بطاركة.. دا مش مطيع.. ذاته عالية.. دا كان متكبر arrogant.. ال Ego بتاعته عالية… دا مش مسكين ولا حاجة… الخ.
مشكلة مع البابا يوساب
لما تسأل أي واحد من قضاة الظلمة: ما مشكلة أبونا متى مع البابا يوساب؟
تلاقيه مش عارف يرد ومش عارف يقول حاجة..
أنا أقول لك يا سيدي…
عين البابا يوساب أبونا متى وكيل البطريرك في الإسكندرية سنة ١٩٥٤ وهو عنده ٣٤ سنة تقريبًا، فقام أبونا متى كراجل نشيط ومتعلم ومثقف ومنظم وعنده رؤية عمل مرتبات للكهنة وحصر للممتلكات والأوقاف وحل مشاكل الشعب في الإسكندرية.
هل الكهنة اللي في الإسكندرية فرحوا؟ على الاقل بقي عندهم مرتبات تجنبهم مد إيديهم للناس؟
-لأ طبعا مفرحوش ولا حاجة، هو أنت ساذج يا ابني؟
دول راحوا اشتكوه للبابا.
البابا يوساب طبعا فاهم إنهم اشتكوه بسبب الغيرة وعدم الرغبة في التغيير والتطوير. فاستدعاه البابا من الإسكندرية وأنهى وكالته للبطريركية.
مين اللي زعل؟
أيوك برافو عليك..
الشعب.. الشعب زعل أنه فقد أب و اعي بيفهم.
فكلموا البابا فرجعه الإسكندرية تاني.
مين مش طايقه ولازم يتخلصوا منه؟
برافو عليك.. ابتديت تفهمني
(الآباء) الكهنة في الإسكندرية .
فالبابا يوساب استدعاه تاني، فالشعب حب يرجعه تاني… والبابا كان هيرجعه، لكن أبونا متى كإنسان يحترم نفسه رفض يرجع الإسكندرية.
طيب أنت كإنسان عنده عقل، هل ترى ده خلاف مع البابا يوساب؟ هل فيه تهمة؟ هل فيه مجلس إكليريكي؟ هل فيه عقوبة؟
هسيب لك الإجابة والتقييم.
طبعا مش عايز أقول لك إن اللي شايفين إن أبونا متى المسكين (الوحش) اختلف مع البابا يوساب علشان أنه رفض يرجع الإسكندرية تاني مرة، بيتعموا تمامًا عن المقالات اللي كتبها الشاب نظير جيد الثائر في مجلة مدارس الأحد، مهاجمًا الفساد في الدار البطريركية، لدرجة أنه قاد مظاهرات ضد الفساد في إدارة البابا يوساب.
مشكلة مع البابا كيرلس السادس
كثيرين لا يعرفون أن أبونا متى كان تلميذ لأبونا مينا المتوحد (البابا كيرلس) أيام الطاحونة. وكان أبونا مينا المتوحد عايز يرهبنه معاه في الطاحونة، لكن أبونا متى المسكين كان عايز يترهبن في دير ودير فقير علشان يعيش حياة الرهبنة الحقيقية، فاترهبن في دير الأنبا صموئيل المعترف سنة ١٩٤٨ وهو عنده ٢٩ سنة، وأعاد تعميره وإصلاحه على قد ما قدر، لكن الدير لم يكن يملك أبسط مقومات الحياة من أكل ومياه نظيفة أو علاج، ولذلك مرض أبونا متى ولم يكن هناك علاج، فترك دير الأنبا صموئيل وذهب لدير السريان.
وهناك اشتهر أبونا متى كأول راهب جامعي، وأصدر باكورة أعماله كتاب حياة الصلاة سنة ١٩٥٢ وهو عنده ٣٣ سنة، إصدار دير السريان، وهو في أغلبه ترجمة كتابات وأقوال الآباء، وذاع صيته ليس على مستوى الدير فقط بل على مستوى الكنيسة كلها برغم صغر سنه. وهذا لم يعجب كبار الدير، فإذا كان الرسل تشاجروا على من يكون الأول بينهم، فلا تتعجب يا صديقي أن يضطهده رئيس الدير والربيتة، وهنا لا نتهمهم بالشر ولا ننزع عنهم قداستهم في المسيح، لكن لا ننزع عنهم إنسانيتهم وضعفهم أيضًا.
مما اضطر أبونا متى المسكين وتلاميذه إلى ترك دير السريان والانتقال إلى دير الأنبا صموئيل تاني.
تخيل مين راح مع أبونا متى يا مؤمن؟
حوالي ١٢ راهب منهم أبونا أنطونيوس السرياني.
اللي هو مين بقي؟
أيوة هو البابا شنودة لاحقا.
واحد يقول طيب هل ينفع أبونا متى يكسر الطاعة الرهبانية ويترك الدير؟
هل تعلم يا صديقي أن أبونا مينا المتوحد ترك دير البرموس لأن الدير قرر طرد بعض الرهبان ليلة عيد القيامة، وذهب إلى مصر القديمة ثم إلى الطاحونة ولم يعد إلى البراموس أبدا؟
أنا عايزك بس يكون عندك مساواة في المعايير، يا إما كله صح يا إما كله غلط. لكن أنت للأسف بتشوف اللي عمله أبونا مينا المتوحد حلو واللي عمله أبونا متى المسكين وحش مع أنه نفس الفعل، عايزين شوية اتساق مع النفس فقط، مش أكتر من كده.
ولكن لصعوبة العيشة في الأنبا صموئيل، تركهم أبونا أنطونيوس السرياني ورجع السريان تاني.
في عام ١٩٦٠ كان المجمع المقدس أصدر قرار بعودة جميع الرهبان الذين يعيشون ويخدمون في العالم إلى أديرتهم خوفا على خلاصهم.
هنا عاد أبونا متى المسكين وتلاميذه فجر سبت لعازر سنة ١٩٦٠ إلى ديره الأصلي السريان، ولكن للأسف تجددت المشاكل مع رئيس الدي ، الأنبا ثاوفيلوس.
ولذلك تركوا الدير للمرة الثانية وتوجهوا إلى بيت التكريس في حلوان، اللي أسسه أبونا متى المسكين للتكريس البتولي للعلمانيين لخدمة الكرازة، ليكون اتجاه موازي للرهبنة التعبدية في الاديرة وذلك في انتظار أوامر البابا كيرلس.
وطلب أبونا متى المسكين والرهبان الذين معه إيجاد حل لمشكلتهم مع رئاسة دير السريان، ولكن البابا كيرلس قال لهم خليكم في بيت التكريس لحد لما ألاقي لكم حل.
بعد كده المجمع المقدس حرم وجرد كل الرهبان اللي مرجعوش أديرتهم، قرار عام بدون تسميات، لأنه يشمل رهبان كثيرين من أديرة مختلفة فقرر أبونا متى الرحيل مع تلاميذه إلى وادي الريان، واللي ميعرفش وادي الريان، هي منطقة صحراوية جنوب الفيوم، كان بها حياة رهبانية قديمة واندثرت، يعني تقدر تقول توحد تام في مغاير في الصحراء، كان عندهم عين مياه كلها أملاح وكان بعض الناس بيبعتوا لهم أكل كل كام شهر، يعني مكانوش عايشين في العالم، ولا بيخدموا في العالم، ولا مختلطين بالعلمانيين اللي هو أساس المشكلة اللي خلت المجمع المقدس يطلب عودة الرهبان لأديرتهم.
ولكن لوجود خلافات ومشاكل وعدم وفاق بين رئيس دير السريان الأنبا ثاوفيلوس وأبونا متى، فقد نشر إعلان مدفوع في جريدة الأهرام أنه تم حرمان وتجريد الأب القمص متى المسكين والرهبان الذين معه وكانوا ٩ أو ١٠ ذكرهم بالاسم، مع أن قرار المجمع المقدس كان عام ولم يذكر أحدا باسمه.
يعني الحرمان لأسباب إدارية مش لاهوتية ولا أخطاء في التعليم ولا حاجة.
الغريب الذي يدعو للتساؤل، أن أبونا عبد المسيح المناهري كان أيضا راهب مقاري، وكان يعيش في قرية المناهرة، ولم يتم تطبيق القرار عليه، ولم يتم وقفه أو تجريده أو حتى عقابه.
الشيء المدهش أن أبونا متى والرهبان الذين معهم كانوا جماعة رهبانية أعترف بها بعض أساقفة الكنيسة مثل الأنبا بنيامين أسقف المنوفية المتنيح، الذي كان يرسم بنفسه الرهبان الجدد، فكيف يرسم رهبان ويضمهم لجماعة محرومة؟
الشيء الأكثر دهشة، أن قداسة البابا كيرلس طلب منه سنة ١٩٦٦ ثلاثة رهبان يعمروا دير الأنبا صموئيل المعترف، فتم ذلك . فكيف يطلب البابا من أبونا متى المحروم ٣ رهبان محرومين يعمروا دير؟
حاجة تاني تدعو للتعجب، أن البابا كيرلس عندما دعاة سنة ١٩٦٩ ليحل المشكلة، كان يخاطبه بـ(أبونا متى)، فكيف يخاطب شخص محروم ومجرد من الكهنوت بصفته الكهنوتية.
الغريب بقي أن اللي بينتقد أبونا متى على موقفه مع البابا كيرلس، بيصيبه العمى عن التوتر الشديد بين البابا كيرلس والأنبا شنودة أسقف التعليم وتلاميذه اللذين هاجموا البابا كيرلس وعملوا مظاهرات ضده، بل وأهانوه، مما اضطر البابا كيرلس إلى إعادة الأنبا شنودة إلى الدير ومنعه من التدريس في الإكليريكية وممارسة الشعائر الدينية.
أما علاقة البابا شنودة مع أبونا متى المسكين نخليها المقال القادم.
---
## معضلة الكنيسة مع الأب متى المسكين [٢]
URL: https://tabcm.net/56467/
Type: post
Modified: 2026-07-28
معالجة أو مواجهة الأخطاء (المحتملة) للأب متى المسكين بحسب قوانين و تقاليد الكنيسة.
يقول الكتاب المقدس: من الآكل خرج أُكلا ومن الجافي خرجت حلاوة. وهذا ما يشهد به التاريخ مع الكنيسة، فبسبب هجوم بعض الدعاة المسلمين الذين يهاجمون المسيحية و عقائدها، ظهر تيار اللاهوت الدفاعي، الذي استفادت منه الكنيسة كلها.
وهذا أيضا ما حدث مع الكنيسة بسبب الهرطقات والهراطقة على مدى التاريخ، التي أدت إلى ظهور الدفاعيات الأولى والمجامع وصياغة إيمان الكنيسة. لذلك كنت أتمنى أن يكون الخلاف اللفظي حول بعض المصطلحات التي ذكرها أبونا متى المسكين في كتبه، أداة لتثبيت إيمان الكنيسة وتوحيد المصطلحات وفهمها، وليس للخلاف والانقسامات والاتهامات المتبادلة.
كنت أتمنى تجنب سوء فهم المصطلحات اللاهوتية.
كنت أتمنى أن تكون الاختلافات فرصة للمناقشة والدراسة وليس للاتهامات (غير المحقق فيها وغير المحسومة).
كنت أتمنى تنفيذ قانون الكنيسة في الاختلاف مع أبونا متى والتعامل مع الأخطاء المحتملة له. وتجنب أي ظلم له أو لأولاده حتى لو كان بنية صالحة.
كنت أتمنى انطلاق موجة دراسات لاهوتية ولغوية وآبائية وكتابية تعيد كنيسة الإسكندرية لموقعها اللاهوتي المتميز بين كنائس العالم، خاصة مع التحديات اللاهوتية والفلسفية والعلمية والاقتصادية والعسكرية التي شهدها العالم كله في القرن العشرين، وتصاعد موجات من الإلحاد والانحلال الأخلاقي. مثل الكنيسة الروسية التي تفاعلت مع هذه الأحداث والأفكار من خلال مدارسها اللاهوتية الفلسفية في المنفى في مواجهة الشيوعية والإلحاد، وتفاعلت الكنيسة الكاثوليكية مع ذلك من خلال مجمع الفاتيكان الثاني.
كنت أتمنى أن تستفيد الكنيسة القبطية من أولادها وشبابها المتعلمين والدارسين في أرقي الجامعات اللاهوتية في اليونان وأوروبا وألا تستبعدهم وتجهض أفكارهم ودراساتهم.
كنت أتمنى أن تستفيد الكنيسة من هذه الكوادر الدارسة والمتعلمة في تطوير والاعتراف بكلياتنا الإكليريكية وشهاداتها، لتكون أهلًا لخلافة مدرسة الإسكندرية اللاهوتية العريقة.
يؤسفني جدا أن تكون دراسات وشهادات ودرجات كلياتنا الإكليريكية غير معترف بها في أي كلية أجنبية أو مجتمع علمي.
سنأخذ لفظة “التأله” مثالا لهذه الخلافات.
كنت أتمنى أن يتم استدعاء أبونا متى وسؤاله بشكل مباشر:
– يا أبونا متى أنت اتكلمت عن (التأله) في كتاباتك، فهل تقصد أن الإنسان يصير غير محدود ويملأ السماء والأرض ونسجد له ونقدم له العبادة؟
+ لأ طبعا يا سيدنا، أنا لا أقصد هذا مطلقًا، ولم أكتب هذا مطلقًا في كتبي، أنا أقصد أننا نتحد بالله ويعطينا من حياته ومن بره ومن قداسته وذلك كنتيجة لتجسد المسيح واتحاده بجسدنا، ونتيجة لسكنى الروح القدس فينا بالمعمودية ولاتحادنا بالمسيح في الإفخارستيا، لنحيا حياة البر والتقوى والقداسة. ولا أقصد مطلقًا أن نكون آلهة بالجوهر، أو بشكل خارج المسيح أو منفصلين عنه، أو تقدم لنا العبادة.
– تمام يا أبونا هذا ما ظننته تمامًا فأنا أعرفك جيدا، وهذا تمامًا ما كتبته أنا في كتابي انطلاق الروح وكتاب حياة التوبة والنقاوة وغيرها. ربنا يقويك يا أبونا أذكرنى في صلاتك.
+ العفو يا سيدنا، صلاة العذراء والقديسين، حاللني يا سيدنا.
– يا ريت يا أبونا تساعدني في التدريس في الإكليريكية.
+ حاللني يا سيدنا، أنا لسه بتعلم، ولا أستطيع أن أترك ديري.
– طيب على الأقل يا أبونا رشح لي بعض ولادك الدارسين ينقلوا لنا خبرتهم الأكاديمية، عايزين نرجع الكلية الإكليريكية لسابق عهدها أيام أثناسيوس وكيرلس وأوريجانوس وديديموس وإكلمندس السكندري. كمان احنا بدأنا الحوار اللاهوتي مع الكاثوليك والأرثوذكس الخلقيدونيين، عايزين نعد المحاورين بتوعنا أكاديميًا وعلميًا ومن ناحية اللغة اليونانية والعبرية والفلسفة… الخ ، فإيماننا المستقيم النقي يجب أن يتم التعبير عنه بلغة سليمة ومنهج أكاديمي صحيح.
+ حاضر يا سيدنا ، صلواتك ليا ولأولادك.
أما بقي لو أبونا متى قال: أيوة طبعا أنا أقصد بالتأله أصير مثل الله عارفًا الخير والشر وأملا الكون كله والناس تعبدني.
طبعا كان ممكن يودوه العباسية على طول وهي مش بعيدة…
ولكن كنت أتمنى أيضًا بدل ما يودوه العباسية، أنه يتم استدعاء كل الدارسين في الكنيسة القبطية المجيدة، وكانوا كتيير جدًا الأنبا غريغوريوس، الأنبا أثناسيوس مطران بني سويف، الأنبا يؤنس أسقف الغربية وغيرهم من الكهنة بل والعلمانيين الدارسين.
ويقول لهم يا آباء: لاحظت وجود فكر خاطئ بشأن مفهوم واستخدام لفظ (التأله).
أرجو منكم إعداد مرجع ضخم عن هذه اللفظة: المعني اللغوي اليوناني، الأصل الكتابي للكلمة في العهد القديم والجديد، المفهوم والأصل الفلسفي للكلمة عند الفلاسفة اليونانيين، الآباء الذين استخدموا هذه الكلمة وكل النصوص الآبائية التي ذكرت الكلمة، ومفهوم الآباء عن الكلمة واستخدامها.
أمامكم يا أبائى ٦ شهور، أرجو تقسيم العمل بينكم والبدء فورًا ﻷن العمل ضخم جدًا.
بعد ٦ شهور..
تم إعداد مرجع كامل لا يقل عن ألف إلى ألف وخمسمية صفحة يتحدث عن التأله.
يتم استدعاء أبونا متى
يا أبونا كنا اتكلمنا من ٦ شهور تقريبًا عن مفهوم كلمة التأله عند قدسك، المجلد الضخم ده أعده بعض من أحبار وآباء الكنيسة القبطية الأرثوذكسية عن هذه اللفظة. أرجو قدسك تقرأ المجلد وتظبط مفهومك على مفهوم الكتاب المقدس والآباء والكنيسة كلها.
أنا عارف أن قدسك بتقرأ كتير وبسرعة.
وبعد شهر من دلوقتي إن شاء الرب وعشنا أرجو إن الآباء وضعفي يتكلموا مع قدسك تاني.
بعد شهر..
أبونا متى: حاللوني يا آبائي، أشكركم على تعبكم ومجهودكم، فعلًا أنا كنت غلطان، كتابكم وكلامكم صحح لي مفاهيمي، ها ميطانية حاللوني وسامحوني.
– ماشي يا أبونا متى نشكر ربنا أنه حفظ سلام ووحدة الكنيسة، بس يا ريت تخلي بالك بعد كده في الألفاظ والمصطلحات والمفاهيم اللاهوتية الخاصة بهم. ويا ريت قدسك تصحح المفهوم الخاطئ في الطبعات الجديدة لكتبك، وإصدار كتاب مخصوص لابنائك يوضح المفهوم الصحيح الأرثوذكسي لهذه الكلمة.
أما لو رفض الأب متى المسكين كتاب وتفسير الآباء وأصر على ذلك.
كنت أتوقع أن يُقال: للأسف يا آباء… أمام هذا الرفض للمفهوم الصحيح لكلمة التأله وإصراره أنه يكون إله بالجوهر ويعبد من دون الله، فأنا مضطر لدعوة المجمع المقدس للاجتماع في جلسة طارئة خلال شهر واستدعاء أبونا متى بشكل رسمي وقانوني للمحاكمة، بسبب مسؤوليتي عن إيمان الكنيسة، وليس كراهية له، وستكون جلسات علنية ومسجلة على غرار مجامعنا المسكونية المقدسة، كما سأدعو إخوتنا في الكنائس الأرثوذكسية اللاخلقدونية الشقيقة المتحدة معنا في الإيمان ليكونوا شهودًا وربما يستطيعون أن يقنعوا الأب متى بإيمان الكنيسة الواحدة.
لنصلي ونصوم هذا الشهر حتى انعقاد المجمع لعل الله ينظر ويتحنن ويحفظ سلام ووحدة الكنيسة ويحفظ نفس أخينا القمص متى المسكين من الهلاك.
بعد شهر
انعقاد طارئ وعلني للمجمع المقدس للكنيسة القبطية الأرثوذكسية لمحاكمة الأب القمص متى المسكين بوجوده وحضوره بعد استدعاءه رسميا.
في المجمع وبعد صلوات كثيرة وانسحاق أمام الله يعود القمص متى المسكين للصواب ويعترف بخطأه، فيظل في شركة الكنيسة بنعمة الله مع عقوبة أبوية تاديبية.
أما إذا أصر الأب متى المسكين على موقفه فيتم قطعه من شركة الكنيسة مع تسجيل كامل لجلسات المحاكمة وأقوال الآباء وإصرار الأب متى المسكين على موقفه الخاطئ.
مع ذكر القوانين الكنسية التي تؤكد على هذا القرار. مع تأكيد المجمع أن هذه العقوبة ستنتهي فورًا عندما يصلح أبونا متى فكره، فالكنيسة لا تعاقب أحدا للانتقام منه، بل لقيادة نفسه والحفاظ على إيمان الكنيسة وإيمان البسطاء.
قد يرى البعض تصوري حالم وساذج وغير واقعي، وأنا في المقابل أسأل: ما الذي منع تنفيذ هذا التصور بهذه البساطة والمحبة والاهتمام حتى لو بنفس واحدة فقط من المؤمنين.
السؤال الثاني المهم: إذا كان السيناريو السابق لم يتم لأي سبب، ما المانع أن يتم الآن مناقشة أفكار أبونا متى المسكين في المجمع، بعد ٢٠ عامًا من نياحته وحوالى ١٥ عامًا من نياحة البابا شنودة، بنفس الأسلوب الأكاديمي والشفافية في العلن، لنحافظ على الكنيسة من الانقسامات وقطع الطريق على من يدّعون حماية الإيمان زورا. وليس انحيازا لشخص على حساب آخر.
---
## ما علمتني إياه العتمة
URL: https://tabcm.net/56959/
Type: post
Modified: 2026-07-27
من كتر ما قابلت الفترة اللي فاتت، وشوفت ناس كتير من صحابي مكتئبين، بس كل الفرق إن ماحدش عارف، ففكرت بجدية أكتب عن اﻻكتئاب بشكل دوري بعنوان “ما علمتني إياه العتمة” عشان أحكي فيه عن الاكتئاب واللي بيحصل فيه، وإزاي الإنسان يتعامل معاه.
أكتر حاجة فرقت معايا في اكتئابي كانت جملة من صديق لما قعدت اشتكيله إني مش قادرة أخرج، مش قادرة اشتغل، مش قادرة أقابل صحابي، والدكتورة عمالة تقولي لازم تنزلي. وإني مش حاسة بأي شغف أو معنى أو حتى هدف أسعى له.
قعد يسمعني ويهز رأسه اللي هو آه، عادي تحسي بكده، وده كان مهم، لأني كنت حاسة أن محدش فاهم، كله بيقولي نصايح مش قادرة أعملها، وبعدها قال: عادي أنا كمان مريت بده وقعدت شهور في البيت ولكن في يوم ما هتصحي فجأة وهتلاقي إنك قادرة وهتلاقي إنك عايزة تنزلي وأن الوقت ده عدي وعارف إنك استحالة تصدقي ده دلوقتي لكن عايزك بس تحطيه في عقلك وتفتكريه يوما ما هتصدقيه.
وقتها ماكنتش مصدقة خالص، بس دي كانت المرة الأولى اللي أحس أن اللي قدامي فاهمني وفاهم أنا بمر بإيه، وعاشه قبل كده وبقى كويس.
أنا دلوقتي بقيت مصدقاه، في النهاية بعد فترة صعبة في يوم صحيت بقيت عايزة أرجع أنزل، وأخرج، واشتغل، وأسافر -أشكرك يارب- وعلشان كده حبيت أبدأ بالمقدمة دي.
يوما ما؛ هتبقي كويس، وهترجع تضحك، وتخرج، وتنجح، وتقابل صحاب، وتسافر، صدقني الوقت ده هييجي، هون على نفسك… الاكتئاب بيحسسك إنك في حفرة عمرك ما هتطلع منها، خلاص حياتك انتهت، خلاص خسرت وبتخسر كل حاجة … ده مش حقيقي، صدقني مش حقيقي.
كلنا حسينا ده وكلنا عدينا وهنعدي من ده.
ناس كتير بتفكر إن الاكتئاب عكس الفرح، يعني الواحد لو عمل الحاجات اللي بيحبها هيبقي مبسوط والاكتئاب هيروح، وهييييه، الموضوع بسيط أهو.
مع احترامي جدا للفكرة بس الحقيقة الموضوع أعمق بكتير من كده. يعني المكتئب آه من ضمن الحاجات اللي بيعاني منها الحزن المستمر، لكن ده مش السبب، ده مجرد عرض، فأنت لما بتعمل أي حاجة تفرحه، أنت بس مجرد بتعالج عرض مش سبب… المحزن أكتر إن المكتئب لو مارس كل هواياته والحاجات اللي كان بيموت عليها ولا هيحس بأي حاجة! وده بيزود احساسه بالذنب واحساسه بالضياع.. وأنه خلاص عمره ماهيعرف يرجع تاني.
الاكتئاب جذر من جذوره هو فقدان المعني.
المكتئب بيفقد المعني في أي شيء، وكل شيء.
كل حاجة مالهاش طعم، مالهاش سبب.
هانزل ليه؟ هاشتغل ليه؟ هاحب ليه؟ هأقرب من الناس ليه؟
أسئلة كتير بتحاصره، وللأسف دايما إجابته بتكون: مافيش سبب يخليني أعمل كده، مافيش معنى لا لحياتي، ولا ليّ، ولا لشغلي، ولا لعلاقاتي، ولا لمحاولاتي… فبيبدأ ينعزل وينفصل تدريجيًا عن الواقع.
المكتئب بيفقد ألوانه، لون لون، وفجأة مش بيكون شايف غير الأسود، والأسود ده بيلون شخصيته وذكرياته، بل كل أحداثه، يعني أي حدث، مهما كان مبهج، هو شايفه بنضاره سودة قاتمة كلها سلبية وحزن وحسرة “غصب عنه”.
نضارة سودة وسماعة على ودانه، أنت عمال تقول له: حاول، أخرج، أنا بحبك، ماتسيبش نفسك.
هو سامعك: ضغط، تأنيب، وجع، مابقوش بيحبوني، ماحدش قادر يستحملني، ماحدش فاهمني، لو مت هيرتاحوا، لو مت الحياة هتمشي أنا تاعب اللي حواليّ، أنا عبء ….. متخيل الضلمة، متخيل الوجع اللي هو فيه! أنا مش ببالغ صدقوني، ده بالظبط اللي بيدور في مخ المكتئب.
فلو أنت مكتئب، أو لو تعرف حد مكتئب، حاول بس تدور على معنى، سبب للحياة، للمحاولة من جديد. سبب يخليه يسيب سريره ويرجع ينخرط تاني في العالم اللي هو من وجهة نظره بقي شايفه “موذي” فقط.
أنا بحاول أوضح جزء من معاناة مريض الاكتئاب، وبحاول أوضح لكم إن الموضوع مش أنه يعمل حاجة بيحبها ولا ينزل يصلي، دي كلها أفعال، الموضوع أعمق بكتير.
ولذلك، الموضوع بياخد وقت، وبيحتاج رحلة يمشيها، قد تطول لسنين على فكرة، ولكن اللي يخليك تفرح شوية يا صديقي المكتئب، إن جزء من خوفك إنك فقدت نفسك القديمة المبهجة النشيطة الناجحة ومش عارف ترجعها، لكن صدقني وعن تجربة لما بتمشي الرحلة دي بتطلع إنسان أفضل بكتير، انسان لقى نفسه بعد توهانه.
إنسان وصل لأعمق حته في داخله، وفي مخاوفه، وانتصر وقام، وعرف معني حياته، عرف أن الحياة تستحق، تستحق بجد تتعاش، بحلوها ومرها.
قلبي معاكم.
---
## المغالطات المنطقية
URL: https://tabcm.net/56749/
Type: post
Modified: 2026-07-26
مغالطة الشخصنة
دي بتحصل لَمّا بدل ما تناقش الفكرة أو الحُجَّة نفسها، تهاجم الشَّخص اللي قدّامك. يعني المناقشة تسيب الموضوع الأساسي وتتحوّل لهجوم شخصي على صفات خصمك أو ماضيه أو أي حاجة مالهاش دعوة بالموضوع المطروح. المُغالطة هنا إنك بتفترض: لو نجحت تُشوِّه صورة الشَّخص اللي بيناقشك، فكلامه خلاص يبقى غلط—وده طبعًا تفكير غير منطقي. الهدف عادةً بيكون تشتيت الانتباه عن القضيّة الأساسيّة وتحويل النقاش لهجوم شخصي.
مثال: واحد بيطالب بتحسين جودة التعليم في مصر، فطلع له حد بيرد: «بَطّل كلام فارغ! إنت بتقول كده عشان فشلت في حياتك ومش لاقي شُغل مُحترم!». هنا الردّ ما ناقَش فكرة التعليم خالص، إنما هاجم الشَّخص نفسه واتّهمه إنّه فاشل. ده نموذج للمُغالطة الشَّخصيّة: بدل ما نردّ على كلامه، أسهل حاجة نِشخْصِن الموضوع ونِشتمه وخلاص. المُغالطة دي منتشرة جدًّا—من مناظرات السياسيّين لحدّ خناقات الكومنتات على فيسبوك. وطبعًا الهجوم على شخص المتكلّم عُمره ما كان دليل إن كلامه غلط—ممكن خصمك يبقى شخص وحِش ومع ذلك عنده حُجّة صحيحة، والعكس صحيح.
مغالطة رجل القش
دي بتحصل لما تحرِّف كلام خصمك أو تبالغ فيه لحد ما تخليه صورة كاريكاتيرية سهلة للهجوم. بدل ما ترد على الحجة الحقيقيّة اللي قالها، تخلق نسخة مُشوهة منها، نسخة أضعف وأسهل بكتير إنّك تضحك عليها وتفنّدها. سَمّوها «رَجُل القَشّ» لإن كأنك بتصنع دُمية من قشّ وتضرب فيها بدل ما تواجه الخصم الحقيقي. انتصارك هنا وهمي: أنت مغلبتش خصمك الحقيقي، أنت غلبت نسخة مُحرّفة أنت اللي ألّفتها.
مثال: أحمد قال لصحابه: «يا جماعة لازم نقلّل من أكلنا للسُّكّر عشان صحّتنا». ردّ عليه صاحبه محمود بسخرية: «آه طبعًا يا أحمد، أنت عايزنا نعيش على الخسّ والجزر ونبطل أي حاجة حلوة في حياتنا! طب ما نقفل بُقّنا خالص!». محمود هنا عمل نسخة مبالغ فيها من كلام أحمد (أحمد مقلش نبطل الحلويّات تمامًا) وبعدين بدأ يهاجم النسخة السخيفة دي ويتهكّم عليها. المُغالطة واضحة: محمود بيهاجم «رَجُل قَشّ» صنَعه بنفسه بدل ما يناقش كلام أحمد الحقيقي. ودي طريقة غير نزيهة في الجِدال، لأنها بتدي انطباع إنّك هزمت خصمك، مع إنّك في الحقيقة هزمت حُجّة مبتورة إنت مؤلّفها.
مغالطة الرنجة الحمراء
المُغالطة دي معناها تحويل مسار النقاش لموضوع تاني خالص عشان تِشتّت انتباه الناس عن النقطة الأساسيّة. أصل الاسم “الرنجة الحمراء” جاي من تشبيه قديم: كانوا بيرموا سمكة رنجة ريحتها قوية وسط الطريق عشان كلاب الصيد تتوه وتسيب الأثر الأساسي. في النقاش، نفس اللي بيحصل: حد يرمي لك موضوع مُغري أو مهمّ شكليًا، لكن مالوش أي علاقة بالقضيّة الأصليّة. الهدف: إلهاء أو هروب من الردّ المباشر.
مثال: مذيع بيسأل سياسي: «إيه ردّك على الاتهامات الموجّهة ليك في قضيّة فساد الشركة الفُلانيّة؟» السياسي يتوتر ويرد بسرعة: «بص حضرتك، احنا لازم نتكلّم عن المشكلة الحقيقية: البطالة! الشباب العاطل بالملايين ومحتاج حلول…». البطالة مشكلة كبيرة فعلًا، لكن السؤال كان عن الفساد. السياسي هنا غيّر الموضوع تمامًا عشان يهرب من الإجابة. دي حركة كلاسيكيّة، وبنشوفها كل يوم في الحوارات لما حد يتحاصر ومش عارف يرد، فيقوم يرمي موضوع جانبي يشغل الناس.
مغالطة المنحدر الزلق
هنا الشخص ياخُد خطوة بسيطة حصلت أو اقتراح صغير، ويفترض إنّه هيسحب وراه سلسلة مصايب متتالية لحدّ ما نوصل لكارثة، من غير أي دليل إن التسلسل ده حتمي. كأنّك واقف فوق منحدر مبلول: خطوة صغيرة ⇐ انزلاق ⇐ تدحرج ⇐ نهايتك في الوادي. المنطق: «الحاجة الصغيرة دي مش هتقف لوحدها»—مع إنها غالبًا ممكن تقف.
مثال: سامي ابنه جاب درجة وحشة في امتحان واحد. سامي قال لمراته: «مش هنكبّر الموضوع، دي مادة واحدة مش نهاية العالم». ردّت مراته بذُعر: «إزاي مش نهاية العالم! النهاردة يسقط في امتحان، بكرة هيشيل المادة كلها، بعده مش هيدخل كلية عدلة، وفي الآخر يضيع مستقبله ويبقى فاشل طول عمره!». هي عملت سيناريو سوداوي طويل من مجرّد حدث صغير: سقوط في امتحان. النتيجة اتصوّرت كأنها كارثة محتومة. المنطق بيقول: ممكن يعوّض في اللي بعده، أو ينجح في حياته رغم أي تعثّر بسيط. بس الخيال السلبي ضخمها لمستقبل أسود. دي هي المغالطة: افتراض نتائج متتابعة مبالغ فيها من غير أي دليل.
مغالطة التعميم المُختصر
التعميم معناه إنك تاخد حالة أو حالتين وتطلّع منهم حُكم عام على الكلّ. العيّنة صغيرة أو استثنائيّة، لكن بتتعامل معاها كأنها قاعدة شاملة. المشكلة إن الدليل قليل وغير كافي.
مثال ١: خالد أكل بيتزا من مطعم جديد مرتين، وفي المرتين تعب في بطنه. فقال: «المطعم ده أكلُه وحش ومضرّ، وأي حدّ هاياكل منه هيحصله زيّي». هنا خالد عمّم من تجربتين بس. ممكن تكون صدفة، أو المعدة عنده حساسة، أو الأكل في يوم كان بايظ. التجربتين مش كفاية عشان نِحكم على المطعم كله.
مثال ٢: «جدّي كان بيدخن ٤ علب سجاير يوميًا وعاش ٩٠ سنة ⇐ يبقى التدخين مش ضار». لأ، دي حالة نادرة واستثنائيّة، مش قاعدة علميّة.
الخلاصة: مش كل حاجة نشوفها مرّتين أو تلاتة نِعمّمها. زي ما بيقولوا: «مش كل الطيور اللي بتطير بطّ».
مغالطة يا أبيض يا أسود
دي بتحصل لما النقاش يتقدم كأن فيه اختيارين اتنين بس: يا كده يا كده، مع إن الواقع غالبًا فيه حلول تانية أو درجات وسط. الهدف بيبقى إنك تضغط على الطرف التاني يختار واحد من الاتنين وتُلغي أي بدائل.
مثال ١ (اجتماعي): مها بتقول لصاحبتها: «إما تبقي معايا في قراري، وإمّا عمرك ما كنتي صحبتي أصلاً!». هنا مها حاصرة العلاقة في احتمالين متطرفين: يا ولاء كامل ١٠٠٪، يا عداء كامل. لكن الطبيعي إن فيه مساحة نختلف ونتناقش في الأمر ويفضل فيه صداقة.
مثال ٢ (سياسي): «إمّا تدعمني بالكامل يا تبقى ضد مصلحة بلدك». هنا برضه محاولة لتقديم الموضوع كخيارين بس، مع إن ممكن حد يحب البلد ومع ذلك يرفض سياسة معينة.
الخلاصة: الحياة مش أبيض وأسود، فيها ألوان ودرجات كتير. أي واحد يحاول يختصرها في «إمّا/أو» غالبًا بيقع في مغالطة.
مغالطة الاحتكام للأغلبية
المغالطة دي معناها إنك تعتبر الفكرة صحيحة لمجرّد إن ناس كتير مصدّقاها أو بتعملها. المنطق هنا: «بما إن الكل بيقول أو بيعمل كذا ⇐ يبقى هو الصح». لكن الحقيقة: الكثرة مش دليل على الصحّة. ملايين ممكن يغلطوا في نفس الوقت.
مثال ١ (طلاب): واحد بيبرّر الغِشّ في الامتحان: «ما كلّنا بنغِشّ! كلّ الدفعة بتعمل كده. أنت هتتفلسف وتبقى أحسن من الناس؟». هنا حجّته الوحيدة إن الأغلبية بتعمل كده ⇐ إذن الغِشّ طبيعي. وده طبعًا غلط.
مثال ٢ (إيمان/معتقدات): «ملايين حول العالم مؤمنين بالفكرة دي ⇐ مستحيل كلهم غلط». الردّ: ليه مستحيل؟ الكثرة ما تمنعش إنهم يكونوا غلطانين.
الخلاصة: الأفكار ما بتتحوّلش صح عشان عدد مؤمنينها كبير، لكن عشان فيه دليل ومنطق يدعموها وواقع ملموس نقدر نقيس بيه صحتها من عدمه.
مغالطة تضخيم النزاع
دي بتحصل لما حد يضخّم وجود أي خلاف ويحوّله لحجّة إن «مفيش حقيقة واضحة ولا معرفة مؤكَّدة». يعني بدل ما يركّز على مساحة الاتفاق الكبيرة، يسلّط الضوء على نقطة خلاف صغيرة ويكبرها لدرجة يبان كأن الموضوع كله متلخبط. الفكرة هنا إن الخلاف الطبيعي بين الناس أو بين الخبراء، اللي غالبًا بيكون في تفاصيل أو درجات أو أساليب—يتحوّل قدّامك إلى صورة كارثيّة: «طالما مختلفين ⇐ يبقى كله غلط».
المغالطة دي منتشرة جدًا على السوشيال ميديا. في نقاشات العلم، الدين، والسياسة، تلاقي حد يكتب كومنت من نوع: «العلماء نفسهم مش متفقين!»، أو «الشيوخ/الآباء نفسهم مختلفين!»، أو «السياسيين نفسهم بيتخانقوا!»… وكأن مجرد وجود تباين في الرأي دليل قاطع على أن الموضوع كله أوهام.
اللي بيستخدم المغالطة دي عنده كذا طريقة يهوّل بيها الخلاف: ممكن يساوي رأي الأقلية الصغيرة برأي الأغلبية الساحقة، أو يسيب الجوهر اللي الكل متفق عليه ويركّز على جزئية ثانوية ويضخّمها، أو يلعب على العناوين الدرامية زي «العلماء في حيرة»، أو حتى يختار بس الأمثلة اللي تخدمه ويتجاهل الصورة الكبيرة. وفي الآخر، يوصل بيك لفكرة إن الخلاف نفسه كافي علشان تنسف كل شيء.
مثال ١ (طب وصحة عامة): في أزمة لقاح الحصبة (MMR) في التسعينات، ظهرت دراسة واحدة (مزيفة) قالت إن اللقاح ممكن يسبّب التوحّد. الإعلام ضخّم القصة وعملها كأنها جدل علمي كبير بين الأطباء. النتيجة: ناس كتير بطّلت تطعّم أولادها وبدأت موجة خوف عالمي. الحقيقة إن معظم العلماء كانوا متفقين إن اللقاح آمن وضروري، والاختلاف الوحيد كان في التفاصيل الجانبية. تضخيم صوت أقلية صغيرة عمل وهم إن «الطب نفسه مش عارف».
مثال ٢ (إعلام وسياسة): في تغطية التغير المناخي، بعض القنوات جابت عالم مناخ قدام شخص بينكر الظاهرة تمامًا، وقدّمت الحوار كأنه نقاش متكافئ. المشاهد يفتكر إن العلماء منقسمين ٥٠/٥٠، مع إن الإجماع العلمي الساحق (أكتر من ٩٧٪) بيأكد إن الاحترار سببه البشر. تضخيم الخلاف البسيط في التوقعات (درجتين ولا تلاتة) قلب الصورة كلها وكأنه «مفيش حقيقة»
الخلاصة: مش كل خلاف = غياب الحقيقة. تضخيم النزاع لعبة ذكية بتستخدم للتشويش وزرع الشك، لكنها في الآخر مجرد مغالطة منطقية.
مغالطة الاحتكام للسلطة
دي بتحصل لَمّا الواحد يستخدم رأي أو كلام شخص مشهور أو صاحب سلطة كدليل قاطع إن كلامه صح، حتى لو الشخص ده مالوش أي خبرة في الموضوع. مفيش مشكلة إننا نسمع لخبراء حقيقيين في تخصّصاتهم، المشكلة إننا نعتبر أي كلمة من أي شخصية مرموقة = دليل بدون فحص.
في مدرسة فيثاغورس باليونان القديمة، التلاميذ كانوا بيختموا أي نقاش بعبارة: “ipse dixit” (يعني: هو قال كده). بمعنى: بدل ما يردوا بأدلة أو براهين رياضية، كانوا يكتفوا بإن “الأستاذ قالها” وكفاية. وده بيورّي قد إيه الاعتماد على السلطة وحدها بيوقف التفكير والنقاش، وبيخلّي الاسم أكبر من الحُجّة.
ما تديش قدسية للكلام لمجرد إن اللي قايله مشهور أو ليه لقب. حتى الخبير ممكن يغلط أو يتحيز.
مغالطة الاحتكام للمشاعر
المُغالطة دي بتحصل لما اللي قدامك بدل ما يقدّم دليل منطقي أو حُجّة عقلانية، يركّز إنه يضغط على مشاعرك: شفقة، خوف، غضب، حماس… إلخ. العاطفة ليها تأثيرها الطبيعي على قراراتنا وحياتنا، ممكن تدفعنا نتحرك أو نتعاطف أو نغضب. لكن تأثيرها ده شيء، وإنها تكون دليل على صحة فكرة ده شيء تاني مختلف تمامًا، ماينفعش تكون دليل بحد ذاتها. لو الفكرة مغلوطة منطقيًا، التهديد والخوف أو الدموع مش هيحوّلها إلى حقيقة.
أمثلة:
• مرور: ظابط يوقف سائق بيتكلم في الموبايل. بدل ما يعترف بغلطه، يتباكى: «حرام عليك يا باشا، ظروفي صعبة وماعنديش فلوس للمخالفة». هنا بيستعطف بدل ما يواجه نفسه والحقيقة.
• علاقات: «لو بتحبني لازم تعمل كذا». ابتزاز عاطفي، مش منطق.
صور المغالطة:
• مغالطة الشفقة (Appeal to Pity): يحاول يكسبك في صفّه باستجداء الشفقة عليه.
• مغالطة التخويف (Appeal to Fear): يرسملك سيناريوهات رعب وهمية عشان تستسلم لرأيه.
• مغالطة التملّق (Appeal to Flattery): يمدحك بشكل مبالغ فيه عشان توافقه.
• مغالطة الغضب (Appeal to Anger): يشعل غضبك على طرف ثالث بدل ما يناقشك بالمنطق.
• مغالطة الحماس أو الوطنية (Appeal to Enthusiasm/Patriotism): يحاول يركّبك موجة حماس أو انتماء وطني من غير ما يقدّم دليل.
الخلاصة: العاطفة ليها مكانها الطبيعي في حياتنا، لكن لما تُستخدم كبديل عن الدليل = دي مغالطة.
مغالطة «وأنت كمان»
اسمها اللاتيني “تو كواكوي”، ومعناها: «إنت بتنصحني بحاجة أنت نفسك ما بتعملهاش ⇐ فاسكت».
ودي نوع من الشخصنة: بدل ما ترد على النَّقد أو الحُجّة، تهاجم الشخص الناصح بأنه منافق.
ماجد شاف عمرو بيدخن وقال له: «يا عمرو التدخين مضر جدًا، حاول تبطّله».
عمرو رد: «طب ما أنت بتشرب شيشة كل يوم! أنت آخر واحد يتكلم عن الصحة».
هنا عمرو تجاهل نقطة إن التدخين مضر فعلًا، وهاجم ماجد شخصيًا. لكن الحقيقة: التدخين مضر سواء ماجد بيشرب شيشة ولا لأ.
مثال تاني: صحفي سأل مسؤول كبير: «ازاي تسمح لنفسك تسرق المال العام وتنهب موارد البلد؟»
المسؤول رد: «طب ما غيري كلهم فاسدين! ليه بتهاجموني أنا بس؟»
المسؤول هنا ما ردش على جوهر الاتهام، وحاول يخفف عن نفسه بتحميل الغلط على غيره.
بس الحقيقة: كونه في غيره فاسدين ما يغيّرش إنه هو كمان فاسد.
الخلاصة: إن الناصح منافق أو لا، أو إن في غيرك بيغلط زيك، ده ما يغيّرش في صحة الحُجّة.
الحاجة لو غلط ⇐ غلط حتى لو اللي بيقولها مش ملتزم بيها.
مغالطة السببية الوهمية
دي بتحصل لما نخلط بين إن حاجتين حصَلوا مع بعض أو ورا بعض، وبين إن واحدة لازم تكون سبب للتانية.
في المنطق والإحصاء دايمًا يقولوا: «الارتباط لا يعني السببية».
مجرّد إن A حصَل وبعديه B، مش شرط إن A سبّب B. ممكن يبقى عامل تالت، ترتيب آخر، أو اتّجاه عام.
مثال ١ (كورة): كريم كل ما يلبس فانلّة الأهلي الحمراء يوم الماتش الفريق يكسب. اليوم الوحيد اللي ما لبسهاش الأهلي خسر. كريم استنتج: «أنا السبب في الفوز، فانلّتي سرّ الحظ». ده طبعًا وهم. اللي بيكسب الفريق: لعبه وتدريبه، مش فانلة المُشجّع.
مثال ٢ (شغل): واحد يقول: «من ساعة ما المحل الجديد فتح في شارعنا وأنا حظي وحِش في الشغل ⇐ يبقى المحل فأل نحس». دي علاقة مُتخيّلة بين حاجتين مالهمش صلة.
الخلاصة: مش كل ترابط = سببيّة. لازم يكون فيه دليل مستقل يثبت إن A سبّبت B، مش بس إنهم حصلوا مع بعض.
مغالطة عبء الإثبات
المُغالطة دي معناها إن واحد يرمي عليك عبء الإثبات: يعني يعتبر كلامه صح طالما مفيش حد أثبت العكس.
الشكل بيبقى كده:
• «الشيء الفلاني حقيقي ⇐ لأن محدّش أثبت العكس».
• أو: «الشيء الفلاني غلط ⇐ لأن محدّش أثبت الصح».
المشكلة إن غياب الدليل مش دليل. العلم والمعرفة ساعات لسه ما وصلوش لمعلومة، أو ممكن حاجة تكون موجودة ومفيش دليل عليها دلوقتي. مش معناه إننا نثبت العكس.
مثال ١: «البيت ده مسكون بالعفاريت، والدليل إن محدش قدر يثبت العكس».
هنا بيعتبر عدم وجود دليل ضدّه = إثبات ليه. وده خطأ.
مثال ٢: «مفيش دليل إن العلاج ده مضر ⇐ يبقى آمن ١٠٠٪».
برضه خطأ، لأن غياب الدليل مش معناه أمان.
فـعبء الإثبات دايمًا على اللي ادّعى. لو قلت في شيء موجود، هات دليلك. مش من حقي أقول للناس: «أثبتولي إن كلامي غلط».
مغالطة الدائرة المفرغة
اسمها برضه: الاستدلال الدائري / Begging the Question. وبتحصل لما الحُجّة تعتمد على نفسها: يعني النتيجة اللي عايز تثبتها تكون متضمّنة في المقدّمات. تلف وتدور وترجع لنفس النقطة، من غير أي دليل مستقل.
مثال ١ (مدير):
المدير: «قراراتي دايمًا صح».
الموظف: «ليه؟».
المدير: «علشان عمري ما أخدت قرار غلط».
هنا المدير بيكرّر نفس الفكرة في صيغة مختلفة. مفيش أي دليل خارجي.
مثال ٢ (تسويق):
«المنتج ده رقم ١ في السوق لأنه الأفضل ⇐ وهو الأفضل عشان رقم ١».
ده استدلال دايرة مقفولة.
هتلر نفسه كان بيستخدم الحيلة دي: «لو كررت الكذبة بما فيه الكفاية، الناس هتصدقها ⇐ لأن الناس بتصدق أي حاجة تتكرر كفاية».
لو حسّيت اللي قدامك بيرجع لنفس الكلام بأشكال مختلفة من غير يقدّم جديد، يبقى بيحايلك بـ دائرة مُفرَغة. جرّب تسأله «ليه؟» أكتر من مرّة وهتلاقيه يلف حوالين نفسه.
مغالطة التكاليف الغارقة
هي إنك تكمّل في قرار فاشل أو خيار ضعيف لمجرد إنك دفعت فيه قبل كده وقت/فلوس/مجهود. بينما المنطق الصح: القرار لازم يتاخد بناءً على المنفعة والتكلفة من اللحظة دي وطالع، بغضّ النظر عن اللي ضاع.
ليه بنقع فيها؟
• نفور الخسارة: بنكره نعترف بالخسارة، فنؤجّل الاعتراف بمزيد من الخسارة!
• تصعيد الالتزام: لما نكون بدأنا حاجة، بنحس إن لازم نكمّل للآخر حتى لو بانت الخسارة، عشان ما يبانش إن مجهود البداية كان على الفاضي.
• تحيّز للملكية: أي حاجة تبقى بتاعتنا، بنشوفها أغلى وأحسن من حقيقتها، وعشان كده صعب نسبها.
• صورة الذات: بنخاف نكسر صورتنا قدّام نفسنا أو الناس، فبنزوّد خسارتنا عشان نثبت إننا “مكملين.”
إشارات تحذير (لو سمعتها.. قِف!):
• “حرام أسيب بعد كل اللي صرفته…”
• “نكمّل موسم كمان/شهر كمان يمكن تتعدل.”
• “مش هطلع خسران!”
• “مش منطقي أوقف دلوقتي بعد اللي ضاع.”
• “خلاص ما هو الطريق ده بقى قدري، أكمّل فيه.”
• “ضيّعت كتير، مافيش فايدة إني أوقف دلوقتي.”
• “مش عايز يتقال إني استسلمت.”
• “أكيد بعد التعب ده كله لازم يجيب نتيجة.”
• “لو وقفت دلوقتي يبقى كل اللي عملته راح على الفاضي.”
• “مش قادر أبدأ من الصفر من تاني.”
• “هستحمل شوية كمان… يمكن تتحسن.”
• “حرام أرمي الحاجة دي وأنا دافع فيها كذا.”
• “خلاص استثمرت فيها سنين/فلوس، ما ينفعش أسيبها.”
أمثلة سريعة ومؤثرة:
١. المسلسلات: سارة قضت ليالي طويلة قدام مسلسل مملّ. كل ما تزهق تقول: “حرام بعد ٣ مواسم أبطّل.” كملت موسم ورى التاني، ومع كل حلقة كانت بتحس إنها بتخسر وقتها أكتر.
٢. المشروع: أحمد دخل مشروع تجاري وخسر ١٠٠ ألف. بدل ما يقف، قال: “أغامر بخمسين كمان يمكن أعوّض.” النتيجة؟ غرق أكتر، والخسارة كبُرت.
٣. العلاقات: منى عايشة في علاقة كلها صراعات. كل ما تفكّر تسيب، صوت جواها يقول: “إزاي بعد خمس سنين؟!” فتكمل، والخمس سنين بيتحولوا لسبعة، والمشاكل بتتضاعف.
٤. التعليم/الكورسات: كريم سجّل في كورس مش مناسب له. كل محاضرة بيخرج متضايق، لكنه يقول: “مش هسيبه بعد ما دفعت.” ضيّع شهور، بدل ما يوقف ويبدأ في مجال فعلاً يليق بيه.
التكاليف الغارقة راحت ومش هترجع؛ سواء وقت، فلوس، أو مجهود. القرار الصح إنك تبني على اللي لسه في إيدك: تحافظ عليه وتستثمره بأفضل شكل يخدم حاضرك ويصنع مستقبلك.
مغالطة انتقائية الدليل
من أخطر الحيل اللي بتزوّر الحقيقة وتديك صورة وهمية: لَمّا الواحد ينتقي بس الأدلة اللي تخدمه ويتجاهل الباقي اللي ضده.
بيتقال عليها برضه: «مغالطة القنّاص» أو Texas Sharpshooter: واحد يضرب رصاص عشوائي على حيطة، وبعدها يرسم دايرة حوالين الطلقات اللي اتجمّعت بالصدفة ويقول: «بصوا دقّتي!».
مثال ١ (إعلانات): شركة تجميل تنشر إعلان عن كريم جديد. تجيب ٥ زبونات بيشكروا فيه، وتتجاهل ١٠٠٠ شكوى إن الكريم سبب حساسية. في الأخر يطلعوا يقولوا: «٩٠٪ من السيّدات أشادوا بالمنتج!». هنا تجاهلوا الداتا السلبية وانتقوا بس اللي يخدمهم.
مثال ٢ (نقاشات): واحد يناقشك ويجيب مثالين في صفّه، ويتغاضى عن ٢٠ مثال ضدّه. أو باحث يحذف نتائج التجارب اللي مش على مزاجه وينشر بس اللي توافق فرضيته.
فاسأل نفسك دايمًا: «هل شُفت الصورة كاملة ولا بس الجزء اللي على مزاجه؟». الانتقاء بيقدّم صورة ناقصة، ودي مغالطة واضحة.
مغالطة الاحتكام للتقاليد
المُغالطة دي معناها إنك تعتبر الشيء صح أو أفضل لمجرد إننا متعودين عليه من زمان أو لأنه تقليد متوارَث. المنطق بيبقى: «آباءنا وأجدادنا عملوا كده يبقى هو ده الصح». لكن الحقيقة: القديم مش هو الصحّ بالضرورة. فيه تقاليد كتير استمرّت قرون وطلعت غلط أو مش مناسبة للعصر.
مثال ١: «ختان البنات عادة قديمة… يبقى لازم نكمّل». المشهد: عيلة في الريف/الصعيد بتقول: «أمّهاتنا وجدودنا عملوا كده، والبلد كلها كده» فيقرّروا “الطهارة” للبنت.
فين المغالطة؟ ده احتكام للتقليد: القِدم اتقدّم كأنه دليل صحّة. مع إن القديم مش برهان. النهارده الطب بيعدّه أذى جسدي ونفسي، والقانون بيجرّمه، وفيه موقف صحي وديني واسع بيرفضه.
الأثر: ألم ومضاعفات، صدمات نفسية، قضايا، ووصمة اجتماعية… وكل ده لأننا سلّمنا إن «اللي اتورّثناه هو الصح».
البديل الصح: كرامة الجسد + التوعية + احترام القانون. بنقيس الفعل بنتايجه وفائدته دلوقتي—مش بعمره وقِدمه.
مثال ٢: «العصاية علّمتنا الأدب… يبقى لازم نربّي ولادنا كده»
المشهد: أب بيقول: «إحنا اتربّينا على الضرب وطلعنا ناس كويسة» فيستخدم الضرب كأداة تربية.
فين المغالطة؟ ده تعميم من تجربة قديمة، واحتكام لتقليد الأسرة. لازم نعترف إن تأثير العقاب الجسدي ممكن يختلف حسب الثقافة والسياق، لكن الأدلة الحديثة بتربط الاعتماد المنتظم على الضرب بنتائج سلبية: خوف، كذب، كسر العلاقة، وما بيبنيش انضباط داخلي. كمان فيه خطوط قانونية ضد الإيذاء.
الأثر: طفل “مطيع” ظاهريًا، بس جواه قلق وعدوان أو انسحاب… وسلوك بيرجع أسوأ مع الوقت ويتحول لتمرد وثورة.
البديل الصح: انضباط إيجابي: قواعد واضحة، عواقب منطقية، حوار، متابعة. مش “نُصلّح” الجيل الجديد بمطرقة وعصاية من القرن اللي فات.
مثال ٣: «جواز القرايب بيحافظ على العيلة… وده اللي اتعودنا عليه»
المشهد: أسرة عايزة الجواز “جوه العيلة” علشان النَسَب والميراث و«كله عارف بعض».
فين المغالطة؟ اعتبار العادة القديمة حُجّة بذاتها. الواقع الطبي بيقول احتمالات أعلى لبعض الأمراض الوراثية، خصوصًا مع تكرار المصاهرة عبر أجيال.
الأثر: قصص كتير لانعكاسات صحية صعبة على أطفال… وبعدين نقول «قدر ونصيب»، مع إننا ما عملناش حساب العلم.
البديل الصح: فحوصات ما قبل الزواج/استشارات طبية، وتقييم القرار على مصلحة الأبناء والبيت ككل، لا على “التماسك الشكلي” للعيلة، وقبل ده كله على الحب الباذل من الطرفين.
فمش كل قديم ذهب. أحيانًا القديم حديد وصدأ مع الزمن. الأهم نقيم الفعل بذاته: هل هو مفيد وضار؟ مش قديم ولا جديد.
مغالطة السؤال الملغوم
دي من أخطر المغالطات، لأنها فخّ في صيغة سؤال. السؤال بيبقى شكله عادي، لكن جواه افتراض خفيّ: أي إجابة مباشرة (حتى بنعم أو لأ) هتثبّت الافتراض عليك.
مثال مشهور: «هو حضرتك بطّلت تضرب مراتك ولا لسه؟»
• لو قلت «بطّلت» يبقي اعترفت ضمنيًا إنك كنت بتضربها.
• لو قلت «ما بطّلتش» يبقي لسه بتضربها.
هنا السؤال نفسه حكم على السائل حكم خطير (إنك كنت بتضربها) من غير دليل.
مثال اجتماعي (صحاب): في وسط قعدة، واحد من الشلة يوجّه لواحد صاحبه الكلام:
«إنت ليه بطّلت تسأل علينا… وبقيت شايف نفسك؟»
السؤال هنا شكله عتاب بسيط، لكن جواه افتراضين ملغومين:
أولًا، إنه فعلًا بطّل يسأل، مع إن ده مش لازم يكون صحيح، ممكن يكون بيتواصل بطرق تانية أو كان مشغول.
ثانيًا، إنه شايف نفسه، وده حكم سلبي جاهز اتزرع جوه السؤال نفسه.
أي رد مباشر زي: «معلش أصل مشغول» أو «لا والله مش مغرور» معناه إنه سلّم ضمنيًا بالاتهامات اللي في السؤال. حتى وهو بينفي، بيبقى اعترف ضمنيًا إن فيه تهمة بيتعامل معاها.
الرد الأذكى: «السؤال نفسه مبني على افتراضات وظنون: إنه أنا فعلًا بطّلت أسأل، وإني بقيت شايف نفسي… وده مش صحيح. خلينا نقعد ونتكلم بصراحة إيه اللي مضايقنا ونوضحه بوضوح.»
هنا الشخص عمل خطوتين مهمين: أولًا، فَنّد الافتراضات وما سلّمش بيها. ثانيًا، رجّع النقاش للواقع: هل فعلًا في تقصير؟ ولا دي مجرد مشاعر أو تصورات عند الطرف التاني؟
فلو حسّيت السؤال مش مريح أو فيه حاجة مستخبيّة جواه، ما تجاوبش مباشرة. الأول فَنّد الافتراض، بعدين رد. المغالطة هنا إن السائل بيحطّك قدام أمر واقع مبني على افتراض وهمي.
مغالطة المعايير المزدوجة
المُغالطة دي بتحصل لَمّا نفس السلوك أو نفس الموقف يتحكم عليه بأحكام مختلفة حسب مين اللي عمله، من غير سبب جوهري يبرّر الفرق. يعني:
• لو «أ» عمله يبقي مقبول.
• لو «ب» عمله يبقي مرفوض.
وده اللي بنسميه كَيل بمكيالين. المشكلة هنا إن المعايير مش ثابتة، بتتغيّر على حسب الهوية أو المصلحة.
مثال ١ (اجتماعي): أب يمنع أولاده يمسكوا الموبايل على السفرة بحجّة «قلة احترام»، وهو نفسه ماسك الموبايل طول الوقت.
مثال ٢ (شغل): موظف صغير يتخصم له على تأخير ١٠ دقايق، لكن المدير يتأخّر بــ الـساعة وأكثر يوميًا ومفيش أي عقوبة ولا حتى لفت نظر.
مثال ٣ (كنسي/ديني): واعظ من طايفتنا لو شدّ في العِظة نقول: «غيرة روحية ومحبّة للحق». لكن واعظ من طايفة تانية بنفس الحدّة نقول: «قلة محبّة وتعصّب». نفس السلوك بالظبط، لكن الحكم مختلف حسب الانتماء.
فـالمعايير لازم تكون واحدة وثابتة. لو فيه فرق موضوعي حقيقي يبقي مبرَّر. إنما لو الفرق قائم بس على الهوية أو المصلحة، ده تحيّز ومغالطة.
---
## المنظور القديم لبولس الرسول [٣]
URL: https://tabcm.net/56287/
Type: post
Modified: 2026-07-24
في الجزئين السابقين بدأنا الحديث عن مجموعة من الباحثين الأكاديميين المعاصرين في الدراسات الكتابية يتبنُّون المنظور القديم لبولس الرسول الذي نشأ مع حركة الإصلاح البروتستانتي، ويُعد تحليل ستيڤن وسترهولم لرؤية بولس للناموس الموسويّ تأكيدًا على الرؤية الإصلاحية التقليدية، وهو مُعارِض قويّ لما يُعرف بـ”المنظور الجديد لبولس“. حيث يرى وسترهولم أن نقد بولس للناموس ينبع من حقيقة أنها لا تستطيع منح البرِّ، ليس بسبب خلَّل فيها، بل لأن البشرية، بما في ذلك اليهود، عاجزةٌ بشكلٍ عامٍ عن اتمام مطالبها. بالتالي كانت الوظيفة الأساسية للشريعة هي إظهار وإدانة هذا الفشل البشريّ ((أنظر رسالة بولس إلى رومية 3: 20؛ ورسالة بولس إلى غلاطية 3: 10 )).
خلافًا للمنظور الجديد الذي يُركِّز على أن بولس عارض فقط ”أعمال الناموس“ كعلامات فارقة كالختان، يُصرُّ وسترهولم على أن اعتراض بولس كان على الفكرة الكاملة بأن الناموس هو طريق للبرِّ من خلال العمل. كما يُؤكِّد وسترهولم أن عقيدة التبرير بالإيمان تعني تبرئة الخاطئ وإعلانه بارًا في نظر الله، بمعزل عن أعمال الناموس. ويجادل وسترهولم بأن بولس لا يعتبر الناموس الموسويّ مصدرًا للتوجيه الأخلاقيّ للمسيحيين، بل بدلًا من ذلك، يتمُّ إرشاد السلوك المسيحيّ بناموس المسيح ((رسالة بولس إلى غلاطية 6: 2 ))، الذي يتحقَّق بقوة الروح القدس ويتلخَّص في وصية المحبة ((رسالة بولس إلى رومية 8: 4؛ 13: 8-10 ))، ((Steven Westerholm, Israel’s Law and the Church’s Faith: Paul and His Recent Interpreters, Grand Rapids: Eerdmans, 1988, pp. 50-142 ))، ((Steven Westerholm, Perspectives Old and New on Paul: The “Lutheran” Paul and His Critics, Grand Rapids: Eerdmans, 2004, pp. 63-175 )).
يُقدِّم فرانك ثيلمان رؤية دقيقة تتعامل مع اللاهوت المصلح التقليديّ والمنظور الجديد لبولس، حيث تعتمد مُقاربة ثيلمان الأساسية على السياق في رسائل بولس الرسول، ويُحلِّل تصريحات بولس حول الناموس ضمن الحجة الخاصة بكل رسالة، ويُؤكِّد ثيلمان أن رؤية بولس للناموس تظلُّ مُتماسِكةً عند فهمها في سياق العهد الجديد في المسيح. فعلى الرغم من أن ثيلمان كان يرى أن لعنة الناموس هي فقط التي تمَّت إزالتها، إلا أن ثيلمان غيَّر رأيه لاحقًا ليُجادِل بأن العهد الموسويّ والناموس نفسه قد توقفا مع مجيء المسيح.
يُحلِّل ثيلمان دور الناموس حسب السياق في رسائل بولس المختلفة، فيُصرُّ ثيلمان على أن بولس يُعارِض بشدةٍ استخدام الناموس كطريقٍ للتبرير، أي إعلان الشخص بارًا أمام الله. يتفق ثيلمان هنا مع الرأي التقليديّ الذي يرى أن مُعارِضي بولس كانوا يضعون ثقتهم في الأعمال.
كما يُسلِّط ثيلمان الضوء على الطبيعة المؤقتة للعهد الموسويّ، حيث يزول العهد القديم في ضوء العهد الجديد ((أنظر رسالة بولس الثانية إلى كورنثوس 3 )). ويرى ثيلمان أنه في الرسائل التي لا تدور حول التبرير، يستخدم بولس الجوهر الأخلاقيّ للناموس للحث على النقاوة والقداسة المسيحية. وهكذا يُشدِّد ثيلمان على أن الناموس الموسويّ قد تمَّ تجاوزه، لكنه لم يُهجَر لأن المسيح قد أتى بمعيارٍ أخلاقيٍّ جديدٍ. حيث يعيش المؤمنون تحت ”ناموس المسيح“ ((رسالة بولس إلى غلاطية 6: 2 ))، وناموس المسيح هو المعيار الأخلاقيّ لله الذي يتحقَّق بواسطة الروح القدس، ويتلخَّص في وصية المحبة. إن المعايير الأخلاقية للناموس الموسويّ مُدمَجةٌ إلى حدٍّ كبيرٍ في ناموس المسيح، ولكن الناموس الموسويّ نفسه، وخاصةً مُتطلباته الطقسية والعهدية، لم تعد مُلزِمةً للمسيحيين (( Frank Thielman, Paul and the Law: A Contextual Approach, USA: IVP Academics, 1994, pp. 69-85 )).
يُعد تحليل دوجلاس مو لرؤية بولس للناموس الموسويّ دفاعًا مهمًا عن الرؤية الإصلاحية التقليدية ضمن إطار تاريخ الخلاص، وتوجد أفكاره حول هذا الموضوع بشكلٍ رئيسيّ في تفاسيره لرسالتي رومية وغلاطية، ومقالته بعنوان ”ناموس المسيح كإتمام لناموس موسى“. يحاول مو بأن العهد الجديد ينظر إلى الناموس الموسويّ على أنه محالٌ إلى الفترة التي سبقت مجيء المسيح، الذي يُعتبر نقطة التحوُّل الحاسمة في تاريخ الخلاص. يُؤكِّد مو على التقسيم الزمنيّ التاريخيّ لخطة الله. فعلى الرغم من استمرارية خطة الله، إلا أنها تتكشف عبر مراحل مُتميِّزة. ينتمي الناموس الموسويّ إلى مرحلة عهدية مُحدَّدة تمَّ تجاوزها الآن. ولأن الناموس الموسويّ هو وحدة غير قابلة للتجزئة، فإن العهد الجديد في المسيح يؤدي إمَّا إلى تحرُّر كامل من النظام بأكمله أو خضوع كامل له.
ويخلص مو إلى أن الناموس الموسويّ بأكمله لم يعد ملزمًا للمسيحيين. يفسر مو ((رسالة بولس إلى رومية 4: 10 )) ”المسيح هو غاية الناموس“ بأن المسيح هو الإنهاء للشريعة كمعيار عهديّ للحصول على البرِّ. ويرى مو أن الجوهر الأخلاقيّ للناموس الموسويّ قد تمَّ إعادة تأسيسه باعتباره ”ناموس المسيح“ ((رسالة بولس إلى غلاطية 6: 2 )). ناموس المسيح هو المعيار الأخلاقيّ الجديد للمؤمنين، الذي يتحقَّق من خلال الروح القدس، ويتلخَّص في المحبة ((رسالة بولس إلى رومية 13: 8-10 )). وهكذا تظلُّ الوصايا الأخلاقية المضمَّنة في الناموس الموسويّ ذات صلة، ويتمُّ نقلها إلى العهد الجديد لأنها تعكس مشيئة الله الأبدية. حيث يستخدم بولس الناموس في القضايا الأخلاقية كما في ((رسالة بولس إلى أفسس 6: 1-4 )). بينما يتفق مو، في تعامله مع المنظور الجديد لبولس، مع التأكيد التقليديّ بأن الوظيفة السلبية الأساسية للناموس هي الإدانة. فلا يمكن للناموس أن يُبرِّر أحدًا بسبب ضعف الطبيعة البشرية الخاطئة ((رسالة بولس إلى رومية 8: 3 ))، بالتالي الغرض من الناموس هو الكشف عن عمق الخطية الفردية، مما يقود الفرد إلى المسيح ((Douglas Moo, The Epistle to the Romans, Grand Rapids: Eerdmans, 1996, p. 253, 417, 656ff; Galatians, USA: Baker Academic, 2013, pp. 168, 367 ))، ((Douglas Moo, The Law of Christ as the Fulfilment of the Law of Moses: The Law, the Gospel, and the Modern Christian: Five Views, 1993, pp. 319-376 )).
يتميَّز عرض مارك ألان سيفرايد لرؤية بولس للناموس الموسويّ بالدفاع القويّ عن الفهم المصلح التقليديّ للتبرير وانتقاد المنظور الجديد لبولس. حيث ينظر سيفرايد إلى الناموس في المقام الأول من منظور برِّ الله والضرورة المطلقة للإيمان بالمسيح من أجل التبرير. ويُؤكِّد سيفرايد أن الناموس الموسويّ يعمل كمطلب إلهيّ أبديّ لا يتغيَّر، ولكن بسبب الخطية البشرية، أصبح الناموس الآن مصدرًا للدينونة واللعنة. الشريعة أُعطِيَت بواسطة موسى لإسرائيل، وهي تُعلِن مُتطلبات الله للحياة في العالم الحاضر الساقط بكلماتٍ مكتوبةٍ، التي تُقدِّم الحياة والبركة بشرط الطاعة، والموت واللعنة لعدم الطاعة. أولئك الذين يعرفون الشريعة سيتمُّ الحكم عليهم بها ((Mark A. Seifrid, Christ, Our Righteousness: Paul’s Theology of Justification, NSBT9, USA: IVP Academics, 2001, p. 96 )).
ويُشدِّد سيفرايد على أن الناموس عاجزٌ على إحداث الطاعة التي يتطلبها. الناموس يُوفِّر معيارًا للبرِّ، لكن البشرية، بما في ذلك بولس قبل تحوُّله، لم تتمكَّن إلا من تحقيق البرِّ وفقًا للمعايير البشرية، ولكن ليس أمام الله وفي القلب ((Mark A. Seifrid, Christ, Our Righteousness: Paul’s Theology of Justification, NSBT9, USA: IVP Academics, 2001, p. 27 )).
يُجادِل سيفرايد بأن بولس يرى الناموس باستمرارٍ فيما يتعلَّق بعمل التبرير الإلهيّ في المسيح. فالناموس في العهد القديم يقف الآن مثل يوحنا المعمدان في حضرة المسيح. وهكذا عليه أن يخضع للأعظم الذي أتى، وهذا يُؤكِّد أن الغرض الحقيقيّ للناموس، في التاريخ الخلاصيّ، هو الإشارة إلى المسيح ((Mark A. Seifrid, Christ, Our Righteousness: Paul’s Theology of Justification, NSBT9, USA: IVP Academics, 2001, p. 123 )).
ويُعارِض سيفرايد بشدةٍ وجهة نظر المنظور الجديد لبولس التي تقول بأن ”أعمال الناموس“ عند بولس تُشِير فقط إلى علامات الهوية العرقية كالختان ونواميس الطعام وحفظ السبت. ويُجادِل سيفرايد بأن استخدام بولس للناموس/الشريعة يُشِير بالأساس إلى التشريع الموسويّ ككل، الذي يحتوي على مطالب الله. ويرى أن ”أعمال الناموس“ هي ببساطةٍ أعمال الطاعة التي تتطلبها الشريعة. بالنسبة لبولس، المشكلة ليست في سعي اليهود للانضمام إلى المجتمع عبر علامات الحدود، بل في سعيهم لتأسيس برهم الخاص من خلال الطاعة، بدلًا من الخضوع لبرِّ الله الموجود في المسيح ((رسالة بولس إلى رومية 3: 10 )).
ويُؤكِّد سيفرايد أن مجيء المسيح يُغيِّر جذريًا وضع الناموس ودوره، مما يؤدي إلى تجاوزه داخل الإنجيل. فقد تمَّ إتمام الشريعة في الإنجيل ((Mark A. Seifrid, Christ, Our Righteousness: Paul’s Theology of Justification, NSBT9, USA: IVP Academics, 2001, p. 124 )) ونظام الشريعة كقانون غائب في التعليم الأخلاقيّ لبولس، وحيثما تظهر الأوامر الأخلاقية، فإنها تظهر في شكل الإنجيل، الذي استوعب فيه الشريعة وتجاوزها ((Mark A. Seifrid, Christ, Our Righteousness: Paul’s Theology of Justification, NSBT9, USA: IVP Academics, 2001, pp. 126-127 ))، وأن القوة الأخلاقية لمشيئة الله تتمُّ الآن من خلال شخص المسيح وعمل الروح القدس، وليس من خلال الناموس الموسويّ كقانونٍ مُلزِمٍ ((Mark A. Seifrid, Christ, Our Righteousness: Paul’s Theology of Justification, NSBT9, USA: IVP Academics, 2001, pp. 126-127 )).
---
## كنيستنا وتدوير الهرطقات
URL: https://tabcm.net/9564/
Type: post
Modified: 2026-07-23
ألا يجب أن نواجه الأمر!! لو اقتصر الأمر على "خرافات العجائز" لما انزعجنا، ولا أزعجنا شعبنا، أما أن ينزلق تعليم كنيستنا -المنشور والمذاع- ليغرق في بحر الهرطقات، فهذا ما لا يمكن قبوله على -ومن- كنيسة الإسكندرية التي صاغت الأساس اللاهوتي لإيمان المسكونة كلها.
لم يترك معلمو كنيستنا -في نصف القرن الأخير- هرطقة مرت على الكنيسة، إلاّ أعادوا تدويرها، أما لماذا أخص نصف القرن الأخير، فلأن التعليم أصبح مستباحًا، الجميع يستسهل وجوده أمام جَمهور يسمعه، فيطلق للسانه -أو قلمه- العنان دون ضابط أو رابط.
كان بطاركتنا القديسون العظام يهابون التعليم، ولا يسايرون جانب الوعظ المرسل هكذا، بالرغْم من محدودية الانتشار وقتها وقلة التأثير، كان كيرلس الخامس (وهو من هو) يجلس مستمعًا لحبيب جرجس، فهل انتقص هذا من قدره؟ أو قلل من شأنه؟ للقديس كيرلس السادس رسالة فصحية واحدة منشورة، ولا شيء سواها، فهل أعاق هذا تسميته قديسًا في كنيستنا، واعتباره مطوبًا في سواها؟
البطريرك الذي تلقى تعليمًا لاهوتيًا في اليونان وكان عالمًا، بشهادة معاصريه، لا نجد له كتبا ولا منشورات، الأمر إذن ليس بالسهولة التي يظنها أساقفتنا، والعلم الذي لا يتنزل على قريحتهم بمجرد اعتمار العمة الفخمة، دون دراسة حقيقية لعلم اللاهوت وما يلزمه من علوم أخرى (رأيي الشخصي أنها قائمة طويلة تشمل حتى فيزيقا الكم)
الأمر نفسه بالنسبة لبعض القساوسة، الذين نقلوا دائرة وعظهم من الخطية وجهنم ومعجزات القديسين، إلى اللاهوت والهرطقات، في قفزة واسعة لا تحتملها سيقانهم الهزيلة، ولنبدأ من مح الكارثة، فقد تغربت كنيستنا طويلًا عن جذورها، منذ المشؤوم خلقيدونية، والاضطهاد السياسي-الديني الذي تعرضت له، وفقدان التفاعل مع باقي الكنائس، والاتجاه تدريجيًا نحو القبطية بدلا من اليونانية، مع الفارق الضخم في غنى اللغتين، حتى انتهينا بالعربية التي لا تملك أصلا مفردات تناسب الدوجما (العقيدة) المسيحية.
لا ينفي هذا إننا امتلكنا في عصورنا المظلمة عددا من اللاهوتيين النابغين، الذين ترجموا إلى العربية نصوصا، بل وكتبوا بها مباشرةً كأفضل أربابها، ولكن مع الوقت أصبح العلم واللاهوت ترفا لا تحتمله كنيستنا، بل فقط محاولة البقاء، ففقدنا كل اتصال بغنى جذورنا، بقيت فقط “الليتورجيا” حاملة لأنفاس آبائنا العظام، وكان لابد من ثورة معرفية لإزاحة وحل القرون الطويلة.
ساموا أسقفًا للتعليم، ثم تربع على الكرسي الأكثر وثارة، فماذا فعل؟
بدلا من أن يضع خطة لمعاهدنا الكنسية الناشئة التي تعب من سبقوه في محاولات لوضعها على الطريق لتواكب معاهد العالم، نكل بأساتذتها وطردهم واستبدلهم بجهال رجاله، بدلا من أن يعد خطة لابتعاث نابهينا للحصول على دراسات لاهوتية حقيقية، شرد كل من تحمل مشقة الدراسة بالخارج، على نفقة مؤسسة خاصة، وألقاه خارج البيعة يجتر أحزانه.
بدلا من أن يكون ما تبقى من مخطوطاتنا وتحقيقها ونشرها شغله الشاغل، لم يلتفت لها إطلاقًا، بل أخفى بغرابة نادرة الهدية التي تلقيناها من الفاتيكان، وتحوي نسخة من كل المخطوطات القبطية بمكتبة الفاتيكان، حتى إن أحدا لا يعلم لها أثرا الآن، بدلا من أن يعد خطة لترجمة كتب الآباء، وينشئ وحدة خاصة للترجمة، حارب كل من جرؤ على تَرْجَمَة كتاب حقيقي.
بدلا من أن يحدث ثورة تعيد لكنيستنا وجهها المضيء، تفرغ لفرض قناعاته الخاصة ونسخته الممسوخة من المسيحية، بدلا من أرثوذكسية “أخذ الذي لنا ليعطينا الذي له”، انتقلنا إلي “وفديناه بذبح عظيم”.
تنوي هذه السلسلة الموجزة مناقشة أهم هرطقتين في تاريخ الكنيسة الجامعة، ومصدر خطورتهما يرجع لإخلالهما الجسيم بقصد التدبير الإلهي في الخلاص، وأعني بهما “الأوطاخية” و”النسطورية” كما قد تتسع لبعض الهرطقات والبدع الأخرى “ع الماشي”.
ستفجر هذه السلسلة ألغاما كثيرة، وستتعرض لتعليم صادر من نجوم بازغة في سماء كنيستنا، لنبين عواره وخطله، وليس الهدف إطلاقًا هو تخطئتهم، بل كشف عمق المأساة التي تعصف بكنيستنا، وخطها اللاهوتي، لنفكر معا في كيفية ضبط المسار، وإعادته إلى الجادة.
مع نهاية هذه السلسلة، سنقدم اقتراحات بطلبات لمجمع أساقفتنا، لاتخاذ ما يلزم للتصحيح، واستعادة مكانة كنيسة الإسكندرية ومجدها الغابر، ولدينا ما نظنه كافيًا لبلوغ هذا الأمل.
---
## مجمع قرطاجنة: الظروف والنشأة
URL: https://tabcm.net/9686/
Type: post
Modified: 2026-07-23
مع كل المهازل التي يزخر بها سنكسار كنيستنا، طالعت مصدومًا منشورًا فيسبوكيًا لأحد القساوسة الذين ألقت بهم رياح السموم إلينا، والمنشور هو صورة لفقرة أضيفت لسنكسار إلكتروني، تقول الفقرة إن أحد أسباب انعقاد مجمع أفسس هو "بدعة بيلاجيوس" وأن المجمع ناقش "بيلاجيوس" (هكذا!!!! ) ثم حرمه.
بعض الأساقفة وصبيانهم يتمادون، حتى إنهم استصدروا قرارًا من أفسس الآن وبعد ستة عشر قرنا، باعتماد مقررات مجمع قرطاجنة (صاحب الخلل الفكري الأكبر في تاريخ المسيحية) وهذا من ضروب الخبل، لا لهدف إلا إضفاء مشروعية على مبدأ “وراثة الخطية” الذي يروجونه.
نحن لا نمانع أبدًا وجود الجهل، ونقبله كنتاج حِقْبَة حالكة السواد مرت على كنيستنا، ولكننا لا نستطيع قَبُول التدليس، لا نستطيع قَبُول الاستمرار في تزييف وعي الأجيال وإزاغة تمييزهم، والكارثة إن يتم هذا من رعاتهم.
بداية، وقبل التطرق إلى “قرطاجنة” ننهي بعض الفريات الخاصة التي يلصقونها بأفسس، التي ترتبط بالبيلاجية، كان الصراع (الأغسطيني- البيلاجي) صداعا حادا للكنيسة اللاتينية، وانشقاقا واسعا بين أساقفتها، انحازت كنيسة شمال إفريقيا بالكلية نحو الأغسطينية، بينما مال الكثير من أساقفة أوروبا الغربية إلى البيلاجية، كان الصراع يدور حول “وسيلة” خلاص الفرد، بينما تؤمن الأغسطينية بعمل “النعمة الإلهية” حصرا وقصرا، تؤمن البيلاجية بأن الخلاص هو عمل “الإرادة الذاتية” للشخص.
غني عن البيان إن الشرق المسيحي لم يكن معنيا إطلاقًا بهذا الصراع لأنه يؤمن بـ"التآزر" بين عملي النعمة والإرادة، ووجوب تواجد كليهما
حتمت ضرورات التدبير الكنسي على باباوات روما حرمان البيلاجية ورؤوسها، وهذا ما حدث، فكان هناك حرم من البابا سليستين لرؤس البيلاجية، وكان كتجديد للحرم السابق الصادر من البابا إينوشنسيوس.
وجدت البيلاجية ملاذا آمنا في النسطورية الناشئة في الشرق، ويقول “فلورڤسكي”:
“كان مسيح نسطوريوس فاديا مناسبا للبيلاجيين”
(الأب چورچ فلورڤسكي)
ووجدت النسطورية في البيلاجية مخلبا مناسبا لاختراق روما، وفي الحرب المستعرة مع الإسكندرية لم تكن البيلاجية هما للمجتمعين في أفسس نهائيا، إلا من واقع دعمها للنسطورية، ولم تتم مناقشتها في أية جلسة، ولم يحضر “بيلاجيوس” المجمع أصلا (غالبا لوفاته)، ومن حضر فعلا هو “كاليستوس” تلميذه.
جرت الأحداث في أفسس كما نعلمها، وقطع نسطوريوس قبل وصول “يوحنا ” أسقف أنطاكيَة، صديق نسطوريوس والمنتمي لنفس المدرسة الفكرية (مدرسة أنطاكيَة اللاهوتية)، مع ملاحظة إن كل ما جرى في المجمع لم يكن على هوى السلطة المدنية.
فور وصول يوحنا إلى أفسس، جمع أساقفته وأساقفة نسطوريوس و كان من ضمن الحشد كاليستوس، تحت حماية السلطة المدنية، وعقد مجمعا واتخذ قرارًا بقطع القديس كيرلس، وممنون أسقف أفسس.
شعر القديس كيرلس بخطورة الموقف، وانقسم الأساقفة إلى مجموعتين أو مجمعين بالأحرى، تحظى إحداهما (أصدقاء نسطوريوس) بالدعم والرضا الإمبراطوري، في غياب دعم روما المعتاد للإسكندريين، حيث لم يكن الوفد قد وصل بعد، أعاد القديس كيرلس انعقاد المجمع المؤيد له، وكان من الحكمة أنه لم يشأ توسيع هوة الشقاق، ويرد بقطع مماثل للأسقف يوحنا والمجتمعين معه، وفي نفس الوقت كان حصيفا ليفعلها دون أن يلوث أصابعه، واستغل أن كاليستوس كان مقطوعا فعلًا من بابا روما، واستصدر قرارًا من مجمعه بقطع كاليستوس والمجتمعين معه، والمعروف حاليا بالقانون الأول.
غني عن البيان إن القطع يشمل يوحنا و مجمعه، دون أن يذكر اسمه، وقد أثبتت الأيام حصافته وبعد نظره، إذ عادت المياه للجريان لاحقا بين الإسكندرية وأنطاكية، وتصالح كيرلس ويوحنا وصاغا رسالة المصالحة بينهما.
أرسل القديس كيرلس رسالة للإمبراطور يطعن فيها في مجمع يوحنا الأنطاكي مستغلا وجود كاليستوس، شارحا البيلاجية وتوجهها من عدم الاحتياج لتجسد الرب، و قدرة الإنسان بإرادته الذاتية على التبرير، بعد أن استقامت الأوضاع بوصول وفد روما ودعمه لمجمع القديس كيرلس، جاءت الإشارة الأخيرة لبيلاجيوس وكاليستوس، في خطاب المجمع للبابا سيلستين، وجاء فيه بالنص:
عندما قرأ في المجمع المقدس ما تم بخصوص إسقاط الجاحدين بيلاجيوس وكالستوس ومن يشايعهم، فنحن أيضا رأينا أنه من العدل تثبيت حكم قداستكم بشأنهم، ونعتمد تنفيذه.
(جزء من خطاب الأساقفة للبابا سيلستين)
ما سبق هو بيان ما حدث في أفسس فيما يخص البيلاجية والبيلاجيين، الأمر الذي يشي بوضوح تام أن الإضافة التي تمت على هذا السنكسار بالليل هي محض تدليس، وليس لأي جهة -حتى المجمع نفسه ولجانه- حق تعديل أي نص كنسي، دون الرجوع للشعب صاحب المصلحة الوحيد في تقرير هذه الأمور.
يصبح من نافلة القول إذن أنه بالأحرى لا يوجد علاقة بين أفسس وقرطاجنة، ولكننا سنفرد الحلقة القادمة لفحص قرطاجنة نفسه، وتوضيح الجريمة التي يقترفها كل من يزعم بوجود أي رابطة بين المجمعين.
نهاية، هناك سؤال قد قفز إلى ذهني أود مشاركته معكم وأرجو أن يلتفت له باحثونا الشباب وأن يولوه عنايتهم، وهو: هل كان “لاون” صاحب الطومس، مائلا إلى البيلاجية؟
---
## مجمع قرطاجنة: إعادة فحص
URL: https://tabcm.net/9823/
Type: post
Modified: 2026-07-23
لا يتورع بعض أساقفتنا عن التحالف مع الشيطان نفسه، فقط لتمرير ما يودون فرضه من تعليم مستحدث!! كارثة فعلية أن يدسّ أحدهم على التاريخ أن مجمع أفسس [المسكوني] قد اعتمد مقررات مجمع قرطاجنة [المكاني]، بل هي جريمة متعمدة متكاملة الأركان.
لن أخوض في ملابسات هذا المجمع، ولا حتى خلافات هذا المجمع مع رئاستهم الدينية في روما، ما يهم فعلا هو الأثر الفادح الذي ساهم به هذا المجمع في تشويه الفكر المسيحي، وما زالت المسيحية تعاني منه بعد الافتراق عن الفكر الآبائي الشرقي.
ولنسأل بداءة، هل تعتبر كنيستنا هذا المجمع، وتعتمد قوانينه ضمن الأساسات التي تستند إليها؟
والإجابة هي النفي لأسباب كثيرة سنعرج عليها سريعا، قبل الاسترسال في خطورة المجمع نفسه.
بعض قوانين مجمع قرطاجنة:
يحسن أن يحافظ كل من الأسقف والقس والشماس على العفة التامة، فلا يقربوا نساءهم.
(القانون الرابع)
فهل يعيش كهنتنا وشمامستنا متبتلين؟ أم هل لأساقفتنا نساء؟
لا يجوز أن يقرأ في الكنيسة إلا الكتاب المقدس، وإبطال ما يقرأ من سير الشهداء.
(القانون 24)
فهل توقفنا عن قراءة السنكسار؟ أم نجرم سير الشهداء في مدارس الأحد؟
لا يدعي أسقف الكرسي الأول رئيس الكهنة، أو بأي لقب أخر من هذا النوع.
(القانون 39)
في كنيستنا لقب “رئيس الكهنة” هو لقب ليتورجي نردده في صلواتنا، ولا ننسى التراشق الذي نشب منذ بضعة سنوات بين الحبر الجليل الأنبا بفنوتيوس، مطران سمالوط، والحبر الجليل المتنيح الأنبا بيشوي، مطران دمياط، حول ما إذا كان الأسقف هو رئيس الكهنة فقط أم رئيس الكهنوت (كالرب يسوع نفسه) وأصدر كل منهما كتبا تؤيد وجهة نظره، دون أدنى اعتبار للمأسوف عليه قرطاجنة.
الذين عمدهم الدوناطيون وهم أطفال، تجوز رسامتهم إكليريكيين في الكنيسة.
(القانون 57)
والدوناطية هي هرطقة محلية مريعة حملت السلاح ضد الكنيسة، ومع هذا فالمجمع لم يجز إعادة معموديتهم، بل واعتمد رسامتهم في رتب كنسية، فما هو رأي كنيستنا “الحالي” في وجوب إعادة معمودية “الهراطقة”؟
مما سبق، وهو غيض من فيض، يظهر بوضوح أن كنيستنا -وكل الكنائس تقريبا- لا تأخذ هذا المجمع على محمل الجد، بل وتتجاهله، حتى فوجئنا في هذا الزمان الرديء بمن يحاول إسباغ المسكونية عليه بل، ويقرنه بأحد أهم المجامع المسكونية تاريخيا.
الأثر الفكري الذي أحدثه مجمع قرطاجنة:
هنا ستجد القوانين التي أصدرها المجمع في دورته الأخيرة، وعرفت بقوانين “الإثم والنعمة”، مترجمة عن الأصل اللاتيني:
تولد عن هذا المجمع ما يسمي “الأغسطينية” بمنظومتها الفكرية، والتي ما فتئت تولد الانحرافات الفكرية عند الكنائس الغربية بشقيها الكاثوليكي والإصلاحي، على الرغْم من تراجع الأولى عن كثير من المنطلقات الفكرية للأغسطينية، وليس الغرض هنا تفنيد هذه المنطلقات ومآلاتها، فالأمر يحتاج لدراسة موسعة ليس هذا محلها، لكننا سنكتفي فقط بمقارنة سريعة مع فكر آبائنا الشرقيين، دون السبر عميقا، ومع هذا يبقى الأمر جليا:
تبدأ “القصيدة” بكارثة تقطع كل آبائنا الشرقيين، ولا تنتهي بكارثة تنسف كل مفاعيل التجسد الإلهي.
الأغسطينية: آدم خلق خالدا بالطبيعة، غير خاضع للموت.
الشرقيين: آدم فان بطبيعته المخلوقة من العدم، حياته مشروطة واعتمادية على بقاءه في معية الله.
الأغسطينية: لأن آدم خالد بالطبيعة، فنتيجة الخطية (الموت) هو عقوبة يتم تنفيذها فيه وإنزالها به.
الشرقيين: لأن حياة آدم مشروطة بالوجود في معية الله فنتيجة الخطية (الموت) هو نتيجة حتمية للانفصال عن الله.
الأغسطينية: لأن البشرية خالدة بالطبيعة، فلابد أن يرث البشر الخطية وعقابها عن آدم حتى يعاقبوا بالموت، وإلا فلا سبيل للموت.
الشرقيين: البشرية مائتة بالطبيعة، والبشر يولدون مائتين من مائت.
الأغسطينية: التجسد يهدف إلى تسديد ثمن الخطية بتقديم ذبيحة صالحة، ورفع العقوبة واستعادة طبيعة آدم الأولى.
الشرقيين: التجسد يهدف إلي المصالحة بين البشرية والله، والارتقاء بها إلى الاتحاد (وليس فقط المعية) والتبني، تخطي العدو الأكبر للطبيعة البشرية (الموت) والعبور بالبشرية للقيامة والخلود والتأله.
الأغسطينية: حتى تكون الذبيحة صالحة، يلزم ألا تكون ملطخة بأي خطية، ولابد أن تكون بريئة من الخطية الموروثة، وعليه فهناك “اجتهادان”: إما أن تكون الوالدة “حبل بها بلا دنس” فلم ترث الخطية ولن تورثها، وأما أن يقوم الروح بتطهير “مستودعها” والناسوت المأخوذ منها من الخطية الأصلية، أحدهم اجتهد وقال إن الروح صنع حاجزا بين دم والدة الأله وبين الكلمة المتجسد فلم يرث الخطية (هكذا!!).
الشرقيين: أخذ الكلمة طبيعتنا بتمامها ليعيد إصلاحها ويقدسها، والعلي اصبح أبا للبشرية.
الأغسطينية : الخلاص لا يتم إلا بالنعمة الإلهية بمفردها، وهي من تختار من يخلصون (عقيدة سبق التعيين).
الشرقيين: الخلاص يتم بالتآزر بين النعمة الإلهية والإرادة الشخصية، الجميع مدعو لمعرفة الرب والتمتع بخلاصه لأن هذه هي إرادته.
بالنهاية، تلخص هذه المقالة المنشورة من أحد أحبارنا الأجلاء، كل ما نبهنا له في مقالنا هذا والمقال الذي سبقه ((رجائي شنودة، مجمع قرطاجنة: الظروف والنشأة. بتاريخ 10 ديسمبر 2020. ))، وننتظر من صاحبها أن يتوقف عن نشر مثل هذا الكلام.
---
## مدخل إلى هرطقات التجسد
URL: https://tabcm.net/9903/
Type: post
Modified: 2026-07-23
لا عجب أن الإخلاء والتجسد كان الهدف الأكبر للاجتهادات التي انتهت بأخطاء فادحة سميت "هرطقات"، الفعل الإلهي يستعصي على التصور البشري ويفتح أبوابًا واسعة، الأمر دقيق جدا، والاجتهاد به مخاتل ومخادع مع صدق نوايا المجتهدين، كل تفصيله تحوي لغما، إن لم تتعامل معها بإرشاد إلهي، انفجرت بك.
الخلاص والفداء هو عمل إلهي، ولم يتم بمعزل عن الإنسان وهو محل التبرير، فيقول قديسنا الكبير ساويرس الأنطاكي:
إن خلاص الإنسان هو تدبير وعمل الله، لكنه لم يتم بعمل إلهي محض بمعزل عن الإنسان، لأنه إذا كان الإنسان قد أساء استخدام هبة الحرية [الإرادة الحرّة] وابتعد عن الله، فينبغي إن يتم الخلاص من خلال حياة إنسانية حقيقية وكاملة يتم استخدام الحرية فيها بالطريقة الواجبة.
(القديس ساويرس الأنطاكي)
ليس فقط الإرادة، بل حياة إنسانية حقيقية كاملة، عن طريق طبيعة إنسانية حقيقية كاملة، بكل ضعفاتها وغرائزها وموتها المحتوم، نقول بالتعبير الكنسي إنه أخذ “إنساننا العتيق” ليجدده باتحاده به، مجربًا في كل شيء، لكنه معصوما بتسليمه إرادته وضعفاته لله، وليدوس به الموت، حتى يخرج إنساننا -محمولا فيه- منتصرا على الموت، الذي بهزيمته لم يعد حتميا.
فالتدبير هو أن يأخذ أقنوم الكلمة “طبيعة بشرية حقيقية وتامة” ممثلة تمام التمثيل للبشر من حيث الجوهر يتحد بها “أقنوميا” ويصيرها واحدا معها بغير اختلاط ولا امتزاج ولا “تغيير” في خصائصها، فيقدسها وتصبح مهيأة لسكنى الروح القدس، ويقدس غرائزها، ويعبر بها الموت منتصرا.
أي خلل في فهم الكلمات السابقة، وبالأخص الكلمات المفتاحية، ستنتج عنها هرطقة فورا.
الاجتهاد الخاطئ في فهم “طبيعة بشرية حقيقية وتامة” سينتج عائلة الهرطقات التي تنتقص من بشرية الأقنوم المتجسد مثل “الأبولينارية” و”اليوليانية”.
الاجتهاد الخاطئ في فهم أقنومية الاتحاد و”صيره واحدا معه” سينتج عائلة الهرطقات النسطورية.
الاجتهاد الخاطئ في فهم أن الأقنوم قد احتفظ لنفسه بكل خصائص طبيعتي لحظة الاتحاد دون أن يطرأ على أيهما أي “تغيير” سينتج الهرطقة المونوفيزية (التي تسمى بالخطأ الدارج “الأوطاخية” كما سنرى لاحقا).
الأمر المثير أن معلمينا الحاليين لم يتركوا واحدة من هذه الهرطقات دون أن ينزلقوا إليها براحة تامة، الأكثر إثارة أن تعليمهم حين يتناولون هذه الهرطقات بالشرح هو منتهى الغرابة، تتساءل حين تسمعهم: هل يعقل أن الجهل قد بلغ منهم هذا المبلغ؟! هل لا يجد أحدهم وقتا يسيرا للقراءة عن الهرطقات؟! فكيف يجرؤون أن يتحدثوا عنها هكذا، والأنكى، يتحدثون عنها في معاهد تعليمية! أم أنهم يعلمون ولكنهم يمارسون التجهيل على الشعب والمتلقين لأغراض يصعب سبر أغوارها.
سأتركك تقرر بنفسك -بعد أن تسمع هذا المقطع- هل هو الجهل المطبق، أم ممارسة التجهيل؟
فلم يقل نسطوريوس أبدا إن العذراء ولدت إنسانا حل به اللاهوت لاحقا،
ولم يقل أوطيخا (أوطاخي) أبدا إن الناسوت ذاب في اللاهوت كقطرة في محيط،
ولم يقل لاون في “طومسه” إن للمسيح طبيعتين منفصلتين.
بالطبع المقطع السابق هو للعمة الأكبر، والمرجعية الحالية للتعليم الشائع، قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث، وأستطيع بكل ثقة أن أقرر لك أنه لا يحوي معلومة واحدة صحيحة. وأرجو منك عندما ننهي مناقشة هذه الهرطقات، أن تعود للاستماع لهذا المقطع، وأن تقرر بنفسك ماذا أنت فاعل!
---
## هل كان أوطاخي أوطاخيًا؟
URL: https://tabcm.net/9900/
Type: post
Modified: 2026-07-23
يلزمنا بداءة وضع خطوط قاطعة بين أوطاخي كشخص اُستخدم طعما في الحرب المستعرة بين مدرستي أنطاكية والإسكندرية، للنيل من الأخيرة وإقصائها نهائيًا عن الشأن الكنسي، وبين ما اُصطلح على تسميته بالأوطاخية [المونوفيزية] ((الموسوعة الكاثوليكية: Eutyches )) التي لم تكن أبدًا هرطقة معروفة متبناه من مجموعات بعينها، ولكنها توجد في صورة انزلاقات فردية تنصب على العلاقة بين طبيعتي الاتحاد في أقنوم الكلمة المتجسد.
لنبدأ بأوطاخي، الذي كان راهبًا مسنًا، رئيسًا لدير في القسطنطينية وله شعبية رهبانية كبيرة في أوساط القسطنطينية، بالإضافة لقربه الوثيق من القصر الإمبراطوري لقرابته لكبير موظفي القصر.
لم يكن الرجل لاهوتيًا، لكنه كان ذو ولاء كبير للاهوت الإسكندرية وعاصر انتصاره الكبير في أفسس، ما ساهم أن يكون واعيًا للحرب الدائرة من الأنطاكيين لإعادة تنظيم صفوفهم، وإعادة بعث اللاهوت الأنطاكي اعتمادًا على فهمهم الخاص ورؤيتهم لرسالة المصالحة (كيرلس-يوحنا / الإسكندرية-أنطاكيَة) التي أعادت بعض الهدوء إلى الكنيسة دون أن تطفئ جذوة النار التي بقيت مشتعلة تحت الرماد فوضع الرجل نفسه كنقطة ساخنة مزعجة في قلب المعسكر الأنطاكي الذي كان يعيد ترتيب أوراقه.
دون الدخول في تفاصيل كثيرة يمكن للمهتم أن يعود إليها في المراجع التي سنوردها لاحقًا ((في. سي. صمويل، مجمع خلقيدونية: إعادة فحص، ص47-61. ))، ففي جلسة عادية لمجمع أساقفة القسطنطينية عام ٤٤٨م، برئاسة البطريرك فلافيان، اتهم يوسابيوس أسقف دوريليم -سيصفه أوطاخي لاحقا بأنه “عدو قديم”- أوطاخي بالهرطقة، ودون تقديم اتهامات محددة طلب محاكمته، وبغرابة شديدة وافق الأساقفة المجتمعون على طلبه -بعد تردد البطريرك- وقرروا استمرار انعقاد المجمع للاستماع إلى أوطاخي.
رفض أوطاخي المثول أمام المجمع بعد أكثر من استدعاء، حتى حضر في الجلسة السابعة، مصحوبًا بحامية إمبراطورية يرأسها ممثل شخصي للإمبراطور، كان السؤال الاستهلالي عن “الاتحاد” فأجاب أوطاخي بالإيجاب بأنه يعترف باتحاد “من طبيعتين”، تدخل يوسابيوس بصورة أكثر تحديدًا قائلًا: هل تعترف سيدي الأرشمندريت بطبيعتين بعد التأنس؟ وهل تقول إن المسيح واحد في ذات الجوهر معنا حسب الجسد؟
أجاب أوطاخي أنه لم يأت ليجادل، ولكن فقط ليعلن إيمانه، وقدم اعترافًا مكتوبًا بالإيمان رُفض استقباله على الفور وتم تجاهله ولم يدرج بمحضر الجلسة، وستكون هذه النقطة مع نِقَاط أخرى سببا كافيًا للطعن في المجمع.
كان الاعتراف ولا شك مبني على الرؤية السكندرية لأفسس المسكوني ورسالة المصالحة، ولم يكن المجمع المعتنق للرؤية الأنطاكية لنفس الرسالة بقادر على تحمل تبعات إبداء الرأي في هذه الوثيقة سواء برفضها واعتبارها هرطوقية، أو قبولها واعتبارها أرثوذكسية.
بعد عدم قَبُول اعتبار اعتراف الإيمان، قدم أوطاخي تصريحًا شفويًا:
وفيما يتعلق بحضور الكلمة في الجسد، فأنا اعترف أنه حدث من جسد العذراء، وأنه صار إنسانا بالكمال من أجل خلاصنا.
(أوطاخي)
وبعد طلب للاستيضاح أضاف:
لم أتحدث قبلا عن جسد ربنا بكونه واحد في ذات الجوهر معنا، ولكني اعترف بأن العذراء كانت بالطبع واحدة في ذات الجوهر معنا، وأن إلهنا أخذ جسده منها.
(أوطاخي)
فاستدركه أحد الأساقفة قائلًا: إن كانت الأم هي واحدة في الجوهر معنا، فلابد أن يكون هو نفسه واحدًا في ذات الجوهر معنا!!
فأجاب أوطاخي: فيما تقوله أنت الآن، أنا اتفق تمام الاتفاق.
طُلب من أوطاخي مرة أخرى أن يعترف بوضوح بالعقائد التي نوقشت، وأن يحرم كل من يؤمن بأفكار مخالفة، رفض الرجل بإصرار أن يطلق أي حكم بالحرم، ومع إصرار أعضاء المجمع أن يقر بالطبيعتين بعد الاتحاد، أجاب أنه قرأ المطوّب كيرلس، والقديس أثناسيوس، وكل الآباء المعتبرين في الكنيسة، وهم يقولون “من طبيعتين” كإشارة إلى ما قبل الاتحاد، أما بعد الاتحاد، فلم يعودوا يتحدثون عن طبيعتين بل طبيعة واحدة، وهنا اتخذ المجمع قراره بحرم أوطاخي، لاتباعه أراء فالنتينوس وأبوليناريوس، ووقع على الحكم 30 أسقفًا و23 أرشمندريتا.
لم ينكر الرجل في أية لحظة حقيقة وكمال ناسوت المسيح، أو حقيقية ميلاده من العذراء، والواضح أن تردده في الاعتراف بأن الكلمة المتجسد واحد في ذات الجوهر معنا يعود إلى فهمه أنه لا يوجد “ناسوت مستقل قائم بذاته” في أقنوم الاتحاد في محاولة لاستبعاد كارثة “الابنان” وهو أيضا ما دفعه لرفض “طبيعتين” بعد الاتحاد ربما لم يكن الرجل يملك رؤية لاهوتية كاملة وناضجة بحكم أنه ليس لاهوتيًا متمرسًا، ولكننا بكل ارتياح نجزم -على ضوء وقائع المجمع- أن الرجل لم يكن هرطوقيًا.
الآن وبعد مرور قرون طويلة، يري كثير من المؤرخين أنّ إدانة أوطاخي كان عملا متعجلًا. ((Trevor Gervase Jalland ))، وأن أوطاخي لم يكن هرطوقيًا بشكل مؤكد. ((Thomas Camelot ))، وأنه لا يوجد شيء أكثر وضوحا من تأكيده على حقيقة وكمال الناسوت. ((Kelly Brown Douglas )).
سيسفر هذا المجمع وبسبب توافر عوامل أخرى عن أكبر كوارث التاريخ المسيحي، ودفاعًا عن أنفسهم (ممن تسببوا في هذه الكارثة) نسب للرجل ما لم يقله أبدا، مثل تلك الأسطورة عن ذوبان الناسوت في اللاهوت كقطرة خل في محيط، واتهمت الكنائس التي رفضت خلقيدونية المشؤوم باعتناق هذه “الأسطورة” التي لم تكن حقيقية أبدا.
الغريب والصادم أن نتبنى نحن نفس هذه الفرية دون تمحيص، وكأننا -بحرم أوطاخي- ننفي عن أنفسنا تهمة لم تكن أبدًا حقيقية.
---
## مجمع أفسس الثاني
URL: https://tabcm.net/10145/
Type: post
Modified: 2026-07-23
شكل مجمع القسطنطينية المكاني، الذي أدان أوطاخي بالهرطقة مطعنًا سهلًا، فأستأنف أوطاخي هذا الحكم، مرسلًا رسائل للإمبراطور ثيئودوسيوس وعدد واسع من الأساقفة، متهمًا المجمع بالحيود عن الصحّة.
من الناحية الإجرائية كان رفض قَبُول الاعتراف المكتوب لأوطاخي، بالإضافة إلى الأقاويل التي تناثرت عن تزوير أقوال المتكلمين، وما تردد عن إعداد قرار الحرم في توقيت سابق على الجلسة الختامية، ومن الناحية الموضوعية كان الإعلان الرسمي عن مفاهيم لم يسبق لآن قال بها الآباء والمجامع، مثل عبارة “طبيعتين بعد الاتحاد” واعتبارها معيار الأرثوذكسية، وقطع من لا يقول بها.
تفاوتت ردود الأفعال، فالإمبراطور شرع في الإعداد لمجمع مسكوني وأرسل رسائله للأساقفة واختص القديس ديسقورس بتكليفه برئاسة المجمع.
طلب لاون أسقف روما محاضر المجمع المكاني التي وصلت متأخرة كثيرًا، وقد سبقتها رسالتان من فلافيان، بطريرك القسطنطينية يبرر فيهما الحكم، وفور وصول المحاضر أعد لاون رسالته التي ستعرف تاريخيا بطومس لاون ((رجائي شنودة، طومس لاون The Tome of Leo، بتاريخ 24 أكتوبر 2023. )) التي قصد منها اصطياد عصافير عدة، صيغت لتكون دستورًا إيمانيًا يقبله الشرق دون مناقشة. دون اعتبار للتقاليد اللاهوتية لكل الأطراف، ودون فهم لجذور الخلاف السكندري/الأنطاكي، ودون الوعي بحساسية الوضع بعد أفسس المسكوني، كان الدافع هو تثبيت رئاسة وسلطة “روما” على الكنيسة الجامعة.
أُرسل الطومس إلى أطراف عدّة ووصل إليهم قبل انعقاد المجمع بعدة أسابيع، بعدها انعقد المجمع وتمت تلاوة المراسيم الإمبراطورية الداعية للانعقاد، وانتقلت أعمال المجمع رأسًا للاستماع إلى أوطيخا.
قرارات المجمع
تبرئة أوطاخي، وكل من حرم بالتبعية، وإعادتهم إلى مكانتهم السابقة.
إدانة فلاڤيان بطريرك القسطنطينية، ويوسابيوس، بالإضافة إلى ثيؤدوريت أسقف قورش، وإيباس (هيبا) أسقف الرها، ودومنيوس أسقف أنطاكية، وأربعة أساقفة آخرين.
المطاعن على المجمع
أثار قرار المجمع بتبرئة أوطاخي كثيرًا من المآخذ من المؤيدين للجانب الأنطاكي، كان المطعن الأول هو تمرير عبارة المسيح من طبيعتين قبل الاتحاد، وطبيعة واحدة بعدها، والعبارة قد تعد خطًأ جسيمًا إذا فُهمت في إطار التراتبية الزمنية والتواجد المستقل للناسوت قبل الاتحاد، والواقع إن العبارة لم تثر حفيظة أي من المجمعين الذين مثل أمامهم أوطاخي لأنها فُهمت في السياق الصحيح “قبل أن يصبح الاتحاد واقعًا، فقد كون من طبيعتين”.
أما عن تردد أوطاخي في الاعتراف بوحدانية المسيح في ذات الجوهر معًا، فمرده فقط إلى فهم أوطاخي لغياب “الطبيعة الإنسانية المستقلة القائمة بذاتها” في أقنوم الكلمة المتجسد.
وكان المطعن الثاني، أن المجمع كان وسيلة ديسقورس لبسط نفوذ الإسكندرية على كراسي الشرق بقطع أساقفتها وتعيين أساقفة موالين، ويتناسى هذا المطعن أنه قد يكون صحيحًا فقط إذا كان أوطاخي هرطوقيًا فعلا، وأن هؤلاء الأساقفة كانوا على حق في حكمهم عليه بالحرم، وهو الأمر الذي تنفيه الوقائع والدراسات.
إنني التمس العذر للبابا ديسقورس الذي وجه بتصاعد للفهم المناوئ لمقاصد لاهوت أفسس المسكوني، مما يُخشى معه من تصاعد النسطورية مرة أخرى، ووجد الفرصة سانحة لنهو هذا الموقف الذي يشق الكنيسة، وجميع الأساقفة الذين قطعهم المجمع كانوا مؤيدين على نحو ما لنسطوريوس، إلا أنه وفي سعيه المشروع هذا لم يتحسب لخطورة قطع أساقفة كراسي رئيسية وهامة دون الترتيب والتشاور المسبق، فأثار حفيظة الجميع بالرغم من صحة موقفه.
والمطعن الثالث هو عدم قراءة وإدراج طومس لاون ضمن أعمال المجمع، وبالرغم من أن البابا ديسقورس قد وجه وطلب قراءة الطومس مرتين على الأقل في أثناء جلسات المجمع إلا أن انسياب وقائع المجمع حالت دون قراءته، ما أعتبره الحبر الروماني إهانة بالغة لحقت برأس الكنيسة الجامعة، وهو ما دعاه لتسمية المجمع بالمجمع “اللصوصي” وقيادة حملة شعواء ضده انضم لها كل المتضررين.
هناك احتمالان لإغفال قراءة الطومس إذا افترضنا أنها تمت عن عمد:
أولهما: إن المِزَاج العام لتركيبة المجمع كان يميل للرؤية السكندرية، وعدم قَبُول تعبير “في طبيعتين” أو “طبيعتين بعد الاتحاد” اللتان كان يبشر بهما الطومس، فكان الإغفال حفظا لماء وجه الحبر الكبير، وعدم صبغه بصورة الهرطوقي.
وثانيهما: إن قراءة الطومس كانت لتعوق قرارات المجمع بقطع الأساقفة المشايعين لنسطوريوس، لأن الطومس كان يتحدث بلغة تقترب كثيرًا من لغتهم اللاهوتية.
تعليق أخير
ما أشيع عن أوطاخي -ولا يزال- هو محض افتراء، لا يوجد في وقائع المجمعين ما يدعمه، أفسس الثاني هو امتداد لأفسس المسكوني لاهوتيًا، صحيح تمامًا من الوجهة الإجرائية والعقائدية ولا تشوبه شائبة، مع تسليمنا بغياب الحصافة عن قديسنا ديسقورس، ولا أفهم لماذا نفضت كنيستنا غبار حذائها منه، ما آراه موقف غير موفق، ولا يفوتني أن أنوه إلى أن ما يسمى بالمجمع المسكوني الخامس (القسطنطينية الثاني) قد أعاد تبني قرارات القطع التي أصدرها بعد إلغائها في خلقيدونية.
---
## انزلاقات قبطية نحو الأوطاخية
URL: https://tabcm.net/10149/
Type: post
Modified: 2026-07-23
تحوي الأوطاخية -كمصطلح- طيفا واسعا من الهرطقات التي تتعلق بفهم العلاقة بين أقنوم الكلمة و"العينة" الإنسانية المأخوذة في الاتحاد، كما تتعلق بفهم سلوك هذه العينة في الاتحاد، وهي في الأغلب انزلاقات فكرية أكثر منها معتنق يتم الترويج له، على أن هذا لا ينفي خطورتها الجسيمة على الإخلال بفهم التدبير الإلهي في التجسد. وسنستعرض تباعا بعض أطياف هذه الهرطقة والانزلاقات القبطية إليها.
الأبولينارية – Apollinarism
تنسب إلى الأسقف الأنطاكي لمدينة اللاذقية، الذي عاش في القرن الرابع، كان أبوليناريوس عالما مثقفا تقيًا، ذو تاريخ مشرف في محاربة الأريوسية وحصارها، إلا أن الرياح تأتي أحيانا بما لا يرغب به أحد.
يقول مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث عن الأبولينارية في كتيبه “طبيعة المسيح”:
هرطقة أبوليناريوس: وكان ينادي بلاهوت المسيح، ولكنه لا يؤمن بكمال ناسوته، إذ كان يرى أن ناسوت المسيح لم يكن محتاجا إلى روح، فكان بغير روح، لأن الله اللوجوس كان يقوم بعملها في منح الحياة، ولما كان هذا يعني أن ناسوت المسيح كان ناقصا، لذلك حكم مجمع القسطنطينية المسكوني المنعقد سنة ٣٨١م بحرم أبوليناريوس وهرطقته هذه. ((البابا شنودة الثالث، طبيعة المسيح، مطبعة الأنبا رويس، 1991. ))
(البابا شنودة الثالث، طبيعة المسيح)
الاقتباس السابق لا يحمل من الحقيقة حتى ولا شبهة ظل، وأنا في غاية الاندهاش، فالتحجج بقلة المصادر والترجمات يَجِبُ ألاّ يشملا أسقفًا للتعليم، فالجهل لا يحوي فقط التاريخ، بل ينسحب على أصول الهرطقات، مما دفع بالرجل لانزلاقات هرطوقية متنوعة، الأخطر أنها أصبحت تعليما مستقرا في كنيستنا لا يقبل المراجعة.
نشوء الهرطقة
بعد مجمع نيقية كان الاضطراب الكنسي لا زال قائما، وبدأت أفكار كثيرة تتسرب إلى التعليم. الأريوسيون يخفضون لاهوت الكلمة إلى درجة المخلوق، وينفون وحدانيته في الجوهر مع الآب، والأنطاكيون بدأت تعاليمهم تنحو إلى تقسيم المسيح إلى اثنين، إله وإنسان، في مقابل الأرثوذكس الذين يصرون على فهمهم للكلمة المتجسد، وهو نفسه الله الكلمة، وهو نفسه إنسان كامل.
كان أبوليناريوس يعترض بشدة ويعلم ضد كل من الأريوسيين والأنطاكيين، إلا أن اعتراضا جديدا له قد ظهر ضد الأرثوذكسية نفسها. كان الرجل عليمًا بفلسفة أفلاطون التي تفكك الإنسان إلى جسد يمنحه الوجود الفيزيقي، ونفس تمنحه الحياة، وروح عاقلة تمنحه العقل والإرادة والحرية، ووجد ما يؤيد هذا الطرح في الرسالة الأولى إلى تسالونيكي ((تسالونيكي الأولى 5: 23. ))، فانطلق من هذه المعرفة ليصُغ مسيحا جديدا يتلافى اعتراضه على المفهوم الأرثوذوكسي للتجسد، الذي كان: كيف يأخذ الكلمة طبيعة إنسانية كاملة بروح عاقلة ذات إرادة ولا يخطئ؟ حيثما وجدت الإرادة، فلا بد أن توجد الخطية.
كان الناسوت المأخوذ لمسيح أبوليناريوس يتكون من الجسد والنفس المحيية فقط، ولم يكن له حاجة بالعقل والإرادة، وفيم الحاجة للعقل إذا اتحد باللوجوس العقل الكلي؟ وما الحاجة للإرادة إذا كان الأقنوم له الإرادة الإلهية كلية الصلاح؟
كان مسيح أبوليناريوس هو مسيح الإرادة =(المشيئة) الواحدة، ولا شك أن مسيح أبوليناريوس قد تجنب كثيرا من الإشكاليات اللاهوتية، فقد جنب التفكير في “ابنين” متصلين، كما بدأت الإرهاصات في أنطاكيَة، وسهل قَبُول مبدأ “الاتحاد الطبيعي” في شخص الكلمة المتجسد، إلا أن هذا المسيح نفسه لم يكن مناسبا لإتمام الخلاص، تجديد الطبيعة البشرية، وتقديس الإنسان. المعصية الأولى هي بالأساس نتاج استخدام الإرادة البشرية، فلم يكن للتبرير منها سبيل إلا بعلاجها هي نفسها.
يقول القديس ساويرس:
إن خلاص الإنسان هو تدبير وعمل الله، ولكنه لم يتم بعمل إلهي محض بمعزل عن الإنسان، لأنه إذا كان الإنسان قد أساء استخدام هبة الإرادة وابتعد عن الله، فينبغي أن يتم الخلاص من خلال حياة إنسانية حقيقية وكاملة يتم استخدام الإرادة فيها بالطريقة الواجبة.
(القديس ساويرس الأنطاكي)
وهنا نذهب للقديس غريغوريوس اللاهوتي الذي يخبرنا:
ما لم يتحد به الرب عندما تجسد هو ما بقي دون شفاء، أما ما اتحد بألوهيته فقد خلص، لقد سقط آدم بعقله أولا، ولذلك كان على المسيح أن يأخذ عقلا إنسانيا لكي يقدسه.
(القديس غريغوريوس اللاهوتي)
أثار ظهور هذا الفكر موجة انزعاج عارمة في الكنيسة شرقا وغربا، نال الانزعاج من القديس أثناسيوس الرسولي، وإبيفانيوس أسقف قبرص، والبابا داماسوس بابا روما، وعقدت المجامع تباعا لدحضه.
بدأت المجامع بالإسكندرية برئاسة أثناسيوس عام 362م، مجمع في روما عام 377م، وحكم هذا المجمع بحرم ثلاثة أساقفة أبوليناريين، بينهم المبتدع نفسه، ثم مجمع في الإسكندرية برئاسة البابا بطرس عام 378 م لتأييد قرارات مجمع روما، ثم مجمع أنطاكي مماثل عام 379م، حتى عُقد مجمع القسطنطينية المسكوني عام 381م مؤيدا لقرارات المجامع المحلية السابقة، بقي الفكر الأبوليناري بعدها محصورا في مجموعات صغيرة من أتباعه دون أن يسبب مشكلات كنسية.
أود هنا أن اختتم هذا الجزء بفقرة بديعة من قديسنا كيرلس الكبير شارحا مفصلا كعادته:
“لأَنِّي قَدْ نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ، لَيْسَ لأَعْمَلَ مَشِيئَتِي، بَلْ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي.”
(إنجيل يوحنا ٦: ٣٨)
إننا لا نقر أبداً عن الثالوث القدوس الواحد جوهرياً أنه قد انقسم ضد نفسه، أو انشطر إلى آراء متعارضة متباينة، أو أن الأب أو الابن أو الروح القدس انقسموا إلى ما قد يبدو صالحاً لكل منهم على حدة، وهم يتفقون في كل شيء، ولأنهم لاهوت واحد، فمن الواضح، أن تكون لهم نفس الإرادة، في الثالوث القدوس كله.. لأنه حال كونه ما هو عليه، إلهٌ من إلهٍ، كاملٌ من كاملٍ، الخَتْم الحقيقي لجوهر أبيه، لا يفكر إلا كما يفكر الآب أيضاً، فهو ذات مشورته وكلمته، ويشاء تماماً ما يشاؤه الآب ويفعل بالتمام والكمال ذات ما يفعله الآب، بشكل تلقائي بسبب قوانين وحدانية الجوهر، يشترك مع الأب في أن يريد كل الصالحات فلا تستاء أيها الإنسان، حينما تسمعه يقول: لأني قد نزلت من السماء، ليس لأعمل مشيئتي، بل مشيئة الذي أرسلني ((إنجيل يوحنا 6: 38. )). لأن كل ما قلناه في البداية سوف نقوله مرة أخرى، قال المسيح ذلك عن أمر واضح ومحدد، لأنه يقول تلك الكلمات معلما أنه أراد أن يموت عن الجميع، لأنه هكذا أشارت الطبيعة الإلهية، لكنه لم يرد ذلك بسبب الآلام على الصليب، ويقدر ما هو متصل بالجسد الذي يستنكر الموت. وقد أسهبنا فعلاً في الشرح لكن من المناسب أننا يجب أن نفهم من طبيعة الأشياء ذاتها أن الآلام على الصليب لم يكن يريدها المسيح بسبب كونه إنساناً.
(القديس كيرلس الإسكندري، شرح إنجيل يوحنا، كتاب 4: 1)
يتبقى في النهاية أن أورد في عجالة حادثة تاريخية: كانت الأبولينارية فيها محاولة يائسة لتوحيد الامبراطورية البيزنطية التي أهلكها الانقسام الخلقيدوني، ونال منها على كل الأصعدة، كانت الجيوش العربية على مرمى حجر من حدود الإمبراطورية في القرن السابع، فتفتق ذهن الإمبراطور “هرقل” مع البابا سرجيوس الأول، بطريرك القسطنطينية، لمحاولة لملمة الشمل ترفع لافتة “المشيئة الواحدة” لأقنوم الكلمة المتجسد، وقصد بها تحديدا “مصر” جوهرة التاج البيزنطي، فأعد الإمبراطور مشروعا للوحدة (المشيئة الواحدة- Monotheletism) وطبع منشورا عرف باسم (إكثيسيس- Ecthesis).
تجنب تماما ذكر مجمع خلقيدونية، ذاكرا الاعتراف بمشيئة واحدة للكلمة المتجسد، آملا أن يحظى بقبول اللا خلقيدونيين، أرسله لواليه على مصر “كيرس” مع تعليمات مشددة بفرض الوحدة، وعندما وصل المنشور إلى الإسكندرية، عقد كيرس اجتماعات مطولة وحاول استدعاء البابا بنيامين الذي كان هاربا، وأوصل إليه المنشور، لكنه فوجئ بالرفض العارم لمحتوى المنشور واعتباره هرطقة جديدة تضاف للرصيد الخلقيدوني، مما دعاه لاستخدام العنف، دون جدوى.
ولا يفوتنا هنا التنويه إلى أن حادثة العنف التي طالت القديس “صموئيل المعترف” كانت بسبب تمزيق هذا المنشور، وليس كما يذكر السنكسار -بسذاجة- أنها كانت رفضا لطومس لاون الذي كان الزمن قد تجاوزه بما يقرب من قرنين فتذكر -يا رعاك الله- حين ترى صورة للقديس صموئيل المعترف، أن الرجل قد فقد عينه رفضا لهرطقة تعتنقها أنت الآن اسمها “المشيئة الواحدة” دون أن تعي وجود المشيئتين في أقنوم الكلمة المتجسد.
---
## انزلاقات اوطاخية معاصرة
URL: https://tabcm.net/10234/
Type: post
Modified: 2026-07-23
الجوهر الواحد والاتحاد الجوهري
في المحاضرة التي خصصها الأنبا أغاثون أسقف مغاغة والعدوة للرد على اتهامه بالنسطورية استعان بأحد مؤلفات الأنبا غريغوريوس، أسقف البحث العلمي المتنيح، وهو كتاب “عن طبيعة المسيح” والفقرة التي أوردها جاء فيها:
إذا هو الإله المتجسد، جوهر واحد، شخص واحد، أقنوم واحد، طبيعة واحدة، أو هو طبيعة واحدة من طبيعتين، وبعبارة أخرى ممكن أن نتكلم عن طبيعتين من قبل أن يتم الاتحاد، أما بعد الاتحاد، فهناك طبيعة واحدة.
(الأنبا غريغوريوس، عن طبيعة المسيح)
هناك مآخذ عدّة على هذه الفقرة:
أولها، إن عبارة ممكن أن نتكلم عن طبيعتين من قبل أن يتم الاتحاد، أما بعد الاتحاد فهناك طبيعة واحدة وهي نفس العبارة التي قالها أوطاخي في مجمع القسطنطينية المكاني بحروفها، هي خاطئة جدا ما لم يليها شرح ينفي عنها التراتبية الزمنية والتعاقب، وإذا أمكن أن نلتمس لأوطاخي العذر لضحالة فهمه عن اللاهوت، فكيف ندافع عن معلم لاهوت بارز في كنيستنا.
ثانيهما، إن هذا الإطناب ومحاولة الترادف: (جوهر واحد، شخص واحد، أقنوم واحد، طبيعة واحدة) لا يفيد التوكيد بحال، ولكنه يربك المتلقي، يضر كثيرا بالمعنى، ويشي بعدم فهم مدلولات كل “مصطلح” من وجهة نظر اللاهوت.
فالقول بطبيعة واحدة دون ذكر “متجسدة” وأقنوم واحد دون ذكر “متجسد” ينسف الفهم اللاهوتي الإسكندري اللا خلقيدوني من جذوره، ويطعنه في مقتل، كما سيرد تفصيله عند الحديث عن النسطورية.
أما الطامة الكبرى التي أسفر عنها هذا الإطناب المكروه، هو استعمال مصطلح “جوهر واحد” لوصف أقنوم الكلمة المتجسد، وهذا الاستعمال يذهب بنا مباشرةً إلى قاع الأوطاخية، وحتى نبرز خطئها الجسيم سنستعين بقديسنا العظيم ساويرس الأنطاكي، وننقل عنه هذه الفقرة من رسالته الثالثة إلى سرجيوس النحوي:
يناسبنا لأن نقول طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة هذه التي للقديس لأثناسيوس والحكيم كيرلس، فأين قرأت لأنت في مؤلفاتهما إذ إنهم دعوا عمانوئيل جوهرا واحدا، وصفة واحدة، فمنذ أن علموا أن خطأ تشويش الطبائع [يقصد الأوطاخية] هو على عكس الجهة الأخرى لأولئك الذين يقسمون المسيح [يقصد النسطورية] استخدموا مصطلحات مصقولة ودقيقة.
(القديس ساويرس الأنطاكي، الرسالة الثالثة إلى سرجيوس النحوي)
عبارة أخرى تماثلها ولا تقل عنها خطورة هي عبارة “الاتحاد الجوهري” وهي منتشرة أيضا في كتابات معلمينا، حتى إنك ستجدها في كتاب مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث “طبيعة المسيح” أكثر من مرة، بدءا من مقدمة الكتاب نفسه، والمقصود منها هو أن الاتحاد قد تم على مستوي الجوهر، ليتكون من الجوهرين جوهرا واحدا، وحيث إن الجوهر -حسب آبائنا السكندريين- هو الأساس المجرد الذي لا يمكن وجوده في الواقع دون “ظهوره” في أقنوم، فالحديث عن الجوهر هو بغرض فلسفي بحت ولا يقترب بأي صورة من الواقع الحقيقي، فلا يوجد الجوهر الإلهي دون الأقانيم الإلهية، ولا يوجد جوهر إنساني مجرد دون كيان إنساني محدد، فكيف إذن نفترض اتحادا بين “مفاهيم” لا يمكن إدراكها إلاّ فلسفيا؟ حتى على المستوى النظري التنظيري، فالاتحاد بينهما لا بد أن يؤدي إلى جوهر جديد تماما، غريب عن مكونيه حيث إن الجوهر لا يقبل التركيب.
يقول القديس كيرلس:
لأن الذين اجتمعا معا في وحدة تدبيرية ليسا مجرد مظهرين أو شيئين غير متأقنمين بل شيئين حقيقيين، حتي يصير التأنس قابلا للتصديق والإيمان به فعلا.
(القديس كيرلس الإسكندري)
يضيف القديس ساويرس في دفاعه الثاني ضد النحوي:
لقد أظهرنا بوضوح كيف عندما نقول من طبيعتين لا نفهم أن هاتين الطبيعتين هما جوهرين، بالمعنى العام الذي يجمع أقانيم عدة، كما لو كان الثالوث القدوس -حسب ضلالك الخبيث- قد تجسد في البشرية جمعاء، أي كل الجنس البشري، بل فقط الأقنوم الواحد لله الكلمة، وأقنوم واحد للجسد المحيي بنفس عاقلة المتخذ من العذراء والدة الإله، ومعروفين في تركيب بغير تغيير، وبقيا على ما هما عليه [ليس في استقلالية الوجود] أو قائمين بازدواجية الطبائع، بل باجتماعهما في وحدة قد أكملا طبيعة واحدة متجسدة، أقنوم واحد متجسد، شخص واحد.
(القديس ساويرس الأنطاكي، ضد النحوي)
سأورد نصا أخيرا للقديس ساويرس ينتقد فيه الاستعمال الخلقيدوني لمفهوم “طبيعة”، فالطبيعة عند الخلقيدونيين لا تعني إلا “الجوهر” فيقول في رسالته إلى “مارون”:
ولكن الناس الذين بتجديف يدعون المسيح الواحد طبيعتين مستخدمين كلمة طبيعة بدلا من التسمية المفردة، بل قائلين إن الله الكلمة طبيعة [يقصد اللاهوت]، والإنسان الذي من مريم هو طبيعة أخرى [يقصد الناسوت]، فإنهم لم يبلغوا هذا القدر من الحماقة الذي يجعلهم يقولون إنهم يستخدمون كلمة طبائع بنفس معنى الجوهر، لأنه إن كان الثالوث القدوس هو طبيعة واحدة، والبشرية كلها هي طبيعة واحدة، سينتج عما يقولون شيئا غير معقول، إن الثالوث القدوس قد أصبح متجسدا في كل البشرية.
(القديس ساويرس الأنطاكي، الرسالة إلى مارون)
إن استخدام لفظي “لاهوت”، و”ناسوت” لوصف كيفية الاتحاد هو من الحماقة كما يقول القديس ساويرس، ثم أن استعمالها لوصف ما بعد التجسد دون حكمة هو أمر أكثر حماقة حتى أنه يندرج تحت الحرم الرابع للقديس كيرلس.
ولعلي أقول إن الاستخدام غير المنضبط لهاتين الكلمتين كما اعتاد مثلثو الرحمات المعاصرون واللاحقون، هو أحد أكبر مشكلاتنا العقائدية الحالية ومن هنا نرى خطورة استعمال هذين التعبيريين -الجوهر الواحد والاتحاد الجوهري- التي دعت القديس ساويرس بوصفها بالضلال الخبيث، للتشويش الذي يحدثه هذان التعبيران في اللاهوت الإسكندري شديد الدقة. وإنني أدعو مجمع أساقفتنا ولجنة الإيمان والعقيدة به لمنع إعادة طباعة هذه الكتب، وإصدار بيان يوضح خطأ هذين التعبيرين في هذه الكتابات.
جدير بالذكر أيضا انه هناك كتابات قديمة لآباء ما قبل تصاعد الجدل الخريستولوجي قد جاء فيها هذين التعبيرين، ويبدو أن أمانة الترجمة قد استدعت من المترجم الإبقاء على هذين التعبيرين بحالهما، وهنا أرجو ان يتدخل الناشر بإضافة حاشية توضيحية وعودة إلى افتتاحية المقال، فإنني أدعو الأنبا أغاثون -مع لجنة الإيمان والعقيدة بالايبارشية- إلى التوقف عن التعليم العلني لحين تلقي دراسة حقيقية، والحصول على فهم دقيق يمكنهم من التعليم دون الانزلاق في أخطاء يصعب تداركها، وتسبب تشوها وتشويشا مزعجا، فهم يبدون كالمستجير من الرمضاء بالنار.
---
## إعادة فحص لهرطقات التجسد
URL: https://tabcm.net/10309/
Type: post
Modified: 2026-07-23
لا شك أن التعبير البشري عن "كينونة" التجسد سيقف عاجزا، فنحن نستعمل المفردات المتاحة لدينا، التي أنتجها العقل البشري، ولكن ماذا عن "سر" التقوى!! لا شك أنه يفوق قدرات التصور، حتى حين اجتهد الآباء لاستخدام أمثلة تقرب "الحدث" جاءت قاصرة تغطي جانبا واحدا فقط، وعليه فنحن نستطيع القول إننا نعرف كيف "لا يكون" التجسد، أكثر بكثير مما نعرفه عن كيف "يكون" التجسد، الأمر والحالة هكذا. لا مناص من أن يؤدي إلى خلافات عميقة تظهر فهما مختلفا لزوايا "السر".
في مقال سابق “مدخل إلى هرطقات التجسد” تحدثنا عن حالات الخلل في فهم التجسد، وحان الآن أن نسبح أكثر عمقا مستخدمين المفاهيم التي استعملها الآباء لمحاولة الاقتراب من فهم “كينونة” التجسد، أو بالأحرى كيف “لا يكون” التجسد (وهو ما يعرف بالهرطقات).
جوهر.. طبيعة.. أقنوم.. شخص..
كان من المحتم استخدام الآباء للمفردات التي تناولت الوجود الفيزيقي والميتافيزيقي من قبل الفلاسفة السابقين على ظهور المسيحية، فمن ناحية: لوحدة الموضوع وسبق فحص العلاقة “المخلوق – الخالق”، ومن ناحية أخرى: لخلق لغة مشتركة مع الوثنيين تسهل من فهمهم للمسيحية. ولا شك أن الفضل الأعظم لهذا يعود للسكندريين، وباﻷخص العلّامة القدير “أوريجينوس”، الذي أدخل استعمال هذه المفردات في اللاهوت، ونقلها عن السكندريين الآباء الكبادوك، حتى استقرت مفاهيم ودلالات هذه المصطلحات في مجمع سكندري عقد برئاسة القديس أثناسيوس عام 362م، وأصبح وصف الثالوث الإلهي بعبارة “جوهر واحد وثلاثة أقانيم” هو علامة الاستقرار على الاستخدام الشائع للمصطلحات مسكونيا.
الجوهر:
الجوهر هو الأساس المجرد المشترك لأفراد من نفس “النوع”، والجوهر هو ما يجعل الفرد منتميا لهذا “النوع” طبيعيا، وهو أيضا ما يعطي لهذا “النوع” فرادته بين باقي الأنواع.
فالجوهر الإلهي هو المشترك بين ثالوث الأقانيم الإلهية.
والجوهر البشري هو المشترك بين جميع أفراد [=أقانيم] البشرية منذ خلقهم حتى اليوم الأخير.
الجوهر يمكن إدراكه بالذهن فقط، فهو لا يوجد في الواقع إلا خلال أقانيم تمثله، وسنلاحظ أنه لا يمكن تصور أنه يقبل التركيب وإلا أنتج جوهرا جديدا و”نوع” جديد.
الأقنوم:
الأقنوم هو التعبير عن [=ظهور] الجوهر ووجوده المستقل في الواقع.
والأمر هنا معقد قليلا، فهناك تصنيفات مختلفة للأقنوم.
فمن حيث البساطة: هناك أقنوم بسيط مفرد مثل أقانيم الثالوث القدوس، وهناك أقنوم مركب كالأقنوم البشري، مكون من أقنوم الجسد وأقنوم الروح العاقل.
ومن حيث التفاعل: هناك أقنوم قائم بذاته قادر على التفاعل مثل أقانيم الثالوث القدوس، والأقنوم البشري، وهناك أقنوم اعتمادي غير قائم بذاته غير قادر على التفاعل، مثل أقنوم الجسد في الأقنوم البشري.
الشخص:
الشخص هو فقط كل أقنوم قائم بذاته قادر على التفاعل، مثل أقانيم الثالوث القدوس، والأقانيم البشرية: فلان، زيد، …….، الشخص هنا أقنوم بلغ كمال الوجود، وتميز من جهة الاسم وما بعده.
الطبيعة:
استخدم السكندريون مفهوم الطبيعة بمعنى الإطار الجامع لأقانيم من نفس النوع بمعنى عام يقترب من “الجوهر”، وذلك في السياق العام والشرح الكتابي. أما في السياق الكريستولوجي، فكان الاستعمال بالمعني المتخصص المتفرد [الأقنوم] فمثلا: طبيعة واحدة متجسدة تطابق تماما أقنوم واحد متجسد.
ولنجمع كل ما سبق نستعين بفقرة للقديس كيرلس الكبير من كتاب الكنز:
إن طبيعة اللاهوت بسيطة غير مركبة، ولا يمكن أبدا أن نقسمها إلى اثنين: آب وابن، أما أن هناك اختلاف بين الإثنين فأنا أقصد أن هذا الاختلاف لا يوجد حسب الجوهر، بل يدرك من الخارج، لأن كل شخص يختلف عن الشخص الآخر، ويوجد في أقنوم خاص به، لكنهما متحدان طبيعيا في وحدانية اللاهوت [الجوهر].
(كيرلس الإسكندري، كتاب الكنز)
يتبقى الإشارة إلى أن دلالات المفاهيم التي تم إيجازها أعلاه كانت هي الدلالات المستقرة مسكونيا، ويتم استعمالها بنفس دلالاتها في الكنيسة الجامعة شرقا وغربا، حتى أتى زمان خلقيدونية ورياحه المسمومة، وفي إحدى مؤامراته جرى إعادة تعريف هذه المفاهيم لتصبح:
طبيعة = جوهر،
أقنوم = شخص،
في محاولة ساذجة لضرب الفهم اللاهوتي السكندري، ولكن المحاولة- بالرغم من استقرارها حتى الآن- أضرت بهم كثيرا حتى أنه بالنسبة لأي منصف، فمسيح نسطوريوس أكثر معقولية من مسيح خلقيدونية منطقيا، كما فند بحق قديسنا العظيم ساويرس الأنطاكي.
عودة إلى الهرطقات وكيف لا يكون “التجسد”، ومدخلنا الآن هو “مستوي الاتحاد”
القائل بالاتحاد الجوهري (الاتحاد على مستوى الجوهر) لينتج جوهرا واحدا، فهذا ذهاب إلى عائلة الهرطقات المونوفيزية (الأوطاخية) فضلا عن لا معقولية التصور نفسه.
القائل بالاتحاد الشخصي (الاتحاد على مستوى الشخص) لينتج شخصا واحدا، فهو ذهاب إلى النسطورية، فضلا عن لا معقولية التصور نفسه منطقيا، فالشخوص قد أكتمل وجودها الذاتي ولا يمكن دمجهما في شخص واحد.
القائل بالشخص الواحد في طبيعتين، يذهب إلى “اللاونية”، حيث وجود كل طبيعة لتتلقى أو تصنع ما يخصها، وهذا يجعل من كل طبيعة مركزا للفعل لا يستقيم إلا بتشخصها، فنعود إلى النسطورية ووجود شخصين لا يمكن أن يصيرا واحدا.
وإذا استبعدنا الاتحاد الجوهري والاتحاد الشخصي لأسباب تتعلق بداءة بالمنطق، دون حتى التطرق لمقاصد التدبير الإلهي الخلاصي للتجسد، لا يتبقى لنا إلا “الاتحاد الأقنومي” (الاتحاد على مستوى الأقنوم) لينتج أقنوما واحدا، وهو المنهج السكندري لشرح الاتحاد، والحق إننا لا نرى فيه مطعنا، لا منطقيا، ولا تدبيريا.
منطقيا: شخص الكلمة (أقنوم مفرد قائم بذاته) أخذ من العذراء مريم “عينة” بشرية كاملة، جسدا ذو روح محيية عاقلة [أقنوم مركب اعتمادي غير قائم بذاته (ليس شخصا)] ليصيّره جسدا له وينشأ عن الأخذ أقنوما مركبا، قائم بذاته، قادر على التفاعل (=شخص الكلمة المتجسد). البسيط أصبح مركبا. غير الجسداني أصبح متجسدا هو نفسه.
وتدبيريا أيضا فالأمر يبدو منطقيا تماما، فيقول القديس ساويرس في مقدمة كتابه “محب الحق”:
فنحن نقصد بعمانوئيل الشخص الذي سلمنا الآباء الإيمان بأنه هو الله الكلمة، الابن الوحيد المولود من الآب أزليا بلا بداية وبطريقة غير جسدية، الذي في أخر الأيام، ومن أجل خلاصنا اتخذ من الروح القدس ومن القديسة والدة الإله دائمة البتولية مريم جسدا مساويا لنا في الجوهر، ذا نفس محيية مفكرة، لم يكن له وجود قبل نزول الكلمة بطن العذراء، لم يكن هذا الاتخاذ لكي يكمل أقنومه، لأنه غير ناقص مطلقا، بل هو كامل في كل شيء لكونه الله، [بل لغرض تدبيري بحت]، هذا هو الاتحاد الأقنومي، وبميلاده الزمني أظهر العذراء أنها والدة الإله، لهذا دُعي عمانوئيل لأنه من طبيعتين كاملتين من جهة الماهية وهو نفسه الله وإنسان في ذات الوقت.
(ساويرس الأنطاكي، كتاب محب الحق)
ويقول أيضا:
إن خصوصية الاتحاد الطبيعي [الأقنومي] تكمن في أن الأقنومين هما في تركيب، وهما كاملان دون نقص، إلا أنهما يرفضان أن يستمرا في استقلالية الوجود، فلا يمكن أن نعدهما اثنين لأنهما في تركيب وليسا في انفصال أو استقلالية، مكونين شخصا واحدا للرب والابن يسوع المسيح، طبيعة واحدة متجسدة، وأقنوم واحد متجسد لله الكلمة.
(ساويرس الأنطاكي، كتاب محب الحق)
---
## طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة
URL: https://tabcm.net/10667/
Type: post
Modified: 2026-07-23
العبارة تنسب لمدرسة الإسكندرية، وشكلت أساس الكريستولوجي المسكوني حتى تم الانقلاب عليها في خلقيدونية، بل أن بعض معارضي مدرسة الإسكندرية وبعد أن انتشوا بانتصارهم هناك، قاربوا من وصفها بالهرطقة، اسبغوا عليها فهمهم المعيب، رغم أن شروحات معلم المسكونة القديس كيرلس الكبير، وتلميذه النجيب القديس ساويرس الأنطاكي، الذي امتلك كل نواصي تراثه، قد قطعت كل طرق الطعن فيها.
ورغم أن العبارة قد أعيد لها اعتبارها، وتم الاعتراف بأرثوذكسيتها في مجمع القسطنطينية الثاني، التالي لخلقيدونية، ظلت العبارة – وجرى تسويقها – كعنوان لخطل الفهم اللا خلقيدوني للاهوت التجسد.
ودون تدخل لا خلقيدوني يذكر، بدأت الترجمات والدراسات الحديثة لكتابات الآباء الشرقيين سالفي الذكر، ووقائع المجامع، في الاعتراف بدقة وتميز الفهم اللاهوتي السكندري.
العبارة على إيجازها عبقرية بحق، وكأنها الهام سمائي كما وصفها القديس ساويرس الأنطاكي. الغريب والمحزن أنني أستطيع الجزم دون تردد بأن اﻷقباط، الذين يشكل الفهم اللاهوتي لمدرسة الإسكندرية تراثهم الشخصي، لا يفهمون العبارة كما صيغت لتؤدي الغرض منها.
بداءة، فالطبيعة هنا هي الأقنوم، كما سبق واسلفنا في المقال السابق إعادة فحص لهرطقات التجسد، والطبيعة الواحدة هنا هي أقنوم الكلمة نفسه، الذي هو الله بحسب الجوهر غير الجسداني، والذي في لحظة زمنية معينة، ولهدف تدبيري خلاصي، أخذ جسدا إنسانيا محيي بروح عاقلة، وجعله لنفسه، فأصبح جسده، وأصبح هو: متجسدا به.
غير المرئي أصبح مرئيا في جسده الإنساني،
غير المدرك سوى عقليا، أصبح مدركا بالحواس،
بسيطا -كأقنوم- قبل التجسد، ومركبا بعد التجسد.
هو واحد بوضوح، قبل التجسد وبعده، أنه واحد، ليس مزدوجا وليس بدون جسد، رب وابن وحيد، الكلمة الذي من الله الآب.
( القديس كيرلس السكندري، “ضد تجاديف نسطوريوس”)
العبارة تشكل عنوانا لتقريرات لاهوتية منطقية، ولازمة للخلاص في نفس الوقت.
اتحاد أقنومي غير منفصم بين الكلمة وجسده الإنساني،
لا يعني هذا أن ثمة طبيعة جديدة قد تكونت من الاتحاد، فالماء يبقى ماءا، سائلا كان، صلبا، أو بخارا، والكلمة يبقى هو نفسه بعد تجسده.
ولا يعني هذا أن ثمة تغييرا قد طرأ على أي من الطبيعتين بسبب الاتحاد، بل احتفظت كل طبيعة بخصائصها الطبيعية، بمقوماتها وديناميكيتها في الاتحاد.
من يمكن أن يصدق أن طبيعة الكلمة تحولت إلى ما لم تكونه!! أو أن الجسد تغير إلى طبيعة الكلمة، هذا مستحيل، ما نقوله هو أن الابن واحد وطبيعته واحدة، حتى ولو في الاتخاذ صار جسدا ذا نفس عاقله، لأن ما هو إنساني قد صار له، ونحن لا نعرفه إلا هكذا، إلها وإنسانا في ذات الوقت.
(القديس كيرلس السكندري، “المسيح واحد”)
يقولون: إن كانت هناك طبيعة واحدة متجسدة للكلمة، فبالضرورة سيتبع ذلك اختلاطا وامتزاجا، كما لو أن ثمة نقص أو اضمحلال لطبيعة الإنسان. في الحقيقة لم تنقص أو تضمحل، لأن كلمة متجسدة هي كافية كأفضل إشارة عن صيرورته إنسانا، لأننا لو سكتنا بعدما قلنا طبيعة واحدة للكلمة ولم نضف متجسدة لكان من المحتمل (وعندهم سبب مقبول) أن يتساءلوا عن الكمال الإنساني، أو كيف صار جوهرنا [البشري] قائما فيه.
(القديس كيرلس السكندري، “الرسالة الثانية للأسقف سوكينسوس”)
ففي قولهم “متجسدة” أشاروا بالحقيقة إلى أن الجسد لم يبارح كونه جسدا، وانه لم يتكون منعزلا أو منفصلا عن الاتحاد مع الكلمة.
(القديس ساويرس اﻷنطاكي، “محب الحق”)
يتبقى أن نشير لبعض الضرورات التي تكمل مضمون هذه العبارة، وتجعل منها التعبير الأدق والأشمل لوصف تجسد الكلمة:
فالعبارة تتفق كل الاتفاق مع الإعلانات الكتابية، عبارات مثل “الكلمة صار جسدا” و “اشترك معنا في اللحم والدم” وكل الإعلانات التي تتحدث عن آلام وموت “رب المجد”، وكلها لا يمكن تفسيرها بمعزل عن الفهم الذي أنجبته هذه العبارة.
العبارة أيضا لا تحيد قيد أنملة عن الإيمان الذي تسلمه المسيحيون من آبائهم في نيقية، والذي صيغ في عبارات واضحة لا لبس فيها عن تجسد وتأنس وموت الكلمة.
الإشارة الأخيرة هي لفرية، اعتاد بعض إخوتنا الخلقيدونيون إشاعتها في مطبوعاتهم: وهي نسب هذه العبارة لأبوليناريوس، بل ونسب مقال كامل للقديس أثناسيوس الرسولي وردت فيه نفس العبارة على أنها لأبوليناريوس المهرطق نفسه،
ولهم نقول، أن أحدا من آبائهم في خلقيدونية وحولها لم يقل بهذا القول أبدا، وكان أمرا مثل هذا كفيلا بنسف الفهم اللاهوتي السكندري دون عناء ما حدث في المجامع.
والواقع أن العبارة كانت تقليدا مستقرا في كل المسكونة، نجدها بسهولة في كتابات باباوات روما أنفسهم، مثلما وردت في صياغات البابا هيبوليتوس في مقالته “ضد نوئيتوس”،
كما وردت في كتابات البابا القديس يوليوس اللاهوتي في مقالته “ضد الذين يقاومون التجسد الإلهي”
فأرجو أن يتركوا عنهم هذا الهراء.
أترككم الآن لتستمتعوا بفهم اسقف التعليم وبابا الكنيسة القبطية لعبارة اللاهوت السكندري الشهيرة،
ولا حول ولا قوة إلا بالله!
---
## النسطورية: اقتراب حذر
URL: https://tabcm.net/10777/
Type: post
Modified: 2026-07-23
هناك مجموعة من المنطلقات أخذها الآباء كضرورة مع محاولة فهم التجسد، وتكوين نموذج كريستولوجي يستلهم مقاصد التدبير الإلهي لحدث التجسد. هذه المنطلقات يمكن إجمالها فيما يلي:
الأول: واحدية شخص الكلمة المتجسد.
الثاني: تنزيه “الكلمة” كجوهر عما لاقاه شخص الكلمة المتجسد ولا يسري على الإله.
الثالث: ضمان كمال “الإنسان” في شخص الكلمة المتجسد، حيث أنه المعني بالخلاص وتمام التدبير.
الرابع: الحفاظ على “مركز الفعل” للكلمة نفسه، لأنه إذا لم يكن الله هو من قام شخصيا بخلاصنا، فباطل كل إيماننا.
بِنَى السكندريون نموذجهم مبكرا جدا، بالالتزام الصارم بهذه المنطلقات الذي يمكن إيجازه في العبارة الملهمة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”، وميزه “الاتحاد الأقنومي” أي إن الاتحاد تم على المستوى الأقنومي لطرفيه؛ أقنوم الكلمة أخذ أقنوما بشريا لم يحظ بوجوده المستقل قط خارج الاتحاد (ليس شخصا) فأصبح به أقنوم الكلمة مركبا ومتجسدا ومتأنسا.
هذا النموذج قبل مسكونيا ونظر له -بجانب السكندريين- لاهوتيو روما والآباء الكبادوك، وغالبية لاهوتي الشرق.
على الجانب الآخر لم يرق هذا النموذج لآباء مدرسة أنطاكيَة اللاهوتية وشرعوا في بناء نموذجهم الخاص، كان الاعتراض الرئيس هو أن هذا الاتحاد الأقنومي صائر حتما إلى الاختلاط، ثم أن “تخصيص” الكلمة (=شخص اللوجوس) كمركز للفعل قد أطاح مبدأ “عدم تغير الألوهة”.
لا أرى داعيا للتطرق لتاريخ التطور الفكري لهذه المدرسة، ما يهمنا أن الأمر انتهى لعدد من التلاميذ المخلصين الذين تجلّسوا على مقاعد الأسقفية في الشرق، سيلعب اثنان منهم في الأقل أدوارا مهمة في التاريخ الكنسي، وأعني بهما “ثيودوريت” أسقف قورش، و”نسطوريوس” بطريرك القسطنطينية الذي سنورد هنا بعض من اعتراضاته -باعتباره أحد الحلَقات الفكرية الهامة للأنطاكيين- على النموذج السكندري، الذي مثله في هذه الحِقْبَة القديس كيرلس الكبير.
فطبقا لنسطوريوس التأسيس على بداية بالله الكلمة لابد أن يقود حتما إلى الدوسيتية أو الأبولينارية، مثلما يقود التأسيس على الإنسان يسوع إلى “التبني”، فيقول مخاطبا ق. كيرلس:
لقد بدأت تصورك مع خالق الكون، وليس مع بروسبون [شخص] الاتحاد، ليس اللوجوس هو من حوى الطبيعتين، بل هو الرب، الابن الواحد، يسوع المسيح هو من حواهما، هو الذي جمع كل صفات اللوجوس، الأزلي الخالد غير المتألم، مع صفات الناسوت وهو مخلوق، مائت و متألم، أضف إليه الصفات التي للاتحاد والتجسد
(نسطوريوس مخاطبا القديس كيرلس السكندري)
ولكي نتابع فكر الرجل فهو ينفي كون “يسوع المسيح” هو اللوجوس نفسه متجسدا، هو يخلق “شخصا” جديدا يحوي شخص اللوجوس، بجانب شخص بشري، كل شخص من شخصي الاتحاد له مركز فعل مستقل، متحدان معا بالحب الإلهي والنعمة.
ما وصل إليه الرجل هنا حتمي ولا مفر منه، لمن يرفض التجسد بالاتحاد على المستوى الأقنومي، لأنه إذا كان الاتحاد الجوهري (على مستوى الجوهر) مرفوضا منطقيا، فلن يقودك الفكر إلا للاتحاد الشخصي، مع ما سينتجه هذا من صعوبات فنية وعدم مرونة فكرية.
ففي مقابل النموذج السكندري الذي ينتهي إلى شخص واحد هو الكلمة نفسه متجسدا، لدينا في النموذج الأنطاكي ثلاث شخوص؛ الكلمة، الإنسان يسوع، والمسيح الذي هو بروسبون الاتحاد الحاوي لهما معا.
سيستند الأنطاكيون إلى أن الكتاب المقدس عندما ينسب فعلا للتجسد، يتحدث عن المسيح أو الابن أو الرب، وليس عن الله الكلمة، الأمر نفسه في استنادهم للآباء وحتى لقانون الإيمان النيقاوي، فلهم تفسيرهم الخاص. فيقول نسطوريوس مخاطبا ق. كيرلس:
إذا نظرت بتدقيق، ستجد أن آباء نيقية لم يقولوا إن طبيعة اللاهوت قابلة للمعاناة، ولا إن الواحد الأزلي مع الآب ولد زمنيا، ولا قالوا إن الذي أقام الهيكل المنقوض هو نفسه قام، انظر كيف استخدموا المفاهيم “رب” ثم يسوع، والمسيح، والابن، كأساس لهم، وبهذه الأسس يبنون تقليد التجسد، الآلام، والقيامة.
(نسطوريوس مخاطبا القديس كيرلس السكندري)
سنستعرض هنا عدد من أقوال الرجل، التي ستوضح فكره، وربما أيضا تزيح بعض الأساطير التي تعودنا سماعها
“المسيح غير قابل للتقسيم، لكنه ثنائي، إله وإنسان، نحن لا نعترف بمسيحين، لكنه نفس الواحد الذي رأيناه في الخالق والمخلوق”
“لقد أبقيت الطبيعتين [في وجودهما] لكني وحدت العبادة، فهذه العبادة الموجهة للمسيح الواحد، تمتد إلى الإنسان أيضا، أنا أعبد ذلك الحامل من أجل الذي يحمله، ذلك المرئي من أجل ذلك المحتجب”
“لم أقل إن الإنسان كان واحدا، واللوجوس أخر، ما قلته أن اللاهوت بالجوهر شيء، والإنسان بالجوهر شيء آخر، لكن هناك ابنا واحدا بالاقتران [المصاحبة]”
(من أقوال نسطوريوس)
بدأت المناوشات بين المدرستين اللاهوتيتين بحذلقة لغوية نسطورية، في رفض استخدام اللقب المسكوني “والدة الإله” للقديسة العذراء، وتفضيل التسمية “والدة المسيح”.
فأثر جدال صاخب تسبب به أحد مقربينه الذين أحضرهم إلى القسطنطينية، وافق نسطوريوس أخيرا أن المصطلحين “والدة الإله” و”والدة الإنسان” غير هرطوقيين بذاتهما، إلا أن أيهما قد يقود إلى آراء حمقاء هرطوقية، فمن ناحية لم تكن العذراء هي مبدأ الكلمة، ومن الأخرى لم يكن المولود مجرد إنسان، والمصطلح الصحيح والأدق هو “أم المسيح”.
وجاء الرد فوريا وساخرا: “إذا كانت العذراء ليست -على وجه التحديد- أم الله، حينئذ ابنها ليس -على وجه التحديد- الله.
وبسبب هذه البداية شاع عن نسطوريوس أنه كان يعلم بوجود “ابنين” بالرغم من أنه لم يصرح بذلك أبدا، ولاحقا -في المنفى- أدان هذا التعليم بشكل واضح.
لا يعني هذا بالتأكيد براءة الرجل وأرثوذكسيته، فالخلل كامن في نموذج الاتحاد الشخصي الذي نظر له، وهو خلل جوهري.
الاعتراضات على هذا النموذج المعيب وجدت مطاعنا كثيرة، والحق أن هذا النموذج ينسف كثيرا من مقاصد التجسد، سنستعرض بعضها على سبيل المثال فقط، وبإيجاز.
الاعتراض الأول أن الاتحاد ليس له عدو أصيل سوى العدد، فلو إنك استطعت تفكيك الاتحاد إلى عناصر يمكن “عدها” فهي موجودة بشكل مستقل، ولا اتحاد هناك، وعند السكندريين فاختلاف الطبيعتين لا يعني الانفصال إطلاقا، فالوحدة الأقنومية لاشت الوجود المستقل والانقسام.
الاعتراض الثاني هو إذا كان هناك “يسوع” كشخص بشري، فلابد أنه هو فقط من قد خلص وتبرر، دون فائدة تذكر للبشرية، على عكس التصور السكندري الذي يوصف “المأخوذ” كعجينة البشرية، وجسد كل الخطاة (بتعبير الأب متى المسكين)
الاعتراض الثالث هو إذا كان هناك “يسوع” كشخص بشري، فماذا نتناول في الإفخارستيا، هل نتناول جسد “بشري”، وبالتعبير الآخر “ناسوت”!! لا شك أن هذا المفهوم يهدم جوهرة تاج المسيحية، عربون التأله.
كان التقليد الأنطاكي محليا محصورا، لا يثير القلاقل، حتى تبوأ نسطوريوس كرسي عاصمة الإمبراطورية، فأعد العدة -مع الدعم الإمبراطوري ووجود عدد من الأساقفة اللاهوتيين الأنطاكيين على رأس كراسي هامة- ليكون هو التقليد المسكوني بدلا من التقليد السكندري، لم ينجح الرجل في محاولته، لكنها كانت أساسا هاما للنجاح الساحق الذي حققه معاصروه بعد عقدين من الزمان في خلقيدونية.
يطيب لي أن اختتم الحديث بمقولة ملهمة للقديس كيرلس يوجز فيها مأساة النسطورية، وجهها للأسقف ثيودوريت الذي سيرد ذكره كثيرا في قادم المقالات:
إذا بدا تنازل الإخلاء ثقيلا عليك، فتعجب بالأحرى من محبة الابن لنا، وما تظنه وضيعا فقد أراد أن يفعله من أجلك
(القديس كيرلس السكندري)
---
## البطريرك الغامض والاعتراف الأخير
URL: https://tabcm.net/18125/
Type: post
Modified: 2026-07-23
مع مطالع القرن الثاني عشر، كان الفقر المدقع قد نال من الكنيسة والشعب بسبب الجبايات الجائرة لتمويل الحرب ضد الصليبيين، والتي طالت الأقباط أكثر من العموم خوفا من تسرب أموالهم لدعم الصليبيين. جلس البابا مكاريوس الثاني على الكرسي المرقسي ست وعشرين عاما ونيف، وبقا الكرسي شاغرا أكثر من سنتين بعد نياحته، حتي ظهر “أبو العلا بن تريك” في الساحة البطريركية. كنسيًا، لم تكن الأمور في أحسن أحوالها، لا قدرة على توفير الأموال اللازمة لرسامة بطريرك جديد، ولا اتفاق على مرشح.
تولى رجل “خلقيدوني!!” مهمة “إقناع” أولى أمر الدولة، وربما الأقباط، بتنصيب “أبا العلا بن تريك” بطريركًا على الكرسي المرقسي، وفي يوم أمشيري أصبح “غبريال الثاني” البطريرك السبعين في عداد بطاركة الإسكندرية.
استهل الرجل حبريته بأزمة كنسية كبيرة، في قداسه الاحتفالي الأول -وكانت العادة أن يكون بدير أبو مقار – حين أضاف الرجل من عندياته في الاعتراف الأخير عبارة: وجعله واحدًا مع لاهوته، فأنكر عليه الرهبان ذلك، واستقر النقاش على إضافة “بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير” ثم فرضها على جميع الإكليروس للصلاة بها. ورغم أن الأمر لاقى مقاومة واسعة، حتى انه استدعى الكهنة المعترضين ليتلوا الاعتراف بصورته هذه أمامة،حتى استقرت في النهاية.
هذا ما تسرده المصادر التاريخية، ولكنني شخصيًا أتشكك كثيرًا في سبب هذا الاعتراض الذي لا اشك انه كان عاتيًا. أما لماذا التشكك، فلأن – وهذا رأي شخصي اعلم أنه سيفتح صندوق باندورا – الاعتراف بصورته الحالية شديد الركاكة، ولا يعبر عن إيماننا السكندري الأفسسي، فضلا عن أخطائه المزعجة، فأعتقد انه بكامله مدسوس، ولم يكن موجودًا أبدا قبل حبرية هذا البطريرك.
هذه الجملة فقط وجعله واحدًا مع لاهوته من فرط خطلها وزيغ صياغتها، قد تُفسر على أنها مونوفيزية، وقد تفسر على أنها نسطورية.
ستظن أنني مجنون. أنا نفسي بحثت الأمر -كوني مجنونا- بصرامة، ولكن ليكن، لا بأس، امنحني بضع دقائق وكن خلالهم “على قد عقلي” فضلا،
ربما إن فحصنا الأمر بمسحة من التفصيل ستصدقني أن هناك اختراقات تاريخية كثيرة حدثت لكنيستنا وأننا لم نستطع التعافي منها.
صيغة الاعتراف:
آمين آمين آمين، أؤمن أؤمن أؤمن، وأعترف إلى النفس الأخير، أن هذا هو الجسد [المحيي] الذي أخذه إبنك الوحيد، ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح، من سيدتنا وملكتنا كلنا، والدة الإله، القديسة الطاهرة مريم، وجعله واحدًا مع لاهوته بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير، وأعترف الأعتراف الحسن أمام بيلاطس البنطي، وأسلمه عنا على خشبة الصليب المقدسة، بإرادته وحده عنا كلنا، بالحقيقة أؤمن أن لاهوته لم يفارق ناسوته لحظة واحدة ولا طرفة عين.
يعطى عنا خلاصًا وغفرانًا للخطايا وحياة أبدية لمن يتناول منه. أؤمن أؤمن أؤمن، أن هذا هو بالحقيقة، آمين.
دع عنك هذا الخطأ أن يكون “يسوع المسيح” هو آخذ الجسد، وليس الله الكلمة الذي لم يصبح المسيح يسوع إلا بعد أن أخذ هذا الجسد، وبعد أن مسحنا فيه في عماده، فهذا الخطأ هيّن إذا نظرنا لباقي المآسي.
ماذا عن وجعله واحدًا مع لاهوته؟
لن يشفع للاعتراف هنا النفي اللاحق: بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير، لأن العبارة لا تحمل تفسيرًا لهذا “الواحد”، والذي قد يفهم منها هو التماهي بين الطبيعتين والتي ستقود حتما إلى المونوفيزية.
فحين صك آباؤنا العبارة الملهمة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة” حملت التفسير في متنها، لأن كلمة “متجسدة” تعبر عن بقاء “الجسد” كاملًا، حاضرا وفاعلًا.
يقول القديس كيرلس:
لأننا لو أمسكنا بعدما قلنا “طبيعة واحدة” مهملين التدبير ودون أن نضيف “متجسدة”، لكان من المحتمل -وعندهم سبب مقبول- أن يتساءلوا مدعين: “أين هو الكمال في الطبيعة البشرية؟ أو: كيف صار جوهرنا قائمًا فيه؟” ولكن بما أن كمال الطبيعة البشرية، وأيضا الإشارة إلى جوهرنا قد انجلى بقولنا “متجسدة” فليكفوا إذن عن الاتكاء على قصبة مرضوضة.
(القديس كيرلس الكبير، الرسالة الثانية الى سكينسوس)
هل انتهت هنا شبهة المونوفيزية بهذه الإضافة؟ ربما، ولكن ماذا عن النسطورية؛ علام تشير “لاهوته” هنا، وإلى من يشير ضمير “الهاء”؟؟
هل هي للكلمة؟ ولكن الكلمة ليس إلا لاهوتًا فلا يوجد فيه شيئ آخر يجعلنا نقصر الاتحاد على “لاهوته” ونستبعد هذا الشيء الآخر، ستحمل السطور القادمة تفسيرًا لهذا العيب الجسيم في التعبير.
ماذا عن وأسلمه عنا؟ من أسلم ماذا؟
هل يقصد أنّ “الكلمة” أسلم جسده، وبقا هو متفرجًا؟ أليس هذا تقسيمًا نسطوريا لغير المنقسم!!
قارن الفارق بين هذه العبارة وعبارة القداس الباسيلي: وأسلم “ذاته” فداءً عنَّا إلى الموت الذي تملَّك علينا.
ونصلي أيضا: لأنه فيما هو راسم أن يسلم “نفسه” للموت عن حيـاة العالم…
هل تستشعر هنا يا رعاك الله الهوة الفادحة بين أن يسلم الكلمة “شخصه” وبين أن يسلم “جسده”؟
الأولى تعني انه “هو” مات “بالجسد”، بينما الثانية تعني أنّ “الناسوت” المأخوذ من العذراء هو من مات، على طريقة نسطوريوس.
ماذا عن لاهوته لم يفارق ناسوته؟
هنا نأتي الى مربط الفرس. هنا الضوء الكاشف الذي سيزيح أيّ لبس. سنكتشف هنا أن ما يعنيه من البداية بـ”يسوع المسيح” ليس هو “الكلمة المتجسد”، بل الكيان الافتراضي الحامل للطبيعتين؛ اللاهوت والناسوت، والناتج عن اتحادهما، وكأنه دخل جحر الضب خلف نسطوريوس ومشايعوه. أعد عزيزي القارئ قراءة الاعتراف من بدايته على ضوء هذا الاكتشاف ستجد أن كل ما حذرنا منه القديس كيرلس والقديس ساويرس هو حاضر وبشدة في هذا الاعتراف.
نحن نقبل القول: “كامل في اللاهوت”، وهو نفسه “كامل في الناسوت”.
لأن كلا من الطبائع [اللاهوت والناسوت] هنا تشير إلى الطبيعة العامة، فهو كامل في اللاهوت مثل الآب والروح، وهو نفسه كامل في الإنسانية مثل عمرو وزيد ومثلنا جميعا تمامًا دون الخطية بالطبع.
(لاحظ أننا لا نقبل هذه العبارة بدون “هو نفسه”)
ولكننا لا نقبل: “كامل في لاهوته وكامل في ناسوته” لأن الطبائع [اللاهوت والناسوت] هنا تتحول -بإضافة ضمير الملكية- إلى الطبيعة المتخصصة المحددة في أقانيم، ويصبح لدينا أفنوم للاهوت وأقنوم للناسوت، وليس أقنوم واحد متجسد، ويصبح الحديث هنا ليس عن شخص الكلمة المتجسد، بل عن شخص اعتباري حامل للأقنومين، وهي النسطورية برمتها، ونستعين هنا بأحد أعلام النسطورية ليلقي لنا الضوء على الفكر النسطوري:
ومن ثم نعترف في تقوى بشخص واحد، ابن ومسيح واحد، بينما القول بطبيعتين، أي أقنومين، متحدين، ليس خاطئًا بل مناسب جدا
(الأسقف ثيئودوريت)
(لاحظ أننا لا نقبل العبارة سواء أضيف إليها “هو نفسه” أو بدون الإضافة، لأن الحديث ليس عن الكلمة المتجسد، بل عن الشخص الحامل للأقنومين الذي يتحدث عنه ثيئودوريت)
وإجمالًا، لو عرضت هذا الاعتراف الليتورجي على احد غلاة النسطورية فسيطير به فرحا، وسيظن أن كنيسة كيرلس قد ثابت إلى رشدها.
سيقودنا الحديث إلى السؤال الهام؛ هل لم يلفت هذا الخطل نظر أحد من الكنيسة القبطية لمدة تزيد على تسعة قرون؟ لفت ولا شك، حتى أن المحاولات جرت لإضافة “رقع” إلى الثوب المهلهل، مثلما أضيفت كلمة “المحيي” إلى “الجسد” (وضعتها بين قوسين في نص الاعتراف) في حبرية البابا يوأنس الخامس، البابا ٧٢، بواسطة رهبان أبو مقار، وأثارت وقتها ضجة أيضا حتى اقرها البطريرك.
ملابسات إقرار هذا الاعتراف جاءت ملتبسة وفي ظرف تاريخي دقيق، حروب متصلة وأفول الدولة الفاطمية وبزوغ الدولة الأيوبية، كما أن الصلاة باللغة العربية (التي اقرها بين تريك نفسه) ساهمت في خبو العلاقة بين الأقباط والحس اللاهوتي، ما زاد الطين بلة هو استقرار “بن تريك” على الكرسي لخمسة عشر عاما، اخمد خلالها أيّه محاولات للاحتجاج، ثم خلفه بطريرك جاهل تمامًا، “ميخائيل الثالث”، حيث كان مجرد حفظ القداس يشكل صعوبة كبيرة له، أقر خلفه “يوأنس الخامس” الرقعة التي تحدثنا عنها سلفا بعد مقاومة من الأساقفة، واكتفى بتقبيل كف يده على الوجهين.
لا شك أن تركيبة الإكليروس القبطي وتكلسها، تمنع التفكير في إجراء أي تغيير استقر لفترة لزمنية، إن لم يتدارك التغيير فورًا في الحبرية اللاحقة سيستحيل أي تغيير لاحق. لكن الأمر الآن جد خطير، فلا يصح إطلاقًا أن يأتي إقرار إيمان كنيستنا بكل هذه الركاكة والتهلهل (إن افترضنا حسن النية) وأن يعطي مشروعية لكل من تحدث عن التجسد ليبتذل الحديث بمفردات “اللاهوت” و”الناسوت” دون أن يعي توظيفها الصحيح أبائيا. الأهم أن نفس هذه الجمل -باعتبارها الحق الذي لا يأتيه الباطل أبدا- استعملت في اتفاقات لاهوتية بين كنيستنا وكنائس أخرى خلقيدونية، فأتت-في حدها الأدنى- غير معبرة عن إيمان كنيستنا وآبائها.
لدينا نصوص آبائية ناصعة، تعبر بإعجاز ووضوح عن إيماننا، ولدينا من نصوص قسمات القداس نفسه جمالًا فائقًا، فلماذا نلجأ لنص يتحدث عن لاهوت وناسوت بركاكة مريبة وتغرب عن نصوصنا الابائية !!
تعليق أخير: تستطيع استبدال مفردة “النسطورية” في المقال بمفردة “الخلقيدونية” دون أدنى خطأ أو حرج.
---
## النسطورية.. دليلك الفريد للنقد والتفنيد
URL: https://tabcm.net/10830/
Type: post
Modified: 2026-07-23
يؤطر لنا القديس كيرلس القاعدة الذهبية قائلا: لا نعود نتكلم عن طبيعتين بعد الاتحاد، فما تم من طبيعتين، لا يعود يعبر عنه "في طبيعتين" [لاهوت وناسوت] الذي لا يعني إلا البقاء في حالة عدم الاتحاد، لأن القول بطبيعتين بعد الاتحاد هو نفسه الاعتراف بشخصين، حيث لا توجد طبيعة عاقلة في الحقيقة والواقع غير مشخصنة، ولأن "ناسوت" الاتحاد قد تشخصن بشخص الكلمة نفسه، فمن غير الممكن أن نفهم الكلمة المتجسد كطبيعتين تتصرف كل منهما في عالمها الخاص.
في رسالته الثانية إلى سكسنسوس، ينتقد قديسنا هؤلاء الذين ينسبون آلام الكلمة المتجسد إلى “الناسوت” بدلا من القول إنه تألم بالجسد، يقول: وبذلك فهم يتماحكون عندما يتكلمون عن “الناسوت” فهذا يخدمهم فقط في فصله عن “الكلمة” وجاعلينه محددا بنفسه، ويقودون المرء للتفكير فيه على أنه اثنين وليس واحدا، ثم يضيفون عبارة “بغير انفصال” كما لو إنهم ينتهجون الأرثوذكسية معنا، ولكن هذه ليست الحقيقة.
دعونا إذن ننظف أسماعنا، ونرى كيف يتحدث الآباء الأرثوذكسيون بفهم عميق وإيمان ثابت بواحدية الكلمة المتجسد:
كل هذه الأمور نجمت وفقا للنمط الذي وُلد عليه، ذلك الذي لم يكن محتاجا أن يقتات -وهو الذي يُقيت الجميع- لكنه مارسها جميعا لأنه تأنس، كيف لا وهو كامل بطبعه وأقنومه، فعلى النمط إذن الذي صار عليه، تربى أيضا، أجل، له الأمور العظيمة، وله أيضا الأمور الصغيرة لأنه أخلى ذاته، له ما للآب لأنه واحد معه في الجوهر، وله ما لنا لأنه صار مثلنا، له الأمور المجيدة لأنه رب المجد، وله الأمور المتضعة لأنه تجلى في الجسد، له أنه أكثر الخبز وأشبع الجياع لأنه له السلطان أن يفعل، وله أنه جاع فأبان أنه صار مثلنا، لا قوة سلطانه تضاءلت، ولا طبعه تغير حين صار.
(مار فليكسينوس المنبجي، الرسالة إلى زينون الملك)
يقولون: الملائكة لا يموتون، فكيف نصدق أن الله مات؟!! وأقول: أولا من التجديف على الله أن يقال “كيف”، فما إن سمعت أن الله فعل، فلا تسأل كيف، والأمر الآخر هو إن الملاك الذي لا يموت بطبيعته، لم يصر إنسانا، أما عن الله الذي نؤمن أنه مات، فنقول أولا أنه صار إنسانا، وإذا نسب الموت إلى شخصه فهو ينسب إلى صيرورته وليس إلى جوهره، لأن جوهر الله نزيه عن الموت، لكن متى جاء إلى الصيرورة وأحصى بين المائتين، إذ أخذ شبه العبد، ينسب إليه الموت أيضا، لا إلى طبيعة جوهره، بل إلى حقيقة صيرورته.
(مار فليكسينوس، الرسالة إلى دير تلعدا)
هل رأيت -عزيزي القارئ- عمق ورفعة إيمان كنيستك؟ “مار فليكسينوس” يتحرك بسلاسة ورشاقة في المناطق الملغومة دون أن يطرف له جَفْن، يملك وعيا ضاربا في عمق مفهوم “الإخلاء” الذي قبله الرب لأجلنا، دون حاجة للحذلقة والتنظير الفارغ من مضمونه.
هل رأيت أي حديث عن “لاهوت” و”ناسوت”؟ مما لن أسميه فقط لغو سقيم، بل سأوصفه بما هو أهل له من نسطورية فجة تستوجب الحرم والقطع.
مار فليكسينوس هنا يقتفي قاعدة ذهبية أخرى للمعلم العظيم كيرلس: “من النافع، بل والضروري، أن نقبل عن المسيح مبدأ “من جهة، ومن جهة أخرى” الذي ينطبق على الواحد ولا يسمح بفصله إلى اثنين”.
أظنك قادرا الآن -عزيزي القارئ- على السباحة في مستنقع النسطورية دون أن تبتل، فدعنا نذهب إذن إلى الجانب المظلم.
الطبيعتان:
نسطوريوس: إن طبيعة الناسوت هي التي قالت: إلهي إلهي، لماذا تركتني؟
لاون: ليس من نفس الطبيعة القول “أنا والآب واحد” والقول “أبي أعظم مني”.
لاون: فلينظر أي طبيعة سمرت بالمسامير، وعلقت على خشبة الصليب، وليفهم من أين خرج الدَّم والماء عندما طعن.
شنودة الثالث: ليس هناك تناقض بين عبارة “أترك العالم” وعبارة “أنا معكم في وسطكم” وإنما إحداهما قيلت عن الناسوت، والأخرى عن اللاهوت، دون أي انفصال بين اللاهوت والناسوت.
النمو:
ديودور: كان يسوع يتقدم في الحكمة والقامة، إلا أنه لا يمكننا أن نقول هذا عن الله الكلمة، لأنه إله كامل، فهو نفسه لم ينمو، لأنه ليس ناقصا لينمو، لكن “الناسوت” هو الذي كان ينمو في الحكمة والقامة.
ثيودوريت: لا ينسب الجهل إذا لله الكلمة، لكن لصورة العبد.
نسطوريوس: لأن اللاهوت لم يكن أبدا طفلا، لكن اللاهوت كان مع الطفل، كان معه لنفس السبب الذي لأجله لم يكن الطفل أبدًا منفصلا عن اللاهوت.
شنودة الثالث: هو بالناسوت كان ينمو، أما اللاهوت فمن المستحيل أن ينمو لأنه في الكمال المطلق.
الإفخارستيا:
نسطوريوس: لماذا يقول الرب في الليلة التي أسلم فيها “هذا هو جسدي الذي يبذل عن كثير… دمي الذي يسفك عنكم” لماذا لم يقل هذا هو لاهوتي المكسور والمسفوك عنكم، لأن جسده هو الذي يكسر ودمه الذي يسفك وليس اللاهوت.
شنودة الثالث: في تقديم الرب هذا السر لتلاميذه، قال لهم: خذوا كلوا، هذا هو جسدي، خذوا اشربوا، هذا هو دمي، ولم يذكر إطلاقا عبارة “لاهوتي” هكذا علم عن شركة في الجسد والدم، وليس شركة في اللاهوت.
والدة الإله:
نسطوريوس: لم تلد العذراء اللاهوت، لأن ما ولد من جسد هو جسد، لم يلد المخلوق غير المخلوق، إنما ولدت إنسانا.
شنودة الثالث:
كما ترى -عزيزي القارئ- لم يترك “شنودة الثالث” جحر ضب دخله النساطرة إلا ودخله خلفهم، وبغض النظر إن كان الرجل مفكرا خلص إلى قَبُول النسطورية باعتبارها الأقرب إلى عقله، أو جاهلا بكل الهرطقات والفكر الأرثوذكسي، فنحن أمام موقف لابد من حلحلته، هل استكنا إلى فرض هذا التعليم والإيمان على كنيستنا؟ كنيسة الإسكندرية، حيث أنه لا زال شائعا، بل هو مقياس التعليم الصحيح حاليا، أم يجب علينا العمل لاستعادة إيمان الآباء والأرثوذكسية؟ ((أقوال البابا شنودة الثالث مأخوذة من مقال “اتحاد اللاهوت والناسوت” المنشور بمجلة الكرازة. ))
اقرأ أيضًا:
البابا شنودة الثالث ونسطوريوس تساؤلات واجبة [١]” اللاهوت لا يؤكل ” الهراء، الدوافع الشخصية والنتائج تكررت هذه الجملة مرتين – على الأقل – في تاريخ المسيحية، الجملة بذاتها محض هراء، فلم يسبق لأحد أن ظنّ أن “اللاهوت” – كطبيعة – يؤكل، فلمن النفي إذن من قائليها؟!! “الحرارة” هي طاقة يكتسبها جسم ما، فهل يمكن شرب “الحرارة” ؟؟ بالقطع لا، ولكننا لم […]
---
## إشكالية التعليم: أزمة جيل ومسؤولية كنيسة
URL: https://tabcm.net/56562/
Type: post
Modified: 2026-07-23
في تقديري أن أزمة التعليم الكنسي ـ الأن ـ تتجاوز الخلاف بين القطبين الكبيرين، البابا شنودة الثالث والراهب الأب متى المسكين، ويتحمل مسؤوليتها الجيل التالي ـ من الأساقفة والرهبان ـ الذين لم تعد القضايا التعليمية اللاهوتية وكذلك ماهية وأبعاد وحدود وطبيعة الدورين السياسي والاجتماعي للكنيسة، عند كثيرهم، من أولوياتهم، خاصة وأنهم يفتقرون لإمكانات طرفي الخلاف وما كانا يتمتعان به من كاريزما كل في دائرته. وأنا هنا لا أشير إلى مستثمري الخلاف ولجانهم الإلكترونية.
أزمة الكنيسة ليست فقط في غياب هذه القضايا عند مدبريها بل بالأكثر في أنهم، في سعي لهروب من اخفاقات التعليم والرعاية، تحولوا إلى التوسع العمراني بشكل يتجاوز الاحتياجات الحقيقية للكنيسة، وبشكل يعكس تطلعات المنافسة بينهم، وتراجع التعليم اللاهوتي الآبائي لحساب التعليم الغيبي المروج للمعجزات غير المحققة، وغياب التلمذة من الأديرة وربما من منظومة التعليم بجملتها، وانعكاس هذا على مستوى من يتم اختياره من الرهبان للخدمة النظامية بالكنيسة ولعل هذا يقدم لنا تفسيرًا لأنين الرعية في الداخل والخارج، وتحول الكنيسة من التكامل بين مكوناتها إلى انفراد الإكليروس بتدبيرها.
ولا أخفيكم سرًا أنني ترددت كثيرًا في الاقتراب من هذه الدائرة وقد صارت حقل ألغام، وغاب عنها الحوار الموضوعي واحتلتها المواجهات المشخصنة التي تفتش في الضمائر، ربما لهذا سأحلق فوقها وأقرأها بعيون طائر، وهي تغطي زمنًا ممتدًا من بدايات القرن العشرين، وربما قبلها بقليل، وحتى اللحظة المعيشة، واشتبك فيها السياسي بالروحي والاجتماعي باللاهوتي، وشهدت موجات من الاقتراب والابتعاد بين شخوصها وهم كُثُر، كان أبرزهم بحسب الظهور على مسرح الأحداث الأستاذ حبيب جرجس والأستاذ نظير جيد، قداسة البابا شنودة فيما بعد، والدكتور نصحي عبد الشهيد والأب متى المسكين والدكتور جورج حبيب بباوي وغير بعيد يشتبك معها ويحركها البابا كيرلس السادس.
أشرنا قبلًا إلى بدايات الصحوة القبطية ـ الأرثوذكسية ـ وكانت أبرز مراحلها مع الأستاذ حبيب جرجس ودوره في مأسسة المدرسة الإكليريكية وعمادتها، وتأسيس منظومة مدارس الأحد، وكيف أنه اعتمد على المتاح من مصادر معرفية تغطي العلوم المختلفة التي تقوم الإكليريكية بتدريسها ـ آنذاك ـ وكيف استعان بمصادر من كنيسة الروم الأرثوذكس والكنيسة الكاثوليكية والكنيسة الأسقفية الإنجليكانية، خاصة في تأسيس علم “اللاهوت النظري”، وشرح أسرار الكنيسة، والكهنوت.
انتهجت مدارس الأحد نفس نهج مثيلتها في الكنائس التي أسستها الإرساليات، وجاءت هي لتحاكيها، بدءً من المسمى وحتى نظامها وترتيب الخدمة بها، وإن طُعمت بإضافات كنسية أرثوذكسية، وكانت تعتمد في وسائل إيضاحها على ما تتيحه مكتبة النيل ـ الإنجيلية ـ وانعكس هذا بالضرورة بشكل من الأشكال على المنظومة اللاهوتية عند جيل أربعينيات القرن العشرين، وقد شهدت اجتهادات فردية في تعريب بعض الكتب الآبائية لعل أبرزها كتاب تجسد الكلمة للقديس أثناسيوس الرسولي، وكانت الترجمة عن لغات وسيطة وليس عن لغتها الأم (اليونانية).
تشهد خمسينيات القرن العشرين ظهور حركة التكريس التي قادها الأب متى المسكين ثم الدكتور نصحي عبد الشهيد، وتؤسس بيت التكريس بحلوان الذي التحق به نفر من الشباب الجامعي، وصل أعدادهم في الستينيات إلى ما يزيد على المائة عضو، وتبنى البيت تثقيف الشباب القبطي ثقافة آبائية أرثوذكسية ويتجه لترجمة أعمال آباء الكنيسة الأولى عن اليونانية، ويقدمون للمكتبة العديد من الترجمات والدراسات التي تتناول القضايا اللاهوتية المحورية، ويواجه بيت التكريس صعوبات عدة بعضها مؤسسى كنسي، فيذهب بعض من أعضاءه للرهبنة يستكملون فيها سعيهم، واختاروا التلمذة على الأب متى المسكين بدير الأنبا مقار، بينما يستمر البعض الآخر في النسق التكريسي بقيادة د. نصحي، ويؤسسون”المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية ـ مؤسسة القديس أنطونيوس” الذي يواصل مهمة بيت التكريس بعد غلقه.
في سياق مواز يبتعث البابا كيرلس السادس بعض من شباب الدارسين بالكلية الإكليريكية للدراسة بالخارج أبرزهم الدكتور جورج حبيب بباوي الذي عين مدرسًا بالإكليريكية ويواصل تقديم أبحاثه اللاهوتية المستندة لتعليم آباء الكنيسة فيما قبل العصر الوسيط.
بهذا نكون أمام مشهد كنسي تعليمي يضم أكثر من اتجاه، الاتجاه الذي أسسه الأستاذ حبيب جرجس، واتجاه الدراسات الآبائية، وهو يتفرع إلى ثلاث كيانات د. نصحي عبد الشهيد مركز دراسات الآباء، والأب متى المسكين ودير الأنبا مقار، ودكتور جورج حبيب بباوي ومنصته “كوبتولوجي”. وقد يبدو الأمر هكذا تنوعًا وثراءً، لكن الواقع كان له رأيًا آخر، فقد رأى الفريق الأول أن ما اعتمده من منهج وتعليم هو الصحيح وما عداه هرطقة تنتهي بنا إلى الذوبان في الرؤى الخلقيدونية، وشككوا في المصادر اليونانية وفي دقة ما جاءت به مخالفًا ما وقر في الذهن وفق تلقينات مدارس الأحد لأجيال، واعتمدوا في هذا على التفسير النصي للكتاب المقدس وقواعد التأويل وفقًا للمدارس الغربية.
فيما ذهب الفريق الثاني بتفريعاته الثلاث إلى اعتبار التعليم بغير الاستناد إلى الآباء هو تماهي مع المدارس المخالفة للأرثوذكسية، وتحرم الكنيسة من فهم ومعايشة لاهوت الأسرار، وتتبنى لاهوت العصر الوسيط وما يحمله من تحليلات لا تتفق مع الفكر الأرثوذكسي الآبائي، وأنتج فكرًا لاهوتيًا مبني على خبرات ومعارف ذاتية دون ضبط هذا الفكر على ما جاء بالتقليد الكنسي، الذي في بنيانه يحمل خبرات الكنيسة في فهم النصوص بحسب التسلسل الجيلي ومصدره الكنيسة الأولى والآباء الرسل، ويقوم على قواعد ثابتة؛ التاريخ الكنسي وتحديدًا الخمسة قرون الأولى، وكتابات الآباء المحققة، والقانون الكنسي وخاصة قوانين المجامع المسكونية، الذي يؤدي إغفاله إلى إنتاج فكر لاهوتي ذاتي يتعدد بتعدد من يعتمده، ويرون أن حماية الفكر اللاهوتي من الشطط يتحقق بقياسه على الليتورجية كأساس للفهم السليم للقضايا اللاهوتية، وهو المنهج الذي استقر عند الآباء.
وفي بحث مهم لأحد اللاهوتيين المعاصرين يرصد عناصر الشرح الأرثوذكسي في ثلاث:
تفسير وشرح أي عقيدة في الإطار اللاهوتي الشامل الذي يضم كل العقائد. وذلك يوفر للكنيسة نظرة شاملة متكاملة لا تجزئ العقائد إلى وحدات منفصلة.
تفسير وشرح العقيدة على أساس ما يحدث في الليتورجية. والممارسة الكنسية والأسرار، حتى لا يصير التفسير نوع من التنظير المنفصل عن الحياة الروحية المعاشة.
تفسير وشرح العقيدة على أساس ما استقر في التقليد الكنسى. فيحمى الكنيسة من الآراء الشخصية والتفسيرات الذاتية الإنطباعية منبتة الصلة برؤية الكنيسة.
بين الرؤيتين تفجرت عديد من الخلافات في مقدمتها فهم وتفسير تداعيات التجسد وماهية الفداء ولاهوت الأسرار وموقع الإنسان من لاهوت التجسد وحلول الروح القدس بين المواهبية والأقنومية، وشهدت المكتبة عشرات الكتب التي تدافع عن كل من الطرحين وتفند ما جاء به الطرح المقابل، كان على رأس التوجه الأول الأنبا بيشوي سكرتير المجمع آنذاك وعلى رأس التوجه الثاني الدكتور جورج حبيب بباوي، فيما تجنب كل من الأب متى المسكين والدكتور نصحي عبد الشهيد الاشتباك ودخول دائرة الصدام، وانكبا على مواصلة إنتاجهما في دوائر الترجمة والتفسير.
تجري في نهر الكنيسة مياه كثيرة، ووفق قانون الزمن يرحل كل هؤلاء إلى الأبدية، ولكن لا ترحل معهم القضايا الخلافية، وكان من المتوقع أن تأتي الصفوف التالية لتتدبر الأمر بموضوعية بغير انحيازات لشخوص الاختلاف، وتبدأ في إعادة فحص الأطروحات المختلفة على أرضية الإيمان المسلم للكنيسة لكنهم لم يفعلوا، فالأمر يتطلب الاتفاق على آلية الفحص والقياس، فحتى اللحظة ليس لدينا ما يمكن أن نسميه مراجع كنسية تحدد منظومة القواعد الإيمانية والتعريفات اللاهوتية بشكل أكاديمي كما فعلت الكنائس التقليدية الأخري، كل ما لدينا كتابات آبائية سواء تلك المترجمة عن لغات وسيطة أو عن اللغة الأم اليونانية أو السريانية أو غيرها من لغات تلك العصور، يذهب إليها الفرقاء بشكل انتقائي بما يرونه داعمًا لطرحهم، وهذا يُحمل معاهدنا اللاهوتية الرسمية؛ الإكليريكية ومعهد الدراسات القبطية، مسؤولية رسم خطة مدروسة لوضع دستور عقيدي يعتمد على المرجعيات التي أشرنا إليها، وهو عمل مؤسسي شديد الأهمية ولن يتم بين ليلة وضحاها، أو باجتهاد فردي، بل يحتاج إلى تضافر وتعاون كل الباحثين سواء في المعاهد اللاهوتية أو الأديرة التي تذخر بالمخطوطات ذات الصلة أو المراكز اللاهوتية الأرثوذكسية، في الجامعات الكبرى التي يمكن عبر بروتوكولات تعاون أن تمدنا بنسخ إلكترونية مما لديها من مراجع ومخطوطات آبائية موثقة.
ولن يبدأ هذا العمل من فراغ، فلدينا كوادر رهبانية وعلمانية (مدنية) متخصصة في الدراسات واللغات الأصلية التي كتبت بها ذخائر الآباء، ولدينا هيئات ومؤسسات قبطية خاضت في هذا المجال وقدمت للمكتبة المسيحية العربية العديد من الأعمال المعربة، وقد يتطلب الأمر تطوير الإكليريكية ومعهد الدراسات القبطية أكاديميًا من خلال تعاون أكاديمي مع نظرائهما في الجامعات الكبرى باليونان وانجلترا ومكتبات المتاحف الكبرى التي تحتفظ بكل ما له صلة بتلك المخطوطات.
أهمية هذا لا تتوقف عند فض الاشتباك وبلورة منظومة العقائد بشكل سليم بل تمتد أثاره إلى كل الكنيسة التي استغرقتها في العقود الأخيرة موجات من التعليم الغيبي وحكايات المعجزات المرسلة وما استتبعه من اختلالات في مركزية الإيمان بالمسيح فاديًا ومخلصًا وتحول الطقوس إلى ممارسات تُطلب لذاتها ويتعامل معها البعض كتميمة، وليست طريقًا لتعميق العلاقة بين أعضاء الجسد ورأسه، وانعكاس هذا بالتبعية على الحياة اليومية للمؤمنين بشكل سلبي سواء على المستوى الفردي أو داخل الأسر، ودوائر الأنين في سلوكهم أو في أحوالهم الشخصية أو في عباداتهم أو في تراجع منظومة قيمهم.
أزمة التعليم أزمة جيل ومسؤولية كنيسة، فهل ينتبة المجمع المقدس لهذا ويبادر بتفكيك هذه الإشكالية؟ أم ننتظر أجيالًا قادمة تمتلك وعيًا أكثر نضجًا وإدراكًا لخطورة بقاء الحال على ما هو عليه؟
---
## الأمس أسعد أيام حياتي
URL: https://tabcm.net/56401/
Type: post
Modified: 2026-07-22
امبارح وحوالي الساعة الخامسة والنصف عصرًا، رن رقم معرفهوش على الموبايل، رديت:
– ألو..
– ألو.. مستر مايكل سلام ونعمة..
– سلام ونعمة.. مين معايا ؟!
– أنا أبونا فلان من الكنيسة الفلانية، عامل إيه وإيه أخبارك؟!
– نشكر ربنا في نعمة كبيرة يا أبي.. خير أقدر أساعد في إيه؟!
– بص هدخل في الموضوع على طول، أنا بكلمك بخصوص البوستات الأخيرة بتاعتك، وسيدنا عاوز يقابلك.
اتخضيت وقمت وقفت وأنا ماسك الموبايل، وقلبي فضل يدق جامد جدًا.. ارتبكت جدًا وفضلت ساكت، لدرجة أن أبونا نفسه قال:
– أستاذ مايكل، حضرتك معايا ؟!
– اه.. اه يا قدس أبونا، سيدنا عاوزني أنا؟ سيدنا اللي هو سيدنا بتاعنا احنا ده؟!
ضحك أبونا وهو بيقول:
– اه سيدنا بتاعنا احنا اللي عاوزك بخصوص أخر بوستات أنت منزلها، عاوزك تروح له المطرانية النهاردة.
اتخضيت تاني وقلبي بقى يدق بصوت غالبًا أبونا نفسه سامعه من خلال الموبايل:
– النهاردة؟ ازاي؟! أمتى أصلًا دي الساعة دلوقتي عدت 5:30٠ م؟
– اه يا أستاذ مايكل.. هيستناك الساعة 11.00 مساءًا في المطرانية، وأنت داخل هتبلغ الأمن تحت باسمك وهما هيكون عندهم معلومة بميعاد حضرتك، حضرتك هتدخل وهتلاقي حد في انتظارك يطلعك لحد سيدنا.
– ثواني بس يا أبي، 11.00 م ده مش متأخر ؟! أقصد ده ميعاد مناسب يعني؟! أنا بالنسبة لي عادي.. لكن أقصد سيدنا عادي؟!
– اه يا أستاذ مايكل، سيدنا في كتير من مواعيده بتبقى متأخرة علشان يكون خلص خدمة والمقابلات الرسمية.
– تمام.. حاضر بإذن ربنا أكون موجود في الميعاد.
– سلام..
– سلام..
قفلت الخط ، بس ولا قلبي بطل خبط ولا عقلي بطل تفكير..
ياترى سيدنا عاوزني ليه؟! هل هيزعق ويتخانق معايا؟! هل هيقول كلام صعب؟! بس أنا مش هسمح بده.. أنا ساعتها همشي مش هستنى..
طب خلاص بقى أروح ليه من البداية، هيبقى مشوار وتضييع وقت وقلة قيمة.. بلاش أروح..
استنى بس.. اهدا متسبقش الأحداث.. مش يمكن عاوز يناقشك في اللي أنت كاتبه، وساعتها فرصة تكلمه عن الرسايل اللي جت لك من ناس موجوعة منه ومن قراره، وتسمع منه ويسمع منك أب وابنه.. مش يمكن !!
كانت الساعة الحادية عشر إلا ربع عندما وصلت إلى دار المطرانية وفعلًا كما قال لي أبونا في التليفون كان لديهم علم بقدومي، ودخلت واصطحبني أحد الخدام للداخل، ثم صعدنا بالأسانسير وأدخلني وقال لي: سيدنا بيقولك انتظر دقائق قليلة وهينزلك، حضرتك قهوتك ايه؟!
دقائق ووجدت أحد الخدام يقدم لي فنجان القهوة ومعه قطعتان من الجاتوه وزجاجة مياه معدنية.
دقائق ووجدت سيدنا في المواجهة مباشرة، لسه جاي أعمل ميطانية زي ما قالولي لقيته بيشدني وبياخذني بالحضن..
وأنا في حضنه، استغربت جدًا، لأني مسمعتش إنه عمل كده مع حد قبل كده.. اطمنت بصراحة وأتوترت في نفس الوقت.. بصوا بصراحة كانت مشاعر متلخبطة.
جلسنا سويًا إلى جوار بعض، وابتدا بصوته الرخيم المعتاد:
– طبعًا أنت فاهم كويس إن معنديش حساب على الفيسبوك، بس مفيش حاجة مش بعرفها، حتى دبة النملة بتوصلني.. المهم أنت زيك زي كل الناس مش فاهم حاجة وبتتكلم من فراغ، وكان من باب أولى بدل ما تكتب وتنشر، تيجي وتتكلم معايا.. ما علينا مش مهم.. المهم محدش فاهم إني عاوز أنهض بالمستوى الثقافي للإيبارشية، خدام كتير المفروض إنها تعلم الأطفال، هما نفسهم عندهم مشكلة في قراءة الكتاب المقدس بشكل سليم، معلوماتهم أقل من بسيطة وأحيانا كمان معلومات غلط، إزاي استأمنهم على تعليم وتسليم أطفال.
– حاللني يا سيدنا، طبعًا نيافتك معاك حق وأعلم وأدرى مني، إني أغلب مناطق الإيبارشية مناطق بسيطة وسكانها بسطاء، ومش لازم تكون كل الخدمات تعليمية، بعد إذن نيافتك طبعا، الناس بتحس بانتمائها وارتباطها بالمكان لما يكون ليهم دور فيه، لما يحسوا إنهم جزء منه، جزء له فايدة تخدم المكان، لما أنا أجي أرفض فئة معينة لأي سبب حتى لو كان سبب بديهي ومقنع، بطريقة غير مباشرة بقول لفئة عريضة أنا مش عاوزكم، أنتم مش معانا، أنتم ملكمش لازمة ، فبالتالي هو كمان بيحس بعدم الانتماء والغربة مش عن الخدمة، لكن غربة عن الكنيسة ككل، وساعات كمان غربة عن الله.
– كويس ، برافو عليك بتعرف تتكلم، لكن مش بتعرف تفكر، لما بقبلهم في إعداد خدام وأخرجهم وأديهم الشهادة، بيرفضوا يتوزعوا في أي خدمات غير تعليمية، يعني تيجي توزعهم على خدمة مرضى أو افتقاد أو أي خدمة بسيطة، يرفض ويثور ويقول أنا لازم أنزل خدمة مدارس أحد، هنا بتبقى المشكلة بشهادة مني، يعني أنا اللي عملت المشكلة في نفسي.
– طب إيه رأيك يا سيدنا، بدل ما نرفضهم، نعمل لائحة قبول، في القبول نقبل الجميع، الكنائس أصلًا طول الوقت عندها عجز في عدد الخدام، ويكون من شروط اللائحة إن توزيع الخدمة طبقا لمتطلبات واحتياجات كل خدمة على أن تكون الخدمات التي بها تعليم تستلزم الحد الأدني من التعليم لكل منطقة وباقي الخدمات التي تخلو من التسليم والتعليم للجميع، وبكده يبقى مرفضتش شباب لسه في بداية حياتهم ولا حسستهم إنهم مش مقبولين.
فجأة رن المنبه، كانت الساعة 6:30 ص، وزعلت إنه كان حلم! وزعلت أكتر لما افتكرت أخر رسالة قريتها امبارح، كان مكتوب فيها متتعبش نفسك محدش هيعبرك ولا فيه حاجة هتتغير، هيقولوا: خليهم يتسلوا واحنا برضه هنعمل اللي في دماغنا وشايفينه، دع الكلاب تعوي والقافلة تسير.
ضحكت لما عرفت إن احنا الكلاب وهما القافلة، مش مهم..
المهم كان أحلى حاجة القهوة والجاتوه والحضن.. والأحلى من كل دول مش إن سيدنا وافقني في الحلم.. لأن ده محصلش حتى في الحلم.. لكن الأحلى إنه استمع لي وكان بيتناقش بود وحب..
“ليت من نختلف معهم يجلسون معنا إلى طاولة واحدة”.
---
## المسيح الخادم الثائر
URL: https://tabcm.net/56635/
Type: post
Modified: 2026-07-21
جاء المسيح إلى العالم كخادم يطلب خلاص البشر. جاء فوجد رعيته كغنم لا راعي لها، وجاء ليجد الكرامين الذين أرسلهم قد نهبوا الكرم، والرعاة الذين ائتمنهم على رعيته: نصفهم صاروا أُجراء لا يهتمون للرعية، والنصف الآخر سراق ولصوص يذبحون ويهلكون الرعية، أما هو فقدم نفسه كحمل بلا عيب مذبوح من أجل رعيته، كعنقود عنب معصور مقدما لنا دمه.
جاء المسيح ليجد الكتبة والفريسيين يحملون الناس أحمالًا عثرة الحمل وهم لا يمسونها بأصغر أصابعهم، وتركوا الناموس الحقيقي أي الرحمة والعدل والحق. فأتى المسيح ليكمل الناموس بالحب، قائلًا بهذا يتعلق الناموس كله والأنبياء، تحب الرب إلهك والثانية مثلها تحب قريبك كنفسك. لم يكتف بالتعليم بل بذل نفسه حتى الدم محبة لنا.
جاء المسيح ليجد خدام المذبح قد حولوه إلى مغارة لصوص، أصبحوا أثرياء جدًا، يبيعون ويشترون ويحلفون ويكذبون ويسرقون فيه. فجاء ليقلب موائدهم ويطردهم هم وذبائحهم ليعيده كبيت صلاة وليس بيت تجارة.
جاء رب السبت ليجد خدام السبت قد ضحوا بالإنسان من أجل السبت، يرفضون جدًا أن يُشفى الإنسان يوم السبت، ليس لديهم مشكلة أن يبقى أعمى أو مشلولًا أو كسيحًا طوال عمره، لكن لا يكسر السبت حتى لو بعمل الرحمة.
جاء المسيح خادم الإنسان يشفي ويقيم العرج ويفتح أعين العميان في السبت وغير السبت، معلنًا أن السبت لأجل الإنسان وليس الإنسان لأجل السبت.
جاء المسيح الذي خلق المرأة من الرجل لتكون معينًا نظيرًا. جاء المسيح ليجد خدام الناموس يشكرون الله أنهم (ليسوا امرأة) ويحتقرون المرأة، فجاء المسيح ليتكلم مع المرأة ويحاورها ويقدمها كبطلة لأروع أحداث قصة فدائه؛ مريم العذراء، المجدلية، الخاطئة ساكبة الطيب، مريم ومرثا، بل ويقبل أن تبشر به مثل السامرية التي بشرت سوخار، أو مريم المجدلية التي بشرت التلاميذ بالقيامة.
جاء المسيح ليجد خدام الناموس يكرمون الأغنياء وذوي المناصب، أما هو فصار مجلسه مع الفقراء والمعدمين، وأصدقائه هم المهمشين في المجتمع، وكانت إحدى بطلاته امرأة تبرعت بفلسين.
جاء المسيح ليجد خدام الناموس يرفضون ويعزلون ويطردون الضعفاء، المرضى، الخطاة، حتى يهلكون، فجاء المسيح ليبشر الزواني والعشارين والخطاة، ياكل معهم ويشرب معهم، لذلك قبله الخطاة والعشارين والزواني ورفضه رجال الدين المراؤون.
جاء المسيح ليجد أن خدام الناموس يمشون بثياب مطرزة ومزركشة ومذهبة أما هو فاكتفى أن يلبس ثوب كتان بسيط، حتى هذا استولى عليه العسكر بعد أن ألقوا عليه قرعة.
جاء المسيح ليجد الناس يسجدون لخدام الناموس ويلقبونهم سيدي سيدي، أما المسيح فاكتفى أن يجلس تحت الأقدام ويغسل الأرجل، قائلًا إن ابن الإنسان قد أتى ليَخدِم لا أن يُخدَم.
أخيرا على الصليب كرس المسيح منهج الضعف الذي يظهر به ما هو أعظم من القوة، منهج بذل الذات حتى الموت الذي يقود إلى القيامة، استلمت الكنيسة منهجها من المسيح وعرفت أن ضعفها هو سر قوتها. وعرف الشيطان أن ضعفها هو سر قوتها، على مدار ألفي عام يحاول بلا كلل أن يغريها بقوة العالم ومجد العالم وغنى العالم وسلطة العالم لينزع عنها قوة ومجد وغنى المسيح.
فشل الشيطان كثيرًا وانتصرت الكنيسة وردته مدحورًا عندما تمسكت بضعف عريسها المصلوب. وفي أحيان أخرى نجح الشيطان أن يقنع الكنيسة أن الغني والسلطة والقوة هم مصدر ثباتها، فضعفت الشهادة وفقدت قوتها على الخلاص وتركها المؤمنون.
أحد البابوات كان يفتخر بممتلكاته الذهبية أمام ضيوفه ويقول لهم: الحقيقة لا أستطيع أن أقول مثل بطرس ليس لي فضة أو ذهب. فرد عليه أحد الرجال الشجعان المملوءين بروح الله: وأيضا لا تستطيع أن تقول مثل بطرس للأعرج: لك أقول قم.
ولكن شكرا لله .. ففي كل جيل يقيم الله رعاةً شهودا يرتسم فيهم صورة المسيح.
---
## كيف تكون ليبرالي علماني محافظ دون التحول لطبق كشري
URL: https://tabcm.net/56736/
Type: post
Modified: 2026-07-20
قيل لك إن هذه التركيبة مستحيلة. اختر خانةً واحدة. لا يمكنك أن تدافع عن حقوق المختلفين يوم الثلاثاء وتذهب إلى صلاة الجمعة. لا يمكنك أن تريد دولة محايدة وبيتًا متدينًا. اختر.
والقائلون بهذا محقّون- في نسخة واحدة من التركيبة فقط. المشكلة أنها النسخة التي يحاولها معظم الناس.
الكشري: أرزّ وعدس ومكرونة وحمّص وتقلية وثلاث صلصات، من أربعة مطابخ لا يجمعها نسب، مكوّمة في طبق واحد. لذيذ، ومفكك تمامًا، ولا أحد يدّعي غير ذلك، وهذه فضيلته.
ما ليس مضحكًا هو تطبيق الوصفة نفسها على رؤية للعالم. سمّه الكشري الفكري: مكوّنات من كل مطبخ، مكوّمة في وعاء واحد، يقدّمها إليك رجل يُقسم أنها وجبة متجانسة. والبديل ليس أن تختار مكوّنًا وتحرق الباقي. البديل أن تعرف الفرق بين الطبق والكوكتيل.
وضع كل شيء بنفس المكان
الكشري الفكري ليس رجلًا يحمل ثلاث قيم؛ إنه رجل يحشر ثلاث قيم في الوظيفة نفسها. يريد دولة ليبرالية ودينية في آنٍ واحد. يريد قانونًا علمانيًا ومستمدًّا من الشريعة في السطر ذاته. يريد الحرية مكفولة «ولكن في الحدود التي أراها أنا» — جملة تلغي نصفها الأول بنصفها الثاني في أربع كلمات. يقتبس الحكم الديني لا عن إيمانٍ يكلّفه شيئًا، بل ليبدو موقفه أعمق مما هو. ويحب من «التقاليد» طعام الجدة وحكايات زمنٍ لم يعشه، ولو أُلقي فيه أسبوعًا لاستأجر أول قارب خارجًا منه. ثم يعلن، بفخر الفاتحين: «أنا مختلف!»
لست مختلفًا. أنت طبق كشري يلتقط لنفسه صورة. وهو -للأمانة- أكثرنا في ساعة من ساعات اليوم. المشكلة ليست في تعدد ما نحمل، بل في أننا نحمله كله بيد واحدة، في مكان واحد، ثم نندهش حين يقع.
كوكتيل لا كشري
للفكرة التي يسخر منها الناس اسمٌ ونسبٌ وسجل. اسمها الاندماجية (Fusionism)، صاغها في خمسينيات القرن الماضي مفكر أمريكي يُدعى فرانك ماير، وهو يواجه سؤالًا يشبه سؤالنا: كيف يجتمع ليبراليو الحرية والسوق مع المحافظين المتمسكين بالدين، في غرفة واحدة، من دون أن يلتهم أحدهما الآخر؟
جوابه سطر واحد، أذكى مما يبدو: الحرية وظيفتها السياسة. والفضيلة وظيفتها الإنسان.
الدولة تضمن الحرية للجميع ولا تفرض فضيلة على أحد؛ والفرد يستخدم هذه الحرية ليعيش قناعاته إلى أقصى ما يحتمل. ليست تسويةً يتنازل فيها كلٌّ عن نصف إيمانه- بل تقسيم عمل يحتفظ فيه كلٌّ به كاملًا.
وترجمتها إلى إنسان حيّ:
محافظ— في حياته هو: بيته، وعبادته، وأعياده، وطعام جدته الحقيقي الذي عاشه فعلًا.
ليبرالي— تجاه حقوق غيره: يعيشون كما يشاؤون ما داموا لا يؤذون أحدًا، حتى حين تزعجه اختياراتهم.
علماني— في علاقة الدولة بالجميع: قانون واحد. بلا محاباة. وبلا عقيدة مثبّتة في القمة.
ولم يُصَب أي تعريف بأذى أثناء تركيب هذا الموقف. ليبرالي بالكامل، علماني بالكامل، محافظ بالكامل— كلٌّ في وظيفته، لا زاحفًا على وظيفة جاره.
الكشري أن يُكوَّم الجميع في الطبق نفسه؛ وهذا كوكتيل طبقات— وهو للعلم، مشروب محترم تمامًا، شأنه شأن القهوة برشّة ملح: حيلة يستخدمها عارفو القهوة لكسر المرارة، وتنفع كثيرًا حين تكون حياتك -كحياة المنطقة- شديدة السواد ومرّة إلى حد بعيد.
جورج.. الكوكتيل ماشيًا على قدمين
خذ رجلًا خياليًا، اسمه جورج حنا، مسيحي مصري. ليبراليته تقول إن الحرية منحة من الله لكل إنسان، فيدافع عن حقوق الأقليات وحرية التعبير حتى ضد آرائه هو. وعلمانيته تقول إنه، رغم إيمانٍ يأخذه على محمل الجد، لا تُدار الدولة بالدين، وإن القانون العادل يخدم الجميع بلا تمييز، لأن المسيحية نفسها علّمته العدل. ومحافظته تُبقيه في كنيسته وأعياده وقيم عائلته، ويَعُدّ التقاليد جزءًا مما هو عليه، دون أن يخطر له لحظةً أنها تُفرض على أحد.
تأمل الهندسة: إيمانه يغذّي ليبراليته (الحرية إلهية)، وليبراليته تحمي محافظته (حقه في أن يعيش قيمه بلا تدخل)، وعلمانيته تحمي الاثنتين — بقاعدة ليست عاطفية إطلاقًا: الدولة التي لا تنحاز معك اليوم، لن تنحاز عليك غدًا. كل طبقة تحمل التي فوقها. هذا ليس تناقضًا. هذا معمار.
ومن الواقع: أنجيلا ميركل، ابنة قسٍّ لوثري، قادت أوروبا ستة عشر عامًا على رأس حزب اسمه حرفيًا «الاتحاد المسيحي الديمقراطي»، في دولة محايدة دينيًا في قوانينها. محافظة في شخصها، ليبرالية في سياساتها، علمانية في حكمها. (كنت سأضيف أمثلة أنجلوسكسونية، لكن الأمانة توقفني: بريطانيا لها كنيسة رسمية وأساقفة في مجلسها التشريعي، فساق «العلمانية» تعرج، والمثال الأعرج يؤذي الحجة أكثر مما يسندها).
من أين يبدأ الأذى؟
قلنا: «ما داموا لا يؤذون أحدًا». وهي أخطر جملة هنا، ومنها يهجم كل خصم ذكي.
الهجوم بسيط: مَن يحدد الأذى؟ اتركه مفتوحًا يتكفّل به الشارع قبل الغداء: مجرد وجود المختلف أذى يؤذي مشاعرنا، ويهدد نسيجنا، ويُفسد أولادنا. وهكذا تُلغى الحرية لا بقانون يمنعها، بل بتعريف يبتلعها.
لن أدّعي تعريفًا نهائيًا للأذى؛ الفلسفة السياسية لم تنتجه منذ ميل، ومن يبيعك يقينًا في هذا الباب يبيعك شيئًا آخر. لكن غياب التعريف الكامل لا يعني غياب معيار عملي، ومعياري ثلاثة أسطر:
الأذى الذي يبرر تدخل الدولة هو الملموس، المباشر، الواقع على شخص بعينه: جسده، أو ماله، أو عقده، أو حريته، أو قاصر لا يملك أهلية الرضا. أما الانزعاج الأخلاقي من اختيار بالغٍ في شأنه الخاص -مهما بلغ صدقه وعمقه- فليس أذى بالمعنى القانوني، لأن احتسابه كذلك يجعل حريتي رهينة أعصاب جاري، ويرقّي أسرع الناس غضبًا إلى منصب مشرّع.
والمناطق الرمادية؟ حقيقية وباقية، الأطفال، والفضاء العام، والأذى البطيء الذي لا يظهر في يوم. ولهذا بالضبط تُوجد محاكم مستقلة لتزنها حالةً حالة بميزان الضرر الملموس. لا أغلبية تصوّت على مشاعرها، ولا شارع يزن بيده. الفارق بين المجتمعات ليس أن بعضها بلا مناطق رمادية، بل أن بعضها أوكلها إلى قاضٍ، وبعضها أوكلها إلى حشد.
الاعتراض الجاد: العمارة تُذيب سكانها
أقوى الخصوم لا يقول إن الموقف متناقض؛ يقول إنه ساذج.
حجته: العمارة الليبرالية لا تحمي الساكن المحافظ، تذيبه ببطء. السوق والفردانية والثقافة المفتوحة تقضم التقاليد قضمةً قضمة، وبعد جيلين تجد أحفاد جورج يحسبون الكنيسة «نشاطًا اختياريًا صباح الأحد». والخلاصة: ما دامت الحرية تأكل الفضيلة، فليفرضها من يملك القوة، أي الدولة.
ثلاثة ردود:
البارد العملي: جرّبنا هذه التجربة. منطقتنا عاشت قرونًا مع دولٍ تفرض الفضيلة بالقانون. النتيجة: لا الفضيلة عمّت، ولا الحرية وُجدت، وصار النفاق العملة الرسمية التي تُدفع بها كل الفواتير.
والمبدئي: أجمل ما في تراث ماير، وأوجّهه إلى القارئ المتديّن تحديدًا، لا استفزازًا له، بل لأنه يُجِلّ العبادة أكثر مما يُجِلّها المطالبون بجعلها إجبارية:
الفضيلة بالإكراه ليست فضيلة. الصلاة التي يحرسها جنديّ لا تساوي شيئًا أمام الله ولا أمام الضمير، لا لعيبٍ في الصلاة، بل لأن قيمتها كلها في حرية صاحبها.
الأخلاق فعل حر أو لا تكون. الدولة التي تفرض التديّن لا تُنتج مؤمنين؛ تُنتج ممثلين بارعين. والدولة المحايدة ليست عدوة إيمانك، بل الشرط الوحيد الذي يجعل إيمانك، إن اخترته، يساوي شيئًا. (وليطمئن العلماني الصارم: ليس هذا تسللًا للدين من الباب الخلفي؛ الحياد يعني الحياد، دولة لا تتبنى دينًا ولا تحاربه، ولا ترتدي قميص أي فريق.)
والثالث اعتراف، وهو ما تتهرب منه معظم الليبرالية العربية، وبه خسرت جمهورها: الخصم محق في نصف تشخيصه. التقاليد تُؤكل فعلًا. لكن الفم الذي يأكلها ليس القانون الليبرالي. إنه السوق.
الاعتراف الذي يقلب الجدل
من الغش أن ندافع عن الشق السياسي للحرية ونصمت عن شقها الاقتصادي كأنهما لا يلتقيان. ما الذي فكّك العائلة الممتدة في مصر فعليًا؟ لا قانون علماني ولا كتاب مترجم. بل الهجرة من القرية إلى المدينة وراء الأجر؛ وشقة تتسع لأسرة نووية ولا تتسع لجيلين؛ ويوم عمل يبتلع أربع عشرة ساعة، فلا يترك للأب وقتًا ليكون قدوة، ولا للجدة أذنًا تحكي لها. السوق لا يكره تقاليدك؛ هو ببساطة لا يراها، يرى ساعات وأجورًا وكفاءة. وما لا يُرى يُداس بلا نية سيئة، وهذا أخطر أنواع الدَّوس.
وهنا تفترق الاندماجية العربية عن أصلها الأمريكي: لسنا مطالَبين بالدفاع عن رأسمالية عمياء بوصفها ثمن الحرية. السوق آلة إنتاج عظيمة، عمياء عن كل ما لا يُسعَّر، والتقاليد والعائلة والحيّ والساعة التي يجلسها رجل مع أبيه بلا غرض، كلها لا تُسعَّر. فالسوق المضبوط بقانون ومؤسسات وحدٍّ اجتماعي أدنى ليس تنازلًا اشتراكيًا متنكرًا في ثوب الليبرالية؛ إنه شرط بقاء المجتمع الذي يُفترض أن يمارس فيه جورج محافظته أصلًا. وحريةٌ تترك الرجل بلا وقت ولا أمان ثم تدعوه إلى «اختيار قيمه بحرية»، إنما تسخر منه.
ولاحظ ما يفعله هذا الاعتراف بالمعركة كلها. هم يقولون: الحرية تذيب التقاليد فلتفرضها الدولة. ونحن نقول: التقاليد تُؤكل فعلًا، لكن من الفم الذي لم تنتبه إليه، ومن يفرض الفضيلة بالقانون بينما يترك السوق يقتلع أساسها الاجتماعي، إنما يحرس الباب الأمامي بينما البيت يُهدَم من الخلف.
لماذا نسخة ثانية دون تشريح موت الأولى
تفككت الاندماجية الأولى. لا فائدة في تجميل ذلك؛ الفائدة في التشريح، لأن هذه بالضبط هي الأشياء التي على النسخة الجديدة أن تنجو منها.
السبب الأول: كانت ملتصقة بعدو لا بمبدأ. الملاط عند كثيرين لم يكن فلسفة ماير، بل الخصم المشترك. ولما سقط الاتحاد السوفيتي، سقط سبب الجلوس على المائدة وانصرف الجميع. الدرس: اندماجية تُبنى على خصم تموت بموته؛ والمبنية على مبدأ تعيش.
السبب الثاني: وهو الأعمق، الأسئلة التي لا يحلها تقسيم الأدوار. ما مزّق التحالف داخليًا لم يكن الجغرافيا السياسية، بل الإجهاض وحقوق المرأة وأخواتهما. لماذا؟ لأن القاعدة كلها قائمة على أن الفضيلة شأن خاص لا يمسّ ثالثًا. فحين يظهر سؤال يرى فيه فريقٌ حريةً خاصة بامرأة، ويرى فيه آخر أذًى يقع على كائن آخر، فأنت لست أمام صدام قيم، أنت أمام صدام حول حدود الأذى نفسه. أي أمام سؤال القسم الرابع، عائدًا من الشباك. لا شعار ينقذك هنا؛ تنقذك مؤسسات: قضاء يزن، ودستور يحمي الأقلية من حماسة الأغلبية، واتفاق مسبق على أن بعض المسائل ستبقى موضع خلاف دائم لا يُحسم بالغلبة. النسخة الأولى ظنّت القاعدة كافية؛ والثانية تعرف أن القاعدة تحتاج قاضيًا.
السبب الثالث: الطلاق الطبقي. نخبة اقتصادية تحالفت مع قاعدة اجتماعية محافظة. نالت النخبة أسواقها كاملة، وشاهدت القاعدة مدنها وصناعاتها وشبكاتها الأسرية تتآكل، أي دفعت ثمن الصفقة وحدها. من هنا وُلد التمرد على الصيغة كلها. والدرس يقع علينا مباشرة: اندماجية بلا وعي طبقي تتحول إلى غلاف أخلاقي لمصالح طبقة، ولن يصدّقها من يدفع الفاتورة. ومن حقه ألا يصدّقها.
ولماذا بالعربية؟
في أمريكا كانت «الفضيلة الحرة» حجةً بين حجج. أما هنا — حيث المعركة المركزية منذ قرنين هي بالضبط علاقة الدين بالدولة — فليست هامشًا. إنها الموضوع كله. كانت الاندماجية هناك تكتيك تحالفات؛ ويمكن أن تكون هنا خريطة خروج من ثنائية أقدم منا جميعًا: دولة تفرض الدين، أو دولة تطارد المتديّن. والاندماجية تقول: لا هذه ولا تلك. دولة تحمي الاثنين ولا ترتدي زيّ أيٍّ منهما.
ولأكون دقيقًا في زعمي: الفكر الليبرالي العربي لم يُولد اليوم. منذ النهضة اجتهد رجال جادّون في التوفيق بين الحرية والإيمان والتقاليد، ولهم دَينٌ على كل من يكتب في هذا الباب. زعمي أضيق: تقديم الاندماجية بوصفها إطارًا مسمًّى، بقاعدة صريحة في تقسيم الأدوار، ومعيار للأذى، ووعي بالسوق، وتاريخ موثّق يشمل كيف ماتت. تلك خانة لا أعرف من ملأها. فإن كان قد سبقني إليها سابق، فمرحبًا برفقة الطريق.
واعتراف أخير، لأن الشفافية جزء من هذه اللعبة: أكتب من يمين الوسط الليبرالي، من داخل هذا المشروع، لا من فوقه. وللحجج أعلاه خصوم جادّون من الاتجاهين، وما كتبتها لأغلق النقاش، بل لأفتحه على أرض أنظف من أرض الكشري.
إذن: هل يمكن أن تكون ليبراليًا وعلمانيًا ومحافظًا في الوقت ذاته؟
في طبق واحد: أبدًا. أما في إنسان واحد، طبقةً فوق طبقة، كلٌّ في وظيفتها، وقاضٍ عند التخوم، وسوقٌ لا يُترك أعمى؟ فليس ممكنًا فحسب، بل هو من أنضج التراكيب التي أنتجها الفكر السياسي الحديث. ومسوّدته العربية لم تبدأ إلا الآن. فلتُعتبر هذه المحاولةَ الأولى.
---
## ميلاد المسيح بين هيرودس والكهنة والرعاة
URL: https://tabcm.net/51685/
Type: post
Modified: 2026-07-19
إنجيل الميلاد بيحكي لنا إن هيرودس ((هيرودس الكبير (37–4 ق.م): ملك عيّنه الرومان على اليهودية، اشتهر بالدموية، قتل زوجته مريمن واثنين من أولاده بدافع الشك السياسي، وبنى الهيكل الثاني بصورة مبهرة لإرضاء اليهود مع ولاء كامل لروما. )) اتخض لما سمع خبر ميلاد ملك جديد. كان خايف على كرسيه لدرجة إنه استدعى الكهنة ((الكهنة: هم أبناء هارون المكرّسون لخدمة الهيكل. كان نظامهم يرتكز على تقسيمهم إلى أربع وعشرين فرقة تتناوب الخدمة أسبوعيًا، بينما يشترك الجميع في الأعياد الكبرى. مهامهم تضمنت تقديم الذبائح وإحراق البخور وتلاوة البركة الكهنوتية، إلى جانب المحافظة على قدسية المذبح والأدوات المقدسة وتعليم أحكام الشريعة للشعب. كان الكاهن يلزم أن يكون بلا عيوب جسدية ومن نسب صافٍ، مع مراعاة الطهارة والابتعاد عن ما ينجّسه طقسيًا. وعلى رأس هذه الطبقة كان يوجد الكاهن الأكبر الذي يتمتع بمهام خاصة، لكنه يظل جزءًا من هذه السلسلة الكهنوتية التي تمثل السلطة الدينية في إسرائيل القديمة. )) والكتبة ((الكتبة: الكلمة اليونانية المستخدمة في الإنجيل لـ«الكتبة» هي grammateis، وهي تقابل الكلمة العبرية soferim وتعني «العارفين بالكتابة». بعد العودة من السبي البابلي ظهرت طبقة الكتبة بزعامة عزرا، وكان دورهم قراءة نصوص التوراة العبرية وشرحها للناس واستنباط الأحكام منها، مع وضع «أسوار» تشريعية لحماية النص من التعدّي. كما قاموا بنسخ وحفظ الكتب المقدسة ووضعوا أساس الخط المربّع المستخدم في نسخ التوراة حتى اليوم. وبعملهم هذا أسهموا في صياغة الشريعة الشفوية، وأصبحوا من أهم معلمي ومفسري الشريعة في تاريخ اليهودية. )) يسألهم عن مكان المولود، فاستشهدوا بنبوة ((نبوة ميلاده في بيت لحم: سفر ميخا ٥:٢ )) تُحدّد بيت لحم موضع ميلاده. وكان رجال الدين حافظين النبوات والمكتوب عن ميلاد المُخلِّص، وعارفين إن الطفل هيولد في بيت لحم. هيرودس كمان ادّعى الورع بخبث شيطاني وبعت المجوس يدوروا، وبعدين أمر بقتل كل الأطفال دون السنتين. التاريخ بيصفه بحاكم قاسي مستعد يقتل أقرب الناس ليه عشان الكرسي ((مذبحة الأطفال في أورشليم: إنجيل متى 2 : 16–18 — غضب هيرودس من خبر ميلاد “ملك اليهود” وإصداره أمر قتل الأطفال في بيت لحم وتخومها. )).
لأن أي ولادة روحية للمسيح مش مجرد طفل جديد في التاريخ، لكنها ولادة من فوق؛ ولادة إنسان حرّ، ابن لله، بهويّة ملكوتية لا تخضع لعبوديّة العالم الموضوع في الشرير ((«العالم الموضوع في الشرير»: تعبير في رسالة يوحنا اﻷولى 5 :19 يشير إلى أن البشرية الساقطة ونظامها الحاضر يعيش تحت تأثير قوّة معادية لله؛ ليس بمعنى أنّ الخليقة شريرة في جوهرها، بل أنّ العالم كمنظومة قيم ومصالح واتجاهات قد صار خاضعًا لـ«سلطان الظلمة» (رسالة بولس إلى كولوسي 1 :13). هذه القراءة لا تتحدث عن شرّ مجرّد أو فكرة فلسفية، بل عن واقع روحي فعّال يجعل الإنسان البعيد عن الله أسيرًا لمبادئ العداء لله والأنانية والخوف، في مقابل الحياة الجديدة التي يولّدها الروح في الداخل. ولذلك جاءت العبارة في الكتاب بصيغة ثنائية واضحة: من يولد من الله يدخل دائرة الحرية والنور، ومن يبقى في العالم الساقط يبقى تحت تأثير الشرير، إلى أن يتحرّر بالنعمة ويُنقل إلى نطاق ملكوت المحبة. فـ«الوضع في الشرير» لا يعني نجاح الشرّ النهائي، بل يكشف طبيعة الصراع بين مملكة الله ومراكز الظلام في التاريخ والنفس والسلطة؛ حيث يحاول الشر أن يفرض صوته وكلمته على الضمائر والبُنى الاجتماعية والسياسية والدينية، بينما تعمل نعمة المسيح على انتشال الإنسان من الانقياد القسري والعبودية إلى حرية أبناء الله. )) ولا لدوائر الخوف المختلفة. المولود الجديد ده مش متمرّد ولا عنيف، ده مولود بالمحبة الإلهية وبعمل الثالوث في الكيان الداخلي، بالنعمة، لكن وجوده نفسه بيفضح زيف السلطان الأرضي بشقيه السياسي والديني ويُعلن نهاية مملكة الاستبداد والقمع والعبودية.
وعشان كده السلطة العالميّة في كل عصر- من فرعون مع موسى، إلى هيرودس مع يسوع، وعلى مدار التاريخ كله- كانت بترتعب من الولادة الجديدة، لأنها تهديد روحي يُسقط العبودية عن الإنسان للخطية ويحرره من خوف موتها بميلاد الملك الحقيقي على القلب: الرب يسوع. ما يعرفوش يحاربوه إلا بالقمع والإرهاب والدم، لأنهم عاجزين عن فهم معنى «مملكتي ليست من هذا العالم». ((«مملكتي ليست من هذا العالم»: تصريح من يسوع أمام السلطة الرومانية يؤكد أن ملكه لا يصدر من منطق القوة الأرضية أو العنف والحيّل السياسية، بل من سيادة روحية مصدرها الله. لا يعني أن المسيح بلا مُلك، أو أن الملكوت شأن داخلي فقط، بل أنّ طبيعة حكمه وشكل حياته ليست من جنس الممالك البشرية القائمة على السيف والهيمنة والخوف. فملكوت المسيح يقيم سيادة الله داخل القلب والضمير، حيث يتحوّل الإنسان من عبودية الخطيئة إلى حرية البنوة. لذلك ترتعب السلطة البشرية من هذا الإعلان، لأنه ينزع عنها احتكار الطاعة نتيجة الخوف، ويمنح الإنسان كرامة لا يمكن قمعها، وولاءً لا يُشترى بالسوط أو المال، بل يُولد من فوق ويحيا بإيمان ابن الله. ))
والمشهد ده شبه كل رئيس أو حاكم شايف نفسه صاحب السلطان وبيحارب أي ولادة من فوق لمولود جديد بالنعمة.
الكهنة والكتبة في القصة كانوا عارفين النصوص ودارسين النبوات، لكن قلبهم اتحجّر من كتر الجفاف الروحي. قالوا إن المسيح هيتولد في بيت لحم بس، لكن فضّلوا قاعدين في أورشليم- يمكن خوفًا من هيرودس. لا راحوا ولا سجدوا، وكأن معرفتهم بالمكتوب ما بتتحوّلش لحياة وفعل. وده شبه كتير من رجال الدين حوالينا: تدين ظاهري، وطقوس بيحيوها بروتينيّة، ومعرفة عقلية نفسانيّة بلا استنارة روحية، وإيمان سطحي هش. كل واحد عامل لنفسه “مسيح تفصيل” على مقاس طريقته وتدينه ومصلحته- مسيح يخلّصه من كل وأي حاجة إلا خطاياه وفساد قلبه. مسيح يبارك مصالحه… مش يكشف أنانيته أو حتي يمسّ كبرياءه.
والأخطر إن الجمود مش بس في المعرفة… لكن في غياب الرعاية. الشعب اللي محتاج يسمع بشارة الميلاد ويتلمّس طريق “الولادة من فوق” اتساب تايه وجاهل، من غير راعٍ روحي حرّ وأب يحملهم في أحشائه ويشيلهم في قلبه وموضوع اهتمامه وصلاته. وده اللي وبّخه الرب على لسان حزقيال في سياق طويل بيكشف خيانة الرعاة اللي ما قوّوش الضعيف، ما جبروش المكسور، ما رجّعوش الضال، وسابوا الغنم مباحة للوحوش. ((سياق الرعاة الخائنين في حزقيال: راجع حزقيال 34 : 1–10 (ويُستكمل حتى عدد 16) في توبيخ الرب لرعاة إسرائيل لأنهم لم يقوّوا الضعيف، لم يشفوا السقيم، لم يجبروا المكسور، لم يردّوا الضال، بل تركوا الغنم مباحة للوحوش. ))
رجال الدين في أورشليم ((الخلفية الفريسية– الصدوقية في السلطة الدينية: توزّعت القيادة اليهودية في القرن الأول بين الفريسيين (أصحاب التعليم الديني الشعبي، المؤمنين بالقيامة والملائكة والتقليد الشفوي) والصدوقيين (طبقة كهنوتية أرستقراطية مرتبطة بالهيكل وبالمصالح الرومانية). أنتج هذا نظامًا دينيًا مزدوجًا يدافع عن المكانة أكثر من الحقيقة، ما يفسّر جمود أورشليم أمام الميلاد رغم المعرفة النصية. )) كانوا شيوخ إسرائيل ومعلّميها، بس ما فهموش يعني إيه ميلاد روحي، ولا إزاي تحصل الولادة من الله، وده نفس الجهل اللي انكشف في حوار المسيح مع نيقوديموس- راجل فريسي ومعلّم في إسرائيل- اللي ما فهمش يعني إيه الميلاد من الماء والروح ولا إزاي الإنسان يدخل ملكوت الله، لدرجة إن المسيح واجهه: “أأنت معلّم إسرائيل ولست تعلم هذا؟”. ((سياق نيقوديموس والولادة من فوق: راجع إنجيل يوحنا 3 : 1–10 عن ضرورة الولادة من الماء والروح، وعتاب المسيح لجهل “معلّم إسرائيل” بهذه الحقيقة. ))
لأن الحقيقة- ماكانش فارق معاهم الإنسان. المهم كراسيهم، ومجدهم الباطل، وأمانهم، وسلامهم النفسانِي على حساب أرواح رعيتهم. فالراعي اللي ما يسهرش على شعبه… يسلِّمهم بيده للذئاب والثعالب والكلاب.
والأخطر من كده، إن فيهم اللي بيستغلوا موقع سلطتهم وبيسمحوا لنفسهم يتعاونوا مع السلطة الزمنية الحاكمة اللي بتحارب المسيح، وهو لسه بيتولد روحيًا في قلوب الجوعى والعطاش للبر نتيجة عمل الثالوث نفسه. بدل ما يحموا الناس ويبذلوا حياتهم لأجلهم، يبلّغوا عن مكانهم عند الملك الشرير، بجهل أو خوف أو عمى روحي شديد. هيرودس استغل عماهم وخيانتهم علشان ينفّذ مذبحة الأطفال ويرتكب مجزرة في أولاد شعبهم.
والمشهد ده بيتكرر النهارده. لما بعض رجال الدين يتعاونوا مع السلطة ضد شعبهم -غافلين أو متعمّدين- فيساهموا في قتل روح الحق في أولاد الآب اللي بيفكّروا إخوتهم يرجعوا لحضن الآب، سواء من شعبهم أو من “الحظيرة الأخرى”. ((«الحظيرة الأخرى»: راجع إنجيل يوحنا 10 : 14–16 عن معرفة الراعي الصالح لخرافه، ودعوته لخراف ليست من هذه الحظيرة ليصير الجميع رعية واحدة لراعٍ واحد. )) دول اللي المفروض يبقوا رعاة ليهم ويحافظوا عليهم من الهلاك- لكن بدل كده يسلموهم. وللأسف… بعض القادة يتحولوا لوكلاء الدولة والسلطات على حساب القطيع اللي المفروض يكونوا رعاته. ((مبدأ طاعة الله قبل الناس: راجع سفر أعمال الرسل 5 : 29 في مبدأ: “ينبغي أن يُطاع الله أكثر من الناس” — ويقابله تنظيم الطاعة المدنية في رسالة بولس إلى رومية 13 : 1–7 دون تأليه السلطة أو تحويلها لوصاية على الإيمان. ))
أمّا الناس العادية في أورشليم فكانوا لاهيين في أشغالهم ومشاغلهم، والمدينة كلها اضطربت مع هيرودس. وده بيشبه كتير منّا لما هموم الدنيا وأهواؤها -من شهوة الجسد وشهوة العيون وتعظّم المعيشة- تسحبنا بعيدًا عن استقبال كلمة ربنا ورعايتها وحفظها في القلب.
أما المجوس، ((خلفيات المجوس العلمية–الدينية: المجوس في إنجيل متّى ٢:١–١٢ لا يُقدَّمون كـ«سحرة» بالمعنى الشعبي، بل كشخصيات تنتمي إلى طبقة magi في الإمبراطورية الفارسية، وهي جماعة كهنوتية–علمية مختصة برصد السماء وتفسير الظواهر الفلكية والرموز الزمنية. ارتبطوا بالزرادشتية وبالبحث عن «الملك الإلهي» في الأزمنة الأخيرة، ما يجعل ظهور «النجم» داخل ثقافتهم علامة لاهوتية. سجودهم للمسيح يعلن أن إعلان الله يتجاوز حدود اليهود إلى الأمم الباحثة عن الحق. )) فكانوا جايين من بلاد بعيدة، شافوا نجمه ومشوا وراه. دول ناس مش من شعب العهد، بس قلبهم كان بيدور على الحقيقة. قطعوا مئات الأميال وجابوا معاهم هدايا غالية. لما لقوا الطفل، سجدوا وقدّموا الذهب واللبان والمر. رغم إنهم غرباء، فهموا قيمة المولود أكتر من القريبين. القصة بتقول لنا إن اللي جاي من بعيد ممكن يلاقي المسيح ويستقبل ميلاده ويفرح بحق من اللي عايش في بيته ورايح جاي عليه وعايش فيه لسنين.
والرعاة البسطاء اللي سمعوا البشارة كانوا سهرانين على رعيتهم في قلب الليل، ((سهر الرعاة في الليل: راجع إنجيل لوقا 2 : 8–15 عن الرعاة الساهرين على رعيتهم ورؤيتهم للملاك. )) بيحرسوا الغنم بأمانة، فشافوا الملاك وصدقوه وجريوا على بيت لحم. لقوا الطفل زي ما اتقال لهم، ورجعوا يبشّروا ويمجدوا ربنا. واللافت إنهم كانوا متيقظين لرعيتهم، عكس الكتبة والفريسيين اللي وقفوا قدام هيرودس يبلغوه عن مكان ميلاد يسوع عشان يقتله، فخانوا أمانتهم ورعيتهم بدل ما يحموها.
أمّا مريم المطوَّبة فكانت بتخبّي الكلام وتتأمّله في قلبها، ما اتكلمتش ولا اتباهت، لكنها خزّنت كل المشاهد دي وربطتها ببعض. يوسف لما سمع صوت الملاك في حلم، خاف على الطفل وأخده مع مريم وهرب بيه طاعةً لأمر الآب. مريم ويوسف بيدّونا مثل للقلوب اللي بتتأمّل وبتسمع وبتحفظ الكلمة بجد وبتطيع، حتى لو كان الطريق صعبًا ومليان مخاطر.
فالمسيح يسوع يُولَد في قلوب المنتظرين له بشوقٍ وإيمان وتوبة حقيقية- ولادة جديدة من فوق، لا تصنعها طقوس دينية ولا تقيدها سلطة دنيويّة. من يقبلها ينال حرية أبناء الله، ((حرية أبناء الله: راجع رسالة بولس إلى غلاطية 5 : 1 عن الثبات في الحرية التي حررنا بها المسيح وعدم الارتداد إلى نير العبودية. )) ومن يرفضها يظل عبدًا للخطية، واقعًا تحت خوف الموت، وتابعًا لسلطان الشرير. ((عبودية الخطية، خوف الموت، وسلطان الشرير: راجع إنجيل يوحنا 8 : 34 عن أن “كل من يعمل الخطية هو عبد للخطية”، ورسالة بولس إلى العبرانيين 2 : 14–15 عن تحرير المسيح للذين كانوا “خائفين من الموت” كل أيام حياتهم، وسفر أعمال الرسل 26 : 18 / رسالة يوحنا اﻷولى 5 : 19 عن نقل الإنسان من سلطان الشيطان إلى الله، ومن “العالم الموضوع في الشرير” إلى ملكوت ابن محبته. )) وبينما الذين تستهلكهم هموم العيشة وانشغالاتها فتُفني حياتهم- فهم يخنقون ميلاده فيهم دون أن يدروا. وبعضهم متسلطون على كراسيهم يخشون خسارة سلطانهم، فيتآمرون على إخماد ظهوره وهو طفل. وبعضهم يَشُون إلى السلطة الزمنية بخبر مجيئه- ليُلاحَق ويُطرَد وهو بعدُ في مهده.
وبين هؤلاء وهؤلاء، يبقى المجوس والرعاة ومريم ويوسف نموذجًا لمن يفتح القلب للمولود الجديد؛ غرباء بعيدون يرجونه، أو بسطاء ساهرون ينتظرونه، أو قلوب متأملة طائعة تستقبله في حضنها- كلها تلتقي عند مهد يسوع.
هو يدعونا أن نختار: نكون من الذين يفرحون بولادته ويحموه لينمو فيهم فينموا هم فيه؟ أم من الذين يضيّعون الفرصة ويشاركون في اضطهاده وقتله؟
---
## المذاهب والطوائف اليهودية [۲]
URL: https://tabcm.net/56668/
Type: post
Modified: 2026-07-18
4 – النذيريون Nazirites
ينبغي أن يُقال أولًا إن النذيريون (من نَذَرَ بالعبرية)، لم يُكوِّنوا لهم جماعة أو طائفة خاصة بهم، بل كانت نذورهم والتزاماتهم شخصية بحتة، تخصهم هم أنفسهم فقط، وهي باختصار: [الإقلاع عن الشراب المسكر، وحتى عن نتاج الكرمة بكل صوره، وترك الشعر لينمو، وألا يقترب من الموتى]. وهذه القوانين مذكورة في سفر العدد الإصحاح السادس (1-31).
ويظن البعض، وهم غير متيقنين من ذلك، أن هذا المسلك أخذه اليهود عن المصريين. وأساس عهد النذر هو التكريس لله، والتفرُّد الخارجي والمؤقت يؤكدان الإلتزام طويل الأمد.
وما يصاحب النذير من رموز كانت بسيطة للغاية، لا تتطلب عزلة أو توحدًا طقسيًا، ولا تتعارض بأية طريقة مع مهام الحياة اليومية. وكان طول الشعر هو العلامة الوحيدة المميزة للنذير. وأيام النذر كان يمكن أن تطول أو تقصر حسب رغبة النذير.
الكتَّاب اليهود يخبرون أن المدة العادية كانت 30 يومًا. ولكن النذور كانت أحيانًا تمتد إلى 60 أو 100 يوم، أو حتى إلى مدد أطول ((انظر مثلًا حالة هيلينا ملكة أبيادن: Smith’s Dictionary of the Bible, art Nazarite )).
وعند انقضاء النذر، يقدم النذير نفسه أمام الهيكل ومعه مجموعة كاملة من الذبائح، ويتقدم ومعه أيضًا خصلات من شعره التي سبق حرقها في نار المحرقة. ومعنى هذه المراسيم مزدوج، من جهة التحرر من الرباطات الخاصة التي كان مرتبطًا بها؛ ولكن من الجهة الأخرى النذر بحياة الطهارة والقداسة التي كانت ترمز إليها كل الذبائح.
وتبعًا لنذر هؤلاء هناك تكريس سري للحياة كلها لله؛ وكان ذلك ملائم خاصة للشباب، وكما تشرح التفاصيل المذكورة في الكتب عن هذا الموضوع، فهناك تلميحات أن هذه الفترة من الحياة هي المختارة عادة للنذر. ((انظر سفر عاموس 2: 11 وسفر مراثي إرميا 4: 7 )). كان نذرها ((ربما الكلمة المستعملة هنا تعني “مفروز” في المرتبة (مثلاً: أمراء، “نبلاء” RV؛ “منذورين” في الهامش. ونفس الكلمة مستعملة في سفر التكوين 49: 26 وسفر التثنية 33:16 عن يوسف ابن يعقوب. )) أنقى من الثلج وأكثر بياضًا من اللبن وأجسامهم أشد حمرة من المرجان. جَرَزَهم كالياقوت الأزرق. وتوجد مشابهة مدهشة بين رموز المنذورين وبين التكريس لرؤساء الكهنة ((سفر لاويين 11: 10-12، حيث كلمة إكليل هي المستخدمة في سفر العدد 6: 19 للشعر الطويل للمنتذر)).
المنتذر أو المنفرد إذًا ينبه للمثال الأعظم للحياة المقدسة، أي تكريس نفسي كهنوتي لله. والكُتَّاب اليهود يفرقون بين نذير الأيام ونذير الحياة. والنوع الأخير كانوا يكَرَسون من الطفولة، لسبب خاص، وهو للامتثال لحياة طويلة الأمد للعهد النذري ((انظر سفر خروج 19:6 وسفر إشعياء 61: 6 )).
هكذا كان شمشون، الوحيد المذكور في الكتاب المقدس كنذير صريح ((سفر قضاة 13:7 ))، وكذلك صموئيل ((سفر صموئيل الأول 11:1 ))، ويوحنا المعمدان ((إنجيل لوقا 15:1 )). يعقوب أخو الرب يُعرَف بحسب التقليد كنذير. أما إن كان هذا النوع من النذر هو المتعارف عليه قبل أو بعد هذا الزمان فلا يمكننا أن نستنتج حسب تدبير الكتاب المقدس.
العالم Ewald يفترض أن أفراد طائفة النذير (نذير الحياة)، كانوا كثيرين في الأيام الأولى فقط، وأنهم تزايدوا في فترات الحماس الديني والسياسي. المراجع في الكتاب المقدس والأبوكريفا تشير إلى نذير الأيام ((سفر عاموس 11:2 و12؛ وسفر مكابيين الأول 49:3 )).
وفي تاريخ الرسول بولس نقرأ عن 4 أشخاص من هذه الطائفة، حيث شارك هو نفسه في الطقوس النذرية ((سفر أعمال الرسل 23:21 و24 و26 )). بينما النذير في كنخريا ((سفر أعمال الرسل 18:18 )) فكانت قطعًا لنوع آخر.
ويبدو أنه من غير المهم أن نذكر إن كلمة نذير Nazirite والأخرى ناصري Nazarene، ليس لهما علاقة ببعضهما. لأن الحرف z في الاثنين يختلف أصلًا في العبرية (زاين وتصاديه). يسوع الناصري لم يكن نذير كما يشير هو نفسه بالنسبة إلى سابقه يوحنا ((إنجيل متى 18:11 و19 )).
الفريسيون والصدوقيون والأسينيون
عصر السبي اليهودي، كما يكتب العالم إيمانويل دويتش، كان واحدًا من أكثر الفترات سرية وخطورة في تاريخ البشرية. وما نعرفه عن هذا الزمن إن كثير من السوقة (البلطجية) المتهورة الخشنة الملحدة، قد عادوا بل تغيروا إلى حزمة من الرجال ذوي التقوى (مثل طبقة الإنجليز The Puritans).
وهناك نتيجة واحدة لهذا الإنعاش في الإيمان الإسرائيلي، وهو الوقوف الصامد والمنظم ضد محاولات الحكام الوثنيين المتتابعين لنزع الجنسية الإسرائيلية وإعادة عبادة الأصنام للأمة.
وحقًا إن البعض في البلاد الشمالية لم يستطيعوا مقاومة الفتنة، بالتالي تحت سلطان أنطيوخوس إبيفانيوس ملك سوريا (175 ق م – 164 ق م)، قدم ياسون الكاهن الأعظم تقاليد عبادة الأصنام إلى أورشليم وأرسل تقدمات إلى هيركوليس إلهة صور (Tyre).
هذه الفترة كانت فترة مَذَلة للشعب، ولكن قلب الأمة كان مستقيمًا والمحاربات الشريفة للمكابيين أمام الطاغية معروفة لكل قراء التاريخ اليهودي.
كان هناك بين هذه الجماعات خصام مطوَّل، مقابل تآخيًا تحت اسم الأسيديين Assideans، وهم مفسرون بعبارة “رجال إسرائيل الأشداء”، وهم معتمدين على تكريس حياتهم بكل تقوى على التوراة؛ ((انظر: سفر ملوك اﻷول 2: 42، 7: 13؛ سفر ملوك الثاني 14: 6. )) وقطعًا هذه التسمية يونانية مترجمة من الكلمة العبرية “الحسيديم” أي “الأتقياء” أو لكي نتخذ اسماً جديدًا: “الصدوقيون”.
ومن هذا التآخي الذي رباط شركته الموحد كان التصميم على تكريس حياتهم ليناصروا وحدانية التوراة؛ يبدو أنه نبع منه بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، الثلاث مذاهب الكبرى: “الفريسيون” و”الصدوقيون” و”الأسينيون”.
ومثلما ابتعدت هذه المذاهب عن بعضها ونشأت مرارة النزاع المتبادل، فقد بدأوا كلهم من نفس النقطة وهي: الالتصاق القوي بالإيمان القومي.
وبينما يضع الفريسيون تأكيدهم الأساسي على “الطاعة” المنضبطة، نجدهم ينقادون إلى “الشكلية” والمبالغة في تقييم سلطان الربيين. أما الصدوقيون فكلمة السر عندهم هي إنهم فقدوا كل إحساس بالإعجازية (أي حدوث المعجزات). بينما الأسينيون فمبدأهم الأساسي هو “التحكم في الذات”، ونجدهم ينقادون إلى النسك بطريقة سرية. يذكر كتاب العهد الجديد بعض من هذه المبادىء، والمؤرخ يوسيفوس له الكثير ليقوله عنهم كلهم.
---
## المذاهب والطوائف اليهودية
URL: https://tabcm.net/56230/
Type: post
Modified: 2026-07-18
يتكون كل مجتمع من مجموعات من البشر تتماثل أو تتقارب من بعضها البعض في السلوكيات والأبعاد الفكرية. هكذا سنجد أن الجماعات التي تكونت بين الشعب اليهودي لها هذه الصفات، كما سنرى عن قرب.
التنوع الكبير كان في القرن الأول الميلادي، بعد عودة الشعب من السبي الأشوري (722 ق.م.) والسبي البابلي (586 ق.م.)، فنتج عنه عدد من الجماعات التي اختلفت تسميتها إلى بدء تكوينها، مثل الركابيين والسامريين. كما حدث اضطراب ليس بقليل نتيجة ما عُرف بضياع الأسباط العشرة (أي من كانوا يسكنون في شمال إسرائيل).
ويمكن تقسيم هذه الجماعات حسب زمن تكوينها في المجتمع اليهودي هكذا:
أولًا: العهد القديم
1 – القينيون.
2 – الركابيون.
وهم أفراد من الأسباط الأجنبية انضمت إلى المجتمع اليهودي.
ثانيًا: العهد القديم والجديد
3 – السامريون: مجتمع خليط من إسرائيليين وكلدانيين ومستعمرين.
4 – النذيريون: وهم طبقة تحت نذر واحد، وهي ليست مذهب.
ثالثًا: العهد الجديد
بعض المجموعات لها صفة دينية، مثل:
5 – الفريسيون.
6 – الصدوقيون.
7 – الأسينيون.
وبعض المجموعات لها صفة الحرفية أو المهنية، مثل:
8 – الكتبة.
9 – الناموسيون.
وبعض المجموعات لها الصفة السياسية، مثل:
10 – الهيرودسيون: وهم حزب روماني.
11 – الغيوريون: وهم حزب يهودي.
12 – الجليليون.
وهناك جماعة اسمها:
13 – القتلة (!)، أو السيكاري (وهي جماعة سرية).
جماعات أخرى من اليهود:
14 – السنهدرين: وهم الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة.
15 – المبشرون: المتعبدون أو الأشخاص المخلصين.
16 – المستوطنون: وهم جامعي الضرائب.
17 – الهيلينيون: أي اليونانيون.
فلنبدأ في تتبع هذه الجماعات وكيف ظهرت إلى النور:
1 – القينيون
نقرأ عن القينيين إنهم من أولئك الساكنين في كنعان، في أيام أبرآم ((سفر التكوين 15: 19 )). ويبدو إنه كان يشير إلى صائغي الفضة أو الذهب، أو شيء من هذا القبيل.
كانت هذه الفئة جماعة بدوية، ونقابلهم هناك في أرض مديان، في شبه جزيرة سيناء. هناك عاش موسى النبي، حيث تزوج موسى ابنة كاهن مديان ((سفر الخروج 3: 1؛ سفر القضاة 21:1 )). وبعد زمن ما انضموا إلى نسل قطورة، ولكنهم بعد ذلك تبعوا الوجهة الإسرائيلية، متأثرين بلا شك بعلاقتهم بموسى عظيم الأنبياء ومعطي الناموس.
وبلعام في رؤيته يشير إلى خيام القينيين كأنها في طرف المعسكر الإسرائيلي ((سفر العدد 24: 21 )). وحتى يثرون كاهن مديان نزل لكي يتبع نسيبه موسى إلى كنعان، ولكن ابنه “هوباب” يبدو إنه بقي مع موسى بعد تردُّدٍ قليل ((سفر الخروج 28: 27 وسفر العدد 10: 29 و32 )).
وتلك العشيرة في نهاية المطاف احتلت البرية الواقعة في جنوب اليهودية، عائشين في الخيام، بالرغم من التقارب والتصاهر بينهم وبين المجتمع الإسرائيلي.
وكما تُملي عليهم الظروف، كانوا يتنقلون من بقعة إلى بقعة. فنتقابل مع إحدى المستوطنات في مرتفعات نفتالي، إلى الشمال، حيث ذُكرت عرضًا في المهمة الفذة التي قامت بها “ياعيل” ((سفر القضاة 4: 11 و17 ))؛ وبعد ذلك يُذكرون كمنتشرين بين العمالقة في الجنوب ((نِجِد، مدينة في الوادي في الجنوب؛ سفر صموئيل الأول 15: 6؛ انظر أيضًا 27: 10 )). وكان القينيون من ضمن أصدقاء داود حين هرب من شاول ((سفر صموئيل الأول 30: 29 ))، وكانوا في كل تلك الظروف مخلصين للديانة الإسرائيلية.
2 – الركابيون
بعد أيام داود الملك، لا نقرأ شيئًا عن جماعة القينيين، بل كل ما ذكر عن وجودهم هو انضمامهم إلى شعب بني إسرائيل. ربما وجودهم لم يسترعِ الانتباه لكونهم فرع صغير من عشيرة الركابيين.
وفي سفر أخبار الأيام الأولى 2: 55، توصف بعض العشائر من القينيين الساكنون في يعبيص (في جنوب اليهودية)، إنهم الخارجون من بني حَمَّة “أبي بيت ركاب”. وسواء كان “ركاب” اسم علم أم لقب يعني الراكب (أي السائق)، مشيرًا إلى وظيفتهم، فهذا غير واضح. فلم يُذكر لهم اسم علم خاص بهم في الكتاب المقدس. ولكن يهوناداب أو يوناداب هو ابن أو من ذرية ركاب، ويظهر في أيام قيام ياهو ضد عائلة أخآب ((سفر ملوك الثاني 10: 20 و23 ))؛ حيث اتخذ موقفًا حاسمًا وقاطعًا في تحريم عبادة الأوثان ((سفر ملوك الثاني 10: 15 و23 )).
وكما نرى في سفر إرميا 35 إن يوناداب عاد وجمع القينيين أو جزء منهم إلى مجتمع نسكي، مرتبطًا بعهود ألا يعيشوا في المدن ولا أن يبنوا بيوتًا ولا أن يزرعوا الأرض؛ بل أن يبقوا في الحياة البدوية، وخاصة أن يقلعوا عن الخمر والشراب المسكر.
أما في أيام نبوخذنصر، فقد كان اقتراب الجيوش البابلية كفيلًا بأن يجعلهم يهربون من خيامهم إلى الأمان داخل أورشليم.
وقد أُوحي إلى إرميا النبي بأن يختبر إخلاص الركابيين حتى يعطي شعب اليهود درسًا، إذ وضعوا أمامهم أقداح من الخمر في الهيكل، وكانوا مكرهين على الشرب، فرفضوا بشدة!! وينتهز النبي إرميا الفرصة لكي يؤكد لشعب اليهودية الدرس المطلوب بشدة عن الإخلاص للوصية! ومضيفًا إلى ذلك وعد الله أن الركابيين ينبغي أن “يقفوا أمامه” باستمرار، أي يخدموا أمامه في هيكله. وطبيعة هذه الخدمة يصعب تحديدها. ففي سفر أخبار الأيام الأولى 2: 55، يظهر الركابيون “ككتبة”. وفي تفسير النسخة السبعينية للمزمور رقم 71، يُعطَون مكانة مميزة أمام أفضل مغنيِّي إسرائيل.
ويبدو من تاريخ السبي أن الحياة البدوية قد انحسرت إلى حدٍّ ما، إذ نرى أن أحد أبناء بني ركاب قد اشترك مع الكهنة والخدام في بناء سور أورشليم ((سفر نحميا 3: 14 )).
وبالإضافة، فإنه في فترة متقدمة أخرى يكتب المؤرخ Hegesippus إن واحدًا من الكهنة، من بني ركاب المذكورين في سفر إرميا النبي ينتقد بشدة جريمة استشهاد القديس يعقوب أخي الرب. (( Smith’s Dict. of the Bible, art “Rechabites,” by Professor Plumptre. ))
وبالإجمال، فإنه يبدو بصفة مؤكدة إن مكانًا في الهيكل كان في حوزة هؤلاء أنسال القوم الأجانب والمتجولين. والتاريخ التالي للركابيين غير معروف، وأخبار الرحالة الذين يذكرون بعض ما وجدوا من آثار للركابيين يصعب القطع بها.
3 – السامريون
في الأيام الأخيرة من مملكة إسرائيل المنفصلة عن يهوذا، كانت العاصمة تسمَّى باسم “السامرة” وذلك دلالة على الأمة بكاملها ((سفر إشعياء 7: 9؛ سفر إرميا 23: 13؛ سفر حزقيال 16: 46 )). وذلك الاسم ورد في العهد القديم في سفر ملوك الثاني 17: 24-41.
وقد كانت العبادات في هذه الأمة يغلب عليها العبادات الوثنية؛ وهي مكونة من المهاجرين من خمسة مقاطعات في آشور، أرسلهم آسرحدون، تحت حماية أحد جنرالاته، ليستعمروا المقاطعات التي هجرها الإسرائيليون. وفي الفترة المبكرة لاستيطانهم، كانت الأرض قد خربت بواسطة السباع (أي الأسود)، إذ كانت قفرة ومهجورة لفترة طويلة. هذا فسَّره المستعمرون بأنه إشارة إلى غضب “رب الأرض”، واستجابة لنداءاتهم بالرحمة أرسل لهم كاهن موثوق به لكي يعلمهم “قضاء إله الأرض”، فمكث في بيت إيل ولكن لم يعلمهم إلا أن يمزجوا عبادة الله مع تلك العبادة المتوارثة، أي التي للأصنام: كانوا يتقون الرب ويعبدون آلهتهم كعادة الأمم الذين سبوهم من بينهم ((سفر ملوك الثاني 17: 33 )).
هذه الديانة المختلطة استمرت لعدة أجيال، ولكن عبادة الآلهة القديمة الآسيوية والبابلية يبدو إنها قد ماتت تدريجيًا وبلا شك، إلى حدٍّ ما، من تأثير البقية الإسرائيلية الباقية في الأرض – مثل هؤلاء الذين أتوا بعد تدمير أورشليم في القرن الثاني ق. م.، حيث أتوا من “شكيم” ومن شيلوه ومن السامرة ليسجدوا ويقدموا البكور على المذبح مع إخوتهم الذين من اليهودية ((سفر إرميا 41: 5؛ قارن مع سفر أخبار الأيام الثاني 34: 6 و9 )).
وهناك قرائن تؤكد أن الأحياء من الأسباط العشرة في فترة ما من الزمن، قد اندمجوا مع نسل المستوطنين الآسيويون، وأن السامريين كان لهم أصل إسرائيلي.
وحينما أمر كورش اليهود المسبيين في بابل أن يعودوا إلى أورشليم، في أيام نحميا، وجدوا عددًا كبيرًا من الشعب في الجزء الشمالي من المملكة، حيث كانوا يعبدون إله إبراهيم. وجاء هؤلاء إلى زربابل ونحميا ورفاقهم وأَبدَوا استعدادهم للمساعدة في بناء الهيكل. فما كان من هؤلاء القادة اليهود إلا أن رفضوا بشدة، إذ شعروا بخطر قبول هذا الشعب، بل وتأثيرهم على التحالف الإسرائيلي. بالتالي، عند رفضهم في المساعدة في بناء الهيكل، أصبحوا أكثر المعاندين لليهودية ((سفر عزرا 4: 1-5 )). هذه العداوة بطلت في أيام نحميا أيضًا، حينما أزعج سنبلط الحوروني وطوبيا العبد العموني، أزعجوا اليهود بالمعارضات الخبيثة من كل نوع التي انتهت بعد ارتحال نحميا بالتقدم نحو صلح ظاهري. غير أن الحاكم الوطني والقدير “نحميا” حينما عاد من سفره، وجد أن طوبيا كان يُنصِّب المساكن في تخم الهيكل، وأن سنبلط أعطى ابنته زوجة لأكبر أولاد رئيس الكهنة. حينئذٍ كان من المستحيل على نحميا أن يتصالح مع أعداء شعب الله الأوائل. لأن ما عمله طوبيا وسنبلط العموني في الهيكل يعتبر تدنيسًا للهيكل شرعًا. حينئذٍ أصبح طوبيا والابن الأكبر لرئيس الكهنة مطرودين من الجماعة اليهودية ((سفر نحميا 13: 4-9 و28 و29 )).
ولكن يوسيفوس المؤرخ اليهودي المعروف، يذكر إن منسى أخو يادوا كان رئيسًا للكهنة (في العام333 ق. م.)، أي إن سنبلط آخر كان حمو منسى (أي أبو زوجته). وهكذا أخذ منسى هذا على نفسه خدمة الكهنوت في السامرة (حوالي 408 ق. م.)، مؤسسًا هناك مجتمعًا دينيًا منظمًا.
أما جبل جرزيم، المعروف عنه بالتأكيد منذ زمن بعيد كواحد من الأماكن المقدسة في فلسطين، فقد اختير كمركز للعبادة الجديدة وبتصريح من الملك الإيراني داريوس نوثوس حيث تكرس هناك مذبح للرب الإله.
وقد اعتمدت الطائفة السامرية على أسفار توراة موسى النبي وحدها كمرجع للإيمان الخاص بهم.
وهكذا شيئًا فشيئًا انفصل اليهود عن جبل جرزيم، وزادت الفُرقة بمرور الوقت.
وحينما أظهر أنتيوخوس إبيفانس (عام 175 ق. م.) رغبته في نزع جنسية اليهود، والارتداد إلى عبادة الأصنام؛ أظهر السامريون ضعف إيمانهم باستعدادهم الخضوع للطاغية (حسب يوسيفوس، Ant XII, 5, sec 5)؛ هذا وضعهم في موقف مميت ضد الوطنية اليهودية، حيث تم تحت قيادة يوحنا هيركانوس المكابي تحطيم السامرة ومعبد جرزيم عام 130 ق. م. (( Jos Ant XIII, 9, sec 1 )). ولكن بقي المذبح وروح المذهب لم تُكسر والكراهية القديمة ظلت بكل قوتها حتى عهد ربنا.
وظل السامري معتبرٌ أنه غريب ((إنجيل لوقا 17: 15، إنجيل متى 10: 5و6 )). وفي حالة السفر من الجليل إلى اليهودية لا يستطيع اليهودي أن يعبر خلال السامرة، إن كان لا بد من ذلك، ولكن يتخذ الطريق الموجود في شرقي الأردن. وحينما يلتقي اثنان من الجماعتين، فبالتأكيد قد يقوم بينهما شجار ومشاحنة ((إنجيل لوقا 9: 52-54 ))، مؤديًا بالطبع إلى نزف الدماء.
غير أنه لم يكن هناك في أورشليم اسم للاستهزاء أو السخرية أكثر مرارة من تعبير “السامري” ((إنجيل يوحنا 8: 48 )). كل هذا يشير إلى سبب تكرار ربنا يسوع المسيح لتعاليم المحبة الأخوية ((إنجيل لوقا 10: 33 )). ومن الطريف أن نجد أحد التلاميذ الذي طلب أن تنزل نار من السماء لتهلك السامريين الذين رفضوا يسوع المسيح، هو نفسه الذي بشر بالإنجيل في مدن السامرة ((إنجيل لوقا 9: 54، قارن مع سفر أعمال الرسل 8: 25 )). وعلى مدى العصور، ومهما كان من تغيير في هذه الأجواء، فقد بقي السامريون في تسلسلهم الوراثي في مقرهم في نابلس (نيابوليس، أو شكيم القديمة)، بمذبحهم وخدمتهم على جبل جرزيم. وهم الآن: “أقدم وأصغر مذهب في العالم” (حسب Dean Stanley)، ويحفظون نسختهم من الأسفار الخمسة بالحروف العبرية القديمة، بكل تقوى.
---
## المنظور القديم لبولس الرسول [۲]
URL: https://tabcm.net/56284/
Type: post
Modified: 2026-07-17
في الجزء السابق بدأنا الحديث عن مجموعة من الباحثين الأكاديميين المعاصرين في الدراسات الكتابية يتبنُّون المنظور القديم لبولس الرسول الذي نشأ مع حركة الإصلاح البروتستانتي، ويمكننا الإشارة أيضًا إلى رأي الباحث الكتابيّ المعروف تشارلز هارولد دود تشارلز هارولد دود الذي يرى أن بولس لم يكن معاديًا للناموس، بل رأى أن التزامه قد انتقل من ناموس موسى (التوراة) إلى”ناموس المسيح“. وجادل دود بأن بولس اعتبر الجوهر الأخلاقيّ للشريعة أبديًا، ولكن شكلها المحدَّد كعهد موسويّ قد تجاوزه حدث المسيح.
وهكذا يُوضِّح دود في كتابه ”الإنجيل والناموس“ موقف بولس الرسول من الناموس الموسويّ، حيث جادل دود بأن تحرُّر بولس من ناموس موسى لم يكن انتقالًا إلى الانفلات من الناموس، بل كان تحوُّلًا إلى ولاء ومعيار جديدين أي ”ناموس المسيح“ ((رسالة بولس إلى غلاطية 6: 2 )). ويُشِير دود إلى (رسالة بولس اﻷولى إلى كورنثوس 9: 21 )) حيث يقول بولس: لستُ بدون ناموس لله، بل تحت ناموسٍ للمسيح، ويشرح دود أن ”ناموس المسيح“ هذا لم يكن تدوينًا ناموسيًا جديدًا، ولكنه في الأساس وصية المحبة ((رسالة بولس إلى غلاطية 5: 14 ))، التي هي تحقيق القصد الأخلاقيّ لناموس موسى. إنه ”ناموسٌ“ من نوعٍ مختلفٍ، يهتم في المقام الأول بجودة الفعل واتجاه حياة المسيحيّ مدفوعًا بالروح القدس.
كما أكَّد دود على التمييز التقليديّ للإصلاح البروتستانتيّ بين الناموس والإنجيل فيما يتعلَّق بالتبرير أي الإعلان عن البرِّ، لكنه رأى أن للناموس وظيفة أخلاقية في الحياة المسيحية. فقد رأى بولس ناموس موسى على أنه نظامٌ مؤقتٌ، مربي أو مُؤدِّب كما في ((رسالة بولس إلى غلاطية 3: 24 )) أدى غرضه حتى مجيء المسيح. فقد تمَّ إلغاء أو إبطال ناموس موسى، لا سيما جوانبه الاحتفالية والمدنية، بموت المسيح وقيامته.
ومع ذلك، فإن الجوهر الأخلاقيّ للناموس يتمُّ الحفاظ عليه والتعبير عنه من خلال حياة المحبة التي يقودها الروح القدس. بينما أصبح العهد الموسويّ ككل باليًا، إلا أن بولس استمر في النظر إلى الشريعة نفسها على أنها مُقدَّسةٌ وعادلةٌ وصالحةٌ ((رسالة بولس إلى رومية 7: 12 )).
ويُؤكِّد تفسير دود أن بولس لم يكن يرفض المعيار الأخلاقيّ لله، بل كان يرفض استخدام الشريعة كطريقةٍ للخلاص أو كوسيلةٍ لتحقيق البرِّ بمعزل عن الإيمان بالمسيح. فبالنسبة للمؤمن، يتمُّ تحقيق المتطلبات الأخلاقية للشريعة ليس عن طريق الطاعة الحرفية، ولكن عن طريق عيش حياة ”بحسب الروح“ ((رسالة بولس إلى رومية 8: 4 )). ((C. H. Dodd, Gospel and Law: The Relation of Faith and Ethics in Early Christianity, Cambridge: Cambridge University Press, 1951, pp. 77-79 ))، ((C. H. Dodd, The Meaning of Paul for Today, USA: George H. Doran Co., 1920, pp. 43-66 ))
ويرى أوسكار كولمان أيضًا أن الكتاب المقدَّس يصف جدولًا زمنيًا خطيًا ومُتواصلًا لأعمال الله الخلاصية، حيث يُعتبر حدث المسيح، موت يسوع وقيامته، هو نقطة المنتصف الحاسمة ونقطة التحوُّل في التاريخ كله. فبالنسبة لكولمان، يجب فهم نظرة بولس لناموس موسى في سياق هذا الجدول الزمنيّ. تتمثَّل مساهمة كولمان الأساسية في تحديد دور الناموس ليس من خلال التباين المنهجيّ، الناموس مُقابل الإنجيل، بل من خلال وظيفة الناموس الزمنية في خطة الله. فالناموس لم يُلغَ، بل تجاوزه الزمن، فقد كان ناموس موسى إعلانًا إلهيًا حقيقيًا وضروريًا وُجِدَ في الفترة التي سبقت حدث المسيح الحاسم.
كان الناموس جزءًا من الخطة المتكشفة. ولكن مع المسيح، مرَّ مركز الجدول الزمنيّ. ولذلك، فإن وظيفة الناموس كعلامة عهد أو كوسيلة للبرِّ تجاوزها الزمن لأن الحقيقة النهائية التي أشار إليها، أي المسيح، قد وصلت. وهكذا ينتمي الناموس إلى الجزء الذي تمَّ بالفعل من تاريخ الخلاص، لكن الجزء الذي لم يتمَّ بعد يحكمه الآن الروح القدس والعهد الجديد. وهكذا يُنظَر إلى الناموس على أنه مرحلةٌ مؤقتةٌ في عملية الخلاص، ضروريةٌ لوقتها، ولكنه لم يعد بعد العهد الفاعل لمَن هم ”في المسيح“.
كما يُوضِّح كولمان تصريحات بولس المعقَّدة، التي قد تبدو مُتناقضةً حول الناموس، بالتركيز على الخريستولوچي. فالمسيح هو التحقيق للناموس. حيث يرى بولس المسيح أنه غاية الناموس ((رسالة بولس إلى رومية 10: 4 )). وبالنسبة لكولمان، هذا يعني أن المسيح هو نقطة النهاية للناموس في وظيفته كطريق حياة مُؤدِي إلى البرِّ. وهكذا يُنظَر إلى استخدام بولس المتكرِّر للعهد القديم على أنه يُوضِّح كيف أن الأحداث التاريخية لحياة المسيح وعمله هي تحقيق الوعود الإلهية القديمة، بالتالي التحقُّق من الاستمرارية التاريخية للجوهر الأخلاقيّ للناموس مع إبطال جوانبه الاحتفالية والقانونية المؤقتة.
باختصارٍ، يُجادِل كولمان بأن بولس نظر إلى الناموس كبناءٍ إلهيٍّ، لكنه مؤقتٌ، ضمن التطوُّر الخطيّ لخطة الله، وهو بناءٌ أصبح باليًا فيما يتعلَّق بالتبرير وعضوية العهد بوصول نقطة المنتصف في التاريخ، يسوع المسيح. (( Oscar Cullmann, Christ and Time: The Primitive Christian Conception of Time and History, Tr. by Floyd V. Filson, Westminster Press, 1950, pp. 166-181 ))
ويُقدِّم چوزيف أ. فيتزماير عرضًا دقيقًا لنظرة بولس لناموس موسى، مُعتمِدًا بشكلٍ كبيرٍ على تعليقه على رسالة رومية وعمله النظاميّ بعنوان ”بولس ولاهوته: لمحة موجزة“. وتتلخَّص نظرة فيتزماير في أن بولس يُميِّز بين الجوهر الأخلاقيّ الإلهيّ والدائم للناموس ووظيفته الطقسية المؤقتة كهيكلٍ عهديٍّ تمَّ تجاوزه بواسطة المسيح. كما يُقاوِم فيتزماير كلًا من النظرة المتطرفة المعادية للناموس ووجهة نظر ”المنظور الجديد لبولس“ التي تعتبر أن المشكلة الوحيدة للناموس هي ”علامات التمييز“ فقط.
ويُؤكِّد فيتزماير أن بولس لم يرفض أبدًا السلطة الأخلاقية للناموس. فالناموس، كتعبير عن مشيئة الله المقدَّسة والصالحة، يظلُّ صالحًا للمسيحيّ، ولكن يجب تحقيقها بقوة الروح القدس، وليس بالجهد البشريّ لكسب التبرير. (( Joseph A. Fitzmyer, Romans: A New Translation with Introduction and Commentary, Anchor Bible (AD 33), New York: Doubleday, 1993, pp. 400-450 ))
وفي تفسيره لرسالة بولس إلى رومية 7: 12، يُؤيِّد فيتزماير الرأي التقليديّ بأن بولس يرى الشريعة ”مُقدَّسة وعادلة وصالحة“، وأن المشكلة لا تكمن في الشريعة نفسها، بل في خطية البشر. (( Joseph A. Fitzmyer, Romans: A New Translation with Introduction and Commentary, Anchor Bible (AD 33), New York: Doubleday, 1993, Comm. οn (Romans 7: 7-13), pp. 468-475 ))
وهكذا يتمُّ تمكين المسيحيّ من تحقيق المتطلبات العادلة للناموس من خلال الروح القدس الساكن فيه. (( Joseph A. Fitzmyer, Romans: A New Translation with Introduction and Commentary, Anchor Bible (AD 33), New York: Doubleday, 1993, Comm. οn (Romans 8: 4), pp. 484-487 ))، ((Joseph A. Fitzmyer, Paul and his Theology: A Brief Sketch, Prentice Hall, 1989 ))
ويشرح فيتزماير ((رسالة بولس إلى رومية 3: 31 ))، مجادلًا بأن إنجيل بولس بالإيمان لا يُبطِل الناموس، بل يُثبِّته في وظيفته الصحيحة. فالمسيح هو تيلوس Telos أو غاية الناموس (( Joseph A. Fitzmyer, Romans: A New Translation with Introduction and Commentary, Anchor Bible (AD 33), New York: Doubleday, 1993, Comm. οn (Romans 3: 31), p. 138 )).
يتناول فيتزماير العبارة الحاسمة في رومية ((رسالة بولس إلى رومية 10: 4 )): لأن الغاية هي المسيح لبرِّ كل مَن يؤمن. ويرفض فيتزماير التفسير المبسَّط لكلمة ”غاية“ على أنها مجرَّد توقف، ويُفضِّل معنى مزدوج يُسلِّط الضوء على دور المسيح الحاسم: فقد تمَّ إنهاء الشريعة كوسيلة للتبرير، قد تمَّ إنهاء وظيفة الناموس بشكلٍ قاطعٍ كطريقةٍ لتحقيق البرِّ أمام الله. فالمسح هو الغاية والهدف الذي أشار إليه الناموس. إنه ذروة وتحقيق خطة الله للخلاص، مما يجعل الوظيفة المؤقتة للناموس بالية. ((Joseph Fitzmyer, Paul and his Theology: A Brief Sketch, Prentice Hall, 1989; Romans: A New Translation with Introduction and Commentary, Anchor Bible (AD 33), New York: Doubleday, 1993, Comm. οn (Romans 10: 4), pp. 134-137 ))
ويُوافِق فيتزماير على أن ”أعمال الناموس“ تشمل علامات العهد المحدَّدة كالختان ونواميس الطعام وحفظ السبت، التي ميَّزت اليهود عن الأمم. ولكنه يحافظ على توازن مع الرأي التقليديّ، فبينما يُقرُّ فيتزماير بوظيفة الناموس كعلامة على الهوية، وهي نقطةٌ رئيسيةٌ في المنظور الجديد لبولس، إلا أنه يُصرُّ على أن حجة بولس في رسالتي غلاطية ورومية تدور بالأساس حول الخلاص والتبرير. ويرى أن ”أعمال الناموس“ تشمل أيّ مجهود بشريّ لأداء الناموس بطريقةٍ تستحق الرضا الإلهيّ أو تُكمِّل برَّ المرء ((Joseph A. Fitzmyer, Paul and his Theology: A Brief Sketch, Prentice Hall, 1989, pp.122-126 )).
ويُنظَر إلى رؤية بولس للناموس ضمن النطاق الأوسع لتاريخ الخلاص، فقد أُعطِيَ الناموس لإسرائيل كمربٍ مؤقت حتى مجيء المسيح (غل 3: 24). وكانت وظيفته كشف الخطية، وبالتالي إعداد إسرائيل لمجيء الإيمان. وهكذا يضع تفسير فيتزماير بولس بوضوحٍ في موقف حيث يتمُّ فيه الحفاظ على السلطة الأخلاقية للناموس ليتمَّ تحقيقه بالروح القدس، ولكن يتمُّ إنهاء هيكله العهديّ وقدرته على التبرير بشكلٍ قاطعٍ بواسطة عمل المسيح الخلاصيّ ((Joseph A. Fitzmyer, Romans: A New Translation with Introduction and Commentary, Anchor Bible (AD 33), New York: Doubleday, 1993, Comm. οn (Romans 5: 20), p. 419 )).
يُقدِّم توماس ر. شراينر رؤية مفادها أن ناموس موسى قد وجد كماله في المسيح، وأنه انتهى كنظامٍ عهديٍّ للتبرير، لكن تستمر مبادئه الأخلاقية في إطارٍ مُحدَّدٍ. ويرى شراينر أن الشريعة الموسوية خدمت أغراضًا مهمةً، مثل: الكشف عن الخطية، والإشارة إلى المسيح. ولكنها لم تعد المعيار العهديّ للمسيحيين. لقد انتهى العهد الموسويّ بأكمله كنظام للتبرير، مع التأكيد على الوصايا الأخلاقية في ناموس المسيح ((Thomas R. Schreiner, The Law and Its Fulfillment, Grand Rapids: Baker Academic, 1993, pp. 33-40 )).
ويُجادِل شراينر في شرح رومية ((رسالة بولس إلى رومية 4: 10 )) بأن كلمة ”غاية“ تعني كلًا من ”هدف“ و”نهاية“، مما يُشِير إلى نهاية الناموس كطريق للبرِّ. ((Thomas R. Schreiner, The Law and Its Fulfillment, Grand Rapids: Baker Academic, 1993, pp. 147-160 )) ويُؤكِّد شراينر على الصلاحية الدائمة للمبادئ الأخلاقية للناموس الموسويّ كما تتحقَّق بالروح في العهد الجديد، واستمرارها في ناموس المسيح ((Thomas R. Schreiner, The Law and Its Fulfillment, Grand Rapids: Baker Academic, 1993, pp. 195-216 )).
يرى شراينر نهاية الناموس كنظامٍ عهديّ، ويُشِير إلى أن ”الجسد“ مُرتبِطٌ بالعهد القديم، على عكس عصر ”الروح“ الجديد (رومية 8). ويُؤكِّد شراينر أن المسيح أكمل الشريعة ((Thomas R. Schreiner, Paul, Apostle of God’s Glory in Christ, USA: IVP Academic, 2001, pp. 107-151 )).
---
## في إشكالية التعليم
URL: https://tabcm.net/56306/
Type: post
Modified: 2026-07-16
في مجال التعليم يظهر جليًا تأثير مدخلات التكوين الفكري عند الرموز المؤثرة، التي تخرج بالخلاف بين المدرستين من كونه خلافًا شخصيًا، وإن تعمق فيما بعد بشكل مشخصن، ربما بفعل طبيعة العلاقة بين السلطة والمثقف، فضلًا عن التكوين النفسي للرهب ـ أياً كان موقعه ـ الذي يجعله صعب المراس معتدًا برأيه.
وفي مقال عن الأب متى المسكين للدكتور صموئيل روبنسون، أستاذ التاريخ بجامعة لوند بالسويد، ترجمة د. جرجس كامل يوسف، اقترب في بعض فقراته من هذه الأزمة، في تناول محايد مجرد، استأذن القارئ في نقلها هنا دون تدخل:
لم يكُن الأبُ متى عالم لاهوت نظامي مُدرَّبًا أكاديميًا، بل كاتبًا روحانيًا مُتعمِّقًا في قراءة الأدبيات اللاهوتية، سواءً القديمة منها أو الحديثة. تُغطي كتبه ومقالاته شتى المواضيع والأنواع الأدبية، من تفاسير الكتاب المقدس والرسائل اللاهوتية إلى الدراسات التاريخية والقضايا المعاصرة المتعلقة بسياسة الكنيسة والمجتمع.
وهو مُدافع قوي عن إصلاحٍ جذري، انطلاقًا من قراءةٍ جديدةٍ للأدبيات القديمة، مُنسجمةً مع التوجه الجديد الذي كان سائدًا في اللاهوت الأرثوذكسي اليوناني والروسي. أبدى البابا شنودة رد فعل قوي عندما عارضه الأب متى بالدفاع عن الرئيس أنور السادات فيما يتعلق بزيارة الأخير إلى أورشليم القدس عام ١٩٧٧، وعندما خالف متى القانون الكنسي باستقباله راهبًا قبطيًا كاثوليكيًا في الدير في أواخر سبعينيات القرن الماضي.
وتدهورت علاقتهما أكثر عندما أبدى الأب متى دعمه الصريح للأستاذ جورج بباوي، وهو عالم لاهوت قبطي قدير وشهير، عندما انتقد اللاهوت القبطي التقليدي، بما في ذلك التوجيهات اللاهوتية التي كان يقدمها البطريرك، استنادًا إلى آباء الكنيسة واللاهوت الأرثوذكسي المعاصر وقد سطع نجم جورج حبيب بيباوي في أواخر سبعينيات وأوائل ثمانينيات القرن العشرين كأهم لاهوتي في الكنيسة القبطية على الصعيد الدولي.
ويُعدّ كتابه “القديس أثناسيوس الرسولي في مواجهته التراث غير الأرثوذكسي” (القاهرة، ١٩٨٥) أهم أعماله في مجال علم الخلاص، حيث يُحلّل فيه نقدًا كيف استولى اللاهوت القبطي المعاصر على علم الخلاص عند أنسلم في صورته البروتستانتية.
وعندما حاول الرئيس السادات عزل البابا شنودة الثالث في أغسطس/آب ١٩٨١، وأرسله إلى دير تحت الإقامة الجبرية، تصاعد الصراع. إن علاقات الأب متى الطيبة مع الرئيس، وموقفه النقدي من سلوك البطريرك السياسي، وقرب العديد من الأساقفة الذين تولوا المنصب مؤقتًا خلال غياب البطريرك منه، كل ذلك أدى إلى استبعاده تمامًا من نظر البطريرك، وعندما قام البطريرك بعد سنوات بحرمان البروفيسور بباوي من الكنيسة بتهمة الهرطقة، بل ونجح أيضًا في نفيه، اتخذ الصراع طابعًا لاهوتيًا أكثر وضوحًا، حيث لعب مساعد البطريرك المقرب،أسقف دمياط بيشوي، الأمين العام للمجمع المقدس، دورًا حاسمًا.
نال الاحترام لامتناعه عن الجدال المباشر مع البطريرك أو الأسقف بيشوي، وكذلك لامتناعه عن الدفاع عن نفسه ضد اتهامات الهرطقة، على الرغم من أن هذه الاتهامات أصبحت تدريجيًا أكثر حدة. يستعين الأب متى بنصوص من الكنيسة الأولى ومن اللاهوت الأرثوذكسي والغربي الحديث.
وما يضفي على كتاباته ثقلها ليس بالضرورة أصالةً أو إبداعًا لاهوتيًا، بل رسوخها الواضح في تجربته الروحية الخاصة بالحياة الرهبانية والليتورجية، من جهة، وجرأة لغته، من جهة أخرى. وقد حظيت بعض كتابات الأب متى المسكونية باهتمام كبير، ولا سيما كتيبيه حول الوحدة المسيحية، حيث ينتقد الحركة المسكونية الرسمية بحواراتها الكثيرة، ويدعو إلى وحدة مسيحية أعمق تقوم على وحدة الخليقة والمصالحة.
يُقدّم الأب متى شرحًا للرؤية الأساسية للكنيسة التي تكمن وراء هذه الكتابات في أهم أعماله في علم الكنيسة، “الكنيسة الخالدة”، الذي نُشر لأول مرة عام ١٩٦٠ وأُعيد طبعه مرات عديدة منذ ذلك الحين. فقد دار النقاش الأكبر حول تدخلاته في القضايا الاجتماعية ورؤيته لدور الكنيسة في المجتمع والسياسة.
وانتقد بشدة طموحات الكنيسة القبطية في لعب دور سياسي، ورغبة قادتها في أن يكونوا المتحدثين باسم المسيحيين في العالم، وسعيهم لتحقيق أهداف دنيوية. كما انتقد إنشاء المؤسسات الاجتماعية الكنسية بمختلف أنواعها. ووفقًا للأب متى، فإن الكنيسة حقيقة روحية، ومهمتها ذات طبيعة روحية.
وتعكس الرعاية الاجتماعية الكنسية تحديدًا ذلك التمييز بين الغني والفقير، وبين المتعلم وغير المتعلم، وبين السليم والمريض، الذي ألغاه المسيح. إنّ الصدقة عملٌ دقيق وخطير روحيًا على كلٍّ من المُعطي والمُتلقي. يجب على المسيحي، بوصفه فردًا في المجتمع، أن يبذل قصارى جهده للعمل في ظلّ الظروف السياسية والعلمانية غير الكاملة التي يعيش فيها؛ ولكن في الكنيسة، لا مكان للفصل بين الناس، بالتالي لا شيء يُظهر للفقير فقره.
أشد الانتقادات الموجهة للأب متى تتعلق بالكتاب المقدس. فقد تعلم وطبق التفسير التاريخي النقدي الحديث، مقترنًا بالتأويل الإسكندري التقليدي، لكن البابا شنودة وغيره من قادة الكنيسة زعموا أن السبيل لمواجهة الاتهامات الإسلامية بأن النص المقدس للمسيحيين مزيف وغير موثوق ومتناقض، هو اعتبار الكتاب المقدس معيارًا بسيطًا وواضحًا ومطلقًا.
وجادلوا بأن تشجيع الالتزام الصارم بالكتاب المقدس هو السبيل الوحيد أمام الأقلية المسيحية للصمود في وجه الإسلام والعلمانية الغربية. ولهذا السبب، ينكشف النقد الشديد الموجه للأب متى لعدم التزامه بالكتاب المقدس في الحوارات المسكونية التي شاركت فيها الكنيسة القبطية في العقود الأخيرة.
أما النقطة الثانية التي وُجهت للأب متى انتقادات لاذعة فتتعلق بنظرته إلى الأنثروبولوجيا وعقيدة التأليه. يتضح هنا أنه بينما يتبع الأب متى[كحال الكثير من اللاهوت الأرثوذكسي الحديث] إلى حد كبير التعاليم السائدة في عظات أشباه المقاريين، إلا أنه يتعرض لنفس نوع النقد الذي تعرض له أتباع المساليين في الكنيسة الأولى. فقد شكك البابا شنودة بشدة في التركيز الشديد على مشاركة الإنسان في الطبيعة الإلهية، وعلى سكنى الروح القدس فيه، وعلى الكفارة باعتبارها تحريرًا جذريًا من سلطان الشر، إذ يتميز لاهوته بعقيدة غربية كلاسيكية للكفارة تُشدد على السقوط، والشعور بالذنب، والمغفرة، والنعمة.
(صموئيل روبنسون، مقال عن اﻷب متى المسكين)
في تقديري أن أزمة التعليم الكنسي الأن تتجاوز الخلاف بين القطبين الكبيرين، ويتحمل مسؤولية الأزمة الجيل التالي ـ من الأساقفة والرهبان ـ الذي لم تعد القضايا التعليمية اللاهوتية وكذلك ماهية الدورين السياسي والاجتماعي للكنيسة، من أولوياتهم، خاصة وأنهم يفتقرون لإمكانات طرفي الخلاف وما كانا يتمتعان به من كاريزما كل في دائرته. وأنا هنا لا إشير إلى مستثمري الخلاف ولجانهم الإلكترونية.
أزمة الكنيسة ليست فقط في غياب هذه القضايا عند مدبريها بل بالأكثر في إنهم تحولوا إلى التوسع العمراني بشكل يتجاوز الاحتياجات الحقيقية للكنيسة، وبشكل يعكس تطلعات المنافسة بينهم، وتراجع التعليم اللاهوتي الآبائي لحساب التعليم الغيبي المروج للمعجزات غير المحققة، وغياب التلمذة من الأديرة وربما من منظومة التعليم بجملتها، وانعكاس هذا على مستوى من يتم اختياره من الرهبان للخدمة النظامية بالكنيسة ولعل هذا يقدم لنا تفسيرًا لأنين الرعية في الداخل والخارج، وتحول الكنيسة من التكامل بين مكوناتها إلى انفراد الإكليروس بتدبيرها.
---
## مفهوم السلطة وفشل محاولات اﻹصلاح
URL: https://tabcm.net/56169/
Type: post
Modified: 2026-07-15
المشكلة ليست في العلمانيين ولا في الإكليروس, بل في مفهوم السلطة نفسه، لأن الجذر الحقيقي الذي نتكلم عنه طوال السلسلة ليس حبيب جرجس، ولا مدارس الأحد، ولا حتى البابا شنودة.
الجذر هو: من يملك حق المبادرة؟ ومن يملك حق التفكير؟ ومن يملك حق التأثير؟
البداية: لماذا فشلت كل محاولات الإصلاح؟
بعد نشر الحلقات السابقة قد يتصور البعض أن الحل بسيط: فلنعطِ العلمانيين مناصب أكثر، فلنسمح لهم بالكلام أكثر، فلننشىء مجالس إدارية كنسية جديدة. لكن المشكلة أعمق من ذلك. لأن الأزمة ليست أزمة هيكلة أو حتى إعادة هيكلة، الأزمة أزمة فكر. وأي إصلاح لا يقترب من هذه الحقيقة سيبقى مجرد إعادة ترتيب للأثاث داخل الغرفة نفسها.
الكنيسة ليست شركة
واحدة من أخطر الأفكار التي تسللت إلى وعينا الكنسي خلال العقود الأخيرة هي أن الكنيسة هرم إداري. في القمة قيادة، ثم مستويات متدرجة من السلطة، ثم منفذون في الأسفل، ثم فئة الشعب أو المستفيدون. هذا النموذج قد ينجح في الجيش، وقد ينجح في الشركات. لكنه لا يصنع نهضة روحية.
الكنيسة عبر تاريخها لم تتقدم لأن الجميع كانوا ينتظرون الأوامر، بل لأن الروح القدس كان يعمل في أشخاص رأوا احتياجًا وتحركوا. هكذا بدأت مدارس الأحد، وهكذا بدأت حركات التعليم وهكذا بدأت أغلب محطات التجديد الكبرى في تاريخ الكنيسة.
عندما تصبح الطاعة أهم من الحقيقة
تكونت مع الوقت ثقافة غير معلنة تقول: الطاعة فضيلة مطلقة “ابن الطاعة تحل عليه البركة”، والاختلاف خطر، والسؤال مشكلة، والنقد قلة احترام. لكن المشكلة أن التاريخ الكنسي نفسه لا يقول ذلك. لو كان الآباء عبر التاريخ يفكرون بهذه الطريقة لما انعقد مجمع واحد، ولما كُتبت مناظرة واحدة، ولما وُلد فكر لاهوتي واحد.
الحقيقة لم تتقدم بالطاعة وحدها، بل بالحوار، والجدل، والبحث، والاختبار. الطاعة فضيلة عظيمة، لكنها تتحول إلى مشكلة عندما تصبح البديل عن التفكير، وعندما يصبح الولاء أهم من الحقيقة.
ما الذي يحتاجه الإكليروس؟
قد يبدو غريبًا أن أقول هذا بعد ثلاث حلقات من الحديث عن تراجع دور العلمانيين. لكن الحقيقة أن الإكليروس أنفسهم ضحايا هذا الوضع أيضًا. لأنهم أصبحوا مطالبين بأن يكونوا: رعاة، وإداريين، ومخططين، ومراجعين ، ومتحدثين رسميين، ومشرفين على كل شيء. وهذا حمل لم يطلبه الإنجيل منهم أصلًا.
كلما زادت المركزية زاد العبء على القيادة، وكلما زاد العبء قلت القدرة على الرعاية الحقيقية، وكلما تمركزت السلطة أكثر، أصبحت المؤسسة أكثر هشاشة واعتمادًا على عدد محدود من الأشخاص.
ما الذي يحتاجه العلمانيون؟
الصدق أولًا
كثير من العلمانيين يشتكون من المركزية، لكن بعضهم في الحقيقة لا يريد الشراكة، بل يريد السلطة. يريد أن يصبح نسخة أخرى من الإكليروس، أو كتعبير أدق الوجه الآخر أو البديل للإكليروس وهذا لن يحل شيئًا.
الكنيسة لا تحتاج إلى إكليروس علماني بديل، بل تحتاج إلى علمانيين أقوياء، علمانيين لا يعتبرون أنفسهم مشروع كهنة مؤجلين، ولا رهبانًا لم تحن الفرصة بعد. بل أصحاب دعوة حقيقية داخل العالم.
عندما تتحول الرتبة إلى الحلم (أو إلى وعد كاذب) في زمن حبيب جرجس كان يمكن للإنسان أن يحلم أن يكون معلمًا عظيمًا، أو مؤرخًا عظيمًا، أو مفكرًا عظيمًا، أو خادمًا عظيمًا.
أما اليوم فأصبح السؤال مختلفًا عند كثيرين: كيف أصل إلى موقع أعلى؟ كيف أصبح كاهنًا؟ كيف أصبح راهبًا لكي أصير يومًا ما أسقفًا؟ كيف أحصل على رتبة لها سلطان؟
شيئًا فشيئًا انتقل مركز الجاذبية من الرسالة إلى الموقع، ومن الدعوة إلى المكانة، ومن الخدمة إلى السلطة. ولعل أخطر ما حدث أننا لم نعد ننتج فقط كهنة ورهبانًا بكثرة، بل توقفنا عن إنتاج نماذج علمانية ذات قيمة أو ذات رأي مؤثر يشعر الشباب أن بإمكانهم الاقتداء بها.
أخطر نتيجة قد نصل إليها :
عندما يقتنع الجميع أن التأثير الحقيقي لا يأتي إلا من خلال الإكليروس -فقط- يحدث أمرًا خطيرًا جدًا. يبدأ أفضل الشباب في مغادرة مواقعهم الطبيعية. المعلم الناجح يرى أن سقفه الحقيقي في الكهنوت، والخادم المؤثر يرى أن نفوذه الحقيقي في الرهبنة، والباحث اللامع يشعر أن مكانته ستزداد إذا ارتدى فراجية سوداء. وهكذا تخسر الكنيسة مرتين.
المرة الأولى حين تخسر علمانيًا كان يمكن أن يكون له تأثير أعظم في مكانه، والثانية حين تحصل -أحيانًا- على كاهن أو راهب لم يكن التكريس دعوته الحقيقية أصلًا.
ماذا لو توقفنا عن معاملة الكهنوت كترقية؟
هذا سؤال مؤلم. لكن يجب أن يُطرح. إذا كان أكثر طريق للتأثير هو الكهنوت فسيأتي للكهنوت أناس يبحثون عن التأثير. وإذا كان أكثر طريق للمكانة هو الرهبنة فستأتي للرهبنة أحيانًا دوافع ليست رهبانية. لن نحمي الكهنوت بتعظيمه اجتماعيًا. بل بحمايته من أن يتحول إلى مسار للنفوذ. فالكهنوت دعوة، والرهبنة دعوة، وليستا مكافأة، وليستا ترقية، وليستا طريقًا مختصرًا السلطة والنفوذ.
ماذا نحتاج عمليًا؟
ليس شعارات.. بل خطوات واضحة.
أولًا: إعادة الاعتبار للمفكر العلماني
ليس كضيف على المنصة، بل كجزء من صناعة الفكر الكنسي. فالكنيسة احتاجت إلى المفكرين والمؤرخين والباحثين في نهضتها الأولى، ولا تزال تحتاج إليهم اليوم.
ثانيًا: استقلال أكبر للمبادرات التعليمية والثقافية والخدمية
لا كل شيء يحتاج إدارة مركزية، ولا كل فكرة تحتاج إذنًا مسبقًا، ولا كل مبادرة تحتاج أن تولد داخل المؤسسة الرسمية، المبادرات لا تزدهر بالأوامر.. بل بالثقة.
ثالثًا: قبول الاختلاف داخل حدود الإيمان
ليس كل اختلاف تهديدًا، وليس كل ناقد عدوًا ، وليس كل سؤال تمردًا. فالكنيسة التي لا تسمح بالنقاش واختلاف الرأي تخسر قدرتها على التصحيح الذاتي.
رابعًا: إعادة تعريف النجاح الكنسي
يجب أن يستطيع الشاب أن يحلم بأن يكون: مؤرخًا قبطيًا كبيرًا، أو باحثًا لاهوتيًا، أو كاتبًا، أو معلمًا، أو عالمًا. دون أن يشعر أن هذه مجرد محطة مؤقتة قبل الرهبنة أو الكهنوت أو سُلمة للوصول إليهما.
خامسًا: إعادة توزيع الأدوار لا إعادة توزيع السلطة
فالهدف ليس أن يأخذ العلمانيون سلطة الإكليروس، ولا أن يتنازل الإكليروس عن مسؤولياتهم الروحية.. بل أن يعود كل طرف إلى مجاله الطبيعي. فيتفرغ الإكليروس أكثر للرعاية والتعليم والعبادة. ويتحمل العلمانيون مسؤوليات أكبر في الفكر والثقافة والتربية والخدمة العامة. فالكنيسة لا تحتاج إلى صراع على السلطة.. بل إلى شراكة وتحرير المواهب من احتكار السلطة.
العودة إلى حبيب جرجس
بعد أربع حلقات اكتشفت أن السؤال لم يكن عن حبيب جرجس أصلًا. السؤال كان عن كينونتنا نحن. حبيب جرجس ظهر بالفعل، وأدى دوره، ورحل. ولكن السؤال الحقيقي فهو:
لو أرسل الله اليوم عشرة من طراز حبيب جرجس.. هل سنعرف كيف نستفيد منهم؟ أم سنحاربهم ونكفرهم ونهرطقهم ونتهمهم بالكبرياء الداخلي والمشاكل النفسية ونهمشهم ونضيّق عليهم الخناق حتى يصمتوا أو يرحلوا؟
ختامًا..
لا أعتقد أن الكنيسة تحتاج إلى ثورة، ولا أعتقد أنها تحتاج إلى صراع جديد بين العلمانيين والإكليروس، ولكنها تحتاج إلى شيء أهم بكثير. تحتاج أن تستعيد ثقتها في أبنائها. أن تؤمن أن الروح القدس لا يعمل فقط من أعلى إلى أسفل. بل يعمل أيضًا في الكل: في المعلم والباحث والكاتب والطبيب والمهندس وفي الخادم البسيط .. كما يعمل في الأسقف والكاهن والراهب. لأن نهضة الكنيسة لم تبدأ يوم امتلك أحد السلطة.. بل بدأت حين تخلى أحدهم عن السلطة لأفراد رأى أحدهم احتياجًا وتحرك.
حبيب جرجس لم يبدأ برتبة، ولم يبدأ بتفويض، ولم يبدأ بسلطة. بل بدأ بفكرة.
إذًا السؤال الذي يجب أن نتسأله اليوم ليس: هل نملك حبيب جرجس جديدًا؟
بل: هل ما زلنا نملك البيئة التي تسمح له أن يظهر؟
---
## المشهد الأخير
URL: https://tabcm.net/56481/
Type: post
Modified: 2026-07-13
بعد إرجاء إعلان نتيجة الانتخابات ليومين عن موعدها المحدد، تحول الشارع المصري إلى بركان محموم يوشك على الانفجار في أي لحظة، والرعب يسيطر على الجميع بلا استثناء.
الجماعة التي باتت فرصتها التاريخية في اقتناص الحكم توشك على الضياع.. الشعب المصري، وعلى رأسهم المسيحيون، الذي بات قاب قوسين أو أدنى من حكم ملالي جديد.. التيار الثوري الذي يخشى وصول شفيق للحكم وعودة الحكم العسكري من جديد، وكأن ثورة لم تقم، أو وصول مرسي للحكم وتحمل مخاطرة تحول مصر إلى أفغانستان جديدة.. أخيرًا، تحدد الأحد الرابع والعشرون من يونيو عام 2012 موعدًا نهائيًا لإعلان النتيجة النهائية.
قبل إعلان النتيجة بنحو 6 أو 7 أيام، زار المشير طنطاوي السعودية لحضور مراسم جنازة الأمير نايف. أثناء الصلاة، كان بجوار المشير صديق سعودي للفريق شفيق. بعد الصلاة، سأل هذا الصديق المشير قائلًا: ما تطمنا على مصر يا سيادة المشير؟. فأجابه طنطاوي نصًا: شفيق جاي. نقل هذا الصديق تلك الرسالة لشفيق كما حدثت بالفعل.
وفي الحادي والعشرين من يونيو 2012، وقبل ثلاثة أيام من إعلان نتيجة الانتخابات الرئاسية، حققت النيابة العامة في تقرير قدمه اللواء أحمد جمال الدين، مدير الأمن العام في ذلك الوقت ووزير الداخلية لاحقًا، بشأن وقائع التجاوزات الفجة التي شابت الانتخابات. أدلى جمال الدين بشهادته مدة تسع ساعات كاملة، أبرزها منع الأقباط من الوصول للجان في مناطق كثيرة لأن أصواتهم كانت محسومة لشفيق بالطبع، وتزوير وتسويد أوراق اقتراح المطابع الأميرية، بحسب ما أكده الفريق أحمد شفيق وعبد الرحيم علي في لقاءين متلفزين. تم التحقيق في مبنى الرقابة الإدارية وفي غير مكانه، وفي مبنى ليس مبنى النيابة الرسمي، بينما أنكروا على الصحافة أن النيابة تحقق في هذه القضية. استمر هذا التحقيق لمدة 6 أو 7 أيام، وحتى يوم 26 يونيو 2012، أي بعد يومين من إعلان النتيجة، ثم توقف بدون أسباب واضحة.
في ليلة إعلان النتيجة، الرابع والعشرين من يونيو 2012، وقبل نحو 12 ساعة من موعد إعلان نتيجة الانتخابات الرئاسية المصرية، اتصل الفريق سامي عنان بالفريق شفيق ليبلغه أن كل حاجة تمام، بس أبقى افتكرنا يا فندم. وبعدها اتصل رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية، اللواء مراد موافي، بالفريق شفيق ليعلمه أن جهاز المخابرات العامة المصرية قد أبلغ بعض أجهزة مخابرات بعض الدول العربية الشقيقة بفوزه في الانتخابات.
وما بين الساعة الواحدة والنصف والثانية فجرًا، تلقى الفريق شفيق اتصالًا من مسؤول أمني في مطار القاهرة، يفيد بأن مطار القاهرة قد تلقى إشارة من النيابة العامة بمنع سفر أربعة قيادات إخوانية، هم خيرت الشاطر وصفوت حجازي وعصام العريان وعصام سلطان، لاتهامهم في قضية تزوير المطابع الأميرية. وفي الثالثة والنصف فجرًا، تلقى شفيق اتصالًا آخر من مسؤول أمني كبير في وزارة الداخلية، يخبره بفوزه بمنصب رئيس الجمهورية بفارق يزيد عن مليون ونصف صوت عن منافسه محمد مرسي، وهو نفس عدد الأصوات المطعون في تزويرها.
وفي السادسة صباحًا تلقى اتصال آخر من مكتب وزير الداخلية آنذاك محمد إبراهيم يوسف، يخبره أن هناك شيئًا ما يدبر في الخفاء في مكتب الوزير، وعليه أن يعرف ما يدبر في الخفاء ضده، فاتصل شفيق بكمال الجنزوري ليخبره بما تلقاه من معلومات ليستشيره، لكن الجنزوري لم يمتلك إجابات شافية، وبدا قلقًا إلى حد أنه سأل شفيق في المقابل: طيب نعمل إيه؟.
وفي السابعة صباحًا، تلقى شفيق اتصالًا آخر من نفس المسؤول الأمني بالمطار، يخبره أنه وصله إخطار آخر هاتفيًا يقول إن حاول أي من هؤلاء القيادات الإخوانية الأربعة المذكورة سابقًا السفر والعبور من بوابات المطار، من وقت تلقي الإخطار وحتى موعد أقصاه الثالثة ظهرًا، وهو موعد إعلان النتيجة، فتجاهلوه واتركوه يخرج من المطار بسلام، ولم يبلغه ذلك المسؤول الأمني عن الجهة التي تلقى منها ذلك الإخطار الغريب.
وفي الصباح، اتصل به الصحفي مصطفى بكري مؤكداً أنه قد تنامى إلى علمه، عبر اتصالاته وعلاقاته، بفوزه في الانتخابات بنسبة 50.7% لصالحه و 49.3% لصالح منافسه محمد مرسي، تلاها اتصال من الوزيرة فايزة أبو النجا لتبلغه بذات النتيجة.
و ما بين الساعة العاشرة والحادية عشر صباحًا، استضاف شفيق في بيته اثنين من أصدقائه، أحدهما رئيس إحدى القنوات الفضائية الشهيرة. وبينما هم في ضيافته، تلقى الضيف الآخر اتصالًا هاتفيًا من “مسؤول يُعتمد عليه في وزارة الدفاع” – على حد تعبير شفيق – ((في لقاء تالٍ، أكد أحمد شفيق أن هذا المسؤول هو السكرتير الرئيسي للمشير طنطاوي، وفي لقاء آخر أكد أنه أحد مساعدي المشير طنطاوي. )) يخبره بالنتيجة النهائية 50.7% لصالح شفيق و49.3% لصالح محمد مرسي، وهي نفس النتيجة بعينها التي كانت وصلت لشفيق في السابق من مصادر أخرى عديدة، وحتى من مصطفى بكري بحسب ادعاء هذا الأخير، فتأكد الأمر بالنسبة له أنه هو الفائز بمنصب رئيس الجمهورية. وبعد هذا التوقيت تم تغيير النتيجة لصالح مرشح الإخوان المسلمين، وبحسب تعبير شفيق أن المجلس العسكري كان مضغوط عليه لتغيير النتيجة، والسيد المشير كان عارف أن أنا كسبان لغاية وقت قريب جدًا.
وفي لقائه مع عبد الرحيم علي، تراجع شفيق عن تصريحه السابق، فعندما سأله عبد الرحيم عمن يتحمل مسؤولية التزوير الذي حدث في نتيجة الانتخابات، أكد شفيق أنه قطعًا يبرئ ساحة المشير طنطاوي، ويحمل المسؤولية كاملة للجنة العليا للانتخابات الرئاسية.
وفي لقاء تالٍ جمع شفيق وعبد الرحيم علي، سأله عبد الرحيم مرة أخرى عمن المسؤول عن تزوير نتيجة الانتخابات، فأجاب شفيق: يُسأل في ذلك بجاتو، فأجابه عبد الرحيم علي مستنكرًا: بس بجاتو كان عضوًا في اللجنة، لم يكن رئيس اللجنة، فأجابه شفيق: يُسأل في ذلك رئيس اللجنة.
((الفريق أحمد شفيق في لقاء عبد الرحيم علي على قناة القاهرة والناس، الإمارات، بتاريخ 24 يناير 2013. ))، ((الفريق أحمد شفيق في لقاء أسامة كمال على قناة القاهرة والناس، الإمارات، بتاريخ 11 ابريل 2013. ))، ((الفريق أحمد شفيق في لقاء مع مصطفى بكري على قناة النهار، الإمارات، بتاريخ 30 أبريل 2013. ))، ((الفريق أحمد شفيق في لقاء عبد الرحيم علي على قناة العاصمة، الإمارات، بتاريخ 16 يناير 2015. ))، ((الفريق أحمد شفيق مع الإعلامي عمرو أديب وخالد أبو بكر على برنامج القاهرة اليوم، قناة أوربت، الاحد 14 يونيو 2015. ))، ((الفريق شفيق مع الإعلامي وائل الإبراشي على قناة دريم2 في اليوم التالي؛ الاثنين 15 يونيو 2015. )).
صباح الأحد 24 يونيو 2012، تم اتخاذ كافة الإجراءات الأمنية تحسبًا لأي عنف محتمل. انتشرت القوات لتؤمن كافة المنشآت الحيوية، وأخليت جميع المصالح الحكومية من العاملين فيها اعتبارًا من الحادية عشرة صباحًا، بحيث أصبحت شوارع مصر خالية حرفيًا ابتداءً من الساعة الواحدة ظهرًا استعداداً لإعلان النتيجة.
بالتزامن، وصل إلى منزل الفريق شفيق وفد من الحرس الجمهوري مكون من أربعة ضباط يرتدون الملابس المدنية. التقى الفريق شفيق وعاينوا الفيلا التي يقطن بها بأرض الجولف بالتجمع الخامس، وقاموا برسم خريطة لها، كما عاينوا الفيلات والشوارع القريبة والمحيطة بها. طلب ضباط الحرس الجمهوري من الفريق شفيق أن يحدد لهم شخصًا يتعاملون معه ساعة وصولهم إلى منزله بعد ظهر اليوم، فاستدعى أحد كبار مساعديه، والتقى الضباط، واتفقوا معه على انتظارهم أمام بوابة الجولف في الواحدة والنصف ظهرًا. وأبلغوه أن حرس الرئاسة سيتولى الأمن في المنطقة بدلًا من الشركة الخاصة التي تتولى ذلك، بما لا يدع أي مجال للشك بفوز أحمد شفيق. فلم يتخذ إجراء مماثل مع د. محمد مرسي إلا بعد الإعلان الرسمي للنتيجة.
وفي الواحدة والنصف، وبحسب الاتفاق، انتظر مساعد شفيق أن يحضر الحرس الجمهوري، إلا أنهم لم يحضروا. فاتصل بقائد مجموعة الحرس التي حضرت إلى منزل شفيق في الصباح، فأبلغه هذا الأخير أن تعليمات صدرت بتوقف قافلة الحرس بالقرب من الجولف انتظارًا لتعليمات أخرى.
كان الفريق شفيق قد طلب من جميع مساعديه في هذا اليوم الانتقال من غرفة العمليات التي أقامها في منزله إلى قاعة تم استئجارها بفندق “جي دبليو ماريوت” القريب من منزله بالتجمع الخامس. وقال لهم إنه سيحضر إلى هناك عقب إعلان نتيجة الانتخابات الرئاسية لعقد مؤتمر صحفي عالمي.
وفي الساعة الثانية عشرة ظهرًا، أبلغت حملة شفيق الصحفيين بعقد مؤتمر صحفي في الثالثة ظهرًا بفندق “جي دبليو ماريوت” يشرح فيه سياساته وبرنامجه والخطوات التي سيلتزم بها أمام الشعب بعد فوزه بمنصب رئيس الجمهورية.
قبيل إعلان النتيجة بقليل تردد أن أحمد شفيق قد تلقى اتصالًا تليفونيًا من شخصية مهمة، يرجح أنها المشير طنطاوي أو أحدٌ من أعضاء المجلس العسكري البارزين، تطلب منه عدم الذهاب إلى فندق “جي دبليو ماريوت” وإلغاء المؤتمر الصحفي، انتظارًا لما سوف تسفر عنه نتيجة الانتخابات، فظل منتظرًا في منزله مع أسرته ينتظر إعلان فوزه.
كان الفيصل في النتيجة هو الأصوات المزورة التي تم طباعتها في المطابع الأميرية وقدرت بـ1.8 مليون صوت، فإن تم احتسابها كان مرسي هو الفائز، ولو تم إلغاؤها فإن شفيق سيكون الفائز، لكن اللجنة العليا للانتخابات اكتفت بشطب 2154 صوتًا مزورًا فقط لصالح مرسي، واحتسبت الباقي بدون سبب مقنع، ولم تأخذ بعين الاعتبار كل المخالفات الأخرى وأهمها منع الأقباط من التصويت في الصعيد.
بعد الثالثة بقليل، وصل أعضاء اللجنة إلى مبنى الهيئة العليا للانتخابات وسط حراسة أمنية مشددة، وترقب الصحفيون المؤتمر، إلا أنه قد تأخر عن ميعاده لأكثر من 45 دقيقة، وفي الرابعة إلا الربع تقريبًا، صعد أعضاء اللجنة إلى المنصة وتسمر المصريون أمام الشاشات، وخلت الشوارع من المارة، وسجلت شوارع مصر رقمًا قياسيًّا في الفراغ لم تشهده من قبل حتى في أقصى درجات حظر التجول، وبعد دقائق كان المستشار فاروق سلطان يفاجئ الجميع بإعلان النتيجة بفوز مرسي بـ 13230131 صوتًا بنسبة 51.76% مقابل 12347280 صوتًا لشفيق بنسبة 48%.
---
## مختارات من سفر إشعياء وواقعنا اليوم [۳]
URL: https://tabcm.net/56474/
Type: post
Modified: 2026-07-12
مضمون العبارة النبوية «هيجوا أيها الشعوب فتنسحقوا» مش معزول جوّه سفر إشعياء، لكنه له أصداء واضحة ومتكررة في كل الكتاب المقدس، في العهد القديم والعهد الجديد معًا. نفس الفكرة بتتكرر بأشكال مختلفة: أمم بتتحرك، قوى بتتآمر، تحالفات بتتشكل ضد قصد الله، لكن النهاية دايمًا واحدة: الفشل والانكسار. نقدر نرصد أهم التشعّبات دي كالتالي:
مزمور ٢ كنص موازي
مزمور ٢ يُعد واحد من أوضح النصوص الموازية لنبرة إشعياء. بيقول: لماذا ارتجّت الأمم وتفكّر الشعوب في الباطل؟ قام ملوك الأرض وتآمر الرؤساء معًا على الرب ومسيحه… الساكن في السماوات يضحك، الرب يستهزئ بهم ((مزمور ٢: ١–٤ )).
المزمور بيصوّر نفس المشهد: أمم بتغلي، ملوك بتتآمر، لكن ردّ السماء مش خوف، بل سخرية. وفي أخر المزمور ييجي التحذير الصريح للملوك إنهم “يقبّلوا الابن” لئلا يهلكوا. ده بالظبط روح إشعياء: الأمم بتفكّر في الباطل ضد مسيح الرب -سواء في سياق عهد داود وقتها، أو في المسيح الآتي في ملء الزمان- وربنا في الأخر هو اللي يكسر المؤامرة. والرسل في سفر الأعمال طبّقوا المزمور ده مباشرة على تآمر هيرودس وبيلاطس وقادة اليهود ضد يسوع، وأكدوا أن المؤامرة فشلت بقيامته ((سفر أعمال الرسل ٤: ٢٥–٢٧ )). فربنا أقام مسيحه رغم هيجان الأمم، وأعلنه ربًا على الجميع.
سفر الرؤيا ونهاية الهيجان
في سفر الرؤيا، خصوصًا الإصحاحين ١٩ و٢٠، بنشوف الصورة النهائية لنفس المبدأ. الشيطان يجمع الأمم في حرب هرمجّدون علشان يحارب الله ومسيحه، لكن النتيجة تيجي مطابقة تمامًا لكلام إشعياء: الأمم تنهزم، الوحش والشيطان يُطرحوا، وملكوت المسيح يقوم. عبارة «فإن اجتمعتم أيضًا فستُهزمون» اللي ظهرت في الترجمة السبعينية لإشعياء، بتقابل تكرار الرؤيا إن الشيطان “يُحل زمانًا يسيرًا” علشان يجمع الأمم، لكن في لحظة تنزل نار من السماء وتاكلهم ((سفر الرؤيا ٢٠: ٧–١٠ )). الرسالة اللاهوتية هنا واضحة وثابتة: أي تجمع ضد الله، مهما كان منظّم أو ضخم، نهايته الدمار.
إشعياء كتأكيد للوعد
نلاقي نفس الوعد بيتكرر بصيغة مباشرة وقاطعة في إشعياء ٥٤: ١٧كل أداة صُوّرت ضدك لا تنجح، وكل لسان يقوم عليك في القضاء تحكمين عليه. الآية دي جاية في ختام نبوة عن أورشليم الجديدة، وبتعيد تثبيت الحقيقة نفسها: لا سلاح، ولا مؤامرة، ولا خطاب اتهام يقدر يقف قدّام شعب الرب. وده “ميراث عبيد الرب”، أي نصيبهم الثابت من عند الله. كأن ربنا هنا بيحط ختمه الأخير ويصادق بنفسه على تحدّي إشعياء ٨ كل خطة معمولة ضدكم محكومة بالفشل، مش لأنكم أقوى، لكن لأن برّي وحمايتي هما الأساس اللي واقفين عليه.
واللافت أن المعنى ده ما وقفش عند العهد القديم، لكنه اتنقل بوضوح للعهد الجديد في صورة حياة جديدة في المسيح. الرب يسوع نفسه قال لتلاميذه: لأني أُعطيكم فمًا وحكمة لا يقدر جميع معانديكم أن يقاوموها أو يناقضوها ((إنجيل لوقا ٢١: ١٥ )). الكلام هنا مش عن سلاح مادي، لكن عن حماية إلهية من نوع أعمق: لا اتهام، ولا مقاومة فكرية، ولا عداء روحي يقدر يهزم الحق اللي الله بيزرعه في أولاده. زي ما إشعياء قال إن “كل لسان يقوم عليك في القضاء تحكمين عليه”، المسيح بيعلن إن أولاده هيقفوا في مواجهة العالم مش بقوتهم، لكن بحكمة إلهية غير قابلة للهزيمة.
فمن إشعياء إلى الإنجيل، الخط واحد: شعب الله، سواء في العهد القديم أو في الحياة الجديدة في المسيح، مش محصّن بالقوة الظاهرة، لكن بكلمة الله الحيّة، وببرّه اللي يفضح ويُسقط كل اتهام وكل مؤامرة، مهما لبست ثوب الحكمة أو السلطة أو الدين.
العهد الجديد ورسالة الصليب
بولس الرسول قدّم تفسير لاهوتي عميق لنفس القانون الإلهي. قال: هيكون في الأيام الأخيرة أني سأبيد حكمة الحكماء… ألم يجهّل الله حكمة هذا العالم؟ ((رسالة بولس الأولى إلى كورنثوس ١: ١٩–٢٠ )). خطة الصليب ظهرت كجهالة في نظر الولاة الرومان والقادة اليهود، لكنها كانت في الحقيقة قلب الموازين. وكمّل بولس قائلًا: إذ أخجل الرؤساء والسلاطين، أشهرهم جهارًا، غالبًا إياهم فيه (على الصليب) ((رسالة بولس إلى كولوسي ٢: ١٥ )). الصليب كان قمة تآمر “الشعوب” على الرب ومسيحه، لكنه اتحوّل لأداة هزيمتهم الروحية. وده نفس قانون إشعياء: اللي الأعداء فاكرينه نصر، ربنا يقلبه هزيمة ساحقة.
– رسالة حيّة عبر الزمن
نص إشعياء ده مش محبوس في زمنه، لكنه رسالة عابرة للعصور، وبتوصل بقوة لأيامنا الحالية اللي مليانة اضطراب وهيجان. فكرة «هيجان الشعوب» اللي بيتكلم عنها إشعياء لسه عايشة قدام عينينا كل يوم: حروب، تحالفات بتتغير، قوى عظمى بتتصارع بالوكالة، ودول بتنهار وتقوم على حساب غيرها. المشهد ده قريب جدًا من اللي كان حاصل في القرن التامن قبل الميلاد، لما الإمبراطوريات الكبيرة كانت بتتصارع فوق رؤوس شعوب أضعف منها بكتير.
وسط الدوشة دي كلها، صوت إشعياء بيطلع واضح وهادي وبيكلمنا إحنا: ما تخافوش من ضجيج الأمم، وما تسيبوش فزع العالم يدخل قلوبكم ويكسركم من جوه. رسالة ربنا لشعبه هي هي في كل زمن: «في الهدوء والطمأنينة تكون قوتكم». لما نشوف دول بتهدد بعض، وقوى بتتوعد بالفناء، لازم نفتكر إن في الأخر ربنا هو العامل في التاريخ وضابط كل شئ، وهو الكلمة الأولي والأخيرة .
عبر التاريخ قامت إمبراطوريات افتكرت نفسها أبدية: من أشور وبابل وروما، لحد دول عظمى حديثة، وكلها في الأخر سقطت واختفت، بينما ملكوت الله كمل ومكمل في القلوب ومن جيل لجيل. القوة بتطلع، والجبروت يعلى، لكن لما الإنسان ينسى ربنا وهو طالع، السقوط بيبقى حتمي وهو نازل. المؤرخ أرنولد توينبي لخّص الحقيقة دي بجملة شهيرة قال فيها: “Civilizations die from suicide, not by murder.” يعني الحضارات ما بتموتش لأن حد قتلها من برّه، لكن لأنها دمّرت نفسها من جوّه، لما فقدت البوصلة الروحية والأخلاقية واتكلت على القوة وحدها.
وده بالظبط نفس المبدأ اللي أعلنت عنه مريم العذراء في تسبحتها: أنزل الأعزاء عن الكراسي ورفع المتضعين ((إنجيل لوقا 1:52 )). القانون واحد عبر العصور: الكبرياء بيهدم نفسه، والتواضع هو الأرض اللي ربنا يرفع عليها الإنسان. المنظور ده يخلّي المؤمن شايف العالم بعين أهدى وأعمق: مهما المشهد سخن، ومهما الأصوات عالية، في إيد إلهية شغّالة ورا الستار، بتقلب الموازين في الوقت المعين، وبتثبت إن اللي اتكل على ربنا عمره ما كان خسران، حتى لو بان كده في لحظة من اللحظات.
ومن ناحية تانية، وصية إشعياء «لا تقولوا فتنة لكل ما يقوله هذا الشعب فتنة» بقت مهمة جدًا في زمننا. إحنا عايشين في عصر الإشاعات السريعة ونظريات المؤامرة اللي بتنتشر في ثواني، وبتخلق هلع جماعي: حرب عالمية تالتة، أوبئة جديدة، انهيارات اقتصادية، نهاية العالم. ناس كتير من الخوف بتجري ورا أي صوت عالي، وبتدور على مخلّص أرضي أو قوة تحتمي بيها. لكن كلمة ربنا بتدعونا لتمييز مختلف: ما نربطش أملنا بتحالفات بشرية ولا بوعود قادة، لكن بقيم الملكوت نفسها: الحق والعدل والمحبة. اللافت إن اسم إشعياء نفسه معناه «الرب يخلّص»، وكأن حياته وخدمته ورسالة السفر كله بتصرخ بالحقيقة دي: الخلاص مش جاي من أشور ولا من مصر ولا من أي قوة بشرية، لكنه من ربنا وحده. في واقعنا، ده معناه إن الإنجيل يبقى ملجأنا وسط لخبطة القيم، وإننا نصلي لأجل القادة بدل ما نألههم أو نلعنهم، واثقين إن قلب الملك في إيد الرب، يصرفه حيث يشاء.
أما رسالة ربنا للي بيقاوموا مشيئته، فهي مش رسالة قسوة وخلاص، لكنها دايمًا مزيج بين تحذير حقيقي وقلب مفتوح.
«هيجوا… فتنسحقوا» مش مجرد تهديد، دي سُنّة إلهية: اللي يصرّ على العناد والعنف، في الأخر بينكسر، يا إمّا بأحكام التاريخ، يا إمّا في يوم الدينونة. وكم مرة شفنا قادة أشعلوا حروب علشان مجدهم الشخصي، وفي الأخر سقطوا وسقطت معاهم دولهم. ربنا هو صخر الدهور، واللي يخبط فيه ينكسر؛ زي التعبير القديم اللي بيلخّص الحقيقة دي: اللي يصارع الصخرة، إيده هتنزف. ومع كده، ربنا عمره ما كان بيفرح بهلاك الشرير، ولا الدينونة كانت هدف في ذاتها. بالعكس، قلبه مفتوح للتوبة لآخر لحظة، وبيدعو الإنسان يرجع قبل ما يوصل للكسر. إشعياء نفسه بينقل النداء ده بوضوح شديد: لِيَتْرُكِ الشِّرِّيرُ طَرِيقَهُ، وَرَجُلُ الإِثْمِ أَفْكَارَهُ، وَلْيَرْجِعْ إِلَى الرَّبِّ فَيَرْحَمَهُ، وَإِلَى إِلَهِنَا لأَنَّهُ يُكْثِرُ الْغُفْرَانَ ((سفر إشعياء ٥٥ :٧ ))
---
## مختارات من سفر إشعياء وواقعنا اليوم [٢]
URL: https://tabcm.net/56360/
Type: post
Modified: 2026-07-12
هِيجُوا أَيُّهَا الشُّعُوبُ وَانْكَسِرُوا… احْتَزِمُوا وَانْكَسِرُوا!
(سفر إشعياء ٨: ٩)
كلمة «هِيجُوا» في العربي بتشدّ الانتباه فورًا، فيها وقع تقيل، صوت، حركة، اندفاع. بس لما نرجع للأصل العبري، نكتشف إن الكلمة دي وراها قصة أعقد وأعمق بكتير. الأصل العبري هنا هو كلمة「רֹעוּ」(روعو)، ودي من أكتر الكلمات اللي حيّرت الدارسين والمفسرين، لدرجة إن بعضهم وصفها إنها (crux interpretum)، يعني “عقدة المفسرين”. ليه؟ لأن الجذر العبري للكلمة بالصياغة دي مش مألوف، وصعب يتاخد على معنى واحد مباشر.
علشان كده، عبر التاريخ، ظهرت كذا قراءة وتفسير للكلمة، وكل قراءة ليها مبرراتها اللغوية والتراثية.
أول اتجاه فسّر الكلمة على إنها بمعنى التحالف والاجتماع. الترجمات الآرامية والسريانية واللاتينية القديمة فهمتها كده: اتجمعوا، اتحدوا. “راشي” المفسر اليهودي المعروف، شرح التعبير 「רֹעוּ עַמִּים」(رُوعُوا عَمِّيم) على أنه دعوة موجهة لجيوش سنحاريب إنها تحتشد وتتكتل، لكن مع يقين كامل إن كل التجمع ده في الآخر هيتكسر. وده قريب جدًا من ترجمة فاندايك العربية لكلمة «هيجوا»، اللي ممكن تتفهم بمعنى: هيّجوا بعضكم، أو اتجمعوا للهيجان. نفس الفهم ده ظهر في ترجمة سمّاخُس اليونانية اللي قالت اجتمعوا سويًا، وفي الفولجاتا اللاتينية اللي استخدمت فعل معناه انضمّوا لبعض. القراءة دي شايفة إن الجذر العبري قريب من معنى الصُّحبة أو الارتباط، زي كلمة “رِيع” أو “راع” بمعنى صاحب أو قريب.
اتجاه تاني شاف الكلمة من زاوية مختلفة، وفسّرها على إنها الاهتياج والصخب والغضب. بعض العلماء ربطوها بجذر بيدل على الشر أو الاضطراب، وأخدوها بالمعنى المجازي: اتثورجوا، ارفعوا الصوت، اعملوا دوشة. المفسر مورير في القرن التاسع عشر ترجمها ترجمة جريئة جدًا: Rage, do your worst يعني: اتغاظوا واعملوا أسوأ ما عندكم. المعنى ده ماشي تمامًا مع جو الحرب، كأن إشعياء بيقول للأعداء: ارفعوا جلبة الحرب، حضّروا نفسكم، اعملوا كل الضجيج اللي تقدروا عليه… بس من غير أي نتيجة. بعض الترجمات الحديثة لمّحت للمعنى ده، زي ترجمة كتاب الحياة اللي قالت: تأهبوا للمعركة وانهزموا، وده قريب من الترجمات الإنجليزية اللي بتقول: استعدوا للحرب… بس النتيجة هتبقى الهزيمة.
في اتجاه ثالث مختلف شوية، بيقترح إن الكلمة ممكن يكون معناها الارتعاد أو الفزع. الترجمة الآرامية والترجمة السريانية بيميلوا للمعنى ده: ارتعدوا أيها الشعوب. بعض المفسرين قالوا إن الكلمة ممكن تحتمل “ارتعبوا” زي ما تحتمل “اتجمعوا”. بس المعنى ده يبان غريب في سياق تحدّي الأمم، إلا لو فهمناه تهكمي: يعني مش “خافوا”، لكن “خافوا من دلوقتي، لأن اللي جاي عليكم كسر محقق”.
وفي اتجاه رابع حاول يفهم الكلمة على إنها معناها التحطّم أو الانكسار من أصل آرامي، خصوصًا إن الفعل اللي بعدها مباشرة في النص معناه «انكسروا». بس القراءة دي اتقابلت بنقد شديد، لأن لو الكلمتين الاتنين معناهم واحد، يبقى النص فقد قوته البلاغية. إشعياء هنا مش بيكرر نفس المعنى مرتين، لكنه بيعمل مفارقة مقصودة: فعل أول يفتح أفق الحركة والقوة، وبعده فعل يقفل المشهد بالهزيمة. علشان كده الاتجاه ده غالبًا بيُستبعَد، لأنه يسطّح التوتر البلاغي بدل ما يبرزه.
بعد ما نشوف كل القراءات دي جنب بعض، الصورة بتبقى أوضح: إشعياء قاصد يسيب الكلمة الأولى مفتوحة الدلالة. كأن النص بيقول: اتجمعوا، اتحالفوا، ارفعوا الصوت، اتثورجوا، حضّروا نفسكم للحرب… اعملوا كل اللي في طاقتكم — لكن من غير ما يسيب القارئ معلّق، لأن الكلمة اللي بعدها على طول بتحسم: وانكسروا.
وده بالضبط اللي بيظهر في البناء البلاغي للآية. النص العبري بيستخدم نمط معروف: أمر يتبعه أمر، لكن الأمر التاني مش دعوة، ده نتيجة. احتزموا… وانكسروا. والتكرار: احتزموا وانكسروا… احتزموا وانكسروا، مش حشو ولا مبالغة، ده تثبيت للحكم. كأن النبي بيحكم على المشهد مرتين، علشان مفيش حد يقول “يمكن المرة دي تختلف”. بعض المفسرين علّقوا إن إشعياء هنا كان في حالة يقين روحي عالية جدًا، بيعلن سقوط أي عدو لأنه واقف على أرض اسمها أرض عِمّانوئيل—الله معنا كإعلان سيادي بالحضور والحماية.
الترجمة اليونانية السبعينية التقطت المعنى ده، لكنها عبّرت عنه بأسلوب مختلف شوية. بدل ما تقول «هيجوا»، قالت: افهموا أيها الأمم وانهزموا. وكملت الفكرة بوضوح: حتى لو حاولتم تقوّوا نفسكم مرة تانية، هتتهزموا تاني. هنا السخرية بقت أوضح: مش بس “هتخسروا”، لكن افهموا من الأول إن الطريق ده مسدود. علشان كده النص ده، بحسب الترجمة السبعينية، اتحوّل داخل التقليد الكنسي الأرثوذكسي، بحسب الطقس البيزنطي، إلى نشيد ليتورچي بيتقال في صلاة النوم، خصوصًا خلال الصوم الكبير، حيث تعلن الكنيسة وسط الليل والخوف، ومأخوذ حرفيًا من سفر إشعياء ٨: ٩–١٠: «Μεθ’ ἡμῶν ὁ Θεός· γνῶτε ἔθνη καὶ ἡττᾶσθε» أي: «الله معنا، فافهموا أيها الأمم وانهزموا».
أما النقاد النصيون الحديثون، فلاحظوا إن الآيتين ٩–١٠ ليهم نبرة مختلفة شوية عن اللي حواليهم. بعضهم قال إنهم ممكن يكونوا مقطع شعري مستقل أو هتاف حربي قديم. لكن باحثين تانيين، زي مارفن سويني، شايفين إن الاختلاف ده مقصود. إشعياء استخدم صيغة نداء الحرب اللي القائد عادة بيحمّس بيها جيشه، لكنه قلبها ووجّهها للأعداء. بدل “استعدوا للنصر”، الرسالة تبقى: “استعدوا… للهزيمة”. والأهم، إن القلب المفاجئ ده ما كانش موجّه للأمم بس، لكن كان كمان صفعة لشعب الله نفسه: تحذير واضح من الاتكال السطحي على فكرة “الله معنا” كأنها ضمانة أوتوماتيكية، من غير مخافة، ولا رجوع، ولا توبة. علشان كده النص اللي بعده مباشرة ((سفر إشعياء ٨: ١١–١٥ )) يطالب بتقديس الرب وحده، وعدم السير في طريق الشعب، ويكشف أن حضور الله بيبقى ملجأ للمؤمن… لكنه في نفس الوقت حجر عثرة للعنيد اللي رافض يتغيّر.
في الإطار ده كله، كلمة «هيجوا» تطلع مش مجرد وصف للضجيج، لكنها أداة كشف. بتفضح وهم القوة، ووهم التحالفات، ووهم الصوت العالي. إشعياء بيرسم مشهد أمم غاضبة، جيوش بتتجمع، وتحالفات بتتشكل… والسماء تردّ بسخرية هادية: اعملي اللي تعمليه… في الآخر هتتحطمي.
المقطع ده ((سفر إشعياء ٨: ٩–١٠، وضمنًا لحد إشعياء ٨ :١٦ )) شايل ثيمات روحية ولاهوتية عميقة، وصداها بيرجع يتكرر في كل الكتاب المقدس. نقدر نستعرض منها:
١) سيادة الله على الأمم
الآيات دي بتبيّن يقين النبي إن الله هو المالك الحقيقي للتاريخ. الأمم وشعوب الأرض ممكن تضجّ وتموج وتتحرك بعنف—زي ما المزمور التاني بيقول: لماذا ارتجّت الأمم؟—لكن في الأخر إرادة الله هي الكلمة الفاصلة. وده بيثبت عقيدة سلطان الله المطلق اللي يفني مشورات الأمم ويبدّد مؤامرات الشعوب ((مزمور ٣٣: ١٠ )).
وتسمية الأرض بـ «أرض عِمّانوئيل» ((سفر إشعياء ٨:٨ )) وربط الانتصار باسم «الله معنا» بيأكدوا إن حضور الله هو الحصن الحقيقي. ولما يكون الله في صف شعب، مفيش عدو يقدر يثبت قدامه: إن كان الله معنا، فمن علينا؟ ((رسالة بولس إلى رومية ٨: ٣١ )).
والمنظور ده كمان فيه بُعد مسياني واضح: التقليد المسيحي شايف في “عمانوئيل” نبوءة عن المسيح اللي هو حرفيًا “الله معنا” بالتجسد ((إنجيل متى ١: ٢٣ )). واللي يؤمن بالمسيح، الله يبقى معاه وإلى جانبه قدّام قوات الشر الروحية والزمنية. علشان كده آباء الكنيسة طبّقوا الآيات دي مش بس على انتصار حزقيا على سنحاريب، لكن كمان على انتصار المسيح وكنيسته قدّام جبروت روما والاضطهادات، بل وعلى النهاية لما المسيح يخضع كل رئاسة وسلطان.
٢) تحذير من الاتكال البشري والخوف الزائف
قبل آية “هيجوا” على طول، إشعياء قدّم توبيخًا واضحًا لشعبه: لا تقولوا: فتنة (مؤامرة) لكل ما يقول له هذا الشعب فتنة… ولا تخافوا خوفه» ((سفر إشعياء ٨ )). يعني: ما تنساقوش ورا نظريات المؤامرة وشائعات الناس، وما تشاركوش هلعهم. وده تعليم روحي ثمين: الإيمان محتاج تمييز، ومحتاج هدوء، مش ذعر. الناس حوالين حزقيا شافوا أشور قوة لا تُقهر، ودعوا للخضوع ليها، بل وصل الأمر إن فريق شِبْنا الوزير اتآمر ضد سياسة الملك الصالحة. لكن النبي -بأمر الرب- مامشيش في طريق هذا الشعب ((سفر إشعياء ٨ :١١ )).
وطريق الشعب هنا هو منهج تفكير جسدي بيبالغ في تعظيم القوة العسكرية والتحالفات بدل الاتكال على الله. فالدرس الروحي: ما تخليش الخوف يقودك لحلول يائسة تبعدك عن ثقة الإيمان. متى هنري قالها بجملة قوية بما معناه: “خوف الله النابع من تقوي إيمانية يحفظنا من خوف الإنسان المضطرب. لو فكرنا بحق في عظمة الله وجلاله ووعده أنه معنا، هنفهم إن قوة الأعداء كلها مُقيّدة بسلطانه”.
إشعياء وبّخ الاتكال على أشور (القوة الدولية العظمى وقتها)، وأعتبره رفضًا لـ “مياه شيلوه الهادئة”—يعني بركات ملك بيت داود الشرعية. والروحانيات هنا واضحة: اللي يرفض ينابيع الله الهادية، هيجرّ على نفسه سيول العالم الجارفة. وده اللي حصل فعلًا: تيار أشور الكاسح أغرق كل المناطق اللي حواليهم، وما نجتش إلا أورشليم بصعوبة.
ومع كده، فضلت “بقية أمينة” ((سفر إشعياء ٧ :٣؛ ٨ :١٦ )) يمثلها إشعياء وتلاميذه، تمسكوا بالشريعة والشهادة المختومة في قلوبهم، واستنّوا الرب وهو “ساتر وجهه” ((سفر إشعياء ٨ :١٧)). وربنا بقى ليهم «مقدسًا» ((سفر إشعياء ٨ :١٤)): يعني ملجأ مقدس يعتصموا بيه وقت الضيق.
٣) ثنائية الحجر: ملجأ وفخ
في سفر إشعياء ٨ :١٤ الرب بيتصوّر كـ”حجر”:
• للي يثق فيه: يبقى حجر زاوية ومقدس.
• للي يعاند: يبقى صخرة عثرة وفخ.
والتيمة دي متكررة في الكتاب كله. المسيح نفسه اتقال عنه النبوة دي ((مزمور ١١٨ :٢٢، سفر إشعياء ٢٨ :١٦ ))، والعهد الجديد اقتبسها: هوذا أضع في صهيون حجرًا… فكل من يؤمن به لن يُخزى… أما للذين لا يطيعون… فقد صار لهم حجر صدمة وصخرة عثرة ((راجع رسالة بطرس اﻷولى ٢: ٦–٨ )). بطرس طبّق ده على اللي رفضوا الإنجيل، وبولس قال إن اليهود تعثروا بحجر المسيح بسبب عدم الإيمان ((رسالة بولس إلى رومية ٩ :٣٢ )).
فالقاعدة اللاهوتية هنا: موقف الإنسان من إعلان الله هو اللي بيحدد مصيره—يا إما خلاص يا إما دينونة. في زمن إشعياء: اللي اتقى الله زي حزقيا وإشعياء نجوا، واللي استهزأ واتكل على أصنامه وقوته سقط. وفي ملء الزمان: اللي آمن بالمسيّا (عمانوئيل المتجسد) نال الخلاص، واللي قاومه انتهى للهلاك.
٤) وعد الخلاص الإلهي وسط الأحكام القضائية
رغم اللهجة القضائية اللي موجهة للأمم، المقطع ده مليان رجاء ضمني لشعب الله. إشعياء بيأكد إن إيد ربنا شغّالة ورا الأحداث الكبيرة، وإن التاريخ مش سايب نفسه للفوضى. هو تنبأ بسقوط مملكة إسرائيل الشمالية، وده حصل فعلاً سنة ٧٢٢ ق.م لما اتسبوا، لكن يهوذا كان لسه قدامها فرصة حقيقية للتوبة والنجاة لو ثبتوا في الإيمان.
وبالفعل، لما حزقيا ملك وسلك بأمانة، ربنا صنع خلاص عظيم لأورشليم من أشور. التقليد اليهودي بيعلّق إن إشعياء ٩ :١ — الشعب السالك في الظلمة أبصر نورًا عظيمًا — اتحقق بشكل تاريخي في نجاة أورشليم العجيبة في زمن حزقيا. وكمان بعض التفاسير اليهودية ربطت إشعياء ٩ :٣ بمعجزة ملاك الرب اللي ضرب جيش سنحاريب، وشافت في الحدث ده صدى واضح لخلاص فِصحيّ، لأن الضربة الإلهية حصلت في جو يشبه زمن الفصح: زمن الخلاص الإلهي المفاجئ اللي بييجي بقوة يد ربنا، من غير اعتماد على سلاح أو تحالف بشري.
فالرسالة اللاهوتية هنا واضحة: ربنا ممكن يؤدّب شعبه، لكنه عمره ما بينسى رحمته ولا وعده. حتى في لحظات احتجاب وجهه ((سفر إشعياء ٨ :١٧ ))، المؤمنين الحقيقيين بيفضلوا واقفين، مستنيين الفجر. وده بيفتح مباشرة على عهد النعمة الجديد، لما المسيح جه كنور عظيم لأرض ظلال الموت ((إنجيل متى ٤ :١٦))، تحقيق كامل لشعاع الرجاء اللي إشعياء لمّح له قبل كده بقرون.
ولما ربنا بيتحرك علشان يخلّص أولاده، خلاصه دايمًا بييجي ومعاه في نفس الوقت إعلان دينونة وقضاء على كل قوة واقفة ضد مشيئته وبتسعى لهلاكهم. وعلشان كده، الآيات ٩–١٠، رغم نبرتها التهكمية على الأعداء، مش موجّهة بس لبرا، لكن كمان فيها إنذار ضمني لأي حد من شعب الله يفكّر يعيش أو يتحالف مع منطق الأمم ضد مشيئة ربنا: لأن المصير في الحالة دي هيبقى واحد لو ما حصلش رجوع. علشان كده الصوت النبوي دايمًا واضح وصريح: اخرجوا من وسطها يا شعبي — زي ما اتقال عن بابل زمان ((سفر إرميا ٥١ :٤٥ ))، وزي ما سفر الرؤيا بيرجّع ويكرّر نفس النداء عن بابل الروحية ((سفر الرؤيا ١٨ :٤ )).
وقدرة ربنا القضائية على الأمم مش هدفها التشفي، لكن إعلان العدل وفتح باب التوبة. والدليل إن بعد هلاك جيش سنحاريب، ناس كتير آمنت بقوة يهوه، وحتى سنحاريب نفسه اعترف -ولو متأخر- بعظمة إله إسرائيل. وإشعياء نفسه بيرفع النظر أبعد من لحظته التاريخية، ويتنبأ عن دعوة أممية واسعة تشمل حتى أعداء الأمس: مبارك شعبي مصر، وعمل يديّ أشور، وميراثي إسرائيل ((سفر إشعياء ١٩ :٢٥ )).
الصورة دي بتكمّل في العهد الجديد على لسان بولس الرسول، اللي أكد إن رفض إسرائيل مش نهائي، وإن الله لسه عنده قصد خلاص ليهم. بولس بيقول إن القساوة حصلت جزئيًا، وإلى حين، وإنه في الأخر هكذا سيخلص جميع إسرائيل ((رسالة بولس إلى رومية ١١ :٢٥–٢٦ ))، وإن اللي اتقطع من الزيتونة ممكن يتطعم تاني لو رجع للإيمان، لأن الله قادر أن يطعمهم أيضًا ((رسالة بولس إلى رومية ١١ :٢٣ )).
وده بيكشف قلب الله الحقيقي: ربنا بيكسر الكبرياء، آه، لكنه ما بيكسرش الإنسان علشان الهلاك، بل علشان الخلاص. قصده النهائي مش تدمير الأمم، لكن ضمّ كل أمة وكل شعب يقبل إن “الله معنا” -مش ضدنا- إلى ميراث الحياة في المسيح يسوع.
---
## أربعون أو ثمانون
URL: https://tabcm.net/56556/
Type: post
Modified: 2026-07-11
كثرت في الآونة الأخيرة حالات الميلاد في عائلات منتشرة بيننا، وبذلك عاد النقاش حول مدة بقاء الأم الوالدة في بيتها، دون النقاش عن سبب هذا البقاء وعدم ذهابها إلى الكنيسة أو التناول من الأسرار المقدسة. لذلك رأيت أن أوضح بعض النقاط بحثت عنها في كتابات الأولين، فلم أجد لها إجابات.
يقول النص الإنجيلي:
وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلاً: «كَلِّمْ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَائِلاً: إِذَا حَبِلَتِ امْرَأَةٌ وَوَلَدَتْ ذَكَرًا، تَكُونُ نَجِسَةً سَبْعَةَ أَيَّامٍ. كَمَا فِي أَيَّامِ طَمْثِ عِلَّتِهَا تَكُونُ نَجِسَةً. وَفِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ يُخْتَنُ لَحْمُ غُرْلَتِهِ. ثُمَّ تُقِيمُ ثَلاَثَةً وَثَلاَثِينَ يَوْمًا فِي دَمِ تَطْهِيرِهَا. كُلَّ شَيْءٍ مُقَدَّسٍ لاَ تَمَسَّ، وَإِلَى الْمَقْدِسِ لاَ تَجِئْ حَتَّى تَكْمُلَ أَيَّامُ تَطْهِيرِهَا. وَإِنْ وَلَدَتْ أُنْثَى، تَكُونُ نَجِسَةً أُسْبُوعَيْنِ كَمَا فِي طَمْثِهَا. ثُمَّ تُقِيمُ سِتَّةً وَسِتِّينَ يَوْمًا فِي دَمِ تَطْهِيرِهَا. وَمَتَى كَمُلَتْ أَيَّامُ تَطْهِيرِهَا لأَجْلِ ابْنٍ أَوِ ابْنَةٍ، تَأْتِي بِخَرُوفٍ حَوْلِيٍّ مُحْرَقَةً، وَفَرْخِ حَمَامَةٍ أَوْ يَمَامَةٍ ذَبِيحَةَ خَطِيَّةٍ إِلَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ، إِلَى الْكَاهِنِ، فَيُقَدِّمُهُمَا أَمَامَ الرَّبِّ وَيُكَفِّرُ عَنْهَا، فَتَطْهُرُ مِنْ يَنْبُوعِ دَمِهَا. هذِهِ شَرِيعَةُ الَّتِي تَلِدُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى. وَإِنْ لَمْ تَنَلْ يَدُهَا كِفَايَةً لِشَاةٍ تَأْخُذُ يَمَامَتَيْنِ أَوْ فَرْخَيْ حَمَامٍ، الْوَاحِدَ مُحْرَقَةً، وَالآخَرَ ذَبِيحَةَ خَطِيَّةٍ، فَيُكَفِّرُ عَنْهَا الْكَاهِنُ فَتَطْهُرُ».
(سفر اللاويين 12: 1-8)
قول الرب لا غبار عليه، هو حقٌّ كل الحق. لذلك لا اعتراض عليه، ولكن ينبغي توضيحه.
ففي التقليد اليهودي كل ما يؤدي إلى فقدان الحياة أو ما يشبه هذا المسبب، يعتبر ذلك فيه ما يلوِّث الإنسان بما يسمى “النجاسة.” لذلك تحاشى اليهود عامة هذه الأمور، وهي وجهة نظرهم نتيجة كثرة ما عانوه في تاريخهم الطويل. ونلفت النظر هنا بالمقارنة إلى تاريخ الأقباط وما عانوه من استشهاد الشهداء واحتفاظهم بدماءهم بكرامة ونبلٍ؛ أمرٌ ينبغي أن نقدره جيدًا.
نعود إلى نص سفر اللاويين، وقد فهمنا الدعوة إلى البعد عن كل ما هو مقدَّس في فترة سبعة أيام في حالة ولادة الابن الذكر، ثم تليها ثلاثة وثلاثون يومًا أخرى تكملة لما يسمى “فترة تطهير” المرأة (ما مجموعه أربعون يومًا). وفي حالة الابنة تكون الفترة الأولى أسبوعين، ثم خمسة وستون يومًا لتكملة فترة “التطهير” (ما مجموعه ثمانون يومًا). وهنا جاء السؤال: “لماذا؟”
وهنا أتوجه إلى السائل وأقول: يا عزيزي، عُد إلى ما حدث أصلًا، حتى تدرك ما يستدعي كل ذلك!
لقد تكوَّن داخل الأم جنين نابض، ذو جسدٍ كامل، يتغذى من دم الأم وينمو يومًا بعد يوم، وقد نتج عن ذلك إنه اكتمل وصار قادرًا على أن يتنفس ويتحرك في أيامه الأولى، وظهرت عليه العلامات الحيوية في كل أجهزته. لذلك، فمن الطبيعي جدًا أن يحتاج هذا الكائن الذي تكوَّن داخل الأم أن يخرج إلى الكون الذي خُلق فيه، لكي يتنفس الهواء الطبيعي الذي هيأه الله تبارك اسمه لكل كائن حيٍّ.
وعملية الميلاد في حدِّ ذاتها، هي خروج كائن حي من كائن حي آخر أكبر منه. فمن الطبيعي في كل ذلك أن يكون انبثاق الكائن الضعيف من الكائن الأكبر له متطلباته لكي يكون هذا الانبثاق صحيحًا ومحافظًا على أعضائه بغير عطب أو ضرر.
وقد هيأ الله أن يكون هذا الميلاد مصحوبًا بتكوُّن مواد طبيعية حيوية تساعد الأم على سهولة هذا الميلاد؛ بالتالي فتلك المواد بعد أن تؤدي دورها، يكون من الطبيعي أن يغتسل هذا المولود أو المولودة لكي يأخذ دوره أو دورها في الحياة: طفلًا كاملًا يبدأ في النمو والرقي يومًا بعد يوم.
لذا فكانت هذه المرحلة التي تصل إلى 9 شهور، هي إعداد مرتب من الله لكي يكون هذا الطفل مهيئًا للحياة في هذا الكون بسلام.
تكريم الأم التي ولدت الأنثى:
نعود إلى الأم التي ولدت جنينها فأصبح طفلاً ذكرًا أو أنثى.
ففي حالة ميلاد الطفل الذكر:
سبعة أيام تبقى فيها الأم مشغولة بالطفل، ثم 33 يومًا تكمل أيام تطهيرها. والحاصل هو 40 يومًا من الانعزال المنزلي.
وفي حالة ميلاد الطفل الأنثى:
أسبوعان تبقى فيها الأم مشغولة بابنتها، ثم 65 يومًا تكمل أيام تطهيرها. والحاصل هو 80 يومًا من الانعزال المنزلي.
والسؤال هنا هو: لماذا 40 يومًا للذكر، و80 يومًا للأنثى؟
أولًا: بحثتُ في كل المصادر والشروحات القديمة والحديثة، ولكن لم أجد نصًا واحدًا يُشيد بالجهد الذي تتحمله الأم في فترة الحمل. لذلك ففترة الانعزال الكلي عن كل ما هو مقدس هي لهدف ينبغي أن نحسبه على أنه تقدير من الرب الإله لتلك المرأة التي تعبت 9 شهور كاملة في حملها، لذلك يكرِّمها الرب الإله لكي تكون “هي” من يُحجُّ إليها، لأنها مستحقة هذا التكريم، لكي يتقرب كل من له صلة بها، فينال من تكريم الرب الإله لها. لأني أحسب أن انعزالها عن الخدمة والصلاة في أماكن العبادة، هو لأجل إتاحة الفرصة الأكثر للمحيطين بالأم الوالدة لكي تبجَّل من المحيطين بها، إذ قد ينالها من الأقارب ما يزيح عنها ثقل آلامها التي تكبدتها طوال التسعة أشهر الخاصة بالحمل.
لذلك، تظل الأم الوالدة مهتمة بطفلها: 40 يومًا في حالة المولود الذكر، و80 يومًا في حالة المولود الأنثى؛ ولماذا (80)؟ ذلك لأن تلك الطفلة المولودة حديثًا سوف تأتي في سنوات عمرها القادم بنسلٍ جديد يعمّر الأرض، فكان تقدير الرب الإله للأم مضاعفًا، لتقديره الجم لما أفرزته تلك الأم للبشرية.
فمبارك هو الرب الإله الذي يبارك خليقته ويعطيها التقدير اللائق بها.
ملحوظة:
راجع تفاسير الآباء جميعًا على سفر اللاويين، الإصحاح 12.
---
## المنظور القديم لبولس الرسول [۱]
URL: https://tabcm.net/56280/
Type: post
Modified: 2026-07-10
هناك مجموعة من الباحثين الأكاديميين المعاصرين في الدراسات الكتابية يتبنُّون المنظور القديم لبولس الرسول الذي نشأ مع حركة الإصلاح البروتستانتيّ، ويأتي على رأسهم دونالد آرثر كارسون، الذي ينتقد المنظور الجديد الذي تبنَّاه إد باريش ساندرز وآخرين.
النقد الأساسيّ الذي يُقدِّمه كارسون لمنظور ساندرز الجديد حول بولس مُوجَّهٌ تحديدًا لمفهوم ”الناموسية العهدية“، وهذا النقد مُصَاغٌ بشكلٍ أساسيٍّ في العمل المكوَّن من مجلدين الذي شارك في تحريره والمساهمة في إعداده، وهو كتاب ”التبرير والناموسية المتعددة“.
يرى كارسون أن ”الناموسية العهدية“ التي يتبنَّاها ساندرز هي فئة أحادية الجانب للغاية، ولا تراعي بشكلٍ كافٍ الطبيعة ”المتعدِّدة“ لليهودية في فترة الهيكل الثاني. كما أن نموذج ساندرز هو نموذجٌ مُبسَّطٌ للغاية، وأن هناك بعض تيارات من اليهودية كانت تميل بالفعل إلى شكل من أشكال برِّ الأعمال أو الناموسية التي كان يعارضها بولس الرسول. بالتالي ”الناموسية العهدية“ لساندرز هي تبسيطٌ مُفرِطٌ يفرض هيكلًا واحدًا ومُوحَّدًا على الأدبيات اليهودية المتنوعة في فترة الهيكل الثاني.
يؤكد كارسون أن بعض الجماعات والنصوص اليهودية أظهرت بالفعل شكلًا من أشكال ”برِّ الأعمال“ يتجاوز مُجرَّد البقاء في العهد، ويتضمَّن اكتساب أو استحقاق رضا الله. كما يرى كارسون أن هناك تركير من المنظور الجديد لبولس على الجانب الاجتماعيّ بدلًا من الجانب الخلاصيّ، حيث يُقلِّل نموذج ساندرز من شأن الاهتمامات السوتيريولوچية (الخلاصية) لبولس، أيّ كيف يتمُّ خلاص/تبرير المرء، وبدلًا من ذلك، يُركِّز بشكلٍ كبيرٍ على القضية الاجتماعية لعلامات تميُّز الهوية اليهودية (كالختان ونواميس الطعام وحفظ السبت)، باعتبارها الشيء الوحيد الذي كان بولس ينتقده.
ولكن يُصرُّ كارسون على أن نقد بولس يدور بشكلٍ أساسيّ حول كيف يصبح الشخص بارًا أمام الله –وهي قضية خلاصية أساسية– وليست مُجرَّد قضية فرعية بين المجموعات العرقية. ويُؤيِّد كارسون الرؤية التقليدية القائلة بأن ”أعمال الناموس“ عند بولس الرسول تُشِير، جزئيًا على الأقل، إلى الجهود البشرية لاكتساب أو الحفاظ على مكانةالبرِّ أمام الله، وأنها ليست مُجرَّد ”علامات حدود“ تفصل اليهود عن الأمم، كما اقترح بعض مُؤيِّدي المنظور الجديد لبولس مثل چيمس دَن الذي بنى على أساس ساندرز ((D. A. Carson, P. T. O’Brien and M. A. Seifrid, Justification and Variegated Nomism: The Complexities of Second Temple Judaism, Vol. 1, WUNT 2/140, Grand Rapids: Baker Academic, 2001 ))، ((D. A. Carson, P. T. O’Brien and M. A. Seifrid, Justification and Variegated Nomism: The Paradoxes of Paul, Vol. 2, WUNT 2/181, Grand Rapids: Baker Academic, 2004 )).
ويتماشى موقف كريج آلان إيفانز مع التفسير القديم المحافظ لنظرة بولس للناموس، ولكنه يُشارِك ويستخدم جزئيًا جوانب من المنظور الجديد لبولس، خاصةً فيما يتعلَّق بـ”أعمال الناموس“. يُعرَف إيفانز باستخدامه لمخطوطات البحر الميت لتفسير لغة بولس، وهي طريقةٌ ترتبط غالبًا بالمنظور الجديد لبولس. حيث يُجادِل إيفانز بأن عبارة ”أعمال الناموس“، خاصةً في رسالتي رومية وغلاطية، تُشِير في المقام الأول إلى نواميس الطهارة وعلامات الهوية المنظورة التي ميَّزت اليهود عن الأمم.
يُشِير إيفانز إلى نص قمران 4QMMT ليقترح أن الجدل كان يدور حول ممارسات مثل الختان ونواميس الطعام وحفظ السبت. يساعد هذا المنظور الجديد في تفسير لماذا ينتقد بولس هذه الممارسات تحديدًا ويُسمِّيها ”أعمال الناموس“ التي يجب على الأمم التخلي عنها، لأنها كانت العناصر التي تمنع الشركة وتدل على الهوية اليهودية.
وبينما يُقرُّ إيفانز بتركيز المنظور الجديد على العلامات الاجتماعية، فإنه لا يزال يُصرُّ على أن قضية بولس النهائية هي الخلاص. كان المعلِّمون المتهودون يعتبرون هذه العلامات ضروريةً للخلاص النهائيّ والعضوية في العهد، ولهذا السبب يُهاجِمها بولس بشدةٍ؛ لأنه كان يجري استخدامها لكسب الحظوة والمكانة بدلًا من قبولها بالنعمة عن طريق الإيمان.
وهكذا، يُؤكِّد إيفانز الرأي التقليديّ بأن العهد الموسويّ بأكمله قد انتهى أجله، ولم يعد مُلزِمًا للمسيحيين، سواء اليهود أو الأمم، كنظام للارتباط بالله. لأن موت المسيح وقيامته يُحقِّقان مطالب الشريعة، ويُنهِيان وظيفتها كعهدٍ مؤقتٍ. فالمسيح هو المركز الجديد لعهد الله مع البشرية. كما يرى إيفانز أن قيود المرسوم الرسوليّ على المتحوِّلين من الأمم ((سفر أعمال الرسل 15: 20 )) لم تكن تتطلب منهم تبني شريعة موسى، بل أمرتهم بالالتزام بمعايير الطهارة الأخلاقية المستمدة من الشريعة ((تحديدًا من سفر اللاويين 17-18 ))، مما يسمح لهم بالشركة في المائدة والحياة الأخلاقية جنبًا إلى جنب مع المؤمنين اليهود. وهذه هي المحظورات الأربعة التي حدَّدها يعقوب في أعمال الرسل ((سفر أعمال الرسل 15: 20 )).
ويُميِّز إيفانز، مثله مثل مُعظم الباحثين المحافظين، بين الجوانب الطقسية والمدنية للشريعة وجوهرها الأخلاقيّ. فالشريعة، بمعنى المشيئة الأخلاقية الأبدية لله (على سبيل المثال، الوصايا ضد القتل والسرقة ووصية المحبة)، تظلُّ مُقدَّسةً وصالحةً ((رسالة بولس إلى رومية 7: 12 )). وهكذا يتمُّ تحقيق المتطلبات الأخلاقية للشريعة في رومية ((رسالة بولس إلى رومية 8: 4 )) الآن من قِبَل المؤمنين الذين يقودهم الروح القدس. حيث يُوفِّر الروح القدس القوة والميل الداخليّ الذي لم يستطع الناموس توفيره بمفرده بسبب الجسد (البشرية). ((Craig A. Evans, Paul and the Scriptures of Israel, Ed. by Craig A. Evans and James A. Sanders, Library of New Testament Studies, T&T Clark, Bloomsbury, 2015, pp. 13-18 ))
يتميَّز عرض جرانت روبرت أوزبورن لوجهة نظر بولس حول الناموس الموسويّ بأنه إنجيليّ ومتوازن، حيث يدمج وجهات النظر التقليدية مع تحليل دقيق للمنظور الجديد حول بولس. ويتناول أوزبورن هذا الموضوع بشكلٍ أساسيّ في تفسيراته لرسالتي رومية وغلاطية، وفي كتابه النظاميّ الرئيسيّ عن الهرمنيوطيقا أو علم التفسير والتأويل ”اللولب الهرمنيوطيقيّ أو التأويليّ“.
يتمثَّل موقف أوزبورن في أن الناموس أُلغِيَ كنظامٍ عهديّ، لكن جوهره الأخلاقيّ يظلُّ صالحًا للمسيحيّ، ويتحقَّق من خلال الروح القدس. كما يتمسَّك أوزبورن بقوةٍ بمبدأ حركة الإصلاح الكلاسيكيّ القائل بأن الناموس، في مجمله، لم يعد الوسيلة التي يُعلَن بها برُّ أيّ شخص أمام الله، فدور الناموس لغرض التبرير قد انتهى. ويرى أوزبورن في تفسيره لرسالة غلاطية أن حجة بولس في رسالة غلاطية هي صراعٌ أساسيٌّ ضد أيّ محاولة لاستبدال الصليب بـ”محاولات لكسب البرِّ عن طريق الأعمال“ ((Grant R. Osborne, Galatians verse by verse, Lexham Press, 2017, p. 17 )).
لقد دشَّن يسوع عصرًا عهديًا جديدًا، جاعلاً العهد القديم باليًا كوسيلة للخلاص. يتفق أوزبورن مع المنظور الجديد على أن ”أعمال الناموس“ بالفعل عملت كعلامات للتمييز مثل الختان ونواميس الطعام وحفظ السبت، إلا أنه يُصرُّ على أنها ليست مُجرَّد علامات تمييز. بل لقد كانت الوسيلة التي سعى بها اليهود إلى تتميم الشريعة وتأمين وضعهم العهديّ، وهكذا ينتقد بولس فكرة أن أيّ جهد بشريّ – طقسيّ أو أخلاقيّ – يمكن أن يستحق الخلاص.
يُفسِّر أوزبورون في تعليقه على ((رسالة بولس إلى رومية 10: 4 )) أن المسيح هو غاية الناموس بمعنى أنه النهاية والغاية والذروة للناموس، خاصةً في قدرته على إحداث البرِّ ((Grant R. Osborne, Romans Verse by Verse, Lexham Press, 2017, Comm. on Romans 10: 4, pp. 1-40, 500-542 )).
وهكذا يرى أوزبورن أن زوال العهد الموسويّ لا يؤدي إلى مناهضة الناموس لأن المطالب الأخلاقية للناموس يتمُّ استيعابها وتحقيقها الآن بواسطة الروح القدس. فالحياة المسيحية تعمل تحت ”ناموس المسيح“، وهو في الأساس ”ناموس المحبة“ ((رسالة بولس إلى غلاطية 5: 14، 6: 2 )).
هذا الناموس الجديد هو تحقيق للمعايير الأخلاقية الخاصة بالعهد القديم. ويُفسِّر أوزبورن رومية ((رسالة بولس إلى رومية 8: 4 )) بأن بولس يُعلِّم أن ”المتطلبات العادلة للناموس“ يتمُّ تتميمها في أولئك الذين يسلكون حسب الروح. حيث يُوضِّح أوزبورن ذلك صراحةً ويقول إن المبادئ الأخلاقية للناموس باقيةٌ، على الرغم من أن مصدر القوة للطاعة قد تغيَّر من تدوين خارجيّ إلى الروح القدس الداخليّ ((Grant R. Osborne, Romans Verse by Verse, Lexham Press, 2017, Comm. on Romans 8: 4 )).
ويُقدِّم أوزبورن إطارًا لكيفية تطبيق المسيحيّ لناموس العهد القديم، الذي يدعم قراءته لبولس في عمله النظاميّ ”اللولب التأويليّ“. حيث يُقسِّم أوزبورن ناموس موسى إلى ثلاث فئات: مدنيّ، وطقسيّ، وأخلاقيّ. لكنه يُؤكِّد أن بولس وكُتَّاب العهد الجديد يعاملون الناموس على أنه عهد مُوحَّد قد انتهى. ولكن المبادئ الأخلاقية للناموس (الملخَّصة في الوصايا العشر ووصايا محبة الله والقريب) قد تمَّ نقلها إلى العهد الجديد. أمَّا الجوانب المدنية والطقسية فقد تمَّ تحقيقها وإنهاؤها في المسيح ((Grant R. Osborne, The Hermeneutical Spiral: A Comprehensive Introduction to Biblical Interpretation, IVP, 2007, pp. 173-321, 308-322, 323-343 )).
---
## إشكالية التعليم الكنسي المعاصر
URL: https://tabcm.net/56269/
Type: post
Modified: 2026-07-09
من الضروري أن نتوقف لنقترب من التيارات الأربعة التي تشكلت في بدايات حراك الخروج بالكنيسة من نفق طال، وتنوعت من التغيير بالعنف المادي، ونموذجه جماعة الأمة القبطية، الذي لم يجد قبولًا على الأرض، سواء في صفوف الأقباط الذين رأوه مخالفًا لما استقر عندهم من قيم نبذ العنف وقيم الإصلاح السلمي بتجديد الفكر حسب المسيح، أو نظام الحكم الذي تنبه إلى مخاطر تمدد هذا الحراك ليشتبك مع سياسة الدولة ويتحول إلى تيار سياسي معارض يتبنى المطالبة بحقوق الأقباط.
وهذا يفسره العفو عن رموزه بعد حادثة اختطافهم للبابا البطريرك الأنبا يوساب، وهو إفراج جاء تلبية لطلب البابا نفسه، ثم القبض عليهم مجددًا، فيما بعد، بسبب المذكرة التي تقدموا بها، بطلب من قادة الثورة وقتها، للمشاركة في أعمال لجنة إعداد دستور 1954، مطالبة تضمين الدستور مواد تؤكد حقوق الأقباط بما يحقق مساواتهم ببقية المصريين، في استشراف مبكر لمفهوم المواطنة.
ثم جاء الانقلاب عليهم بعد أزمة مارس وإزاحة اللواء محمد نجيب وتولي جمال عبد الناصر مقاليد الحكم، وقُدموا للمحاكمة التي أدانتهم وأصدرت بحقهم أحكاما بالسجن، وفيها قضت بسجن رائدها المحامي إبراهيم فهمي هلال سبع سنوات قضاها كاملة خلف الأسوار، ومعها يصدر قرارًا رئاسيًا بحل الجماعة.
بجوار هذا التوجه كان هناك من اختار الاشتباك الفكري مع الواقع الكنسي، بطرق متعددة بين المقالات النارية التي تنتقد الواقع المتراجع، ونموذجه المتقدم جماعة مدارس الأحد ومجلتهم التي تحمل اسمهم، وبين محاولات التنقيب عن كتابات الكنيسة الأولى وتعريبها من لغاتها الأصلية أو من ترجمات بلغات وسيطة، والبناء عليها، وتعددت الجهات التي تبنت هذا التوجه ما بين الرهبنة والتكريس انتهاءً بالمبعوثين إلى جامعات غربية لاستكمال دراساتهم اللاهوتية العليا، وبين هذه وتلك تشكلت ملامح الخلافات الفكرية بين حلفاء الأمس الذين جمعهم الحلم وفرقتهم الطرق. ليتحول الأمل إلى قلق، وصل في بعضه إلى الاحتراب وربما القطيعة.
دعونا نقرأ الصورة ونحاول أن نرسمها بمعطيات وقتها، فقد كانت مجموعات “التغيير بالفكر” شباب متقاربون في العمر، يحكم كل تيار تكوينه الفكري والسياسي وقدر اشتباكه مع الشأن العام، تيار مدارس الأحد كان يمتلك حراكًا في الشارع بحكم تواجده وخدمته وسط الناس، وبعضه كان مشتبكًا مع الحياة الحزبية، في محاولة أن يجد له موقعًا على غرار السياسي اللامع مكرم عبيد، وقد أعتبروه أيقونتهم، وتتلمذوا عليه، وانعكس هذا على منهجهم في إدارة معاركهم، سواء على صفحات مجلة مدارس الأحد أو في مراحل مسيرتهم نحو قيادة الكنيسة، بل وأيضًا في إدارتهم للكنيسة فيما بعد.
بحكم تعليمهم الجيد، الذي كان سمة عقود نشأتهم وتكوينهم، سواء في المدارس الحكومية أو مدارس الإرساليات، تشكل وعيهم على ما توفر وقتها من كتب أدبية ودينية، كانت الساحة الأدبية تموج بإبداعات متنوعة، بينما كانت الساحة الدينية تئن من الندرة، كان المتاح الكتب التي توفرها مطابع لبنان وبعض من مطابع الجمعيات الأهلية القبطية، وكان أغلبها تحمل مؤلفات كنيسة انطاكية أو كنائس الإرساليات.
وانعكس هذا على ما قدمه الرائد حبيب جرجس، الرائد المؤسس لمنظومة مدارس الأحد، ليسد فراغ المكتبة القبطية، وقد سعي بقدر المتاح أن يؤسس لثقافة قبطية معاصرة فكتب عدة كتب عن الأسرار الكنسية وعن تربية النشء وموضوعات روحية مختلفة، نذكر منها: الصخرة الأرثوذكسية، أسرار الكنيسة السبعة المقدسة، عزاء المؤمنين، الكنز الأنفس في ملخص الكتاب والتاريخ المقدس، سر التقوى، المبادئ المسيحية الأرثوذكسية، الوسائل العملية للإصلاحات القبطية.
تيار التكريس كان يؤمن أن التغيير يبدأ فكرًا، وأن ما وصلت إليه الكنيسة من جمود كان بسبب الانقطاعات المعرفية المتتالية، جراء هجرة اليونانية إلى القبطية بدوافع قومية، القرن السادس الميلادي، ثم هجرة القبطية قسرًا إلى العربية في غضون القرنين العاشر والحادي عشر بضغوط سياسية، وبعدهما وجدت الكنيسة نفسها تصارع من أجل البقاء والحفاظ على ما في حوزتها من مخزون عقيدي وطقسي ولاهوتي، دون تفاعل مع الدراسات والأبحاث اللاهوتية التي استمرت في الكنائس الأخرى، لكون علم اللاهوت حقل معرفي حي يتفاعل مع الحياة ومع مستجدات التلاقح الثقافي بين المدارس اللاهوتية كما كان يحدث في قرون ما قبل الانشقاق، التي شهدت حوارات لاهوتية بين أقطاب الآباء سجلته رسائلهم المتبادلة. وترجمتها المجامع المسكونية وقتها في مقراراتها وما صدر عنها من وثائق وقوانين.
نفر من هذا التيار اختار الرهبنة مناخًا ومكانًا يعكفون فيه على التنقيب عن التراث الآبائي وتعريبه وتحقيقه، ونفر أخر رأى أن رسالة التكريس تكون بين الناس، فأسسوا بيت التكريس بحلوان، ومن خلاله سعوا هم أيضًا للتواصل مع الزخم اللاهوتي في الكنيسة الأولى، سواء في لغاته اليونانية والقبطية، أو فيما توفر منه في ترجمات للغات حية وسيطة. ولأسباب عديدة انتقل بيت التكريس من حلوان إلى حدائق القبة ثم يتطور ليصبح مؤسسة ثقافية تحمل اسم مؤسسة القديس أنطونيوس للدراسات الآبائية، وتعرف في الأوساط القبطية باسم مركز دراسات الآباء.
فيما اشتبك نفر ثالث ـ ممن اختاروا الرهبنة ـ مع الحياة الكنسية خارج أسوار الأديرة، عن إيمان بأن التغيير يأتي من منظومتها الهيراركية الإكليروسية، فطرقوا أبواب الترشح للكرسي البابوي بعد نياحة (رحيل) البابا يوساب الثاني، كان أبرزهم الأب الراهب أنطونيوس السرياني والراهب متى المسكين، الأمر الذي استنفر مطارنة الكنيسة والقيادة السياسية للدولة وكان وقتها ضباط ثورة يوليو.
كان المطارنة يخشون الرؤي التي يحملها هؤلاء بحكم الاختلاف الجيلي، فيما كان توجس ضباط يوليو من احتمال اشتباك هؤلاء الشباب مع المشهد السياسي وما يترتب عليه من تداعيات مقلقة، فكان أن اجتمعت الآراء على تعديل لائحة انتخاب البابا البطريرك فتأتي اللائحة الجديدة (1957) بشرطين حالا دون قبولهم كمرشحين؛ ألا يقل سن المترشح عن أربعين سنة وألا تقل مدة رهبنته عن خمسة عشر عامًا. لكنهم يواصلون مسعاهم، فيما بعد عندما تحقق فيهم الشرطين.
تجري في نهري الكنيسة والوطن مياه كثيرة، لتجد القيادات الكنسية وقد عبروا مرحلة الشباب والحلم، في حالة مواجهة واقع يتجاوز الحلم، وتحديات عنيفة جراء التحولات التي طالت توجهات الدولة وأعادت إحياء نسق الإسلام السياسي بتحالفات جديدة وسياسات تتصادم مع ما استقر في الوجدان المصري وتتقاطع مع التعايش والقبول المتبادل، الأمر الذي حمل الكنيسة أدوارًا سياسية ليست لها.
تلامس هذا مع الخبرات السياسية عند القيادة الكنسية، وأضافت إلى أعبائها الرعوية عبء الاشتباك مع السياسة، ووجد هذا قبولًا عند الأقباط بفعل تصاعد نفوذ تيارات الإسلام السياسي، بل ووجد توافقًا مع أجهزة الدولة وبخاصة مؤسسة الرئاسة، التي بحسب الدكتور ميلاد حنا المفكر المصري استراحت أن تختزل الأقباط في الكنيسة وتختزل الكنيسة في شخص البابا، في إعلان مبكر لانتقاص مواطنة الأقباط، ولكنه توافق لم يدم إذ تحول إلى نفور وصل إلى ذروته بقرار رئاسي بعزل البابا وتحديد إقامته بدير الأنبا بيشوي بوادي النطرون.
استطاع البابا شنودة أن يكتسب شعبية جارفة عبر تواصله المباشر مع الأقباط من خلال اجتماعه الأسبوعي الذي أسسه وهو بعد أسقف، ومن خلال الإصدار الثاني لمجلة الكرازة، وكانا منبران يحملان رؤية البابا ومن ثم الكنيسة في الأحداث الجارية، وربما ساهما بهذا في تعميق حالة النفور بين السادات وبينه، إذ صاراتا نافذة البابا في التواصل مع الناس ونجح في توظيفهما في تعميق شعبيته على المستويين الديني والسياسي، بما تحمله من رسائل قوية للشارع والدولة، وكانت أجهزة الدولة تترقب ما يأتي فيهما وتحليله لقياس تعاظم نفوذه السياسي، ما شكل تحديًا للرئيس وهو ما عبر عنه السادات بغضب في خطاب الأزمة 5 سبتمبر 1981.
---
## ما فقدناه وما لم ندرك أننا فقدناه
URL: https://tabcm.net/56166/
Type: post
Modified: 2026-07-08
في الحلقتين السابقتين حاولنا أن نتتبع رحلة طويلة بدأت بشراكة حقيقية بين الإكليروس والعلمانيين في مشروع النهضة الكنسية، ثم مرت بمراحل من المركزية والمأسسة حتى وصلنا إلى واقع مختلف تمامًا.
لكن السؤال الآن ليس: من المخطئ؟
السؤال الأهم هو: ماذا كانت النتيجة؟
ماذا خسرنا خلال هذه الرحلة؟
وهل خسرنا أشياء لم ندرك أصلًا أننا فقدناها؟
عدد الخدام
قد يعترض البعض قائلًا: “كيف تتحدثون عن تهميش العلمانيين بينما الكنيسة اليوم تضم عشرات الآلاف من الخدام؟”
والحقيقة أن المشكلة ليست في عدد الخدام. الخدام أكثر من أي وقت مضى، والأنشطة أكثر من أي وقت مضى، والمؤتمرات أكثر من أي وقت مضى.
لكن السؤال ليس: كم عدد من يخدمون؟
السؤال هو: كم عدد من يفكرون؟
كم عدد من يملكون مساحة حقيقية للمبادرة؟
كم عدد من يستطيعون أن يروا احتياجًا جديدًا ويصنعوا له حلًا دون انتظار موافقة من عدة مستويات إدارية؟
المشكلة ليست في اختفاء العلماني.
المشكلة في اختفاء العلماني المستقل.
التنوع الفكري
في عصر النهضة الأولى كان يمكن أن تجد داخل الكنيسة: معلمًا، ومؤرخاً، وأستاذ جامعة، وطبيبًا، وكاتبًا، وباحثًا. وكان لكل واحد منهم صوته وزاويته ورؤيته. لم يكن الجميع نسخة واحدة من بعضهم البعض.
كان هذا مصدر قوة لا ضعف. أما اليوم فقد أصبح المجال أضيق بكثير. ليس لأن الناس أقل ذكاء. بل لأن المؤسسة بطبيعتها تميل إلى تفضيل الأصوات المتشابهة معها. ومع الوقت يصبح الاختلاف عبئًا. ويصبح التنوع الفكري خطرًا يجب احتوائه بدلًا من اعتباره ثروة يجب الاستفادة منها.
فقدان المبادرة
أسس حبيب جرجس مدارس الأحد لأنه رأى احتياجًا. لم ينتظر تكليفًا ، ولم ينتظر قرارًا، ولم ينتظر لجنة، رأى مشكلة وتحرك. هذا هو جوهر النهضة.
أما اليوم فقد تعلم كثيرون أن الطريق الآمن ليس المبادرة بل التنفيذ. ليس التفكير بل التطبيق. ليس الاكتشاف بل الالتزام بما هو موجود بالفعل. وأخطر ما يمكن أن يحدث لأي مؤسسة هو أن يتحول أبناؤها من مبادرين إلى منفذين.
القدرة على النقد الذاتي
كل مؤسسة تحتاج إلى أصوات تحبها بما يكفي لكي تنتقدها. لكن عندما يصبح الاختلاف مرادفًا للعصيان، والسؤال مرادفًا للتمرد، والنقد مرادفًا للهجوم، يتعلم الناس الصمت. ليس لأنهم اقتنعوا. بل لأنهم أدركوا أن الكلام له ثمن.
ومع الوقت تختفي المناقشات الحقيقية، ويحل محلها الإجماع الشكلي، الجميع يوافقون، والجميع يصفقون. لكن الجميع لا يفكرون بالضرورة بالطريقة نفسها.
الولاء على حساب الكفاءة
وهنا نقترب من أحد أكثر الجروح حساسية. المشكلة ليست أن كل من في مواقع المسؤولية غير أكفاء. هذا غير صحيح. لكن المشكلة أن الولاء أصبح في أحيان كثيرة أكثر أمانًا من الكفاءة.
الشخص المطيع لا يسبب إزعاجًا. أما الشخص المبدع فغالبًا يطرح أسئلة. والأسئلة تزعج المؤسسات. ومع الوقت تبدأ المؤسسة في مكافأة من يكررون الخطاب السائد أكثر من أولئك الذين يحاولون تطويره أو مراجعته. فتصبح الطاعة فضيلة مطلقة، بينما تصبح الشخصية المستقلة موضع شك دائم.
أصبحت الرتبة طريقًا للتأثير
ربما تكون هذه واحدة من أخطر النتائج التي لا نتحدث عنها كثيرًا. في عصر النهضة الأولى لم يكن حبيب جرجس في حاجة إلى أن يصبح كاهنًا حتى يكون مؤثرًا. ولم تكن إيريس حبيب المصري في حاجة إلى رتبة كنسية حتى تكتب تاريخ الكنيسة. ولم يكن الأكاديمي أو الباحث أو المعلم يشعر أن سقفه محدود لأنه علماني.
أما اليوم فقد ترسخ في أذهان كثيرين تصور مختلف. تصور يقول إن التأثير الحقيقي يمر عبر الإكليروس. إذا كنت شابًا موهوبًا وتريد أن يكون لك تأثير واسع، فالكهنوت يبدو الطريق الأقصر. وإذا لم تكن راغبًا في الزواج، فالرهبنة تبدو الطريق الطبيعي إلى مساحة أكبر من التأثير.
وهكذا بدأت رسالة غير معلنة تتشكل: “إذا أردت أن يكون لك سلطة التأثير، فالتحق بالإكليروس”.
النزيف الصامت
وهنا بدأ نزيف لم ينتبه إليه كثيرون. بدلا من أن يبقى أفضل المعلمين معلمين، وأفضل الباحثين باحثين، وأفضل المفكرين مفكرين. أصبح كثيرون يشعرون أن أقصى ما يمكن أن يصلوا إليه كعلمانيين أقل مما يمكن أن يحصلوا عليه إذا انتقلوا إلى الإكليروس. فبدأت المواهب تتجه نحو الكهنوت والرهبنة ليس فقط بدافع الدعوة الروحية، بل أحيانًا لأنهما أصبحا الطريق الأكثر وضوحًا للتأثير والاعتراف والمكانة.
والمفارقة أن هذا أضر بالطرفين معًا. أضر بالعلمانيين لأنهم فقدوا نماذج النجاح الكبرى داخل المجال العلماني. وأضر بالإكليروس لأن بعض الناس صاروا يرون الكهنوت أو الرهبنة باعتبارهما مسارًا للنفوذ والتأثير أكثر من كونهما دعوة للخدمة والتضحية.
الرتبة مصدر الشرعية
في عصر النهضة الأولى كانت الفكرة الجيدة تكتسب وزنها من قوتها. أما اليوم فكثيرًا ما تكتسب وزنها من صاحبها. من قالها؟ ما رتبته؟ هل لديه تفويض؟ هل يتحدث باسم جهة رسمية؟
وهكذا يتحول السؤال من: “هل الفكرة صحيحة؟” إلى: “من الذي قالها؟” وحين تصل أي مؤسسة إلى هذه المرحلة تبدأ الأفكار في فقدان قيمتها الذاتية.
السؤال المؤلم: ماذا لو ظهر حبيب جرجس اليوم؟ هل كنا سنصنع منه حبيب جرجس؟ هل كنا سنمنحه مساحة ليعلم ويكتب ويؤثر ويبني مشروعًا تربويًا على مستوى الكنيسة كلها؟ أم كنا سنطلب منه أن ينتظر؟ أن يحصل على موافقات؟ أن يتحرك داخل حدود مرسومة سلفًا؟ أن يتوقف كلما تجاوز الخطوط غير المكتوبة؟
لا أعرف الإجابة. لكنني أعرف شيئًا واحدًا: نهضة القرن العشرين لم يصنعها أناس انتظروا الإذن. بل أناس رأوا احتياجًا وتحركوا. ولهذا ربما يكون السؤال الحقيقي اليوم ليس: كيف نمجد الماضي؟ بل: “هل ما زالت الكنيسة قادرة على إنتاج حبيب جرجس جديد؟”
سأترك الحاضر يشهد.. والمستقبل يُجيب.
---
## أين قال المسيح: أنا هو الله فاعبدوني؟
URL: https://tabcm.net/56520/
Type: post
Modified: 2026-07-07
سؤال ساذج، يحاول البعض أن يقدمه كأنه يضع العقدة في المنشار. لو المسيح قال أنا هو الله وأعبدوني هنصدقه ونؤمن ونسمع كلامه.
وطالما مقالش كده يبقى غلط.
طيب هسألك بالمنطق دا لو عندك منطق يعني: هل تؤمن بأي حاجة يقولها المسيح؟
– أيوه، لو قال أنا الله هصدقه.
+ طيب ما هو قال للمولود أعمى إنه ابن الله ((إنجيل يوحنا 9 )) صدقته؟
طيب ما فرعون قال أنا الله وأعبدوني هل صدقته؟
طيب ربنا نفسه قال إنه هو الله والبشر يعبدوني، فحوالي 5 مليار من الـ 8 مليار رفضوا كلامه ومعبدهوش.
يعني أن المسيح يقول إن هو الله مش هي الكلمة اللي هتخلي الناس يقتنعوا ويؤمنوا بيه.
ومع ذلك علشان متفتكرش إننا بنهرب من الإجابة تعالى أجاوبك.
هل فعلًا المسيح مقالش أنا هو الله؟
على فكرة أنا هرد عليك مش علشان تقتنع، لأنك مش هتقتنع، لأنك مش عايز تقتنع ومحدد موقفك من قبل المناقشة.
حاجة تانية هتخليني أجاوبك، علشان المسيحيين يعرفوا أنه فيه إجابات على الأسئلة اللي المرتزقة بيقدموها علشان ياكلوا عيش من وراها لأنهم عواطلية.
عندما ظهر الله لموسى وتكلم معه، سأله موسى عن اسمه:
فقال موسى لله: ها أنا آتي إلى بني إسرائيل وأقول لهم: إله آبائكم أرسلني إليكم. فإذا قالوا لي: ما اسمه ؟ فماذا أقول لهم. فقال الله لموسى: أهيه الذي أهيه. وقال: هكذا تقول لبني إسرائيل: أهيه أرسلني إليكم. وقال الله أيضا لموسى: هكذا تقول لبني إسرائيل: يهوه إله آبائكم، إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب أرسلني إليكم
(سفر الخروج 3: 13، 14)
إذًا موسى سأل الله عن اسمه مباشرة وليس عن وصف أو جملة تصف من هو الله، فكان الرد ” أهيه الذي أهيه” ثم كرر مرة أخري وقال لموسى تقول لهم أهيه أرسلني إليكم. ثم مرة أخرى يهوه إله آبائكم. ومنذ هذا الوقت صار هذا هو الاسم الشخصي لله الذي يخاطبه به شعبه.
أهية ويهوه الاسمان بمعنى واحد في صيغتين مختلفتين من فعل الكينونة في العبرية هو أو هيا = TO BE. فأهيه هو صيغة المضارع للمتكلم الفرد أكون أو أنا هو = I AM. وبذلك يكون معنى أهيه الذي أهيه= أكون الذي أكون. كما أن يهوه هي صيغة المضارع للغائب= HE IS= يكون.
تترجم باليونانية أنا هو= إيجو إيمي. لذلك قال المسيح حين ترفعون ابن الإنسان ستعرفون أني أنا هو (إيجو إيمي) ((إنجيل يوحنا 28:8 )) أي ستعرفون إني أنا يهوه. ولذلك حين جاء يهوذا ليسلمه مع العساكر سألهم يسوع من تطلبون قالوا يسوع قال أنا هو فسقطوا على وجوههم فكان المسيح بقوله هذا يعلن لاهوته وأنه هو يهوه.
طبعا الجنود لم يسجدوا بل سقطوا لهيبة الاسم الذي كانوا يتجنبون النطق به بسبب قدسيته إلا في مناسبات نادرة. واستبدلوه بأسماء أخرى مثل أدوناي. وبقي يهوه هو الاسم الخاص جدا بالله في اللغة العبرية.
إذًا المسيح قالها صراحة وهو يعرف كيف سيفهمها اليهود وماذا تعني لهم، يعني مش صدفة.
وقبل هذا استخدمها أيضًا حين قال لليهود: “قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن”، “أهيا” أو “إيجو إيمي” باليونانية فأمسكوا بحجارة ليرجموه لأنه جدف، يعني قال عن نفسه أنه يهوه.
طبعا المشككين في إن المسيح استعمل نفس الاسم تمامًا وهو يهوه أو أهيه لن يستطيعون تفسير الرغبة في الرجم!
لأن هذا الاسم هو اعتراف صريح بالألوهية. فلو كان المسيح استعمل كلمة مثل رب أو سيد أو معلم أو غيرها لكان وقعها سيكون عاديًا عند اليهود وليس بالقدر الذي يعتبر تجديف.
وبنفس المنطق سقط الجنود على الأرض بمجرد سماع الاسم وهيبته وعظمته وخصوصيته بإله اليهود.
---
## المحطة الأخيرة
URL: https://tabcm.net/56369/
Type: post
Modified: 2026-07-06
أعلن الفريق أحمد شفيق، المرشح المحتمل لانتخابات رئاسة الجمهورية، أنه قرر الترشح لمنصب رئيس الجمهورية، لأنه يمتلك الخبرة في الحفاظ على علاقات طيبة مع القادة العسكريين وضمان تسليم سلس للحكم المدني، لأن مصر تحتاج إلى أن يتولى الرئاسة شخص لديه معرفة بطبيعة كل من الحياة العسكرية والمدنية، لتحقيق انتقال سلس بعد تولي عسكريين الرئاسة طوال 60 عامًا.
أكد شفيق أنه بعد أن كان الجيش مصدرًا لرؤساء مصر منذ عام 1952، بعد الإطاحة بالنظام الملكي، فإن من غير المرجح أن يكون هناك انفصال حاسم، وسيستمر الجيش في السعي للسلطة، حيث إن بعض المدنيين ربما يكونون في عجلة من أمرهم ويعتقدون أنه بمجرد انتخاب رئيس فإنه سيتصرف بحرية بعيدًا عن الجيش. هذا ليس صحيحًا ولا واقعيًا، وأكد شفيق أنه سيغير الطريقة التي تتعامل بها الدولة مع الجيش، مضيفًا أنه سيجعل الجيش يدفع ضرائب على الأرباح التي يحققها من مشاريعه، شأنه شأن أي شركة مدنية أو مستثمر في البلاد ((رويترز، المصري اليوم: «شفيق» : لا يمكن أن نأتي فجأة برجل مدني ليكون قائداً للقوات المسلحة. بتاريخ 17 فبراير 2012. )).
وفي تصريح قد يكون ردًا قاطعًا على تصريحات شفيق، صرح اللواء محمود نصر، مساعد وزير الدفاع للشؤون المالية وعضو المجلس الأعلى للقوات المسلحة، قائلًا: سنقاتل على مشروعاتنا، وهذه معركة لن نتركها. العرق الذي ظللنا 30 سنة لن نتركه لأحد آخر يدمره، ولن نسمح للغير، أيًا كان، بالاقتراب من مشروعات القوات المسلحة. وذلك ردًا على دعوات تطالب بضم بعض أرباح مشاريع الجيش إلى الموازنة العامة، وإخضاع النشاط الاقتصادي للجيش لرقابة برلمانية كجزء من المال العام، أو حتى فرض ضرائب عليها.
وعلى مدى عدة ساعات، استفاض اللواء محمود نصر، ضمن ندوة رؤية للإصلاح الاقتصادي التي عقدها المجلس يوم 26 مارس 2012، في الدفاع عن المجلس العسكري، ضد تحميلهم مسؤولية تدهور الأوضاع الاقتصادية، ولم يكتفِ نصر بذلك، بل وحمّل جموع المصريين المسؤولية قائلًا: الشعب هو السبب فيما يحدث… الناس ما بتشتغلش ليه؟ مابتشتغلش ليه؟
أثنى نصر على دور القوات المسلحة في إنقاذ الاقتصاد المصري من الانهيار، ودعم الاقتصاد عبر فوائضها من مشروعاتها التي أعتبر أنها “تحقق نجاحًا كبيرًا”. وأشار نصر إلى أن القوات المسلحة قدمت لأجهزة الدولة قروضًا، قائلًا: لقد قوّينا احتياطي البنك المركزي عبر قرض بقيمة مليار دولار، أعطى المركزي ما يعادله بالجنيه لوزارة المالية، مؤكدًا أن هذه ليست أموال الدولة وإنما عرق وزارة الدفاع من عائد مشروعاتها.
أشار محمود نصر إلى مشروعين دخلت فيهما القوات المسلحة في الكويت لتطهير الألغام والمشاركة في إحدى عمليات الأمم المتحدة قائلًا: إنهما درتا ملايين من الدولارات، وهذه الأموال ليست من أموال الدولة ولن نسمح للدولة بالتدخل فيها لأنه سيخربها، وهذا جهد مخلص أمين، وندفع ضرائب عنه، ومن يتعرض لهذا الموضوع يتعرض للأمن القومي المصري، معتبرًا أن هذا النشاط لا يخلق دولة داخل الدولة وإنما نوع من التفاعل مع مشكلات المجتمع وضريبة وطنية نقوم بها دون أن يطلب منا، قبل أن يوزع على الحضور بلوك نوت يحمل غلافها شعار المجلس الأعلى للقوات المسلحة والآية 55 من سورة يوسف التي تقول: قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم ((قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم (الآية 55 من سورة يوسف) ))، ((وائل جمال، جريدة الشروق: العسكري: مشروعاتنا (عرق) وزارة الدفاع.. ولن نسمح للدولة بالتدخل فيها. بتاريخ 27 مارس 2012. )).
في الثالث والعشرين والرابع والعشرين من مايو من عام 2012، أقيمت الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية المصرية للمرة الأولى بعد الثورة، بين ثلاثة عشر مرشحًا، بعد استبعاد بعض المرشحين المحتملين من قبل اللجنة العليا للانتخابات، انتهت بحصول محمد مرسي على نسبة 24.78% من إجمالي الأصوات، وحصول أحمد شفيق على نسبة 23.66%، ولم يحصل أيّ منهما على الأغلبية المطلقة.
حل حمدين صباحي في المركز الثالث بنسبة 20.72% من إجمالي الأصوات، بينما أقيمت الجولة الثانية من الانتخابات يومي السادس عشر والسابع عشر من يونيو بين محمد مرسي وأحمد شفيق، وهي انتخابات شابها التزوير والتجاوزات الفجة، التي كانت كفيلة بإلغاء الانتخابات بأكملها، أو على الأقل تغييرها من النقيض للنقيض، لكن يبدو أن القائمين على الأمور كان لهم رأي آخر.
وفي تهديدات واضحة وصريحة، ضمنًا وعلنًا، باستخدام العنف، هددت جماعة الإخوان المسلمين، على لسان عدد من قياداتها، بـ”حرق مصر”، في حال خسارة مرشحهم وفوز أحمد شفيق، مما يعني ضمنًا في رأيهم أن الانتخابات قد شابها التزوير. ففي لقائه على برنامج نادي العاصمة على القناة الأولى المصرية مع أسامة كمال، أكد محمد البلتاجي أنه لو حدث تلاعب وتزوير في الانتخابات من أجل إعادة إنتاج الماضي، فسنقدم أنفسنا بالآلاف شهداء لاستكمال مسيرة الثورة، ولن نقبل بتزوير الإرادة ((محمد البلتاجي، في لقاء مع أسامة كمال، برنامج نادي العاصمة، القناة المصرية الأولى: مقطع يوتيوب بعنوان: انفعال البلتاجي على الهواء وتهديد شديد اللهجة. )).
وعلى الرغم من أن القيادي الإخواني خيرت الشاطر لم يتلفظ بكلمة “حريق” في حواره مع الكاتب الأمريكي ديڤيد إغناطيوس في الأيام السابقة لجولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية، إلا أنه أكد أن الثورة المقبلة ستكون أقل سلمية وأكثر عنفًا في حال فاز شفيق، ثم تبعه آخرون من أنصار الجماعة وأتباعها ممن امتلأت بهم السمع والآذان والأبصار حديثًا في تلك الأثناء عن حرق مصر لو فاز شفيق، مستخدمين كل تصريفات الكلمة من “سنحرق مصر” و”سيحرق المصريون” و”ستحترق مصر” و”ستحرق مصر” في حال فوز شفيق ((أمينة خيري، جريدة الحياة اللبنانية: حرق مصر بين الوفاء بالوعد والهوس بالنيران. بتاريخ 17 أغسطس 2013. )).
وفي صعيد مصر، قام أعضاء ينتمون لجماعة الإخوان المسلمين بمنع الناخبين الأقباط في محافظات المنيا، وخاصة قرية دير أبو حنس، وسوهاج، وأسيوط والقرى التابعة، من ممارسة حقهم الانتخابي، عن طريق التهديد بالسلاح وتهديد بحرق منازلهم ومزارعهم وتهجيرهم لكي لا يتمكنوا من الذهاب إلى مراكز الاقتراع للتصويت لصالح الفريق أحمد شفيق ((مصطفى بكري، الجيش والإخوان: أسرار خلف الستار، الدار المصرية اللبنانية، 2013. )).
ولم تكترث اللجنة العليا للانتخابات لهذه الوقائع، ولم تنظر بعين الدقة في الطعون المقدمة من الفريق شفيق في هذا الشأن. وفي 14 أكتوبر 2014، أمر النائب العام المصري السابق هشام بركات بحظر نشر أي مواد إعلامية تتعلق بالتحقيقات التي تباشرها النيابة، في بلاغات تتهم جماعة “الإخوان المسلمين” بتزوير الانتخابات الرئاسية عام 2012 لصالح الرئيس الأسبق محمد مرسي ((CNN بالعربية: السلطات المصرية تحظر نشر التحقيقات ببلاغ شفيق ضد مرسي بـ”تزوير” انتخابات 2012. بتاريخ 14 أكتوبر 2014. )).
بالتوازي مع منع الأقباط من الوصول إلى اللجان في بعض قرى الصعيد، تسربت إلى المجلس العسكري معلومات تفيد بطباعة حوالي مليون و800 ألف بطاقة انتخابية تم تزويرها في المطابع الأميرية لصالح المرشح محمد مرسي، وتسربت تلك البطاقات إلى اللجان الانتخابية في نحو 16 محافظة. وبالتوازي، أبلغ أحد القضاة بمحافظة الشرقية اللجنة العليا للانتخابات بنفس الواقعة.
وتلك البطاقات التي تم حذفها من مجموع الأصوات التي حصل عليها مرسي، كانت كفيلة بتقدم شفيق وإحرازه للمنصب، فطلبت اللجنة العليا من أجهزة الأمن أن تقوم بتحرياتها في هذا الشأن، لكن لم تستجب سوى جهة أمنية واحدة، وتقاعست باقي الأجهزة الأمنية عن التحقيق في الواقعة، وأن التحريات التي أجرتها تلك الجهة الأمنية قد فشلت أيضًا في كشف المتورطين فيها، فاكتفت اللجنة العليا للانتخابات بشطب 2154 صوتًا مزورًا لصالح محمد مرسي، كما تغاضت اللجنة عن بقية الملاحظات التي تضمنها تقرير الأمن العام ((عن نص خطاب المستشار فاروق سلطان، رئيس اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية، في مؤتمر إعلان نتيجة الانتخابات، يوم الأحد 24 يونيو 2012. ))، ((مصطفى بكري، الجيش والإخوان: أسرار خلف الستار، الدار المصرية اللبنانية، 2013. )).
بعد فوز مرسي، وفي لقاء للإعلامي إبراهيم عيسى مع المستشار عبد المعز أحمد إبراهيم، عضو اللجنة العليا للانتخابات ورئيس محكمة الاستئناف السابق، على برنامجه “هنا القاهرة” الذي يذاع على قناة “القاهرة والناس”، سأله إبراهيم عيسى عن واقعة منع الأقباط من التصويت في بعض محافظات الصعيد، فنفى المستشار عبد المعز الواقعة وبررها بأن الأمر لم يتعدَّ سوى لجنة واحدة كانت للسيدات فقط، والمنع جاء من الأزواج الذين منعوا زوجاتهم من الانتخاب، والأمر ليس له علاقة بالإخوان من قريب أو بعيد.
ضيق عليه عيسى بالسؤال، فعاد المستشار عبد المعز مؤكدًا أن اللجنة قد اقتنعت بعدم حدوث واقعة منع الأقباط من التصويت في تلك اللجان، مبررًا تلك القناعة بأن اللجنة العليا للانتخابات قد سألت الأمن. فبدا على إبراهيم عيسى عدم الاقتناع، ثم عرض على المستشار عبد المعز جزءًا من كلمة المستشار فاروق سلطان من مؤتمر إعلان النتيجة، والخاصة بواقعتي منع الأقباط من التصويت، وتسويد أوراق الاقتراع الأميرية لصالح مرسي، وتأكيد المستشار فاروق سلطان أن اللجنة قد طلبت كافة المعلومات المتاحة المتعلقة بالواقعتين من الأجهزة الأمنية، بيد أنه لم يصل للجنة سوى تحريات جهة واحدة، حين قعد الباقون عن إمدادها بأي معلومات.
وعاد إبراهيم عيسى معقبًا وسأله قائلًا: سيادة المستشار فاروق سلطان، وهو بيحكي عن طلبه من جهات أمنية، ولم تستجب إلا جهة واحدة… إيه الجهات اللي طلب منها ولم تستجب؟. فتملص المستشار عبد المعز قائلًا: احنا بنطلب من كل الجهات. فضيق عيسى عليه الخناق قائلًا: احنا عندنا الأمن القومي، الأمن الوطني، عندنا المباحث الجنائية…. فأجاب عبد المعز محاولًا التملص مرة أخرى قائلًا: احنا بنطلب من كل الجهات، هو جواب واحد مطبوع وبنبعته لكل الجهات.
ضيق عيسى عليه أكثر قائلًا: جهة واحدة اللي أجابت.. اللي هي إيه يا فندم؟، فأجاب عبد المعز محاولًا التملص مرة أخرى من الإجابة: يعني أنا عارف أنها جهة شرطة، بس هل المباحث الجنائية؟ هل المديرية؟ هل الأمن القومي؟… يعني أنا…، فأجابه إبراهيم عيسى: يعني سيادة المستشار فاروق سلطان، وهو دقيق في استعمال التعبيرات اللي حضرتك ذكرتها، أكيد يعني وضعتموها سويًا أو اللجنة كلها، قال تقاعس الآخرون أو تقاعد الآخرون، فده معناه أنه بيقول إن فيه جهات لم تقم بواجبها ولم تسلمكم حتى حينه أي تقرير خاص بهذا الموضوع؟.
أجاب عبد المعز مؤكدًا: كثير من الجهات متعاونتش معانا،” فقال عيسى: معناه أنه مجاش تقرير يقول إن الواقعة لم يُستدل على أي شيء فيها، فمعناه أنه مفيش بحث وتحري حواليها؟ هل اطمأنيتو لكده تتقفل الواقعة ديه؟ فأجاب عبد المعز محاولًا تغيير دفة الحديث إلى موضوع آخر: أنا فاكر كويس أوي.. فاكر كويس أوي أوي يعني.. قالوا إن القرية دي…، فقاطعه عيسى: لأ، دلوقتي أنا بتكلم عن المطبعة الأوّل.
رد عبد المعز باندهاش: بتتكلم على المطبعة؟، فأجابه عيسى: أنا بتكلم على المطبعة الأول، إحنا عندنا 3 وقائع. فرد عبد المعز باندهاش: المطبعة؟ أقول لك أنا على المطبعة، إحنا طبعنا في مطبعتين، في المطابع الأميرية، وفي مطابع الشرطة، والورق اللي فيه الكلام ده [يقصد البطاقات المثارة بشأنها واقعة التسويد] كله طالع من المطابع الأميرية.
قاطعه عيسى: ده كله ميجيش ألفين ورقة. فقاطعه عبد المعز قائلًا: مطابع الشرطة ديه ملناش دعوة بيها، وبعدين تم السيطرة على كل الورق اللي هو خارج البتاعة ديه وتحريره. فأجابه عيسى بدهاء: ماهو يا فندم ده الورق اللي تم السيطرة عليه أو الإمساك بيه، أما أصل الواقعة فلم يتم فيها أي نوع من أنواع التحري ولا التقصي، إنما مش عارفين الواقعة إيه.
أجابه عبد المعز محاولًا إخلاء مسؤوليته قائلًا: احنا بعتناها للنيابة العامة.. جهات التحقيق.. احنا مبنحققش، فأجاب عيسى: الجهات اللي بعتت لحضرتك.. مفيش حاجة اتبعتت، فأجاب عبد المعز محاولًا إزاحة المسؤولية من على كتفيه للمرة الثانية: احنا مش جهة تحقيق، احنا لسنا جهة تحقيق.. جهات التحقيق في مصر محصورة، فاحنا بلغنا النيابة العامة وبعتتالها كل اللي عندنا، وتتولى هيه التحقيق وتتخذ إجراءاتها.
أجابه عيسى محاولًا تذكيره: صحيح.. بس حضرتك بتتكلم عن رئيس مصر زي ما أشرت في أول كلامك، مش رئيس مدينة. ومن ثم، التحقق من كل أمور العملية الانتخابية كان يستدعي حصول السادة المستشارين أعضاء اللجنة على إجابات عن أسئلة ظلت حاضرة حتى وقتنا الحالي. فأجابه عبد المعز وقد بدا الضيق ونفاذ الصبر واضحين في حديثه: طيب.. يعني نعمل إيه يعني؟ ما الوسيلة؟
أجاب عيسى وقد تملكه الغيظ من الإجابة: هل ده كان مناط أو سبب أو مبرر لبعض أعضاء اللجنة اللي كانوا عايزين يعيدوا الانتخابات؟ فرد عبد المعز: من ضمن الأسباب اللي اتكلمنا فيها. فاستدرك عيسى متسائلًا: وكانت الحجة في عدم الإعادة إيه؟ فأجاب عبد المعز بتوتر ملحوظ: نعيد ليه؟ ما احنا… فأجابه عيسى بثقة: نعيد عشان فيه وقائع لم نلمس لها حقائق. فأجاب عبد المعز وقد زاد توتره: نعيد!! هاتبقى تكلفة وتأخير، وهانوصل لنتائج أيه؟؟ هانوصل لإيه؟.
أجاب عيسى بثقة: مش الشرعية تستحق تأخير ونتائج وإعادة انتخاب، عشان نحصل على شرعية؟ فأجاب عبد المعز محاولًا التبرير: ديه الناس واقفة بره عايزة تدبحنا، فأجابه عيسى بسخرية: أهو.. يبقى احنا بنتأثر باللي بره يا فندم.. طلعوا اللي بره مؤثرين أهو!. فأجاب عبد المعز بضحك محاولًا تخفيف حدة التوتر: عايزين الناس تروح، واحنا نروح!. ((المستشار عبد المعز أحمد إبراهيم، عضو اللجنة العليا للإنتخابات، في لقاء مع إبراهيم عيسى، برنامج هنا القاهرة، قناة القاهرة والناس. )).
بعد خلع محمد مرسي، أكد المستشار عبد المعز إبراهيم أنه رفض التوقيع على القرار الصادر عن اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية بإعلان “مرسي” رئيسًا للبلاد، بصفته عضوًا في اللجنة، لأنه قد تناهى إلى علم اللجنة أن هناك بطاقات انتخابية تم تسويدها، وتحديدًا البطاقات القادمة من مطابع الأميرية، ومنع أقباط من التصويت في بعض الدوائر الانتخابية.
اعترض المستشار عبد المعز إبراهيم ومعه المستشار أحمد خفاجي على اعتماد نتيجة الانتخابات بفوز “مرسي”، وطالب بإعادة الانتخابات في تلك الدوائر، إلا أن المستشار حاتم بجاتو رئيس هيئة المفوضين في المحكمة الدستورية، رفض الأمر، وأبلغه أن فارق الأصوات بين مرسي وشفيق مليون صوت، وفي حال إعادة التصويت في تلك الدوائر مرة أخرى فإنها لن تغطي هذا الفارق في الأصوات، وتم الإعلان عن فوز “مرسي” ((بوابة ڤيتو: «عبدالمعز» يخرج عن صمته: مرسي رئيسا بانتخابات مزورة و«بجاتو» رفض الإعادة. بتاريخ 5 يونيو 2015. )).
صدر القرار بتوقيع باقي الأعضاء الثلاثة، ولم يوقع عليه لا المستشار عبد المعز ولا المستشار أحمد خفاجي، وذلك حتى تعاد الانتخابات في تلك الدوائر المطعون عليها بالتزوير، حيث أن القرار يكون صحيحًا بتوقيع ثلاثة أعضاء. وأصر المستشار عبد المعز إبراهيم أنه قد سجل موقفه واعتراضه على عدم إعادة الانتخابات مرة أخرى في تلك الدوائر، وذلك بعكس ما قاله في لقائه السابق مع إبراهيم عيسى ((محمد أسعد، اليوم السابع: عبد المعز إبراهيم: افتخر بين أحفادي برفضي التوقيع على وثيقة فوز مرسي. بتاريخ 24 سبتمبر 2017. )).
---
## انتقادات المنظور الجديد لبولس الرسول
URL: https://tabcm.net/56278/
Type: post
Modified: 2026-07-03
يرصد ديفيد دي سيلفا الانتقادات الموجَّهة لوجهة النظر الجديدة، حيث يرى أن وجهة النظر الجديدة عن بولس لم تُستقبَل بالكثير من الترحيب والدعم والموافقة. حقًا، فإن البعض نظروا إليها كطريقٍ غير نافذٍ في دراسة بولس، مُضلِّلةً الكثيرين عن الطريق السليم للحق العريق عن بولس. بعض التحذيرات الأساسية التي أثارها بعض الدارسين تستحق الاعتبار.
أولًا: إن وصف إد باريش ساندرز لليهودية المتنوعة في القرن الأول بأنها ”تسميةٌ موروثةٌ على أساس العهد“، مع تشديدها على النعمة بدل القيام بأعمالٍ صالحةٍ للحصول على التبرير، دخل أتون النار. فهناك أمثلة صاعقة لعقيدةٍ عن اكتساب التبرير (أي التبرئة في القضاء) بواسطة القيام بأعمالٍ صالحةٍ، حيث يكسب الإنسان مكافأةً أبديةً أو عقابًا أبديًا، إمَّا بطاعة ناموس الله أو بعصيانه. حيث يؤكد عزرا الرابع صراحةً، كما كان يعرف ساندرز أصلًا، على أن الحصول على ”مخزن من الأعمال“ مع الله سيحصل مكافأةً ((عزرا الرابع 7: 77؛ 8: 33 )).
عندما يقول عزرا بأن الله سيُظهِر بره وجوده بإظهار الرحمة لأولئك الذين ليس لديهم مخزنٌ من الأعمال الصالحة ((عزرا الرابع 8: 32، 36 ))، يُصحِّح الله قوله بحقٍ ((عزرا الرابع 8: 37-40 )). وهناك نصٌ من قمران الذي يدَّعي صراحةً أن القيام بأعمال الناموس، كما هو مُبيَّن من قِبَل كاتب هذا النص يقود إلى التبرير أمام الله ”في نهاية الزمان“ (( 4QMMT 30 )): ”سيُحسَب لك ذلك برًا عندما تقوم بما هو صوابٌ وخيرٌ أمامه [أمام الله]“. ((Gesa Vermes, The Complete Dead Sea Scrolls, New York: Penguin, 1997, p. 228. )) علاوة على ذلك، يعلن ((m. Aboth 3: 16 )) أن ”العالم سيُدان بالنعمة، ورغم ذلك فإن الكل هو بحسب فيض الأعمال“. لهذا يزعم النقاد أنه لن يكون كافيًا ببساطةٍ وصف اليهودية بكل تنوعها بكونها ”الناموس العهديّ“. (( D. A. Carson, P. T. O’Brien & M. A. Seifrid, Justification
Variegated Nomism, Vol. 1, The Complexities of Second Temple Judaism, WUNT 2/140, Grand Rapids: Baker, 2001 ))
ثانيًا: هناك الكثير من الدارسين الذين ينظرون بحذرٍ إلى ميل بعض مناصري وجهة النظر الجديدة لاعتبار عقيدة ”التبرير بالإيمان“ ليست كعنصر جوهريّ من لاهوت بولس، بل كحجةٍ طوَّرها بولس ليشرح سؤالاً مُحدَّدًا حول كيف يُقبَل الأمم سواسيةً كاليهود أمام الله. رغم حقيقة كون موضوع ”التبرير بالإيمان“ ومفرداته تظهر في الواجهة فقط في غلاطية ورومية، حيث يُطرَح السؤال حول كيف ينبغي تعريف شعب الله الجديد، يُشِير پيتر ستولماخر إلى أن عقيدة بولس عن التبرير تنبثق من الاعتراف المسيحيّ المبكر عن موت يسوع كموتٍ ”لأجل خطايانا“ ((رسالة بولس اﻷولى إلى كورنثوس 15: 3 ))، وهو تفسيرٌ مبنيٌّ على ((سفر إشعياء 52: 13-53: 12 ))، حيث حمل المسيا خطية كثيرين ويُبرِّر كثيرين ((سفر إشعياء 53: 11 )). ((Peter Stuhlmacher, Revisiting Paul’s Doctrine of Justification: A Challenge to the New Perspective, Downers Grove, III InterVarsity Press, 2001, pp. 21-22 ))
بل هناك مشكلة ذات أهمية أكثر تبرز من وجهة النظر الجديدة حول التبرير، على أية حالٍ، حيث يُفهَم ”التبرير بالإيمان“ بأنه قضيةٌ ذات دلالة ومغزى فقط للأمم، وليست لليهود أيضًا. يميل هذا الخط المتطرف من المحاججة لتتمَّ متابعته دعمًا للاهوت العهدين، الذي بموجبه لا يحتاج اليهود إلى الإنجيل، بل يحتاجون فقط ليكونوا أمناءً للتوراة. نظرةٌ كهذه تُعتبر تطوُّرًا مفهومًا خلال محاولة الدارسين لتقويض العداء للسامية بكل أشكالها، ولكنها بالتأكيد نظرةٌ لا تُعبِّر أبدًا عن لاهوت بولس ((أنظر رسالة بولس إلى غلاطية 2: 15-16 )).
ثالثًا: وبارتباطٍ وثيقٍ مع النقدين الأول والثاني، أظهر العديد من الدارسين ردة فعل ضد اقتراح چيمس دوجلاس جرانت دان بأن ”أعمال الناموس“ تُشِير بالتحديد إلى ”علامات الحدود“ التي تفصل اليهود عن الأمم (مثل: الختان، السبت، قواعد الطعام الحلال والحرام).
يُصرُّ هؤلاء الدارسون بالأحرى على أننا ينبغي أن نستمر بالنظر إلى هجوم بولس على ”أعمال الناموس“ كهجومٍ على الإنجاز البشريّ بشكلٍ عامٍ، ضد كل محاولات تُبيِّن برنا الذاتيّ من خلال قياس ما يصل إلى مجموعةٍ من التوقعات التي يمكن للأفراد أن يتباهوا بها. ولكي نكون عادلين، فإن چيمس دَن يعتبر أعمال الناموس بأنها تتضمَّن وصايا التوراة ذات الدلالة الأخلاقية، ولكنه يرى بولس يُعبِّر عن ردة فعل على التوراة كالناموس اليهوديّ مُقابل المقياس الذي يُوفِّره الله الآن بالروح لكلٍّ من اليهود والأمم. يعتقد چيمس دَن أيضًا أن الفهم الأوسع لفشل كل المحاولات البشرية لتحقيق البرِّ أمام الله بالقوة البشرية يُمثِّل نتاجًا وتطبيقًا مستمرين لنقد بولس للاستمرار بأعمال الناموس والافتخار بالامتياز العرقيّ. لكن هذا ليس قصد بولس الأصليّ. ((ديفيد دي سيلفا، مقدمة للعهد الجديد ج2، ترجمة: القس الدكتور بيار فرنسيس، لبنان: دار منهل الحياة، 2014، ص 73-75. ))
يستعرض رايموند بروان الخلاف الأكاديميّ الحاد بين المنظورين القديم والجديد لبولس الرسول، حيث يُلاحِظ براون أنه في أعقاب ثورة الإصلاح الدينيّ كان التفسير البارز هو أن اليهودية على أيام بولس كانت يهوديةً ناموسيةً، تُصرُّ على أن الناس لا يتبرَّرون إلا إذا عملوا الأعمال التي يطلبها الناموس الموسويّ. وقد استُخدِمَ شجب بولس لهذه النوعية من اليهودية لدحض كاثوليكية رومانية حرفية تقول إن الإنسان يمكنه أن يخلص بالأعمال الحسنة التي يعملها أو عُمِلَت نيابةً عنه.
يحتج الكاثوليك بسرعةٍ قائلين إنه على الرغم من أن عملية الغفران ربما تكون قد شُوهِدت في الممارسة الشعبية والكرازة إبان القرن السادس عشر، إلا أنه في الفكر اللاهوتيّ الكاثوليكيّ السليم، يكون التبرير هو عطيةٌ مجانيةٌ من لدن الله، ولا يمكن الحصول عليه بأعمالٍ صالحةٍ. على الرغم من ذلك، فإن كلا الجانبين يفترض أن اليهود على أيام بولس اعتقدوا أن التبرير يمكن أن يتأتى بأعمالٍ صالحةٍ، ولذلك فإن تحدي المسيحيين لصحة هذا الفكر جاء بشكلٍ بطيء جدًا.
وجاءت الحساسية الحديثة تجاه هذا الموضوع من جوانب عديدة:
(أ) وعي متزايد بأن موضوعات الإصلاح كثيرًا ما تتحوَّل إلى فهم بولس،
(ب) إدراك أن بولس في مرات كثيرة كان يجادل، ليس ضد الفكر اليهوديّ، بل ضد فكر اليهود المسيحيين (المتهودين)، وعلى سبيل المثال، فكر الذين يقولون إن المتجدِّدين الأمميين إلى اليهودية لا يمكن أن يتبرَّروا بالمسيح إلا إذا قبلوا الختان،
(جـ) طلب توضيح أكثر دقةً لما قاله بولس عن الأعمال والناموس،
(د) احتجاج من باحثين من اليهود وخبراء مسيحيين في اليهودية إنه ليس لدى اليهود فكر لاهوتيّ بسيط عن استحقاق الخلاص بالأعمال.
وهاتان النقطتان الأخيرتان في حاجةٍ إلى مُناقشةٍ. ((رايموند براون، مدخل إلى العهد الجديد، ترجمة: نيكلس نسيم، سلسلة آفاق كتابية 5، القاهرة: دار لوغوس ودار الأكويني، 2021، ص 778-779. ))
ويستطرد براون في نفس السياق وفيما يتعلَّق بالنقطة (جـ) تُوضِّح رسالة روما موقف بولس تجاه الناموس، فبولس يُؤيِّد الناموس ((رسالة بولس إلى رومية 3: 31 ))، ويعتبره مُقدَّسًا ((رسالة بولس إلى رومية 7: 20 ))، وأنه قد تمَّ ((رسالة بولس إلى رومية 8: 4 ))، كما يُصرُّ على الوصايا ((رسالة بولس إلى رومية 13: 8-10، رسالة بولس اﻷولى إلى كورنثوس 7: 19، رسالة بولس إلى غلاطية 5: 14 )). وبرغم ذلك، لن يُبرَّر أيّ إنسان في نظر الله بأعمال الناموس ((رسالة بولس إلى رومية 3: 20 ))، ثم إن الناموس يُنشئ غضبًا ((رسالة بولس إلى رومية 4: 15 ))، وكان سببًا في زيادة الخطية ((رسالة بولس إلى رومية 5: 20، رسالة بولس إلى غلاطية 3: 19 )).
ويُفرِّق بعض الدارسين بين فهمين مختلفين للناموس، أو جزئين مختلفين منه، حيث إن الوصايا الأخلاقية (ضد عبادة الأوثان والسلوك الجنسيّ الخاطئ) فهذة مُلزِمةٌ للجميع، ومنهم المسيحيون الأمميون، ولكن ليس المتطلبات الخاصة بالعبادة (كالختان والأعياد الدينية). ((رايموند براون، مدخل إلى العهد الجديد، ترجمة: نيكلس نسيم، سلسلة آفاق كتابية 5، القاهرة: دار لوغوس ودار الأكويني، 2021، ص 779. ))
ثم يستعرض براون رأي ساندرز في كتابه الذي صدر سنة 1991، وكيف كان أكثر مرونةً. فقد رفض بولس نواحي من الناموس كانت ضد إرساليته، وهي النواحي التي تفصل بين اليهود والأمميين من شعب الله الذين دُعوا في المسيح. وهذا التقييم يعترف أن ردة فعل بولس بالنسبة للناموس جاءت وليدة اختباره رأفة الله وشفقته في المسيح، وليس من النظريات التي يضعها الدارسون.
وإذا رجعنا إلى نقطة (د) كيف نرى العلاقة بين ملاحظات بولس على ما نعرفه عن الموقف اليهوديّ تجاه التبرير/البرِّ بواسطة أعمال الناموس؟ لقد قدَّم ساندرز في كتابه ”بولس واليهودية الفلسطينية“ توضيحًا مُتعاطفًا للموقف اليهوديّ جديرًا بالاهتمام. لقد اختار الله بإرادته إسرائيل التي دخلت في عهدٍ أن تعيش كشعب الله، وهذه النعمة لا يمكن اكتسابها، ثم إن حفظ الناموس قدَّم بالأحرى طريقةً مُعطَاةً من الله للعيش في إطار هذا العهد، ولذلك لا يجب على المرء أن يتكلَّم عن أعمال برِّ، بل حفظ عهد البرِّ (ويُعرَف أيضًا بالناموسية العهدية).
ويُجادِل ساندرز بالقول إن هذا الوضع يمكن تبريره من كتاباتٍ يهوديةٍ، وإنْ لم تكن عامةً. ((رايموند براون، مدخل إلى العهد الجديد، ترجمة: نيكلس نسيم، سلسلة آفاق كتابية 5، القاهرة: دار لوغوس ودار الأكويني، 2021، ص 779-780. ))
ويستعرض براون اعتراضات باحثين آخرين على المنظور الجديد لبولس الذي قدَّمه ساندرز قائلين إنه إذا كان هذا الرأي الذي كان سائدًا بشكلٍ عامٍ في اليهودية، فما كان لبولس أن يرى تناقضًا حادًا بينه وبين مفهومه بأن الله في رأفته جعل البرَّ متاحًا عن طريق الإيمان بالمسيح. ((رايموند براون، مدخل إلى العهد الجديد، ترجمة: نيكلس نسيم، سلسلة آفاق كتابية 5، القاهرة: دار لوغوس ودار الأكويني، 2021، ص 780. ))
وأخيرًا، يُعلِّق براون على الجدل الحاد ويقول إنه إذا كانت اعتراضات بولس على برِّ الناموس أكثر واقعيةً، ألا يمكن أن يكون بولس قد أسأ الفهم، أو أنه في حماسته الجديدة للمسيح، أن يكون حتى من الناحية الجدلية قد بالغ في دور الأعمال في وصفه للمفهوم اليهوديّ عن البرِّ؟ وعلى سبيل المثال، فإن ريزينين في كتابه يجد عدم تناغم في وجهات نظر بولس، ويدَّعي أنه شوَّه الصورة اليهودية.
على الرغم من ذلك، فهل إعادة تركيب الفكر اليهوديّ من القرن العشرين على أساس الفكر اليهوديّ في القرن الأول بناءً على قراءة وثائق قديمة تكون أفضل من شهادة شاهدٍ واعٍ مثل بولس، الذي عاش كيهوديّ محافظ في ذلك القرن. وعلى أيّ حال، فإنه عند مُناقشة القرن الأول وبولس، يحتاج المرء إلى أن يسأل ما إذا كانت حقائق العلاقة بين الناموس والبرِّ الناجم عن حفظ العهد كانت مفهومةً على المستوى الشعبيّ (وكذلك أيضًا هل كان الفكر اللاهوتيّ الكاثوليكيّ الدقيق عن الغفران دائمًا مفهومًا على المستوى الشعبيّ).
وتوجد أقوال مُبكرة لمعلِّمي اليهود تُعرِّف في الواقع العهد والناموس (أو على الأصح، التوراة). وهذه الأمور التي من قبيل الختان، والناموس، والأطعمة، وحفظ السبت، أصبحت خطوطًا واضحةً للتمييز بين اليهود والوثنيين. وعلى ذلك، فإن حفظ أعمال الناموس أصبحت بسهولةٍ موضع فخر وفُهِمَت على المستوى الشعبيّ على أنها التي تجعل الشخص اليهوديّ مُستقيمًا أمام الله.
وعندما كان يكتب عن فكر اليهود – بمعزلٍ عن فكر خصومه من اليهود المسيحيين – استطاع بولس أن يحتجَّ على هذا المفهوم الناموسيّ لعهد الله مع إسرائيل، وليس لأنه أسأ الفهم، بل لأنه اعتقد، وعن صواب، أن هذا هو رأي الكثيرين من اليهود. ((رايموند براون، مدخل إلى العهد الجديد، ترجمة: نيكلس نسيم، سلسلة آفاق كتابية 5، القاهرة: دار لوغوس ودار الأكويني، 2021، ص 780-781. ))
---
## تيارات الإصلاح: الأمل والقلق
URL: https://tabcm.net/56162/
Type: post
Modified: 2026-07-02
في هذا المناخ تتبلور ثلاثة تيارات رئيسية تحمل رؤى مختلفة للخروج بالكنيسة من حالة الجمود التي أصابتها وإعادتها إلى وضعها السوي، كل تيار له مبرراته ورؤيته وفق تكوينه الفكري وخبراته وطموحاته.
كان التيار الأول مدارس الأحد وتبنيها مسارات النهوض بالتعليم، وقد تفاعلت مع تلك الجمعيات وشاركت في تأسيس بعضها، وكانت تحظى بدعم البابا كيرلس الخامس وكان هذا أهم عوامل انتشارها، وإن لم تجد هذا الدعم من غالبية الإكليروس وقتها وإلى زمن قريب نسبيًا، وقد حملت مجلة مدارس الأحد عديد من المقالات التي تكشف عن غياب دعم الإكليروس لها. وسعت مدارس الأحد للدفع بمؤسسها حبيب جرجس للرسامة أسقفًا على إيبارشية الجيزة بعد رحيل مطرانها، وكانت مجلة مدارس الأحد وقتها توالي نشر مقالات تحمل الأسانيد التاريخية والقانونية الكنسية التي تدعم أحقيته في الرسامة، لكن سعيها قوبل بالرفض من مجمع الكنيسة المقدس.
جاء التيار الثاني ويمثله “جماعة الأمة القبطية” محملًا برؤية مزدوجة، دينية سياسية، ترى أن الإصلاح يجب أن يكون بالثورة على ما هو قائم، وبشكل من الأشكال وجدت تعاطفًا من قيادات ضباط يوليو، أو للدقة من أحد أجنحة القيادة، فكان أن اقتحمت المقر البابوي عشية الاحتفال بالعيد الأول للثورة، وأجبرت البابا يوساب على توقيع وثيقة تنازل عن الكرسي البابوي، واقتادوه إلى أحد أديرة الراهبات بمصر القديمة، للإقامة فيه، لكن مسعاهم لم يكتمل إذ سرعان ما انتفضت الدولة لتلقي القبض عليهم وتعيد البابا البطريرك إلى مقره. وتوسط البابا يوساب لدى الدولة للإفراج عنهم، واستجابت له، إلا أنها عادت وقبضت عليهم وقدمتهم للمحاكمة بسبب المذكرة التي تقدموا بها للجنة إعداد الدستور وأثنى عليها الفقيه الدستوري ورئيس اللجنة عبد الرزاق السنهوري لما تضمنته من نصوص تحقق مواطنة الأقباط ((التفاصيل ونص المذكرة تجدها في كتاب العلمانيون والكنيسة، كمال زاخر، 2009 )).
كان التيار الثالث نفر من الشباب الجامعي رأوا أن البداية الصحيحة تبدأ من الأديرة، ذلك أن قيادات الإكليروس تخرج منها، فيكون ضبط الأديرة هو السبيل لتوفير كوادر قادرة على خدمة الكنيسة، وتعددت توجهاتهم بين من ذهب للرهبنة طلبًا لذاتها، كنسق حياة يرونه طريقًا لحياة روحية أعمق، تأسيًا بمؤسسي الرهبنة وقديسيها، فيما رأها بعضهم، بجوار البعد الروحي، الطريق الأوحد للوصول إلى قيادة الكنيسة، التي تملك وحدها تأسيس طريق الإصلاح وفق نظام الكنيسة الهيراركي، وإيمانهم “إن ابتغى أحد الأسقفية، فيشتهي عملًا صالحًا” بحسب توصيف القديس بولس الرسول في رسالته الأولى لتلميذه تيموثاوس. وهو توجه شكله إخفاق تجربتي جماعة الأمة القبطية وجماعة مدارس الأحد في المشاركة في تدبير الكنيسة.
وظهر تيارًا موازيًا لتيار الرهبنة اختار التكريس والخدمة وسط الناس طريقًا، ويرون أن التفرغ لخدمة الكنيسة خاصة في دوائر التعليم والتواصل المعرفي مع آباء الكنيسة الأولى، وهم باقون داخل المجتمع، يناسب قدراتهم ويملك التواصل الفاعل مع الشباب والأجيال الواعدة، لتحقيق غاية الخدمة وتأهيلهم للسير في طريق التلاقي والوحدة الكنسية.والتواصل المعرفي مع آباء الكنيسة الأولى، وهم باقون داخل المجتمع، يناسب قدراتهم ويملك التواصل الفاعل مع الشباب والأجيال الواعدة، لتحقيق غاية الخدمة وتأهيلهم للسير في طريق التلاقي والوحدة الكنسية.
والتوجهات الأربعة كان يحركها غيرة إيجابية على الكنيسة وتطلعات جادة لإصلاحها وإعادة تواصلها مع جذورها التاريخية والآبائية، بقدر ما توفر لديهم من معارف وخبرات.
كان فرسان التيارات الأربعة نظير جيد (البابا شنودة فيما بعد)، الدكتور يوسف إسكندر (الأب متى المسكين)، الدكتور إبراهيم فهمي هلال المحامي، الدكتور نصحي عبد الشهيد.
هؤلاء، المؤسسون والتيارات التي تشكلت بعدهم، وغيرهم من الرواد هم أصحاب الفضل في سعي خروج الكنيسة من نفق طال وقد كافحوا بصلابة وتحدوا المناخات المناوئة خارج الكنيسة وداخلها، وأسسوا لمن أكمل طريق الخروج والتواصل الجيلي، وهم الذين تعبوا في تمهيد الطرق الوعرة.
وثمة ملاحظات نستقرأها من مسارات تلك التيارات، أن قوامها شباب يبحث عن طريق لإقامة الكنيسة من عثرتها، والخروج بها من نفق طال، وأنها اعتمدت على رؤى ذاتية يحركها الحماس العاطفي كل بحسب خلفيات التكوين، وأنها كانت تفتقر على الأقل في بداياتها للمرجعية اللاهوتية بفعل المناخ السائد، وقتها، الذي كان يعاني من تداعيات الانقطاعات المعرفية، وكان المتاح ما أنتجته الكنائس والطوائف الأخرى والوافدة لنا من لبنان، وبعض من كتابات قبطية تنازع قلة الإمكانات ومحدودية الانتشار.
انعكس هذا بالضرورة على مناهج ومسارات تلك التيارات، متدرجة من العنف المادي ـ ولما لم يجد قبولًا على الأرض فلم يستمر ـ إلى جوار الاشتباك الفكري بطرق متعددة بين المقالات النارية التي تنتقد الواقع المتراجع وبين محاولات التنقيب عن كتابات الكنيسة الأولى وتعريبها من لغاتها الأصلية أو من ترجمات بلغات وسيطة، والبناء عليها، وبين هذه وتلك تشكلت ملامح الخلافات الفكرية بين تلك التيارات.
ربما تحمل سطورنا القادمة محاولة للاقتراب من مرحلة ما بعد الانطلاق، للبحث عن تفسير لتحول الأمل إلى قلق، وصل في بعضه إلى الاحتراب وربما القطيعة.
---
## مبادرات اﻹصلاح والعمل اﻷهلي
URL: https://tabcm.net/56154/
Type: post
Modified: 2026-07-02
عامل آخر كان له فعله وتأثيره في ارتباكات المشهد الفكري القبطي المعاش ـ ضمن ارتباكات المشهد المصري الأوسع ـ وفي تنامي ظاهرة الاحتراب بين الفرقاء، وهو تقنيات العالم الإفتراضي، التي تتنامي بشكل متسارع في السنوات الأخيرة وجعلت “المعلومة” في كل يد، واختلطت فيها المعلومات الصحيحة والمصنوعة، وحررت إمكانية التعبير وطرح الرؤى لتخرج النقاشات من الدوائر المتخصصة ومن الإطار البحثي، إلى قارعة طريق تتشابك فيه السياسة مع الثقافة السماعية مع المصالح الشخصية مع الصراعات الضيقة.
وتتكرر لحظة الصدمة الحضارية التي تحدث مع كل اشتباك بين واقع منغلق وبين ما يفد إلينا من العالم الأول، خاصة فيما يتعلق بالموروث المستقر لعقود وقرون، حدث هذا مع الحملة الفرنسية على مصر (1798 ـ 1801م)، ومازلنا نذكر كيف تعالت الدعوات لله وقتها ليعيننا على مواجهة هذا المجهول “يا خفي الألطاف نجنا مما نخاف” وكيف اشتعلت دعوات عاتية ترفض كل منجزات الغرب ولعل أبرزها مشروعات تنقية المياه وتعبيد الطرق، باعتبارها خروجًا عما وقر عندنا بل وذهب المناهضون لها إلى الاحتماء بنصوص دينية تؤكد أنها رجس من عمل الشيطان، وكان قبولها والتعاطي معها بفعل فتاوى أكثر انفتاحًا تقرها وتقبلها.
مبادرات اﻹصلاح
تتحول إرهاصات الاستفاقة إلى فعل على الأرض مع بدايات القرن العشرين، عبر محاولات فردية متوالية، تتبلور إلى فعل مؤسسي عندما يطرح حبيب جرجس فكرة تأسيس “منظومة تعليمية تطوعية للأطفال والنشء” على البابا كيرلس الخامس الذي يقرها ويدعو الكنائس لدعمها، وما أن ينتصف القرن حتي يكون لدى حبيب جرجس كتيبة من الشباب، شكّل منهم اللجنة العليا لمدارس الأحد، وهم الذين قادوا الكنيسة فيما بعد خدامًا وشمامسة ووعاظًا وكهنة وأساقفة، وجاء البابا شنودة من صفوفها.
كانت الفكرة محاكاة لمثيلتها التي جاءت بها الإرساليات الغربية، وعندما استقر بها المقام بمصر شكلت صدمة حضارية بما تحمله من أدوات تعليمية وإمكانات تواصل تقنية حديثة بمقاييس عصرها، ربما أبرزها الصورة المطبوعة التي تترجم أحداث وقصص وشخوص الكتاب المقدس وتوزع على الأطفال وفي البيوت، وآلة عرض سنيمائية؛ بروجكتور، تعرض شرائح مصورة لأحداث الكتاب المقدس مصحوبة بشرح مبسط، ووفرت الكتاب المقدس مطبوعًا بالعربية بمطابع لبنان، بالتوازي جاءت الإرساليات بمنظومة مدارس ومستشفيات تقدم خدماتها لكل المصريين.
وفي رد فعل إيجابي، بجوار إنشاء منظومة مدارس الأحد، وقبلها بسنوات قليلة، ينتبه البابا كيرلس الرابع لأهمية إنشاء مدارس نظامية قبطية تشرع أبوابها لكل المصريين، ويتيحها للبنات بجوار الفتيان، قبل دعوة قاسم أمين بنحو ثلاثين سنة، بل ويستقدم ثالت مطبعة كبرى، بعد مطبعة محمد علي والمطبعة الأميرية، لتوفير الكتب الكنسية الطقسية والتعليمية، ويستقبلها بالميناء استقبال البطاركة.
لم يكن المشهد على الأرض نموذجيًا أو طوباويًا، فقد كان الشارع المصري يموج بتفاعلات عديدة بفعل ضغوطات التراجع الحياتي الذي يقترب من دوائر التخلف التي خلفتها أحقاب الاحتلالات غير المنقطعة، وبالأكثر قرون الخلافة العثمانية الثلاثة، ومحاولات ملأ فراغ سقوطها، 1923، وكان تأسيس جماعة الإخوان المسلمين، 1928، أبرزها وأكثرها تنظيمًا، ومنها تشكلت تيارات الإسلام السياسي التي تغلغلت في الحالة السياسية، ولم يكن الأقباط بعيدون عن استهدافاتها، بل كانوا في القلب منها باعتبارهم الكتلة الصلبة المعوقة لاستكمال مشروعها، وهو ما توثقه أحداث النصف الثاني من القرن العشرين وبخاصة سبعينياته وما بعدها.
العمل اﻷهلي
لم تأت اليقظة القبطية بشكل مفاجئ، لكنها بدأت على الأرض مع مطلع القرن العشرين، وكانت واحدة من تداعيات تأسيس وإنشاء المدارس النظامية، بدأت بالمدارس الأميرية التي أنشأها الوالي محمد علي ثم مدارس الإرساليات الغربية ثم المدارس القبطية التي أنشأها البابا كيرلس الرابع والبابا كيرلس الخامس، بامتداد القرن التاسع عشر، إذ تخرج في هذه المدارس العديد من الشباب المصري الذين أكملوا مسيرتهم التعليمية في الجامعة المصرية (الجامعة الأهلية 1908م.)، وهم حملة شعلة التنوير في كافة المجالات، وتصدروا المشهد السياسي، ومنهم شباب قبطي راعه ما صار إليه حال الأقباط، والكنيسة، فذهبوا يؤسسون الجمعيات الأهلية وأخذت على عاتقها النهوض بالمجتمع المصري عامة والمجتمع القبطي بشكل خاص.
كانت البداية بمبادرة من المجلس الملي بطرح فكرة إنشاء جمعية أهلية مهمتها النهوض بالتعليم القبطي والكنسي وأسندوا هذه المهمة للأستاذ باسيلي بطرس المدرس بمدارس الأقباط الثانوية الذي ابتعثه المجلس الملي إلى كلية ليدز اللاهوتية بإنجلترا ليدرس نظم الجمعيات على نفقة المجلس الملي لمدة أربع سنوات، وعاد في 1907 بعد أن حصل على الدبلوم بتفوق، بعد عودته أسس جمعية “أصدقاء الكتاب المقدس” سنة 1908، وتولى رئاستها مرقس سميكة باشا، وينضم لعضويتها حبيب جرجس وإبراهيم بك تكلا، ويُختار باسيلى سكرتيرًا عامًا لها.
لم تكن جمعية دينية حصرًا بالمعنى المتداول اليوم، بل كانت جمعية مدنية (أهلية) تهتم بتكوين الشباب بشكل متكامل، فشرعت في توفير منازل للطلبة المغتربين في 1910، وابتكار ما نعرفه اليوم بالمؤتمرات الصيفية، عرفت باسم “خيام الأصدقاء” في 1912 للشباب والعائلات، تخصص لدراسة الكتاب المقدس والتأملات الروحية، تقام بضواحي القاهرة ـ وقتها ـ وعلى شاطئ النيل في أماكن متفرقة تمتد من شبرا إلى المعادي.
ومنها تتولد “مؤتمرات الأصدقاء” في 1915 وهي اجتماع سنوى يجمع كل فروع الجمعية يعقد في القاهرة أو في إحدى عواصم المحافظات بالتتالي.
وأسست الجمعية العديد من النوادي للشباب، يمارسون فيها هواياتهم الرياضية والفنية والأدبية والروحية، وكانت ترى أن رسالة النادي لا تقل عن رسالة الكنيسة بل وتتممها، ويتكامل معها، وأنشأت مصيفًا خاصًا بالأصدقاء. وتصدر الجمعية “مجلة الأصدقاء” لتكتمل المنظومة الثقافية لها.
وما هي إلا سنوات قليلة حتى يصبح شباب هذه الجمعية نجومًا على منابر الوعظ بالكنيسة، يملكون ناصية الشرح والتفسير، بلغة عربية رصينة، ووعي مسيحي متعمق، تبدأ معه الكنيسة في استرداد وعيها، وتظهر معهم “خدمة القرى” والكشافة وخدمة الكورال، مبكرًا.
كان الأستاذ حافظ داود (القمص مرقس داود فيما بعد) أبرز أعضاء الرعيل الأول لهذه الجمعية وتولى إدارتها بعد الرحيل المبكر لمؤسسها، وتقدم الجمعية للكنيسة جيلًا متميزًا من الخدام، منهم إبراهيم لوقا (القمص إبراهيم لوقا) المؤسس لكنائس وخدمة مصر الجديدة، والأراخنة الذين تركوا بصماتهم وأسسوا العديد من الجمعيات المدنية الأساتذة : عياد عياد، بانوب عبده، يسى عبد المسيح، شاكر خليل المعصراني، حليم بشارة، يونان نخلة، بشارة بسطوروس، بطرس رزق الله، جيّد جندى الفيزى. وقدمت الجمعية للكنيسة العديد من المطارنة والأساقفة والقمامصة والقسوس والرهبان والعلمانيون.
كانت جمعية الأصدقاء واحدة من طابور ممتد للجمعيات القبطية التي تعكس الدور العلماني المبكر ـ بعيدًا عن الصراعات ـ لإقالة الكنيسة من عثرتها، في مناخ عام يشهد مدًا مدنيًا مؤثرًا. نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر؛ جمعية الإيمان التي اهتمت بجانب النشاط الوعظي بإنشاء سلسلة من المدارس حملت اسم “مدارس الإيمان”، شملت المراحل التعليم قبل الجامعي، وجمعية التوفيق القبطية، وتأسست تحمل مهمة التوفيق بين البابا البطريرك وبين المجلس الملي، ومعها تأسست منظومة مدارس نظامية تحمل اسم مدارس التوفيق، وجمعية بيت مدارس الأحد التي تأسست لرعاية وتربية الأطفال اليتامى ووفرت لهم بيتا للإقامة الدائمة فيه، إضافة إلى إنشاء مطبعة لطباعة الكتب العامة والكنسية وعنها صدرت مجلة “مدارس الأحد” وشهدت العديد من أطروحات التوعية والإصلاح الكنسي. ثم جمعية المحبة التي اهتمت بنشر الكتب التعليمية والطقسية وأسست بجوار عملها الأهلي الروحي والاجتماعي مكتبة المحبة، أعرق المكتبات التي تنشر هذه الكتب.
---
## الكنيسة من الحلم إلى الصدام
URL: https://tabcm.net/56138/
Type: post
Modified: 2026-07-02
تتبعت بقدر أحسبه قريبًا أحوال كنيستي القبطية الأرثوذكسية واشتبكت مع قضاياها وإشكالياتها المعاشة، في المجال العام وفي داخل أسوارها، بامتداد ثلاثة عقود، باحثًا ومشاركًا وساعيًا لطرح رؤية لتفكيك تلك الإشكاليات، وطرح مداخل للخروج بها إلى براح دعوتها ورسالتها، كصوت صارخ في برية العالم القاحلة، راعية وكارزة ومعلنة نور المسيح ودعوته لجميع المتعبين والباحثين عن ملاذ يحمي إنسانيتهم.
ويبدو أنني بغير انتباه، أو قصد، دخلت “أعشاش” دبابير، أرقهم دخولي وهدد ما استقر عندهم من رؤى وهو استقرار أحسبه جمودًا، ومصالح استقرت لهم، وتحقق أخفقوا في الوصول إليه في المجال العام. فإذا بأسرابهم تهاجمني وتشخصن اطروحاتي بل وتمتد إلى تشويه ينال من سيرتي وشخصي بالمخالفة للواقع وبالمخالفة لما يزعمونه من حماية الإيمان، الذي جاء خلوًا من ثماره المستقرة بحسب القديس بولس الرسول مَحَبَّةٌ، فَرَحٌ، سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ، لُطْفٌ، صَلاَحٌ، إِيمَانٌ، وَدَاعَةٌ، تَعَفُّفٌ ((رسالة بولس إلى غلاطية 5: 22 )).
وفي كل هذا لم أنازلهم في ميدانهم الذي يتحصنون به، ولم التفت يوما إلى ضجيجهم، ووثقت أطروحاتي، حتى اللحظة، في أربعة كتب، على أمل أن تصادف يومًا أجيالًا واعدة لا تربط عربتها بحصان شخوص، وتبني وعيها على الأسس التي رصدها القديس بولس مَبْنِيِّينَ عَلَى أَسَاسِ الرُّسُلِ وَالأَنْبِيَاءِ، وَيَسُوعُ الْمَسِيحُ نَفْسُهُ حَجَرُ الزَّاوِيَةِ الَّذِي فِيهِ كُلُّ الْبِنَاءِ مُرَكَّبًا مَعًا، يَنْمُو هَيْكَلًا مُقَدَّسًا فِي الرَّبِّ. الَّذِي فِيهِ أَنْتُمْ أَيْضًا مَبْنِيُّونَ مَعًا، مَسْكَنًا للهِ فِي الرُّوحِ. ((رسالة بولس إلى أفسس 2: 20 ـ 22 )).
وأتذكر عندما كنت طالبًا بالمرحلة الثانوية ما استقر في علوم الفيزياء “أن المادة لا تفني ولا تستحدث من عدم” وهو ما ينطبق على الإشكاليات الكنسية المعاشة، إذ لها جذور ممتدة بامتداد تاريخ الكنيسة، وهي ممتدة مع الزمن القادم، اتساعًا وانحسارًا، بقدر انتباه الكنيسة لها ولتفكيكها وقراءة التطورات الجيلية وامتداد مجالها إلى خارج مصر بما يحمله من اشتباك مع ثقافات وأجيال مختلفة تمثل تحديات مستجدة تتطلب قراءة واعية لها حتى تستطيع الوصول برسالتها لهم، وهو نفس الأمر المطلوب مع الكنيسة بالداخل، حتى لا نتفاجأ يوما بما يؤرق سلام ووحدة الكنيسة وثمة مؤشرات تقول بأن هناك ما ينذر بذلك، خاصة في كنائس المهجر، وفي الحالين على الكنيسة فيما يتعلق بمسائل التدبير أن تدرك أن المفاتيح القديمة لا تفتح الأبواب الجديدة.
في طرحي هذا، أحاول قراءة واقعنا الكنسي بتجرد كامل، باحثًا في الجذور التي شكلته، بامتداد التاريخ، سواء كنسية أو عامة، والتحولات التي حدثت للأقباط، وأتوقف ملياً عند أربعينيات القرن العشرين بما تحمله من تغيرات عاصفة واجتهادات لرأب الصدع، كما في السياسة كذلك في الكنيسة، في مواجهة تلك التغيرات، وما طرأ على التيارات الإصلاحية من تحولات بين التوافق والتضاد، بغير أن نحاكم شخوصها، فثمة مدخلات تتجاوزهم شكلت المشهد المعاش.
الجذور
لا أزعم إنني أملك مفاتيح سحرية تفتح الأبواب الموصدة، ولا جرَّافات كونية تزيح متاريس عتية تتحصن خلفها، فقط أملك انتماءً عضويًا تمتد جذوره في تربة الكنيسة بما يجعلها عصية على الانتزاع، رغم أعاصير تستهدفها تشكك في هذا الانتماء، ولا أزعم أنني بطل قادر على مواجهتها، فقط أحتمي بوشائج الحب التي تربطني بذلك الكيان وتشكلت وتنامت بامتداد عمر طال وموروث وقر في قلبي وعقلي وضميري.
لم أقف بعيدًا عن اشكاليات الكنيسة فقد اقتربت منها مبكرًا، فاحصًا ومحللًا عبر متابعات استندت لمشاهدات ووقائع معاشة طرحتها على ما حفظته لنا صفحات التاريخ وما استقر في أدبيات الكنيسة الجامعة قبل وبعد الإنشقاق الكبير، بقدر ما توفر لديَّ، والربط بين هذا وبين المناخات العامة المتعاقبة سياسية واجتماعية منذ عرفت مصر المسيحية وحتى اللحظة، وكانت في أغلبها مناوئة للكنيسة بتعدد أنظمة الحكم، وتوالي الاحتلالات الأجنبية التي شهدت أحقاب من الاضطهادات والاستهداف والاستبعاد.
ولن أقف كثيرًا أو قليلًا أمام التفاصيل فهي محملة بمآس وخطوب تشهد بصلابة الأقباط وقدرتهم على عبور دروبها الوعرة حاملين إيمانهم بثبات، وبالتوازي لم يتزعزع انتمائهم لوطنهم بل وانتبهوا مبكرًا لما قدموه من دماء شهدائهم فدشنوا تقويمهم ونسبوه للشهداء وجعلوا بدايته مع اعتلاء الإمبراطور الروماني دقلديانوس كرسي الحكم، وشهد عصره إحدى ذرى الإضطهاد وأولها.
في مواجهة هذا تحصن الأقباط بكنيستهم، وصنعوا حولهم سياجًا يحمي قيمهم وتقاليدهم، دون أن ينعزلوا عن المجتمع العام ودون أن يتحولوا إلى “جيتو”، ربما لهذا استطاعوا أن يكونوا رقمًا فاعلًا في المعادلة المصرية حضورًا وإسهامًا وارتقاءً رغم صيرورتهم أقلية عددية. وظني أن هذا كان نتاجًا طبيعيًا لماهية الإيمان المسيحي الذي يرسخ قيم المحبة والعطاء والبذل وإنكار الذات، وهو ما عزز قبولهم مجتمعيًا، رغم ممارسات أنظمة الحكم الجائرة بامتداد التاريخ.
على أن تلك المناخات جعلت الأقباط أكثر توجسًا وخوفاً من الذوبان، وهو توجس بدأ مبكرًا مع الإنشقاق الأول عقب مجمع خلقيدونية ـ القرن الخامس ـ فهجروا اليونانية لساناً إلى القبطية، ومازال هذا التوجس قائمًا ويمثل أحد عوائق التلاقي والحوار المسكوني، خشية الذوبان، ومعه اختلط القومي بالعقيدي، وتجذر هذا التوجس ليشكل معلمًا في تكوين الذهنية القبطية الشعبوية، خاصة بعد الدخول العربي (غزوًا أو فتحًا).وما أعقبه من تحولات ومن تداول الحكم حتى وصل إلى حقبة الخلافة العثمانية الممتدة لثلاثة عقود وما حملته من عنت وتخلف وعنف طال كل المصريين.
وفي ذات السياق كان هذا التوجس أحد أهم أسباب الاستفاقة القبطية “الأرثوذكسية” في التاريخ المعاصر، التي تمتد إرهاصاتها إلى حبرية (عصر) البابا كيرلس الرابع (1853 ـ 1861م.)، وتتنامى مع حبرية البابا كيرلس الخامس (1874 ـ 1927م.) الذي تبلورت في عصره في مسارين، أحدهما إداري تنظيمي والثاني تعليمي، تعثر الأول وتنامى الثاني وأنتج منظومة مدارس الأحد والمعاهد الدينية ـ الإكليريكية ومعهد الدراسات القبطية ـ وكان للتعثر والتنامي دورهما في تفاقم إشكاليات الكنيسة المعاصرة.
---
## ويل للرعاة
URL: https://tabcm.net/51700/
Type: post
Modified: 2026-07-02
ويلٌ للرعاة
(سفرحزقيال ٣٤: ٢)
إن كان مزمور ٩٤ قد عبّر عن صرخة المظلوم وهو يرفع قضيّته إلى ديّان الأرض، فإنّ سفرَ حزقيال ينقلنا من صرخة الإنسان إلى صوت الله نفسه. فما اشتكى منه المرنّم في الصلاة، يعلنه الربّ هنا حُكمًا صريحًا؛ إذ لم يعد الصمت ممكنًا، ولا السكوت مقبولًا، بعدما صار فساد القادة سببًا مباشرًا لانكسار الشعب وضياعه.
يحمل الإصحاحُ الرابعُ والثلاثون من سفر حزقيال واحدةً من أوضح وأقسى التنديدات النبويّة للرعاة غير الأمناء في تاريخ إسرائيل. فالنبيّ حزقيال، وهو في أرض السبي البابلي في القرن السادس قبل الميلاد تقريبًا، يوجّه كلماته إلى قادة شعبه الدينيّين والسياسيّين في لحظة انهيارٍ وطنيّ شامل، بعدما سقطت أورشليم، وتبدّدت المملكة، وضاع الشعب بين السبي والخراب. ولم يكن هذا الانهيار -حسب الرؤية النبويّة- حدثًا سياسيًّا عابرًا، بل ثمرةً مباشرة لإخفاق الرؤساء والملوك والكهنة الذين أُوكِلَت إليهم قيادةُ الأمّة.
ويفتتح الإصحاح بصوت الربّ قائلًا: ويلٌ لرعاةِ إسرائيلَ الذين كانوا يرعون أنفسهم! ألا يرعى الرعاةُ الغنم؟ ((سفر حزقيال 34: 2 )).
وهي الصرخة نفسها التي دوّت على لسان إرميا قبل السبي، حين واجه ملوك يهوذا ورعاتها بالخيانة ذاتها، معلنًا أنّ تشتيت الغنم لم يكن مجرّد ضعفٍ في الشعب، بل ثمرةً مباشرة لرعاةٍ أفسدوا الأمانة. هنا يستخدم النصّ استعارةَ الراعي والغنم، وهي صورةٌ مألوفة في ثقافة الشرق القديم، حيث يُنظر إلى الملك أو القائد باعتباره راعيًا مسؤولًا عن حماية الشعب وتوفير العدل والأمان له. غير أنّ الرعاة في هذا السياق قلبوا الدور رأسًا على عقب؛ فبدل أن يخدموا القطيع، استخدموه وسيلةً لتحقيق مصالحهم الخاصّة.
ويكشف الربّ جوهرَ فسادهم قائلًا: تأكلون الشحم، وتلبسون الصوف، وتذبحون السمين، ولا ترعون الغنم ((سفر حزقيال 34: 3 )). أي إنّهم استنزفوا خيراتِ الشعب وقوّته وطاقته لإشباع رغباتهم، بينما تراجعت مسؤوليّاتهم إلى الهامش. ولم تكن المشكلة في أن ينال القائد ما يكفيه للعيش، بل في أن يتحوّل هو إلى محور الخدمة وغايتها، فتُستنزف خيراتُ الشعب لإشباع الذات، وتغيب محبّة القطيع واحتياجاته عن القلب، حتّى يصبح ضياعُ الناس نتيجةً منطقيّة لا مفاجئة.
ثم تتعمّق النبوّة أكثر، كاشفةً حجمَ الإهمال الإنسانيّ والروحيّ معًا: المريضُ لم تُقوّوه، والمجروحُ لم تعصِبوه، والمكسورُ لم تجبروه، والمطرودُ لم تستردّوه، والضالّ لم تطلبوه، بل بشدّةٍ وبعنفٍ تسلّطتم عليهم ((سفر حزقيال 34: 4 )). وهذا الوصف لا يتحدّث فقط عن فشلٍ إداريّ، بل عن قسوةٍ متعمَّدة؛ إذ تحوّلت السلطةُ إلى تسلّط، والقيادةُ إلى عنف، والرعايةُ إلى هيمنة. فالضعفاء تُركوا بلا سند، والجراحُ بلا علاج، والمكسورون بلا جبر، وكأنّ معاناة الناس لم تعد تُرى ولا تُحسب أو تُحَسّ.
كانت نتيجةُ هذه القيادة الفاسدة كارثيّةً على مستوى الشعب كلّه، إذ يقول الربّ: فتشتّتت الغنم بلا راعٍ، وصارت مأكلًا لجميع وحوش الحقل ((سفر حزقيال 34: 5 ))، وهي صورةٌ تعبّر عن تفكّك الجماعة، وضياع الحماية، وانكشاف الشعب أمام قوى أقوى منه، حتّى صار فريسةً سهلةً للأعداء. ولا يشير النصّ هنا إلى ضعفٍ عسكريّ فحسب، بل إلى انهيارٍ اجتماعيّ وروحيّ شامل، بلغ ذروته في السبي وتشرّد بني إسرائيل بين الأمم.
ويوضّح الربّ بوضوح أنّ هذا التشتيت لم يكن حدثًا عشوائيًّا في التاريخ، بل نتيجةً مباشرة لرعايةٍ فاسدة. فحين يفشل الرعاة في مسؤوليّتهم، لا تضيع القيادة وحدها، بل يضيع الشعب كلّه معها. ويعكس هذا الواقع ما شهده تاريخ يهوذا في سنواته الأخيرة، حيث انحرف الملوك المتأخّرون -مثل يهوياقيم ويهوياكين وصدقيا- روحيًّا وأخلاقيًّا، فانهارت المملكة وسقطت أورشليم تحت وطأة الفساد الداخليّ قبل العدوّ الخارجيّ.
ومع ذلك، لا يذكر النبيّ أسماء هؤلاء القادة، بل يستخدم صيغةَ الجمع: «الرعاة»، ليجعل الخطاب أوسع من أشخاصٍ بعينهم، وليضع الإدانةَ النبويّة على كلّ قيادةٍ غير أمينة، سواء كانت مدنيّة أو دينيّة، في كلّ زمانٍ ومكان. فالقضيّة هنا ليست أشخاصًا بعينهم، بل نمطُ قيادةٍ ينفصل عن قلب الله ومشيئته ويتحوّل إلى سبب هلاكٍ لمن يقودونهم.
وبعد هذا التوبيخ الحادّ، يعلن الله أنّه لن يقف صامتًا أمام هذه الخيانة، فيقول: فلذلك أيّها الرعاةُ اسمعوا كلامَ الربّ: حيٌّ أنا يقول السيّد الربّ، من حيث إنّ غنمي صارت غنيمة… ولم يكن راعٍ… لذلك أيّها الرعاةُ اسمعوا كلامَ الربّ ((سفر حزقيال 34: 7، 8 )).
ثم تأتي الجملةُ المفصليّة في الإصحاح كلّه: هأنذا على الرعاة، وأطلب غنمي من يدهم… فأُخلّص غنمي من أفواههم ((سفر حزقيال 34: 10 )).
تحمل هذه الكلمات إعلانًا قضائيًّا صريحًا؛ فعبارة «هأنذا على الرعاة» لا تعني مجرّد توبيخ، بل مواجهةً مباشرة، إذ يعلن الله أنّه صار بنفسه ضدّ هؤلاء القادة، وأنّه سينزع منهم سلطةَ الرعاية التي أساءوا استخدامها. ويؤكّد هذا المعنى بقوله: «هأنذا أُعاقبكم على شرّ أعمالكم».
وإذ رأى اللهُ ظلمَ الرعاة وإصرارهم على الفساد، تدخّل بنفسه ليُقيم العدل. فحين رفض القادة تصحيحَ طرقهم، تولّى الله بنفسه تصحيحَ المسار. فرسالةَ حزقيال 34 لا تتوقّف عند العقاب، بل تمتلئ أيضًا بوعدٍ مُعزٍّ للشعب المُهمَل. فبعد «ويلٌ للرعاة» يأتي إعلانٌ مدهش بأنّ الله نفسه سيتولّى الرعاية، قائلًا: هأنذا أسأل عن غنمي وأفتقدها… وأُخلّصها من جميع الأماكن التي تشتّتت إليها ((سفر حزقيال 34 : 11 – 12 ))
هنا لا يَعِد الربّ بإصلاح النظام القديم، بل بتدخّلٍ شخصيٍّ مباشر، إذ يصير هو الراعي بعد أن فشل الرعاة. ومن هذا التدخّل الإلهيّ تنشأ مرحلةٌ جديدة، يُقيم فيها الربّ رعاةً أمناء يرعون الشعب فلا يخاف بعد ولا يرتعد، وهو ما بدأ يتحقّق تاريخيًّا بعد السبي بقيادة رجالٍ مثل زربابل وعزرا ونحميا، كعلامةٍ أولى على استعادة الرعاية، لا كاكتمالها. بل يبلغ الوعد ذروته حين يعلن الربّ: وأُقيم على الغنم راعيًا واحدًا… عبدي داود يكون رئيسًا في وسطهم ((سفر حزقيال 34 : 23 – 24 ))
وهنا ينتقل النصّ من علاجٍ مرحليّ إلى رجاءٍ نهائي، ومن رعاةٍ كثيرين إلى راعٍ واحد، ومن إصلاحٍ تاريخيٍّ محدود إلى ملكوتٍ آتٍ، هو وعدُ المسيّا ابن داود، الراعي الصالح الذي يحمل الرعايةَ الكاملةَ والدائمةَ لشعبه على كتفه.
---
## رحلة الفصول اﻷربعة
URL: https://tabcm.net/56076/
Type: post
Modified: 2026-07-01
في الحلقة السابقة اتكلمنا عن إن الخدام العلمانيون، لم ينتظروا إذنًا ليتحركوا، كانوا نموذجًا، قدموا أنفسهم لخدمة الله بعدما أكلتهم غيرة خدمة بيت الرب فقالوا مع النبي “هأنذا .. أرسلني”.
الآن: كيف تغيرت القصة؟
في هذه الحلقة: الفصول الأربعة للتحول نناقش:
– متى بدأت الدولة تفضل “صوتًا واحدًا”؟
– متى اختفى العلماني المستقل؟
– كيف تحولت الشراكة إلى تهميش؟
البدايات الخافتة للتحول (1950-1960)
لكن شيئًا ما بدأ يتغير.
لنكن صريحين: التغيير لم يحدث فجأة، ولم يكن نتيجة قرار واحد أو شخص واحد. إنه أشبه برحيل المد- لا تلاحظه كل يوم، لكن عندما تلتفت للخلف بعد سنوات تدرك أن الساحل قد تغير.
بدأت الإشارات الأولى تظهر في الخمسينيات والستينيات، وهي فترة حساسة على المستوى السياسي. كانت مصر تشهد تحولات كبرى: انتقال السلطة، إعادة تشكيل المؤسسات، محاولات توحيد الهوية الوطنية. في هذا السياق، بدأت الدولة تُعيد النظر في كيفية تعاملها مع الأقليات الدينية.
في البداية، كان التعامل مع المسيحيين الأقباط يتم عبر آليات متعددة: عبر الأحزاب والنقابات والجمعيات المدنية والشخصيات العامة، تمامًا كما يحدث مع غيرهم من المواطنين. كان الطبيب القبطي يُمثل نفسه عبر نقابة الأطباء. والمحامي كان له صوت عبر نقابة المحامين. والمعلم كان للمعلمين نقابتهم. كانت هناك قنوات متشعبة، حتى وإن لم تكن دائمًا منصفة.
لكن مع الوقت، لاحظت الدولة أن التعامل مع مؤسسة دينية واحدة أسهل بكثير من التعامل مع أفراد متفرقين. ومن جهتها، بدأت الكنيسة تشعر أن موقعها يقوى عندما تتحدث باسم الجميع. لم تكن هناك مؤامرة. كانت مجرد حسابات طبيعية جدًا.
السبعينيات والثمانينيات- الانتقال المسيطر
لكن السبعينيات جاءت بتسريع.
في 1973، بعد حرب أكتوبر مباشرة، حدث تحول جوهري في سياسة الدولة تجاه الأقباط. لم تكن سياسة معادية، بل كانت سياسة تعريف- أي تحديد من تتحدث معه الدولة نيابة عن كل المسيحيين.
أصبح البطريرك هو الممثل الرسمي للأقباط في الملفات الحساسة. ليس فقط في الشؤون الروحية، بل في:
• ملفات الأحوال الشخصية والأحوال المدنية.
• الأزمات الطائفية والقضايا الأمنية.
• حتى القضايا السياسية والاجتماعية العامة.
مع كل مرة تُفتح فيها أزمة طائفية، كانت الدولة تطلب من البطريرك أن يتحدث باسم الجميع. ومع كل تحدي سياسي، كانت هناك ضغوط -صريحة وغير صريحة- على الكنيسة لتتخذ مواقف.
وبينما كانت هذه تقوية ظاهرية للموقع الكنسي الرسمي، كانت في الحقيقة تتطلب تمركز السلطة. لم يعد بإمكان المعلم المستقل أو الكاتب العلماني أن يكون له موقف مختلف عن “موقف الكنيسة”. والموقف الواحد يتطلب صوتًا واحدًا. والصوت الواحد يجب أن يأتي من المركز.
في هذه الفترة، بدأنا نلاحظ أن الشخصيات العلمانية المؤثرة على مستوى الكنيسة كلها -تلك التي كانت تشكل الفكر الكنسي والتوجه التربوي- بدأت تختفي أو تُهمش.
تشعر وكأنه طرد جماعي غير رسمي للعلماني ذو الرأي حتى ولو كان دون عمد. لم تكن هناك قرارات رسمية. لكن الفرص بدأت تتقلص. والمنابر بدأت تُحتكر. والصوت بدأ يُعاد توجيهه نحو الأعلى.
المأسسة والإكليروسية (1980-2000)
في الثمانينيات والتسعينيات، تأسست الحركة نحو ما يمكن أن نسميه “الإكليروسية”- أي السيطرة المتزايدة للإكليروس على كل جوانب الحياة الكنسية، واختفاء أو تقليص أو تهميش لدور العلماني خارج سلطان الإكليروس.
حدثت عدة أشياء متوازية:
أولاً: تم إعادة تنظيم مدارس الأحد نفسها. ما كان منصة للخدام والمعلمين العلمانيين المستقلين أصبح الآن جزءًا من جهاز مركزي يُشرف عليه الإكليروس أنفسهم بشكل مباشر. لم يعد الخادم العلماني هو من يقرر منهج التعليم؛ بل بدأ ينفذ ما يُقرره من هم أعلى في الهرم.
ثانيًا: انتقال مركز الثقل من الحركات المحلية والمبادرات الفردية إلى المؤسسة الكنسية المركزية. أصبح القرار الكنسي أكثر مركزية. وأصبحت المنابر التعليمية والكرازية أكثر ارتباطًا بالمؤسسة الرسمية. لم يعد بإمكان مفكر علماني أن ينشر رؤيته الكنسية إلا من خلال قنوات رسمية ومعتمدة إلا ويعتبر خارجًا عن طوع أمه الكنيسة وعليه أن يتحمل أما المحاكمات والحرم أو التهميش والاغتيال المعنوي
ثالثًا: بدأ يُفهم أن “الخدمة الحقيقية” تتطلب رتبة رسمية. هذا لم يُقل بهذه الصراحة، لكن كان يُفهم ضمنيًا. إذا كنت تريد أن يكون لك تأثير حقيقي، فعليك أن تصبح كاهنًا أو تأخذ رتبة كنسية رسمية. الخدمة العلمانية أصبحت “مساعدة”، وليست قيادة، فبدأ الجميع يسع نحو الرهبنة والكهنوت، بل وأحيانًا صار الكهنوت هبة ومكافأة على الولاء والطاعة، يُصرح في العلن أن لا أحد يأخذ هذه الكرامة بنفسه، ولكن في الحقيقة -أحيانًا- كان الكهنوت علامة من الرضا من شخص أكبر في السلطة يمنح مكافأة لشخص آخر ليضمه من فريق العلمانيين (العاديين) إلى فريق أرفع شأنًا وأكثر قداسة هو فريق الإكليروس.. بالطبع لا أحد يستطيع أن يصرح بهذه الفكرة علانية ولكنها واضحة جلية للأعمى قبل البصير.
رابعًا: تحول في طبيعة السلطة الكنسية نفسها. في عصر النهضة الأولى، كان تأثير الأسقف أو الكاهن مرتبطًا بشخصيته وفكره وقدرته على جذب الناس. لكن مع الوقت، أصبح التأثير أكثر ارتباطًا بالموقع الرسمي والسلطة المؤسسية. شخص بلا رتبة، مهما كان ذكيًا أو مؤثرًا، أصبح صوته أضعف من كاهن عادي يتحدث باسم المؤسسة.
في هذه الفترة، تراجع ظهور الشخصيات العلمانية المؤثرة على مستوى الكنيسة كلها. لم تختفِ الخدمة العلمانية نفسها- الناس يزالون يخدمون. لكن الخدمة أصبحت “محلية” و”نمطية”. لا مجال لرؤى جديدة. لا فرصة لمبادرات مستقلة. كل شيء يمر عبر القنوات الرسمية.
العقدين الأخيرين – الإضفاء الرسمي والاختزال
في العقدين الأخيرين، تجمدت هذه الديناميكية تقريبًا.
أصبحت الكنيسة، في نظر كثيرين -الشعب والدولة على حد سواء- ليست فقط مؤسسة روحية، بل مؤسسة تمثيلية. المتحدث الرسمي للأقباط. الممثل الشرعي في كل مفاوضات.
وهذا له ثمن حقيقي جدًا.
لأنه عندما تصبح الكنيسة مسؤولة عن كل شيء -عن كل صوت، عن كل موقف، عن كل رؤية- تصبح مُطالبة بالتحكم في كل شيء. والتحكم يتطلب مركزية. والمركزية تتطلب خط سلطة واحد. وخط السلطة الواحد يعني: الإكليروس.
في هذه الحقبة، أصبح من النادر جدًا أن ترى شخصًا علمانيًا يشكل الفكر الكنسي بشكل مستقل. وإن حدث، فعادة ما يكون عبر قنوات رسمية، بموافقة من أعلى، وفي إطار تم رسمه مسبقًا.
الكاتب العلماني، المفكر العلماني، الأكاديمي العلماني- كل هؤلاء أصبح لديهم خيار:
• إما أن تنضموا للنظام الرسمي وتقبلوا حدوده. (ويوم نرضى عنكم نرقيكم للإنضمام للإكليروس)
• أو تعملوا بشكل مستقل، خارج المؤسسة الكنسية تمامًا، مما يعني فقدان المنصة والجاهزية.
كثيرون اختاروا الخروج. وبعضهم استسلموا. والبعض أًتهموا بل وحوكموا والقليل استمروا في مقاومة صامتة، حتى لا يبتعدوا عن حضن الكنيسة الأم. على أمل بلا رجاء أن تعود الكنيسة من مؤسسة إلى سفينة تسع لكل المسافرين.
في الحلقة المقبلة سنتكلم عن النتيجة، عما فقدناه وعما لم ندرك أننا فقدناه، هل تحتاج الكنيسة اليوم إلى عودة إحياء دور العلماني؟ هل يستطيع الإكليروس أن يتخلى بعض الشئ عن أدوار هي في الأصل للعلماني؟ أم سيصر على أن كل الأشياء لابد أن تحدث من خلال عباءته وإذنه لأنه ولي الأمر وصاحب السلطان.
---
## كهنة كليوباترا وتبرير الطبقية
URL: https://tabcm.net/56380/
Type: post
Modified: 2026-06-30
بعد موجة انتقادات للممارسات الطبقية من قبل بعض الكنائس خرج علينا نجمي الشباك في كنيسة مار مرقس كليوباترا لتقديم تبريرات واهية للممارسات المتبعة ومحاولة نفي “الطبقية” عنها.
نحنوح الكرازة نموذجًا
خرج علينا نحنوح الكرازة المرقسية بصوته الأنثوي ليلقي الاتهامات على “الوحشين” بتوع السوشيال ميديا اللي بيكيلوا الاتهامات باطل.
بغض النظر إن “النحنوح” مبينزليش من زور وأعتبروا ده أمر شخصي فأنا دائمًا لا أميل لهذا القبطي النحنوح الأخنف الصاغر، إنما أفضل أن استمع إلى “رجل” واضح و مباشر حتى لو كان خصمي.
الكنيسة مكان لبناء سبيكة الشعب الاجتماعية، أهم شرط في السبيكة دي عشان تكون جسد واحد هو تماسك السبيكة ودمجها بصورة صحيحة.
خد بالك الكنيسة دورها “الدمج” وده اللي بيتكلم عنه الكتاب في “الجمع وليس التفريق” فلما تيجي تبني السبيكة متبنيهاش على أساس تفريق طبقى أو عنصرى.
أبناء المنطقة الواحدة طبيعي يكون بينهم اختلاف طبقي بره سور الكنيسة لكن جوه السور برامج الخدمة لازم يكون هدفها الدمج لأنك بتنتج مجتمع مسيحى.
مصر الجديدة نموذجًا، منطقة كبيرة ومن حقك في الخدمة تعرف مربعك السكني للافتقاد لكن لو هتبني الخدمة على أساس طبقي فأنت كده حولت الكاهن اللي بيفتقد ويقدم المسيح لمحاسب محترف بيقيم المخدوم على أساس قدرة الدفع فبيبقى عنده منطق محاسبي غصب عنه، هل ده هيدفع ولا مستور ولا محتاج؟ لو هيدفع هو ناشيونال ولا إنترناشيونال؟ لو مستور هيقدم مال ولا خدمة؟ لو محتاج هو أقرب للمستور ولا مدقع؟ وهكذا تحول المسيح إلى محاسب ماليات بيتحكم فيه الكاهن وحركته ومجاملته وخدمته.
المشكلة عمرها ما كانت في التنوع الطبقي يا سادة المشكلة إن بقى عندنا أجير وليس راعي، وبقينا في زمن الضعف والكنيسة حبة حبة بتتحول لمجموعة كمبوندات لأن الأجير من أصل جعان ولما شاف المال جوعه زاد و مشبعش.
أخر حد هتلاقيه في كنائس الطبقية هو المسيح نفسه فاحذروا من الطبقية وأعرف إن خدمتكم هي الدمج، أما الأجير فهو اللي عاوز السمين على جنب يحلبه والضعيف ينتهره لأنه أجير وليس راعي.
احذروا زمن الضعف..
بولس چورچ.. لا يمكن خدم سيدين
سمعت رد الكاهن بولس چورچ على موضوع التمييز الطبقي في الكنيسة، والراجل قال بوضوح إن فعلًا في تفريق لاجتماعات المستويات الاجتماعية عشان الفرق كبير بين الناس وده مش تمييز طبقي لأن التمييز الطبقي إن الكاهن يعامل الفقير وحش، ويعامل الغني حلو، وهنا في شوية ملاحظات:
أولًا: الفيصل هو المال أم المسيح؟
بص يا حضرة الكاهن “أنا بقيت متلخبط أنت كاهن المسيح ولا البعل”.. تعالى نحسب حسبة صغيرة بشلن.
“س” شاب جميل أتولد في أسرة معدمة فجالك الكنيسة يحضر الاجتماعات وياخد مساعدة فطبعًا على معيار حضرتك ده هيتحط مع اجتماعات أخوة الرب.
“س” لما كبر شوية اجتهد وفتح مشروع صغير وكمل يحضر معاك فكده بقى مؤهل يحضر مع الناس العادية.
“س” مشروعه نجح وولاده دخلوا مدارس إنترناشيونال فبقى يحضر اجتماعات النخبة.
قولى يا كاهن معيار المعاملة هنا المسيح ولا المال؟ طبعا المال، هو متنقلش من اجتماع لاجتماع عشان هو عرف المسيح أكتر والنمو في المسيح، إنما عشان كسب مال أكتر والنمو في البورصة، وحضرتك مخليتهوش هنا أو هنا عشان إيمانه لكن عشان محفظته.
إذن أنت كاهن للمسيح ولا للمال؟
ثانيا: احنا رايحين على فين؟ كنائس كومباوندات
لما بنمد الخط على استقامته مش بنلاقي إلا كنائس تحولت لكومباوندات مغلقة، وكنائس تاتية بقت أقرب لكنائس أصحاب البشرة السمراء في أمريكا، أنت متخيل إن الكنيسة المصرية مع الوقت هتبقى كنيسة “أبارتهيد” يعني كنيسة فصل عنصري.
أصل الخدمات كبرت ومحتاجين إن الإنترناشيونال يبقى لهم مساحة خاصة، أصل دخول كنائس الإنترناشيونال محتاج شروط خاصة من حيث حجم رأس المال أو الوظيفة أو نوع العربية وموديلها، وطبعا كل اللي تحت المستوى ده مكانهم “كنائس السود” وتقولي مش طبقية ولا عنصرية.
منكرش يا أبونا أن كلامك ناعم زي الحية القديمة، واسمع مني الكلام الناشف لأن الداية سحبتني من لساني “ابقى أشرح لبتوع الإنترناشيونال يعني إيه داية”.
ثالثًا: التاريخ ضدك
تعالى أحكيلك حكايات من التاريخ يمكن يكون فيها وعظة لك وتفهم أنت بتخدم في أي كنيسة وإن الكنيسة عامة من يوم ما أسسها القديس مرقس هي كنيسة الفقراء والخطاة.
في يوم المعلم إبراهيم الجوهري راح الكنيسة بدري قبل شغله يحضر القداس فكاهن كنيسة الست بربارة كان بطيء في الصلاة، والمعلم إبراهيم كان قاعد ورا فطلب من الشماس يروح لأبونا يقوله شد حيلك شوية عشان المعلم إبراهيم عنده ميعاد فرد آبونا وقاله: “روح قوله لو مستعجل ابني لنفسك كنيسة”.
العبرة إن محدش كان أغنى من إبراهيم الجوهري ومع ذلك محدش عمله قداس مخصوص.
في أيام الملكية كان باشوات مصر معاهم أكتر في المال، وعندهم أكتر في العلم، ومع ذلك كانوا بيخدموا هما وعيالهم وسط الفقراء وأغلب الخدام اللي بنحكي قصصهم هما ولاد العائلات دي وكتير أوى من القديسين المعاصرين ورهبان وأساقفة كانوا من العائلات دي.
عائلات فتحت بيوتها وجمعياتها للخدمة وعاشوا مع الفقراء ظروفهم وكانت الخدمة سبب بركة لهم.
ممكن اكتبلك٥٠ مثال على الأقل ومنهم ناس على صفحتى أخجل أجيب سيرة عائلاتهم وهما أحفاد باشوات.
الكنيسة مبتخلقش الطبقية، الكنيسة دورها الدمج بين الجميع وخلق سبيكة اجتماعية متماسكة وقوية بتشد بعضها البعض مش بتفرز وتصنع شروخ اجتماعية.
يا حضرة الكاهن إن كان البعل “المال” هو الرب فاعبده وإن كان المسيح هو الرب فاعبده لكن لا تعرج بينهم ولا تستخدم أسلوب الأفاعي للتبرير.
---
## الخروج من السباق
URL: https://tabcm.net/56239/
Type: post
Modified: 2026-06-29
في مفاجأة مدوية زلزلت المشهد السياسي، وأجبرت جميع القوى على إعادة حساباتها مرة أخرى، قررت اللجنة العليا لانتخابات رئاسة الجمهورية، يوم 16 أبريل 2012، استبعاد المرشح خيرت الشاطر من سباق انتخابات الرئاسة، بالرغم من حصوله على عفو المجلس العسكري في القضية رقم 2 لعام 2007 عسكرية عليا في قضية الميليشيات، لأنه لم يرد إليه اعتباره على النحو الذي رسمه القانون في تلك القضية.
طبقًا لقانون مباشرة الحقوق السياسية، وقانون العقوبات، وقانون الإجراءات الجنائية، الذي ينص على جواز إصدار حكم من محكمة الجنايات، يقضي برد الاعتبار لمن صدر لهم العفو الرئاسي، على أن يمضي على صدور الحكم 6 سنوات كاملة. أما الشاطر، فقد استنفد حقه في الحصول على رد الاعتبار في القضية رقم 8 لعام 1995، الصادرة من المحكمة العسكرية العليا. ولا يجوز إصدار حكم برد الاعتبار لمواطن إلا مرة واحدة في حياته ((محمد السنهوري، المصري اليوم: بالوثائق.. قرارات «العليا للرئاسة» باستبعاد المرشحين العشرة. بتاريخ 16 أبريل 2012. )).
أما حازم صلاح أبو إسماعيل، فقد استُبعد من السباق لثبوت حصول والدته على الجنسية الأمريكية، حيث تسلمت اللجنة العليا لانتخابات الرئاسة خطابًا من وزارة الخارجية المصرية، مرفقًا به صورة استمارة التصويت الخاصة بالسيدة نوال عبد العزيز نور، والواردة إليها من القنصلية المصرية في لوس أنجلوس، من مكتب السجلات التابع للمقاطعة نفسها، وهي الاستمارة التي يستحيل وجودها ما لم تكن صاحبتها مواطنة أمريكية.
أما الزلزال الحقيقي فكان استبعاد اللواء عمر سليمان، نائب الرئيس السابق، الذي قرر الترشح مع أنه قد سبق وأعلن رفضه للفكرة ((محمد حبيب، الإخوان المسلمون بين الصعود والرئاسة وتأكل الشرعية، المجموعة الدولية للنشر والتوزيع، 2013. )).
السبب المُعلن أن عدد التأييدات الشعبية الصحيحة المقدمة منه في محافظة أسيوط هو 969 تأييداً فقط، ولما كانت هذه المحافظة هي المتممة لعدد المحافظات المطلوب منها ألف تأييد، كان ينقصها 31 تأييداً فقط، وهو ما يعني عدم استيفاء العدد الضروري للترشح، بالتالي خروجه من المنافسة، وكأن الرجل قد ترشح قصدًا كي يخرج ومعه خيرت الشاطر وحازم أبو إسماعيل ((محمد حبيب، الإخوان المسلمون بين الصعود والرئاسة وتأكل الشرعية، المجموعة الدولية للنشر والتوزيع، 2013. )).
ولم يكن ليتخيل محمد مرسي رئيس حزب الحرية والعدالة، ولا في أقصى شطحات أحلامه، أن يصبح بين عشية وضحاها، مرشح جماعة الإخوان المسلمين في انتخابات الرئاسة بعد استبعاد الشاطر، فمرسي الذي لم يُعرف عنه غير السمع والطاعة، كان أشبه بموظف حكومي، بعيد كل البعد عن المناصب القيادية، سواء داخل الجماعة أو خارجها.
وبمجرد استبعاد مرشح الإخوان الأساسي من السباق، سلّم الشاطر راية الترشح إلى بديله محمد مرسي، في مؤتمر عقده حزب الحرية والعدالة بمركز مؤتمرات الأزهر بمدينة نصر، مساء 18 أبريل 2012، وتحولت وسائل الدعاية من الشاطر إلى مرسي، فحذف موقع الجماعة الرسمي صورة الشاطر ووضع مكانها صورة لمرسي، ونسي مسؤولو الموقع حذف جملة “الشاطر رئيسا” أسفل الصورة الجديدة التي وضعت لمرسي، وبدلًا من لقب “مهندس النهضة” الذي أطلقه الإخوان على الشاطر، استخدمت الجماعة لقب “دكتور النهضة” إشارة لمحمد مرسي.
في مؤتمر تدشين الحملة الانتخابية مساء 1 مايو 2012 بالغربية، أعلن المرشد العام د. محمد بديع إعفاء مرسي من البيعة، وأكد بديع أن مرسي لم ينقض عهده مع الله بينما غيره نقض عهده ولم يف بوعده في إشارة لعبد المنعم أبو الفتوح.
هارب من السجن على قوائم الترشيح
في الخامس والعشرين من يناير 2011 انتفض المصريون كالعنقاء من تحت الرماد، في مظاهرات عارمة على النظام، وعلى مدى اليومين التاليين حاول النظام وأد المظاهرات في منبتها قبل أن تتحول إلى ثورة تطيح بالدولة العميقة، خصوصًا وسط الدعوات المستفيضة لمظاهرات جمعة الغضب المرتقبة. وكمحاولة للسيطرة على مشاركة أعضاء الجماعة، ألقى النظام القبض على بعض قيادات جماعة الإخوان المسلمين مساء يوم الخميس 27 يناير، ثم كانت مظاهرات جمعة الغضب النقطة الفاصلة في تحول مسار الثورة.
وفي اليوم التالي ووسط الأحداث الساخنة، تمكنت قيادات الجماعة صباح السبت 29 يناير من الهرب من سجن وادي النطرون، قبل أن تذيع قناة الجزيرة الفضائية تسجيلًا صوتيًّا للسجين الهارب محمد مرسي، ينفي فيه أنه قد فر من محبسه بسجن وادي النطرون عنبر 3 في الكيلو 97 طريق القاهرة الإسكندرية الصحراوي قائلًا نحن لا نفر، وأدعى أن الأهالي قد فتحوا السجون لتهريب باقي السجناء، ومن بينهم 34 عضوًا من أعضاء جماعة الإخوان، ومن ثم فهو يعلن عن تواجده، ويدعو أيًّا من المسؤولين للاتصال به قائلًا التليفون موجود، وعندما سأله مذيع الجزيرة عن هؤلاء الأشخاص الذين فتحوا لهم السجن لتهريبهم، نفى مرسي أي معرفة بهم وقال هؤلاء لا نعرفهم البتة ((فاطمة محمد، المصري اليوم: نص مكالمة «الجزيرة» التي أحالت مرسي وجماعته للمفتي (فيديو). بتاريخ 16 مايو 2015. )).
عقب عودته للسجن، وبعد أسبوع من اقتحام السجون في أثناء الأيام الأولى للثورة، تلقى اللواء عدلي عبد الصبور، مأمور سجن وادي النطرون في ذلك الوقت، اتصالًا من المسؤولين بمباحث أمن الدولة، أخطروه خلاله بتسوية ملفات جميع المعتقلين السياسيين والإفراج عنهم جميعًا، وبموجب ذلك أفرج عن 5 معتقلين سياسيين ظلوا في السجن بعد اقتحامه، وسرى ذلك القرار على جميع المعتقلين السياسيين بمن فيهم قيادات الإخوان الذين هربوا، والذين كان من بينهم الرئيس السابق محمد مرسي، وقد أكد ذلك في حواره مع صحيفة الشروق في 2013 ((محمد نابليون وأحمد البردينى، جريدة الشروق: مأمور «وادى النطرون» السابق يكشف تفاصيل ليلة قضاها مرسي وإخوانه فى السجن. بتاريخ 9 يونيو 2013. )).
في لقاء وزير الداخلية محمد إبراهيم مع الإعلامي خيري رمضان في برنامج “ممكن” على قناة CBC بتاريخ 8 مايو 2013 قبل خلع الرئيس محمد مرسي بخمسين يومًا تحديدًا، وجه خيري رمضان سؤالًا مفحمًا لوزير الداخلية قائلًا: لماذا قالوا إن وزارة الداخلية عندما أرسلت قوائم المسجونين ليلة 29 لم يكن فيها اسم الدكتور محمد مرسي؟
لأن فعلاً مفيش في كافة… أنا كنت مساعد السجون، تمام؟ ولما الدوشة ديّه حصلت والكلام ده، أنا سألت مساعد السجون: يا بني، إوعى يكون عندك حاجة وبتاع ده مدرج عندك.. أصل كل السي ڤي بتاعه، وكل المدرجين دول على الكمبيوتر في قاعدة البيانات اللي موجودة، فقال لي: لا والله، اسمه مش موجود.. معندناش في توقيتنا الحالي أي شيء يقول إن سيادة الرئيس كان موجود في السجن الفلاني.. بالأمانة يعني، مش…
(محمد إبراهيم، وزير الداخلية، قناة CBC، مايو ٢٠١٣)
قاطعه خيري رمضان الذي بدا وكأنه لم يقتنع بالإجابة: طيب حضرتك بتفسر بإيه وحضرتك كنت مساعد السجون، أن مفيش اسمه موجود بس هو كان موجود، وأن الأسماء اللي كانت معاه في نفس التوقيت وهما اتقبض عليهم يوم الخميس، كل الأسماء موجودة إلا اسم الرئيس محمد مرسي؟ اسمه ميبقاش موجود على الكمبيوتر، ومش موجود في الكشوف… ده يعني إيه؟
فتلعثم محمد إبراهيم وهو يقول: ما أؤكده لحضرتك أن حاليًا لا توجد أي ورقة في قطاع السجون تقول إن السيد الرئيس محمد مرسي كان في سجن وادي النطرون، فأجابه خيري رمضان بنفاد صبر قائلًا: أنا أحاول أن أخرج من أنه “السيد الرئيس” الآن، أنا أحاول أن أقول إنه في هذه الفترة كان المعتقل المقبوض عليه السجين محمد مرسي.
هنا انتفض الوزير محمد إبراهيم وقاطع خيري رمضان قائلًا: أقول لحضرتك على حاجة… هو لو أنا عندي أنه كان متواجد وله قرار اعتقال، طيب ما أنا هاطلعه، هاقول أنه كان معتقلًا. فأجابه رمضان: “أليس هذا أمر يستحق التحقيق بمعنى إزاي عشرة داخلين مع بعض يبقى تسعة موجودين؟ وهذا الاسم اللي أصبح رئيسًا بالصدفة… [ثم تراجع مرتبكًا]… أأ مش بالصدفة في الرئاسة… بالصدفة أن يُشال اسمه؟
فبدأ محمد إبراهيم يتراجع رويدًا عن موقفه قائلًا : لأني مكنتش متواجد في الحدث عشان أقول لحضرتك إيه اللي حصل.. تمام؟ ولكن يمكن حصل لمَ بلا أوراق، فاستنكر رمضان الرد: للدكتور مرسي تحديداً؟؟!!، وللمرة الثالثة لا يجد محمد إبراهيم إجابة شافية يرد بها فيقول: تأكد.. إن لو في ورقة عندي بتقول إنّ سيادته كان في سجن وادي النطرون، أنا بنفسي هأقدمها.
فحدق به خيري رمضان لثوان لا يجد ماذا يقول إزاء هذا التناقض والإفلاس في الحجج المنطقية، ثم عاجله بالضربة القاضية قائلًا: طيب برضه مسؤولية حضرتك.. ألا تبحث أين ذهبت هذه الورقة؟ أو لماذا…، فقاطعه محمد إبراهيم قبل أن يتم سؤاله قائلًا: سألت والله، فتساءل رمضان مؤكدًا: سألت؟؟، فأكد محمد إبراهيم والله سألت!، فتساءل رمضان وكان الرد؟، فأجاب إبراهيم: قال والله معندهمش حاجة…والله العظيم ثلاثة مفيش حاجة في قطاع السجون بتقول إن في هذا التوقيت كانت موجودة….أنا بحلفلك أهو، ومستعد تشكلوا لجنة..، فقاطعه خيري رمضان ساخرًا: سيادة الوزير.. حضرتك اللي تشكل لجان…احنا بنسأل بس، فضحك الوزير بعصبية ((خيري رمضان، برنامج ممكن، قناة CBC: لقاء وزير الداخلية محمد ابراهيم مع خيري رمضان في برنامج ممكن – كامل. بتاريخ 8 مايو 2013. )).
ويبقى السؤال الحائر حتى الآن… كيف خلت كشوف وقواعد بيانات وزارة الداخلية من اسم المعتقل محمد مرسي تحديدًا؟ وكيف تغاضى السيد عمر سليمان عن حقيقة هروب السجينين محمد مرسي ومحمد سعد الكتاتني من السجن ليجتمع بهما مع باقي النخبة السياسية فيما عرف باجتماعات الحوار الوطني صباح الأحد 6 فبراير 2011؟ وكيف تغاضت المخابرات العسكرية ومديرها في ذلك الوقت اللواء عبد الفتاح السيسي، ووزارة الداخلية ووزيرها في ذلك الوقت اللواء محمد إبراهيم يوسف، ولجنة شؤون الأحزاب ورئيسها في ذلك الوقت المستشار فاروق سلطان، عن حقيقة كون السيد محمد مرسي مسجونًا هاربًا من سجن وادي النطرون حتى لو لم تحمل السجلات والكشوف اسمه؟
---
## مختارات من سفر إشعياء وواقعنا اليوم
URL: https://tabcm.net/51688/
Type: post
Modified: 2026-06-28
هِيجُوا أَيُّهَا الشُّعُوبُ وَانْكَسِرُوا… احْتَزِمُوا وَانْكَسِرُوا!
(سفر إشعياء ٨: ٩)
الآية دي ما جتش قدامي صدفة. اللي خلّاني أصلًا أفتّش ورا العدد ده مش مجرد اهتمام أكاديمي، لكن صوت داخلي واضح: من كتر هيجان المشهد العالمي حوالينا. مش بس في دوايرنا الصغيرة، لكن على المستوى الإقليمي والعالمي ككل؛ حروب، تحالفات بتتغير، توتر، خوف، غضب، واستقطاب.
وسط الهيجان ده، لقيت جوايا صوت بيقول: “هيجوا أكتر…”. الجملة دي فضلت ترنّ في وداني، فافتكرت إن في آية في الكتاب بتبدأ بنفس الروح دي. قلت أدور… وبالفعل لقيتها في سفر إشعياء إصحاح ٨، ووقتها اتفاجئت.
الدهشة زادت أكتر لما لقيت إن سفر إشعياء نفسه اليومين دول بقى عليه هوجة كبيرة وحديث ناس كتير، خصوصًا بعد تصريحات هند الضاوي. وده خلّاني أقول: طالما السفر ده بقى “ترند”، يبقى الأهم مش الكلام عنه، لكن الرجوع للنص نفسه وفهمه بجد.
هِيجُوا أَيُّهَا الشُّعُوبُ وَانْكَسِرُوا… احْتَزِمُوا وَانْكَسِرُوا! ((سفر إشعياء ٨: ٩ ))، الكلام ده مش جملة عابرة، ده تحدّي إلهي للأمم وسط سياق تاريخي ونبوي غني جدًا جوّه إصحاحات ٧–٩ من سفر إشعياء. عشان نفهمه صح، لازم نقف على السياق القريب والبعيد، ونفهم أبعاده الروحية واللاهوتية، وكمان نستعين بتفاسير متنوعة: يهودية، ومسيحية، ونقدية حديثة، علشان نشوف النص في ضوء زمنه السياسي والديني، وفي نفس الوقت نفهم إزاي بيتكلم لزمننا.
في المقال ده، هنركّز بشكل خاص على لفظة «هِيجُوا»: معناها إيه؟ وبتشتغل إزاي لغويًا وبلاغيًا كنبرة تحدّي وسخرية نبوية؟ وبعدين هنربط الرسالة اللي بيطلعها النص بواقعنا المعاصر: الحروب، والتحولات الجيوسياسية والاجتماعية، علشان نوصل في النهاية لرسالة إشعياء الواضحة وسط كل الهيجان ده: دعوة الله لشعبه، وكمان تحذيره للناس اللي بتقاوم مشيئته وبتحارب طريق الحياة الأفضل للناس ولأولاده… وإزاي نعيش بإيمان وسط الضجيج، وإزاي الحق الإلهي في الآخر دايمًا بيكشف الزيف مهما علا صوته ويكسر شوكة كبريائه.
تحليل النص في سياقه ((سفر إشعياء ٧–٩ ))
عشان نفهم جملة زي «هيجوا أيها الشعوب وانكسروا»، ما ينفعش نقتطعها من سياقها، لأن إشعياء نفسه ما قالهاش كصرخة منفصلة، لكن كجزء من مشهد تاريخي ونبوي شديد التعقيد. الإصحاحات ٧–٩ من سفر إشعياء بترسم لوحة كاملة لعالم بيغلي: تحالفات، تهديدات، خوف، وقرارات مصيرية.
نرجع الأول لإشعياء ٧. الزمن هو حوالي سنة ٧٣٥ قبل الميلاد، في أيام الملك آحاز ملك يهوذا. أورشليم كانت تحت ضغط رهيب، لأن قوتين إقليميتين اتحدوا ضدها: مملكة إسرائيل (أفرايم) في الشمال، ومعاها مملكة آرام (سوريا) بقيادة رصين. الهدف كان واضح: إسقاط بيت داود وتنصيب ملك موالي ليهم، ضمن لعبة تحالفات أوسع لمواجهة الصعود الكاسح للإمبراطورية الآشورية. العالم وقتها كان بيتقسم، والكيانات الصغيرة كانت بتتحاصر بين قوى أكبر منها.
وسط المشهد ده، ربنا يبعت إشعياء برسالة لآحاز: ما تخافش، وما تدخلش في تحالفات مع أشور، واتكل عليّ. ولتأكيد الكلام ده، ربنا يدي علامة تقيلة جدًا: مولد عِمّانوئيل -«الله معنا»- كإعلان أن بيت داود محفوظ، وأن الخطر الحقيقي مش في قوة الأعداء، لكن في فقدان الثقة في حضور الله. المشكلة إن آحاز ما صدّقش، وبدل الإيمان، اختار التحالفات السياسية، وبدل الاتكال على الله، لجأ لأشور. القرار ده أنقذ الموقف مؤقتًا، لكنه فتح الباب لكارثة أكبر.
ندخل على إشعياء ٨، ونلاقي إن الرسالة النبوية بتتعمّق. إشعياء يخلف ابنًا ثانيًا، وربنا يأمره يسميه اسم غريب وصادم: مَهَيْرَ شَلاَل حاش بَز – «أسرع إلى السلب، بادر إلى النهب». الاسم نفسه نبوءة حيّة: دمشق والسامرة هيتنهبوا بسرعة على إيد أشور. وده حصل فعلًا لما تغلث فلاسر الثالث هاجم دمشق وإسرائيل حوالي ٧٣٢ ق.م، قتل رصين، وسبى أجزاء كبيرة من إسرائيل.
لكن إشعياء ما بيقفش عند سقوط الأعداء. هنا بيظهر عمق النبوة. لأن الخطر الحقيقي مش بس في اللي بيحصل لآرام وإسرائيل، لكن في اللي جاي ليهوذا نفسها. النبي يستخدم صورة قوية: أشور زي نهر هائج، مياهه هتفيض وتغرق الأرض، لحد ما «توصل لعنق يهوذا». الصورة دي مش معناها سقوط كامل، لكنها معناها خطر خانق. وفعلاً، بعد حوالي ٣٠ سنة، سنحاريب ملك أشور اجتاح مدن يهوذا وحاصر أورشليم سنة ٧٠١ ق.م.
وسط الضغط ده كله، إشعياء يعلن حقيقة محورية: أورشليم مش هتسقط سقوط نهائي. ليه؟ لأن دي «أرض عِمّانوئيل». مش لأن أهلها أقوياء، ولا لأن سياساتهم أذكى، لكن لأن في قصد إلهي أعمق مربوط بعهد داود، ومرتبط بمجيء مخلّص في المستقبل.
وهنا نوصل لقلب النص: (سفر إشعياء ٨: ٩–١٠). بعد ما النبي وصف الخطر وهو قريب جدًا، فجأة الخطاب يتغير. بدل ما الكلام يكون موجّه ليهوذا، يتحوّل لتحدّي مباشر للأمم كلها: هيجوا أيها الشعوب وانكسروا… خذوا مشورة فتُبطل… تكلموا كلمة فلا تقوم، لأن الله معنا. التحوّل ده مقصود ومشحون. إشعياء هنا مش بيتكلم عن حدث واحد، لكنه بيكشف قانون روحي وتاريخي: الأمم هتتحرك، هتتحالف، هتخطط، وهتثور… لكن في الآخر، أي مشروع بيتبني ضد قصد الله وشعبه مصيره الفشل. الاسم اللي بيحمل الثقل كله هو عِمّانوئيل. «الله معنا» مش شعار، ده إعلان سيادي: طالما الله حاضر، يبقى كل حسابات القوة اللي ضد مشيئته بتسقط.
الكلام ده اتفهم تاريخيًا على إنه موجّه ضد تحالف آرام وإسرائيل، وبعدين ضد أشور نفسها، وده تحقق فعلًا. لكنه في نفس الوقت بيعدّي التاريخ القريب، وبيفتح أفق أوسع: نبرة أخروية بتشاور إن كل قوى الشر، في أي زمان، مصيرها الانكسار قدّام ملكوت الله.
الآية رقم ١٠ بتقفل الدائرة: «لأن الله معنا». الجملة دي مفتاح النص كله. هي اللي بتفسّر ليه إشعياء واثق، وليه التحدّي مش انفعال، لكن إعلان محسوب. هنا يظهر التوتر الأساسي في سفر إشعياء ٧–٨: خوف الناس مقابل مخافة الله. آحاز خاف من الأمم، فهرب للتحالفات. إشعياء والبقية الأمناء اختاروا مخافة الرب، والاتكال على حضوره غير المنظور.
علشان كده ربنا يكمل التحذير بعدها مباشرة: ما تمشوش ورا خوف الشعب، وما تسموش كل حاجة مؤامرة، وما تخافوش خوفهم. الخوف الحقيقي يكون من الرب وحده. اللي يخاف الرب، ربنا يبقى له ملجأ وقدس. واللي يعاند، نفس الإله يبقى له حجر صدمة وصخرة عثرة. الصورة دي مش بس لاهوتية، لكنها بتفتح باب لفهم العهد الجديد، حيث المسيح نفسه يبقى حجر خلاص للبعض، وحجر عثرة لآخرين.
بهذا المعنى، «هيجوا أيها الشعوب» مش دعوة للفوضى، ولا نشوة حماس، لكنها تأسيس لاستراتيجية إيمان وسط عالم مضطرب: شوف الهيجان… بس ما تنساقش. اسمع الضجيج… بس ما تخليش خوفه يقودك. افهم إن كل مشورة ضد مشيئة الله، مهما بدت قوية، محكوم عليها بالبطلان.
في الجزء المقبل سنناقش التحليل اللغوي لكلمة “هيجوا”.
---
## معضلة الكنيسة مع الأب متى المسكين
URL: https://tabcm.net/56267/
Type: post
Modified: 2026-06-27
حبيت انتظر شوية بعد الهوجة السنوية للهجوم على والدفاع المضاد عن أبونا القمص متى المسكين.
يوسف إسكندر مواليد ١٩١٩، أول شاب جامعي يترهب، كان ذلك عام ١٩٤٨ (٢٩ سنة)
سيم قسًا ١٩٥١ (٣٢ سنة)
كتب كتاب حياة الصلاة الأرثوذكسية عام ١٩٥٢ (٣٣ سنة)
عينه البابا يوساب وكيل البابا في الإسكندرية ١٩٥٤ حتي ١٩٥٥ (٣٥ سنة)
شاب لا يمكن أن تنكر أنه عبقري وعنده مشروع، مش بس كده دا عنده صبر و جَلَد.
تاريخ حافل من خدمة الكنيسة والإنتاج الفكري واللاهوتي، إحياء حركة الترجمة والدراسات الآبائية، إنتاج ضخم من الكتب والمراجع وتفسير الكتاب المقدس، النشاط التعميري لديري الأنبا صموئيل وأبو مقار، تأسيس بيت التكريس بحلوان، بيوت طلبة، خدمات لأخوة الرب… وغيرها.
كما لا يخلو تاريخه الحافل من الخلافات والاختلافات مع آباء الكنيسة على مدار ٥٠ عاما تقريبًا.
قبل أن نبدأ تحليل مشكلته مع الكنيسة لازم تكون فيه أساسيات نتفق عليها:
١. هل متى المسكين ممكن يغلط أو غلط بالفعل؟
+ طبعًا.. دا إنسان، ونحن لا نعترف بعصمة إنسان، ولا حتى البطريرك (يا ريت بس اللى شايفينه غلط يشوفوا برضه إن كل الناس والرتب ممكن تغلط ولا يعصموا أحدًا).
٢. هل اللي غلط لازم يتعاقب؟
+ طبعا اللي غلط لازم يتعاقب.
٣. هل فيه قانون وأصول للمحاكمة والعقاب؟
+ طبعا في قوانين كنسية للمحاكمات والعقاب (يا ريت نقرأ مقالات الأنبا شنودة أسقف التعليم في مجلة الكرازة علم ١٩٦٦ في أصول العدالة والمحاكمات الكنسية )
٤. هل تمت محاكمة متى المسكين بالفعل حسب القوانين الكنسية بشفافية وعلنية وخروج قرار مجمعي ضد أو مع الأب القمص متى المسكين؟
+ لأ… وهي دي معضلة الكنيسة الحقيقية والكبرى مع الأب متى المسكين.
ثانيًا: ما هي التهم الموجهة لمتى المسكين وكيف تعاملت الكنيسة معها؟
في الحقيقة لما تقرأ قائمة الاتهامات اللي بتوجه للأب متى المسكين تجدها متنوعة، شوية من الشرق وشوية من الغرب، وتلاقي اللي بيوجهوا الاتهامات مش ثابتين ولا راسيين على تهمة، واتهاماتهم بتتعارض، حاجة كده تفكرك بشهود الزور اللي جابهم رؤساء الكهنة علشان يشهدوا على المسيح، فيقول الكتاب: ولا بهذا كانت شهادتهم تتفق ((إنجيل مرقس 14: 59 )).
نحاول نلخص الاتهامات دي في ٣ اتجاهات:
١. أخطاء عقيدية.
٢. أخطاء ضد السلوك الرهباني، وكبرياء وعدم طاعة الرؤساء وعنف… الخ
٣. أخطاء في آراء ومواقف سياسية وخيانة الكنيسة والتواطؤ مع السادات ضد البابا شنودة.
أولًا: الأخطاء العقيدية
احنا كمصريين وشرقيين بشكل عام عندنا خلل شديد في فهم التعريفات والمصطلحات، يعني لا نهتم بمعني هذه الكلمة وما الفرق بين هذه الكلمة وتلك الكلمة، ولا نفرق بين الإيمان والعقيدة وشرح الإيمان والرأي، والبدعة والهرطقة. كله داخل في كله وكله ملمس مع بعضه.
يعني أنت لما تسأل واحد من كارهي الأب متى المسكين تلاقيهم منقسمين على بعض، مش عارفين يوصفوا هذه الأخطاء، هل هي مجرد اختلاف في الرأي؟ أو عدم دقة في الألفاظ اللاهوتية؟ ولا بدع وهرطقات؟ ولا ترجمة خاطئة لكتابات الآباء؟ ولا تأثر بالغرب؟ ولو تأثر بالغرب يبقي بالروم الأرثوذكس ولا الكاثوليك ولا البروتستانت؟
مش عارفين يوَّصفوا الأخطاء علشان يشوفوا أسلوب التعامل معاها.
طيب ما هو موقف الكنيسة الرسمي؟
مفيش موقف.. مفيش قرار مجمعي.
ولما نتكلم عن الكنيسة نقصد التعريف الرسمي، أي المجمع المقدس وليس أشخاص، فنحن كنيسة مجمعية وليس بابوية (ولا دلوقتي الكلمة دي هتبقي وحشة ومش محبوبة ولا مقبولة؟)
إذن من الناحية القانونية والرسمية، الكنيسة لم تدينه ولم تدن أفكاره.
طيب الأساقفة رأيهم إيه؟ هتلاقيهم بيقولوا كلام محفوظ ومكرر وثابت في العلن كأنه سكريبت وحافظينه:
أنا بحب أبونا متى جدا وبحترمه.
أنا قريت كتاب حياة الصلاة من الجلدة للجلدة أكتر من ٢٠ مرة وحافظ أجزاء كتير منه.
دا راهب أمين جدًا ولكنه ليس لاهوتي أكاديمي.
أبونا متى كان له اختلافات فكرية (لاحظ كلمة اختلافات وليس أخطاء) مع البابا شنودة وهو رد عليها في كتاب بدع حديثة.
هو والبابا شنودة قديسين في السماء.
بعد هذه الجمل المتكررة، متقدرش تطلع بحاجة مفهومة.. أبونا متى دا حلو ولا وحش؟
اقرأ له ولا لأ؟
دا هرطوقي ولا أب أرثوذكسي؟
مفيش إجابة واضحة علنية!
لكن في السر وتحت التربيزة، بيتقال إيه بقى؟
لأ.. لا يفضل تقرأ له علشان متتلخبطش..
شيلوا كتبه من مكتبات الكنيسة..
الخدام اللي بيقرأوا له، مينفعش يخدموا.
وهنا تظهر أول مشكلة بين الكنيسة وأبونا متى وأولاده وهي:
أحكام غير معلنة وغير قانونية بدون شفافية وبدون محاكمة وبدون عدالة بالهرطقة وبالاستبعاد والاقصاء.
وهنا تقع الكنيسة في أول إشكالية:
نفس الظلم الذي مارسه رؤساء الكهنة مع المسيح، يمارسه البعض أيضا مع الأب القمص متى المسكين ومن يقرأ له.
المشكلة الثانية: أن هذا الأسلوب بالتعتيم والإقصاء اللي بيستخدموه وكان هدفه القضاء على هذا الفكر وتجفيفه، أو تسميم البئر، لكنه لم يقضي على هذا الفكر بل بالعكس زاد وانتشر بين من يفكر ويبحث عن الحق بنفسه ولا ينقاد انقياد أعمى أو انقياد للأشخاص، وكتبه زادت في مبيعاتها وقراءتها، ليس فقط بين الخدام بل كهنة وأساقفة أيضًا، وليس فقط كتب وفكر متى المسكين بل كتب أبناءه وتلامذته أيضا بل واتجاه دراسة الآباء بشكل عام.
وهنا حصل استقطاب وانقسام واختلاف في الكنيسة في كل مستوياتها من أول أساقفة وأعضاء المجمع المقدس إلى فصول التربية الكنسية بتاعة إعدادي.
مع أو ضد متى المسكين؟
ييجي السؤال المنطقي.. ليه الكنيسة من أيام البابا شنودة لم تحاكم الأب متى المسكين بشكل شفاف وعلني وعادل؟ أو على الأقل تحاكم أفكاره وتصدر قرارات قاطعة بصحة أو خطأ هذه الأفكار؟
هل الكنيسة معندهاش الكوادر الأكاديمية اللي تقدر تناقش أو تحاكم أفكار الأب متى المسكين بشكل علمي وأكاديمي من حيث الترجمة واللغات وعلم الكتاب المقدس والآباء.. الخ؟! اللي تخلي الكنيسة تقدر تتحمل المسؤولية الأخلاقية والإيمانية أمام التاريخ وأمام الكنائس الأرثوذكسية الشقيقة بإصدار حكم مع أو ضد فكر الأب متى المسكين.
سبب آخر إن في انقسام حقيقي في المجمع، والكنيسة كلها، حول أفكار ولاهوت أبونا متى، في من يؤمن به تمامًا ويراه أعظم لاهوتيي الكنيسة، وفي من يهرطقه تمامًا، وفي من يختلف فقط مع بعض التعبيرات أو الأفكار ويقبل الباقي… طيف واسع جدا ولا يوجد توافق أو اتفاق.
أغلب من يعادون الأب متي المسكين يعادونه لأسباب شخصية بحته أكثر منها إيمانية أو فكرية، أو ربما لانحيازهم لأحد الآباء ضد متى المسكين.
طيب يعملوا ايه مع هذا الوضع الضبابي الغير واضح؟
استقطبوا بعض الأشخاص منعدمي العلم والتربية والأخلاق علشان يهاجموا متى المسكين، وسموهم حماة الإيمان، صفحات على النت، صفحات على الفيس، جروبات الواتساب… الخ.
هذه الصفحات بدأت بالهجوم على متى المسكين وانتهت بشتيمة البابا تواضروس، لأنهم شعروا أنه منفتح على الجميع ويريد تجميع الكل وعدم إقصاء أحد.
في المقابل ظهر أشخاص وصفحات تدافع عن الأب متى المسكين.
الأسوأ أنه ظهرت صفحات مجهولة تهاجم وتهرطق البابا شنودة والأنبا بيشوي، كرد على هرطقة البعض لأبونا متي المسكين.
ودا ساعد في زيادة الانقسام والاستقطاب والكراهية والاستبعاد في الكنيسة.
ودائمًا ما قدم محبي الأب متى المسكين، سؤالهم الشهير في دفاعهم عن الأب متى المسكين: إذا كان هرطوقي لماذا لم تحرمه الكنيسة أو المجمع؟
هنا تأتي الإجابات المعلبة والجاهزة:
× الكنيسة محاكمتهوش علشان خايفة من انقسام الكنيسة..
يعني أنت بتعترف أن أتباعه ليسوا بالمئات ولا بالألاف بل ربما بالملايين أو على أقل تقدير مئات الآلاف وأن محاكمة أفكاره ممكن تعمل انقسام في الكنيسة؟
طيب وهو موضوع الانقسامات دي مكانتش معروفة في المجامع المسكونية لما كانوا بيحاكموا أساقفة وبطاركة وكان الأساقفة المهرطقين دول بيدعمهم الأباطرة ومئات الأساقفة الآخرين.
بصراحة فكرة ضعيفة وغير منطقية.
× خلاص خش على الرد الجاهز التاني:
أصل احنا بنحارب أفكار مش أشخاص..
طيب مش فيه أسلوب كنسي لمحاربة هذا الفكر؟
أمال دانيال البراموسي وجورج حبيب اتحرموا ليه؟ وما اكتفتوش بمحاربة أفكارهم؟
×خلاص خش على الرد المعلب التالت:
امح الذنب بالتعليم…
أولا الدسقولية بتقول الذنب يعني الخطية، مش الهرطقة – دي لو هرطقة يعني-
وهل كانت هذه الكلمة تايهة عن آباء الكنيسة أثناسيوس وكيرلس اللي عملوا مجامع، وحاكموا أشخاص و حرموهم؟
وبعدين قعدنا نمحي الذنب بالتعليم عشرات السنين ومعرفناش نمحيه والذنب أو الهرطقة زادوا ..
يبقى ايه الحل؟
مش المفروض ييجي دور المحاكمة المجمعية بقي ولا إيه؟
الحقيقة أي حد بيتهم أبونا متى المسكين أنه كان هرطوقي، هو بيدين بشكل مباشر البابا شنودة نفسه أنه تهاون في محاكمة هرطوقي وأفكاره الهرطوقية وتركه في درجته الكهنوتية وتدبيره الروحي لرهبان واحد من أعرق أديرتنا القبطية.
هل يمكن أن نطلب من الكنيسة والمجمع المقدس وضع حدًا لهذا الانقسام؟ هل يمكن أن تتم مناقشة جادة حول هذه الأفكار تخرج بقرارات واضحة؟
هل يمكن أن تعتمد الكنيسة الكاتشيزم الذي كتبه أبونا تادرس يعقوب ملطي أو تضع كاتشيزم آخر يحسم هذه الصراعات والانقسامات؟
---
## المنظور الجديد لبولس الرسول
URL: https://tabcm.net/56273/
Type: post
Modified: 2026-06-26
سوف نتناول في هذا الجزء وعلى مدار عدة أجزاء قادمة، المنظور القديم والمنظور الجديد لبولس الرسول في الدراسات الكتابية الأكاديمية الحديثة والمعاصرة، وهذا سيكون مدخلًا قويًا لنا لفهم موقف بولس الرسول الحقيقيّ من الناموس الموسويّ واليهودية عامةً.
حيث اجتازت الدراسات البولسية في نوعٍ من التغيير النموذجيّ خلال الربع الأخير من القرن العشرين، ويرجع الفضل في ذلك بشكلٍ أساسيّ إلى البصيرة الثاقبة وإلى طاقات أولئك الذين يُروِّجون لوجهة نظر جديدة حول بولس واليهودية المبكرة.
تولَّدت وجهة النظر الجديدة هذه من اعترافٍ بأن مُعظم تفسير بولس واليهودية في العصر الحديث قد تشوَّه من خلال التأثير المستمر لتفسير لوثر لبولس بوجه الستارة الخلفية للكثلكة التي دعت للأعمال الجديرة بالمكافأة كوسيلةٍ لتحقيق الخلاص. في كتابات لوثر، أصبحت اليهودية شكلًا ناموسيًا ظاهريًا خاليًا من النعمة، مُغايرًا لديانة بولس التي تفيض بالنعمة والروح والمحبة.
رغم أن بعض الدارسين قد سبقوا ودافعوا عن كون اليهودية أيضًا ديانة نعمة، ولكن إد باريش ساندرز هو الذي لفت الانتباه الشامل لهذا المفهوم. لقد أظهر باستمرارٍ أن اليهودية المبكرة، بكل تنوعها، كانت ديانة نعمة. فاختيار إسرائيل كان عمل نعمة إلهية؛ إعطاء التوراة، العهد الذي ربط الله وإسرائيل معًا، كان أيضًا عمل نعمة إلهية.
لم يكن يُفهَم العمل بالناموس كوسيلةٍ يمكن من خلالها كسب عطف الله، بل كالتجاوب الملائم لعطف الله الذي سبق وأُعطِيَ في الاختيار وفي العهد. كان لهذا علاقة بصيانة حالة الاختيار الممنوحة من الله، وليس باكتساب هكذا حالة. وعلاوة على ذلك، كان الله قد وفَّر بسخاءٍ حلًا للفشل في حفظ العهد بواسطة الذبائح، وهكذا ظلَّ الغفران والمصالحة مُتوفِّرين.
تُظهِر تدابير مثل هذه أن أداءً بلا عيبٍ لم يكن مُتوقَّعًا. وصف ساندرز اليهودية بكونها ديانة ”الناموس العهديّ“، أي تنظيم الحياة بناموسٍ في إطار علاقة عهدٍ مغدقة ومُصانة بالنعمة. ((ديفيد دي سيلفا، مقدمة للعهد الجديد ج2، ترجمة: القس الدكتور بيار فرنسيس، لبنان: دار منهل الحياة، 2014، ص 48. )).
فكيف يمكننا إذًا أن نفهم مُجادلات بولس ضد اليهودية في ضوء وجهة النظر الجديدة. وهنا برزت نظرةٌ ثاقبةٌ هامةٌ، وهي أن بولس لا يضع النعمة بالتناقض مع الأعمال الصالحة بأيّ شكلٍ من الأشكال. ((James D. G. Dunn, The Theology of Paul the Apostle, Grand Rapids: Eerdmans, 1998, pp. 354-59, 365 )) بل بالأحرى، الأعمال التي استهدفتها مُجادلة بولس، التي عُبِّرَ عنها غالبًا بشكلٍ أكمل بعبارة ”أعمال الناموس“، تضمَّنت فرائض العهد تلك، التي ارتبطت بشكلٍ وثيقٍ بإسرائيل تحت التوراة – المؤدِّب والحارس الذي مضى زمانه ((رسالة بولس إلى غلاطية 3: 23-4: 7 )).
يُشكِّل الاستمرار في ”أعمال الناموس“ مشكلةً لأن القصد من هذه النواميس كان بشكلٍ أساسيّ تمييز الشعب اليهوديّ عن الأمم ((أنظر التعابير القوية عن هذا في أعياد اليوبيل 16، 22، ورسالة أرسيتاس 139، 142)).
البقاء مُقدَّسين للربِّ كان يعني البقاء في حالة التميُّز والانعزال عن الناس الذين لم يعيشوا بحسب التوراة، أي الأمم، وغالبًا اليهود غير المتدينين. النتيجة الطبيعية المباشرة للتمايُّز كانت الافتخار الوطنيّ بالتوراة كعلامةٍ على عطف الله الخاص تجاه اليهود (ومن هنا جاء انتقاد بولس الشديد اللهجة للاعتماد على الجسد وللافتخار بالناموس).
كانت هذه مشكلة لبولس، لأنه مع موت يسوع وقيامته، أظهر الله رغبته بتوسيع الوعد والبركة لتشمل كل الأمم، وهو أمرٌ حظَّرته الغيرة للتوراة قطعًا. في مرحلةٍ كهذه من تاريخ الخلاص، الإصرار على ”أعمال الناموس“ يعمل ضد مقاصد الله للعصر الحاضر. خلال محاولة البقاء أوفياءً للناموس، فإن اليهود غير المسيحيين والمسيحيين المتهودين قد خانوا حقًا الناموس، غير مُدرِكين أن هدفه قد تحقَّق بمجيء المسيح.
كان إصرارهم على أعمال التوراة يعني محاولتهم إعادة تشييد سياج العداوة المتوسط في وقت نقض الله هذا السياج في المسيح وفي سكب الروح القدس ((قارن رسالة بولس إلى غلاطية 2: 18؛ رسالة بولس إلى أفسس 2: 11-16 ))، فكانوا يتحدُّون الله علانيةً بعملهم هذا. ((ديفيد دي سيلفا، مقدمة للعهد الجديد ج2، ترجمة: القس الدكتور بيار فرنسيس، لبنان: دار منهل الحياة، 2014، ص 48-49. )).
ولكن يرى ديفيد دي سيلفا أن وجهة النظرة الجديدة عن بولس قد حقَّقت عدة منافع لدراسة العهد الجديد واليهودية المبكرة. إلا أنها قد علَّمتنا أن نحاول فهم اليهودية المبكرة وفقًا لشروطها الخاصة بها، كشرطٍ مُسبقٍ لتفسير بولس.
ولقد أعطانا هذا سببًا كافيًا لنعيد فحص نظراتٍ قديمة العهد عن اللاهوت البولسيّ التي قد تكون لها علاقة أوثق مع مُجادلات عصر الإصلاح، مما لها من تحدي بولس ببعض التيارات في المسيحية اليهودية. ورغم أن بعض التصريحات التي نتجت عن وجهة النظر الجديدة هي أكثر تطرفًا مما يتطلبه البرهان، فإن هذا هو ما نتوقعه بالضبط، وستظهر جليًا عبر مناقشاتنا لرسالتي غلاطية ورومية. ((ديفيد دي سيلفا، مقدمة للعهد الجديد ج2، ترجمة: القس الدكتور بيار فرنسيس، لبنان: دار منهل الحياة، 2014، ص ص 49-50. )).
وقد أشار چيمس دَن، أحد مُؤسِّسي المنظور الجديد لبولس، إلى أن الجميع هي واحدةٌ من الكلمات المفتاحية في رسالة رومية، فالجميع تعني باستمرار اليهوديّ والأمميّ على حدٍّ سواء، والأمميّ كما اليهوديّ سواسيةً. (( James D. G. Dunn, The Theology of Paul the Apostle, Grand Rapids: Eerdmans, 1998, p. 372 )).
كان هذا حقًا موضوعًا هامًا ليأخذه بولس على عاتقه في رسالة رومية. فلقد نظر الشعب اليهوديّ طويلًا إلى أنفسهم كمفروزين عن الأمم من قِبَل الله نفسه. ونظروا إلى حفاظهم على هذا التمايُّز، وعلى هذا الانفصال، كواجبٍ من قِبَلهم تجاه الله. الوكالة والوسيلة لصيانة هذا التمايُّز، علاوة على ذلك، كانتا مُتضمَّنتين في التوراة. حيازة التوراة أعطت إسرائيل امتيازًا وتقدُّمًا كبيرين على الأمم، وحفظ التوراة زوَّد إسرائيل بطريقة صيانة تمايُّزه (( James D. G. Dunn, Romans 1-8, WBC 38A, (Dallas: Word, 1988), p. 69. )).
العديد من المسيحيين اليهود استمروا بالإعلاء من شأن هذه الوصايا، حتى إلى نقطة الإصرار على وجوب أن يصبح الأمميّ أولًا جزءًا من شعب الله بواسطة الطقوس الموصَى بها في التوراة (مثل الختان). بالنسبة لهم، كان هناك تمييز بين اليهود والأمم في نظر الله، مع تفضيل ملحوظ للأول على الأخير!
”أعمال الناموس“ التي هاجمها بولس، تُمثِّل بالتالي مُحاولة اليهود والمسيحيين اليهود الحفاظ على التمايُّز بين اليهود والأمم بحفظ التوراة، الناموس بكل نواميسه التي ترسم الحدود مثل الختان، حفظ السبت، وقواعد المحلَّل والمحرَّم من الطعام، إضافةً إلى نواميسه الأخلاقية، بما أن هذه لا تزال تختصُّ بناموس إسرائيل، وتُشكِّل علامةً على انفصال اليهود عن الأمم ((James D. G. Dunn, The Theology of Paul the Apostle, Grand Rapids: Eerdmans, 1998, pp. 354-59. )).
---
## موقف بولس الرسول من الناموس
URL: https://tabcm.net/56175/
Type: post
Modified: 2026-06-26
سوف نتطرق في هذا البحث إلى موقف بولس الرسول من الناموس الموسويّ، وذلك من خلال رسائله المتعدِّدة إلى كنائس رومية، وغلاطية، وكورنثوس، وأفسس، وفيلبي، وكولوسي، وأيضًا رسالته إلى العبرانيين، للوقوف على أفضل تصوُّر حول موقف بولس من الناموس الموسويّ واستمراريته في عهد النعمة والإيمان بالمسيح.
كما نتطرق أيضًا إلى موقف بولس الرسول من الناموس الموسويّ في سفر الأعمال، وكيف حارب هو والكنيسة آنذاك جماعة المتهودين الذين كانوا يهودًا قد دخلوا إلى المسيحية، وأرادوا أن يفرضوا فرائض الناموس الموسويّ على الداخلين إلى المسيحية من الأمم غير اليهود، ولم يكتفوا بذلك، بل أرادوا منهم وطالبوهم أن يحفظوا الناموس الموسويّ في كل فرائضه وأموره، وهو ما لم تقبل به الكنيسة الناشئة في العصر الرسوليّ عامةً، وبولس الرسول خاصةً، بل قاومته وحاربته بشدةٍ.
,سوف نتطرق إلى الخلاف الأكاديميّ المعاصر بين المنظور القديم لبولس الرسول وموقفه من الناموس والديانة اليهودية ككل، وبين المنظور الجديد لبولس الرسول الذي يتبنَّاه مجموعة من الباحثين والأكاديميين على رأسهم إي بي ساندرز، وإن تي رايت، وچيمس دَن.
وهنا يجب أن نُشِير في البداية إلى معنى المنظور القديم لبولس الرسول، وهو التفسير التقليديّ إلى حدٍ كبيرٍ الذي تشكَّل عبر حركة الإصلاح البروتستانتيّ على يدي مارتن لوثر وچون كالفن وآخرين من حركة الإصلاح البروتستانتيّ منذ نشأتها وإلى الآن. ويرى هذا المنظور أن نقد بولس لأعمال الناموس هو نقد للناموسية ونظام الخلاص القائم على أعمال الناموس.
يُشَار عادةً إلى العلماء الذين يحافظون على هذا المنظور باسم ”التقليديين“ أو ”المدافعين عن المنظور القديم“. ويُعرَف أبرز العلماء والباحثين المعاصرين والمحدثين الذين يتبنُّون المنظور القديم لبولس على نطاقٍ واسعٍ بدفاعهم عن المحاور اللاهوتية الأساسية للتفسير التقليديّ أو المنظور القديم لبولس، ومواجهة تحديات ”المنظور الجديد لبولس“.
من بين هؤلاء العلماء والباحثين الذين يتبنُّون المنظور القديم لبولس، الذين سوف نستعرض آراءهم من خلال كتاباتهم الأكاديمية: دونالد آرثر كارسون، توماس روبرت شراينر، ستيفن ويسترهولم، فرانك ثيلمان، دوجلاس چيمس مو، ديڤيد دي سيلفا، جرانت روبرت أوزبورن، مارك ألان سيفرايد.
كما سوف نعرض أيضًا آراء الباحثين السابقين في الدراسات الكتابية حول موقف بولس من الناموس واليهودية عامةً أمثال: تشارلز هارولد دود، رايموند براون، چوزيف فيتزماير، وأوسكار كولمان.
يُركِّز المنظور القديم لبولس، الذي يتمسَّك به هؤلاء العلماء عمومًا، على النقاط الرئيسية التالية: يرون أن المشكلة الأساسية التي يُعالِجها بولس الرسول هي المشكلة البشرية العالمية المتمثِّلة في الخطية، والمحاولة الفردية الفاشلة لكسب البرِّ أمام الله من خلال القيام بأعمال الناموس.
ويُفسِّرون معنى أعمال الناموس بأنها الأعمال الصالحة والطاعة التي يتمُّ ممارستها في مُحاولةٍ لكسب الاستحقاق أو المساهمة في خلاص الإنسان. ويرون أن التبرير في المقام الأول هو تبرير قانونيّ قضائيّ (شرعيّ)، أيّ إعلان قانونيّ من الله بأن الشخص الخاطئ بارٌ، وإنه يستند فقط إلى الإيمان بعمل المسيح، وليس على أيّ استحقاق بشريّ.
وينظرون إلى الديانة اليهودية في القرن الأول بأنها غالبًا ما انحرفت عمليًا إلى نظام من الناموسية أو الخلاص القائم على الأعمال الناموسية، وهو ما عارضه بولس الرسول بشدةٍ.
يُعد المنظور الجديد لبولس الرسول، والذين يتبنَّاه المتهودون الجدد في عصرنا الحاليّ، هو حركةٌ علميةٌ أكاديميةٌ تُعِيد تفسير علاقة بولس باليهودية في القرن الأول، ومعنى عقيدة التبرير لديه على أسس جذرية.
تعود الحركة بشكلٍ عامٍ إلى ثلاثة علماء مُؤسِّسين بارزين ومُؤثِّرين، غالبًا ما يُشَار إليهم باسم ”الفرسان الثلاثة“ للمنظور الجديد عن بولس الرسول: إد باريش ساندرز، ونيكولاس توماس رايت، وچيمس دن. يرى هؤلاء الباحثون أن المشكلة الأساسية التي يُعالِجها بولس الرسول هي الانقسام العرقيّ بين اليهود والأمم، ومُتطلبات العضوية الكاملة في جماعة المسيح مُتعدِّدة الأعراق والأجناس.
ويرون أن أعمال الناموس تُشِير في المقام الأول إلى علامات الحدود، كالختان ونواميس الطعام وحفظ السبت، التي استخدمها اليهود لتحديد هويتهم العرقية واستبعاد الأمم. ويرون أن اليهودية في القرن الأول هي نظام ”الناموسية العهدية“، حيث يختار الله إسرائيل بنعمته، ويُعطِي الناموس كوسيلةٍ للحفاظ على علاقة العهد تلك، وليس لكسب الدخول فيه، أيّ في العهد.
ويُفسِّرون التبرير أنه في المقام الأول إعلانٌ عن العضوية في عائلة عهد الله، وليس تعبيرًا عن الصلاح الأخلاقيّ للفرد، بل هو تعبيرٌ عن هويته في المسيح، أيّ إعلان الله بأن الشخص ضمن حدود العهد.
وهكذا سوف نستعرض في خضم بحثنا هذا آراء الباحثين السابقين من خلال كتاباتهم الأكاديمية، سواء من المنظورين القديم والجديد، لنرى كيف رأى هؤلاء الباحثين الأكاديميين في مجال الدراسات الكتابية موقف بولس الرسول من الناموس الموسويّ ومن اليهودية عامةً. ومن ثمَّ، نخرج بموقفٍ واضحٍ وحقيقيّ عن رؤية بولس الرسول للناموس الموسويّ وموقعه اليوم في المنظور المسيحيّ، وذلك في عصر النعمة والإيمان بالمسيح.
---
## الواقف أمام الإسلاميين
URL: https://tabcm.net/56104/
Type: post
Modified: 2026-06-24
في الساعة الأخيرة من اليوم الأخير، وفي تمام الساعة الواحدة وخمس وثلاثين دقيقة ظهر الثامن من أبريل، وقبل أقل من نصف ساعة على إغلاق باب الترشح، ووسط تعزيزات أمنية مشددة أشرف عليها اللواء حمدي بدين، قائد الشرطة العسكرية، وفي ظل تواجد مكثف لمؤيديه وأنصاره وعدد كبير من رجال الصحافة والإعلام، وبرفقة العقيد أركان حرب حسين شريف، مدير مكتبه، قدم الجنرال عمر سليمان، نائب مبارك ورئيس جهاز المخابرات العامة السابق، أوراق ترشحه لانتخابات الرئاسة، مع توكيلات تتجاوز المائة ألف توكيل، محدثًا زلزالًا في أرضية المشهد السياسي ((سكاي نيوز عربية: عمر سليمان يقدم أوراق ترشحه للرئاسة. بتاريخ 8 أبريل 2012. )).
بدأ ترشح سليمان وكأنه دفع بورقة جمهورية يوليو أمام جماعة الإخوان، أو كردة فعل مدعومة من بعض القيادات داخل المجلس العسكري تجاه قرار جماعة الإخوان المسلمين بالدفع بمرشح رئاسي، ومخالفتها لوعودها السابقة، خاصة أن سليمان كان قد أعلن صراحة رفضه التام لفكرة الترشح للمنصب، ليحتدم الصراع بين حلفاء الأمس، الإخوان والمجلس العسكري، على السلطة ((خالد محمد علي، الإمارات اليوم: سليمان.. زلزال في انتخابات الرئاسة المصرية. بتاريخ 9 أبريل 2012. )).
المشاعر الطيبة التي أحاطت بي في الشهور الأخيرة ممن طالبوني بالترشح لمنصب رئيس الجمهورية.
أتقدم باعتذاري عن تلبية ندائكم، ربما لأول مرة في حياتي، ومع رغبتي في الحفاظ على تاريخ أعتز به دائمًا، لقد حرصت طوال حياتي على الجدية الكاملة وتحمل المسؤولية الحقيقية والسعي للنجاح وتحقيق الأهداف.
إنني إذا أعلنت اليوم عزوفي عن الترشح، مع تقديري لمن توسموا في شخصي القدرة عليها، فإنني أعتز بهذه الثقة. أتمنى لهذا الوطن العظيم أن يمضي على الطريق الصحيح نحو المستقبل، وسأظل جندياً مخلصاً لتراب مصر الغالية في جميع الظروف الحالية والقادمة.
(عمر سليمان، ٤ أبريل ٢٠١٢)
وصرح سليمان أنه لم يقرر النزول إلى حلبة المنافسة في الانتخابات الرئاسية إلا بعد إقدام جماعة الإخوان على ترشيح الشاطر، وأنه اتخذ قراره نزولاً لخشية من هيمنة التيار الإسلامي، بصفة عامة، وجماعة الإخوان المسلمين، بصفة خاصة، على جميع مفاصل السلطة في مصر.
وبمجرد أن استشعرت جماعة الإخوان الخطر، وأدركت فشل الصفقة مع المجلس العسكري، عادت الجماعة مرة أخرى إلى الميدان، هذا الذي تبرأت منه منذ شهور عندما تأكدت من التمكين والسيطرة، ورفضت المشاركة في مظاهرات محمد محمود ومجلس الوزراء، وهاجمت شباب الثورة، والآن عادت لتطلب دعم الميدان الذي فارقته من أجل مطالب خاصة، فلم تعد المظاهرات الآن تعطل “عجلة الإنتاج”، ولا الداعين إليها “دعاة الفوضى”.
في 13 أبريل، شارك عشرات الآلاف من أنصار جماعة الإخوان المسلمين وحزب النور السلفي والجماعة الإسلامية في مليونية “حماية الثورة”، مطالبين بمنع رجال النظام السابق، وعلى رأسهم اللواء عمر سليمان والفريق أحمد شفيق، من الترشح لرئاسة الجمهورية وتطبيق قانون العزل السياسي عليهم. وبدت هتافات شباب الجماعة “ضد العسكر” -حليفهم السابق- مسرحية ومضحكة.
قانون العزل السياسي
بمجرد إعلان سليمان الترشح، وفي اليوم التالي 9 أبريل، تقدم عصام سلطان، نائب رئيس حزب الوسط الإسلامي، بمشروع قانون إلى مجلس الشعب لتعديل أحكام قانون الانتخابات الرئاسية، لمنع سليمان وشفيق من الترشح. وتضمن مقترح القانون النص التالي:
لا يجوز لمن عمل خلال الخمس سنوات السابقة على تنحي الرئيس السابق في ١١ فبراير ٢٠١١، بأي وظيفة سياسية أو استشارية، في الوزارة أو مؤسسة الرئاسة، أو في عمل نيابي، ممثلًا للحزب الوطني الديمقراطي المنحل، أو معينًا بقرار من الرئيس المتنحي، أن يُرشح نفسه رئيسًا للجمهورية، أو أن يعمل نائبًا للرئيس، أو رئيسًا للوزراء، أو وزيرًا، لمدة خمس سنوات، تحتسب ابتداءً من تاريخ التنحي المشار إليه، وفي حال الترشح قبل صدور هذا القانون، تلغى جميع إجراءات ترشحه، وتعتبر كأن لم تكن.
(من مُقترح قانون العزل السياسي)
وفي اليوم التالي مباشرة، 10 أبريل، أحال النائب محمد عبد العليم داود، وكيل المجلس، مشروع القانون إلى اللجنة التشريعية، على الرغم من وجود شبه عدم دستورية بالقانون المقترح، لأنه يتعارض مع المادة 19 من الإعلان الدستوري التي تنص على أنه: لا جريمة ولا عقوبة إلا بناءً على قانون، ولا توقع عقوبة إلا بحكم قضائي، ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لتاريخ نفاذ القانون، فحتى لو تم إقرار قانون العزل السياسي، لما أمكن العمل به بأثر رجعي.
وفي جلسة مجلس الشعب بتاريخ 12 أبريل، وافق المجلس من حيث المبدأ على تعديل قانون مباشرة الحقوق السياسية، ويوم الاثنين 23 أبريل صدق المشير حسين طنطاوي على تعديل القانون المقترح، والذي يُعرف باسم قانون العزل، مسببًا إرباكًا حادًا في استقراء النوايا السياسية للمجلس العسكري، حيث بدا المشهد وكأن المشير حسين طنطاوي يدعم الإسلاميين المُسيطرين على مجلس الشعب، ولو على حساب مواد الإعلان الدستوري، هذا الذي اتضح سلفًا أنه كان مجرد استفتاء على شرعية المجلس العسكري.
أيضًا من تبعات هذا التصديق إظهار كلًا من عمر سليمان وأحمد شفيق، وكلاهما من خلفية عسكرية، كذئاب منفردة تعمل دونما تنسيق وتكليف مع كتل عسكرية تدعمهما، وهو الأمر الذي وإن أمكن تصور حدوثه مع أحمد شفيق، إلا أنه مستحيل التصديق بالنسبة للجنرال عمر سليمان والذي كان أمينًا في إظهار إنحيازاته الأيديولوجية والسياسية بشكل واضح. وبطريقة أخرى، بدا ظاهرًا وجود صراع يوشك على الصدام بين قيادات المجلس العسكري وجهاز المخابرات العامة.
وفي اليوم التالي مباشرة قررت لجنة الانتخابات الرئاسية في اجتماعها مساء الثلاثاء 24 أبريل، برئاسة المستشار فاروق سلطان رئيس اللجنة، استبعاد المرشح أحمد شفيق رئيس الوزراء الأسبق، من قوائم المرشحين لخوض انتخابات الرئاسة، بموجب التعديل الذي طرأ على قانون مباشرة الحقوق السياسية. وبعد لحظات كان سعد الكتاتني رئيس مجلس الشعب يعلن للمجلس أثناء جلسته المسائية قرار اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية باستبعاد المرشح أحمد شفيق من الانتخابات الرئاسية ((محمد غريب، المصري اليوم: «الكتاتنى» يبلغ النواب بقرار استبعاد «شفيق» فيردون بالتصفيق الحاد. بتاريخ 25 أبريل 2012. )).
في الوقت ذاته، أكد المشير محمد حسين طنطاوي، رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة، أنه صدّق على مشروع قانون بتعديل أحكام قانون تنظيم مباشرة الحقوق السياسية، المعروف باسم العزل إيمانًا منه بأنه صدر من برلمان جاء بإرادة شعبية، قبل عودته مرة أخرى إلى السباق الرئاسي بحكم المحكمة الدستورية العليا ((أحمد مجدي رجب، محمد السنهوري، محمد غريب، سحر المليجي، وداليا عثمان، المصري اليوم: «طنطاوى» لمجلس الشعب: صدقت على قانون العزل لأنه صدر من برلمان «إرادة شعبية». بتاريخ 24 أبريل 2012. )).
في 14 يونيو 2012، قضت المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية قانون مباشرة الحقوق السياسية، المعروف باسم العزل السياسي، لأنه خالف مبدأ المساواة أمام القانون. إذ تضمن النص المطعون عليه حرماناً لفئة من المواطنين من مباشرة حقوقهم السياسية، استناداً إلى سبق توليهم المناصب الواردة فيه قبل تاريخ تنحي مبارك بعشر سنوات. وقد حُصرت تلك المناصب في وظائف معينة دون غيرهم ممن شغلوا المناصب ذاتها خلال مدة سابقة للسنوات العشر المحددة فيه، وبذلك يكون قد تضمن تمييزاً تحكمياً لا يستند إلى أسس موضوعية ((منشورات قانونية، المحكمة الدستورية العليا: عدم دستورية قانون العزل السياسي. نشر بالجريدة الرسمية في العدد 24 تابع (أ) بتاريخ 14 يونيو 2012. )).
---
## الباباوان، فرنسيس وتواضروس، يلتقيان من جديد
URL: https://tabcm.net/11600/
Type: post
Modified: 2026-06-24
ينضم بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، البابا تواضروس الثاني، إلى بابا الفاتيكان، وبطريرك الكنيسة الجامعة الكاثوليكية، البابا فرنسيس، ويلقي كلمة أمام الجمهور المسيحي العالمي في اليوم العاشر من شهر أيار / مايو القادم. بالإضافة إلى التحدث مع العالم، سيحتفل تواضروس الثاني أيضًا بالقداس الإلهي في الكنيسة الملكية للقديس يوحنا لاتيران، وهو حدث يعد الأول من نوعه لغير الكاثوليك. (وكالات: فاتيكان نيوز | فرانس برس | أوسرفاتوري رومانو)
باﻷمس، تناولت وكالات اﻷنباء الدولية أخبارًا عن أن بطريرك الإسكندرية للأقباط الأرثوذكس، البابا تواضروس الثاني، سيزور روما في الفترة من 9 إلى 14 أيار/مايو 2023. بعد عشر سنوات من لقائه مع البابا فرنسيس، وبعد خمسين عامًا من الاجتماع الأول بين الفاتيكان والكنيسة القبطية، أيضا سيكون البابا تواضروس الثاني خلال الاستقبال العام يوم الأربعاء 10 مايو في ساحة القديس بطرس. وبعد ذلك، يوم الأحد 14 مايو، سيحتفل زعيم أكثر من سبعة عشر مليون قبطي أرثوذكسي في مصر، بالقداس الإلهي في بازيليك القديس يوحنا، لاتران. وستكون هذه هي المرة الأولى التي يقود الصلاة في القصر الفاتيكاني شخص غير كاثوليكي، لتعزيز الوحدة المسيحية.
لماذا يذهب البابا تواضروس إلى روما؟
ولماذا أتى البابا فرنسيس إلى مصر؟
بعد انفصال كنيسة الأقباط عن الكنيسة الأم عقب مجمع خلقيدونية، استغرق الحنين لعودة العلاقات ما يقرب من خمسة عشر قرنًا من القطيعة. بدأ الجليد في الذوبان مع المجمع الفاتيكاني الثاني، حيث كان المراقبون الأقباط حاضرين.
في عام 1968، وجه قداسة البابا كيرلس السادس دعوة لقداسة البابا بولس السادس، لزيارة القاهرة والمشاركة في افتتاح الكاتدرائية الجديدة. لم يتمكن البابا بولس السادس من الحضور، لكنه في تلك المناسبة أعاد رفات القديس مرقس التي أخذها تجار البندقية من الأقباط في القرن التاسع. كانت هذه اللفتة إيذانًا بعصر جديد في العلاقة بين الكنيستين.
في عام 1973، وخلال احتفال الفاتيكان بمرور 1600 عام على وفاة القديس أثناسيوس الرسولي السكندري، دعا البابا بولس السادس الأنبا الشاب شنودة إلى روما. وخلال هذه الاحتفالية وقّعا سوية اتفاقية كريستولوچية وضعت حدًا للجدل الذي نشأ حول مجمع خلقيدونية، والذي أدى إلى قطيعة بين روما والعديد من الكنائس الشرقية، بما في ذلك كنيسة الأقباط. وأكد هذا الإعلان المشترك عام 1973 أن المؤمنين يشاركون بالفعل في نفس الإيمان بالمسيح، الإله الحقيقي والإنسان الحقيقي. وتحولت هذه الاتفاقية التاريخية إلى نموذج للكنائس الأخرى: السريانية، والأرمنية، والهندية، وغيرها.
تواضروس الثاني، الذي انتُخب وجُلّس في عام 2012، اختار بالفعل في أول رحلة له خارج مصر أن يلتقي بالبابا فرنسيس الذي انتُخب أيضًا حديثًا في عام 2013. وفي هذه الرحلة، احتفلا معًا بالذكرى الأربعين للقاء الشهير بين سلفيهما، البابا بولس السادس والبابا شنودة الثالث، واتفقا حينئذٍ على أن يكون يوم العاشر من مايو هو يوم الصداقة القبطية الكاثوليكية الذي يُحتفل به منذ ذلك الحين كل عام من خلال تبادل الرسائل الشخصية بينهما.
في عام 2017، ذهب فرنسيس إلى القاهرة ليوقع مع تواضروس الثاني وثيقة مشتركة ذات نبرة رعوية. كان أحد التحديات التي واجهت كليهما هو الاتفاق على مسألة الاعتراف بالمعمودية، لا سيما في حالة الزواج المختلط. وأكد الإعلان أن الكنيستين ستفعلان كل ما في وسعهما كيلا تصلان إلى درجة إعادة معمودية المؤمنين. لكن، وباعتراف الجميع، لم يكن هناك إعلان مشترك.
في العاشر من مايو، سنحتفل بالذكرى الخمسين للاجتماع الأول بين بابا الفاتيكان وبطريرك قبطي أرثوذكسي… ستمر أيضًا عشر سنوات منذ قدوم البطريرك تواضروس الثاني إلى الفاتيكان… لذلك سنحتفل بذكرى مزدوجة.
(الأب هانزي ديستيفيل الدومنيكي، عضو المكتب الفاتيكاني لتعزيز الوحدة المسيحية)
كيف ستكون زيارة تواضروس القادمة إلى الفاتيكان؟
في عام 2008، أحضر بابا الفاتيكان: بنديكتوس السادس عشر، بطريرك الأرمن: الكاثوليكوس كاريكين الثاني، خلال لقاء مشترك، لكن الأخير لم يتكلم. أما في هذه المرة، سيتحدث تواضروس الثاني.
يصادف يوم العاشر من مايو أن يكون يوم الأربعاء، وهو يوم الجمهور العام للقاء البابا فرنسيس في ساحة القديس بطرس. لذلك، سيكون البطريرك تواضروس الثاني حاضرًا إلى جانب البابا فرنسيس في ساحة القديس بطرس، وسيُلقي كلمة أمام العامة. سيكون الأول في ذلك.
في اليوم التالي، يستقبل بابا الفاتيكان البطريرك المصري في لقاء خاص مع وفده [أساقفة المجمع المقدس المحلي القبطي]، ثم تُتبادل الكلمات المشتركة. قد يبرز موضوع “مسكونية الدم” حيث غالبًا ما يُطلق على الكنيسة القبطية اسم: أمّ الشهداء، وقد تُستحضر ذكرى الشهداء الأقباط الذين اغتالهم تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا عام 2015. ثم يقضي قائدا الكنيستين فترة للصلاة في كنيسة الفاتيكان.
” سيكون الأحد ١٤ مايو يومًا تاريخيًا أيضًا، حيث سيحتفل البطريرك بقداس للمؤمنين الأقباط في بازيليك القديس يوحنا اللاتيران. ستكون هذه هي المرة الأولى التي يحتفل فيها شخص غير كاثوليكي في كاتدرائية البابا. أعتقد أن البازيليكا ستكون ممتلئة، لأن هناك شتات قبطي كبير جدًا وديناميكي في منطقة روما وفي إيطاليا، ربما ١٠٠،٠٠٠ مؤمن قبطي ”
(الأب هانزي ديستيفيل الدومنيكي، عضو المكتب الفاتيكاني لتعزيز الوحدة المسيحية)
في مصر، هل العلاقات بين الأرثوذكس والكاثوليك إيجابية؟
لقد فعل البابا تواضروس الثاني الكثير من أجل العلاقات المسيحية في مصر في بداية تولّيه الكرازة المرقسية. فعلى سبيل المثال، أسس تواضروس مجلسًا مسكونيًا للكنائس برئاسة دورية. وقد كان حاضرًا عند تتويج الكردينال الكاثوليكي إبراهيم إسحق في عام 2013، وهو أمر لم يحدث من قبل. وهذا يدل على انفتاحه على الأقباط الكاثوليك الذين يشكلون أقلية داخل الأقلية القبطية في مصر.
تبوء معظم جهود البابا تواضروس الثاني في تعزيز الوحدة المسيحية بالفشل، وذلك لأن معاونيه من أساقفة العموم هم من اختيارات سلفه الراحل، البابا شنودة الثالث، الذي كان يتبنى نهجًا مزدوج الخطاب الديني بين الداخل والخارج. ففي حين كان الأسقف الشاب الأنبا شنودة هو المؤسس اللاهوتي للصيغة الكريستولوچية المتفق عليها بين الشرق والغرب، إلا أنه عزز التراث القومي المحلي في العزل الاجتماعي للأقباط الأرثوذكس، ورفض تمامًا السماح الكنسي بالمصاهرة مع غير الأقباط. ولا يزال هذا العزل الاجتماعي سائدًا منذ القرن التاسع عشر، بشكل يجعل المسيحيين الأرثوذكس غير مُصرح لهم بالزواج من الكاثوليك، باعتبارهم: غير مُعمّدين.
---
## العلمانيون والكنيسة: من الشراكة للتهميش والصراع
URL: https://tabcm.net/56073/
Type: post
Modified: 2026-06-24
في هذه السلسلة من المقاﻻت نستعرض معا رحلة العلمانيون والكنيسة من الشراكة للتهميش للصراع، محاولين إيجاد حلول.
ماذا لو كان حبيب جرجس يعيش معنا اليوم؟ أين سيوجد وماذا سيكون دوره في الكنيسة؟
البداية: سؤال يتجاهله المؤرخون
هل كانت نهضة الكنيسة القبطية الحديثة ممكنة لو انتظر العلمانيون إذنًا ليتحركوا؟
عندما نتحدث عن نهضة الكنيسة القبطية في القرن العشرين، تتجه الأنظار عادة إلى البطاركة والأساقفة والرهبان. تُروى الحكاية غالبًا من أعلى إلى أسفل، فتظهر القيادة الكنسية في مقدمة المشهد، بينما يتراجع إلى الخلف أولئك الذين كانوا يتحركون في الصفوف الأولى من التعليم والخدمة والتثقيف والوعظ.
لكن التاريخ الحقيقي أعقد من هذه السردية المريحة.
لا أطرح السؤال رغبة في التقليل من دور الإكليروس، كما لا أكتبه من باب المقارنة أو المنافسة بين فئتين داخل الجسد الواحد. فالكنيسة ليست ساحة صراع بل جسد متكامل تتعاضد فيه المواهب والأدوار. لكن التاريخ يصبح ناقصًا عندما نتذكر نصفه وننسى النصف الآخر — وأحيانًا ننسى أكثر من النصف.
النموذج الأول: عندما كان العلماني قائدًا
لنبدأ من حيث يجب أن نبدأ: من النماذج.
إذا أردنا أن نكون منصفين مع تاريخنا، فلا يمكن أن نتحدث عن نهضة الكنيسة القبطية دون أن نتوقف طويلًا أمام اسم مثل القديس حبيب جرجس.
لم يكن أسقفًا. لم يكن كاهنًا. لم يكن راهبًا.
كان علمانيًا.
ومع ذلك أسس حركة مدارس الأحد الحديثة. لم يكن المؤسس الوحيد، لكنه كان الروح التي أعطتها اتجاهًا تربويًا متماسكًا. وقاد بنفسه تطوير التعليم الكنسي من مجرد حفظ صلوات إلى منهج متدرج ومُفكر فيه. وأشرف على إعداد أجيال كاملة من الخدام — لم تكن هذه أعمال هامشية أو مساعدة، بل كانت في قلب حركة النهضة نفسها.
من بين من خدموا تحت يديه، خرج أساقفة وبطاركة وقادة، شكلوا وجه الكنيسة في النصف الثاني من القرن العشرين.
ولم يكن حبيب جرجس وحيدًا.
بل إن كثيرًا من الشخصيات التي نذكرها اليوم باعتبارها أعمدة الكنيسة بدأت حياتها خادمة في مدارس الأحد. بعضهم اتجه فيما بعد للرهبنة أو أصبح من الإكليروس، لكن جذورهم كانت في العمل العلماني:
نظير جيد (فيما بعد الأنبا شنودة أسقف التعليم ثم بطريرك الكرازة المرقسية)
الراهب متى المسكين (الذي بدأ خادمًا قبل رهبنته)
إيريس حبيب المصري
عزيز سوريال عطية
يوسف سيدهم
بطرس بطرس غالي
سلامة موسى
عياد عياد
إسكندر حنا
غطاس بشارة
فؤاد باسيلي
كانت النهضة في جوهرها مشروعًا شارك فيه الجميع. لم يكن هناك تمييز حاد بين “إكليروس” و”علمانيين” بالمعنى الذي نفهمه اليوم. كان هناك خدام بمختلف مواقعهم، يعملون معًا نحو هدف واحد. وكانت الكنيسة في تلك المرحلة أكثر قدرة على الاستفادة من طاقات أبنائها مهما اختلفت مواقعهم.
هذا لم يكن شيئًا نادرًا أو استثنائيًا. كان هو النموذج.
في الحلقة المقبلة سنتكلم عن كيف نشأ الصراع من البداية، ثم التحول المُسيطر، إلى دور الدولة والكنيسة في مأسسة الإكليروس، حتى اختفى دور العلمانيين خارج عباءة الإكليروس.
---
## تعال نحياها سوا
URL: https://tabcm.net/51663/
Type: post
Modified: 2026-06-21
لو هاتعمل أكلة مكرونة بالباشميل لأول مرة، وسمعت عنها كتير إنها حلوة وتفرّح، قدامك اختيارين عشان تعملها:
الطريق الأول:
تدخل مع شخص المطبخ عملها كتير، كلها كتير، وأكلها لناس كتير، وبشهادات ناس كتير هي فعلًا حلوة وبتفرح… فرقت كمان في حياتهم للأفضل.
أو تجرب وحدك:
تقرأ على النت، تسأل، تجيب الوصفة من أي حد، تكتبها في ورقة، وتدخل وحدك تجرب؟ وأنت وشطارتك؟
الله، لأنه بيحب الإنسان من أول يوم، بيقوله: “تعال ادخل المطبخ معايا، ماتفارقنيش، كل معايا ودوق وافرح”، بدون تعب وعناء اللف والدوران بعيد عنه في عداوة وتمرد على مشيئته فيك وفي اللي حواليك. ده قاله ((كلمته، وصيته لآدم: سفر التكوين 2 :16-17 )) من أول يوم جابه فيه، ولما تاه وتمرد وسقط، ما سبوش من غير كلمة، كمل يكلمه، وفي كل مرة البشر ياخدوا كلامه ويعملوه وصفة يطبخوها بمزاجهم وبالطريقة اللي على هواهم لأغراضهم الشخصية وأنانيتهم. ولما تعك الوصفة والأكلة منهم، يجربوا تاني وتالت ورابع، على حساب حياتهم واللي بيأكلوهم وحياتهم.
كلامه، اللي بيتحول لحرف جامد بمجرد ما يعملوا الوصفة بعيد عنه، بيكون حي وفاعل فيهم وفي سامعيهم لو عملوا الطبخة معاه وفي حالة شركة حقيقية بالروح (روحه القدوس) والحق (كلمته الحية المكتوبة).
فكانت دايمًا كلمته الحية المكتوبة الطريق العملي للشركة معاه، اللي تحفظهم من كل مخاطر البعد والانفصال والتمرد والتيه والثورة والموت نفسه. ولما مات الإنسان، وضع له الناموس (كلمته برضك)، سياج حافظ عشان يكتشف موته بدون تكلفة، لأن التكلفة دايمًا محطوطة على أكتاف الابن المتجسد المصلوب منذ تأسيس العالم. التكلفة الوحيدة في محضر الكلمة اللي على الإنسان هي أمانته مع نفسه، وإيمانه وتصديقه للي الكلمة بتكشفه فيها من احتياج، وإيمانه وتصديقه في قدرة الكلمة نفسها على إحياء ما قد هلك أو فسد أو انجرح.
لكن مش دايمًا ده اللي الإنسان بيختاره. دايمًا بيختار الصعب الأول، ويجرب، وبعد ما يجرب يرجع يقول: “ياريتني ما مشيت ولا جربت”.
عشان كده الكنيسة عمرها ما عاشت من غير كلمة مكتوبة، الطريق الدال للنفس، اللي بالخضوع ليها والاعتراف الحسن بما فيها واحتياجها الحقيقي لمخلص، بيستعلن فيها الابن في كل زمان وتحت أي ظروف، ويحصل اللقاء المنتظر للنفس الأمينة، قبل اللقاء الإنسان يقرب من الكلمة عشان يكتشف نفسه ويوفر لف ودوران كتير وتيه ياما، وبعد اللقاء الشخصي مع الكلمة ذاته، أبواب الأبديّة بتتفتح في النفس وتصير غلاوة الكلمة أضعاف أضعاف ما كانت عليها، وينفتح قدام النفس الأسرار القديمة والجديدة.
فالكلمة الحية المكتوبة هي سراج وسط ظلمتي، وسياج حافظ دايمًا من اللف الكتير والدوران والتيه.
---
## زينوفوبيا كليوباترا
URL: https://tabcm.net/56195/
Type: post
Modified: 2026-06-20
بعيداً عن تهكم الأصدقاء على التمييز الطبقي الذي فعله “شعب” كنيسة مار مرقس بمصر الجديدة، ونظرتهم الدونية لأهل شبرا. إذا خرجت خارج السوشيال ميديا لن تجد هذا الكلام، وستجد العكس.
حرب “المكلمة” انتهت بلا شيء. كان يجب أن تفوز المجموعات الأكثر عددًا وتتبنى قيماً عليا مثل المساواة والعدالة والدور الاجتماعي للكنيسة، لكن كل هذا الكلام خسر أمام سطوة الهوية الرقمية، التي تسيطر عليها مصر الجديدة بالكامل، وتتحكم فيها مجموعة محدودة العدد في شارع كليوباترا.
بتصوري، نحن أمام نموذج “إدارة ذاتية” مختلف، يثبت “سيطرة رأس المال” و”التعليم النظيف” (طبقًا لمعايير مصر الجديدة) والذي أدى إلى “منصب مهم” ضمن صناعة القرار الإداري وسلطة الأمر الواقع. ببساطة، سياسات مصر الجديدة هي التي ستسري على الكنيسة والبابا والمجمع، وحتى أبونا داود لمعي والقمص بولس جورج.. ستسري على المسيح ذاته أيضًا!
مش مصدقني؟ جرب تسأل أداة بحثية محايدة (مثلاً جوجل نوتبوك LM). ستجد أنها لا تعترف بكلام أي شخص على أنه “مصادر” بحثية موثوقة، بل لديها تصنيف حسب هوية المتحدث، وموقعه في موضوع النقاش، وهل هو جزء من الهرم الإداري لكنيسة مار مرقس كليوباترا؟ إلخ.. بالتالي، الأداء ليس بكثرة العدد، بل بأهمية المتحدث وقربه من موضوع النقاش، مما يؤهله لمستوى معرفي أعلى، أو أدق، أو أكثر مسؤولية.
أما موضوع “الهوية الرقمية” فهو طبقة موازية تقلب الموازين رأساً على عقب. ببساطة، مثلًا، شخص مثل الأب داود لمعي، قد تكون له شعبية أكبر من البابا تواضروس (وكلاهما على فكرة ضد ما حدث، وقد قالا ذلك). أما عندما تدخل على “الهوية الرقمية”، ستجد أن الاثنين ليس لهما “هوية” أصلاً، وإنما يتم تصنيعها بواسطة مكاتبهما الإعلامية. والأهم: المهندسون.
“الهوية الرقمية” موضوع تقني معقد بعض الشيء، لكن خلاصته أن “مهندس تكنولوجيا المعلومات” أهم من الشخصية العامة. المهندسون هنا مقصود بهم مهندسو البرمجيات، وليس هندسة المباني والكهرباء والطاقة. لو كنت تصمم موقعًا خاصًا بـ “داود لمعي”، فهذا هو ما سيبني “هوية” “داود لمعي” الرقمية. ولو كان المهندس، على سبيل المثال، دارسًا “محركات البحث” (SEO)، ستكون هوية “داود لمعي” الرقمية أقوى من نفس الموقع بتصميم مهندس آخر غير دارس لهذه التقنية.
لأسباب معقدة جدًا، كنيسة مار مرقس بكليوباترا يديرها مهندسون، ولهم خدمة خاصة بكلية الهندسة، بل في الأصل، تجاوزوا فكرة “المجتمع الكنسي” إلى عمل نقابي داخل نقابة المهندسين، وكونوا جماعة ضغط لها وزن داخل نقابة المهندسين ذاتها.
عندما نتكلم عن “هندسة اتصالات” وتكنولوجيا المعلومات والهوية الرقمية، فأستطيع القول إن مصر كلها تدار واقعيًا وعمليًا من خلال مار مرقس كليوباترا، أو على الأقل حصة هذا “الحي” هي الأعلى في القرار الإداري على كافة المستويات، وليس مستوى الكنيسة فقط ولا المهندسين فقط.
بعيدًا عن تصوراتي الشخصية التي قد لا تقنعك، هناك أسباب موضوعية تقول إن “التمييز الطبقي” ليس شيئًا جديدًا أو ثقافة دخيلة، ومن الظلم تحميل مسؤولية ذلك لحي مصر الجديدة أو شارع كليوباترا أو الكنيسة الفخمة الأعلى في رسوم فتحها، مقارنة ببقية مصر كلها.
من الأشياء التي يطرحها “نوتبوك” (الذي كوّن معلوماته من مصادر ذات سلطة رقمية/مهندسين) ما يلي:
تأسست الكنيسة تزامناً مع إنشاء البارون البلجيكي “إدوارد إمبان” لحي مصر الجديدة عام ١٩٠٦، كإنجاز عمراني راقٍ يستهدف الطبقة العليا.
المهندس الإيطالي “جوزيبي تافاريللي” وضع الرسومات الهندسية وأرسلها لعاصمة بلجيكا “بروكسل” لاعتمادها ولضمان تناغم الكنيسة مع النسق المعماري المميز للحي الباروني. (أما المصري “حنا نسيم”، فهو مقاول ومورد أنفار ونظام طبقي من منشأها).
الفنان اليوناني “چورچ بانتسوس” نقش القبة والأعمدة الأربعة، مستخدمًا الفن البيزنطي وليس القبطي (المصري). ربما لأن المصري سيفسد الفخامة الجريكية.. لكن لا مانع من إحضار فنانين مصريين مثل راغب عياد ومارجريت نخلة، ليرسموا الأيقونات بالقبطي؛ كي نقيم علاقة مع المؤسسة الدينية التي ستدشن الأيقونات وتعين لنا كهنة تابعين لها بما يتناسب مع مصر الجديدة.
هذه الكنيسة، منذ نشأتها، كانت كنيسة “النخبة السياسية”، صدر لها “مرسوم ملكي”، وتقع في منطقة تضم حتى الآن مقارًا سيادية (مثل رئاسة الجمهورية) ومناطق سكنية للنخبة. ضمت اللجنة التأسيسية الأولية للكنيسة شخصيات بارزة وأعيان بلقب “بك” و”أفندي” (مثل عبد الله بك أمين والدكتور يني كدواني)، مما يعزز الارتباط التاريخي للكنيسة بالنخبة الاجتماعية المسيحية العاملة في الدولة.
حتى كهنتها، من منشأهم، كانوا “سيلزمان” ويبتكرون فنون “ماركتينج” رأسمالية، وبقية الكهنة لا يعرفون كيف يكونون ماهرين في “جيب القرش” بطريقة الآباء المؤسسين لمار مرقس كليوباترا. يحضرني هنا قصة الكاهن الأول، والسيلزمان الأول، والأسيوطي الأول، القمص إبراهيم لوقا وعائلته، التي ارتبط اسمها بالكنيسة منذ بداياتها الأولى.
إبراهيم أفندي (كعلماني، قبل أن يكون كاهنا كان أفنديًا) من أوائل الواعظين الذين دعوا المسيحيين الأثرياء لشراء منازل في ضاحية مصر الجديدة الناشئة، وعمل لهم “اجتماع صلاة” وكان يزورهم في المنازل منذ عام ١٩١٧، وذلك قبل بناء الكنيسة بسنوات.
كان إبراهيم أفندي مبدعاً في ابتكار حلول تمويلية. أحضر بعض الترانيم وطبعها في كتاب، وباع هذا الكتاب العادي بسعر مرتفع لأثرياء مصر الجديدة، وخصص هذا الربح لتمويل بناء الكنيسة بعد ذلك. والعبقرية هنا ليست في جلب تبرعات للبناء من بعض الترانيم، بل في إقناع الناس بأن هذا الكتاب مساهمة في بناء بيت الله، فيشترون منه نسختين أو ثلاث أو تسع، ويهدون بعضهم البعض، ويتفاخرون فيما بينهم بمن يملك نسخاً أكثر. وكله بالطبع لله. بصراحة، كان رجلاً مبتكراً ومبدعاً يوظف “أمراض التفاخر” لخدمة الله. الجيل الحالي اشترى والده كتيب الترانيم، وساهم في البناء بمال الأب والأم. هذه كنيسة عائلتنا حرفياً.
كان إبراهيم أفندي عضوًا في لجنة البناء التي تشكلت لتشييد الكنيسة، وضمت نخبة من الباشوات والبكوات، أعيان المنطقة، وبصراحة كان شديد الحرص، ودفع مالًا إضافيًا، وبنى الكنيسة ملاصقة لڤيلته في شارع أشمون، سكنها طوال فترة خدمته، ثم أقام بها أبناؤه وأحفاده من بعده (ستستولي الكنيسة على الڤيلا لاحقًا).
في يوليو ١٩٢٥، أصدر البابا كيرلس الخامس أمرًا بتعيينه كاهنًا للكنيسة بناءً على تزكية اللجنة، وظل يخدم بها حتى وفاته عام ١٩٥٠. وفي ديسمبر ٢٠٠٠، وبمناسبة مرور ٥٠ عامًا على نياحة القمص إبراهيم، تباركت الكنيسة بزيارة البابا شنودة الثالث، وفي نفس الزيارة تم استلام الڤيلا بشارع أشمون من الورثة لتدخل ضمن أملاك الكنيسة. وهذه الڤيلا تم تشطيبها كمبنى متكامل للخدمات عام ٢٠٠٧، ويضم إدارة الكنيسة وفصول التربية الكنسية، والحضانة.
تقديراً لجهوده وتخليدًا لذكراه، قرر مجلس الكنيسة إطلاق اسمه على قاعة الاحتفالات الكبرى التي كان قد خطط لإنشائها ضمن برنامجه التوسعي، وتم وضع لوحة تذكارية تحمل اسمه على جدرانها. وجرت العادة في الكنيسة على تنظيم رسامة الشمامسة في ديسمبر من كل عام تزامنًا مع تذكار نياحته.
باختصار، لم يقتصر القمص إبراهيم لوقا على القيادة الروحية فقط، بل امتد ليشمل التسويق والتمويل الإبداعي والدعم المادي من خلال تقديم ممتلكاته الخاصة (الفيلا والأرض) لتصبح النواة الأساسية لكافة الأنشطة الخدمية والتعليمية التي تستفيد منها كنيسة كليوباترا اليوم.
بطبيعة الحال، مفهوم “الإدارة الذاتية” أعقد من كل هذا، لكني أحاول توضيح أن النشأة في جذورها “خاصة” لا “عامة”، و”سيادية” لا “شعبوية”.
ولكن، ليست هذه المرة الأولى التي يثار فيها حول هذه الكنيسة كلام مدفوع بـ”شعارات جميلة” حول الملكية العامة. خذ عندك “خدمة شماس” (وهو تطبيق للحجز عبر الهاتف المحمول لمن لديه حساب “كليوباتراوي” قبل الذهاب إلى الكنيسة، ويُصدر لك رمز QR Code بدونه لن تفتح لك البوابة الأمنية)؛ فأساس هذا التطبيق هو جائحة كورونا، وهذه الكنيسة اعترضت على التناول بـ”الماستير” (الملعقة) التي دخلت في فم شخص من طبقة اجتماعية بسيطة، ولا يستخدم الكحول.
الأزمة طبقية طبعًا، والكنيسة المركزية رفضت هذه الطبقية، والأب داود لمعي أخذ يخطب ويشجب، لكن لم يستطع أحد فرض كلمته عليهم. وفي غضون أيام معدودة، كان “المهندسون الأحرار” قد أعدوا التطبيق الإلكتروني، ونُصبت البوابات الأمنية، وجُهز فريق التدريب، وكان كل ذلك تطوعًا وعلى نفقتهم الخاصة ومن خلال علاقاتهم بشركاتهم، حتى أصبح الكاهن نفسه إن لم يلتزم بالنظام فلن يُسمح له بالدخول.
اقترب وأعطني أذنك؛ كاهن الكنيسة الحالي هو الأب داود لمعي.. وهو «نجم شباك» حرفيًا، ويأخذ نسبة من التبرعات في أي مكان يذهب إليه حتى لو كانت زيارة لأخته في الولايات المتحدة.. فدعك من عظات «المحن الديني» التي يرفض فيها التمييز الطبقي، ففي نهاية المطاف هو «سيلزمان» يسير على تراث الأب إبراهيم لوقا، ووقت الجد “لف وإرجع تاني”.
شعب كنيسة كليوباترا يريد منه أن يزيد نسبته كما يشاء.. قل لي: “ليه؟”؛ بالنسبة لهم، شهرة الأب داود لمعي (أو حتى الأب بولس جورج شريكه في الخدمة الكليوباتيرية) تجلب عليهم المشاكل، إذ تستقطب ناساً من مربعات سكنية “بيئة” كي يحضروا عظات هؤلاء الآباء المشاهير. فارفع السعر ولا يهمك، فرفع السعر فلترة طبيعية للطبقات الفقيرة التي لا تملك IPTV ولا باقة، فتأتي لتتفرج وتبوس الأيادي وتتلامس جسديًا وتنقل لنا أمراض الجرب والبرص والعرق والإفرازات والقرف. زوّد الفلوس طالما هناك إقبال جماهيري ولا يهمك، ونحن المهندسون هنـ”ستريم” الأب الكاهن “لايف” والناس تدخل من بيوتها لكنيسة ديجيتال “ريموتلي”، ونسمي هذا خدمة لكبار السن، وكأن الكاهن زارهم وعمل “افتقاد”. خمس ثوانٍ وتجد ليس فقط متطوعين، بل تجد “ميديا سيرفر” Up & running، تقعد تكافح أنت 3 سنين علشان تدفع فاتورة كهربته.. والأصل هو حل لمشكلة الزحمة التي يسببها “نجوم شباكنا”.
لا تستهن بالزحام على الأب داود لمعي طالما لا تملك سيارة “زيرو” يُصلح الخدش فيها في التوكيل، ولا تعلم أزمة “الباركينج” التي تجلب طبقة “سياس” لا تستحم، وتتبلطج على الأثرياء، والتي يعاني منها أبناء البارون الذين يقطعونها “مشياً على الأقدام”.. كما أنك لا تشعر بمعاناة الأغنياء الذين فقدوا أبناءهم شهداء السير في الشارع.
في ٢٥ أكتوبر ٢٠٢٥، سقط ثلاثة من الخدام (محب حسام، وفيلوباتير توفيق، ومينا چورچ) ضحايا حادث سير في شارع كليوباترا. حينها حدث ما يشبه تظاهرات احتجاجية، لكن دون مطالب موجهة للدولة أو الكنيسة، بل كانت تنفيسًا عن غضب اجتماعي لفئة من الأثرياء تخشى السير في الشارع خوفًا من الموت جراء أخطاء الآخرين. والقصة بتقديري تتجاوز الطبقية لتصل إلى ما يشبه «الزينوفوبيا» (Xenophobia)، أي الخوف المرضي من الغرباء، والتي تشمل الرفض، أو التوجس، أو كراهية كل ما هو غريب أو غير مألوف، سواء أكانوا أشخاصًا، أم ثقافات، أم عادات وتقاليد مختلفة.
---
## ﻻ مكان للمسيح خارج المربع السكني
URL: https://tabcm.net/56135/
Type: post
Modified: 2026-06-17
بداية لابد أن نتذكر أن مارمرقس الرسول جاء إلى مصر بحذاء متهرئ شبه حافٍ ليكرز بمسيح المزود الفقير في مدينة الإسكندرية الغنية العظيمة.
من أخطر الأمور التي يمكن أن تتسلل إلى الكنيسة أن تبدأ في تبني التقسيمات التي صنعها المجتمع خارجها. فبدلًا من أن تكون مكانًا يجتمع فيه الجميع حول المسيح، تتحول تدريجيًا إلى مساحة تفصل بين الناس طبقيًا بحسب مستواهم الاجتماعي أو الاقتصادي.
في كنيسة كورنثوس الجديدة لا مكان للمسيح لأنه دون المستوى أو خارج المربع السكني.
هذه ليست مشكلة جديدة. فقد واجهها بولس الرسول في كنيسة كورنثوس عندما رأى أن الأغنياء يتصرفون بطريقة تُشعر الفقراء بالدونية والإهانة. لذلك وبخهم قائلًا:
أم تحتقرون كنيسة الله وتخجلون الذين ليس لهم؟
(رسالة بولس اﻷولى إلى كورنثوس 11: 22)
لم يكن بولس يناقش مجرد سوء تنظيم، بل كان يرفض دخول التمييز الطبقي إلى قلب الكنيسة.
وبنفس الوضوح يتحدث يعقوب الرسول:
فإن دخل إلى مجمعكم رجل بخواتم ذهب في لباس بهي، ودخل أيضًا فقير بلباس وسخ، فنظرتم إلى لابس اللباس البهي… أما افتقرتم في أنفسكم وصرتم قضاة أفكار شريرة؟
(رسالة يعقوب 2: 2-4)
يرى يعقوب أن تفضيل الغني على الفقير ليس مجرد خطأ إداري أو اجتماعي، بل انحراف عن روح الإنجيل نفسها.
لهذا تصبح الأسئلة مؤلمة لكنها ضرورية:
* هل يجوز أن تكون هناك خدمات لأبناء الأغنياء وأخرى لأبناء الفقراء حتى لا يختلطوا؟
* هل يحق لنا أن نقبل بعض الأطفال ونستبعد آخرين لأن خلفياتهم الاجتماعية مختلفة؟
* هل دور الكنيسة أن تعكس الفوارق الموجودة في المجتمع أم أن تتحداها؟
في العالم قد تُقاس قيمة الإنسان بما يملك. أما في الكنيسة فلا ينبغي أن تكون هناك قيمة أعلى لغني ولا مكانة أقل لفقير. فالكل يقف أمام الله محتاجًا إلى نعمته، والكل مدعو إلى المائدة نفسها.
لم يأتِ الإنجيل ليُقدّس الحواجز بين الناس، بل ليهدمها. والكنيسة التي تجمع الغني والفقير كأخوين في المسيح تقدم شهادة أقوى بكثير من أي عظة أو نشاط أو برنامج.
في النهاية مهما تعلل البعض أن التقسيم مجرد تقسيم تنظيمي أو جغرافي فهى أسباب واهية فمن يتشفع للسيدة العذراء “اجعلي أبواب الكنائس مفتوحة للمؤمنين” لم يقسم المؤمنين ثقافيًا، أو جغرافيًا، أو طبقيًا. لأن الكنيسة، ببساطة، ليست ناديًا طبقيًا. بل هي جسد واحد، ورأسه المسيح.
---
## يعني إيه تمييز ديني؟
URL: https://tabcm.net/56124/
Type: post
Modified: 2026-06-16
من خلال النقاشات الأخيرة، اكتشفت أن كثيرًا من الناس لا يعرفون أصلًا معنى كلمة “تمييز”.
التمييز بسبب الدين لا يعني أن شخصًا يختلف معك في العقيدة أو يرفض أفكارك أو ينتقد دينك.
التمييز يحدث عندما يحصل شخصان على معاملة مختلفة في حق أو خدمة أو فرصة، لمجرد اختلاف الدين أو المعتقد.
بمعنى أبسط: لو دخل شخصان لشراء نفس المنتج أو الحصول على نفس الخدمة، وتم رفض أحدهما فقط بسبب دينه أو بسبب ملابس تحمل شكلاً دينياً، فهنا نبدأ الحديث عن احتمال وجود تمييز.
أما إذا كان سبب الرفض متعلقاً بأمر آخر مشروع ومطبقاً على الجميع دون استثناء، فهنا لا نتحدث عن تمييز.
القانون لا يجبر الناس على تغيير معتقداتهم، لكنه يضع حدودًا تمنع تحويل هذه المعتقدات إلى سبب لحرمان الآخرين من حقوقهم أو من الخدمات المقدمة للجمهور.
لذلك فالسؤال القانوني الصحيح ليس: هل أعجبني دين العميل أم لا؟
وإنما: هل كنت سأتعامل معه بالطريقة نفسها لو كان ينتمي إلى دين آخر؟
هنا يبدأ الحديث الجاد عن التمييز، إمتى أقول إن الفعل ده تمييز فعلًا؟
ليس كل خلاف أو رفض أو معاملة مختلفة يعتبر تمييزًا.
لكي نتحدث قانونيًا عن التمييز، هناك عدة أسئلة مهمة:
هل توجد خدمة أو حق أو فرصة متاحة للجمهور؟
هل تم رفض شخص أو معاملته بشكل مختلف؟
هل كان سبب هذا الرفض هو الدين أو العقيدة أو أحد الأسباب المحظورة قانونًا؟
هل كان شخص آخر في الظروف نفسها سيحصل على معاملة مختلفة فقط لأنه ينتمي لدين آخر؟
مثال:
إذا رفض صاحب عمل توظيف شخص لأنه غير مؤهل، فهذا ليس تمييزًا. أما إذا رفضه رغم تساوي المؤهلات مع غيره فقط بسبب دينه أو ملابسه أو شكل ديني ، فهنا قد نكون أمام تمييز.
إذا رفض مطعم استقبال الجميع بعد موعد الإغلاق، فهذا ليس تمييزًا. أما إذا استقبل بعض العملاء ورفض آخرين فقط بسبب انتمائهم الديني، فهنا يختلف الأمر.
القانون لا ينظر إلى المشاعر أو النوايا فقط، بل يبحث عن السبب الحقيقي للمعاملة المختلفة.
---
## جمال رئيسا
URL: https://tabcm.net/46632/
Type: post
Modified: 2026-06-15
حتى أفضل الخطط يمكن أن تتعثر. في مارس 2010، مرض مبارك مرة أخرى، وسافر هو وحاشيته إلى هايدلبرج في ألمانيا، وقالت الرواية الرسمية إنه في حاجة إلى جراحة لإزالة المرارة. ويبدو أن العائلة لم تكن لتثق في أي جراح مصري لإجراء تلك العملية البسيطة، بالرغم من أنها لم تكن جراحة طارئة. وبعد العملية، وبينما كان الرئيس يتلقى العناية في حجرته بمستشفى هايدلبرج الجامعي، كانت زوجته وابنه حريصين على التأكد من أنه لن يفارق الحياة في توقيت غير مناسب، وانطلقت حملات داعمة لتأييد ترشيح جمال مبارك، وانتشرت الملصقات في القاهرة وبعض عواصم المحافظات التي تطالبه بالترشح… كانت تلك الحملة بمثابة جس نبض لمعرفة رد فعل الشارع والنخبة السياسية.
بدون ماكياج، ظهر الرئيس في عمره الحقيقي بعد أن غادر هايدلبرج بعد فترة نقاهة استمرت ثلاث أسابيع، لكن هذه المرة لم يترجل من سلم الطائرة بنفسه كما حدث عندما عاد من المستشفى في المرة السابقة. كان السؤال: هل ستكون هذه نهاية رئاسته؟
في يوم 25 يونيو 2010، شهدت شوارع القاهرة ملصقات تدعو لمبايعة وترشيح جمال مبارك رئيسًا لمصر 2011، وحملت توقيع “الائتلاف الشعبي”. وشغل منصب منسق هذا الائتلاف “مجدي الكردي”، الذي كان بالأصل أحد عناصر الأمن داخل حركة كفاية، ثم غيّر اتجاهه إلى الحزب الوطني ودعم جمال مبارك. وباتت جريدة المصري اليوم تنشر صورًا يومية لملصقات تُعلَّق في الشوارع، وتطالب بترشيح جمال مبارك للرئاسة، إضافةً إلى حوارات وتصريحات يومية لأسماء مغمورة تزعم تشكيلها لجانًا وحملات لترشيح النجل. في هذا الوقت، تفتقت في عقل الصحفي المعارض إبراهيم عيسى فكرة مجنونة بدأ تنفيذها على الفور، وكانت فكرة عيسى ببساطة أنه ما دامت عجلة التوريث تدور بسرعة، فليضع هو وبعض رفاقه المعارضين عصًا في العجلة.
قرر عيسى أن يطبع ملصقات تطالب بعمر سليمان رئيسًا وبترشحه في الانتخابات الرئاسية القادمة، مع أن سليمان نفسه ليس سياسيًا بالمرة، وهو مخلص لمبارك بشكل تقليدي ويكاد يكون الشخص الوحيد الذي يقف مع مبارك إيمانًا به، وليس حتى لمصلحته الشخصية، مثلما حال صفوت الشريف وفتحي سرور وزكريا عزمي وغيرهم، وقصد عيسى بفكرته أن يوحي للشارع بوجود صراع في النظام وتناقضات بين النجل ورجال الرئيس، والحد الأدنى من النتائج أن يقرروا نزع الملصقات كلها: ملصقات جمال وسليمان معًا.
بالفعل، تمت طباعة الملصقات وتعليقها في ميادين مترامية الأطراف في القاهرة، وبقليل من الجهد، تم توصيل الخبر إلى عدد من الصحفيين والوكالات الصحفية الذين التقطوا الخبر، وباتت الصور لدى جميع الصحف. وبعد عدة ساعات، كانت مؤسسة الأهرام تتلقى تعليمات بعدم طباعة أي نسخة من أي جريدة تنشر خبرًا عن هذه الملصقات وصورها. والحقيقة أن الصحف الخاصة الثلاث: جريدة الشروق، والمصري اليوم، وبالطبع جريدة الدستور التي يتولى إبراهيم عيسى رئاسة تحريرها، كانت بالفعل قد تصدرت صفحاتها الأولى صور هذه الملصقات “القنبلة”، وتم حرق النسخ التي طبعتها إحدى هذه الصحف في مطبعتها الخاصة، وأزيلت جميع ملصقات عمر سليمان بسرعة مثيرة للإعجاب، في الوقت الذي لم تُمزق فيه قطعة واحدة من ملصق دعائي لجمال مبارك.
وواصلت جريدة المصري اليوم نشر تفاصيل حملة ترشيح جمال مبارك بالحماس ذاته وكأن شيئًا لم يحدث قط، لكن الصور قد فجرت بالفعل قلق وتوتر جمال مبارك، وقطع عمر سليمان زيارته للولايات المتحدة عائدًا إلى مصر لمتابعة المصيبة التي حلت فوق رأسه، وتم اعتقال رفاق إبراهيم عيسى الذين تولوا مسألة الطباعة والتعليق، وبالطبع أنكروا تمامًا معرفتهم بإبراهيم عيسى، وخرجوا جميعًا تباعًا بعد أيام من الاحتجاز والاعتقال في مبنى جهاز أمن الدولة في مدينة نصر، حيث النوم في زنزانة مكبلي الأيدي والقدمين والضرب والصفع والشتائم، ثم التحقيقات المطولة عن قصة الملصقات وما وراءها ومن ورائهم، وقد جرت الاستجوابات في حضور مندوبين، فيما يبدو، عن عمر سليمان.
لقاء البرادعي الثاني مع عمرو أديب
في 30 يونيو 2010، التقى عمرو أديب للمرة الثانية بالدكتور محمد البرادعي في منزله بالقاهرة، وتحدث فيه البرادعي عن التضييق الأمني الذي يتعرض له أعضاء الجمعية الوطنية للتغيير أثناء جمع التوقيعات على بيان التغيير، وتحدث عن إيمانه بأن التغيير قادم لا محالة وأن التغيير سيحدث مثل كرة الثلج التي تبدأ من لا شيء، ثم تزداد يومًا بعد يوم حتى تصل إلى النقطة الفاصلة. وقال البرادعي إنه يؤيد أن يكون للإخوان المسلمين حزب سياسي طالما أنهم قالوا إنهم يؤيدون الدولة المدنية، على حد تعبيره.
وهنا استنكر عمرو أديب تصديق البرادعي للإخوان بسخرية: طالما أنهم قالوا..آه، فأجاب البرادعي إنه يجب أن نقنن هذا في الدستور (يقصد تقنين مدنية الدولة) على غرار الدستور في ألمانيا وتركيا، فالإخوان قد أكدوا أنه لن تكون هناك أحزاب دينية وأنهم يؤيدون الدولة المدنية. وقال البرادعي إنه لو كان في موقع قيادي لقنن الدولة المدنية في الدستور لإزالة كل المخاوف من الإخوان المسلمين والدولة الدينية.
تسأل عمرو أديب عن مدى أمل البرادعي في تحقيق تلك المطالب السبعة، فأجاب البرادعي بكل ثقة: هيحصل.. وأنا متأكد بالطبع.. هييحصل السنة دي.. أو بعد سنتين.. أو بعد خمسة.. المهم إنه هيحصل. وفي نهاية الحوار وجّه البرادعي رسالة للشعب المصري قائلًا: التغيير هيحصل في مصر، وعايز أوجه رسالة للشعب: إن الشعب لازم يكون في ضهري وحواليّا، لأن مافيش قائد مُخلص هايغيّر، وأعتقد إننا سننجح في نهاية المطاف.
وسخر البرادعي من ادعاء عمرو أديب أن الانتخابات الرئاسية معروفة نتيجتها مقدمًا لأنها ستُزوَّر، فأجاب أديب على سخرية البرادعي قائلًا: إن النتيجة معروفة مقدمًا ليس لأنها ستُزوَّر، ولكن النتيجة معروفة مقدمًا لأن مصر تثق في حزب [يقصد الحزب الوطني] وفي نظام هي عايزاه يكمل.. مش كل يوم واحد هيجيلنا من ڤيينّا [يقصد البرادعي] هنغير الريس بتاعنا. فأجاب البرادعي: “لا أعتقد أن مصر تثق في هذا الحزب وهذا النظام، وسنرى.
صورة مبارك التعبيرية
في حادثة تُعد الأكثر كوميدية في عام 2010، قامت جريدة الأهرام في 14 سبتمبر بنشر صورة مُختلقة باستخدام تقنيات تعديل الصور للرئيس المصري حسني مبارك، تُظهره وهو يقود الرئيس الأمريكي باراك أوباما، والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على سجادة حمراء داخل البيت الأبيض في الجولة الأولى لمفاوضات السلام، التي عُقدت بالعاصمة الأمريكية واشنطن في مطلع الشهر ذاته، بدلًا من موقعه الحقيقي في الصورة الأصلية كتابع لهم.
وأثارت الصورة المُختلقة ردود فعل وانتقادات واسعة للصحافة المصرية، بعدما اكتشفها الناشط اليساري المصري وائل خليل، وقام بنشرها على مدونته. أما جريدة الأهرام فقد دافعت عن موقفها على لسان رئيس تحريرها أسامة سرايا، بقوله إن الصورة التي نُشرت بالأهرام للزعماء المشاركين في إعادة إطلاق عملية السلام هي صورة تعبيرية، وتؤكد دور الرئيس مبارك في تحقيق السلام.
الثائر خالد عبد الله
في 2010، وعلى قناة الناس، قام خالد عبد الله، المذيع بأحد القنوات الدينية الإسلامية، باستضافة أحد نواب مجلس الشعب من المعارضين لحكم مبارك، وسأله بأسلوب يحمل استنكارًا واضحًا لتحميل المعارضة كل ما يحدث من كوارث لشخص مبارك بقوله: هل فعلًا مطلوب يا سعادة النائب من السيد الرئيس حسني مبارك، أن كل مشكلة موجودة في مصر لازم يتدخل شخصيًا لتعديل الأوضاع؟. وفي نفس العام، وفي الوقت الذي كانت المعارضة تصرخ بعلو صوتها تطالب برحيل مبارك، كان خالد عبد الله يمدح عصر مبارك على نفس القناة قائلًا: إحنا بنعيش في عصر محدش يقدر ينكر إن التعبيرات عن الحرية وصلت إلى أسقف مكانتش موجودة قبل كده.
وفي نفس البرنامج، يتساءل خالد عبد الله مستنكرًا معارضة التيار الوطني لترشيح جمال مبارك خلفًا لوالده: هل إن يترشح السيد جمال مبارك أو غيره هل ده فيه شيء من العيب؟. وفي حلقة أخرى، لا يتوانى خالد عبد الله في تلميع جمال مبارك بقوله: أستاذ جمال مبارك أعلنها صراحة في خبر من حوالي أسبوع أو حاجة، أن العدالة لابد أن تأخذ مجراها بحكم أنه أمين لجنة السياسات ومتعايش معانا الأمر. وفي حلقة أخرى، يستنكر خالد عبد الله كم المعارضة التي يلقاها جمال مبارك في الشارع ويقول لضيفه في الحلقة: ابن الرئيس بيطرح اسمه للنزول كمواطن له حق في مسألة الترشح للرئاسة، يستاهل ده التوتر اللي بنشوفه والمظاهرات والمناهضات وما شابه ذلك؟.
وفي لقائه مع الأستاذ طارق العوضي المحامي المعارض، قال الأستاذ طارق مهاجمًا نظام مبارك: الأمن المصري بجلالة قدره جابلنا بلطجية يضربونا في الشارع، فيجيبه خالد عبد الله ساخرًا في برود منقطع النظير: طيب ما بتفكروش تعملوا الكلام ده [التظاهرات] في حاجة زي الهايد بارك مثلًا؟. ويقر الشيخ خالد في حلقة أخرى أن قوى التيار الإسلامي أبعد ما تكون عن الثورية والمعارضة قائلًا: خط الدفاع الأول في هذا البلد هم الدعاة، محرضناش على حد ولا عمرنا أمرنا بمظاهرات ولا عمرنا ساعدنا على الناس وقولنا اخرجوا ولعوا الدنيا وكسروا الشوارع واحرقوا البلد زي كتير من الحركات السياسية اللي حضرتك تعرفها كويس هي اللي بتثير هذا الكلام !!!.
وفي مقطع آخر، يدافع خالد عبد الله عن نفسه بأنه أبعد ما يكون عن قناة الحظيرة [يقصد قناة الجزيرة] التي تشتم في الحكام، وأنه ضدها بالطبع. وفي حلقة أخرى، يؤكد خالد عبد الله على الحنكة السياسية للرئيس مبارك في حل مشكلة الجزائر! وفي مداخلة له في أبريل 2010 مع عمر أديب ومصطفى شردي في برنامج القاهرة اليوم، تهكم خالد عبد الله على دعوة البرادعي للتغيير بقوله: الشعب المصري عايز يغير بأي شكل، يغير ناظر المدرسة لمجرد التغيير حتى لو جه ناظر أسوأ منه. وربما كانت تلك المرة الوحيدة التي كان فيها خالد عبد الله صادقًا في تحليلاته.
---
## الشاطر رئيسا
URL: https://tabcm.net/56025/
Type: post
Modified: 2026-06-15
قبل يومين فقط من فتح باب الترشح للانتخابات الرئاسية، وفي 8 مارس 2012، قضت المحكمة العسكرية العليا بإسقاط الأحكام السابقة على اثنين من قيادات الإخوان، أسعد الشيخة وأحمد عبد العاطي، واللذين كان قد حُكم عليهما بالسجن 5 سنوات غيابيًا في القضية التي عُرفت إعلاميًا بقضية “مليشيات الأزهر”، التي سُجن على إثرها خيرت الشاطر نائب المرشد العام للجماعة، وحسن مالك رجل الأعمال الإخواني، ونحو 40 من قيادات الجماعة.
وبعد أقل من أسبوع واحد، وفي 15 مارس 2012، أصدرت المحكمة العسكرية العليا حكمًا آخر برد اعتبار خيرت الشاطر من عقوبة الحبس 5 سنوات، في القضية رقم 8 لسنة 1995 جنايات عسكرية، المعروفة إعلاميًا بـ«قضية مجلس شورى الجماعة»، بالتالي سقوط كل العقوبات التبعية والآثار الجنائية الأخرى المترتبة على الحكم السابق.
وسرت أخبار غير مؤكدة أن هذا الحكم جاء نتيجة لاتصالات أجراها محسن راضي، عضو الجماعة ونائب مجلس الشعب السابق، باللواء محسن الفنجري، عضو المجلس العسكري، بدأت في مارس 2011، وطلب منه ضرورة إقناع المشير طنطاوي بإصدار عفو شامل عن الشاطر ((مصطفى بكري، الجيش والإخوان: أسرار خلف الستار، الدار المصرية اللبنانية، 2013. )).
أثار حكم المحكمة العسكرية العليا الشكوك في نوايا المجلس العسكري، وكأن المجلس العسكري كان يدفع الإخوان نحو الكرسي، حتى أن إحدى بنات خيرت الشاطر كتبت على حسابها الشخصي على فيسبوك تقول إن هذا الترشح جاء نتيجة اتصال المشير طنطاوي بوالدها، على الرغم من أن المجلس لم يضيع فرصة إلا وأكد فيها أنه الحامي للدولة المدنية.
الأغرب أن الشاطر نفسه هو الذي قاد حملة شعواء ضد عبد المنعم أبو الفتوح، عندما أعلن هذا الأخير عزمه على الترشح، حتى قيل إن قيادة الجماعة أرسلت وفد من اثنين أو ثلاثة من الإخوان إليه لإثناء أبو الفتوح عن عزمه، لكن الوفد لم يوفق في مهمته. وحتى تبدو الجماعة أمام قواعدها ملتزمة بالحسم والحزم اللازمين، وأنه لا يوجد أحد مهما كانت قامته فوق المساءلة، انتهى المجلس في اجتماعه الدوري يوم 18 يونيو 2011 إلى اتخاذ قراره بفصل د. عبد المنعم أبو الفتوح من الجماعة، لمخالفته قرار مجلس الشورى العام، وخروجه عن نظم وقواعد الجماعة ((محمد حبيب، الإخوان المسلمون بين الصعود والرئاسة وتأكل الشرعية، المجموعة الدولية للنشر والتوزيع، 2013. )).
وكرد فعل سريع لحكم رد الاعتبار لخيرت الشاطر، وبعد أقل من أسبوع واحد على الحكم، تواردت أخبار عن زيارة وفد من الدعوة السلفية بقيادة ياسر برهامي، نائب رئيس مجلس إدارة الدعوة السلفية، في 21 مارس 2012، للمركز العام لجماعة الإخوان المسلمين، بهدف التوافق حول مرشح يدعمه الإخوان والسلفيون في الانتخابات الرئاسية. عرضت قيادات الدعوة على الجماعة ترشيح خيرت الشاطر، وأكدت دعمهم له حال ترشحه.
الإخوان لن ترشح الشاطر للرئاسة، ولا نريد أن نبعث رسالة استبداد واحتكار بالسيطرة على السلطتين التشريعية والتنفيذية، وأبو الفتوح وضعنا في محك بالغ الخطورة بإعلانه الترشح لانتخابات الرئاسة، ولن نضحي بتاريخنا ومستقبلنا من أجل واقع فرضه علينا فرد واحد.
(صبحي صالح)
في السابق، رفضت قيادات مهمة داخل الجماعة، بما فيهم محمد بديع شخصيًا، فكرة الدفع بمرشح إخواني للرئاسة، وتم استبدالها بفكرة تشكيل حكومة ائتلافية يقودها رئيس حكومة إخواني. الأمر الذي سيعطي الجماعة كل الصلاحيات الممكنة للتمكين، مع قدر محدود من المسؤولية يمكنها بسهولة التنصل منه إن ساءت الأمور. لكن مسألة الدفع بمرشح إخواني للرئاسة هو أمر خطير يمكن أن يهدد تاريخ الجماعة بأكمله، لأن وجود إخواني على قمة السلطة يجعل الجماعة، بل والتيار الإسلامي كله، مسؤولًا عن كل فشل أو نجاح ستلاقيه الدولة في عهدهم.
كما أن أحد أهم أسباب تخوف الجماعة من الترشح هو أن الجماعة تستمد شعبيتها بالأساس بكونها تلعب دور ضحية النظام، الأمر الذي لم يعد موجودًا بعد الثورة، إضافة إلى استحواذ الجماعة على مقاعد الأغلبية في مجلس الشعب ورئاسته. فهذا سيكون كفيلًا بالقضاء على شعبية الجماعة، كونها ستظهر أمام الشعب وكأنها تعيد إنتاج الحزب الوطني مرة أخرى، بصورة جديدة إسلامية.
لكن وبدون مجهود يذكر، أصبحت الساحة شبه خالية أمام الجماعة، في ظل عدم وجود مرشح قوي يمكن أن ينافسهم، وبات الأمر أشبه بلاعب كرة يقف منفردًا أمام المرمى الخالي من حارسه، ليسدد الكرة ويحرز الهدف الذي طال انتظاره، وأصبح الأمر مغريًا، فقد لا تأتي فرصة ذهبية مثل هذه، وبالطبع سال لعاب الشاطر للكرسي.
وبسرعة عقد مكتب الإرشاد جلسة لمناقشة مسألة ترشح الشاطر، انتهت برفض 60% من المشاركين في الاجتماع، لتتراجع الجماعة عن قرارها بعدم ترشيح أحد أعضائها للرئاسة، خاصة أن المرشح المحتمل للجماعة هو المهندس خيرت الشاطر نائب المرشد، مقابل 40% أيدوا فكرة ترشحه، فتأجلت الجلسة بضعة أيام إلى جلسة أخرى، وما بين الجلستين، مارس مكتب الإرشاد الضغط على أعضاء مجلس شورى الجماعة لتغيير رأيهم، والتمهيد للرأي العام لفكرة المرشح الرئاسي الإخواني.
في 22 مارس 2012، أكد غزلان أن: ترشيح الإخوان أحد أفرادها للرئاسة وارد.
وفي 25 مارس 2012، أكد محمد مرسي لقناة مصر 25 أن: الظروف تغيرت وأصبح من الوارد أن يرشح الإخوان رئيسًا.
وفي اليوم التالي، 26 مارس، أكد بديع الأمر ذاته قائلًا: ندرس رغبة الأعضاء في الدفع بمرشح، ومجلس شورى الجماعة سيحسم قرار ترشح أحد أعضائها ((محمد علي خير، الطريق إلى قصر العروبة، دار صفصافة للنشر والتوزيع، 2012. )).
في 31 مارس، انعقد مجلس شورى الجماعة للمرة الثانية برئاسة المرشد العام د. محمد بديع، وم. خيرت الشاطر، ود. محمود عزت نائبَي المرشد، ود. محمد مرسي رئيس حزب الحرية والعدالة، وأحمد سيف الإسلام نجل حسن البنا، وتم منع الصحفيين ووسائل الإعلام من الدخول إلى مقر الاجتماع، وجرى التصويت للمرة الثانية على مسألة ترشح الشاطر.
هذه المرة كانت النتيجة مختلفة تمامًا، إذ جاءت نتيجة التصويت بموافقة 56 عضوًا مقابل رفض 52 عضوًا. وهذا يدل على أن ما يقرب من نصف أعضاء مجلس الشورى كانوا مدركين لحجم التحديات الداخلية والخارجية التي يمكن أن تواجه الجماعة حال فوز مرشحها في انتخابات الرئاسة ((محمد حبيب، الإخوان المسلمون بين الصعود والرئاسة وتأكل الشرعية، المجموعة الدولية للنشر والتوزيع، 2013. )).
وفي مساء اليوم، وبعد نهاية اجتماع مجلس شورى الجماعة، أعلنت جماعة الإخوان المسلمين، من خلال مؤتمر عام، اختيار خيرت الشاطر نائب المرشد مرشحًا عنها في الانتخابات الرئاسية. وحفظًا لماء الوجه، أعلنت الجماعة أنه تم الدفع بالشاطر ردًا على رفض تشكيل حكومة ائتلافية بصلاحيات كاملة وإقالة حكومة الجنزوري والتلويح بحل مجلسي الشعب والشورى.
وأعلن بديع أن الشاطر قد تقدم باستقالته من منصب نائب المرشد، تمهيدًا لترشحه لمنصب الرئاسة، بعد علمه بقرار مجلس الشورى وحزب الحرية والعدالة. وتلا الأمين العام للإخوان محمود حسين بيانًا باسم الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة في بداية المؤتمر، برر فيه عودة الجماعة في قرارها بـ التحديات التي واجهت الجماعة بعد أن وجدت أن هناك تهديدًا حقيقيًا للثورة وللديمقراطية، مؤكدًا أن الجماعة لا تسعى إلى سلطة من منطلق الوصول إلى منصب أو تحقيق مغنم أو جاه.
تضمن البيان تبريرات للتراجع مثل: محاولات إنقاذ الثورة المخطوفة، ومحاولات عرقلة تأسيس لجنة وضع الدستور من قبل التابعين للنظام البائد. وقال محمد مرسي – الذي لم يكن قد ترشح بعد احتياطيًا للشاطر – إن هذا الموقف ليس تغييرًا لمبادئ الإخوان، ولكن هذا القرار جاء وفقًا للمستجدات الداخلية والخارجية التي دفعت الجماعة لاتخاذه. وصرح المرشد العام محمد بديع أن: مصر تحتاج لمرشح رئاسة قوي، والجماعة اختارت الشاطر ليترشح عنها لرئاسة الجمهورية.
وكرد فعل قوي، وبعد دقائق من مؤتمر إعلان ترشح الشاطر، أعلن د. كمال الهلباوي، المتحدث السابق باسم جماعة الإخوان المسلمين في أوروبا، استقالته على الهواء مباشرة، في مداخلة هاتفية مع برنامج العاشرة مساء على قناة دريم، اعتراضًا على ترشيح خيرت الشاطر، بعد 61 عامًا قضاها في خدمة الجماعة. وحث شباب الجماعة على: عدم التورط في التردد والفساد والتخبط داخل الجماعة، مؤكدًا أن: هناك صفقات بين الجماعة والعسكري.
في المقابل، خرج محمود غزلان، عضو مكتب الإرشاد، ليؤكد أن كمال الهلباوي، المتحدث الرسمي السابق باسم التنظيم الدولي للإخوان في الغرب، ليس عضوًا بالجماعة حتى يستقيل منها. ومسألة استقالته ليست إلا فرقعة إعلامية.
في صباح اليوم التالي، 1 أبريل، أصدر خيرت الشاطر تصريحًا قال فيه: لم أتطلع يوماًا لأي منصب، ولا أستطيع إلا قبول قرار الجماعة بالترشح لانتخابات الرئاسة. وفي الخامس من أبريل، تقدم خيرت الشاطر بأوراق ترشحه إلى اللجنة العليا للانتخابات، بصحبته عبد المنعم عبد المقصود، محامي الجماعة، وسط حشد من أعضاء الجماعة والحزب، حاملين لافتات تحمل صوره مكتوبًا عليها: مهندس النهضة خيرت الشاطر رئيسًا لمصر.
في اليوم الأخير قبل إغلاق باب الترشح، وبعد ثلاثة أيام من ترشح الشاطر رسميًا في الانتخابات الرئاسية عن جماعة الإخوان المسلمين، حمل د. محمد مرسي، رئيس حزب الحرية والعدالة، أوراق ترشحه بكل هدوء ودون أي صخب إعلامي على الإطلاق، وبصحبة عبد المنعم عبد المقصود محامي الجماعة، ودلفا من الباب الخلفي صباح الأحد 8 أبريل 2012 إلى مقر اللجنة العليا للانتخابات، باعتباره مرشحًا احتياطيًا من قبل الجماعة، التي خشيت أن تؤدي التهم التي أدين بها مرشحها الرئيسي خيرت الشاطر عام 2005 إلى استبعاده.
لم يهتم أحدٌ بخبر ترشح مرسي، وربما لم يلتفت أحدٌ إلى هذا الخبر أصلًا، ومن ثمَّ فقد حمل مرسي منذ اليوم الأول اللقب الذي لقَّبه به التيار الثوري المدني عن جدارة: الاستبن. وما بين ترشح الشاطر ومرسي، وفي 5 أبريل، قدم الفريق أحمد شفيق أوراق ترشحه لرئاسة الجمهورية، إلى اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية، ترافقه سيارة نقل صغيرة [ربع نقل] تحمل 63600 توكيل شعبي.
---
## النور مؤلم ومعذب لعشاق الظلمة
URL: https://tabcm.net/51681/
Type: post
Modified: 2026-06-14
النور في طبيعته واحد وثابت، لا يتغيّر ولا يتبدّل، لكن أثره يختلف بحسب اتجاه القلب الذي يلتقي به. فالنور، في جوهره، حياة وقداسة وحق، ويكون مريحًا ومفرِحًا للنفس التي تحبّه وتسير في طريقه وتتناغم مع مشيئته. وهو هو نفس النور، بعينه وبجوهره، يُختَبَر كألم وعذاب واحتراق داخلي في النفس التي تعانده وتقاومه وتحبّ الظلمة أكثر منه.
وده مش لأن النور قاسٍ أو شرير، بل لأن النفس دي تجهله؛ تجهل طبيعته، وتجهل عمله في النفوس والقلوب والأفكار والدوافع، وتخلط بين الحياة الحقيقية وبين أشكال حياة زائفة، هي في حقيقتها موت متغطّي باسم المتعة أو الحرية أو المجد الزائف أو تحقيق الذات باطلًا. فالنور لم يتبدّل، ولم يفقد طبيعته، لكن القلب هو اللي غيّر اتجاهه وتشتّت في كل اتجاه. وده بالضبط اللي قصده المسيح لما قال: وهذه هي الدينونة: أن النور قد جاء إلى العالم، وأحبّ الناس الظلمة أكثر من النور، لأن أعمالهم كانت شريرة ((إنجيل يوحنا 3: 19–21 )).
ومن هنا يبان السؤال الحقيقي: ليه أصلًا فيه نفس بشرية تحبّ الظلمة، وليه جوانب خفية جوانا أحيانًا تميل لها وتستريح فيها؟
لأن الظلمة، ببساطة، بتوفّر في البداية ملجأ من الانكشاف، لكن مع الوقت، ومع الاعتياد، تتحوّل من ملجأ إلى سجن. يسوع قال بوضوح إن الإنسان «لا يأتي إلى النور لئلا تُوبَّخ أعماله». الظلمة هنا مش مجرد غياب نور، لكنها مساحة يستخبى فيها الإنسان من السؤال، ومن المواجهة، ومن الحقيقة. النور مش فكرة أخلاقية نظرية، لكنه حضور حيّ مُحب، يكشف ويعرّي ويُظهر اللي الإنسان عايز يخبيه أو يجهله. علشان كده النفس المتشبثة بالشر تفضّل الظلمة، لأنها بتحافظ على “الستر” بحسب ظنّها، حتى لو كان سترًا كاذبًا ((إنجيل يوحنا 3: 19–21 )).
لكن المشكلة ما بتقفش عند الأفعال. فالنور الإلهي لا يكتفي بالسؤال: «عملت إيه؟»، لكنه يدخل أعمق ويسأل: «ليه عملت كده؟». عن المسيح قيل منذ البداية إنه كاشف: لكي تُعلَن أفكار كثيرة من قلوب ((إنجيل لوقا 2: 35 )). وده أصعب بكتير من محاسبة علي تصرّف. ناس كتير تتحمّل اللوم على فعل، لكنها ما تتحمّلش انكشاف النيّة والدافع. وهنا يتحوّل النور من مجرد توبيخ خارجي إلى تهديد مباشر لهوية الإنسان الداخلية.
وفوق ده كله، الخطيّة نفسها بتلعب دور الخداع.
الكتاب يحذّر: لئلا يقسو أحد منكم بغرور الخطيّة ((رسالة بولس إلى العبرانيين 3: 13 )). الخطيّة لا تأتي كوحش فظ، بل ككذبة ناعمة. تهمس للإنسان أن الظلمة أمان، وأن النور فاضح، وأن التوبة خسارة قدّام فرص تحقيق الطموحات والرغبات وفرص التلذذ بالشهوات. ومع الوقت، الخداع ده يقسّي القلب، فيتحوّل حبّ الظلمة من ضعف مؤقت إلى قناعة ثابتة، ومن مجرد هروب إلى دفاع وتبرير التواجد في الظلمة.
ومع التكرار، يحصل الأخطر فعلًا. بولس الرسول يصف الحالة دي بدقة مخيفة، لا كحادثة مفاجئة، بل كمسار تدريجي للنفس التي استمرّت في مقاومة النور ورفضه، فيقول: إذ هم مظلمو الفكر، ومتجنبون عن حياة الله، بسبب الجهل الذي فيهم، بسبب غلاظة قلوبهم. الذين إذ هم قد فقدوا الحس، أسلموا أنفسهم للدعارة، ليعملوا كل نجاسة في الطمع ((رسالة بولس إلى أفسس 4: 18–19 )).
في المرحلة دي، الظلمة ما تبقاش مجرد اختيار واعي، لكنها تتحوّل إلى وضع طبيعي مألوف. تصبح هي “العادي”، بينما يُختبَر النور كشيء غريب وغير مريح، بل غير مقبول في منطق النفس. وده مش لأن النور تغيّر، ولا لأن الحق فقد قدرته أو سلطانه، ولا لأن محبته توقّفت عن السعي لاسترداد الإنسان، بل لأن أعين النفس اعتادت العتمة، فاختلّ ميزان الإحساس والإدراك.
وهنا يتحوّل الألم الذي يسببه النور من ألم شفاء إلى ألم مواجهة. ليس وجع علاج، بل صدمة اصطدام بالواقع. فالنفس التي فقدت الإحساس لم تعد ترى النور كحياة، بل كتهديد، ولم تعد تختبر حضوره كدعوة شركة للاتحاد، بل كإدانة. وهكذا، لا يكون العذاب صادرًا عن قسوة النور، بل عن نفسٍ ألغت تدريجيًا قدرتها على الإحساس به.
وفي النقطة دي، الظلمة غالبًا ما تكون اتحوّلت لسجن عبودية مريح. يسوع قال بوضوح: كل من يعمل الخطيّة هو عبد للخطيّة ((إنجيل يوحنا 8: 34–36 )). العبودية دي مش دايمًا محسوسة كسجن، بالعكس، أحيانًا تبقى مألوفة ومطمئنة. الإنسان يحب قيوده لأنه اتعوّد عليها. والنور هنا مش بس هدفه يكشف القيود، لكنه يطالب بالتحرّر… وده مخيف أكتر من السجن نفسه.
والمفارقة إن الإنسان في الحالة دي ممكن يكون مقتنع تمامًا إنه صح. الكتاب يقول: القلب أخدع من كل شيء وهو نجيس، من يعرفه؟ ((سفر إرميا 17: 9 )). يعني الإنسان يقدر يصدّق نفسه وهو في عمق الخداع. الظلمة هنا مش مفروضة من برّه، لكنها متبنّاة من جوّه. ولما النور ييجي، يفضح مش بس الخطأ، لكن كذبة وضع «أنا تمام».
يسوع نفسه حسم الفكرة دي لما قال إن الشر يخرج من الداخل، مش من الظروف ولا البيئة. من القلب تخرج الأفكار الشريرة… جميع هذه الشرور تخرج من الداخل ((إنجيل مرقس 7: 21–23 )). وده معناه إن حبّ الظلمة مش دايمًا نتيجة ضغط خارجي، لكنه ميل داخلي محتاج توبة حقيقية، مش تجميل سلوك. والنور لما ييجي، ما يشتغلش على السطح، لكنه يواجه الجذر.
وفوق كل ده، فيه واقع أخطر اسمه العمى الروحي.
بولس يتكلم عن أناس أُعميت أذهانهم لئلا تضيء لهم إنارة إنجيل مجد المسيح ((رسالة بولس الثانية إلى كورنثوس 4: 4 )). الإنسان هنا مش شايف النور على حقيقته، شايفه خطر. وده يفسّر ليه النور يُكرَه أحيانًا أكثر مما يُرفَض.
وهنا يقدّم الإنجيل مشهدًا بالغ الخطورة، يكشف إلى أي مدى يمكن للإنسان أن يواجه النور، ويدركه، ثم يختار الاستمرار في رفضه. في لحظة القبض على يسوع، وهو بريء ومظلوم، تقدّم الجنود يسألونه: يسوع الناصري؟. ولما أجابهم ببساطة: أنا هو، يذكر الإنجيل أنهم رجعوا إلى الوراء وسقطوا على الأرض ((إنجيل يوحنا 18: 4–6 )). لم يكن السقوط خوفًا جسديًا فقط، بل استجابة لانكشاف مفاجئ للنور؛ لحظة قصيرة رأوا فيها من هو الواقف أمامهم.
لكن الرعب الحقيقي لا يكمن في السقوط، بل فيما بعده: أنهم قاموا، واستعادوا تماسكهم، وأكملوا طريقهم، وأمسكوا به. شاهدوا، وسمعوا، وأدركوا… ثم اختاروا الاستمرار في الاتجاه نفسه. هنا تتجلّى خطورة الإدراك الواعي للنور مع الإصرار على مقاومته.
وأحيانًا، الظلمة بتكون اختيار واعي حفاظًا على الصورة. الإنجيل يقول إن بعضهم آمنوا به، ولكن لم يعترفوا به… لأنهم أحبّوا مجد الناس أكثر من مجد الله ((إنجيل يوحنا 12: 42–43 )). هنا النور واضح، لكن القلب يختار الظلمة حفاظًا على المجد الزائف.
وسط كل ده، يظل صوت المسيح حاضرًا، لا كقاضٍ متعجّل يبحث عن إدانة، بل كنورٍ يدعو إلى الحياة. دعواته لم تكن يومًا تهديدًا ولا تخويفًا، بل نداءً صريحًا للخلاص والراحة: تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم، وأنا هو نور العالم، من يتبعني فلا يمشي في الظلمة بل يكون له نور الحياة ((إنجيل متى 11 :28؛ إنجيل يوحنا 8 :12 )).
ولكل نفس استجابت لهذا النور، واختبرت راحته وصدقه وشفاءه، تظل الدعوة مستمرة: الثبات في النور، وعدم المساومة على الحق. فالنور الذي أعطى راحة في البداية، هو نفسه النور الذي يقدّس ويكمّل ويقود في طريق الحياة.
وفي المقابل، لكل نفس لا تزال تحبّ الظلمة أكثر من النور، تظل الدعوة أيضًا مفتوحة. فالمسيح لا يدعو أحدًا ليحترق، بل ليحيا. ولا يكشف ليفضح ليُهلك، بل يستر ليُخلّص. والألم الحقيقي ليس في الاقتراب من النور، بل في البقاء وحيدًا مع نار اختيارات النفس، ومع ذاتٍ تمجّد نفسها، وتشبع شهواتها، وتبرّر موتها باسم الحياة.
وسرّ النور في جوهره ليس فكرة عقلية تُفهم، ولا تعليمًا نظريًا يُناقَش، بل إعلان شخصي يحدث داخل النفس. وحين يُعلَن هذا السر ثم يُرفَض بوعي وإرادة حرّة، يتحوّل الرفض نفسه إلى أمر مرعب، لأن الإنسان لا يعود يجهل النور، بل يختار أن يعاديه.
ومن هنا نفهم لماذا يصوّر الكتاب استعلان الحق في الدينونة كخبرة مرعبة بحق، حتى إن الإنسان يقول: للجبال اسقطي علينا، وللآكام غطّينا هروبًا من وجه الجالس على العرش ((إنجيل لوقا 23: 30؛ سفر الرؤيا 6: 16 )). ليس لأن النور صار فجأة قاسيًا، بل لأن القلب الذي اعتاد الظلمة لم يعد قادرًا على احتمال حضوره.
لهذا، تبقى الدعوة اليوم والآن واضحة وبسيطة: ليست خوفًا من النور، بل لِينًا أمامه؛ ليست هروبًا منه، بل تسليمًا له. فالنور الذي يُختَبَر كألم عند مقاومته، هو نفسه النور الذي يُختَبَر كحياة وفرح وراحة أبدية عند قبوله.
---
## كنائس ﻻ تعرف المسيح وتعرف التمييز الطبقي
URL: https://tabcm.net/56028/
Type: post
Modified: 2026-06-13
منذ عامين تقريبًا كتبت مقالين بعنوان “كنائس ﻻ تعرف المسيح”، ((بيتر مجدي، كنائس ﻻ تعرف المسيح )) ((بيتر مجدي، كنائس لا تعرف المسيح؟ الصورة ليست قاتمة تمامًا )) لمناقشة الطبقية التي باتت واضحة داخل بعض الكنائس في التعامل مع مرتاديها، عكس تمامًا ما جاء المسيح من أجله، واليوم نعود ﻹلقاء الضوء على مزيد من التعنت والطبقية التي تمارسها هذه الكنائس تجاه مخدوميها، وانقلبت اﻵية فتحول المخدوم إلى خادم والخادم إلى سيد يجب أن تقدم له فروض الولاء والطاعة.
يوم الجمعة الماضي، ظهر فيديو جديد لشخص نقل مكان سكنه من حي شبرا مصر إلى حي مصر الجديدة. ومن الطبيعي مع هذا الانتقال أن يبحث عن أقرب كنيسة له لحضور القداسات وليذهب أولاده إلى مدارس الأحد. أرى أنه آن الأوان لأن تتوقف، لكن هذا ليس موضوعنا الآن.
كانت أقرب كنيسة هي مار مرقس بشارع كليوباترا. وعلى لسان صاحب الفيديو، سمحت لهم الكنيسة بحضور القداس، وهذا كرم كبير من الكهنة القائمين عليها. حيث أنّ دخول الملكوت أيسر من دخول شخص ليس من سكان مصر الجديدة لكنيسة كليوباترا، إلا لو فقط سيدفع حجز الكنيسة لإكليل، فهنا يتم التغاضي عن موضوع عنوان السكن، حيث تحولت الكنيسة لقاعة أفراح بالحجز.
الأزمة حسب الراوي في الفيديو هي عدم السماح لأولاده بحضور مدارس الأحد، فطلبوا منهم أوراقًا ثبوتية مثل البطاقة الشخصية وعقد الشقة. ولأن العقد إيجار وليس تمليك، فلم يتم قبول الأولاد لحضور مدارس الأحد، حيث لم يمنحوهم ردًا لمدة 6 أشهر حسب كلامه.
وهنا يبرز وجه قبيح لمن يديروا الكنيسة، فكما حولوها قاعة أفراح يتم تأجيرها بالساعة لممارسة سر الزيجة، الذي من المفترض أن يقدم مجانًا، حولوها إلى نادي رياضي واجتماعي، حيث تُمارس نفس الأمور التي تمارسها المدارس الدولية والنوادي في قبول منتسبيها، من معرفة المربع السكني ومستواهم التعليمي واﻻجتماعي والمادي، وربما هذه الممارسة قد تكون مقبولة في بعض النوادي الخاصة، إلا إنه لا يجب أبدًا أن تكون في الكنيسة.
على فرض أن عقد اﻹيجار غير كافٍ ﻻعتبار أن اﻷسرة من سكان مصر الجديدة، وأنه ليس دليل، فماذا يضير من حضور اﻷوﻻد لمدارس الأحد إذا كانت ﻻزالت خدمة تقدم للأطفال ليتعرفوا على المسيح؟ ولكن هذا اﻷمر مردود عليه من صاحب الفيديو ويوضح أن كاهن من كنيسة مار مرقس زارهم في بيتهم بمصر الجديدة وتعرف عليهم.
لا أحد يرفض النظام، لكن ما هو مرفوض هو الممارسات الطبقية التي تصل إلى حد العنصرية، وتفعلها كنائس كثيرة خاصة في اﻷحياء السكنية التي تصنف “راقية”، وأصبحت تجذب انتباه غالبية المسيحيين لما لها من صيت يتم نشره عبر قنوات الكنيسة وأصبح كهنتها نجوم شباك، فالكنيسة لم تعد مكان للقاء الله، بل صارت مؤسسة اجتماعية، والقائمين عليها يفكرون في هذا الدور اﻻجتماعي/ اﻻستثماري/ الرياضي/ الثقافي/ الصحي/ أكثر من دورها الروحي الذي نشات ﻷجله.
يحضرنا القول أن تلاميذ السيد المسيح حتى ﻻ ينصرفوا عن خدمة الكلمة، اختاروا سبعة شمامسة؛ رئيسهم استفانوس أول شهداء المسيحية، للاهتمام بالجانب اﻻجتماعي، لكن من يقولوا على أنفسهم إنهم خلفاء الرسل غالبيتهم تخلى عن الدور الروحي وصار اﻻهتمام بالدور اﻻجتماعي ومشتقاته.
هل هذه التصرفات المعثرة للناس لها علاقة بالمسيح؟ هل هذا ما جاء المسيح ﻷجله؟
في صلوات القداس الغريغوري نقول: وأصلحت اﻷرضيين مع السمائيين وجعلت اﻻثنين واحدا، ولكن يبدو أنه استطاع جمع اﻷرضيين بالسمائيين ولكن من يقولون إنهم خلفاءه لا يريدون جمع شبرا بمصر الجديدة.
المسيح الذي قبل المرذولين والمرفوضين مثل زكا والسامرية وغيرهم، وقدم المحبة والرحمة والرفق لكل إنسان، والمفترض أن تكون هذه رسالة الكنيسة، لكن نجد أن القائمين على كنيسته ومن ينصبون أنفسهم خلفاءً له لا يتصرفون بروح المسيح، بل يتبعون نهجًا مغايرًا تمامًا لما جاء به المسيح، ولو جاء المسيح اليوم لثار عليهم كما ثار على رؤساء الكهنة في زمنه، بل ربما سيطلقون عليه صبيانهم ممن يسمون أنفسهم “حماة اﻹيمان”، ليهرطقوا المسيح نفسه ويطالبون بصلبه مجددًا.
---
## التأله والحياة اﻷبدية
URL: https://tabcm.net/55090/
Type: post
Modified: 2026-06-12
نرى آباء الكنيسة يركزون على تأليه الإنسان باعتباره الغاية النهائية للإنسان، فالتألُّه هو اكتساب الحياة الأبدية التي هي حياة الله، وهي هبة وعطية يمنحها الله للبشرية بمحبته وصلاحه، والتألُّه هو الخلود وحياة عدم الموت وعدم الفساد في شركة ومعية الله، التألُّه هو شركة الطبيعة الإلهية ونعمة التبني لله الآب، التألُّه هو التمتُّع بسُّكنى الروح القدس أقنوميًا فينا، الذي من خلاله نتمتع بشركة الثالوث القدوس، ,هي الغاية النهائية لحياة الإنسان.
يوستينوس الشهيد
يُؤكِّد ق. يوستينوس على أن التألُّه هو غاية الإنسان النهائية، حيث تُعطِينا قوة اللوغوس الخلود وتجعل منَّا نحن البشر آلهةً كالتالي: ((يوستينوس ، القديس يوستينوس الفيلسوف والشهيد (الدفاعان والحوار مع تريفون اليهودي ونصوص أخرى)، ترجمة: أ. آمال فؤاد، القاهرة: باناريون للتراث الآبائي، 2012، خطاب إلى اليونانيين: 5، ص 387. ))
إن قوة الكلمة هذه لا تصنع منَّا شعراءً أو فلاسفةً مُثقَّفين أو خطباءً فُصحاءً، ولكنها تُعطِينا الخلود، وتجعل منَّا نحن البشر آلهةً، وتنقلنا من الأرض إلى أماكن أعلى من [جبال] أولمبوس.
(يوستينوس، الدفاعان والحوار مع تريفون اليهودي ونصوص أخرى)
إيرينيؤس أسقف ليون
يرى ق. إيرينيؤس أبو التقليد الكنسيّ أن الإنسان مخلوق غير كامل، وغير خالد في طبيعته المائتة، ولكنه كان سيصير إلهًا ويشترك في مجد الله فيما بعد لو أطاع خالقه كالتالي: ((إيرينيؤس، ضد الهرطقات ج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2019، 4: 39: 2، ص 263. ))
فالذي لم يصر إنسانًا بعد، كيف يمكن أن يكون إلهًا؟ أو كيف يمكن أن يكون كاملًا، هذا الذي لم يُخلَق إلا أخيرًا؟ وكيف يمكن أيضًا أن يكون خالدًا [غير مائت]، هذا الذي وهو في طبيعته المائتة لم يطع خالقه؟ لأنه يجب في البداية أن تمسك برتبة إنسان، ثم بعد ذلك تشترك في مجد الله. لأنك أنت لا تصنع الله، بل الله هو الذي يصنعك. إذًا، فإنْ كُنت صنعة يدي الله، فانتظر يد خالقك التي تخلق كل شيء في حينه، في الحين المناسب بقدر ما يخصك، أنت الذي يجري تنفيذ خلقتك.
(إيرينيؤس، ضد الهرطقات ج2)
كليمندس السكندري
ويُؤكِّد العلامة كليمندس على أن الإنسان عندما يتألَّه بالنقاوة يتحوَّل إلى حالة اللاهوى، فيصير واحدًا. فالذين وفقًا للحياة الغنوسية الحقيقية يضعون الله أمامهم، ويُحضِرون بصورةٍ تدريجيةٍ أنفسهم إلى الله، مُبجِّلين إياه فيكرِّمون أنفسهم، وهكذا يعبد المرء الله في حياة التأمل مصغيًا إليه، فيعاين الله القدوس من خلال تنقية نفسه كالتالي: ((كليمندس السكندري، المتفرقات (نسخة إليكترونية)، ترجمة: الأب د. بولا ساويرس، القاهرة: موقع الكنوز القبطية، 4: 23: 18، 19، ص 779. ))
والآن، انتزع المخلِّص الغضب في الشهوة ومعها، الغضب لكونه شهوة الانتقام. لأن الخضوع للمشاعر هو أمرٌ عامٌ يخص كل نوع من الرغبات. والإنسان، عندما يتأله بالنقاوة [يتحوَّل] إلى حالة اللاهوى، فيصير واحدًا. وكما أن أولئك الذين في البحر يكونون ممسكين بالمرساة، ويُسحَبون إلى المرساة. فإن أولئك، الذين وفقًا للحياة الغنوسية، يضعون الله تجاههم، ويُحضِرون أنفسهم بصورةٍ تدريجيةٍ إلى الله، لأن الذي يُبجِّل الله يُكرِّم نفسه. إذًا، في حياة التأمُّل، يعبد المرء الله مُصغِيًا إليه، ومن خلال تنقية نفسه، يُعاين الله القدوس بقداسةٍ. لأن ضبط النفس، بصفتها هذه، تُفكِّر في نفسها بلا انقطاع، وتتمثَّل بالله إلى أقصى حدّ ممكن.
(كليمندس السكندري، المتفرقات)
غريغوريوس العجائبي
يتحدَّث ق. غريغوريوس العجائبيّ مادحًا العلامة أوريجينوس بأنه رجل قد تجاوز الحالة البشرية متخطيًا في ارتقائه نحو التألُّه، وهكذا يُبيِّن الغاية النهائية لكل إنسان قائلًا: ((غريغوريوس العجائبي، خطاب إلى المعلم أوريجينوس، ترجمة: مكاريوس جبور وناتاشا يازجي، لبنان: منشورات النور، 2000، 2: 10، 13، ص 3. ))
أنوي التحدُّث عن رجل يبدو في الظاهر رجلًا، أمَّا هو فبعيون القادرين على تقدير ذاك السمو الذي ارتقت إليه نفسه، قد تجاوز الحالة البشرية مُتخطِيًا إياها إلى حالةٍ أفضل في ارتقائه نحو التألُّه […] سأذكر إذًا ما هو سامٍ في هذا الرجل، وما هو قريب من الألوهة، سأذكر السجايا المحتجزة في الجسم الظاهر والمائت التي تبذل جهدًا شاقًا للتشبُّه بالله.
(غريغوريوس العجائبي، خطاب إلى المعلم أوريجينوس)
أثناسيوس الرسولي
يُشِير ق. أثناسيوس إلى أن التألُّه هو الغاية النهائية في حياة الإنسان، الذي لَبِسَ الكلمة من أجله جسدًا بشريًا مخلوقًا، لكي بعدما يُجدِّده الكلمة كخالق، فإنه يُؤلِّه هذا الجسد في ذاته، وهكذا يُدخِلنا إلى ملكوت السموات على مثال صورته كالتالي: ((أثناسيوس، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: أ. صموئيل كامل وآخرون، القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017، 2: 21: 70، ص 261، ))
ولذلك، فإن الحق يُوضِّح أن الكلمة لا ينتمي إلى المخلوقات، بل بالحري هو نفسه خالقهم. ولذلك، فقد لَبِسَ الجسد البشريّ المخلوق، لكي بعد أن يُجدِّده كخالق، فإنه يُؤلِّه هذا الجسد في ذاته هو نفسه، وهكذا يُدخِلنا إلى ملكوت السموات على مثال صورته. لأنه ما كان للإنسان أن يتألَّه لو أنه اتَّحد بمخلوقٍ، أو لو أن الابن لم يكن إلهًا حقيقيًا. وما كان للإنسان أن يقف في حضرة الآب، لو لم يكن الذي لَبِسَ الجسد هو بالطبيعة كلمته الحقيقيّ.
(أثناسيوس، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين)
يربط هنا ق. أثناسيوس بين تأليه الإنسان ودخوله إلى ملكوت السموات في حضرة الله الآب، وأن ذلك كان أحد بركات سر تجسُّد الكلمة، بالتالي، لا يمكن أن تكون حالة التألُّه، ومن ثمَّ، ملكوت السموات، مكانًا ماديًا جغرافيًا مُحدَّد الأبعاد، وخاضع لقوانين الزمان والمكان.
غريغوريوس النزينزي اللاهوتي
يُشِير ق. غريغوريوس النزينزيّ الملقَّب بـ ”اللاهوتيّ“ إلى قصد الله من أجلنا، فقد صار إنسانًا وأفتقر، لكي يُقِيم جسدنا، ويستعيد صورته، ويُعِيد تشكيل الإنسان، حتى نصير جميعًا واحدًا في المسيح، الذي قد صار بالكامل في جميعنا كل ما يكونه هو نفسه، لذا ينبغي أن نُدفَن مع المسيح، ونقوم مع المسيح، ونكون وارثين مع المسيح، ونصير ابناءً لله، بل نصير بالنعمة مثل الله نفسه وليس بالطبيعة قائلًا: ((Gregory of Nazianzus, NPNF207, Trans. by Charles Gordon Browne & James Edward Swallow, Edit. by Philip Schaff, (New York & Michigan: Grand Rapids, MI: CCEL, 1819-1893), Or. 7: 23, Panegyric on his brother Caesarius, p. 490, 491. ))
ليتني أُميت أعضائي التي على الأرض، وأُنفِق كل ما لدي على الروح، سائرًا في الطريق الضيق الذي يدوسه القليلون، وليس في الطريق الرحب والسهل. لأن عواقبه مجيدةٌ وعظيمةٌ، ورجاؤنا أعظم من استحقاقنا. فما هو الإنسان حتى تذكره؟ وما هو هذا السرّ الجديد الذي أتعلق به؟ أنا صغيرٌ وعظيمٌ، متواضعٌ ومرتفعٌ، مائتٌ وخالدٌ، أرضيّ وسماويّ. أنا أشترك في حالة مع العالم السُّفليّ، وفي الأخرى مع الله؛ أحدهما بالجسد والأخرى بالروح. ينبغي أن أُدفَن مع المسيح، وأقوم مع المسيح، وأكون وارثًا مع المسيح، وأصير ابنًا لله، بل مثل الله ((بالنعمة وليس بالطبيعة )) نفسه. أنظر إلى أين أودت بنا حجتنا في تقدَّمها. أكاد أكون مدينًا بنفسي للواقعة التي ألهمتني بمثل هذه الأفكار، وجعلتني أكثر افتنانًا برحيلي من هنا. هذا هو هدف السرّ العظيم بالنسبة لنا. هذا هو قصد الله من أجلنا، صار إنسانًا وأفتقر، لكي يُقِيم جسدنا، ويستعيد صورته، ويُعِيد تشكيل الإنسان، حتى نصير جميعًا واحدًا في المسيح، الذي قد صار بالكامل في جميعنا كل ما يكونه هو نفسه، حتى لا نكون فيما بعد ذكرًا وأنثى، أوبرابرة، أو سكيثيين، أو عبيدًا، أو أحرارًا، التي هي علامات الجسد، بل لكي نحمل في أنفسنا فقط ختم الله، الذي به ومن أجله خُلِقنا، وقد تلقينا منه حتى الآن صورتنا ومثالنا، الذي نُعرَف به وحده.
(Gregory of Nazianzus, NPNF207)
يوحنا ذهبي الفم
يُميِّز ق. يوحنا ذهبي الفم بين مفهوم التألُّه بالطبيعة الخاص بالله وحده، وبين مفهوم التألُّه بنعمة التبني لله الآب والاتحاد بالله الخاص بالبشر، بالتالي، يدحض ذهبيّ الفم حجة مُنكِري عقيدة تأليه الإنسان بالنعمة في العصر الحديث، الذين يخلطون بين تألُّه الله بالطبيعة وتأليه الإنسان بالنعمة والاتحاد بالله والتبني لله الآب قائلًا: ((يوحنا ذهبي الفم، شرح وعظات إنجيل يوحنا ج1، ترجمة: الشماس نشأت مرجان، القاهرة: مكتبة المحبة، 2008، عظة 75، ص 65، 66. ))
في ذلك اليوم تعلمون أني أنا في أبي وأنتم فيَّ وأنا فيكم ((إنجيل يوحنا 14: 20 )). لذلك فالجزء الذي يشير إلى الآب من هذا القول يُؤكِّد على جوهره، بينما ما قاله من جهة الرسل يُشِير إلى اتحادهم مع الله والمعونة التي حصلوا عليها منه. سوف تسألني: مِن فضلك كيف يُعقَل هذا؟ وأنا بدوري أسألك: فكيف أن العكس معقول؟ لأن الفرق بين المسيح وتلاميذه عظيم ولا نهائيّ. وأيضًا لو أن نفس الكلمات استُخدِمَت لكليهما فلا تتعجب من هذا. لأن الكتاب اعتاد مرارًا كثيرة استخدام نفس الكلمات لكُلٌّ من الله والبشر. ولو أنه ليس بنفس المعنى. مثلما دُعِيَنا آلهةً وأبناءً لله ((إنجيل يوحنا 10: 34؛ رسالة بولس إلى غلاطية 3: 26 ))، فلو أن التعبير استُخدِمَ من جهتنا ومن جهة الله، لكن ليس له نفس الفاعلية لكليهما. علاوة على ذلك، فالابن دُعِيَ صورة الله ومجده، ونحن أيضًا دُعِيَنا هكذا، لكن هناك فرق عظيم، وأيضًا أنتم للمسيح والمسيح لله ((رسالة بولس اﻷولى إلى كورنثوس 3: 23 )).
(يوحنا ذهبي الفم، شرح وعظات إنجيل يوحنا ج1)
كيرلس السكندري
يُوضِّح ق. كيرلس السكندريّ أن التألُّه هو غاية الإنسان النهائية، حيث يصير شريكًا في ملكوت المسيح، وعلى صورة جسد مجده، والإكرام بعطية عدم الفساد والحياة الحقيقية كالتالي: ((كيرلس السكندري، شرح إنجيل يوحنا مج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015، تعليق على (إنجيل يوحنا 15: 9، 10)، ص 281، 282. ))
فقد أعلن الآب عني إني إله الكون، ولكني لا أضَّن عليكم بمثل هذه الخيرات. فقد أعطيتكم أنتم كبشرٍ ولكم طبيعة العبيد أن تصيروا آلهةً وأبناءً لله، إذ إني أجلكم لامعين بواسطة نعمتي، وتُضِيئون بكراماتٍ تفوق طبيعتكم؛ وقد أدخلتكم إلى شركة ملكوتي، لأجعلكم على صورة جسد مجدي ((رسالة بولس إلى فيلبي 3: 21 ))، وقد كرَّمتكم بعدم الفساد والحياة الحقيقية، ولكن كل هذا لا يزال موضوع رجاء محفوظ ليتحقَّق في الدهر الآتيّ.
(كيرلس السكندري، شرح إنجيل يوحنا مج2)
مار أوغريس البنطي
يرى مار أوغريس أن الآب نفسه هو النهاية والنعمة المطلقة. لأننا حين لا نعرف الله بعد في مرآة ((رسالة بولس اﻷولى إلى كورنثوس 13: 12 )) ولا من خلال وسطاء، بل نقترب إليه كما إلى الواحد الوحيد، حينئذٍ سنرى النهاية النهائية. لأنهم يقولون إن مملكة المسيح هي كل المعرفة المادية، أمَّا مملكة الله الآب هي التأمل غير الماديّ، وإنْ جاز التعبير، هي التأمُّل في اللاهوت غير المخفَى نفسه قائلًا: ((أوغريس البنطي، مار أوغريس البنطي، إعداد: الراهب أوغريس البرموسي، مراجعة: نيافة الأنبا إيسيذوروس، وداي النطرون: دير العذراء البرموس، 2021، الرسالة عن الإيمان : 23، 24، ص 504. ))
لأن الآب نفسه هو النهاية والنعمة المطلقة. لأننا حين لا نعرف الله بعد في مرآة ((رسالة بولس اﻷولى إلى كورنثوس 13: 12) ولا من خلال وسطاء، بل نقترب إليه كما إلى الواحد الوحيد، حينئذٍ سنرى النهاية النهائية. لأنهم يقولون إن مملكة المسيح هي كُل المعرفة المادية، أمَّا مملكة الله الآب هي التأمُّل غير الماديّ، وإنْ جاز التعبير، هي التأمُّل في اللاهوت غير المخفَى نفسه. لكن ربّنا أيضًا، هو النهاية والنعمة المطلقة باعتباره الكلمة. لأنه ماذا يقول في الإنجيل؟ وأنا أُقيمه في اليوم الأخير ((إنجيل يوحنا 6: 40 ))، عانيًا بالقيامة التحوُّل من المعرفة المادية إلى التأمُّل غير الماديّ، ومُسمِّيًا اليوم الأخير المعرفة التي لا يوجد بعدها معرفة أخرى. لن تقوم عقولنا وتصعد إلى علو النعمة إلا حين تتأمَّل أقنوم الكلمة على أنه الواحد الوحيد. لأن الآن عقولنا الغليظة مُتعلِّقة بالأرض ومُختلِطة بالخزف، ولا تقدر أن تُثبِّت نفسها في التأمُّل المجرَّد. لذلك فإنها تتفكر في أعمال صانعها مقودة بجمال الأجسام وتتأمل تأثيرها في الوقت الحاليّ. وإذ تنمو في القوة قليلاً قليلاً، ستُصبِح قادرةً أن تدنو من اللاهوت غير المخفَى نفسه.
(الراهب أوغريس البراموسي، مار أوغريس البنطي)
مكسيموس المعترف
يُوضِّح المعترف أن التألُّه هو إنجاز ونهاية كل العصور والأزمنة، والنهاية هي الاتحاد في الشخص الذي مُنِحَ الخلاص، بين أصله الحقيقيّ وبين نهايته الحقيقية، ويستلزم هذا الاتحاد تجاوز كل ما هو محدود جوهريًا بالطبيعة، ويحدث هذا التجاوز من خلال القوة القديرة لله العاملة بأسلوب مباشر ولا نهائيّ في الشخص المستحق لهذا التجاوز كالتالي: ((مكسيموس المعترف ، الفيلوكاليا مج2، ترجمة: الراهب أغاثون الأنطوني، مراجعة: الأنبا يسطس، أسقف ورئيس دير أنبا أنطونيوس، القاهرة، 2017، نصوص متنوعة في علم معرفة الله والتدبير الإلهي والفضيلة والرذيلة، 4: 19، ص 231. ))
التألُّه، باختصار، هو إنجاز ونهاية كل العصور والأزمنة، وفي كل ما يوجد في غيرهما. هذا الإنجاز وهذه النهاية هي الاتحاد في الشخص الذي مُنِحَ الخلاص، بين أصله الحقيقيّ [الواقعيّ] وبين نهايته الحقيقية. يستلزم الاتحاد تجاوزًا لكل ما هو بالطبيعة محدود جوهريًا ببداية ونهاية. يحدث مثل هذا التجاوز بواسطة القوة القديرة والأكثر من قوية التي لله، العاملة بأسلوبٍ مباشرٍ ولا نهائيّ في الشخص الذي وُجِدَ مستحقًا لهذا التجاوز. يُنعِم عمل هذه القدرة الإلهية بالسرور والفرح الأكثر من فائقين الوصف على الذي قد تمَّ فيه الاتحاد غير المنطوق به، والذي لا يسبر غوره، مع ما هو إلهيّ. وفي طبيعة الأشياء، لا يمكن أن يُفهَم هذا ولا يتمّ تخيُّله ولا يُعبَّر عنه.
(مكسيموس المعترف، الفيلوكاليا مج2)
---
## الأب متى المسكين وسنوات البعث
URL: https://tabcm.net/55991/
Type: post
Modified: 2026-06-11
عندما نتتبع البدايات عند الأب متى المسكين نجده لم يسع للرهبنة بدافع النسك والزهد أو اعتزال العالم، بل كان مشدودًا لمكان ومناخ يوفران له مساحة لاستيعاب كلمة الله وتدبير الخلاص، بعد أن وجد نفسه يتماهى مع أسفاره وشخوصه، وقد استنار ذهنه بنور المسيح، ووقفت التزامات عمله الدقيقة دون تحقيق غايته، واستعرض بدائل عديدة لكنها قصرت عن أن تحقق ما يسعى إليه، حتى طرح عليه أحد أصدقائه فكرة الرهبنة، وذهبا معًا لمقابلة مطران الحبشة المصرى الأنبا كيرلس، الذي استبعدته قوات الإحتلال الإيطالي من إثيوبيا، ليستقر به المقام في بيت ضيافة ملحق بكنيسة العذراء بمهمشة ـ الشرابية، أحد أحياء القاهرة، التي كانت تضم في رحابها المدرسة الإكليريكية، قبل أن تنتقل إلى موقعها الحالي بدير الأنبا رويس بالعباسية في حبرية البابا البطريرك الأنبا يوساب الثاني، ذهبا إليه لاستشارته في أمر رهبنة الدكتور يوسف إسكندر، وهو لقاء يكشف عن ملمح من شخصيته، فنراه وهو بعد شاب صغير يمتلك قدرة على الحوار وتوجيهه، وقناة لا تلين، وينتهي الأمر إلى ذهابه إلى دير الأنبا صموئيل بمغاغة بالمنيا، ليتتلمذ على الراهب الأب مينا المتوحد، الذى صار فيما بعد قداسة البابا كيرلس السادس.
ينتقل بعدها إلى دير السريان بوادي النطرون، وكان قد تعمق في سياحته بين أسفار الكتاب المقدس، وأمسك بخيوط تدبير الخلاص، وهناك يجد منحى جديد وفرته له مجموعة كتب آباء نيقية وما قبل نيقية وما بعد نيقية، بمكتبة الدير فينكب عليها وتكتمل لديه الرؤية، ويتشكل ذهنه على قاعدة إنجيلية آبائية، وتترسخ عنده مكتسبات الإنسان من التجسد الإلهى، ولا يكاد يخلو كتاب أو عظة من التنبيه على “حقوقنا في المسيح”، الذي “رد آدم إلى رتبته الأولى”، ووصل ـ عبر الصليب والقيامة والصعود والجلوس عن يمين الآب ـ ما انقطع بسبب التعدى والعصيان.
يسجل الأب متى المسكين هذه الخبرة بقوله في كلمة مسجلة له بعنوان : ”تأثير الإنجيل في حياته الرهبانية“ في أربعاء أيوب سنة 1974:
كان الإنجيل هو أمنيتي التي خرجتُ من أجلها من العالم. كنتُ في العالم مشغولًا، وكنتُ أودُّ أن أهدأ لأقرأه بفهم وبوعي، وكان عملي يغطي يومي كله من ٧ صباحًا إلى ١١ مساءً. كنتُ أقول ربما أهدأ السنة القادمة، وتنتهي تلك السنة وما بعدها، وهكذا كان الزمن يتآكل أمامي، ثم قلتُ: يستحيل أن العالم يغلبني، فلابد أن أتمتع بالمسيح والإنجيل. يستحيل أن يأخذ العالم مني شبابي والـ٢٤ ساعة كل يوم!، عندما كنتُ أغيب عن عملي قليلًا، كان الناس يقومون بثورة، لأن عملي -كما تعلمون- كان متَّصلاً بالجمهور. فكيف أهرب وأنا عليَّ واجبات؟ فكنتُ حزينًا، ولكن كلما ازدادت واجباتي كلما كنتُ أتيقن بضرورة الخروج من العالم.
(اﻷب متى المسكين)
كانت أمنيتي الوحيدة أن أُعطي المسيح الـ٢٤ ساعة في اليوم كله، فظللتُ أصلِّي حتى فكَّني الرب من العالم وذهبتُ إلى الدير. وبدأتُ أقرأ في كتابي المقدس في العهدين وأتمتع، وازدادت قراءاتي من ٣٠ إلى ٥٠ إصحاح في اليوم، فحقَّقتُ شيئًا من فرحتي بالإنجيل. ولكن قابلتني مشكلة أحزنتني فبكيتُ، إذ أنني لما ابتدأتُ بسفر التكوين ووعيته جدًا، وكنتُ أخطط بالأحمر تحت الآيات المهمة، حتى بَدَأتْ الآيات تدخل في حياتي؛ وجدتُ أن الذي حصَّلته كان قليلًا جداً!، ثم أمسكت بسفر التكوين مرة ثانية، وأحضرتُ كراسةً وقلمًا لم يكن يوجد غيرهما في الدير، لأن الاتصال كان مقطوعًا وأنا قطعته بيديَّ، فلا أحد يبعث لي خطابات، ولا أردُّ على أحد ولا صلة لي بإنسان قط؛ فقطعتُ كل الصلات لكي أتمتع بالرب، وليس كحالة مَرَضية أو عزوف عن الدنيا أو كراهية للناس؛ لا، فكما ترونني فإنني أحب الناس، ولكنني لم أَدَعْ شيئًا يعوقني إطلاقًا عن حبي الكامل للمسيح، وعن استيعابي للكتاب المقدس.
(اﻷب متى المسكين)
يمكن أن نقول بارتياح أنه صار “ناسكًا إنجيليًا”، فقد شهدت جنبات دير الأنبا صموئيل المعترف ملحمة تشكل ذهن الراهب القادم سعيًا للتعرف على، والتعمق في، كلمة الله، حتى انفتحت له بكنوزها وأسرارها.
كنتُ أسهر كل ليلة. وكانت إمكانات الدير شحيحة، فقلتُ: يا رب، أعطني نعمة. وصلَّيتُ كثيرًا حتى انفتح الإنجيل أمامي وصرتُ أستوعب كثيرًا، فوجدتُ نور الإنجيل ومجده بقدرٍ كبير جدًا فارتعبتُ. ثم شعرتُ بقوة الإنجيل وسلطانه في نفسي وعلى حياتي. فبعد أن أحسستُ بقوة التغيير تسري في جسمي وقلبي بصورة جارفة كل يوم، بدأتُ أبكي كثيراً، لماذا؟ لأنني قلتُ: يا رب، الإنجيل مليء بالذخائر، ومجرد آيات قليلة أخذتُ منها الكثير جدًا، فمتى انتهي من الكتاب بعهديه؟
(اﻷب متى المسكين)
كانت نفسه قلقة متعجلة فى إصرار على إدراك سر المسيح، لذا كان إلحاحه في الصلاة أن يتحقق ما جاء لأجله:
عبدك يطلب منك يا سيدي أحد أمرين: إما أن تُطيل في عمري، أو تعطيني ذهن شاب لكي أستوعب الإنجيل كله، لأن حرام أنه يكون أمامي ١٠ – ١٢ سنة بعد سن الثلاثين، ثم يبدأ الذهن ينطفئ! يا ليتك تعطيني استيعابًا كثيرًا جدًا حتى تُعوِّضني فأستوعب في شهر ما كنتُ أستوعبه في سنة أو سنتين، وبغير ذلك سأكون حزينًا جدًا. أريد أن أفرح بالإنجيل، وأخاف أن ينتهي عمري ولا أكمل استيعاب هذا الإنجيل بجماله….
(اﻷب متى المسكين)
ويعلن أمام الرهبان بعد سنوات:
والآن أُعْلمكم كيف كان ردُّ المسيح الحلو الطيب عليَّ؟ كان ردُّه أنه أعطاني هذه وتلك: أي طول العمر والذهن الذي يستوعب. لم أظن أن ذهني سيظل يستوعب أكثر من عشر سنوات، ولكنه أعطاني بسِعَة جدًا، من سن ٣٠ سنة حتى الآن. وها أنا كما ابتدأتُ في الإنجيل تمامًا بعافيتي هي هي في ذهني وروحي. صدِّقوني أن الرب من حنانه لم يرضَ أن قلبي يشيخ، فإنني أقرأ كما كنت زمان بقوة روحية كما ابتدأتُ في الإنجيل.
(اﻷب متى المسكين)
يعود فيقول:
من كثرة تأملي في كلمة الله، بدأ الإنجيل ينفتح أمامي آية وراء آية، شيء لا نهاية له. فقد ذُقتُ معنى قول داود النبي: كلمتك حلوة في حلقي، أفضل من العسل والشهد في فمي ((مزمور 119: 113 ))؛ إذ صارت كلمة الله أحلى من العسل والشهد، وهذا الطعم في فمي لم يُفارقني قط مدة من الزمن كأنني أكلتُ صفيحة عسل! أقول لكم ذلك لكي أؤكِّد لكم أن كلمة الله مذاقها بالفعل على المستوى الحسِّي أحلى من العسل، هذا ما اختبرتُه بنفسي.
(اﻷب متى المسكين)
ويضع قاعدة أساسية تنير الطريق لمن يسعى لفهم وإدراك سر الكلمة، الإنجيل والمسيح:
إنَّ تعمُّقنا في الإنجيل لا يزداد بمقدار علمنا أو ذكائنا، بل بمقدار علاقتنا بالرب. فإن وُجد علم أو معرفة، فإنني أقرع عليهما لكي يوجد مجال في قلبي أكثر لتلك العلاقة. فلا العلم في حدِّ ذاته أو المعرفة أو الفحص أو البحث أو التأمُّل الكثير يتأتَّى منه شيء؛ بل علاقتنا الشخصية والقلبية بالرب. أو بمعنى آخر، فإنه بطهارة ونقاوة قلوبنا وأفكارنا يُستعلَن الروح الذي في كلمة الله.
(اﻷب متى المسكين)
قد تمتعتُ بكلمة الإنجيل جدًا، ولكن ليس بذهني. أخاف أن يُفهم كلامي على أنني صرتُ عالماً في الكتاب المقدس، فلا أنا عالمٌ ولا أي شيء؛ أو أنني صرتُ مفسِّرًا، ولا أنا مفسِّر ولا أي شيء. ولكن مُتعتي بالكلمة هي في كونها صارت لي أبًا ومرشدًا ومعلِّمًا وطبيبًا يقطع بمشرط! نعم، إنها سيفٌ ذو حدَّين، يدخل ويقطع السرطانات، أي النموات الكاذبة التي تؤدِّي إلى الهلاك. فالكلمة حيَّة وفعَّالة وأمضى من كل سيف ذي حدَّين ((رسالة بولس إلى العبرانيين 4: 12 )).
(اﻷب متى المسكين)
كانت هذه الخبرات الكتابية الرهبانية وراء إصداره نحو 280 كتابًا لقراء العربية، بعضها مجلدات تتناول دراسات في أسفار الكتاب المقدس، وبخاصة الأناجيل الأربعة وسفر أعمال الرسل ورسائل القديس بولس الرسول، ودراسة متعمقة عن القديس بولس الرسول، وكذلك عن الرهبنة القبطية التاريخ والمبادئ والحياة، أما شخص المسيح فكان محتلًا للعديد من عناوين كتبه ودراساته.
ويقتحم دوائر عديدة تشكل العقل اللاهوتي الأرثوذكسي بنكهة آبائية مدققة لعل أبرزها مجلدَي “الروح القدس.. الرب المحيي” (953 صفحة)، ويعود فيكتب “الروح القدس وعمله داخل النفس – عرض لأقوال الآباء النساك”، وتصطدم دوائر راسخة بالكنسة بأطروحاته التي تشكل عصفًا ذهنياً في مناخ رتيب، وتدور رحى المواجهات التي يصل بعضها إلى حد المطاردات والحصار، وهو أمر يحتاج إلى دراسات متخصصة تسعى لسبر أغوارها، وتحليلها بعيدًا عن الإنحيازات العاطفية، وضغوط المصالح، أو التناول السطحي الذي يستريح للإجابات المعلبة والمنقولة، والمحكومة في غالبها بالتراجع المعرفى وربما اللاهوتى والروحي أيضًا.
أرى أن سنوات الأب متى المسكين، يمكن أن نعدها سنوات بعث للروح القبطية الأرثوذكسية، أسست لخروج الكنيسة من نفقها الطويل الذي دخلته قبل قرون بتعدد الأسباب، التي أقتربنا عبر أطروحاتنا من بعضها، آثرت أن أشير هنا إلى منطلقاته الأولى التي تمحورت في الإنجيل والآباء وهي نفسها المحاور التي تنطلق منها الكنيسة لتسترد دورها في عالم يطالبها أن تعبر إليه وتعينه، كنيسة إنجيلية آبائية.
---
## قتل ثلاثة رهبان وإصابة رابع بجنوب أفريقيا
URL: https://tabcm.net/18498/
Type: post
Modified: 2026-06-10
أعلنت صفحة المتحدث باسم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوم الثلاثاء الموافق 12 مارس الجاري، عن تعرض دير القديس مار مرقس الرسول، جوهانسبورغ، جنوب أفريقيا، ﻻعتداء إجرامي، مما أسفر عن استشهاد ثلاثة من الرهبان الأقباط وهم: الراهب القمص تكلا الصموئيلي، وكيل إيبارشية جنوب أفريقيا، والراهب يسطس أفا ماركوس، والراهب مينا أفا ماركوس.
وفي تصريح خاص لوكالة أنباء العالم العربي AWP، أن: الرهبان الثلاثة قتلوا ذبحًا، وهي طريقة عادة ما تستخدمها جماعات إرهابية، خاصة وأن الدير لا يوجد به أي أشياء يمكن سرقتها.
حادث مؤلم ونتابع تفاصيله لحظة بلحظة وهناك وفد من الآباء الأساقفة سيسافر إلى چوهانسبرج.
(قداسة البابا تواضروس الثاني، تصريح بتاريخ الأربعاء ١٣ مارس ٢٠٢٤)
وأشار قداسة البابا تواضروس الثاني إلى الحادث قبل بدء عظته في اجتماع الأربعاء الأسبوعي، والذي عقد في كنيسة الشهيد مار جرجس هليوبوليس بمصر الجديدة.
يعز علينا أن نودع أبناءنا الذين قتلوا واستشهدوا في جنوب إفريقيا في چوهانسبرج.
لنا دير على اسم القديس مار مرقس الرسول والقديس الأنبا صموئيل المعترف بچوهانسبرج، وهو الدير الوحيد لنا الذي يحمل اسم القديس مار مرقس، وتم تأسيسه عام ٢٠٠٧ بيد نيافة الأنبا أنطونيوس مرقس، مطران جنوب أفريقيا، واعترفنا به عام ٢٠١٣ وبدأ تعميره، وأرسلنا رهبان هناك، من بينهم أبونا تكلا الصموئيلي الذي أستشهد مع إخوته الراهبين أبونا يسطس آڤا ماركوس وأبونا مينا آڤا ماركوس.
(قداسة البابا تواضروس الثاني، تصريح بتاريخ الأربعاء ١٣ مارس ٢٠٢٤)
سلطات جنوب أفريقيا تقوم بعملها بخصوص الحادث وهو حادث إجرامي، هناك أقاويل كثيرة، ولكن حتى الآن حقيقة الموقف لم تتضح، لذا لا تستمعوا لأي معلومات تقال من أي مصدر، وحينما نتأكد سنصدر بيان رسمي بكافة التفاصيل. نحن نتابع الموقف لحظة بلحظة، وهناك وفد من الآباء الأساقفة سيسافر إلى جنوب إفريقيا، وكلفنا أحد الآباء الكهنة الذين سبق له الخدمة في إفريقيا بالسفر ليسبق الوفد للترتيب، وسنعلن كافة التفاصيل بمجرد أن تتضح الأمور.
(قداسة البابا تواضروس الثاني، تصريح بتاريخ الأربعاء ١٣ مارس ٢٠٢٤)
وعن الترتيبات المقبلة بخصوص الحادث، قال:
حتى الآن لم يتحدد موعد الجنازة، والأغلب أنه سيتم دفنهم هنا في مصر في أحد الأديرة لأن الراهب يجب أن يدفن في ديره. نعزي أسرهم ونعزي الكنيسة هناك ونعزي أنفسنا، والراهب عند رهبنته تصلى عليه صلوات الموتى لذا يرتدي ثوب أسود رمز للون الأرض التي يدفن الإنسان فيها. والله سمح باستشهادهم لينالوا إكليل الاستشهاد إلى جانب إكليل الرهبنة.
ربنا يعزينا جميعًا ولا شك أنه حادث مؤلم واعتدنا أن نشكر الله على كل حال ومن أجل كل حال.
صلوا لأجل الآباء الشهداء ولأجل استقرار وسلام الخدمة في جنوب إفريقيا، ولأجل إخوتهم في الخدمة ولذويهم وأهلهم هنا في مصر.
(قداسة البابا تواضروس الثاني، تصريح بتاريخ الأربعاء ١٣ مارس ٢٠٢٤)
ونقلت رويترز عن الكنيسة: انتقلت الأجهزة المعنية إلى الدير وبدأت عملها في كشف ملابسات الحادث، كما توجه إلى الدير السفير المصري في جوهانسبرج لمتابعة الموقف.
من جانبه، أدان الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، مقتل الرهبان الثلاثة مقدمًا تعازيه إلى البابا تواضروس الثاني وأسر الضحايا:
يُدين فضيلة أ.د أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، بأشد العبارات، الهجوم الإرهابي الذي استهدف دير القديس مار مرقس الرسول والقديس الأنبا صموئيل التابع للكنيسة القبطية الأرثوذكسية، ومقره في جوهانسبرج بجنوب إفريقيا، وأسفر عن مقتل ثلاثة رهبان بالكنيسة. ويؤكِّد شيخ الأزهر أن الاعتداء على النفس الآمنة في دُور العبادة هو عملٌ إرهابيٌّ بغيض، وأن الشرائع بقيمها الداعية للسلام والمحبة لا يمكن أن تكون أبدًا مبررًا للقتل والإرهاب. ويتقدَّم شيخ الأزهر بخالص العزاء وصادق المواساة لقداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، ولأسر الضحايا، مطالبًا بسرعة ضبط الجناة وتقديمهم للعدالة.
(أ. د. أحمد الطيب، على صفحة الأزهر الشريف)
الخارجية المصرية تتابع شرطة جنوب أفريقيا
في سياق متصل، أعلنت وزارة الخارجية والسفارة المصرية في العاصمة الجنوب أفريقية بريتوريا، أنهما تتابعان بصورة حثيثة، التحقيقات الخاصة بحادث مقتل ثلاثة من الرهبان المصريين داخل الدير المصري، والكائن بمدينة Cullnan شمال شرق العاصمة بريتوريا.
وأوضحت وزارة الخارجية، في بيان لها، الأربعاء 13 مارس، أن السفير أحمد الفاضلي سفير مصر في بريتوريا وأعضاء السفارة انتقلوا بصورة فورية إلى موقع الحادث، بعد التواصل المباشر مع قيادات قطاع المباحث والأدلة الجنائية بوزارة الشرطة الجنوب أفريقية، والتي بدأت على الفور التحقيق في الحادث. والتأكيد على متابعة السفارة الحثيثة لمجريات التحقيق بهدف الكشف عن ملابسات الحادث وهوية الجناة، ومحاسبتهم.
وقع الحادث في الدير الواقع ببلدة كالينان على بعد 50 كيلومترا شمال شرق بريتوريا. ووصلت الشرطة إلى الدير فور الحادث، وفتحت تحقيقًا، ثم أعلنت لاحقا أن الدافع غير معروف.
إن الرهبان الثلاثة قتلوا طعنا، بينما قال شخص رابع نجا من الحادث إنه ضُرب بقضيب معدني قبل أن يفر ويختبئ.
(كولونيل ديماكاتسو نفهوهولي، المتحدث باسم الشرطة، جنوب أفريقيا)
وصرح المسؤول الأمني: الدافع وراء القتل لا يزال مجهولًا في هذه المرحلة، وأوضح أن المشتبه بهم: غادروا الموقع على ما يبدو دون أخذ أي أشياء ذات قيمة.
القبض على “مصري” مشبه به
بالأمس الأربعاء، أعلنت الشرطة توقيف مشتبه به في الجريمة، حسبما نقل موقع “صوت أميركا”، وجاء في بيان للشرطة: من المتوقع أن يمثل الرجل، البالغ من العمر 35 عاما، أمام المحكمة في كولينان، الخميس 14 مارس.
رفضت سلطات الشرطة في جنوب أفريقيا الإفصاح عن اسم وجنسية وبيانات المشتبه به، فيما تداول نشطاء أقباط صورا أخرى، ومعلومات أخرى غير مؤكدة، منها أن الراهب الرابع المصاب هو الراهب صموئيل أفا ماركوس، والذي قد كان داخل قلايته [حجرته] وقت وقوع الحادث.
وفقا لما يرويه الأقباط عن شهادة الراهب صموئيل أفا ماركوس، فإن القاتل مصري ويدعى “سعيد”، ومن المقيمين بالدير، وأنه استخدم سكاكين داخل المطبخ في طعن الراهب تكلا الصموئيلي أولا، ثم طعن الراهب مينا أفا ماركوس في الطريق بين المطبخ وقلالي الرهبان تاليًا، ثم قتل الراهب يسطس أفا ماركوس دخل قلايته ثالثًا، قبل أن يدخل للراهب الرابع صموئيل أفا ماركوس محاولًا قتله بقضيب معدني، لكنه نجح في الهرب.
محاولات الوصول لمعلومات حول شخصية المشتبه به لم تنته عند هذا الحد، حيث تداول نشطاء أقباط صورا شخصية تظهر “سعيد” بملابس الشموسيّة الكنسيّة، وأدلى بعضهم أنه مضطرب نفسيًا وحاول دخول الرهبنة في مصر سابقا وتم رفضه، وأنه سافر مؤخرًا إلى دير القديس مار مرقس الرسول، جوهانسبورغ، جنوب أفريقيا، ليجدد محاولته في طلب الرهبنة هناك، وتم رفض طلبه للمرة الثانية.
أيضا تداول آخرون صورة حديثة تظهر “سعيد” داخل السفارة المصرية ببريتوريا، جنوب أفريقيا، في إثناء إدلائه بصوته في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، ويظهر فيها “سعيد” وقد أطال ذقنه بشكل متشابه مع الصورة التي ظهر بها المشتبه به، وقت إلقاء القبض عليه بواسطة الشرطة في جنوب أفريقيا.
وتشهد جنوب أفريقيا واحدة من أعلى معدلات القتل في العالم، وتشيع فيها عمليات السطو المسلح، وفي الأشهر الأخيرة تم استهداف أماكن العبادة، مع توثيق الحوادث الإجرامية في كثير من الأحيان على وسائل التواصل الاجتماعي. وسجلت الدولة الواقعة في جنوب القارة الأفريقية ما يقرب من 84 جريمة قتل يوميًا بين أكتوبر وديسمبر، وفقا لأحدث إحصاءات الشرطة.
---
## تفاصيل ما حدث في دير جنوب إفريقيا
URL: https://tabcm.net/18511/
Type: post
Modified: 2026-06-10
منذ اللحظات الأولى لمجزرة دير جنوب أفريقيا، تواصلت مع بعض الأصدقاء الموثوق فيهم وتواصل معي بعض الأصدقاء المحترمين ممن على صلة سابقة أو حالية بكل الأطراف (سواء المتهمين أو الضحايا) وبعد استئذان الكل، أضع بين أيديكم ما توصلت إليه من معلومات حتى هذه اللحظة، مع التعمية على المصادر التي فضلت عدم ذكر أسمائها.
كبداية، ليس كل الأقباط ذوي الصلة بالأطراف الضحايا يقولون نفس ما قاله قداسة البابا تواضروس الثاني، البعض فعلا يمدح الراهب القمص تكلا الصموئيلي، وكيل إيبارشية جنوب أفريقيا، ويشيد بخدمته ومآثره، لكن هناك ممن يذمون فيه ماليًا وسلطويًا ويصفونه بأبشع الأوصاف، ونحن هنا لسنا بصدد التقييم أو الإدانة (أو الإشادة) ولكني أسرد المعلومات التي حصلت عليها بشكل محايد قدر الإمكان!
دوافع الجريمة
المصري “سعيد”، المتهم بالقتل، هو طالب رهبنة تحت الاختبار، كان في الماضي مدرس لغة فرنسية، ومنذ 20 سنة وهو يتردد على عدد من الأديرة القبطية بغرض تقديم نفسه للرهبنة، وبعد كل فترة اختبار كان يتم رفضه لأسباب تتعلق بسوء السلوك.
ذهب سعيد إلى جنوب أفريقيا، وتقدم للرهبنة هناك [بعض المصادر قالت أن ذلك ربما حدث عن طريق تزكية من الضحية الثانية، الراهب مينا أفا ماركوس نفسه] ولكن كما كان متوقعًا حدثت مناوشات وصدامات كثيرة بينه وبين وكيل المطرانية، الراهب القمص تكلا الصموئيلي وبعض الرهبان الآخرين.
الصدام الأخير كان عندما قرر الراهب القمص تكلا الصموئيلي إخلاء طرفه من الدير وتسفيره [ترحيله] إلى مصر، فجن جنون “سعيد” الذي ارتكب المذبحة انتقامًا منهم! البعض يتوقع أن تم الضغط النفسي عليه من الوكيل والرهبان في أثناء اختبارات الرهبنة، الأمر الذي أوصله إلى حالة اليأس والانهيار تلك، أو ربما هو بالفعل مهتز نفسيًا يحتاج إلى علاج نفسي شامل وليس إلى دير ورهبنة تزيد حالته سوءًا!
الوقائع حسب المصادر
في حدود الساعة 3.00 إلى 5.00 صباحًا، هاجم “سعيد”، طالب الرهبنة تحت الاختبار، وكيل مطرانية جنوب أفريقيا الراهب تكلا الصموئيلي بسكاكين المطبخ أولًا، فطعنه حوالي 5 طعنات متفرقة في البطن والظهر والرقبة، سقط على أثرها قتيلًا في التو واللحظة دون أدنى مقاومة! وحسب المصادر، فإن الراهب تكلا كان متواجدًا بجوار الكاونتر خلف المائدة (غرفة طعام الرهبان).
بعدها، دخل “سعيد” غرفة الطعام ليجد الراهب الثاني، مينا أفا ماركوس، يعمل فيها، فبادر بمهاجمته وطعنه، لكنه تمكن من الفرار مثخنًا بالجراح، فلحقه في الطريق بين غرفة الطعام وقلالي (صوامع) الرهبان، وسدد له طعنات أخرى فسقط قتيلًا بالقرب من قلاية (صومعة) الراهب الثالث، يسطس أفا ماركوس، الذي ما أن سمع الصراخ صادرا من الضحية الثانية (مينا أفا ماركوس) خرج مهرولًا من قلايته مسرعًا ليجد “سعيد” الذي باغته بالهجوم، وحسب رواية المصادر فيبدو أن الراهب الثالث، “يسطس أفا ماركوس”، قد استطاع مقاومة “سعيد” لفترة، لكن “سعيد” تمكن منه وطعنه طعنات متعددة بكل غِلّ وكراهية حيث يبدو جسده وكأنه لم يبق فيه مكان آخر للطعن!
لا أحد يعلم على وجه التحديد أين كان الراهب الرابع، صموئيل أفا مرقس، لكنه صرح أنه كان ساهرًا لساعات متأخرة من الليل، وبعدما نام، استيقظ على أصوت صراخ بالخارج نحو الفجر، فأعتقد أنها الكلاب تنبح، فعاد إلى نومه مرة أخرى!
عندما حضر العمال إلى الدير في حدود الساعة الثامنة صباحًا، وجدوا المجزرة البشعة وجثث الضحايا، فابلغوا الشرطة على الفور!
عندما حضرت الشرطة، قابلهم “سعيد” بنفسه، وقال أن: اثنين من الأفارقة الملثمين هاجموا الرهبان وقتلوهم.
جدير بالذكر، أن القاتل أيًا من كان، قد ترك أدوات الجريمة “سكاكين المطبخ” بجانب جثث الضحايا، وهو ما كان مؤشرًا للشرطة أن القاتل لم يدخل الدير بغرض القتل وإلا لكان اصطحب معه الأدوات اللازمة لذلك، وتم ترجيح أنه من داخل الدير لطالما الأدوات موجودة بالداخل، بجانب عدم حدوث سرقة أو اختفاء مقتنيات، الأمر الذي يجعل القتل هو القصد الجنائي المباشر.!
ومن الجدير بالذكر أيضا، أن “سعيد” من معارف أو أقرباء الراهب الثاني، مينا أفا ماركوس، ومن نفس قريته بسوهاج، لكن لم يتسن لنا تحديد درجة القرابة بشكل أدق.
كان وكيل المطرانية، الراهب القمص تكلا الصموئيلي، قد حصل في حبرية الأنبا أنطونيوس مرقس، أسقف الكنيسة في إفريقيَا والمسؤول عن الدير، على تزكية برسامته أسقف عام مساعد.
ويعاني الأنبا أنطونيوس مرقس من المرض منذ فترة، وهو قعيد عاجز عن الحراك بعد تعرّضه لجلطة من سنتين أو ثلاثة، ويدير الراهب القمص تكلا الصموئيلي شؤون الدير والمطرانية بالكامل.
كان بعض الرهبان قد تركوا الدير خلال فترة إدارة الراهب القمص الذي صار أسقف عام مساعد، والبعض الأكبر كانت لديه نيّة المغادرة بسبب كثرة الخلافات والصراعات، لكن لسبب الخوف من وصمهم بالعار إذا ما تركوا الرهبنة، ظلوا هناك.
تم القبض على “سعيد” من خلال سير التحقيقات، حيث أشارت كل الاتهامات إليه، سواء من حيث الدوافع، أو تناقض قصته، وتم أيضًا القبض على الراهب الرابع الذي لم يخرج لنجدة زملائه، صموئيل أفا ماركوس، وظهر كلاهما في المحكمة يوم 14 مارس الجاري، والتحقيقات حتى الآن تتهم “سعيد” كمتهم رئيسي، والراهب “صموئيل أفا ماركوس” أيضاً متهم بالتعاون وليس كشاهد!
عند ظهورهما في المحكمة، قال الراهب صموئيل أفا ماركوس أنه لا يعرف لماذا هو ههنا، وأنه لا يعرف الإنجليزية.
أجلت المحكمة القضية إلى يوم 22 مارس الجاري، وذلك حتى يتم الترتيب لحضور المترجمين والمحامين واستكمال الإجراءات.
---
## ماذا رأى متى المسكين؟
URL: https://tabcm.net/55970/
Type: post
Modified: 2026-06-10
كانت المرة الأولى التي أسمع فيها اسم الأب متى المسكين عام 1970، وأنا طفل في مدرسة الأحد بكنيسة السيدة العذراء بحي “توريال” في المنصورة. أتذكر أنني قرأت على لوحة الإعلانات إعلانًا صغيرًا يقول إنه سيتم فتح باب الحجز لكتاب “حياة الصلاة الأرثوذكسية” من تأليف الأب متى المسكين. واستغربت يومها.
لماذا نحجز كتابًا؟ لماذا لا يكون مطبوعًا وموجودًا في مكتبة الكنيسة كغيره من الكتب؟ لكنني، كطفل صغير، جمعت من مصروفي ما استطعت أن أجمعه وحجزت نسخة منه. وبعد شهور طويلة وصلت النسخة أخيرًا إلى يدي. بدأت أقرأها بشغف، لكن الحقيقة أنني كنت أصغر بكثير من أن أفهم ما أقرأ. كانت الكلمات جميلة، لكن عالم الصلاة الذي يتحدث عنه الكتاب كان أكبر من خبرتي ومن سني ومن قدرتي على الاستيعاب. وضعت الكتاب جانبًا، ومضت السنوات. ومرت العقود. ثم جاء الثامن من يونيو عام 2006، يوم انتقل الأب متى المسكين. وللمرة الأولى بدأت أتساءل بجدية:
من هو هذا الرجل؟
ولماذا يثير كل هذا الجدل؟
ولماذا يحبه البعض إلى هذا الحد بينما يعارضه آخرون بهذه القوة؟
فعُدت إلى الكتاب نفسه بعد أكثر من ثلاثين عامًا من قراءتي الأولى. وهنا كانت المفاجأة. لم يكن الكتاب قد تغير. لكن القارئ هو الذي تغير. فتحت صفحاته من جديد، ووقفت طويلًا أمام الأبواب التي يتحدث فيها عن “الهذيذ” و”الدهش”، ووجدت نفسي أقرأ بعض الاختبارات الروحية التي يرويها الأب متى المسكين فأشعر بدهشة لا تقل عن دهشته هو. بل أخشى أن أقول إن بعض ما وصفه في تلك الصفحات كنت قد عرفته بنفسي في سنوات سابقة من حياتي دون أن أخبر به أحدًا.
ثم اشتريت سيرته المختصرة. وأذكر أنني بدأت قراءتها في ساعة متأخرة من الليل، قرابة العاشرة مساءً. وما أن بدأت، لم أستطع التوقف. ظللت أقرأ حتى الثالثة فجرًا، حتى انتهيت من الكتاب كله في ليلة واحدة. وكانت دهشتي تزداد صفحة بعد صفحة. لم أكن أعرف أن الأب متى المسكين قد جُرّد من رهبنته. ولم أكن أعرف أنه عاش سنوات طويلة مطاردًا في صحراء وادي النطرون. من ١٩٦٠ حتى ١٩٦٩. ولم أكن أعرف أنه أخذ قافلة جمال مع قلة من تلاميذه ومضى إلى أعماق الصحراء، ساعات طويلة بعيدًا عن العمران، حتى استقر في مكان لا تصل إليه المؤونة ولا انسان إلا بعد رحلة شاقة.
لكن الأمر الذي هزني حقًا لم يكن هذه الوقائع التاريخية. بل سؤال آخر. سؤال ظل يلاحقني لسنوات طويلة. ماذا رأى هذا الرجل في الله؟ ما الذي وجده هناك في قلب الصحراء؟ ما الذي اكتشفه حتى هانت عليه الراحة والأمان والمكانة والكرامة؟ مطرود ليس فقط من العالم بل حتى من كنيسته ذاتها، بل ما الذي وجده حتى لم يكتفِ بالخروج إلى الصحراء، بل كان يترك حتى جماعته الصغيرة في الصوم الكبير ويصعد وحده إلى الجبل ليقضي أكثر من أربعين يومًا منفردًا بالله؟
ماذا رأى منك يا رب؟
ما الذي أبصره حتى جذبت قلبه بهذه الصورة؟
ما الذي عرفه عنك حتى استغنى عن كل شيء من أجلك؟
وهل يمكن لإنسان مثلي أن يرى منك ما رآه هذا الرجل؟
ثم قرأت السيرة المطولة. فوجدت فيها ما أحزنني. ووجدت فيها ما أوجعني. ووجدت فيها ما أدهشني. ورأيت فيها إنسانًا دفع ثمنًا باهظًا من أجل ما كان يؤمن به. ومنذ ذلك الوقت بدأت رحلة جديدة مع كتابات الأب متى المسكين. قرأت “حياة الصلاة الأرثوذكسية”، ثم تفسير إنجيل يوحنا ثلاث مجلدات، ثم تفسير رسالة غلاطية، ثم تفسير رسالة العبرانيين، وهنا وقعت المفاجأة الثانية، ففي مقدمة تفسيره لرسالة العبرانيين كتب الأب متى المسكين أنه يفضل أن تُقرأ الرسالة بصوت مسموع، وأن يعيش القارئ أحداثها ويتأملها وكأنها تحدث أمامه.
وأذكر أنني توقفت طويلًا أمام هذه العبارة. لأنني كنت أفعل الأمر نفسه قبل أن أقرأها بعشر أو خمس عشرة سنة كاملة. فبعد تخرجي التحقت بإحدى الشركات الأجنبية، وكنت أقيم وحيدًا في استراحة الشركة بصحراء الهرم. وكانت أيام الجمعة الطويلة تمنحني ساعات من العزلة. فكنت آخذ الإنجيل، وأفتح رسالة العبرانيين، وأقرأها بصوت مرتفع. ولم أكن أقرأها كدراسة لاهوتية. بل كنت أعيشها. كنت أرى الابن يدخل إلى محضر الآب بدمه الكريم ليصنع فداءً أبديًا. وأتأمل كيف صار يسوع المسيح أخي البكر، وكيف صار الله الآب أبي. كنت أقرأ الرسالة وكأنني أشارك في أحداثها.
وحين قرأت كلمات الأب متى المسكين شعرت بدهشة عميقة. كيف عبر الرجل الطريق نفسه؟ وكيف وصل إلى الاختبار ذاته؟ ولماذا التقينا عند هذه النقطة رغم أنني لم أره يومًا ولم أجلس معه ساعة واحدة؟ ومنذ ذلك الوقت لم أكَد أسافر في طائرة أو سفينة أو سيارة إلا وكان معي واحد من كتبه. وفي أحيان كثيرة كانت كتاباته تهزني من الداخل.
وأذكر أنني كنت أقرأ ذات يوم تفسير رسالة غلاطية. ثم أغلقت الكتاب فجأة. واحتضنته بين ذراعي. وأخذت أربت عليه كما يربت الإنسان على كتف صديق عزيز. ولم يكن شوقي إلى الكتاب. بل إلى صاحبه. إلى ذلك الراهب الذي لم أعرفه في حياته، لكنني شعرت أنني أعرفه من خلال كلماته.
وكانت صلاتي تتكرر عامًا بعد عام:
يا رب، أريد أن أراك كما رآك متى المسكين.
عايز أشوف اللي شافه منك.
أريد أن أعرف ما الذي وجده فيك حتى باع كل شيء.
ليس المال فقط.
ولا الراحة فقط.
بل حتى المجد الكنسي نفسه.
أريد أن أعرف ما الذي جعل هذا الرجل يختار أن يخسر كل شيء لكي يربحك.
ولعل هذا هو السر الذي جعل الأب متى المسكين يبقى حاضرًا في حياتي كل هذه السنين. فالقضية لم تكن يومًا قضية أفكار أو كتب أو جدالات. بل كانت سؤالًا واحدًا ظل يتردد في أعماقي منذ أن أغلقت آخر صفحة من سيرته:
ماذا رأى متى المسكين في الله؟
وما زلت، بعد كل هذه السنوات، أبحث عن الجواب.
---
## حين صمتت القيثارة
URL: https://tabcm.net/55943/
Type: post
Modified: 2026-06-09
ترك داود قيثارته بعدما أنهى غناء مزموره الجديد في حضرة شاول الملك، للتو، بعدما هدأت نوبة جديدة من نوبات الهياج المتتالية التي باتت تزوره في الفترة الأخيرة بكثرة، فيفقد صوابه ويصير كثور هائج لا يستطيع أحد أن يكبح جماحه.
داود، كلماته وموسيقاه، كان لها تأثير غريب على شاول الملك. لا أحد كان يعرف السبب. هل هي قداسة داود ونقاء قلبه؟ أم قوة كلماته الممزوجة بمسحة مقدسة من عند الرب؟ أم هي الموسيقى؟ وما أدراك جمال الموسيقى وتأثيرها على الروح والنفس عندما تكون موسيقى مقدسة؟ أم أن تأثير كل هذا مجتمعًا كان له سحر الدواء الشافي على ثورة شاول الجامحة؟ لا أحد كان يعلم، ولا أحد كان مهتمًا أن يعرف. كان يكفيهم النتيجة: الملك الثائر، يأتيه الغلام الجميل الأشقر ليترنم في حضرته بالمزمار والقيثارة، فيهدأ الملك وتهدأ ثورته.
انتظر داود كثيرًا في خيمة الملك بعدما هدأ. انتظر الإذن بالانصراف أو الأمر بالبقاء والغناء من جديد، حتى أعطاه شاول الملك الإشارة بيده للخروج والانصراف. لم ينطق شاول بكلمة، فقط إشارة فهمها داود وكأنه اعتادها، فجمع أشياءه وهمَّ بالخروج. وعند باب الخيمة قال شاول بصوته الضعيف:
— أبلغ القائد والحراس بالخارج أني بخير، ولكني لا أريد أحدًا. أخبرهم أني الملك شاول آمرهم بعدم الدخول مطلقًا، وأني أريد البقاء قليلًا منفردًا.
خرج داود الشاب وفعل ما أمره به شاول الملك، وبقي شاول منفردًا.
كان حزينًا، وعلامات المرارة والإرهاق والانكسار كلها مجتمعة مرسومة على وجهه. وسادت لحظات من الصمت سالت معها دموع كثيرة من عيني شاول.
شاول الملك الذي يهابه كل حكماء وفرسان وقادة إسرائيل يبكي في خبائه منفردًا كالأطفال.
لحظات مرت، ومر معها من أمامه شريط حياته، ذلك الشاب الراعي الذي قضى سنوات طويلة يخدم أباه، كان طويلًا فارعًا لدرجة تراه أطول من كل شباب بني إسرائيل. وفي يوم، تحول كل شيء حينما مسحه العجوز صموئيل ليصبح أول ملك على شعب الله. فجأة، شعر أن الله كافأه على أمانته في حفظ ورعاية ما لأبيه، فوكله الله على حفظ ورعاية شعبه.
كان شاول طوال الوقت يشعر بمعية الله معه، وكان يشعر أن يد الله القوية العزيزة الجبارة معه في كل حرب يخوضها ضد أعداء الله، وكان يشعر بالبركة في حياته وفي أملاكه وزوجاته وأبنائه وفي كل شيء.
ولكن فجأة، في لحظة، تبدل كل هذا، بسبب خطأ صغير لا يستحق، هكذا كان يراه شاول. كان يرى أن الخطأ ليس خطأه بل خطأ نبي الله صموئيل، فقد تأخر، تأخر جدًا جدًا جدًا، وكنا نواجه العدو في أرض المعركة، ولابد أن تُقدَّم الذبيحة ونبادر في المعركة حتى لا نخسر. أيقبل الله بخسارة جيشه؟ أيرضى الله أن يُسبى شعبه ويُذل أبناؤه وتصير نساء شعبه الأحرار جواري وملكات يمين للغلف؟
لقد اتخذت القرار السليم في الوقت السليم، وغضب صموئيل ذلك العجوز الأخرف وأغضب الله عليَّ، وهيجه عليَّ، فصار لي كدبٍّ كامن وكأسد يلتمس ابتلاع فريسته، جرَّعني كل مُرّ.
فارقني، تركني بلا حماية، فصرت فريسة سهلة عندما بغتني روح الشرير.
صرت أضحوكة لشعبي، وهزءًا للأغراب.
لم يحتمل شاول مرارة تلك الأفكار، فاعتلا صوته بالبكاء والنحيب، ثم سقط على الأرض في نوبة هياج عنيفة، فدخل قائد الحرس على صوت سقوط الملك، وأسرع الحراس بالجري للحاق بداود ليعود بقيثارته من جديد.
---
## سباق الرئاسة
URL: https://tabcm.net/55918/
Type: post
Modified: 2026-06-08
البداية لم تكن في ذلك اليوم الحار من شهر مايو، يوم أن هب المصريون أفواجاً أمام طوابير الانتخابات الرئاسية للمرة الثانية في تاريخ البلاد، في معركة ضروس بين المرشح العسكري أحمد شفيق والمرشح الإخواني محمد مرسي.
البداية كانت يوم اجتمع مجلس شورى جماعة الإخوان المسلمين، بعد 16 عامًا من تجميده، للمرة الأولى ليلة الخميس 10 فبراير 2011، قبل تنحي مبارك بيوم واحد، وبعدما تأكد للجميع أن سقوط الديكتاتور بات وشيكًا، وتأكد للإخوان أن حلمهم بإقامة الدولة الإسلامية والخلافة الإسلامية بات قاب قوسين أو أدنى، ليقرر فقط عدم الموافقة على ترشح أي فرد من الجماعة لمنصب رئيس الجمهورية، واعتبار من يترشح مخالفًا لقرار المجلس، لتطمين الرأي العام الداخلي والخارجي بأن الجماعة لا تريد أن تتصدر المشهد السياسي ((محمد حبيب: الإخوان المسلمون بين الصعود والرئاسة وتأكل الشرعية، المجموعة الدولية للنشر والتوزيع، 2013. )).
وعلى مدى الشهور التالية، دأب الإخوان في كل مناسبة على تكرار الرسالة ذاتها: “لن نترشح”.
كتب محمد بديع، المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، على صفحته الشخصية على فيسبوك يوم 12 فبراير 2011 يقول: الإخوان ليسوا طلاب سلطة، لكنهم يريدون رضا الله تعالى. وفي نفس اليوم، أكد أن كل المرشحين المحتملين للرئاسة الموجودين، ليس لنا فيهم مرشح واحد من الإخوان المسلمين، وننتظر حتى تنتهي مرحلة الترشح لنعلم من هو المعروض على شعب مصر، وما زال هناك من يفكر أن يترشح. وفي نفس اليوم، أصدرت الجماعة بياناً يقول: ندعم الجيش ولن نترشح لانتخابات الرئاسة أو نسعى للحصول على أغلبية في البرلمان، ونعتبر أنفسنا أهل وفاء واحترام المواثيق.
وبعد يومان وفي 14 فبراير 2011 كتب المرشد مؤكدًا الإخوان المسلمين لن يرشحوا أحدًا منهم لمنصب الرئاسة، ولن يسعوا إلى الحصول على أغلبية البرلمان، ويعتبرون أنفسهم خدمًا لهذا الشعب الكريم، وفي نفس اليوم أصدرت الجماعة بياناً يقول نعتزم تأسيس حزب سياسي بمجرد رفع القيود التي حالت دون ذلك فى عهد مبارك، ولن نترشح لانتخابات الرئاسة.
وفي 1 أبريل 2011 قال عصام العريان إن الإخوان غير طامعين في الرئاسة ولا الحكومة. وأكد خيرت الشاطر الأمر نفسه في مؤتمر حاشد للإخوان بالشرقية يوم 12 أبريل 2011 قائلًا لن نخوض انتخابات الرئاسة، ولو ترشح أخٌ لي فلن ندعمه.
وكتب د. محمود غزلان عضو مكتب الإرشاد مقالًا بتاريخ 21 مايو 2011 على موقع إخوان أونلاين بعنوان لماذا لن نرشح أو نؤيد أحدًا منا في انتخابات الرئاسة القادمة؟، كما أنّه في افتتاح مقر الإخوان في سوهاج في 9 يونيو 2011، جدد بديع تأكيده أن الجماعة لن ترشح أحدًا في انتخابات الرئاسة المقبلة، ولن تدعم أي عضو يخالف القرار ويرشح نفسه، مؤكدًا أنه على من يخالف القرار أن ينتظر قرار مجلس شورى الجماعة بفصله.
وفي افتتاح مقر الإخوان في البحيرة في 7 أكتوبر 2011، أعتبر مهدي عاكف أن قرار الجماعة بعدم الترشح في الانتخابات الرئاسية الآن لمصلحة مصر، لأن الاقتصاد والتعليم ضعيفان، وحينما يتولى الإخوان السلطة في هذه الظروف فإن هذا معناه بلاء جديد على مصر، أما حينما تنهض مصر جيشًا واقتصادًا وتعليمًا وسياحة وأمنًا، نحكم مصر باسم الشعب ونحن أقوياء.
في لقائه مع الإعلامي وائل الإبراشي، أكد بديع الأمر نفسه قائلًا: أتمنى ألا يترشح أحد من التيار الإسلامي، حرصًا على مصلحة مصر.
وفي حوار مع الإعلامي محمود سعد بخصوص المرشح الذي ستؤيده الجماعة في الانتخابات الرئاسية، أكد د. سعد الكتاتني الأمر نفسه قائلًا: ما زلنا حتى اليوم نقف على مسافة متساوية من الجميع، وغالبًا بعد الانتخابات ما تستقر، ستسمع رأيًا للحرية والعدالة، سندرسُه في مؤسساتنا، وسنعلنه في حينه، لن يكون هناك وقت. فأجابه محمود سعد: لكن الخبر الذي سنأخذه من حضرتك مؤكدًا أن الحرية والعدالة لن ترشح رئيسًا للجمهورية. فأجاب الكتاتني بكل ثقة: إطلاقًا.. هذا مؤكد.. على مسؤوليتي.
وكتب محمد بديع مرة أخرى على صفحته على فيسبوك يوم 21 يناير 2012 قائلًا: يجب ألا يكون مرشح الرئاسة القادم محسوبًا على التيار الإسلامي، لأن مصر تقع تحت المجهر، ونريد أن نخرج بمصر إلى بر الأمان باختيار رئيس توافقي ووزارة توافقية ائتلافية.
ويوم 15 فبراير 2012 كتب بديع يقول: سنبحث عمن ستفضله الجماعة من بين المرشحين بعد أن يستوفي المرشحون الشروط، التي أهمها أن يكون غير منتمٍ لتيار إسلامي ولكنه يحترم التيار الإسلامي وفكره وثقافته، وأن يكون توافقيًا في أغلب تركيبته السياسية، وسلطاته منضبطة برقابة شعبية.
وقبل أقل من شهرين تحديدًا من إعلان ترشح الشاطر، وفي عدد الاثنين 6 فبراير 2012 من جريدة المساء، أعلن الدكتور محمد مرسي، رئيس حزب الحرية والعدالة، أن الحزب لن يؤيد أي مرشح للرئاسة ينتمي للإخوان أو لأي فصيل إسلامي أو حركة، ولكن هذا لا يمنع أن نؤيد مرشحًا له اتجاه إسلامي، وذلك من منطلق الإلتزام بقرار مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان المسلمين، لأن مخالفة ذلك يعد التفافًا على الشعب.
استمرت تأكيدات الإخوان حتى الأول من مارس 2012، يوم أعلن المستشار فاروق سلطان، رئيس اللجنة العليا لانتخابات الرئاسة، الجدول الزمني للانتخابات، الذي يبدأ 8 مارس بتسليم نماذج الترشح للرئاسة، ثم فتح باب الترشح رسميًا من السبت 10 مارس وحتى 8 أبريل، وإجراء المرحلة الأولى من الانتخابات يومي 23 و24 مايو، ليكون 29 مايو يوم إعلان النتيجة، ويومي 16 و17 يونيو للإعادة، ويوم 21 يونيو 2012 لإعلان نتيجة الإعادة واسم الفائز بمنصب رئيس الجمهورية. وبعد ذلك الإعلان تغير كل شيء.
---
## وإنت كمان! إزاي تنصحني وإنت نفسك ما بتعملش؟
URL: https://tabcm.net/51660/
Type: post
Modified: 2026-06-07
في ناس كتير أول ما تواجههم بحقيقة أو نقد يقولّك: “وأنت كمان! إزاي تنصحني وأنت نفسك ما بتعملش؟”
المغالطة دي معروفة باسم «وأنت كمان/ Tu quoque»
فيه مشهد رائع من الرب يسوع، المعلّم الصالح، لما كشف بنفسه زيف الحجة دي، ووضّح الفرق بين الحق وبين اللي بيقوله أو بيمثّله.
والمشهد موجود في (إنجيل متّى 23: 1–3).
أولًا: الفكرة المحورية
يسوع يفرّق بقوة بين صِحّة التعليم وسلوك المعلّم:
على كرسيّ موسى جلس الكتبة والفريسيون. فكلّ ما قالوا لكم أن تحفظوه فاحفظوه وافعلوه. ولكن حسب أعمالهم لا تعملوا، لأنهم يقولون ولا يفعلون
(إنجيل متى 23: 2–3)
دي بالظبط نقضٌ لمغالطة “وأنت كمان” حتى لو المعلِّم منافق، ده لا يُبطِل حقّ ما يعلّمه إن كان الحقّ صادرًا من شريعة الله. يسوع يأمر باتّباع التعليم (حين يكون من الناموس) ويحذّر من تقليد السلوك. هكذا تُمحى الحجّة الشخصانية “بما إنك ما بتعملش اللي بتقوله، يبقى كلامك باطل”—لا، الحق لا يقوم على صلاح القائل.
ثانيًا: مفاتيح لغوية/نصّية سريعة
«كرسيّ موسى»:
اليوناني: καθέδρα Μωϋσέως kathédra Mōuséōs — تُنطق: كاثِدرا موسيوس= “كرسي/مقعد سلطة التعليم”.
ومن نفس الجذر اليوناني καθέδρα (kathédra) جات الكلمة اللاتينية cathedra اللي دخلت للغات الأوروبية ومنها كلمة كاتدرائية/ Cathedral، لأنها كنيسة الأسقف حيث يوجد “كرسي التعليم” الرسمي.
أدلة آثارية كشفت مقاعد حجرية في مجامع (خورازين، حمّة طبريا…)، ما يدعم أن المقصود منصب تعليمي حقيقي في المجمع (ومجازًا: سلطان التفسير).
ملاحظة بحثية: الدارسين اختلفوا هل المقصود حرفي (مقعد واقعي) أو مجازي (رمز للسلطة)، والأرجح أنه يجمع بين الاثنين.
فكلّ ما قالوا لكم أن تحفظوه فاحفظوه وافعلوه… ((إنجيل متى 23: 3 ))
تركيب الآية في اليوناني يتضمّن فعليْن:
τηρεῖν / τηρεῖτε (tērein/tēreite = “تحفَظ/تراقب/تلتزم”) و ποιεῖν / ποιεῖτε (poiein/poieite = “تفعل/تُجري”).
المعنى: التزموا بما يبلّغونه لكم من تعليم الناموس واعملوه. النص اليوناني التقليدي يرد فيه:
«πάντα οὖν ὅσα ἐὰν εἴπωσιν ὑμῖν … τηρεῖτε καὶ ποιεῖτε … λέγουσιν γὰρ καὶ οὐ ποιοῦσιν»
أي: “كل ما قد يقولونه لكم… احفظوه واعملوه… لأنهم يقولون ولا يعملون”.
ولكن حسب أعمالهم لا تعملوا ((إنجيل متى 23: 3 ))
هنا التباين الصارخ: لا تقتدوا بأعمالهم رغم صحّة ما يقرؤونه/يعلّمونه من الناموس.
الخلاصة اللغوية:
الجملة الأخيرة «λέγουσιν γὰρ καὶ οὐ ποιοῦσιν» (legousin gar kai ou poiousin) تلخّص جوهر المشكلة: يتكلمون بالوصايا لكن لا يطبقونها عمليًا- أي أن هناك فجوة صارخة بين التعليم والعمل.
ثالثًا: كيف يواجه النصّ مغالطة «وأنت كمان»؟
1. الفصل بين التعليم وصاحبه: يسوع يوضّح أن ما يُعلَّم على “كرسي موسى” صحيح لأنه من الناموس، لكنه يرفض أن يُتّخذ المعلّم نفسه قدوة بسبب ريائه. وهنا يُبطل حجة “وأنت كمان”: صحة التعليم لا تسقط برياء وسقوط المعلّم.
2. السلطة لا تعني الحصانة: الجلوس على “كرسي موسى” يعني امتلاك سلطة تفسيرية حقيقية، لكن ده لا يمنع المحاسبة الأخلاقية. يسوع يثبت شرعية موقعهم التعليمي، وفي نفس اللحظة يفضح تناقضهم العملي.
اسمع الحق… حتى لو القائل مرائي
لو حدّ قالك: “إزاي تنصحني وإنت نفسك ما بتعملش؟”، تقدر تردّ بما جاء في (إنجيل متّى 23: 2–3)
“اعتبرني فريسي… اسمع كلامي وسيبك مني!”
---
## تحريف التوراة والإنجيل
URL: https://tabcm.net/55923/
Type: post
Modified: 2026-06-06
يُعدّ سؤال تحريف التوراة والإنجيل من أكثر الأسئلة تداولًا على وسائل التواصل الاجتماعي في تناولها للمسيحيّة. وغالبًا ما يُقدَّم الجواب في بعض الأدبيّات الجدليّة بصورة يسيرة: “نعم، حُرِّفت الكتبُ السابقة، ولذلك جاء القرآن مصحِّحًا لها”. لكن عندما ننتقل من الجدل الدينيّ إلى قراءة النصوص نفسها، وتتبّع ما تقوله التفاسير الإسلامية الكبرى، تتبيّن صورةٌ أكثر تعقيدًا.
الأمر الأوّل الذي يلفت النظر هو أنّ القرآن يتحدّث عن التوراة والإنجيل بلغةٍ إيجابيّة للغاية. فهو يصف التوراة هكذا: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ ((المائدة: ٤٤ )))، ويصف الإنجيل بالطريقة نفسها. بل ويقول عن اليهود: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَمَا أُولَٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ ((المائدة: ٤٣ ))، ويقول عن المسيحيّين: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ ((المائدة: ٤٧ )).
هنا يبرز سؤالٌ مشروع: إذا كانت التوراة والإنجيل قد حُرِّفا تحريفًا جوهريًّا قبل زمن الرسول محمّد، فكيف يطلب القرآن من أهل الكتاب الرجوع إليهما؟ وكيف يتحدث عن وجود «حكم الله» فيهما؟ وكيف يصف نفسه بأنه «مصدِّق لما بين يديه من التوراة والإنجيل»؟ إن عبارة «لما بين يديه» تشير إلى الكتب الموجودة آنذاك بين أيدي اليهود والمسيحيين، لا إلى كتبٍ مفقودة أو مجهولة.
واللافت أنّ تفسير الطبريّ نفسه يضعنا أمام هذا السؤال. فالطبريّ يفسّر الآية من سورة المائدة بقوله إنّ التوراة الموجودة عند اليهود هي: «التي أنزلتها على موسى، التي يقرّون بها أنّها حق، وأنّها كتابي الذي أنزلته إلى نبيّي، وأنّ ما فيه من حكم فمن حكمي، يعلمون ذلك لا يتناكرونه ولا يتدافعونه». ثم يضيف أنّ مشكلتهم ليست في فساد النص أو ضياعه، بل في أنّهم «يتركون الحكم به بعد العلم بحكمي فيه جراءة عليّ وعصيانًا لي».
بل إن الطبري يشرح الآية على أنّها تقريع لليهود لأنهم تركوا حكم الله الموجود في التوراة مع اعترافهم بأنها كتاب الله. يقول: «فإذ كنتم تتركون حكمي الذي جاءكم به موسى الذي تقرّون بنبوته في كتابي، فأنتم بترك حكمي الذي يخبركم به نبيّي محمد أنّه حكمي أحرى». فلو كانت التوراة محرّفة تحريفًا شاملًا، لكان من الطبيعي أن يكون محور التقريع هو تحريف الكتاب. لكن محور التقريع هنا هو ترك العمل بما هو موجود أصلًا في الكتاب.
ويأتي تفسير السعدي ليؤكد الفكرة نفسها بصورة أوضح. فهو يقول: «لو كانوا مؤمنين عاملين بما يقتضيه الإيمان ويوجبه لم يصدفوا عن حكم الله الذي في التوراة التي بين أيديهم». لاحظ العبارة: «التوراة التي بين أيديهم». فالسعدي لا يتحدث عن توراة مفقودة أو مجهولة، بل عن التوراة الموجودة فعليًّا عند اليهود. ثم يضيف أنّهم تركوا حكم الله الموجود فيها لأنهم كانوا يبحثون عن حكم يوافق أهواءهم، وحين حكم لهم محمد بالحكم نفسه الموجود في التوراة لم يقبلوا حكمه أيضًا. إذًا المشكلة، حسب السعدي، ليست في غياب النص أو فساده، بل في رفض الخضوع لما يتضمنه النص من حكم.
ويضيف ابن كثير بُعدًا مهمًّا آخر، إذ يفسّر الآية بقوله إن الله ينكر عليهم «تركهم ما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم الذي يزعمون أنهم مأمورون بالتمسك به أبدا ثم خرجوا عن حكمه وعدلوا إلى غيره». ومرة أخرى نجد أن نقطة الانطلاق ليست كتابًا ضائعًا أو محرّفًا، بل «الكتاب الذي بأيديهم». بل إن ابن كثير يرى أن المشكلة تكمن في العدول عن حكمه لا في فقدانه. ثم يشرح الآية بقوله إن اليهود تركوا ما يعتقدون صحته وانتقلوا إلى ما «يعتقدون في نفس الأمر بطلانه وعدم لزومه لهم».
والأهم من ذلك أن بعض المفسرين الذين ينقل عنهم القرطبي يثيرون إشكالًا لاهوتيًّا (كلاميًّا) عميقًا. فقد نقل عن أبي علي قوله في تفسير عبارة: ﴿فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾: «نعم؛ لأنه لو نُسخ لم يطلق عليه بعد النسخ أنه حكم الله، كما لا يطلق أن حكم الله تحليل الخمر أو تحريم السبت». وهذا الاستدلال مهم للغاية، لأنه يفترض أن القرآن حين يقول عن التوراة الموجودة عند اليهود إن «فيها حكم الله»، فإنه يتحدث عن حكم إلهي لم يزل قائمًا في الكتاب الموجود بين أيديهم. وإلا لما صحّ وصفه بأنه «حكم الله».
أما الآيات التي يستند إليها كثيرون لإثبات التحريف، مثل: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾، فهي لا تتحدث بالضرورة عن تغيير النصوص نفسها. فالتحريف في اللغة العربية قد يكون تحريفًا للمعنى أو للتفسير أو لسياق الكلام. ولهذا فهم عدد من المفسرين أنّ القرآن ينتقد بعض أهل الكتاب بسبب سوء التأويل أو كتمان بعض الحقائق، لا بسبب ضياع النصوص المقدسة كلها. فالإنسان يستطيع أن يحرّف معنى النص من دون أن يغيّر حرفًا واحدًا فيه.
وتزداد المسألة تعقيدًا عندما ننظر إلى التاريخ. فاليوم يملك العالم آلاف المخطوطات للتوراة والإنجيل بلغاتٍ متعددة، وبعضها يعود إلى قرون طويلة قبل الإسلام. كما نملك ترجمات قديمة جدًا إلى اليونانية والسريانية والقبطية والحبشيّة والأرمنّية والجورجيّة واللاتينية. وهذه المخطوطات تُظهر وجود اختلافات نصية معروفة يدرسها علماء النقد النصي، لكنها لا تدل على وقوع مؤامرة عالمية غيّرت مضمون الكتاب المقدس كله.
ويُطرح هنا سؤالٌ منطقي آخر: إذا كان الله قد أنزل التوراة والإنجيل ثم سمح بضياعهما أو تحريفهما تحريفًا شاملًا، فلماذا يحفظ الله القرآن وحده؟ وكيف ينسجم ذلك مع عدالة الله وحكمته؟ بل كيف يُحاسَب أناس على كتب سمح الله، حسب هذه الفرضية، أن تضيع أو تُشوَّه؟ وكيف نفهم عندئذٍ الآيات التي تطلب من اليهود والمسيحيين أن يحتكموا إلى ما عندهم من كتاب؟ أمّا الاستدلال بأن الكتاب المقدس محرّف لأنه يروي أخطاء بعض الأنبياء، أو لأنه يذكر صلب المسيح، فليس دليلًا على التحريف من الناحية التاريخية. فهو يفترض مسبقًا صحة موقف ديني معيّن، ثم يحاكم النص على أساسه. لكن البحث التاريخي يحتاج إلى أدلة نصية وأدلة من المخطوطات، وأدلّة تاريخية، وليس إلى الاختلاف العقيدي وحده.
إن الخلاف الحقيقي في الحوار بين الإسلام والمسيحية لا يكمن في وجود دليل تاريخي قاطع على تحريف التوراة والإنجيل، بل في اختلافهما حول مضمون الوحي نفسه. فالمسيحي يؤمن بأن الأسفار المقدسة التي بين يديه تنقل بأمانة التقليد الرسولي والشهادة التاريخية ليسوع المسيح. والمسلم يؤمن بأن القرآن هو المرجع النهائي الذي يصحح ما سبقه. وهذه مسألة إيمانية قبل أن تكون مسألة مخطوطات. لذلك أحسب أنّه ربما يكون السؤال الأدقّ ليس: «هل حُرِّفت التوراة والإنجيل؟» بل: «ما الذي قصده القرآن بالتحريف؟». وعند هذه النقطة يبدأ النقاش الحقيقي، بعيدًا عن الشعارات والاتهامات الجاهزة. فحتى داخل النص القرآني نفسه، وداخل تفاسير إسلامية معتبرة مثل الطبري والسعدي وابن كثير، توجد إشارات قوية إلى أنّ المشكلة الأساسية كانت في ترك حكم الله الموجود في الكتاب، أو في تحريف معناه وتأويله، لا في اختفاء النص نفسه. ومن ثمّ فإن نظرية التحريف النصي الكامل تبدو أكثر تعقيدًا بكثير مما تعرضه بعض الأدبيات الجدلية المعاصرة، أو الحلقات على الإنترنت، وتبقى بحاجة إلى برهنة تاريخية ونصية تتجاوز الافتراضات العقيدية المسبقة.
---
## من أفرج عن الإسلاميين؟
URL: https://tabcm.net/55851/
Type: post
Modified: 2026-06-05
بعد ثورة يناير وخلع مبارك في فبراير 2011، أعلن محمود وجدي، وزير الداخلية الجديد في حكومة أحمد شفيق، عن سياسة جديدة للوزارة، تقضي بإطلاق سراح كافة المعتقلين السياسيين، بناءً على توجيهات علنية من شفيق وبمباركة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وكأنها محاولة لتهدئة الشارع الغاضب والإيحاء ببدء عهد جديد فيما يخص سلوك الشرطة، الذي كان سببًا للثورة على مبارك، بالتوازي مع التوافق في المصالح الذي شهدته الفترة الانتقالية بين المجلس العسكري من ناحية، والإخوان المسلمون وغيرهم من التيارات الإسلامية من ناحية أخرى.
اعتمد المجلس العسكري على الإسلاميين في تهدئة الأوضاع في الشارع، بسحب أنصارهم من الميدان، وفي تأييد التعديلات الدستورية والاستحقاقات الانتخابية التي دفع بها المجلس العسكري، لأن “المجلس العسكري كان في بداية توليه الحكم يلقى معارضة بارزة من القوى الثورية، مقارنة بالتناغم الذي ساد علاقته بالحركات الإسلامية، بحسب تصريح المحامي الإسلامي البارز منتصر الزيات لموقع مدى مصر ((حسام بهجت، مدى مصر: من فك أسر الجهاديين؟ بتاريخ 16 فبراير 2014. )).
في عصر حسني مبارك، كان أغلب الإسلاميين المسجونين خاضعين لقرارات اعتقال إدارية، وفقًا لحالة الطوارئ المفروضة دون انقطاع منذ اغتيال السادات. وكان هذا يعني احتجازهم لمدد مفتوحة دون اتهام أو محاكمة، بموجب قرار من وزير الداخلية لاعتبارهم خطرًا على الأمن العام.
أغلب هؤلاء المعتقلين الإداريين كانوا يطعنون على قرارات اعتقالهم، ويحصلون على أحكام بإخلاء سبيلهم من محاكم أمن الدولة المنشأة بموجب قانون الطوارئ ذاته. غير أن وزارة الداخلية كانت تسارع بإصدار قرار اعتقال جديد بحقهم دون إخلاء سبيلهم. لذلك، فإن إطلاق سراح تلك الفئة من المعتقلين بعد الثورة لم يكن ليمثل أي عقبة.
المشكلة الأكبر التي واجهت المجلس العسكري تمثلت في العدد القليل من الجهاديين الذين صدرت بحقهم أحكام قضائية بالإدانة والسجن، بل وفي بعض الأحيان بالإعدام شنقًا دون تنفيذ تلك الأحكام، في إطار التفاهمات بين الأجهزة الأمنية والجماعات المسلحة التي أعلن أغلبها مبادرة لوقف العنف في نهاية التسعينات. وفي بعض هذه الحالات، أصدر النائب العام فجأة قرارات بوقف تنفيذ العقوبة بحق البعض لأسباب صحية، وسمح المجلس العسكري للبعض الآخر بتقديم تظلمات ضد أحكام كانت قد صدرت بسجنهم أو إعدامهم من محاكم الطوارئ أو من محاكم عسكرية (غالبًا بعد محاكمات غيابية).
التظلمات قبلها المجلس العسكري بسرعة، ومنح مقدميها الحق في إعادة محاكمتهم. انتهت المحاكمات الجديدة عمومًا بتبرئتهم وإخلاء سبيلهم. عملت المحاكم العسكرية بنشاط طوال عامي 2011 و2012، فراجعت أحكامًا قديمة، وقبلت طعونًا، وأصدرت أحكامًا بالبراءة على متهمين كانت قد صدرت أحكام بسجنهم أو إعدامهم عن محاكم عسكرية أيضًا على مدى الأعوام العشرين الأخيرة من حكم مبارك، مثل محمد الظواهري، شقيق زعيم تنظيم القاعدة، الذي كان قد صدر حكم بإعدامه غيابيًا من محكمة عسكرية عام 1999، في القضية التي عرفت باسم “العائدون من ألبانيا”، بتهم التآمر بتنفيذ أعمال إرهابية والسعي لقلب نظام الحكم.
كان الظواهري قد قُبض عليه في الإمارات حيث كان يعمل مهندسًا عام 1999، وتم ترحيله إلى مصر بعد أن قضى في سجون الإمارات قرابة أربعة أشهر. وفي عام 2011، تم إخلاء سبيله بعد أن سُمح له فجأة بالطعن على الحكم، ثم قررت محكمة عسكرية قبول طعنه وأمرت بإلغاء الحكم في يونيو من العام نفسه ((منير أديب وأحمد الخطيب، المصري اليوم: «الداخلية» تفرج عن شقيق الظواهري و60 من «الجهاد» و«الجماعة الإسلامية». بتاريخ 17 مارس 2011. )) أو محمد شوقي الإسلامبولي من تنظيم الجهاد، وهو شقيق خالد الإسلامبولي الذي اغتال السادات، ومصطفى حمزة، القيادي في الجماعة الإسلامية والمحكوم عليه بالإعدام بتهمة التخطيط لمحاولة اغتيال مبارك في أديس أبابا عام 1995، ورفاعي طه، وهو قيادي آخر بالجماعة الإسلامية حُكِم عليه بالإعدام غيابيًا عام 1992 في قضية “العائدون من أفغانستان” بتهمة الانتماء لتنظيم محظور والسعي لقلب نظام الحكم ((مها سالم، بوابة الأهرام: المحكمة العسكرية تقضي ببراءة شقيق الإسلامبولي قاتل السادات وشقيق الظواهري. بتاريخ 19 مارس 2012. )).
في الأول من مارس 2011، وبعد ثلاثة أسابيع من تنحي مبارك، أصدر المجلس العسكري قرارًا بالإفراج الصحي عن خيرت الشاطر وشريكه حسن مالك، بعد قضاء ما يقرب من 4 سنوات وربع السنة من الحكم عليهما بـ7 سنوات في القضية 2 لسنة 2007م جنايات عسكرية، والمعروفة إعلاميًا بقضية مليشيات الأزهر ((حمدي رزق، صدى البلد: وماذا عن قرارات العسكري بالإفراج عن الإرهابيين؟ بتاريخ 1 ديسمبر 2015. )).
بعد إطلاق سراح معتقلي الطوارئ وإعادة محاكمة وتبرئة القيادات المحكوم عليها، وجد المجلس العسكري في سجونه أكثر من مائة سجين ينفذون أحكامًا نهائية غير قابلة للطعن، فصدرت أولى قرارات العفو الرئاسي في 10 مارس 2011 بتوقيع المشير حسين طنطاوي، وشمل القرار 60 مسجونًا، جميعهم من الإسلاميين، ووصفهم القرار بـ”المحكوم عليهم سياسيًا”، في اعتراف نادر من الدولة بتسييس محاكمات الإرهاب في عهد مبارك.
كان أشهر السجناء الستين الحاصلين على العفو بموجب قرار مارس 2011 الشقيقان طارق الزمر وعبود الزمر، المحكوم عليهما في قضية اغتيال السادات، وهما من أقدم السجناء الإسلاميين وأميرهم وقتها. وقد تداولت وسائل الإعلام قبل العفو عنهما رواية تقول إنهما رفضا الهروب من سجن ملحق بمزرعة طرة أثناء الثورة رفقة سجناء هاربين آخرين.
اللافت للانتباه أن إجراءات إعادة المحاكمات العسكرية وتبرئة القيادات التاريخية للجهاد والجماعة الإسلامية استمرت أمام القضاء العسكري، حتى بعد تولي محمد مرسي رئاسة الجمهورية، فقد قامت وزارة الداخلية في أواخر نوفمبر 2012 بإخلاء سبيل أحمد سلامة مبروك، أحد مؤسسي تنظيم الجهاد في السبعينات.
لم يكتفِ المجلس العسكري بسعيه الحثيث للإفراج عن الجهاديين بكل الطرق الممكنة، بدءًا من إلغاء قرارات الاعتقال الإدارية التي صدرت بحق البعض، ومرورًا بقرارات النائب العام المفاجئة بوقف تنفيذ الأحكام القضائية التي صدرت بحق البعض، وسماح المجلس العسكري للبعض الآخر بتقديم تظلمات ضد أحكام كانت قد صدرت بسجنهم أو إعدامهم من محاكم الطوارئ أو من محاكم عسكرية.
وانتهت المحاكمات الجديدة عمومًا بتبرئتهم وإخلاء سبيلهم، وانتهاءً بقرارات العفو الرئاسي التي أصدرها المشير طنطاوي بحق 60 مسجونًا، وجد المجلس العسكري أنهم ينفذون أحكامًا نهائية غير قابلة للطعن، فلجأ لمنحهم العفو الرئاسي، وفتح الباب لعودة 3000 جهادي إلى مصر من أفغانستان والشيشان والبوسنة والهرسك والصومال وكينيا وإيران ولندن، بعد رفع أسمائهم من قوائم ترقب الوصول ((منير أديب، المصري اليوم: 3000 «جهادي» يعودون إلى مصر من أفغانستان والشيشان والبوسنة والصومال وإيران. بتاريخ 31 مارس 2011. )).
---
## الملكوت والجحيم عند آباء ما بعد خلقيدونية [۲]
URL: https://tabcm.net/55088/
Type: post
Modified: 2026-06-05
نواصل الحديث عن الإشارات إلى طبيعة وماهية الملكوت والجحيم في تعاليم آباء ما بعد مجمع خلقيدونية 451.
غريغوريوس بالاماس
يرى الأب غريغوريوس بالاماس أنه في هذه القيامة العامة، ستكون نعمة الثالوث الإلهية هواء ونور الدهر الآتيّ. لكنها ستكون هي ذاتها نورًا للقديسين، ونارًا للخطأة. حيث يُعلِّق بالاماس على قول يوحنا المعمدان: هو سيُعمِّدكم بالروح القدس ونار ((إنجيل متى 3: 11 ))، قائلًا إنه يعني به الإستنارة وعذاب الجحيم، بحيث أن كل واحدٍ سيأخذ ما يُناسِب حالته. ((Gregory Palamas, Ομλία, 59, 13, ΕΠΕ. 11, σ. 498 )) فهؤلاء الذين لم يعرفوا الله كنورٍ، يقول بالاماس، مستندًا إلى قول ق. غريغوريوس اللاهوتيّ، ((Gregory of Nazianzus, Or. 21: 2. )) ولم يؤمنوا به: سيعاينونه مثل نار. لكن هذه النار تملأها ظلماتٌ، تُطابِق الظلمات ”المعدَّة لإبليس وملائكته“. وهكذا، يقول الأب بالاماس في هذا الصدد: ((غريغوريوس بالاماس، الدفاع عن القديسين الهدوئيين، ترجمة: دير القديس جاورجيوس، دير الحرف، لبنان: منشورات التراث الآبائي، 1995، الثلاثية الأولى: 3: 10، ص 83، 84. ))
على هذا المنوال، يتراءى الله اليوم لمَّن تطهَّروا بالحب، ولكن سيأتي يوم سيتراءى فيه لهم وجهًا لوجه‘ كما قيل في ((رسالة بولس اﻷولى إلى كورنثوس 13: 12 )). إن الذين لا يؤمنون بأن الله يتراءى كنور فائق النور، لعدم خبرتهم بالإلهيات وعدم معاينتهم لها، الذين يؤمنون بأن العقل وحده يستطيع أن يُعاينه، هم مثل عميان يتلقون دفء الشمس فقط، ولكن لا يُصدِّقون، مَن يُبصِرون بهاءها أيضًا. وإذَا عمدوا، فوق ذلك، إلى تعليم المبصِرين بقولهم إن الشمس ليست نورًا، بينما هي الشيء الحسيّ الأكثر نورًا، فالذين لهم عيون حسية سوف لا يسعهم إلا أن يسخروا بهم. والقوم الذين تذكرهم يكادون يكونون في مثل هذا الوضع عينه بالنسبة لشمس البرّ ((سفر ملاخي 4: 2 )) الفائق العالم. فسيندب حظهم، ليس فقط الذين يملكون حقًا البصر العقليّ، بل وأيضًا مَن يثقون بهؤلاء المبصِرين. إن الله، لفائض محبته لنا، وهو المتعالِي عل كل شيء وغير المدرَك، والفائق الوصف، يرضى أن يُشرِك عقلنا به، وأن يُرى بنحوٍ غير مرئيّ، في عزته الفائقة الجوهر والممتنعة الانفصال، ولكن هؤلاء لا يُقابِلون بالمحبة تلك المحبة الجلية والمعقولة في ذاتها. بل أكثر من ذلك، إنهم لا يُرِيدون أن يقتدوا بالقديسين الذين، بدافع محبتهم للناس، يقودونهم بأقوالهم نحو ذلك النور، بل يعزمون بإدعاء كليّ على اجتذاب مَن يثقون بالقديسين ليجعلوهم رفاقًا لهم عندما ’يعاينون مثل نار، حسب قول غريغوريوس اللاهوتيّ، مَن لم يعرفوه كنور‘، ومَن لم يؤمنوا به. ولكن هذه النار تملأها الظلمات، بل تُطابِق الظلمات التي تُهدِّدنا تلك المعدَّة لإبليس وملائكته حسب قول الربّ ((إنجيل متى 25: 14 )). فهذه الظلمات ليست بالتالي مُجرَّد ظلمات حسية، لأنها مُعدَّة للملائكة الأشرار عديمي الإحساس، كما أنها ليست مُجرَّد جهل، لأن الذين يقنعهم اليوم ورثة هذه الظلمات لن يجهلوا الله أكثر ما يجهلونه الآن. بل سيعرفونه بصورةٍ أفضل، لأنه قيل: كل جسد سيشهد أن يسوع هو الربّ لمجد الله الآب ((رسالة بولس إلى فيلبي 2: 11 )). آمين. فهذا النور، إذًا، ليس حسيًا بكل معنى الكلمة، وليس هو معرفة ما دامت الظلمات التي تُقابِله ليست جهلًا. فإذَا كان هذا النور، مع كُونه ليس بمعرفة، يُؤتي معرفة أسرار الله معرفةً روحيةً خفيةً، فإن بواكيره التي يُعاينها منذ الآن مَن طهَّروا قلوبهم لا يمكن أن تكون معرفة فقط، ولكنها مع ذلك تُؤتيهم معرفة توافقهم: إنها نور معقول وعقليّ، بل نور روحيّ. إنها حاضرة ومرئية روحيًا، تتسامى كل السمو على كُل معرفة وكُل فضيلة، ووحدها تُؤتي المسيحيين الكمال الذي يستطيعون الوصول إليه منذ هذا الدهر، والذي لا ينجم عن اقنفاء الآخرين، أو عن عمل عاقل، بل نتيجة كشف ونعمة من الروح.
(غريغوريوس بالاماس، الدفاع عن القديسين الهدوئيين)
مرقس الأفسسي
يرى الأب مرقس الأفسسيّ إنه في المواضع التي تُذكَر فيها النار في الكتاب المقدَّس والنصوص الآبائية، يكون المقصود بها نار جهنم الأبدية التي هي في الواقع غير مخلوقة. لا يتعلَّق الأمر بشيءٍ مخلوقٍ، أو واقعٍ مخلوقٍ، ولكن بعمل الله الذي يُختبَر كنارٍ من قِبَل أولئك الذين لم يتمّ شفاؤهم.
يُؤكِّد الأب مرقس الأفسسيّ في عظته الأولى أنه: لو وُجِدَ أيّ ذكر للنار في هذه الصلوات والتسابيح، فهي ليست نارًا مُؤقتةً ذات قوة مُطهِّرة، ولكنها بالأحرى نار أبدية وعقاب لانهائيّ، ويُصلِي القديسون لكي يخلُص منها أولئك الذين رحلوا في الإيمان. ((Mark Archbishop of Ephesus, Homily 1, p. 42. )) هذه النار المذكورة في نصوص الكنيسة ليست نارًا مُؤقتةً، ولكنها نار أبدية. يُشِير الأب مرقس الأفسسيّ إلى نص ق. غريغوريوس اللاهوتيّ قائلًا: إنه يقول إن هذه النار ليست مُؤقتةً وعابرةً، ولكنها مُستدِيمةً وأكثر إيلامًا. ((Mark Archbishop of Ephesus, Homily 1, p. 50. ))
ليست نار جهنم، إذًا، هي نارٌ ماديةٌ ومخلوقةٌ، ولكنها غير مخلوقة. ويقول الأب مرقس الأفسسيّ إن النور بالنسبة للمستحِق هو رؤية الله. وبلا شك هذا النور هو مجد الله غير المخلوق. يربط أيضًا الأفسسيّ النور غير المخلوق بنار جهنم. فيقول إن النار الأبدية ليست نارًا ماديةً حيث إنها نور لأولئك المستحِقين رؤيتها. وهو إذ يُحلِّل هذا المنظور يُؤكِّد على أن قديسي الكنيسة يأخذون النار الأبدية والعقاب اللانهائيّ بطريقةٍ مجازيةٍ. فهي مسألة مجازية لأن نور الأبرار هو نور غير ماديّ، كما أن نار الخطأة ليست نارًا مخلوقةً ولا ماديةً. فهما حقيقتان واقعتان وحالتان حقيقيتان، ولكنهما ليسا كالحالات التي نعرفها من عالم الحواس. يستخدم الكتاب المقدَّس العديد من الصور ليصف حالة المعاقَبين مثل النار، والدود، والثعابين، وصرير الأسنان. تُعبِّر كل هذه عن حقائق أخرى. يعني القديسون بالنار الجهل بالله. لا يجب أن نظن أن هذه النار هنالك هي نارٌ ماديةٌ، ولا أن الظلمة الخارجية هي شيء آخر غير الجهل بالله.
إننا بلا شك عندما نتحدَّث عن الجهل بالله نعني عدم الشركة فيه، طالما أننا نُدرِك أن الخطأة سوف يرون الله. بمعنى أنهم سوف يرون الله، ولكنهم لن يشتركوا فيه، وسيكونون جُهال به. إن معرفة الله في التقليد الأرثوذكسيّ هي الاشتراك فيه. تُشِير الدودة أو بعض السلالات من الزواحف السامة آكلة اللحوم إلى عذاب الأشرار بواسطة ضميرهم وندمهم المرير. يعني صرير الأسنان نفس الشيء بالضبط، أي أنه يُشِير إلى الحزن والغضب والنحيب المرّ الذي لأولئك الذين هم في صراع مع أنفسهم. ((Mark Archbishop of Ephesus, Homily 2, p. 130. )) مِن الواضح، إذًا، أنه عندما يتحدَّث التقليد الكنسيّ عن النار، فإنه يقصد النار الأبدية غير المخلوقة. وهذا يعني أن الأمر لا يتعلَّق بنارٍ مطهريةٍ مُؤقتةٍ، ولكن باختبار نعمة الله غير المخلوقة كنارٍ بسبب نجاسة المرء. وهذا هو بعينه السبب الذي يجعل وجود نار المطهر، كما في فكر اللاتين، مستحيلًا.
وهكذا يتبع الأب مرقس الأفسسيّ بأمانةٍ تعليم أبيه غريغوريوس بالاماس، الذي كان يرى كُل المناقشات حول النار والنور في إطار التألُّه، الذي يُختبَر كرؤيةٍ لنور الله غير المخلوق. أي أن السماء والجحيم، اللتين يتكلَّم عليهما الكتاب المقدَّس، هما أمكنة نسبية تنتج عن اللقاء الإسخاتولوچيّ للمخلوق مع القوى غير المخلوقة. في مواجهة الأبدية، نور الله الواحد هو نفسه سيُنِير وسيحرق، وبين خبرة هذين القطبين هناك هوة عظيمة، لا يمكن لأحد عبورها ((إنجيل لوقا 16: 19-31 ))“. ((Mark Archbishop of Ephesus, Refutation of Purgatory, homily 1, ch. 14, 7 (PO. 15, 58, 12-28 W1); Refutation of Purgatory, homily 2, ch. 4, (PO. 15, 111, 20-30 W2); ch. 23, 7 (147, 9-22); See Nicholas Constas, Mark Eugenikos, La Theologie Byzantine et sa Tradition II, Sous la direction de: Carmelo Conticello & Vassa Conticello, Turnhout Brepols Publishers, 2002, p. 452. ))
وبحسب هذا اللاهوت، يتكلَّم الأب مرقس الأفسسيّ قائلاً إن أنفس القديسين الراقدين، تسكن ”بالإيمان“ في الروح القدس كمكانٍ مُنيرٍ، وهي تختبر هذا المكان المنير كمعاينةٍ نقيةٍ [ثيؤريا]، ومباركةٍ لله. إنهم يحيون في تألق النور الإلهيّ، كوجهٍ يومض داخل أرضيةٍ ذهبيةٍ لأيقونة. إنهم في راحةٍ تامةٍ، أحرارٌ في السماء مع الملائكة وهم بقرب الله نفسه، إنهم حقًا في الفردوس من حيث سقط آدم. تكلَّم عن هذا النور، كسكنٍ في الروح القدس، الكتاب المقدَّس وآباء الكنيسة. في لاهوت الإنجيليّ يوحنا، النور هو هذا المكان المقدَّس الذي ينيره حضور الروح القدس، وهو يُشكِّل النقطة الرئيسية في لاهوت ق. باسيليوس الكبير. ((SC. 25-26, 17bis, 456-477. )) ويُؤكِّد الأب يوحنا الدمشقيّ هذا الواقع بقوله: إن مكان الله هو المكان حيث قوى الله حاضرة […] إنه ذاك [المكان] الذي يشترك في قوى الله ونعمته. ((PG. 94, 852; 6, 2, PO. 15, p. 153. )) يذكر الأب مرقس الأفسسيّ أيضًا استشهادًا من ق. غريغوريوس اللاهوتيّ، يتكلَّم فيه على الأبرار أنهم يتلقون النور الذي لا يُوصَف، ومعاينة الثالوث القدوس، وهم يشعون بأكثر ضياءً ونقاوةً. ((PG. 35, 945. )) ويقترح الأب مرقس الأفسسيّ أن تلك الحالة المباركة يمكن أن تُدعَى: معاينة الله، أو الاشتراك والشركة مع الله، أو ملكوت السموات. (( Responses, ch. 1, (PO. 15, 153, 15-17 W3); See Nicholas Constas, Mark Eugenikos, La Theologie Byzantine et sa Tradition II, Sous la direction de: Carmelo Conticello & Vassa Conticello, Turnhout Brepols Publishers, 2002, p. 453. ))
نيقولا كاباسيلاس
يصف الأب نيقولا كاباسيلاس حالة الجحيم بأنه خسارة الغبطة الأبدية، والسُّكنى في العالم الذي لا يموت في شقاءٍ وموتٍ روحيّ، وعدم التمتُّع بالفرح السماويّ قائلًا: ((نيقولا كاباسيلاس، الحياة في المسيح، ترجمة: البطريرك إلياس الرابع، لبنان: منشورات تعاونية النور الأرثوذكسية، 2002، القسم الأول، ص 15. ))
أولئك الذين يرحلون عن هذا العالم، بدون أن يتسلَّحوا بالقوى الروحية والمشاعر الضرورية لحياة السماء، سيخسرون الغبطة الأبدية، وسيقطنون العالم الذي لا يموت أشقياءً وأمواتًا روحيًا كما كانوا ووجدوا ساعة رحلوا. لماذا لا يتمتع أولئك بالفرح السماويّ؟ لأنهم كانوا يفتقرون إلى ابصار روحية تُمكِّنهم من رؤية النور الروحيّ، رؤية شمس العدل، رؤية المسيح المشع في كل اتجاه.
(نيقولا كاباسيلاس، الحياة في المسيح)
يُفرِّق الأب نيقولا كاباسيلاس بين حالة الأبرار في الملكوت، الذي هو رؤية الله، والتمتُّع بالمعية مع المسيح، وبين حالة الأشرار في الجحيم، الذين لا يمكنهم رؤية الله أو الاتحاد به، ولا يمكنهم التمتُّع بجماله، لذا، قد ذهبوا إلى الحياة الأخرى عميان النظر والروح محرومين من معرفة المخلِّص ومحبته، ومحرومين من إرادة الاتحاد به والقدرة على هذا الاتحاد كالتالي: ((نيقولا كاباسيلاس، الحياة في المسيح، ترجمة: البطريرك إلياس الرابع، لبنان: منشورات تعاونية النور الأرثوذكسية، 2002، القسم الثاني، ص 67، 68. ))
إن القيامة هي ترميم الطبيعة. إنها موهبةٌ مجانيةٌ من الله، وكما أنه خلقنا بدون إرادتنا فيقيمنا بدون مساهمتنا. أمَّا ذلك الملكوت، أمَّا رؤية الله، وأن نكون مع المسيح، هذه المتعة للنفس، للذين يحبونه، ويشتاقونه، فالله يحتفظ بها للذين أرادوه واشتاقوه. أمَّا الذين لم يشتاقوه، ولم يريدوه، فكيف يمكنهم أن يروه، أو يتَّحدوا به، ويتمتعوا بجماله، كما يقول السيد: لا يستطيع العالم أن يتلقاه لأنه لا يراه ولا يعرفه ((إنجيل يوحنا 14: 17 ))؟ في الواقع، لقد ذهبوا إلى الحياة الأخرى عميان النظر والروح محرومين من معرفة المخلِّص ومحبته، ومن إرادة الاتحاد به، والقدرة على هذا الاتحاد، فلا نعجبن، إذًا، إذَا كان الكل خالدين، ولكن لا كلهم يتمتعون بالغبطة. الجميع يتمتعون بطبيعة العناية الإلهية، ولكن المكافأة لا تُمنَح إلا للمؤمنين خدام الله، والسبب هو أن الله يريد خلاص الجميع، ويتمنى الخير للكل، ويُعطِي الكل بالسواء ما يُقوِّي الإرادة ويُقوِّم الطبيعة، ولا مجال لرفض خيرات الله التي يمنحنا إياها ونقبلها بالرغم عنَّا.
(نيقولا كاباسيلاس، الحياة في المسيح)
ويدحض الأب نيقولا كاباسيلاس فكرة أن الملكوت أو الجحيم مكانٌ، حيث يرى أننا لا يمكننا أن نفهم طبيعة الحياة المستقبلية، ولا حتى القديسون يستطيعون ذلك، وأكثرهم يعترف بعجزه، إنهم يدركون الشيء الذي يعرفونه شعوريًا، ويعرفونه بقلوبهم النقية، ولكنهم لا يستطيعون أن يجدوا التعبير الخاص لهذه الحالة من المعرفة الإلهية، فهذه الحالة تدخل في نطاق العجائب كالتالي: ((نيقولا كاباسيلاس، الحياة في المسيح، ترجمة: البطريرك إلياس الرابع، لبنان: منشورات تعاونية النور الأرثوذكسية، 2002، القسم الثاني، ص 73، 74. ))
لهذه الأسباب، لا يمكننا في الوقت الحاضر أن نفهم طبيعة هذه الحياة. حتى ولا القديسون يستطيعون ذلك وأكثرهم يعترف بعجزه، وإنهم يعرفون رمزيًا كما في مرآة، ولا يستطيعون أن يُعبِّروا بالكلام حتى عن الشيء الذي يعرفونه. إنهم يُدرِكونه شعوريًا ويعرفونه بقلوبهم النقية، ولكنهم لا يستطيعون أن يجدوا التعبير الخاص لهذه الحالة من المعرفة الإلهية. فهذه الحالة تدخل في نطاق العجيبة التي شاهدها بولس في الفردوس عندما اختُطِفَ إلى السماء الثالثة ((رسالة بولس الثانية إلى كورنثوس 12: 4 )).
(نيقولا كاباسيلاس، الحياة في المسيح)
---
## فيلم برشامة
URL: https://tabcm.net/55897/
Type: post
Modified: 2026-06-04
اتفرجت على فيلم “برشامة”، والحقيقة الفيلم ده محتاج وقفة طويلة مش مجرد كلمتين إعجاب عابر. آل دياب قرروا يدخلوا حقل الألغام السنوي في مصر، وهو مفرمة “الثانوية العامة”، بس المرة دي من زاوية أشد وجعًا وأقرب لواقع منسي: زاوية “طلبة المنازل” كبار السن، واللي فعليًا شكلوا لوحة فسيفساء ملونة لشرائح المجتمع المصري ومآسيه في الكفاح اليومي.
الجزر المعزولة وضياع الأمان
دي الأرضية اللي بينطلق منها صاروخ الفيلم. طالب المنازل ده مش زي التلميذ العادي، ملوش مدرسة تلمه، ولا مدرسين بيتابعوه بشكل منتظم، ولا أصحاب عايش معاهم نفس الرحلة يوم بيوم. الفيلم نقل العزلة دي بذكاء؛ فكرة إن الطالب وأهله بيحسوا إنهم لوحدهم تمامًا في مواجهة نظام مرعب. المعاناة الإنسانية هنا بتظهر في “الجهد المضاعف” اللي الأهل بيعملوه عشان يعوضوا غياب دور المدرسة، لأن الغلطة هنا بمستقبل كامل ومفيش “شبكة أمان” تسندهم.
تحس كل المجتمع دخل الامتحان اليوم ده، واتجمع في “لجنة” اختبار اللغة العربية، واللي -بالصدفة- ورقة الأسئلة كلها “دين” و”قرآن” و”سيرة” في اختبار حقيقي لدور الدين في الـ”تحديات اليومية”، وإزاي بيكون الدين شماعة للسلوك البشري ومتوظف في الشيء ونقيضه، وإزاي بيكون لكل فرد فلسفته الدينية المقبولة عقليًا في تبرير سلوكه بشكل يجمع بين الكوميديا والكرباج الفلسفي.
الفيلم تصنيفه “كوميديا سوداء” و+12 في نفس الوقت، لكنه مرعب كفيلم اجتماعي غادر المنطقة الخضراء وإكلاشيه “شعب متدين بطبعه” إلى المنطقة الواقعية اللي بتعرّي “الازدواجية الأخلاقية” اللي عايشين فيها، وبيكشف عن شعب ذكي و”فهلوي” وقادر على التلاعب بالدين والعربي وحتى الحساب.
المخرج خالد دياب والمؤلفة شيرين دياب ومعاهم أحمد الزغبي، دايمًا عندهم تخصص في تشريح الأزمات المجتمعية من خلال مفارقات كوميدية صارخة. اختيارهم لموضوع “الغش” والـ”برشامة” في قالب كوميدي مكنش استسهال، بل استخدام “الكوميديا كمسكّن” لواقع مرير. في عز الضحك ممكن دمعة تغلبك غصب عنك.
الفيلم تخطى “لا أخلاقية الغش” لميكاڤيلية الهدف. في لحظة بتلاقي نفسك قدام “بارانويا جماعية” صارت حقيقة عادية، وإزاي الأهالي بيتحولوا لتشكيل عصابي ويكونوا شبكة تجسس منظمة عشان يغششوا ذويهم، ولو حتى عبر ميكرفون الجامع.
تحالف أولياء الأمور
من أحلى وأعمق اللقطات الإنسانية اللي بتدور بره اللجنة هي حالة “الاشتراكية في الوجع” وتحالف القوى على اختلاف طبقات شخصياتهم وثقافاتهم، واقفين في الشارع واكلهم نفس الرعب. المشاهد الإنسانية هنا بتخرجك من القيم البديهية البسيطة (زي “الغش حرام”) وتحطك قدام قيم أكثر تعقيدًا مثل فكرة “الكل في واحد”؛ الدكتورة والعمدة والموظف وست البيت ومتعهد الحفلات، كلهم متساويين قدام الرعب، وبيتعاونوا في “جريمة مشروعة” من وجهة نظرهم لحماية المستقبل في عيالهم.
الوجع إن “الامتحان” بيساوي بين الجميع؛ وكلهم بيتحولوا لـ”عصابة اضطرارية” بره اللجنة، بيغششوا بعض معلومات، وبيواسوا بعض بكلمتين، المفارقات دي بتلمس قلب المشاهد لأنها بتقول إن الوجع المصري واحد، ولما بنتزنق قدام اختبار، بنبقى إيد واحدة، حتى لو في “مخالفة” زي الغش!
حتى السلفي الصالح اللي الامتحان بالنسباله “زي المية”، وفي نفس الوقت بيواجه المجتمع كله ويرفض يغششهم، بيواجه “تحدي داخلي” حقيقي إن التزامه الديني يمكن أن يمنعه من النجاح أو حتى قراية الامتحان اللي كله “قرآن” الذي “لا يمسه إلا المُطهرون”، ورغم اجتهاده في الطهارة دائمًا واستعداده الفائق، لكن يمكن أن يخسر طهارته نتيجة تأديته لخدمة إنسانية (حمل طفلة عن أمها، فتبولت الطفلة في حجره وصار غير طاهر).
من السخرية إلى السلخ
الكرباج الفلسفي مؤلم جدا، وهو في طول الفيلم وعرضه عن تحول الدين لـ”عقد نفعي” لحظي وقت الأزمات، وهاتشوف بوضوح كادرات فنية موجعة لكمية الناس اللي ممكن ماسكين السبحة والمصاحف وبيعملوا “مقايضات” مع ربنا.
الكوميديا هنا مش تريقة كما إرتأى الناس اللي عمرهم -12، بل هي رصد لـ”قلة الحيلة”. الإنسان لما بيعجز قدام منظومة قاسية، بيلجأ للقوة المطلقة (ربنا) بدافع الفطرة والخوف، بس في نفس الوقت المفارقة بتظهر في إن الدعاء موجه لتيسير أمر “غير قانوني وغير أخلاقي”، وده اللي بيخلق الكوميديا السوداء اللاذعة كالكرباج.
ـ خلينا نعمل الصح عشان ربنا يسترها معانا.
– منا بعمل الغلط وربنا بيسترها معايا، وهو ده التحدي!
الفيلم بيشير لفكره التضامن في الخطأ باسم الأخوة والدين. لما طالب يغشش زميله، مبيبقاش اسمه بيخترق القوانين، بيبقى اسمه “بيفك كرب أخوه المسلم” أو “الدال على الخير كفاعله”. صناع الفيلم بيحطوا مراية قدام المجتمع ويقولوا: إحنا وصلنا لمرحلة من التشويه، تخلي الكل يستخدم أسمى ما يملك (الدين) عشان يبرر بيه غياب العدالة وتكافؤ الفرص.
الفيلم مبيتعاملش مع “البرشامة” بمنظور أخلاقي وعظي ضيق وممل،
بل بيطرحها كـ”آلية بقاء” في منظومة بتختزل بني آدمين كاملين في ورقة إجابة ودرجة مئوية.
خالد دياب قدم فيلم بإيقاع سريع، ألوان حية بتكسر كآبة الموضوع، وبدون قيود رقابية بفضل تصنيف (+12)، عشان يطلع في النهاية فيلم للعيلة. فيلم بيطبطب على الأهالي وطلبة المنازل وبيقولهم “أنا حاسس بالمفرمة اللي أنتوا فيها”.
“برشامة” مش مجرد فيلم هيضحكك، ده فيلم بيخليك تواجه نفسك بـ”التشوه” اللي بنشارك فيه كلنا لما بنقدس النتيجة وندوس على الإنسانية.
وبرغم ذلك، الإنسانية دايما بتنتصر.
شابو لكل صناع العمل.
---
## بيت العيلة: محاكمتي في مجلس الوكلاء
URL: https://tabcm.net/55885/
Type: post
Modified: 2026-06-03
دخل المقدم سمير باشار البيت بهدوء، ووراه الـ٤٠ وكيلًا لفروع عائلة أبو بركة، منهم اللي جاي من أستراليا وكندا وأمريكا وأغلب أوروبا، وطبعا كله على حساب خزنة العيلة.
عيلة أبو بركة فيها عادة متوارثة من قديم الأزل، وهي إن كل أب في العيلة بيحط عن نفسه وعن كل فرد في أسرته جرام دهب في خزنة العيلة.
في السبعينات، المقدم باخوم قرر يفتح باب الاستثمار في رصيد الخزنة، عشان كفالة فقراء العيلة، والكل بيشهد له إنه كان أمين، لكن مع كبر سنه وسيطرة السكرتارية إرميا القرموط وأنيس حمامة وأنطون أبو كرش، بدأت عوائد الخزانة تتسرب لايد الوكلاء، وبعدهم توسّع التسريب للنُظار والمتطوعين، اللي هما أخر طبقة في هيكل العيلة الإداري.
بقى عادى إن شخص يتولى النظارة على منطقة، بعد سنتين يتحول إلى ثري من عائدات خزانة عيلة أبو بركة، اللي بقت أكبر صندوق مالي في البلد، وفي غمز ولمز كتير إن المامور عارف وسايبهم، عشان استمرار مصالحهم بيمكنه من رقبتهم.
نرجع للاجتماع، وقف أنيس حمامة يهتف لسمير باشار ويعدد في صفاته العظيمة، وأنا ببصله وأتذكر جده، وليه سموه حمامة، لأن جده الكبير كان بيحب يحضر مولد العدرا، وكان بيجيب معاه قفص حمام أبيض ويقعد في الجنب اللي بيسيطر عليه عيلة أبو بركة، ولما يدخل الليل، يطير الحمام وينتظر يرجع تاني، وبالفعل لما يرجع كان بيدعي إنه راجل مبروك والحمام بيقف على رأسه لأنها رأس الحكمة. كان جاهل وغبي لكن كان بيلاقي ناس أجهل منه وأغبى تصدقه.
بدأ الاجتماع، و قرأ أنطون أبو كرش جدول الأعمال اللي من ضمنه مراجعة شكاوى مراقب الصندوق المالي عن تكاليف رحلة المقدم الأخيرة للنمسا عشان يتدلك ويفك جسمه، رغم إن الفاتورة بتدعي إنها كانت عملية مهمة وخطيرة ولا يمكن الافصاح عنها. ومناقشة الاتفاقية مع عيلة الرومي اللي هنوحد معاهم ورش ومصانع العيلة، ونتفق على نسب العمولات و حجم المصالح.
هنا قاطع المقدم الكل وقالهم اجتماع النهاردة مخصص فقط يا سادة لمناقشة لبس الناظر لطرطور زى طرطور الوكيل، ميصحش إنه يبقى حتة ناظر أقل من الوكيل في الرتبة ويلبس نفس الطرطور، ده اسمه خلط في الطراطير والأمر ينطوي على خطورة لأن أي حد داخل مقر الوكيل مش هيعرف يفرق بين الوكيل والناظر، فلازم وحتمًا ولابد من منع أي ناظر من ارتداء طرطور الوكيل.
رد عليه أنطون إن جدول الاجتماع محدد من مدة، ومينفعش نقحم فيه أي شيء جديد، فكان رد المقدم إن مناقشة اللبس مُقدمة على أي مصيبة تانية.
وبدأ الاجتماع.
دخلت من الممر الطويل على غرفة واسعة للانتظار، وفي الغرفة لقيت عدد من النُظار قاعدين منتظرين دورهم وبيساعد في تنظيم الحضور ٣ متطوعين.
بصيت حواليا لقيت ناظر أعرفه، فقال لي “أنت جالك استدعاء؟”
هزيت راسي بمعنى آه تم استدعائي. ضحك وقال لي “أكيد من البلاوي اللي بتكتبها “.
دقيقة ولقيت متطوع بيشاورلي وقال “أنت حليم أبو بركة؟” قولتله “آه أنا ”
وفي لحظة كله كان بيبص عليه. وقال بصوت حاسم “تعالى ورايا”.
دخلت وراه الممر الموصل لغرفة اجتماعات الوكلاء وكانت الإضاءة خافتة عشان تضفي رهبة على المكان، وفجأة لف المتطوع وشه ليّ وقال: “اخلع جزمتك هنا” وكان طلب غريب عليّ.
“ليه؟” قال لي: “تعليمات”.
خلعت الجزمة وشاور لي أقف على جنب، كنت فاهم لعبة الضغط النفسي بإضافة مفاهيم الغموض والسلطة والقداسة على اللي داخل أقابلهم، وأنا كنت بلعب على أعصابهم ورسالتي “أنت مش هتعرف تهزني مهما عملت طقوس عقيمة للقاء بتحاول تكسرني فيه، نفسيًا يكفي أعد لحد خمسة قبل ما أرد عشان هدوئي يكون أجهز على حيلك”.
وقفت حوالى ربع ساعة حافي، وبعدها دخلت الاجتماع، وكان أول واحد ألمحه هو الوكيل حنا البصير، وكان وشه متجهم جدًا كعادته كل ما يشوفنى.
المتطوع وجهني أقف على جنب عشان أسمع كلام الوكيل بتاعي وأرد لما يأذنوا لي.
سمعت كتير اتهامات الوكيل عن خروجي على تقاليد العيلة، وإني بدعو لتحرير الفكر من غباء الماضي، وإن مفاهيم كتير لازم يتعاد التفكير فيها، وقد إيه ده خطر، وخلاني مش بحترم أجدادي مؤسسين عائلة أبو بركة.
بعد انتهاء الاتهامات، بص عليّ وكنت مبتسم، والمقدم سمير قال لي بصوت فيه حزم وتهديد “أنت فرحان كده ليه؟ دي تُهم تعزلك من العيلة وتسحب منك لقبها”.
قولتله “بضحك لأن أجدادي مش محتاجين قصص أسطورية عن قداستهم، قصص بترسخ للجهل والاتكالية وملهاش علاقة بإيمان أجدادي وعفتهم ونزاهتهم، جدى بيطير أو مبيطيرش، ده مش هيقلل حبي واحترامي وثقتي فى إيمانه”.
رد المقدم “يعني حضرتك بتشكك في المعجزات اللي عملها أجدادك؟”
قولت: “صدقني المعجزة الحقيقية هي عظمة الإيمان، وفهم مقاصد الكتاب، مش حد طار ولا حد نزّل زيت و لا أي معجزة، إحنا محتاجين نخلص الناس من الإتكالية دي لأنها بقت مُرادف الإيمان، وحرام نخلّي تراثنا العائلي يرسخ إن الإيمان محتاج معجزة”
قال لي: اطلع بره دلوقت.
ودي كانت أول جلسة في محاكمتي في مجلس الوكلاء.
---
## كنيستنا القبطية إلى أين؟
URL: https://tabcm.net/55869/
Type: post
Modified: 2026-06-02
طرح نضعه أمام مجمع الكنيسة القبطية لعله يتحول إلى واقع على الأرض، فقد يضع به نقطة في نهاية سطور جدل واحتراب طالت. ((عن كتاب كنيستنا القبطية إلى أين؟ للكاتب كمال زاخر، دار ديوان للنشر، 2026 ))
• وضع دستور يحدد أُطر ومحاور الإيمان؛ العقائد والطقوس، وأطر الخدمة؛ الصلاحيات والمسؤوليات والضوابط.
• ضبط منظومة التعليم الإكليريكي والكنسي على الفكر الأرثوذكسي الإنجيلي الآبائي المحقق.
• دراسة تأسيس منظومة رهبنة خادمة، أو تكريس، خارج الأديرة تتواصل مع المجتمع وتقدم له خدمات التعليم والصحة وإعالة المعوزين وذيى الاحتياجات.
• عودة مشاركة الأراخنة في تدبير الكنيسة.
• تقييم تجربة الأسقف العام.
• إعادة ترسيم حدود الإيبارشيات؛ مطران لكل محافظة، يتبعه أساقفة مدنها.
• تقييم وتقويم منظومة الرهبنة.
• العودة إلى إسناد تدبير الدير لواحد من شيوخه لا لأسقف.
• رسامة أسقف لشؤون الأديرة.
• فك الارتباط بين الرهبنة والكهنوت داخل الأديرة.
• إنشاء آلية مركزية لإدارة مشروعات الدير الإنتاجية.
• إنشاء آلية لإعداد الرهبان المرشحون للأسقفية.
• تقنين منظومة التكريس خارج الأديرة.
• ضبط ملابس وكرسي ومقر الأسقف على الحس القبطي النسكي الإنجيلي الآبائي.
• تقنين العلاقة بين الأسقف وكهنة إيبارشيته من التبعية إلى التكامل.
• التوقف عن إنشاء مدافن خاصة بالأساقفة، التي تشبه المذبح المقدس، وإعادة دفن الراحلين منهم في مدافن الإيبارشية، أو طافوس الدير.
• تأسيس منظومة الإعلام الكنسي علي قواعد مهنية احترافية.
البداية في تبني الكنيسة (الإكليروس والأراخنة) وضع دستور جامع مانع يحدد إيمانها وطقوسها وخدمتها، تأسيسًا على التسليم الرسولي الآبائي الذي قننته ووثقته المجامع المسكونية في قوانينها، وخبرات الكنيسة على الأرض، في ضوء حاجات العصر وتحدياته ومعوقاته، وهو عمل كنسي أكاديمي يستوجب تعاون وتكاتف كل مكونات الكنيسة، لننتقل من الفرد إلى المؤسسة، وهو عمل يوفر للكنيسة مرجعًا يتم الرجوع إليه بين المختلفين، ويحميها من الآراء الشخصية ومن الحكم بالانطباع الذاتي الذي قد يتشكل بعيدًا عن إيمان الكنيسة القويم، وقد سبقتنا كنائس تقليدية رسولية إلى هذا.
وظني أن هذا العمل الجسور سيسهم بشكل فاعل في حسم قضية التقارب المسكوني خارج السياقات البرتوكولية، وبغير تخوف من الابتلاع أو الذوبان، فلكنيستنا ثقلها التاريخي واللاهوتي ولا ينقصها الحكمة والقدرة على بناء جسور حوار موضوعي جاد ومثمر لحساب وحدة الكنيسة، شهوة قلب رب المجد الذي قال بها في صلاته الوداعية في بستان جثسيمانى ((يوحنا 17 )): أيها الآب القدوس، احفظهم في اسمك الذين أعطيتني، ليكونوا واحدا كما نحن. ((إنجيل يوحنا 17: 11 )) ولست أسأل من أجل هؤلاء فقط، بل أيضا من أجل الذين يؤمنون بي بكلامهم، ليكون الجميع واحدا، كما أنك أنت أيها الآب في وأنا فيك، ليكونوا هم أيضا واحدا فينا، ((إنجيل يوحنا 17: 20، 21 )) ليكون فيهم الحب الذي أحببتني به، وأكون أنا فيهم ((إنجيل يوحنا 17: 26 ))
بحث إعادة مشاركة الأراخنة في تدبير الكنيسة في تكامل مع الإكليروس لتستعيد الكنيسة توازنها، في ترجمة لمفهوم الكنيسة التي تعتبر الإكليروس والعلمانيين هم معًا “شعب الله”، وتأكيدًا على مبدأ الشفافية وتخيفًا للحمل عن كاهل الأسقف، ولتوفير قدر أكبر من مراقبة أوجه صرف موارد الإيبارشيات في شفافية تخضع لقواعد تنظيمية عامة ومجردة وملزمة. والمشاركة هنا لا على سبيل الاستشارة.
وبطبيعة الحال فإن عودة المجلس الملي باتت ضرورية كما بينا سابقًا، بعد تغيير المسمى المفارق للواقع والذائقة المعاصرة وكذلك تحديد مهامه المستجدة في لائحة، والأفضل في قانون، كما هو الحال مع هيئة الأوقاف القبطية.
مراجعة وتقييم تجربة الكنيسة في رسامة الأسقف العام، في تطوراتها، بين اختيارهم في حبرية البابا كيرلس السادس وقد أسندت لهم مهام محددة في تقليد رسامتهم، وبين اختيارهم في حبرية البابا شنودة والبابا تواضروس بلا مهام محددة، توطئة لتجليسهم في إيبارشيات يرحل أسقفها، أو إسناد إشراف كنائس لهم في إيبارشية البابا (القاهرة والإسكندرية)، وقد يكون من المفيد في هذا السياق دراسة عودة رتبة الخوري إبسكوبس في الهرم الإكليروسي، يتولون مهام تدبير أجزاء من الإيبارشيات تحت قيادة أسقفها بدلًا من تقسيمها.
وفي ذات السياق التوقف عن تقسيم الإيبارشيات، وتجميع الإيبارشيات الصغيرة التي تقع في نطاق المحافظة الواحدة، ورسامة مطران لكل محافظة يتبعه ـ في الوضع الراهن ـ أساقفة تلك الإيباشيات المجمعة، يكون مقره في عاصمة المحافظة. ومثالنا إيبارشية البابا البطريرك التي يترأسها قداسته، ويعاونة أساقفة أسند إلى كل واحد منهم إدارة مجموعة كنائس يجمعهم نطاق جغرافي واحد داخل الإيبارشية.
مراجعة منظومة الرهبنة المعاصرة، باعتبار الأديرة المخزون الاستراتيجي للكنيسة، شخوصًا وعقائد وتراثًا، وفصلها عن التعليم الإكليريكي الخاص بالخدام المكرسين في دائرة الإكليروس. ووضع لائحة تنظم قبول طالبي الرهبنة ومناهج إعدادهم ومتابعتهم قبل وبعد الرهبنة، والعودة لإسناد رئاسة الدير لأحد رهبانه وليس باقامة أُسقف للدير، ليحتفظ الدير بسلامه ونموه وإمكانية تغيير رئاسة الدير، دون قيود تغيير الأسقف، ويمكن لتواصل الأديرة مع الكنيسة رسامة أسقف عام لشؤون الأديرة.
إنشاء آلية لإعداد الرهبان المرشحون لتولي مناصب كنسية خارج نطاق الأديرة، تكون ملحقة بالمقر البابوي، يقوم على إدارتها مؤسسات الكنيسة التعليمية، الإكليريكية الأم ومعهد الدراسات القبطية ومراكز البحث القبطية الأرثوذكسية، وتستعين بالكوادر الأكاديمية ذات الصلة بالجامعت المصرية عبر بروتوكولات تعاون ثقافية بينها وبين الكنيسة، تغطي جانب العلوم الإنسانية في إعداد المرشحين للإسقفية.
فك الإرتباط بين الكهنوت والرهبنة داخل الأديرة، ذلك الإرتباط الذي يقف وراء جل مشاكل ومتاعب الرهبنة، والاكتفاء بأقل عدد ممكن من الكهنة الرهبان، داخل كل دير، بقدر احتياجات الدير، ورد الاعتبار لشيوخ الأديرة في سعي إعادة نسق التلمذة للأديرة كما كانت في السابق. فتسترد الأديرة عافيتها وسلامها ونموها.
إنشاء آلية مركزية لإدارة المشروعات الإنتاجية الديرية، وتوزيع ريعها على الإديرة الفقيرة أو التي لا تملك مثل هذه المشاريع، وكذلك الإيبارشيات محدودة الدخل، في تطبيق على الأرض لنذر “عدم القنية ـ عدم الامتلاك” ولتحقيق التوازن بين الأديرة. وكذلك في الكنيسة.
فضلًا عن تولي هذه الآلية مسؤولية تسويق منتجات تلك الأديرة، لترفع عن الرهبان ثقل الإنشغال بهذه المهمة الثقيلة وما تجلبه من متاعب على الدير ورهبانه، التي في بعضها ترقي إلى مستوى الجريمة.
دراسة الحاجة لإنشاء منظومة للتكريس خارج أسوار الإديرة، وبالتوازي معها، ومجال عملها خدمة المجتمع العام والقبطي في دوائر التعليم والصحة والرعاية الإجتماعية وهي تتيح توافر باحثين لاهوتين يعكفون على الدراسة والبحث اللاهوتية والعقائدية والتعامل مع أجيال الشباب وتوعيتهم وبناء رؤاهم الكنسية على أرضية مسيحية أرثوذكسية نقية. ولدينا خبرات عملية متوفرة في مراكز بحثية قبطية قائمة وفاعلة منها على سبيل المثال مؤسسة القديس أنطونيوس ومركزها لدراسات الآباء التي أسسها الدكتور نصحي عبد الشهيد، وقدمت للكنيسة باحثين ثقاة استعانت بهم في معاهدها التعليمية.
مراجعة الملابس الخاصة بالأسقف وردها لأصلها المصري القبطي الذي يتسم بالبساطة، بغير تزيد أو مغالاة مثل التي نشهدها اليوم التي تشهد سباقًا في التفرد بإضافات، تنتمي للعصور الوسطى وتشبه الملابس الإمبراطورية، المفارِقة للحس القبطي، وهو أمر يحتاج لتوفر قدر كبير من التجرد والمصالحة مع الحياة الطبيعية، وتسهم في تأكيد طبيعية العلاقة السوية بين الأسقف والكاهن وبينهم وبين الرعية، بلا غلو وبلا استعلاء، وهو ما طرحناه تحت عنوان “أنسنة الإكليروس”، وهو ما أكده الرب يسوع المسيح في تجسده، وهو المثل والقدوة.
وفي سياق المراجعة على الكنيسة أن تراجع ظاهرة انتشار إقامة مدفن، يحاكي المذبح المقدس، لكل أسقف يتنيح يتحول إلى مزار شعبي التماسًا لحل مشاكل من يلجأ إليه، في مخالفة فادحة لما تُعلم وتؤمن به الكنيسة، فهذه الظاهرة تلفت الانتباه بعيدًا عن طلب وجه المسيح وهي تنويعة على الارتداد للوثنية، ويتفق مع ما قاله الكتاب لأَنَّ شَعْبِي عَمِلَ شَرَّيْنِ: تَرَكُونِي أَنَا يَنْبُوعَ الْمِيَاهِ الْحَيَّةِ، لِيَنْقُرُوا لأَنْفُسِهِمْ أَبْآرًا، أَبْآرًا مُشَقَّقَةً لاَ تَضْبُطُ مَاءً. ((سفر إرميا 2: 13 )).
وضع ضوابط للعلاقة بين الأسقف وكهنة إيبارشيته ترتفع بها من التبعية إلى التكامل، التي تحفظ للكهنة إنسانيتهم وتحميهم من الفصل التعسفي وتوفر لهم ضمانات العيش الأمن، ودراسة إقامة هيئة كنسية توفر لهم معاشًا مناسبًا حال تقاعدهم بسبب الشيخوخة أو المرض، وتوفر لبيت الكاهن دخلًا مناسبًا حال رحيله، بشكل يصون إنسانيتهم وكرامتهم، ولا يخضع للتقدير الشخصي الذي يراه الأب الأسقف، وإعادة النظر في اشتراك الكاهن في منظومة التأمينات الاجتماعية بصفته صاحب عمل.
وفيه يتحمل الكاهن كل قيمة الاشتراك التأميني بما فيه حصة الكنيسة. التي ترفض التأمين عليه كعامل لديها. وفق قوانين العمل، وكذلك الأمر مع التأمين الصحي للكاهن وأسرته. أو دراسة إنشاء منظومة تأمين كنسية خاصة، بالاستعانة بخبراء التأمين والعلوم الإكتوارية، ذات الصلة بالتأمين والمعاشات التقاعدية، من أبناء الكنيسة.
وتبقى إشكالية الإعلام الكنسي وحاجته إلى تطبيق معايير الإعلام المهنية والفنية وإسناده إلى متخصصين من شباب الكنيسة المتخصصين، بعيدًا عن الهيراركية الإكليروسية، بإنشاء مركز إعلام مركزى يتبع مكتب البابا البطريرك، يتبعه فروع في كافة الإيبارشيات، تحكمه المعايير الإعلامية المهنية المجردة، وصالح الكنيسة.
---
## بدون عتاب
URL: https://tabcm.net/51690/
Type: post
Modified: 2026-05-31
بدونِ عِتاب…
كيفَ أعودُ إليكَ؟
بِطيني ووَسَخي،
وتقبَلُني في حِضنك،
وتُقبِّلني بفمِكَ؟!
كيفَ أعودُ وقد بدَّدتُ ميراثي منك،
فأجدُكَ تُعيدُ لي ما لم أستحق،
وتكسوني مجدَ البنوة،
كأنّي لم أخرج يومًا.
كيفَ أعودُ إليكَ؟
بفسادي وأمراضي،
وأنتَ لا تشفيني بكلمةٍ تُقال،
بل بشخصِكَ مصلوبًا من أجلي.
كيفَ أعودُ إليكَ بموتي؟
وأنتَ لا تكتفي بأن تُقيمَني،
بل تُعطيني حياتَكَ الشخصيّة،
لأحيا فيها وإلى الأبد.
كيفَ أعودُ بأنانيّتي؟
وأنتَ لا تسكب فيَّ محبتكَ فقط،
بل تخلقُ فيَّ قلبًا جديدًا،
يتّسع للحياة التي لم أقدر أن أحتملها.
كيفَ أعودُ بخطاياي؟
فتنسى لي كلَّ ما صنعت،
وتُلقيها عنّي في بحر النسيان،
لا لأنّها كانت بسيطة،
بل لأنّ دمكَ هو الأعظم.
كيفَ أعودُ إليكَ بشرّي ولعنتي؟
وأنتَ تحملُهما عنّي،
وتصيرُ أنتَ لعنَتي،
وتُلبسني برَّكَ،
ثمّ تهبني بركةَ نعمتكَ،
وتدعوني ابنًا محبوبًا،
لا أجيرًا!
كيفَ تُقبِّلني؟
وقد لعنتُكَ بفمي،
وأنكرتُكَ بأفعالي،
وهربتُ من نوركَ إلى ظلامي.
أنتَ اشتريتني بالغالي الثمين،
بدمٍ لا يُقدَّر،
وأنا بعتُكَ بالرخيص!
فلماذا ؟!
لماذا لا أسمعُ منك،
كلمةَ عِتابٍ واحدة يا أبي؟
لا حساب.
لا توبيخ.
لا استرجاعَ للقديم.
ليس هناك،
إلّا أحضانٌ مفتوحة،
وقلبٌ غافر،
وصليبٌ شافٍ.
ليس هناك،
إلّا غفرانٌ يُعيدُ الخِلقة،
ومحبّةٌ تُبرِّر،
وفرحٌ يُقيم من الموت،
وتقديسٌ يصنع إنسانًا جديدًا.
ليس هناك
إلّا نعمة…
وحريّة…
وحياة.
أبي…
أنتَ.
أحبّكَ.
---
## هل كان المسيح ضعيفًا؟
URL: https://tabcm.net/55833/
Type: post
Modified: 2026-05-30
سؤال يفضح سوء فهم التجسّد.
مع الإنترنت انتشر أكثر في السنوات الأخيرة نوع من الخطاب الدينيّ يحاول الدفاع عن ألوهيّة المسيح عن طريق المبالغة في نفي إنسانيّته. ومن الأمثلة على ذلك انتشار فيديو فيه يقول أحد الكهنة: أكتر بدعة اتبعتلك إن المسيح على الصليب كان بيمرّ بلحظات ضعف وانهيار، وزيها برضه المسيح في بستان جثسيماني كان بيمرّ بلحظات ضعف وانهيار. كلاهما خطأ، لأنّ مش ممكن اللي جاي وساع للصليب بإرادته، واللي قال: لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن آخذها، اللي ساع للصليب بإرادته مش ممكن يكون جيه في لحظة من اللحظات وانهار أو قرّر يضعف أو حسّ بمشاعر انهيار ومشاعر ضعف. من المستحيل منطقيًّا.
للوهلة الأولى يبدو الكلام دفاعًا عن المسيح. لكنّ المشكلة أنّه يدافع عن المسيح بطريقة تُفرغ التجسّد نفسه من معناه. فنحن هنا لسنا أمام مسألة: هل كان المسيح ضعيفًا بمعنى الخطيئة أو الاستسلام أو الإخفاق الأخلاقيّ؟ بالتأكيد لا. لكن هل اختبر المسيح الضعف الإنسانيّ؟ هل عرف الخوف؟ هل عرف الحزن؟ هل عرف الكرب أمام الموت؟ هنا يجيب العهد الجديد بوضوح: نعم.
المشكلة في هذا الخطاب أنّه يخلط بين الضعف والخطيئة. وكأنّ الإنسان إمّا أن يكون قويًّا بلا خوف ولا حزن ولا ألم، وإمّا أن يكون ساقطًا ومنهارًا. لكن هذا ليس تعليم الكتاب المقدّس، ولا تعليم الكنيسة. فالخوف من الموت ليس خطيئة، والحزن ليس خطيئة، والاضطراب أمام الألم ليس خطيئة.
المسيح نفسه يقول في جثسيماني: نفسي حزينة جدًّا حتّى الموت. ويقول الإنجيليّون إنّه بدأ يكتئب ويضطرب. فهل كان الإنجيليون ينقلون إلينا مسرحيّة يؤدّيها المسيح؟ أم كانوا يصفون اختبارًا إنسانيًّا حقيقيًّا للمسيح بوصفه إلها وإنسانًا في الوقت نفسه؟
إنّ العبارة الأخطر في كلام الكاهن هي قوله إنّه «من المستحيل منطقيًّا» أن يشعر المسيح بمشاعر ضعف. لكن أيّ منطق هذا؟ إذا كان المسيح قد اتّخذ طبيعة بشريّة كاملة، فكيف يكون من المستحيل منطقيًّا أن يشعر بما تشعر به الطبيعة البشريّة؟ أليس الجوع ضعفًا بشريًّا؟ وقد جاع. أليس العطش ضعفًا بشريًّا؟ وقد عطش. أليس التعب ضعفًا بشريًّا؟ وقد تعب وجلس عند البئر. أليس البكاء علامة ضعف بشريّ؟ وقد بكى عند قبر لعازر.
فإذا قبلنا كلّ هذه الأمور، لماذا يصبح الخوف أمام الموت أو الكرب في جثسيماني أمرًا مستحيلًا؟ وهل يمكن تخيّل حقيقة إنسانيّة المسيح من دون أن يمر بذلك كله؟ أليس هذا الكلام هو في الواقع سقوط في بدعة “الشكلانيّة” القائلة بأن المسيح اتّخذ ما يشبه جسدنا (يعيني واخد جسم إنسان، بس كده وكده!)
في الحقيقة، ما يبدو «منطقيًّا» في هذا الخطاب ليس التجسّد، بل مفهوم صورة شعبيّة عن البطولة. فالبطل في الخيال الشعبيّ لا يخاف، لا يبكي، لا يتردّد، لا يتألّم من الداخل. لكن المسيح في الأناجيل ليس بطلًا أسطوريًّا من هذا النوع. قوّته لا تظهر في غياب الخوف ولكن في الأمانة للآب وسط الخوف. ولا تظهر في غياب الألم، ولكن في قبوله للألم وعدم الهروب منه وعدم تغيير أقواله أمام المحاكمة وأمام الخطر!
ولهذا السبب كانت الكنيسة القديمة حريصة جدًّا على الدفاع عن إنسانيّة المسيح الحقيقيّة. لأنّ الخلاص المسيحيّ لا يقوم على إله متنكّر في هيئة إنسان، بل على الكلمة الذي صار جسدًا حقًّا. وقد لخّص الآباء هذا الأمر في العبارة الشهيرة: «ما لم يتّخذه لم يشفه». فإذا لم يتّخذ المسيح الخوف الإنسانيّ، فمن الذي يشفي خوفنا؟ وإذا لم يدخل إلى عمق الألم البشريّ، فمن الذي يخلّص ألمنا؟
بل إنّ صرخة المسيح على الصليب: إلهي إلهي لماذا تركتني؟ تفقد معناها في هذا المنطق الشعبي. لأنّها تصبح تمثيلًا أو اقتباسًا أدبيًّا وليس اختبارًا حقيقيًّا. بينما رأت الكنيسة في هذه الصرخة دخولًا إلى أقصى أعماق الألم البشريّ والوحدة البشريّة. ليس لأنّ الآب تخلّى عن الابن، ولكن لأنّ الابن دخل إلى المكان الذي يشعر فيه الإنسان بأنّه متروك ومهجور، لكي لا يبقى أيّ مكان في الخبرة البشريّة خارج حضور الله.
لذلك، فإنّ الخطر في هذا النوع من التعليم الذي يريد أن يرفع شأن المسيح أكثر من اللازم،يسقط في أنّه يقدّم مسيحًا يصعب على البشر الاقتراب منه. مسيحًا لا يعرف ما يشعرون به، ولا يختبر ما يختبرونه. مسيحًا غير إنسان! أمّا الإنجيل فيقدّم لنا شيئًا أعظم بكثير: ابن الله الذي دخل فعلًا إلى ضعف الإنسان، وعرف الجوع والعطش والتعب والحزن والخوف والموت، من دون أن يسقط في الخطيئة. وهذه ليست نقطة ضعف في الإيمان المسيحيّ، بل واحدة أعظم وأعمق أسراره.
---
## مباغتة الشعب بمشروع شبحي للأحوال الشخصية
URL: https://tabcm.net/55208/
Type: post
Modified: 2026-05-29
هذا المقال على شرفِ الحكماء الذين باغتونا، فأسقطونا صرعى الجدل حول إحصاء عدد الملائكة الذين يستطيعون الجلوس على رأس الدبوس، وأنسونا حياتنا الطبيعية وأحوالنا الشخصية. نحن هنا لا لنستعيد للحياة طبيعتها قبل وجودهم، بل لنصيح: عملتها إزاي يخربيتك!، ونصفق لخصوم أفكارنا معلنين أن هناك عبقريةً ما في فنون المباغتة الفكرية.
العبقرية في “المباغتة الفكرية” مش إنك تجيب فكرة جديدة -لا سمح الله- العبقرية إنك تقود عقل اللي قدامك إنه يتـ”تول” ويلف على الفاضي في “اللا-شيء” و”اللا-وصول”، و”اللا-نتيجة”؛ فيقر بجهله وعجزه عن فهم “اللا-موضوع”، فيتبط ويتبشم ويخرس خالص، فتعلن انتصارك عليه من دون معركة. لأنه -بالمباغتة- مهزوم قبل أن يأخذ فرصة.
في حالة “المباغتة المثالية”، الجمهور بـ”يتبنج” تماماً، وبدل ما يقولك أنت بتقول إيه يا عم؟، بيهز رأسه بوقار كأنه فاهم، خوفاً من إنه يبان مش على مستواك من العبقرية.
المباغتات: هي فن “تثبيت” الخصم فكرياً لسرقة أهم أعضائه الحميمة ((أهم أعضائه الحميمة: أقصد بها عقله بالتأكيد، لكن عجبتني طريقة تفكيرك. ))، الغرض فعليا مش عضوي، وإنما “تسرق واقعه”. والواقع بيتسرق نتيجة “خدعة”. زي الحرامي اللي بيثبت ضحيته بمسدس بلاستيك.
للمباغتات فنون عدة، لم أحاول حصرها يومًا، إذ لو إنكشفت لسقطت الابتسامة. لكن ممكن أديك أمثلة تفهم منها تنوع وتعددية الفن ده، وأنا متأكد إنك قابلت في تجاربك الشخصية أمثلة شبهها، وممكن تكتب عنها صفحات أكتر مني:
قانون “الكلمة المقعرة”: لو حد زنقك في نقاش منطقي، باغتة بكلمة ديالكتيك أو إبستمولوچيا في سياق بيتكلم عن سعر الطماطم. هينسوا الموضوع الأساسي ويقضوا السهرة بيدوروا على معنى الكلمة.
تكتيك “الهروب للأمام”: لما حد يواجهك بحقيقة واقعية، باغتة بإنك تقوله: ده تفكير خطي قديم جداً، إحنا دلوقتي في عصر ما بعد العهدين. طبعاً مفيش حاجة اسمها كدة، بس الجملة طالعة بثقة، ولأن شكلك فاهم يا نصّة، هاتنهي أي نقاش.
مناورة “الصمت التفكيكي”: لما يسألك حد سؤال مباشر، بص في الفراغ وخد نفس عميق واسكت سكتة درامية، ثم باغته وقول: السؤال في حد ذاته هو المشكلة.. إحنا محتاجين نفكك بنية السؤال قبل ما نجاوب. مبروك، أنت كدة بقيت مفكر عبقري في نظر 90% من اللي قاعدين.
فلسفة “الولا-حاجة”: إنك تكتب بحث اجتماعي طبي لاهوتي كامل عن: محورية الفراغ في خمسينة الشاي، وإزاي متشربش شاي غير بفراع أكسچيني، عشان أكسدة الشاي متمنعش الشاي من أكسدة الحديد في المعدة. أهو ده “مباغتة وجودية”. الناس هتقرأه وهي حاسة بذنب إنها مش فاهمة العبقرية دي، وممكن تاخدك أب إعتراف لقدرتك العبقرية في بيوكيمستري الخمسينة، والقدرة على خلق معنى للولا-حاجة.
مباغتة “القانون الشبح”!
العبقرية في ‘المباغتة الفكرية’ المرة دي مكنتش في فلسفات ومصطلحات، دي كانت في فن ‘تسريب’ مشروع قانون أحوال شخصية للمسيحيين، الحكومة باغتتنا بيه واحنا لسه بنقول يا هادي. المباغتة هنا وصلت لمرحلة الإعجاز؛ إحنا قدام مشروع قانون الكل بيتكلم عن محاسنه، بس مفيش حد شافه، ولا حد عارف جهة إصداره، ولا حتى عارفين هو طلع من أنهي درج في دولاب الحكومة! الصحافة رمت القنبلة وسابتنا “نتشل” في أفكارنا.
هناك عبقرية حقيقية في مباغتة شعب كامل بقانون يخص أدق تفاصيل حياته، وتخليه يضرب أخماس في أسداس وهو بيدور على "اللينك الأصلي" اللي مش موجود. دي مش مجرد مباغتة، ده "تنويم مغناطيسي جماعي" خلى تفكيرنا يتشل لدرجة إننا بقينا بنعارض ونأيد في خيالنا!
أنا اخترت المصري اليوم كنموذج محسوب على الصحافة المستقلة، ملوش أيديولوجيا معروفة؛ بص يا معلم على الجاهزية في “التمبليت” والألوان، واختيار مانشيت مبهج وفرايحي موحٍ بالأمل: الإخلال بالعقد يستوجب الطلاق .. الله يا مصري عليك اليوم.. أنا نفسي اتفتحت للحرية وتمت مباغتتي في بند مكنتش أعرف إنه قاعدة عامة لأي تعاقد.
أو بصراحة كنت أعرف.. بس “إتباغت” خلاص!
لما فكرت في معنى الكلام.. لقيته أي كلام! في راجل عجوز مكّار بيسرح بيا.. بيعيد تقديم “أزمة الطلاق المسيحي” في إطار “العقد شريعة المتعاقدين”، وأنا سرحت ومفكرتش إيه بنود العقد الزيجي أساسَا. هو في حاجة مؤكدة في “عقد النكاح” غير اللمؤاخذة الـ”جنس”، وعند المسيحيين “غير مُلزم” والأداء مشروط بالأدب، ومنقطع في الصوم، وبإذن الراجل العجوز المكار برضو؟
أظن هاتقولي “سر مقدس” و”جمع إلهي” وبتاع! أنا اللي أعرفه إن الفحص الطبي لراغبي الزواج بيقيس كفاءة إنجابية، يعني “قدرة على التكاثر” مش بيقيس إرادة الله! وبما إن “كاهن الصحة” ميعرفش النتيجة إلا بعد ما “يقلعوا البنطلون”، فـ”كاهن الله” ميعرفش “ضمير الله” -جمع ولا مجمعش- حتى لو قلع معاهم! دي بديهيات يا عم العجوز المكّار! إنت متعرفش ضمير العرسان، هاتعرف ضمير ربنا؟ هاتشعوذ وتنجم بالمستقبل ربنا شايل لهم فيه إيه؟
المهم إن العجوز ده عبقري.. طالما باغتني وسرح بيا، يبقى عبقري.. وطالما عبقري، يبقى شابو.. عجبتني!
مباغتة الصحفي “العبد الوظيفي”
لازم نعذر الجرنان يخواننا.. ما الجرنان إتباغت بقرار مجلس الوزراء ولازم يعبي كلام في وقت قصير علشان يعرف “يباغتنا”.. نعذر بعض..
كمان التحديات التي تواجه الصحفي مباغتة جداً؛ تخيل أن تتصل بمصدرك المتخصص في علم الاجتماع القانوني و”تباغته”، وتأخذ منه تصريحاً هاتفياً في وقت يتسابق فيه الجميع للحصول على المعلومات، وتعود مسروراً لأنك حصلت على كلام مهني خطير جداً سيشعل “الترند” ويجعلك تعتلي ناطحة سحاب الجدل الهجنجل، و”الريتش” بتاع الجرنان يطلع لمستوى الحلم.
تجيلك السياسة التحريرية و”تباغتك” وتقول لك: إيه اللي جايبه ده؟ نقد لمشروع الحكومة؟ أنت عايز تخرب بيتنا؟ إحنا عايزين حاجات إيجابية تفتح النفس، وإلا هنقعد بالبيجامة كلنا!
تتصدم، ويرشوا عليك ميه.. تفوق.. ترجع تكلم مصدرك المتخصص تاني، وتبوس إيده، وتبتكر وتبدع في إيجاد عبارات دبلوماسية تتناسب مع تحديات البقاء والمرتب اللي مابتقبضوش، وتقول له: حاجة فرايحي واحدة أبوس إيدك، ما تضلمهاش وترفدني..
بالأغلب كل ده بيفشل، ومصدرك هيباغتك بواحدة “قـدس أمك” ويقفل السكة في وشك! تيت تيت تيت… تحسها عربية بترجع بضهرها على جثة أحلامك…
لكن عملوها الوحوش.. متباغتوش.. الصحفي المصري اليوم غير..
وعملوها كلهم.. كله جايب كلام عن مشروع القانون اللي مفيش رئيس تحرير، ولا رئيس برلمان، شافه أصلا!!
فين مشروع القانون يا حكومة؟ بتعملوا مشروع سري ع أساس إن ده “سر مقدس” ولا ايه؟ العفاريت.. فاهمين كل حاجة واحنا بس اللي متباغتين!
حاولت أتجاوز “المباغتة” -رغم إعجابي الشديد باللعبة الحلوة- فقلت احكيلكم خواطري العشوائية بكل تلقائية حول أول “إعلانين دعائيين” بيقوموا بالترويج التسويقي لمشروع الحكومة.. وهاكتفي باتنين علشان أمراضنا الشخصية أكتر من أحوالنا الشخصية.. مفيش وفيات بإذن الله.
الخطبة بعقود موثقة
ليه الخطوبة تتوثق وهي في الشرع المسيحي “غير ملزمة” وغير مضمونة، ولا تُحدث في القانون أي تغيير في المركز القانوني؟ إنت هتعبي ده في سجلات الدولة حضرتك، يعني قاعدة بيانات وتطوير أنظمة وإدخال بيانات، يعني “وقت وفلوس” ورسوم توثيق.. بترهل الجهاز البيروقراطي أكتر ما هو مفرط السمنة عشان توثق حاجة مالهاش أثر قانوني؟! هتصرّف الشباب فلوس وتضيع وقت في حزمة إجراءات علشان حاجات مالهاش لازمة؟ مباغتات تاني!!
فلسفة المُشرع ريفية ساذجة.. تقدر تتخيل معايا إنه ذكر عجوز وماكر ولابس جلابية ووقع من فيلم أبيض وأسود، ومتضايق من بنته ولا حفيدته اللي بتقابل شباب في كاڤيتريا إرمياسات، لا هوّ عارف يربيها على القيم الريفية السمرة الجميلة، ولا هيّ عارفة تقنعه إنها من العاصمة ومن جيل مختلف.. فبيفوض الدولة بمسؤولياته الأبوية علشان المخبرين وأمناء الشرطة وبعض المواطنين الشرفاء يفتشوا الكاڤيتيريات والتجمعات المختلطة، اللي معاه عقد خطوبة يقعد بأدبه، واللي معهوش نوديه عند أمه تربيه ونعمل عزل اجتماعي “نباغت” بيه الصيع ولاد الكلب دول.
يطلعلك واحد يباغتك ويقولك التوثيق عشان “الشبكة”، بحيث لو اتفسخت الخطوبة فالشبكة متعملش منازعات بين الأهالي. وده هاقوله مفيش شبكة في المسيحية أصلا، إنما في “دوطة” (عكس الشبكة.. أهل البنت هما اللي بيدفعوا للولد) يعني المُشرع لا إتجوز ولا يعرف جواز مسيحي ومعلوماته واخدها من نفس الراجل العجوز الفلاح الريفي اللي واقع من فيلم أبيض وأسود، وبيحاول يقنن العرف بالعافية!
ودي مشكلة تانية كبيرة جداً.. الشبكة “عرف اجتماعي” محلي، ومش إلزامية لا هي ولا الدوطة، فليه أقنن العرف؟ ما أسيبه حر وكله براحته وتمشي بالتوافق. ليه الدولة تدخل في نزاعات المخطوبين على الشبكة؟ مالهم الأهالي والأعراف والقيم الأسرية اللي بتحبسوا “التيكتوكرز” بسببها.. قصروا؟ طاه أنا عايز الراجل الريفي العجوز المكّار يقول صراحة إن “القيم الأسرية” مش كافية لضبط الأسرة المسيحية! لقد باغتك أنا هذه المرة بالمباغتة المرتدة، صح؟
الإعلان عن الخطبة داخل الكنيسة لإتاحة الاعتراض
إيه الـ”أي كلام” ده؟ مش ده “مشروع قانون”؟ يعني اللي كتب الكلام ده مجلس الوزراء؟ مجلس الوزراء هيلزم الكنيسة إزاي تعلن أو ما تعلنش؟ هيراقب “لوحة إعلانات” الكنيسة إزاي يعني علشان يتأكد إن أي حد دفع الرسوم محدش ضايقه؟ هل إيصالات الكنيسة هيكون لها دفاتر ممسوكة محاسبيًا ومسمعة في الدولة؟ ولا الراجل العجوز فاكر إن “دفتر الإيصالات” بتاع المكتبة ده ليه حجية؟ ثمّ مش لسه في الإعلان الترويجي السابق بتقول هاتوثقه في الدولة وتشهره؟ بتحط إعلان داخلي بعد التوثيق والإشهار ليه بأه؟ طيب والله جميل إن الدولة تخش تراقب المال السايب، وتراقب الإعلانات المحطوطة على العمود وتشوف “الإعلان” متعلق والكهنة علقوه ولا مهملين.
طبعًا تحس نفس الراجل العجوز اللي مش لامم بنته في الكاڤيتيريا، هوه بعينه بمكره ومكيره، بس المرة دي مش لامم الشباب في الكنيسة، فخايف العيال تخطب متعدد من بنات الناس مثلًا، فلازم يعمل “إعلان” ويعلقه على العمود. أو ربما حاصلاله مشاكل مع بنته الأولانية إنها “فورتيكة” وبتتخطب تاني وهي مخطوبة.. ما هو إيه لازمة الإعلانات يعني؟ وإيه إتاحة الفرصة للاعتراض؟ ليه حد يعترض على خطوبة غيره ويـ”نفسن” منه؟ ليه بتعبي الاجراءات في اللا-جدوى وسارح؟ أنا طبعًا بحاول أستنتج وأفك طلاسم الولا-حاجة بأي معنى! فكروا معايا الكلام ده لازمته إيه والراجل العجوز ده بيعمل كدا ليه؟ جاب التشريع ده من أنهي دولة؟ من أنهي كتاب؟ من أنهي دولاب؟ فين التراكم الاجتماعي اللي اتكركبت فيه الناس، فظهر احتياج للكلام ده؟! فين المشكلة اللي القانون بيحلها؟ هي دي مشاكل عند مين؟
أتصور أن هذا أيضًا تفويض أبوي للدولة تخش تربي أبناء العجوز اللي مش قادر عليهم، وأتصور أن فكرة الإعلانات على العمود وأنت داخل مستوحاة من كلب بلدي أسود كان بـ”يشخ” على الحيطة لما يشمشم ويلاقي ريحة كلب ذكر سبقه و”علّم” عليها قبله إن الحيطة دي محجوزة.. تكنيك كلاب بلدي وأنا عارفه كويس ومتابع الأستاذ محمود سلطان من صغري وحضرت كل عالم الحيوان، وهو بروتوكول شهير جداً في الطب البيطري ويدعونا للإعجاب بثقافة الرجل العجوز ودرايته الموسعة بعالم الحيوان.
لكنَّ الرجل، على قدر عبقريته الحيوانية، يبدو أنه أقدم من عصر راديو «الترانزستور»، ولم يسمع بالاختراع الذي غنت له شادية قائلة: «يا دبلة الخطوبة»، فهتف الشعب من خلفها: «عقبالنا كلنا». مالها الدبلة يا عجوز كتوثيق وكأعلان وإداة إشهار لحاجة عبيطة زي الخطوبة؟
نفوق بس من “المباغتة”، ونجيب الراجل العجوز بتاع الكلب ده، لأن أنا متأكد إنه عدى علينا قبل كدا ((نادر شكري، اليوم السابع: البابا شنودة يبدأ التحقيق مع الأنبا بولا فى”موقعة الكلب”. بتاريخ الأحد، 24 يوليو 2011. )).
---
## الملكوت والجحيم عند آباء ما بعد خلقيدونية [١]
URL: https://tabcm.net/55085/
Type: post
Modified: 2026-05-29
نستعرض في هذا الجزء الإشارات إلى طبيعة وماهية الملكوت والجحيم في تعاليم آباء ما بعد مجمع خلقيدونية 451.
ساويرس الأنطاكي
يُشِير ق. ساويرس الأنطاكيّ إلى خلق الله للعالم العلويّ الروحانيّ غير الماديّ، ويقصد بذلك عالم الملائكة قائلًا: ((ساويروس الأنطاكي، سيرة ومقالات القديس ساويروس الأنطاكي، ترجمة: المؤرخ يوسف حبيب، وادي النطرون: دير العذراء البرموس، 2017، مقالة عن الصوم، ص 199. ))
إذ هو كاملٌ في كل شيء بطبعه، مُظهِرًا جوده بطريقةٍ فائقةٍ تسمو فوق الكُل، وحينما سُرَّ بذلك، خلق العالم العلويّ والروحانيّ، أعني الملائكة ورؤساء الملائكة الروحانيين غير الماديين، أراد أن يُشرِكها في السعادة وفي النعيم الفائق العظمة الذي ينبع منه بوفرةٍ بسبب سخائه للذين يملكون فيض النعمة حتى يمتلئوا بالنور الباهر الذي ينبثق منه كما من ينبوع، فيُمجِّدونه بغير انقطاعٍ دون أن يشبعوا مُطلقًا بتسابيح سمائية وترانيم البهجة، كما يقول النبي في المزامير: هلم نُرنِّم للربّ نهتف لصخرة خلاصنا. نتقدَّم أمامه بحمدٍ وبترنيماتٍ نهتف له ((مزمور 95: 1، 2 ))، لأنه بالحقيقة عيد ووليمة دائمة أن نُسبِّح الله دون توقف.
(ساويرس الأنطاكي، سيرة ومقالات القديس ساويرس الأنطاكي)
ويستطرد ق. ساويرس مُؤكِّدًا على الطبيعة الروحانية للعالم السماويّ، ومُفرِّقًا بينه وبين العالم الحسيّ المنظور قائلًا: ((ساويروس الأنطاكي، سيرة ومقالات القديس ساويروس الأنطاكي، ترجمة: المؤرخ يوسف حبيب، وادي النطرون: دير العذراء البرموس، 2017، مقالة عن الصوم، ص 201. ))
ولمَّا كانت هذه الآفاق بعيدةٌ جدًا ومُنفصِلةٌ، أعني العالم الروحانيّ والعالم المنظور، ولا يوجد بينهما اختلاط أو شركة، فقد خلق [الله] الإنسان بفعلٍ عجيبٍ ووضعه بين الاثنين. […] هكذا يُذكِّر الإنسان حقًا بالعالم المنظور بجسده، وبالعالم غير الماديّ وغير المنظور بروحه؛ وبرؤيته ذاك ’العالم المنظور‘ بعين الروح، يكتشف حكمة الخالق الظاهرة في كُل منهما، ويشعر بالفرح والتهليل، عند تفكيره في أنه يسكن على الأرض مثل ملاك آخر، فيكون في نفس الوقت منظورًا وغير منظور، ويظهر في ذاته أكثر من الملائكة بالعقل الذي لا يمكن فحصه الذي لله الحكيم وحده.
(ساويرس الأنطاكي، سيرة ومقالات القديس ساويرس الأنطاكي)
يوحنا السينائي السلمي
يصف الأب يوحنا السينائيّ، المعروف بـ ”السلميّ“، حالة النفس بعد انفصالها عن الجسد، حيث يُؤكِّد على أن العقول التي كانت نحو العلويات تصعد إلى العلاء جزئيًا، أمَّا الذين يفتكرون في السفليات، فإلى أسفل ينحطون كالتالي: ((يوحنا السينائي، السلم إلى الله، إعداد: المتنيح الأنبا مكاري أسقف شبه جزيرة سيناء، تقديم: الأنبا متاؤس، أسقف دير السريان، وادي النطرون: دير السيدة العذراء مريم السريان، 2009، الدرجة 26: 106، ص 299. ))
إن الذين عقولهم نحو العلويات، بعد انفصال النفس من الجسد يصعدون إلى العلاء جزئيًا، أمَّا الذين يفتكرون في السفليات، فإلي أسفل ينحطون؛ إذ لا يوجد [بين الاثنين] مكان متوسط. من بين جميع خلائق الله، تُحقِّق النفس [البشرية] وحدها كيانها في شيء آخر وليس في ذاتها؛ وإنه لعجيب حقًا، كيف تستطيع أن تحيا خارج ذاك الذي فيه اقتبلت وجودها.
(يوحنا السينائي، السلم إلى الله)
مار إسحق السرياني
يُشدِّد مار إسحق السريانيّ على أن الملكوت والجحيم هما حالتان ليس بينهما حالة متوسطة كالتالي: ((إسحق السرياني، الميامر النسكية، ترجمة: الأنبا سارافيم أسقف الإسماعيلية، وادي النطرون: دير العذراء البرموس، 2017، ميمر 6، ص 178، 179. ))
في عملية الفصل التي ستتمُّ في المستقبل، لا توجد حالة مُتوسطة ما بين الحالة الأسمى تمامًا، والحالة المنخفِضة تمامًا. فالإنسان إما أنه يصير بكامله من نصيب الذين يسكنون في الأعالي، أو يصير بكامله من نصيب الذين هم أسفل، غير أنه توجد درجات مُتفاوتة من المجازاة داخل كل حالة من الحالتين على حدة.
(إسحق السرياني، الميامر النسكية)
يوحنا سابا الدلياتي
يرى مار يوحنا سابا الدلياتيّ أن الملكوت هو في داخلنا، داحضًا بذلك فكرة أن الملكوت هو مكانٌ ماديّ جغرافيّ مُحدَّد الأبعاد قائلًا: ((الشيخ الروحاني يوحنا الدلياتي، مجموعة الميامر الروحية، ترجمة: الأب سليم دكاش اليسوعي، لبنان: دار المشرق، 2002، ميمر 1: 4، ص 13. ))
بلد النقي النفس هو في داخله، والشمس التي تشرق فيه هي نور الثالوث القدوس. والهواء الذي يتنفسه سكانه هو الروح القدس، الباراقليط. والديريون الذين يعيشون معه هم الجموع المقدَّسة الروحانية. وحياتهم وبلدهم وفرحهم وابتهاجهم هو المسيح ضياء الآب. وذلك المتوحِّد يبتهج برؤية نفسه كل حين، وبجمالها يتعجب، ويفوق حسنه مائة ضعف جمال الشمس. تلك هي أورشليم، وذلك هو ملكوت الله اللذان هما مختبئان في داخلنا ((إنجيل لوقا 17: 21 ))، على حد ما يقول ربّنا. هذا هو بلد غمامة مجد الله: أنقياء القلوب فقط ((إنجيل متى 5: 8 )) يدخلون لرؤية وجه ربّهم، ولكي تستضيء أذهانهم بأشعة نوره.
(الشيخ الروحاني يوحنا الدلياتي، مجموعة الميامر الروحية)
يرى مار يوحنا سابا الدلياتيّ أن مَن آمن يبتهج فلبه بالربّ ويتخلَّص من المبغض، ومَن لا يؤمن فليحتمل جهنمه الداخليّ كما يحبّ. ويُشِير إلى العالم الروحانيّ الذي يسكن فيه الروحانيون، ويعلم لهم الروح في عالمهم الروحانيّ أسراره قائلًا: ((الشيخ الروحاني يوحنا الدلياتي، مجموعة الميامر الروحية، ترجمة: الأب سليم دكاش اليسوعي، لبنان: دار المشرق، 2002، ميمر 4: 9، ص 34. ))
هذه الأمور أراني إياها الربّ بنعمته، أنا النجس أكثر من أيّ بشريّ. وأَذِنَ ليّ أن أكتب. فمَّن سمع وآمن يبتهج قلبه بالربّ، ويتخلَّص من المبغِض. ومَن لا يؤمن فليحتمل جهنمه داخله كما يحبّ. […] بل طوبى له لما هو مزمع أن ينال عطايا من الربّ عوضًا عن ضيقه، هذه العطايا التي ليس لي أن أتكلَّم عليها هاهنا. بل لا يستطيع لابسُ جسد أن يُترجِم أسرار الروح ولا الروحانيون كذلك، في العالم المحسوس. الروح وحده يستطيع أن يُوضِّح لنا أسراره في عالمنا وللروحانيين في عالمهم. لكن الروحانيين، بموجب روحانيتهم، يستطيعون توضيح الأسرار في عالمهم، مثل عالمهم الممجَّد والعجيب الجمالات، الذي نستحقه كُلنا بنعمة المسيح ابن الله، آمين.
(الشيخ الروحاني يوحنا الدلياتي، مجموعة الميامر الروحية)
ويُشِير الدلياتيّ إلى جحيم النفس المخفيّ داخلها، لأنها حرمت نفسها من التطويبات بفعل هواها الشرير، وهكذا جعلت بينها وبين الملكوت في داخلها سورًا مُظلِمًا قائلًا: ((الشيخ الروحاني يوحنا الدلياتي، مجموعة الميامر الروحية، ترجمة: الأب سليم دكاش اليسوعي، لبنان: دار المشرق، 2002، ميمر 14: 9، ص 89. ))
وأقول بإيجاز إن الصلاة المستديمة هي تسبحة القلب أو النظر المحدِّق في الله والاندهاش به. إنها فعل الساجدين الحقيقيين بالروح، الذين يحبهم الربّ مثل كلمة حياة الكلّ. الويل للنفس التي حرمت ذاتها من تلك التطويبات بفعل هواها الشرّير، ولم تتأكَّد من هاهنا، من مكان انتقالها، ولم يناغ فيها الروح بأسراره القدوسة وتقديس الروحانيين، وأعمت ذاتها بذاتها لكي لا ترى جمال طبعها. تلك هي التي فيها الجحيم مخفيّ، وجعلت بينها وبين الملكوت في داخلها سورًا مُظلِمًا. ومَن ذلك الذي أغلق الباب في وجهك لكي لا ترين وجه ربّك. إن مفاتيح ملكوته وضعها في يديك وأعطاك السلطان للأخذ والفتح، لإغناء نفسك وإغناء الآخرين.
(الشيخ الروحاني يوحنا الدلياتي، مجموعة الميامر الروحية)
مكسيموس المعترف
يرى الأب مكسيموس المعترف أن المسيح هو الملكوت؛ لأنه الوارث، ولأنه ينفذ من خلال الشركة إلى كل الأشياء قائلًا: ((مكسيموس المعترف، الفيلوكاليا مج2، ترجمة: الراهب أغاثون الأنطوني، مراجعة: الأنبا يسطس أسقف ورئيس دير أنبا أنطونيوس، القاهرة، 2017، مئتا نص في علم معرفة الله والتدبير الإلهي لتجسد ابن الله إلى طلاسيوس، 2: 69، ص 149. ))
كلمة الله دُعِيَ الباب ((إنجيل يوحنا 10: 9 )) لأنه يقود هؤلاء الذين لا تشوبهم شائبةً في الحياة النسكية، […] لأنه هو نفسه الطريق، والباب، والمفتاح، والملكوت. […] وهو الملكوت لأنه الوارث، ولأنه يدخل من خلال الشركة إلى كل الأشياء.
(مكسيموس المعترف، الفيلوكاليا مج2)
ويستطرد الأب مكسيموس المعترف مُؤكِّدًا على أن الملكوت هو ملكوت الثالوث القدوس في النفس الإنسانية، حيث يكون لها النصيب العظيم في الملكوت الموجود بالأساس في الله الآب للجميع، ويصبح الذكاء في النفس مسكنًا شفافًا للروح القدس، وينال الإمكانية الكاملة لمعرفة الطبيعة الإلهية على قدر الإمكان قائلًا: ((مكسيموس المعترف، الفيلوكاليا مج2، ترجمة: الراهب أغاثون الأنطوني، مراجعة: الأنبا يسطس أسقف ورئيس دير أنبا أنطونيوس، القاهرة، 2017، مئتا نص في علم معرفة الله والتدبير الإلهي لتجسد ابن الله إلى طلاسيوس، 2: 69، ص 285. ))
يحث الذكاء، الممنوح طبيعيًا قداسة الصورة الإلهية، النفس أن تُطابِق ذاتها باختيارها الحر مع المثال الإلهيّ، فتصير بهذه الطريقة قادرةً على يكون لها نصيب في الملكوت العظيم الموجود بالأساس في الله الآب للكُل، ويصبح [الذكاء] مسكنًا شفافًا للروح القدس، آخذًا -إذَا كان يمكن التعبير بهذه الطريقة- الإمكانية الكاملة لمعرفة الطبيعة الإلهية على قدر ما يكون هذا مُمكنًا.
(مكسيموس المعترف، الفيلوكاليا مج2)
الأب يوحنا الدمشقي
يُؤكِّد الدمشقيّ على أن الملكوت هو مكان عقلانيّ غير محصور حصرًا جسمانيًا، وذلك في سياق وصفه لمكان وحالة الملائكة التي سوف نكون عليها نحن البشر في الأبدية، لأننا سنكون كملائكة السماء في الحالة عينها قائلًا: ((يوحنا الدمشقي، المائة مقالة في الإيمان الأرثوذكسي، ترجمة: الأرشمندريت أدريانوس شكور، لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 1984، 2: 17: 3، ص 91. ))
ولأنهم [الملائكة] عقول، فهم في أمكنة عقلانية أيضًا، غير محصورين حصرًا جسمانيًا. ومن اقتضاء طبيعتهم أن لا يكون لهم شكلٌ جسمانيّ ولا أن يمتدوا في الأنحاء الثلاث، بل أن يحضروا حضورًا عقلانيًا، ويعملوا حيثما يؤمرون دون أن يستطيعوا في آنٍ واحدٍ أن يكونوا ويعملوا هنا وهنالك.
(يوحنا الدمشقي، المائة مقالة في الإيمان الأرثوذكسي)
ويصف الأب يوحنا الدمشقيّ الحالة الملائكية التي سوف تكون حالتنا كبشر في الأبدية قائلًا: ((يوحنا الدمشقي، المائة مقالة في الإيمان الأرثوذكسي، ترجمة: الأرشمندريت أدريانوس شكور، لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 1984، 2: 17: 3، ص 91، 92. ))
إن الله وحده الذي صنعهم يعلم هذا، لأنه يعرف كل شيء. وهم يختلف بعضهم عن بعض بالإنارة والمقام، لحصولهم على المقام نظرًا للإنارة، أو على الإنارة نظرًا للمقام. وهم ينيرون بعضهم بعضًا لسمو رتبتهم أو طبيعتهم، لأنه واضحٌ أن المتفوقين منهم يُشرِكون مَن هم دونهم بالضياء والمعرفة. […] إنه لصعب تحرُّكهم نحو الشرّ، وليسوا بغير متحركين إليه إطلاقًا. وهم لا يتحركون إليه الآن، لا من طبيعتهم، بل بالنعمة وبثباتهم في الخير الوحيد. وهم يرون الله على قدر استطاعتهم. وبهذا يقوم طعامهم. إنهم يتفوقون علينا بصفتهم خالين من الجسد ومن كل انفعال جسمانيّ. ولكنهم ليسوا بدون انفعال البتة، لأن الإله وحده لا ينفعل. وإنهم يُغيِّرون شكلهم تلبيةً لما يأمرهم به الله سيدهم وعلى هذا النحو يتراءون للبشر ويكشفون لهم الأسرار الإلهية. وهم يعيشون في السماء وعملهم الواحد هو تسبيح الله وخدمة مشيئته الإلهية.
(يوحنا الدمشقي، المائة مقالة في الإيمان الأرثوذكسي)
الأب سمعان اللاهوتي الحديث
يرى الأب سمعان اللاهوتيّ الحديث أن المسيح نفسه هو الملكوت بالنسبة للأبرار والجحيم بالنسبة للخطأة، فنحن عندما نخطئ ننفصل عن كنيسة القديسين، ونُحرَم بسبب الخطيئة من ثوبنا الإلهيّ، الذي هو المسيح نفسه، الذي نؤمن به، والذي نرتديه كثوبٍ عند معموديتنا، وهكذا نكون قد حُرِمنا من الحياة الأبدية، ذلك النور الذي لا يخبو، والأشياء الطيبة الأبدية، التقديس والبنوة، وبعدما صرنا سماويين مشابهين آدم الثاني، ربّنا يسوع المسيح، في كل شيء، أصبحنا أرضيين ثانيةً كما كان آدم الأول، وليس هذا فقط، ولكننا أصبحنا الآن أيضًا مُدَانين حتى الموت، فننحدر إلى الظلمة والنار الجهنمية بألمٍ كبيرٍ وأنينٍ عظيمٍ وصرير الأسنان، وهذا لأننا لم نُنف من فردوسٍ طبيعيّ، كما كان الحال مع آدم، ولم نُدَن لنحرث الأرض كما كان هو، ولكننا نطرد أنفسنا من ملكوت السموات، ومن تلك الخيرات الأبدية، ونصير مُدَانين للذهاب إلى العذاب قائلًًا: ((Symeon The New Theologian, Complete Works, Vol. 1, (Athena: New Nicaea), Hom. 35: 2, p. 169-170. ))
تمامًا مثلما طُرِدَ آدم بعد التعدي من الفردوس، من تلك الوفرة والشركة التي كانت له مع الملائكة، وابتعد بنفسه عن الله، هكذا نحن أيضًا، عندما نخطئ ننفصل عن كنيسة القديسين، ونُحرَم بسبب الخطيئة من ثوبنا الإلهيّ، الذي هو المسيح نفسه، الذي نؤمن به، والذي نرتديه كثوبٍ عند معموديتنا، وهكذا نكون قد حُرِمنا من الحياة الأبدية، ذلك النور الذي لا يخبو، والأشياء الطيبة الأبدية، التقديس والبنوة، وبعدما صرنا سماويين مشابهين آدم الثاني، ربّنا يسوع المسيح، في كل شيء، أصبحنا أرضيين ثانيةً كما كان آدم الأول، وليس هذا فقط، ولكننا أصبحنا الآن أيضًا مُدَانين حتى الموت، فننحدر إلى الظلمة والنار الجهنمية بألمٍ كبيرٍ وأنينٍ عظيمٍ وصرير الأسنان، وهذا لأننا لم نُنف من فردوسٍ طبيعيّ، كما كان الحال مع آدم، ولم نُدَن لنحرث الأرض كما كان هو، ولكننا نطرد أنفسنا من ملكوت السموات، ومن تلك الخيرات ’التي لا عين رأتْ، ولا أذن سمعتْ، وما على قلب بشرٍ خَطَرَتْ‘ (1كو 2: 9)، ونصير مُدَانين للذهاب إلى العذاب.
(Symeon The New Theologian, Complete Works)
ويدحض الأب سمعان اللاهوتيّ الحديث فكرة أن الملكوت أو الجحيم مكانٌ، مُؤكِّدًا على أن الله بإحسانه العظيم، بعد نزوله إلى الجحيم ورفعه لأبوينا الأولين، آدم وحواء، لم يضعهما ثانيةً في ذلك الفردوس الذي نُفِيَا منه، ولكنه بالحري رفعهما إلى سماء السماء كالتالي: ((Symeon The New Theologian, Complete Works, Vol. 1, (Athena: New Nicaea), Hom. 66: 5, p. 348. ))
لو أن جدَّينا تابا عندئذٍ، عندما كانا ما يزالان في الفردوس، فإنهما كانا سيأخذان الفردوس فقط ولا شيء أكثر، حيث أنهما قد نُفِيَا منه لعدم توبتهما. ولكن فيما بعد تابا وبكيا كثيرًا وعانيا الألم والعرق والتعب، ولهذا أراد الربُّ الإله أن يُكرِّمهما ويُمجِّدهما ويجعلهما ينسيان تلك الأشياء الشريرة كلها التي عانيا منها. وماذا عمل؟ فلتفتكر بإحسانه العظيم. بعد نزوله إلى الجحيم ورفعهما، لم يضعهما ثانيةً في ذلك الفردوس الذي نُفِيَا منه، ولكنه بالأحرى رفعهما إلى سماء السماء. وعندما جلس ربنا يسوع المسيح عن يمين الله الآب الأزليّ – تأمل في هذا الآن – بأيّ مجد وشرف مجَّد آدم [البشرية]، الذي كان بالطبيعة عبده وبالنعمة أباه؟ هل ترى إلى أيّ سمو رفعة المسيح ربنا؟ ولكن الله المحِب لم يُشرِّف آدم ويُمجِّده وحده فقط، بل نحن أيضًا أبناءه، ذلك يعني، أولئك الذين قلَّدوا توبته ودموعه ومراثيه […]. والله يُتابِع إلى هذا اليوم، كما فعل لآدم، في تمجيد وتكريم أولئك الذين يتوبون كما يجب، ويفعلون ما فعله آدم.
(Symeon The New Theologian, Complete Works)
---
## المجمع المقدس وتوزيع الأدوار
URL: https://tabcm.net/55805/
Type: post
Modified: 2026-05-28
صفحات مسيحية متصنفة عندي إنها “لجان المجمع” قالت إن نيافة الأنبا بنيامين؛ مطران المنوفية، أكد أنه من المتوقع مناقشة مسودة قانون اﻷحوال الشخصية خلال جلسة المجمع التي عقدت يوم 18 من الشهر الجاري، وإن ده بسبب تصاعد الملاحظات والاعتراضات حول عدد من المواد، وبهدف وضع الأمور في نصابها الصحيح.
في الحقيقة ده “توزيع أدوار” سخيف جدا، وهش جدًا، ومتكرر جدًا وبنفس حتى الشخصيات (الأنبا بنيامين) في نفس القضايا (الأحوال الشخصية)، واللي نتيجتها التراكمية كانت جلسات سرية مع شخصية أقل ما يقال عنها “جرو كوري” على إنها ممثل مشاكل الأحوال الشخصية، من وجهة نظر الأنبا ينيامين في المجمع المقدس.
بصدق شديد، اختيارات المجمع المقدس الملائكية الرهبانية كلها غلط ومشبوهة ومؤذية للكنيسة أصلًا، نيافة الأنبا بنيامين اللي عمل لمحافظة المنوفية كلها “تعقيم” عن إقامة “أفراح”، ومدي حرمانات لناس بسبب زغرودة، ولا شريط كاسيت دار في عربية واحد بيجامل العرسان، والمؤسس الروحي للزواج المنوفي الأرثوذكسي المُؤسس على الانبثاق من منوفي أقدم وليس نتيجة تزاوج جنسي.
هل خيارات المجمع في 2026 للنموذج ده، مازال هو نموذج “رجل المجمع” في الاحتواء الاجتماعي لما فشل الأنبا بولا وعمل “موقعة الكلب” في 2011؟ ثم إنتوا جربتوه في مشكلة أسقف باريس وخبط الدنيا في بعض كأي “عميل مزدوج” ومحلش حاجة!
موقعة الكلب
لمن لا يعلم، “موقعة الكلب” دي كانت مسمى صحفي لحادثة تمت وقت البابا شنودة الثالث، القصة تبتدي من تعديلات 2008، وصراعات الكنيسة مع الدولة اللي استمرت لحد 2010 وانتهت بصفقة مع وزارة العدل. الصفقة دي سببت موجة عالية من “الإرتداد الديني”، حيث أن الإجحاف في القيادة الدينية لم يؤدي إلا إلى “ردة دينية”.
بعدها لما حدثت ثورة يناير واتفككت “القيادة الأبوية” للدولة بسقوط نظام مبارك، ناس كتير منهم والذين تحولوا للإسلام، عادوا للمسيحية (ناس بالألوف، ومعنديش أرقام دقيقة لأني بكتب من الذاكرة، إنما كان الاسم الإعلامي وقتها قضايا “العائدون إلى المسيحية”، ومحدش كتير إنتبه لها بسبب إن الكل مشغول بالصراع على مفاصل الدولة).
في يوليو 2011، ووقت حراك ثوري عام في الشارع المصري، طرشقت الثورة جوه الكاتدرائية المرقسية بوقفات احتجاجية لتفكيك التدخل الوصائي الأبوي داخل الكنيسة أيضًا، وظهر ده على شكل احتجاجات أحوال شخصية، قادها مسيحيين ثوريين بالتعاون مع خدام الكنيسة ضمن مطالب حقوقية وفئوية أعم وأشمل كانت في طول البلاد وعرضها.
وهنا نيافة الأنبا بولا المتواجد بالقاهرة، واللي الاحتجاجات الشعبية موجهة ليه بسبب سوء إدارة الملف ده، اتصل بالأمن المكلف بحماية الكنيسة طالبًا منه إخراج المتظاهرين ولو بالقوة. والأمن رفض وشاف ده “شأن داخلي” وإن المظاهرات سلمية وكنسية، ونصح الأنبا بولا باحترام حق التعبير السلمي وإنه واجب عليه يحتويهم ويناقشهم أفضل من الصدام معاهم.
وقتها الأنبا بولا إحتد على الأمن بشكل عسكري، وقال -للأمن- إن الكلام ده هو اللي كبّر الشباب علينا ومبقتش تحترمنا، ومتجيش الداخلية بأه تشتكي من المظاهرات وتطلبوا مننا نهدي الشباب! ثم أمر “عادل”؛ حارس الأمن، يجيب الكلاب البوليسية بتاعت الحراسة، طالما البوليس مش نافع في الحراسة. دي ببساطة “موقعة الكلب”.
عرفنا من الصحفي الكنسي “نادر شكري” (مش من الشباب في الاحتجاجات) إن البابا شنودة أحال الأنبا بولا للتحقيق، ((نادر شكري، اليوم السابع، البابا شنودة يبدأ التحقيق مع الأنبا بولا فى”موقعة الكلب”. بتاريخ 24 يوليو 2011. )) وحارس الأمن نفى إنه تلقى أمر منه، بل شعر إن المطران محتجز وسط أبناؤه المتظاهرين السلميين، وتعذر الوصول للمطران، فأخد معاه الكلب علشان يشق طريقه وسط الحشود ويتطمن إن قداسة المطران مش محتجز ولا حاجة. الناس هي اللي خافت من الكلب لوحدها مع إنه أليف ومتطعم! (الخبر منشور على اليوم السابع، بعد مضبطة اليوم السابع وتدسيكها)
وطبعا ده توزيع الأدوار على أصوله من البابا شنودة “المعلّم” للأجيال. واللي بنياحته انتهى عصر المعلمين وبدأ عصر الهواه والحرس القديم، وبقيت الدنيا ماشية بالبركة أو بالقصور الذاتي، مش هنختلف على المسميات ونسيب الحال مؤسف!
المجمع المُقدس اللي بيدير المشهد بالكهنوت، أخرج الأنبا بولا من مفاوضات الأحوال الشخصية بعد “موقعة الكلب”، وحط مكانه نيافة الأنبا بنيامين، مطران المنوفية، والمقيم بشكل شبه دائم في المركز الثقافي القبطي، ومعتبره “صالة الزيارات” الخصوصي بتاعته، وكلها أشكال غير رسمية من العلاقات الشخصية مع الأنبا إرميا، مسؤول التواصل مع الأمريكان ((بيتر مجدي، “وإيه كمان يا أنبا إرميا” ))والإخوان ((بيتر مجدي، “ماذا يريد الأسقف إرميا؟” )) مع بعض (والأدلة تملا شوال وتغرق الكلب البوليسي اللي فقد حاسة الشم وبيشتغل بالتعليمات والأوامر)!
مين بأه قائد المظاهرات من وجهة نظر أسيادنا في المجمع المقدس، واللي هيفاوض معاه نيافة الأنبا بنيامين ويتعاونوا سويا على حلول وسط؟ ده الجرو الكوري بأه، والمشهور إعلاميا باسم “وحيد شنودة”.
وإن كانت الملاحظات على الأنبا بنيامين في مسألة “سوء الإدارة” قيراط، فالملاحظات على الجرو الكوري 24 قيراط مصفي!! المكان لا يتسع لتاريخه الإجرامي، من أول نشأته المُبكرة في الاختلاس لبازار الكنيسة، لوقاحته في ابتزاز الكنيسة لأنها بتستورد أكل قطط وكلاب وتبيعه للفقراء على إنه بلوبيف، لتطوره في علوم الجرافيك وحط الناس على صور جنسية، لابتزاز شريكه اللي علمه الجرافيك، ابن الكاهن السكندري واللي وجد أبوه [الكاهن] ضحية ابتزاز جنسي مفبرك من شريكه! ماكينة متنقلة من قضايا الابتزاز لكهنة وبناتهم وشبكة من العلاقات المشبوهة بالأجهزة الأمنية، وكان بيتاجر بيها -بالأجهزة- مع أهالي البنات الأقباط علشان يدفعوله فلوس وكأنها رشوة للعاملين بالدولة ويضربها في جيبه باسم أجهزة كبيرة زي مجلس الوزراء ورئاسة الجمهورية!
عموما، لأن ده تاريخ قديم، والأمن نفسه دفع تمن أخطاؤه معاه، وتم حبسه خلاص، لكن الحبس ده تم استثماره وأخد بيه لجوء إنساني لكوريا. وده لا يمنع إن الأمن نفسه تم استكراده ومعلوماتهم إن بتوع “حقوق الإنسان” بيدعموه، بينما الحقيقة إن الجرو واخد اللجوء من الأنبا بنيامين نفسه. هو اللي جابه وهو اللي مأمنله مستقبله!
فااااااااا…
فاختشي يا مؤسسة.. لأنك كدا بتستدعي “أزمة ماسبيرو” للتكرار.. !
مش أسلوب حد بيتعلم من أخطاؤه ولا تاريخه الفاشل في خداع الناس وتوزيع الأدوار. والله ما عاد ينفع الحركات البدائية الساذجة دي، ولا المطارنة دي تحديدا حلت حاجة شعبية في قديمه علشان تكمل في مناصبها الكنسية. دي ناس لا كنيسة بتهمها، ولا بابا بيلمها، وفوق القوانين مش تحتها.
أنا شايف قداسة البابا لازم يرجع، لأن كل تأخير بيعمل احتقانات أكتر، وبيدار بشكل مينفعش يتكرر. ولحين ما قداسة البابا يرجع، بنذكر كل الآباء في المجمع إن تمثيل المجمع عند اتنين فقط: البابا بوصفه رئيس المجمع، والأنبا يوأنس بوصفه سكرتير المجمع.
وبس.
---
## بيت العيلة: اجتماع مجلس الوكلاء
URL: https://tabcm.net/55785/
Type: post
Modified: 2026-05-27
من سنين طويلة مدخلتش بيت العيلة، جاتنى دعوة لحضور مجلس العامة الخاص بعائلة أبو بركة.
عيلتنا دي ضاربة بجذورها في عمق التاريخ، ومن أول العائلات في مصر اللي اعتنقت المسيحية، وكان فيها شهداء. حتى قبل المسيحية في همسات في العيلة أن جدنا الكبير كان من كهنة أمون، ولما سمع القديس مرقس في الإسكندرية هرب للصعيد مسقط رأس العيلة وبشر في أبيدوس جنب معبد أوزير.
فقدنا التاريخ ده من زمان لما الوكلاء ضعفوا ونسوا اللغة الأصلية، بالرغم من إننا فقدنا اللغة لكن عيلة أبو بركة لسه فيها شباب بيكافحوا عشان إعادة إحياء اللغة القبطية، لكن الصعوبات بتيجي من مجلس الوكلاء.
أول ما دخلت بيت العيلة لقيت صورة كبيرة للوكيل المقدم المتنيح “المقدم باخوم” وده كان مقدم وكلاء العيلة. العيلة ليها 40 فرع، وكل فرع ليه وكيل، وكل وكيل بيحضر اجتماع الوكلاء لمناقشة أمور العيلة: الأملاك، النسب، العلاقة بالعائلات التانية، عادات العيلة، مواريث العيلة، وغيره.
بصيت على البيت الكبير لقيته معمول كله من رخام، وتذكرت إن زمان كان البيت أبسط من كده في المظهر، بس أقوى من كده في الترابط. رخام في كل حتة، رخام من جبال الجلالة، جنبه رخام من جبال إيطاليا وإسبانيا، تكاليف رهيبة والعيلة مليانة فقراء، لوح واحد من رخام الكرارة الإيطالي يحل مشاكلهم.
سمعت ضوضاء كبيرة بره، وخرجت للبلكونة المعمولة على الطراز القوطي، وسمعت صوت بيتكلم عن وصول مقدم وكلاء عائلتنا المجيدة الجديد. المقدم الجديد جاي من فرع ضعيف في العيلة، ومجلس الوكلاء كان متعمد -بعد المقدم باخوم القوي العنيد- أنه يجيب مقدم ضعيف وهش، جاي من فرع ضعيف، لكن المفاجأة كانت أنه سياسي جدًا، بيمتاز بقدرة عالية على مراوغة الجميع.
خرجت من تركيزى على سيارة فخمة جدًا نازل منها مقدم الوكلاء؛ سمير باشار، أو التعلب، وده لقب فرع عيلته.
نزل سمير باشار من عربيته المرسيدس S class مايباخ، اللي تمنها يحل مشاكل آلاف الشباب من شباب العيلة، واتلم حواليه الوكلاء بطراطيرهم الرمادية وكل واحد يسلم ويبوس سمير من كتفه اليمين.
“بوس الكتف اليمين رمز في العيلة إن الوكيل شايل العيلة على كتفه”
لما جه الدور على إرميا القرموط، بص في عين المقدم، والاتنين بصوا لبعض بنظرات الكراهية، ووطى القرموط باس كتفه وقاله: “مبروك المايباخ الجديدة يا مقدمنا بتتعب معانا وتستاهلها”.
بصله سمير باشار بصة ذات مغزى وقاله: “صدقني مش أريح من اللينكولن”.
لو متعرفش، فإرميا القرموط، هو اسم شهرة لإرميا؛ سكرتير مجلس الوكلاء أخر عشر سنين، وسبب الاسم أنه زي القرموط مالوش مكان تمسكه منه، وكان شايف أنه الأحق بكرسي المقدم لدرجة أنه وثق علاقته بالمأمور، ورئيس المباحث، والعمدة، وإمام المسجد، وكل حد ممكن يقربه خطوة من الكرسي.
دقايق وتحولت ساحة بيت العيلة لجراچ كبير للسيارات الفاخرة الفارهة اللي بالعة نص فلوس العيلة.
ومتنساش يا ابن عائلة أبو بركة أن دي كلها هدايا للوكلاء مش من فلوس العيلة، وممكن الرد يبقى أكثر وقاحة ويستخدموا الدين لتبرير بلع فلوس العيلة “لا تدين كي لا تدان”
و بدأ الجميع التحرك ناحية باب “بيت العيلة”.
---
## زمن البكاء قد انقضى
URL: https://tabcm.net/55760/
Type: post
Modified: 2026-05-26
زمن البكاء قد انقضى، اذهبن وقُلنَ للرسل، الرب قام.
هكذا تُخاطب الكنيسة فى لحن تين ناف ⲧⲉⲛ ⲛⲁϥ المريمات، أنه خلاص زمن البكاء انتهى. متفضلش تبكي على اللي فات وترثي لحالك، وتعيش في الصعبانية والشفقه المريضة على النفس، كفاية نحيب وبكاء، كفاية زمن ورا زمن يضيع بين ايديك، كمثال للصعبانية.
وقت الإلم هو أعظم وقت للتشكيل (ده اللى بيحصل حتى لو أنت مش عاوز تصدق كده) لكن المشكلة الناس مابتحبش المناقشة وقت الألم، ولا الحوار، ولا التعليم، وده اللي بيخلينا نفضل في طفولة ماسخه بندور في نفس المدار.
والحِجَّه شوية تعبيرات فارغة (مش في مَحلَّها) من عَيِّنة.. بلاش وعظ، مش وقت كلام، بكاء مع الباكين، إخلع نعليك وأنت بتتناقش مع المتألم..
وهكذا تستمر الرضاعة والطفولة، لأننا عاطفيين ولا نقبل النضوج، ونعشق الطبطبة على النفس!
أنا أخدت الألم كأصعب مثال، لكن هناك الكثير والكثير أمثلة ونماذج ندور حولها دون أن نستفيق، ونعشق دور الضحية!
عايز أقولك حاجة: محدش هيخسر غيرك، أيوه أنت اللي بتقرأ دلوقتي.
طيب أنا عايز أقول ايه؟!
أولًا: عاوز أقولك انتفض من الصعبانية، والطفولة، والتخويف، والتحذير اللي عملوا حصار حوالين ذهنك..
متخافش تفكر، وتبحث وتقرا وتسمع وتدوّر.
دعوة للتفكير والبحث والمزيد من الانفتاح على الجمال الإلهي المُذَخَّر في شخصية الله.
ثانيًا: عايز تخليك في اللي انت عارفه، وتمشي بمبدأ اللي تعرفه أحسن من اللي ما تعرفوش.. أنت حُر.. ربنا يباركك.
ثالثًا عاوزك تساعد نفسك ولا تنتظر إن السماء تتحرك علشان تعمل حاجة،
السماء خلاص اتحركت من وقت ما يسوع تجسد واتحَد بيك وبيّ..
السماء عاوزاك أنت تساعد المتألمين، والذين هم في ضيقة، ومُعثَرين في الله نفسه.
رابعًا: مهم أننا نعرف أننا حاليًا في زمن أفضل مِمَّا سبقونا، مِن جهة البحث ووسائل المعرفة وسهولة الوصول إلى الحق، والتَّصفُّح،
وهذا ما تنبأ عنهُ دانيال النبي وَقْتِ النِّهَايَةِ. كَثِيرُونَ يَتَصَفَّحُونَهُ وَالْمَعْرِفَةُ تَزْدَادُ ((سفر دانيال 12: 4 )) وَالْفَاهِمُونَ يَضِيئُونَ كَضِيَاءِ الْجَلَدِ ((سفر دانيال 12: 3 ))
خامسًا: ما الذي يمنعنا أن نراجع أنفسنا فيما تعلمناه، وتوارثناه بدون أن نُفَكِّر فيهِ؟
قد يكون مَن سبقونا عَلمونا بحسب إمكانيات ومعرفة عصرهم -هذا لا يَعِيبَهم- ولكن يَعِبَنا نحن بعد كل وسائل البحث، والتواصل.
سادسًا: نحن نؤمن بأن الرب يسوع المسيح هو جوهر وخُلاصة كل ما يُقال بإسم المسيحية، فالمسيحية هي المسيح، والمسيح هو المعنى والمُفَسِّر لمَن يُريد أن يُجيب عن سؤال مَن هو الله؟
ومَن هو الإنسان؟
وما هو الكون وهدف وجوده؟
وما هي الحياة والقيامة والخلود.
سابعًا: التعليم موجود وأنا بعلن عنه كل شوية، مافيش مانع إنك تجرِب، مش هاتخسر حاجة، وسيبك من شعارات (أصلهم بيقدموا السم في العسل) والكلام الخيبات بتاع (احنا في مؤامرة كونية ضد الأرثوذكسية) سيبك من الشعارات الخيبانة.
ثامنًا: أنا لا أملك كل الحق، فراجع وأبحث ودَوَّر معايا، ولو مش عاجبك الكلام أنا آسف، اعملي بلوك، أو أحذفني من أصدقائك وتَبقى المحبة.
بس صدقنى، أنا بحبك، وعاوزك تستمتع باللي أنا مستمتع بيه.
---
## استفتاء تعديل الدستور
URL: https://tabcm.net/55717/
Type: post
Modified: 2026-05-25
بنهاية العام 1979 بدأ العد التنازلي للرئيس محمد أنور السادات لمغادرة مقعد الرئاسة، كما ينص دستور 1971 صراحةً، على أن مدة رئاسة الجمهورية فترتان لا ثالث لهما، ومدة كل فترة ست سنوات، وبهذا يضمن الدستور تداول السلطة، لكن السيدة جيهان السادات كان لها رأي آخر.
كانت جيهان السادات محاطة بحاشية من السيدات، على رأسهن المطربة الشعبية فايدة كامل، زوجة اللواء نبوي إسماعيل وزير الداخلية في ذلك الوقت. وبفضله أصبحت فايدة نائبة في المجلس الموقر عن حي الخليفة بالقاهرة، والدكتورة زينب السبكي (مؤسسة بنك الدم، وعضو البرلمان)، والأستاذة فاطمة عنان (أم المعلمين، عضو البرلمان وعضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية)، والأستاذة نوال عامر (برلمانية نسوية، ومؤسسة قانون للجمع بين العمل والمعاش للأرملة). ولأن جيهان لم تكن لتتخيل الحياة بدون الرئاسة، فقد دبرت وتركت “الهوانم” ينفذن ما كانت قد خططت له سابقًا.
مع بداية عام 1980، وقفت النائبتان فايدة كامل ونوال عامر، بصفتهما نائبتين عن الشعب، تطالبان بتعديل محدود للمادة 77 من الدستور، التي تقضي بإطلاق مدد انتخاب رئيس الجمهورية دون حد أقصى، ليصبح السادات رئيسًا لجمهورية مصر العربية مدى الحياة، نظرًا لأيادي الرئيس السادات البيضاء على مصر كما ذكر نصًا في أسباب التعديل. وبالطبع كانت موافقة نواب الشعب مضمونة، لكن ماذا عن موافقة الشعب نفسه؟
تفتق ذهن “الهوانم” عن طُعم يُلقى به للشعب المتدين، لضمان موافقتهم على الاستفتاء المزمع، فاقترحت أحداهن تعديل نص مادة الشريعة الإسلامية بإضافة حرف الألف واللام، لتكون الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع بدلًا من كونها مصدرًا رئيسيًا لتجتمع الديكتاتورية والدين في حزمة واحدة، ولأن الشعب المصري يعشق السخرية، فقد أطلق على هذا التعديل “تعديل الهوانم”.
في 22 مايو 1980، استُفتي الشعب على التعديل، وبالطبع كانت النتيجة معروفة مسبقًا. وفي 6 أكتوبر 1981، وبعد أقل من عام ونصف العام على تعديل الدستور، جاء أمر الله الذي لا يرد، ومات السادات بطلقات خالد الإسلامبولي. بينما تركت جيهان قصر الرئاسة مُجبرة، وابتعدت عنها الحاشية والأضواء. بينما عانت السيدة فايدة كامل من الوحدة ورتابة الحياة بعد رحيل شريك حياتها، حتى لحقت به في 2011. وكلهم لم يحصلوا على أي شيء يعد ثمنًا لهذا التخريب المتعمد للديمقراطية. لم يكسبوا شيئًا، بينما خسر الشعب ((وحيد حامد، جريدة الشروق: تعديل الهوانم. بتاريخ 24 فبراير 2010. )).
لم تكن الأمور بهذا الوضوح يوم 14 فبراير، حينما قرر المجلس العسكري تجاهل أهم طلبات الثورة بتعطيل العمل بدستور 1971 وكتابة دستور جديد، وأصر على القيام بتعديل محدود على الدستور القديم. وكطُعم للقوى الإسلامية لحثهم على الموافقة على تلك التعديلات، اختار المجلس العسكري المستشار طارق البشري، النائب الأول لرئيس مجلس الدولة الأسبق ورئيس الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع لعدة سنوات، ذو التوجه الإسلامي، على رأس لجنة التعديل.
ضمت لجنة البشري عددًا من فقهاء القانون وهم د. عاطف البنا، أستاذ القانون الدستوري بجامعة القاهرة، والمعروف بتوجهه الإخواني الصريح، الذي اشتهر بمقولته شرعية الإخوان المسلمين موجودة سياسيًا وقانونيًا، ومُكتسبة من الشارع ومن تأييد الناس، وحسنين عبد العال، العميد السابق لحقوق القاهرة، ود. باهي يونس، وكيل كلية حقوق الإسكندرية، والمستشار سامي يوسف، المستشار الفني لرئيس المحكمة الدستورية العليا، والمستشار حسن البدراوي، نائب رئيس المحكمة الدستورية، والمستشار حاتم بجاتو، رئيس هيئة المفوضين بالمحكمة الدستورية العليا، وأخيرًا صبحي صالح، وهو محام نقض بلا أي خبرة في القانون الدستوري، اختير عضوًا باللجنة لكونه قياديًا بجماعة الإخوان المسلمين في مغازلة صريحة للتيار الإسلامي. لم يستوعب الشارع الثوري غرضها إلا لاحقًا بعد ظهور نتيجة الاستفتاء.
بعد عشرة أيام، خرجت اللجنة معلنة طرح تعديلات معيبة لبعض مواد دستور 1971. وطُرحت التعديلات للاستفتاء في 19 مارس 2011. وكانت أخطر مادة تضمنتها التعديلات المقترحة هي المادة 189 مكرر، التي نصت على أنه: يجتمع الأعضاء غير المعينين لأول مجلسي شعب وشورى تاليين لإعلان نتيجة الاستفتاء على تعديل الدستور لاختيار الجمعية التأسيسية المنوط بها إعداد مشروع الدستور الجديد خلال ستة أشهر من انتخابهم، وذلك كله وفقًا لأحكام الفقرة الأخيرة من المادة 189. أي أن الفصيل السياسي الذي سيتمكن من حصد الأغلبية البرلمانية، ستكون له اليد العليا في وضع الدستور الجديد لاحقًا.
بالطبع، كانت جماعة الإخوان المسلمين أول من أعلن تأييده للتعديلات الدستورية المقترحة. وفي محاولة هزلية لتطمين الشعب المصري من سيطرة الجماعة، أكد د. عصام العريان أن نسبة مشاركة الجماعة في الانتخابات البرلمانية المقبلة ستكون ما بين 30% و35% على المقاعد.
كانت أولى التفاهمات هي مسألة التعديلات الدستورية، التي بواسطتها سيتمكن المجلس العسكري من بسط هيمنته بشكل شرعي على البلاد. استحضر التيار الإسلامي المادة الثانية من الدستور بالرغم أنها لم تكن مطروحة ضمن المواد التسع، لكنها كانت وسيلة عبقرية لاستثارة البسطاء والعوام للإقبال على التصويت بـ”نعم”، وكأنها معركة من أجل العقيدة. ابتلع الإخوان طعم العسكري، وابتلعه الشعب من خلفهم، وانقسمت مصر إلى فسطاطين: فسطاط إسلامي وآخر علماني ((محمد حبيب: الإخوان المسلمون بين الصعود والرئاسة وتأكل الشرعية، المجموعة الدولية للنشر والتوزيع، 2013. )).
على الجانب الآخر، أعلنت أحزاب الوفد والتجمع والجبهة والناصري والغد وائتلاف شباب الثورة رفضها للتعديلات. ودعا محمد البرادعي لتشكيل لجنة لوضع دستور جديد. واشترك عدد من الشخصيات العامة مثل عمرو خالد، ومعز مسعود، والمذيع أحمد العسيلي، والسيناريست محمد دياب، والمخرج عمرو سلامة، والكاتب عمر طاهر، وعمرو موسى، ومحمد البرادعي، وعمرو حمزاوي، ونجيب ساويرس، والفنانة بسمة حسن، ومنى زكي، وأحمد حلمي، والمخرج شريف عرفة، في إعلان مصور لحث الشعب على رفض التعديلات، لكن الجماعة لم تكتف بشق الصف الوطني كعادتها، بل اتهمت ضمنيًا المعارضين للتعديلات بالعمالة ((أحمد محجوب، المصري اليوم: «الإخوان» تتهم رافضي تعديل الدستور بـ«تلقي تمويل أمريكي».. والقراء: أهلا بـ«الوطني». بتاريخ 17 مارس 2011. )).
تورط عدد من الرافضين للتعديلات الدستورية في اللعب برأس المال في حملتهم، حيث دشنوا حملات دعائية مدفوعة الأجر للترويج لرفض التعديلات الدستورية في عدد من الصحف والمواقع الإلكترونية.
(إخوان أونلاين)
في لقائه مع مجدي الجلاد يوم الخميس 17 مارس، تحدث عصام العريان عن تأييد الجماعة للتعديلات الدستورية وحرصها على دفع المواطنين للإدلاء بنعم. وأكد أن إسرائيل هي المستفيد الوحيد من رفض التعديلات، التي تعني إقصاء الإخوان من المشهد. وكرر المعنى ذاته في حواره مع الصحفية نشوى الحوفي على موقع المصري اليوم في اليوم التالي 18 مارس، ملوحًا بفزاعة إسرائيل، وأنها المستفيد الأول من رفض التعديلات وإقصاء الإخوان ((نشوى الحوفي، المصري اليوم: عصام العريان: من يرفضون التعديلات الدستورية لا يقدمون بديلاً واضحاً. بتاريخ 17 مارس 2011. )).
في نفس الوقت بدأ التيار السلفي حملة لإقناع الشعب بالموافقة على التعديلات، وعلى طريقة الحزب الوطني، وزع الإخوان والسلفيون حقائب تحتوي على مواد تموينية ولحوم، لاستمالة المواطنين في المناطق الشعبية والقرى، أما خطباء المساجد التابعة للتيارات السلفية فقد أعلنوا على المنابر أن “نعم تعني تضامن مع الله”، و”نعم تعني الإسلام”، و”التصويت بنعم هو طريقك إلى الجنة”، و”الموافقة على التعديلات الدستورية واجب شرعي، أما “لا” فهي الكفر والتحالف مع الشيطان”، ووُزعت منشورات تقول أن “التصويت بـ “لا” معناه إلغاء المادة الثانية من الدستور وبهذا يسقط الإسلام.”
من قال لأي دستور “نعم” فقد قال للقرآن “لا”، لأن شرع الرحمن وشرع الإنسان لا يتساويان، فكلاهما عدو للآخر، ومن جمعهما أو حكّمهما معاً فقد أشرك لأنه لا يشرك في حكمه أحداً ((سورة الكهف 26. )) إن الحكم إلا لله ((سورة يوسف 40. )).
(الدعوة السلفية)
الأمن والأمان في تطبيق شرع الله. الإسلام دين ودولة، تهون الحياة وكل شيء يهون، ولكن إسلامنا لا يهون.
(الدعوة السلفية)
لا مدنية ولا علمانية، بل إسلامية. الدولة المدنية هي التي لا دين لها، أي فصل الدين عن الدولة. ليست كما يفهم الكثير أنها عكس عسكرية. الحلال ما أحل الله، والحرام ما حرم الله، والدين ما شرع.
(الدعوة السلفية)
نعم للتعديلات الدستورية: التصويت على التعديلات الدستورية والموافقة عليها واجب شرعي بحسب فتوى الشيخ المحلاوي.
(الإخوان المسلمين)
مصر إسلامية: لن نسمح بالاقتراب من المادة الثانية من الدستور. إسلامية، لا مدنية.
(الجمعية الشرعية الرئيسية لتعاون العاملين بالكتاب والسنة)
قولوا “نعم” لتعديل الدستور، لماذا؟ لأن الذين يقولون لا، إنما يريدون تغيير الدستور بأسره، حتى تمحى المادة الثانية من الدستور.
(محمد عبد الملك الزغبي)
من باب تحقيق المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، أحث المجتمع على أن يشارك فى هذا الاستفتاء بنعم.
(محمد حسان، قناة الرحمة)
وكل ذلك وسط رضا ومباركة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الذي كان يسعى في الاتجاه ذاته للموافقة على التعديلات بأي طريقة ممكنة. وتكرر ظهور اللواء ممدوح شاهين، عضو المجلس العسكري، في برامج التوك شو المسائية للترويج للتعديلات المقترحة. وتكرر نشر إعلانات على صفحات كاملة في الصحف القومية تبدو في ظاهرها دعوة للمشاركة في الاستفتاء، وفي باطنها دعوة حثيثة لدفع المواطنين للموافقة على التعديلات المقترحة. فكان نص الإعلان يقول: نعم للاستقرار.. انزل وشارك برأيك، وكأن الإدلاء بـ”لا” سيؤدي إلى الفوضى، و”نعم” ستحقق الاستقرار.
صباح يوم 19 مارس 2011، توافد نحو 18 مليون ناخب من أصل 45 مليون للاستفتاء على التعديلات المقترحة. كان الآلاف من السلفيين وشباب جماعة الإخوان المسلمين متواجدين أمام اللجان لإقناع المواطنين بالتصويت بـ”نعم”. وكما هو متوقع، رجحت كفة المؤيدين للتعديلات بنحو 14 مليون ناخب (77%)، مقابل نحو 4 ملايين ناخب (23%) رفضها.
غزوة الصناديق
كان السلف يقولون: بيننا وبينكم الجنائز. واليوم يقولون: بيننا وبينكم الصناديق. وقالت الصناديق للدين: نعم.
الدين هيدخل في كل حاجة، مش دي الديمقراطية بتاعتكم؟ الشعب قال “نعم” للدين، واللي يقول البلد مانعرفش نعيش فيه إنت حر. ألف سلامة، عندهم تأشيرات كندا وأمريكا.
القضية ليست قضية دستور.. انقسم الناس إلى فسطاطين، فسطاط دين فيه كل أهل الدين والمشايخ، وكل أهل الدين بلا استثناء كانوا بيقولوا نعم. الإخوان والتبليغ والجمعية الشرعية وأنصار السنة والسلفيين، وقصادهم من الناحية التانية ناس تانية.. شكلك وحش لو ماكنتش في الناحية اللي فيها المشايخ.
ماتخافوش، خلاص البلد بلدنا.
(محمد حسين يعقوب، مسجد الهدى، إمبابة)
في 30 مارس 2011، أصدر المجلس العسكري إعلانًا دستوريًا من 63 مادة لم يتم الاستفتاء عليها، متضمنة المواد التسع التي تم الاستفتاء عليها في سطو معنوي على إرادة الشعب وشعارات يناير. ويعود الفضل للإخوان الذين مهدوا للمجلس الطريق وفرشوه بالورود بين التيار الإسلامي وداعميه ((محمد حبيب: الإخوان المسلمون بين الصعود والرئاسة وتأكل الشرعية، المجموعة الدولية للنشر والتوزيع، 2013. )).
تضمن الإعلان الدستوري تعديل بعض صلاحيات المجلس العسكري، وتقليص بعض صلاحيات رئيس الجمهورية والبرلمان المنتخب، وأعطى المجلس لنفسه من خلال المادة 56 حق تولي إدارة شؤون البلاد. ويكون من ضمن سلطاته: التشريع، إقرار السياسة والموازنة العامة للدولة، حق إصدار القوانين، تمثيل الدولة في الداخل والخارج، إبرام المعاهدات والاتفاقيات الدولية، تعيين رئيس مجلس الوزراء ونوابه والوزراء ونوابهم، وإعفائهم من مناصبهم، والسلطات والاختصاصات الأخرى المقررة لرئيس الجمهورية، أما المادة الأكثر خطورة فكانت المادة 60:
يجتمع الأعضاء غير المعينين لأول مجلسي شعب وشورى في اجتماع مشترك، بدعوة من المجلس الأعلى للقوات المسلحة خلال ستة أشهر من انتخابهم، لانتخاب جمعية تأسيسية من مائة عضو، تتولى إعداد مشروع دستور جديد للبلاد في موعد غايته ستة أشهر من تاريخ تشكيلها، ويُعرض المشروع، خلال خمسة عشر يومًا من إعداده، على الشعب لاستفتائه في شأنه، ويعمل بالدستور من تاريخ إعلان موافقة الشعب عليه في الاستفتاء.
(الإعلان الدستوري، المادة ٦٠)
هذا يعني أن الجماعة أو الحزب صاحب النصيب الأغلبية من مقاعد البرلمان القادم، سيكون له النصيب الأغلبية من أعضاء الجمعية التأسيسية لكتابة الدستور الجديد، وهو ما لا يتفق مع أي من المفاهيم الدولية لكتابة الدساتير في العالم.
إن هذه المجموعة التي ألقت إلينا بتلك التعديلات؛ افترضت فينا الغباء، كما افترضت أنها تستطيع إقناعنا بالباطل، وذهبت إلى ضرورة الاستفتاء على تعديلات ساقطة، وهو ما يدل على جهل اللجنة بالشعب المصري.
(ثروت بدوي، الفقيه الدستوري)
وفي مجمل الأمر، لم يرحب بالإعلان الدستوري سوى جماعة الإخوان المسلمين وتيار الإسلام السياسي. وفي بيان وجهه المجلس العسكري عبر صفحته على فيسبوك للشعب المصري بعد الاستفتاء، تقدم فيه بالشكر للشعب المصري الذي رفض الانصياع “للعصيان”، ويقصد بالعصيان الدعوة لرفض التعديلات الدستورية.
الاستحقاقية السياسية
جاءت الموافقة على التعديلات الدستورية لتعطي المجلس العسكرى شعورًا بالشرعية، فيؤكد اللواء ممدوح شاهين عضو المجلس العسكري في مداخلة هاتفية مع الإعلامية ريم ماجد على أنّ ((اللواء ممدوح شاهين، مع ريم ماجد، في برنامج بلدنا بالمصري، قناة ON tv. نسخة على موقع يوتيوب. )):
الشعب قد قال “نعم” للمجلس العسكري في الاستفتاء. المجلس الأعلى أصلًا واخد شرعية من ٧٧,٢% من الشعب. معايا حضرتك ١٤ مليون، و٤ مليون هما اللي قالوا لا على الإجراءات اللي بيقوم بيها المجلس العسكري.
(ممدوح شاهين، بلدنا بالمصري)
الاستفتاء كان على التعديلات الدستورية، مش على المجلس العسكري!
(ريم ماجد، بلدنا بالمصري)
الاستفتاء كان على التعديلات الدستورية، وعلى شرعية المجلس، وعلى ما يقوم بيه من إجراءات.
(ممدوح شاهين، بلدنا بالمصري)
في لقاء نظمه “معهد الولايات المتحدة للسلام” في واشنطن، وردًا على سؤال بشأن لماذا لا يقوم المجلس بتسليم السلطة لهيئة مدنية تتشكل بطريقة يتفق عليها، قال اللواء محمد العصار؛ مساعد وزير الدفاع وعضو المجلس الأعلى للقوات المسلحة:
أشك في أن السائل يعلم نتيجة الاستفتاء على الدستور الذي تم منذ أشهر، لقد جاءت النتيجة بأن ٧٧% من المصريين يؤيدون المجلس العسكري، وإذا جئت إلى مصر ستجد أن هناك معارضين للمجلس صوتهم مرتفع، لكن هناك أغلبية مؤيدة للمجلس أيضًا.
(محمد سعيد العصار، معهد الولايات المتحدة للسلام، واشنطن)
في لقاء مصطفى بكري مع الفريق أحمد شفيق، أكد الأخير أنه لم يكن متفقًا مع المجلس العسكري في فكرة تعديل بعض مواد الدستور، وأنه أخبر المشير طنطاوي عدة مرات بضرورة وضع دستور جديد وإلغاء مجلس الشورى، لكن لم يؤخذ باقتراحه.
علّق شفيق على تشكيل لجنة تعديل الدستور، فقال إنه لم يستغرب من وجود المستشار البشري على رأس اللجنة لأنه: قيل إن له ميول إخوانية، لكنه رجل معروف عنه الاتزان والاعتدال، لكنه تعجّب من وجود المحامي الإخواني صبحي صالح كعضو في اللجنة.
مع نهاية الفترة الانتقالية وقبيل الانتخابات الرئاسية 2012 بوقت قليل، عاتب شفيق المشير طنطاوي في مكتب الأخير، وأخبره أن المشوار مشي من الأول غلط، وذكره بالتأثير النفسي السلبي الذي مُورِس على الناخبين للضغط عليهم للموافقة على التعديلات المقترحة، بداية من تلوين علامة الموافقة باللون الأخضر وعلامة الرفض باللون الأسود، إلى جانب تأثير الإعلام الرسمي للدولة وعلى رأسها قنوات ماسبيرو، الذي عمل على تحفيز وتوجيه المواطنين للموافقة على التعديلات ((أحمد شفيق في لقاءه مع مصطفى بكري بدولة الإمارات، قناة النهار، بتاريخ 30 أبريل 2013. نسخة على موقع يوتيوب. )).
---
## أختي وصديقتي الصغيرة
URL: https://tabcm.net/51667/
Type: post
Modified: 2026-05-24
أختي وصديقتي الصغيرة…
حقًّا، أنتِ جميلة،
لكن كبرياءكِ كغيمةٍ ثقيلةٍ تحجب نور شمسكِ عن الإشراق الكامل.
يبرق وجهكِ لحظاتٍ متفرقة، لكن روحكِ في الداخل تنتظر نور الحضور الذي لا يغيب.
تضحكين بوجهٍ مرح، وفي الداخل أنينٌ خافتٌ لا يُسمع، كأنكِ زهرةٌ عطشى تُخفي ذبولها عن العيون.
هل تدرين، يا صديقتي، أنّكِ خُلقتِ للفجر لا للعتمة،
وللرّقص الحرّ في بستان الحياة، لا لسجن الذات؟
هل تعلمين من نفخ فيكِ نسمة الفرح الأولى؟
ذاك الذي قال في البدء: «ليكن نور»، فصار فيكِ قلبٌ ينبض بالرجاء،
وروحٌ خُلقت على نغمة صوته قبل أن تتعلّمي النطق.
أراكِ في زهوّ شبابكِ،
تلهين على شاطئ أحلامكِ،
ترسمين أهدافكِ على الرمل،
وتكتبين الضحكات مع أصدقاءٍ كالأمواج: يأتون ويغيبون.
وتظنين أن البحر سيبقى وفيًّا، وأن النهار لن يزول.
لكن دعيني أهمس لكِ:
الرمل لا يُمسك الحلم، والبحر لا يحفظ الضحكة طويلًا.
بعيدًا عنه، قد تفرحين، نعم،
لكنّ الفرح الذي لا ينبع من سلام محضره يتبخّر سريعًا.
هي نَسمتُه التي تُفرحكِ، لا نسماتُ الشاطئ الزائل.
وكل حبٍّ لا يتغذّى من محبّته،
يتحوّل إلى شوقٍ يئنّ في صمت الرجاء المماطل.
فبعيدًا عنه، تبهت الألوان التي كان يرسمها بنوره،
ويصمت اللحن الذي كان يُغنّيه روحه فيكِ.
تذبل الأشياء كما يذبل الورد حين يغيب عنه الضوء،
ويفقد القلب نارَ تقديسه، فيتقسّى،
فيُفتّش في رماده عن دفءٍ ضاع،
فلا يجد إلا أثرَ نعمةٍ تنتظر أشواقكِ ورجوعكِ.
فحين تغيبين عنه، لا يغيب هو،
بل تغيب الحياة وفرحها وسلامها عنكِ.
ثمّ يأتي الليل…
فتجلسين وحدكِ على الرمل،
والنجوم تراقبكِ كعيون رحمةٍ قديمة.
وفي تلك اللحظة،
تشعرين بشيءٍ يتحرّك في أعماقكِ،
كأنّ الروح التي عطشت وأنّت في غيابه،
قد بدأت تتنفّس من جديد.
فيصطدم صوته بجداركِ الداخليّ،
فيتشقّق ما كان صلبًا فيكِ،
ويذوب الصخر في القلب كما يذوب الشمع أمام النار.
تستيقظ فيكِ حياةٌ لم تعرفيها منذ دهر،
فتنهمر دموعكِ دون إذن.
ويقترب منكِ ذاك الصوت حتى يصير حضنًا،
لا ليوبّخكِ، بل ليمسح عنكِ غبار الطريق،
ويذكّركِ بخطوات رحمته التي كانت تتبعكِ في صمتٍ كل تلك الأعوام،
تلك الرحمة التي لم تفارقكِ،
بل كانت تنتظر لحظة السكون هذه،
لتجذبكِ من غربتكِ إلى عمقكِ،
حيث يكمّل الابنُ المحبوبُ فيك عملَ محبّته،
بصليب نعمته وروح قيامته.
حينها، ينهدم السور بينكِ وبينه،
ويشرق نوره فيكِ من جديد —
لكنها إشراقة ليست كالأولى،
فالأولى أخرجتكِ إلى الوجود،
أما هذه فتُخرجكِ من مواتكِ إلى الحياة الأبدية.
هي إشراقة الولادة من فوق،
بمياه كلمته وحياة روحه القدوس.
هو النور ذاته الذي أضاء الخليقة الأولى،
لكنّه الآن ينطق بكلمة الاتحاد وسُكنى روح الحياة.
لا يقول من جديد: «عيشي بدمكِ»،
بل يقول: «احيي بدمي، ولتسكني فيَّ، ولأحيا أنا فيكِ.»
يرسم على شفتيكِ ضحكةً من سلام دائم،
ويضع في قلبكِ أغنية العهد الجديد التي لا تنتهي—
أغنيةً لا تُغنّى إلا في قلب من عرف وذاق مرارة العبودية،
وقيود السقوط ومتاهات بريّته، ثم قام،
من ذاق الموت ثم عاد إلى الحياة.
---
## دولة مواطنين أم دولة طوائف؟
URL: https://tabcm.net/55630/
Type: post
Modified: 2026-05-23
أرسل لي كثيرون خلال الأيام الماضية: «إيه رأيك يا أبونا في قانون الأحوال الشخصية الجديد؟»
وصراحةً، فضّلت أن أصبر قليلًا حتى يهدأ الضجيج والانفعال، ويصبح ممكنًا التفكير بدل الاكتفاء بردود الفعل.
أولًا، من الناحية الكاثوليكية، لا يوجد “طلاق” لا بالمعنى اللاهوتي ولا على مستوى القانون الكنسيّ، وهذا لا تغيير فيه كنسيًّا. لكن ليس هذا موضوعنا الآن.
الموضوع الأهم في رأيي هو سؤال آخر: هل نريد فعلًا دولة مدنية حديثة؟ أم نريد إعادة إنتاج نظام الطوائف ولكن بلغة قانونية معاصرة؟
لأنّ ما يحدث حاليًّا، في تقديري، لا يؤسس لمواطنة مدنية كاملة، بل يكرّس أكثر فأكثر فكرة أنّ المصري يُعرَّف قانونيًّا انطلاقًا من طائفته الدينية، لا بوصفه مواطنًا أولًا.
في الدولة المدنية الحديثة، أنت مواطن قبل أي شيء، سواء كنت يهوديًّا أو مسلمًا أو بوذيًّا، أو مسيحيًّا: كاثوليكيًّا، أو أرثوذكسيًّا، أو إنجيليًّا إلى آخره..
الدولة تنظم علاقتك المدنية بها: الزواج المدني، والطلاق المدني، والميراث، والنفقة، والحضانة، والحقوق القانونية. ثم بعد ذلك يأتي زواجك الديني داخل كنيستك أو جماعتك الدينية وفق إيمانك وضميرك.
في معظم الدول المتقدمة، والدول الأوروبية، لا تعقد الكنيسة زواجًا كنسيًّا إلا بعد إتمام الزواج المدني أصلًا، لأنّ الدولة لا تدير الأسرار، والكنيسة لا تتحول إلى سلطة تشريعية مدنية.
نعم، قد يحدث تضارب بين القانون المدني والإيمان الديني؛ فقد تعترف الدولة بطلاق مدني بينما لا تعترف الكنيسة بانحلال الزواج سرّيًّا. لكن هنا يأتي دور الضمير الديني، لا الإكراه القانوني. فالإنسان المؤمن يقرر أمام الله وكنيسته كيف يعيش إيمانه، لا لأنّ الدولة فرضت عليه ذلك بقانون مدني.
حين يتحول الدين إلى إلزام قانوني مدني، تصبح الدولة تدريجيًّا دولة دينية حتى وإن استخدمت لغة مدنية حديثة. ولهذا أخشى أنّ القانون الحالي، مع احترام النوايا الحسنة وراءه، يرسّخ أكثر منطق “الطوائف القانونية” بدل منطق “المواطنة المدنية”.
السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نواجهه بصدق هو: هل نحن نبني دولة مبنيّة على المواطنة… أم دولة طوائف وأديان؟
---
## الملكوت والجحيم عند الآباء [ق٥]
URL: https://tabcm.net/55083/
Type: post
Modified: 2026-05-22
نستعرض في هذا الجزء من بحثنا الإشارات إلى طبيعة الملكوت والجحيم في تعاليم آباء القرن الخامس، وهل فهموا طبيعة الملكوت والجحيم أنها حالة ذهنية نفسية أم مكان ماديّ جغرافيّ؟
كيرلس السكندري
يرى ق. كيرلس السكندريّ أن المسيح نفسه هو الملكوت والجحيم، فهو الحياة الأبدية، الذي يُحِيي أولئك المؤمنين به، إذ هو نفسه الحياة بالطبيعة ويسكن فيهم بالإيمان، أمَّا غير المؤمن فسوف يقوم بحسب ناموس القيامة العام، لكنه لن يرى حياةً، فلن يُنعِم أبدًا حتى بمُجرَّد رؤيا حياة القديسين، ولن يلمس غبطتهم، بل يبقى محرومًا من تذوق حياتهم الطوباوية، لأنه هذه هي الحياة بالحقيقة، لكن بقاء المرء في عقابٍ لهو أكثر مرارةً من كل موت، وإذ تكون نفسه حبيسةً الجسد فقط لتُعانِي الآلام كالتالي: ((كيرلس السكندري، شرح إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون،القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015، 2: 4، تعليق على (يوحنا 3: 36)، ص 217، 218. ))
لأن الابن الوحيد هو بالطبيعة الحياة، لأننا به نحيا ونتحرك ونوجد ((سفر أعمال الرسل 17: 28 ))، لكنه يحلُّ فينا بالتأكيد من خلال الإيمان ويسكن فينا بالروح القدس، وسيشهد الطوباويّ يوحنا الإنجيليّ قائلًا في رسائله: بهذا نعرف أننا نثبُت فيه وهو فينا: أنه قد أعطانا من روحه ((رسالة يوحنا الأولى 4: 13 ))، إذًا، فالمسيح سيحيي أولئك الذين يؤمنون به، إذ هو نفسه الحياة بالطبيعة، وهو يسكن فيهم. […] وبما أنه بالإيمان به يدخل ذاك الذي هو الحياة بالطبيعة فينا، كيف لا يكون صادقًا بقوله: الذي يؤمن بالابن له حياةً أبديةً؟ أي أن الابن ذاته، ولا آخر سواه هو الذي نعرف أنه هو الحياة. […] لأنه يقول عن المؤمن أنه سينال ’حياةً أبديةً‘، أمَّا عن الذي لا يؤمن، فإن للكلمة مغزى آخر مختلفًا، لأنه لم يقل أنه لن ينال حياةً، بل سيقوم بواسطة ناموس القيامة العام، لكنه يقول عنه إنه لن يرى حياةً، أي أنه لن ينعم أبدًا حتى بمُجرَّد رؤية حياة القديسين، ولن يلمس غبطتهم، بل يبقى محرومًا من تذوق حياتهم الطوباوية، لأنه هذه هي الحياة الحقيقية، لكن بقاء المرء في عقابٍ لهو أكثر مرارةً من كل موت، وإذ تكون نفسه حبيسة الجسد فقط لتعانِي الآلام. […] ألا يجدر بنا هنا أيضًا أن نقول أنه يشير إلى حياة القديسين؟ لكني أظن أن هذا جليّ أمام الجميع، لأنه في الواقع لم يحث البعض على ترك الشرّ، حتى ينالوا قيامة الجسد بعد الموت، لأنهم سيقومون ثانيةً حتى إنْ لم يكفوا عن الشرّ، بل أنه يحضُّهم بالأحرى على طلب تلك الحياة، حيث يرون أيامًا صالحةً على الدوام، ويقضون حياةً لا تنتهي في غبطةٍ ومجدٍ.
(كيرلس السكندري، شرح إنجيل يوحنا مج1)
ويرى ق. كيرلس أن مثل الغني ولعازر هو مُجرَّد مثل مطروح بصورةٍ أدبيةٍ جميلةٍ، وقد ذكر الربُّ هذا الأمر كمُجرَّد مثال لكي يجعل حديثه مفهومًا، رافضًا رفضًا تامًا حدوث الدينونة قبل نزول المسيح من السماء، وقبل حدوث قيامة الأموات، وقبل حدوث الدينونة والمجازاة عن الأعمال كالتالي: ((كيرلس السكندري، ضد الذين يتصورون أن لله هيئةً بشريةً، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، القاهرة، 2013، الفصل 16، ص 85، 86. ))
يقول الكتاب المقدَّس إن الدينونة سوف تصير بعد قيامة الأموات. لكن القيامة لن تحدث، لو لم يأت المسيح أولًا إلينا، مُحاطًا بمجد الآب مع الملائكة القديسين. […] إذًا، طالما لم ينزل ديَّان الجميع بعد من السماء، ولم تصر بعد قيامة الأموات، بالتالي، كيف لا يكون سخيفًا أن نُفكِّر بأن المجازاة صارت بالفعل للبعض سواء كانوا أشرارًا أم صالحين؟ أمَّا كل ما يقوله المسيح عن الغني ولعازر، فهو مُجرَّد مَثل مطروح بصورةٍ أدبيةٍ جميلةٍ. حسنًا يقول المثل -كما يذكر تقليد العبرانيين- إن لعازر كان وقتذاك يعيش في أورشليم، حيث كان يُعانِي فقرًا مدقعًا ومرض. وقد ذكر الربُّ هذا الأمر، آخذًا إياه كمثال لكي يجعل حديثه مفهومًا. بالتالي، طالما لم ينزل بعد المسيح مُخلِّص الكل من السماء، ولا صارت القيامة، ولا نال البعض مُجازاةً عن أعمالهم، بل كما مِن صورةٍ، يشير إلى مثلٍ لغنيٍ بحياة الرفاهية وبلا رحمة، وآخر فقيرٍ مملوءٍ من الأمراض؛ لكي يُدرِك أولئك الأغنياء على الأرض بأنه إنْ لم يريدوا أن يكونوا نافعين ورحومين ومُحِبين للشركة، وإنْ لم يُظهِروا استعدادهم أن يُعضِّدوا الفقراء المحتاجين، فلسوف يسقطون في دينونةٍ مُخيفةٍ ورهيبةٍ لا مفر منها.
(كيرلس السكندري، ضد الذين يتصورون أن لله هيئةً بشريةً)
يتحدَّث ق. كيرلس أيضًا في تفسيره لمثل الغني ولعازر عن الفرق بين الملكوت المدعو في المثل بحضن إبراهيم، والجحيم الذي هو حالة العذاب والخزي والظلمة كالتالي: ((كيرلس السكندري، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2016)، عظة ١١٢، ص 546. ))
وهو يقول إنَّ لعازر حملته الملائكة القديسون إلى حضن إبراهيم، أمَّا عن الغني فيقول إنه مات ودُفِنَ، لأنه بالنسبة لذلك الغني الذي أظهر نفسه قاسيًا وعديم الرحمة، فإن الانفصال عن الجسد هو موت. فقد خرج من التنعُّم إلى العذاب، ومن المجد إلى الخزي، ومن النور إلى الظلمة. هذه هي الأشياء التي كان على الغني أن يُعانِيها، وهو الذي كان شهوانيًا وبخيلاً وغير ميَّال للرحمة. وما كان يُعذِّبه أكثر وهو في الجحيم أنه رأى لعازر في حضن إبراهيم.
(كيرلس السكندري، تفسير إنجيل لوقا)
مكاريوس الكبير
يُشِير ق. مكاريوس الكبير إلى حالة النفس بعد الموت والقيامة واتحادها بالجسد مرةً أخرى قائلًا: ((مكاريوس الكبير، العظات الخمسون، ترجمة: الراهب يونان المقاري، وادي النطرون: دير القديس أبو مقار، 2019، عظة 2: 5، ص 141. ))
فلقد ألبسهم الرب ثياب مملكة النور الذي لا يُعبَّر عنه: ثياب إيمانٍ ورجاءٍ وفرحٍ وسلامٍ وصلاحٍ ولطفٍ ((رسالة بولس إلى غلاطية 5: 22، 23 )) وكل ما يتبعها من الثياب الإلهية الحية، ثياب نورٍ وحياةٍ وراحةٍ لا يُنطَق بها، حتى كما أن الله محبة وفرح وسلام ولطف وصلاح، هكذا يصير الإنسان الجديد أيضًا بالنعمة. وكما أن الخطيئة ومملكة الظلمة كلتيهما مخفيتان في النفس حتى يوم القيامة، حيث يتغطى جسد الخطأة هو أيضًا بالظلمة المخفية في النفس منذ الآن؛ كذلك أيضًا مملكة النور والصورة السماوية، أيّ يسوع المسيح، يُنِير النفس سرًا منذ الآن، ويملك داخل نفوس القديسين. ورغم أنه مخفي عن أعين الناس، إلا أنه -أعني المسيح- يُرَى بالحقيقة بأعين النفس فقط، وذلك حتى يوم القيامة، حيث يتغطى الجسد هو أيضًا بنور الرب ويتمجَّد به، ذلك النور الكائن منذ الآن في نفس الإنسان، حتى يملك الجسد هو أيضًا مع النفس التي منذ الآن قد نالت ملكوت المسيح واستراحت في النور الأبديّ واستنارت به. فالمجد لرأفاته وشفقته، لأنه يرحم عبيده وينيرهم ويُنقِذهم من مملكة الظلمة وينعم عليهم بنوره الخاص وبملكوته الخاص، له المجد والسلطان إلى الدهور، أمين.
(مكاريوس الكبير، العظات الخمسون)
إيسيذوروس الفرمي
ويُؤكِّد ق. إيسيذوروس الفرميّ على حالة النفس في الحياة الأبدية، مُشِيرًا إلى أن الملكوت والجحيم هما حالة وليس مكان كالتالي: ((إيسيذوروس الفرمي، رسائل القديس إيسيذوروس الفرمي ج1، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018، رسالة ٢٦٧ إلى كيرينيوس، ص 233. ))
وأنت بالتأكيد تسأل عن الحالة التي ستكون عليها النفس هناك، وبأيّ طريقة تُحفَظ. أنا أقول لك: تلك التي عاشت في الفضيلة، سوف تنقاد إلى قيامة الحياة، بينما تلك التي عاشت في الشر، سوف تنقاد إلى النار الأبدية ((أنظر إنجيل متى ٢٥: ٤٦ )).
(إيسيذوروس الفرمي، رسائل القديس إيسيذوروس الفرمي ج1)
مار أوغريس البنطي
ويُشِير مار أوغريس البنطيّ، أحد آباء الرهبنة المصرية العظام، إلى أن ملكوت السماء هو التأمُّل في الكائنات، وإنه موجودٌ في داخلنا، وهكذا لو كان داخلنا مشغولًا بالشياطين، فهذا ما يُعبِّر عنه الكتاب المقدَّس باحتلال الفلسطينين لأرض الموعد قائلًا: ((أوغريس البنطي، مار أوغريس البنطي، إعداد: الراهب أوغريس البرموسي، مراجعة: نيافة الأنبا إيسيذوروس، وداي النطرون: دير العذراء البرموس، 2021، كيفالايا غنوستيكا أو فصول غنوسية 5: 30، ص 210. ))
إذَا كان ملكوت السماء هو التأمل في الكائنات، وإذَا كان الأول طبقًا لأقوال ربّنا هو في داخلنا، وكان داخلنا مشغولاً بالشياطين، فإنه لذلك يُقَال بالصواب إن الفلسطينيين يحتلون أرض الموعد.
(مار أوغريس البنطي، إعداد: الراهب أوغريس البرموسي)
ويرى مار أوغريس أن ملكوت الله هو الروح القدس الذي يأتي ويسكن فينا، وذلك في سياق تفسيره لطلبة الصلاة الربانية ”ليأت ملكوتك“ قائلًا: ((أوغريس البنطي، مار أوغريس البنطي، إعداد: الراهب أوغريس البرموسي، مراجعة: نيافة الأنبا إيسيذوروس، وداي النطرون: دير العذراء البرموس، 2021، تعليقات على الصلاة الربانية، ص 559. ))
ملكوت الله هو الروح القدس، ونحن نُصلِي لكي ينزل علينا.
(مار أوغريس البنطي، إعداد: الراهب أوغريس البرموسي)
بينما يرى مار أوغريس أن الجحيم أو الهاوية هي جهل الطبيعة العاقلة بسبب حرمانها من التأمُّل في الله قائلًا: ((أوغريس البنطي، مار أوغريس البنطي، إعداد: الراهب أوغريس البرموسي، مراجعة: نيافة الأنبا إيسيذوروس، وداي النطرون: دير العذراء البرموس، 2021،الفصول من 17-33، تعليقات على سفر الأمثال : 25، ص 566 ))
الهاوية [الجحيم] ((سفر الأمثال 30: 16 )) هي جهل الطبيعة العاقلة الناجم عن الحرمان من التأمُّل في الله.
(مار أوغريس البنطي، إعداد: الراهب أوغريس البرموسي)
كما يرى أن النار هي رذيلة الطبيعة العاقلة المدمِّرة لفضائل الله قائلًا: ((أوغريس البنطي، مار أوغريس البنطي، إعداد: الراهب أوغريس البرموسي، مراجعة: نيافة الأنبا إيسيذوروس، وداي النطرون: دير العذراء البرموس، 2021، الفصول من 17-33، تعليقات على سفر الأمثال : 28، ص 566. ))
النار ((سفر الأمثال 30: 16 )) هي رذيلة الطبيعة العاقلة المدمِّرة لفضائل الله.
(مار أوغريس البنطي، إعداد: الراهب أوغريس البرموسي)
أوغسطينوس أسقف هيبو
يُؤكِّد أوغسطينوس على أن الملكوت والحياة الأبدية هي حالة مُعاينة ورؤيا الله التي لا تُمنَح للأشرار كالتالي: ((أوغسطينوس، الثالوث، ترجمة: د. أنطون جرجس، مراجعة: نيافة الأنبا أنجيلوس الأسقف العام، القاهرة، 2021، ١: ١٣: ٣٠، ص 156. ))
والآن هذه هي الحياة الأبدية أي تلك المعاينة التي لا تخص الأشرار […] وما هي الحياة الأبدية سوى هذه الرؤيا التي لا تُمنَح للفجار.
(أوغسطينوس، الثالوث)
---
## أساقفة اﻷحوال الشخصية وتضارب المصالح
URL: https://tabcm.net/55603/
Type: post
Modified: 2026-05-21
يقول بيت الشعر الشهير للمتنبي:
يا أَعدَلَ الناسِ إِلّا في مُعامَلَتي *** فيكَ الخِصامُ وَأَنتَ الخَصمُ وَالحَكَمُ
أُعيذُها نَظَراتٍ مِنكَ صادِقَةً *** أَن تَحسَبَ الشَحمَ فيمَن شَحمُهُ وَرَمُ
(أبو الطيب المتنبي)
الشطر الثاني من البيت الأول ينطبق على الإكليروس، سواء كانوا رهبانًا صاروا أساقفة وبطاركة، أو كهنة من القمامصة والقسوس المتزوجين، فيما يخص ملف الزواج والطلاق “الأحوال الشخصية”.
فالإكليروس يلعبون دور القضاة الذين يفصلون في قضايا الأحوال الشخصية، لكن في نفس الوقت قد يكونون الخصم لأحد الأطراف المشتكين.
وهنا يحدث “تضارب مصالح” تمنعه القوانين في أروقة القضاء المدني.
في درجات التقاضي المختلفة أمام المحاكم المدنية يمكن ﻷحد اﻷطراف المتنازعين رد المحكمة (القاضي)، بل وفي أحيان أخرى يعتذر القاضي عن نظر قضية ما لاستشعار الحرج.
أما في ملف الأحوال الشخصية، فالكاهن الذي يصلي القداس، ويجري الزيجة، ويحصل على التبرعات من المؤمنين ويشرف على أوجه صرفها داخل الكنيسة، هو نفس الكاهن الذي يفصل في قضايا الأحوال الشخصية.
وﻷننا بشر فلا يمكن أن نفصل علاقاتنا الشخصية عن علاقاتنا المهنية طول الوقت، وإذا كان البعض ينجح في هذا الفصل فالبعض اﻵخر لا يستطيع. هذه هي طبيعة الحياة.
الخلط بين الروحي والمدني
يحمل سر الزواج في المسيحية بُعدًا روحيًا عميقًا، فهو يُمثل عهدًا مقدسًا بين رجل وامرأة، مُباركًا من الله، ومُرادًا أن يكون انعكاسًا لمحبة المسيح للكنيسة. وإلى جانب هذا البُعد الروحي، للزواج أيضًا بُعد مدني تُشرف عليه الدولة. يتضمن هذا البُعد المدني إضفاء الطابع الرسمي على هذه الرابطة من خلال عقد قانوني، هو شهادة الزواج، التي تُحدد حقوق ومسؤوليات كلا الزوجين منذ لحظة إبرام العقد وحتى إمكانية فسخه.
تضمن هذه الطبيعة المزدوجة الاعتراف بالزواج وحمايته من قِبل كلٍ من الدين والقانون، مما يُوفر إطارًا للالتزام والأسرة والنظام الاجتماعي.
الوضع الحالي هو أن الكنيسة تأخذ الدورين الروحي والمدني، ولكن للأسف لا تؤدي الكنيسة دورها الروحي الخاص بتكوين المسيحيين وإعدادهم للزواج على أكمل وجه. والدليل هو كثرة مشكلات الطلاق أمام المجالس الإكليريكية، أو قصص لنساء تعاني فتترك بيتها. وكل يوم ينشغل المجتمع بسيدة أو فتاة تركت بيتها. وتهتم الكنيسة فقط بالشق المدني بتعطيل الطلاق بقدر الإمكان بدعوى الحفاظ على الأسرة من التفكك، لكنها بذلك تمارس سياسة “كنس التراب تحت السجاد”.
في واقعة طلاق فنانة شهيرة تعثرت في زيجتها الأولى، وبسبب القرب من البابا الراحل الأنبا شنودة الثالث، انحاز البابا لروايتها ضد رواية زوجها، حتى حصلت على طلاق من المحكمة وتصريح بالزواج الثاني. ثم تصاعد الانحياز أكثر حين تعامل البابا شنودة بالمنطق الأبوي الذكوري، أي موقف الأب الذي يقف للدفاع عن ابنته، فعادى زوجها الذي طلب تصريحًا للزواج مرة أخرى مثل طليقته، ولكن البابا شنودة رفض ودخل في تحدٍ شخصي معه أمام ساحات القضاء ((عمرو بيومي، المصري اليوم: طليق هالة صدقي يقاضي «لائحة 1938».. ويحذر البابا شنودة من «العزل والحبس» )) ((سحر طلعت، اليوم السابع: إعادة طعن البابا شنودة ضد طليق هالة صدقى )).
إن كان البابا الذي يُفترض حياده قد أصبح خصمًا لأحدهم، فماذا يفعل بقية الأساقفة والكهنة؟ يقول البابا تواضروس الثاني إن الإكليروس من الشعب، حسنًا، وماذا لو كان لأحد الإكليروس، أحد أقربائه أو ابنته، يعاني في زواجه؟ فهل سيكون محايدًا عند نظر القضية؟ وهل الأسقف سيكون محايدًا وهو يعرف أن الملف الذي أمامه يخص أقرباء أحد الكهنة؟ ما الضمانات الكنسية لتجنب المحسوبية والعواطف والانحياز لذوي القربى؟
مرة أخرى، لا أتهم أحدًا بالفساد، لكنني أشير إلى الوضع الذي يمكن من خلاله توجيه هذه التهمة للقائمين على الفصل في قضايا الأحوال الشخصية.
سرقة القضاء بمؤهلات أبوية
في مشروع القانون المزمع مناقشته داخل مجلس النواب، ومثّل المجمع في إصداره ومناقشته الأنبا بولا مطران طنطا، ستكون سلطة الطلاق في يد المحكمة، لكن تمت صياغة المادة بشكل يسمح للإكليروس بالتدخل في كل قضية تُنظر أمام المحكمة، إذ يقول نص المادة 24:
يتعين على المحكمة في دعاوى الخطبة، والتطليق، وبطلان، وانحلال الزواج أن تطلب رأي الرئاسة الدينية المختصة في النزاع كتابةً، وذلك بموجب قرار موضح به سبب الدعوى،
ويتعين على الرئاسة الدينية إبداء الرأي في الأجل الذي تحدده لها المحكمة، على ألا تزيد مدته على خمسة وأربعين يومًا.
وفي حالة ما إذا انتهت المحكمة إلى رأي مخالف لما أبدته الرئاسة الدينية، فيتعين عليها تسبيب ذلك.
وفي حالة عدم الرد في الأجل المبين بالفقرة الأولى من هذه المادة تقضي المحكمة في موضوع الدعوى.
(مادة ٢٤ من مشروع قانون اﻷحوال الشخصية للمسيحيين)
يبتعد الإكليروس عن النظر المباشر للقضايا كما هو الحال في الوضع الحالي، ولكن إذا صدر القانون وهذه المادة بنصها الحالي، فهذا يعني النيل من استقلال القضاء، القاضي يحتاج إلى نص قانون يحكم به في القضايا المختلفة، لا أن يتحول إلى سكرتارية تنفيذية تحت تصرف الإكليروس ويطلب رأيه العاطفي عند نظر كل قضية. فلماذا هذا الإصرار على التحكم في مصير القضايا حتى ولو من باب الاختباء خلف القضاة؟ ((باسم الجنوبي: من أقامكم علينا قضاة ومشرعين؟ بتاريخ 28 مايو 2022. ))
لائحة 1938 التي ينتقدها الإكليروس بأن من وضعها علمانيون، تظل من الناحية الموضوعية أفضل ما ظهر في ملف الأحوال الشخصية سواء في الشق المسيحي المرتبط بتغليب الرحمة على الكلام الحرفي وتعذيب الناس، وفيما يخص الجانب المدني والحقوقي فهي سابقة على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948 لكن بنودها فيما يخص الطلاق تتفق مع الإعلان ومع العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية 1966. فمتى يعرف المصريون المسيحيون حقوقهم كمواطنين؟ ومتى ينضمون لادراجهم ضمن “الإنسان”!
---
## حراس الفضيلة
URL: https://tabcm.net/55598/
Type: post
Modified: 2026-05-20
بصراحة، الفترة الأخيرة بقيت ألاحظ ظاهرة غريبة جدًا ومخيفة في نفس الوقت. جروبات وصفحات كاملة هدفها مراقبة الناس، والدخول في معارك، وتوزيع اتهامات، واعتبار أي اختلاف أو سؤال أو رأي مختلف كأنه معركة لازم يتم سحق صاحبها. والأغرب إن عدد كبير من المشاركين في الحكاية دي من جيل صغير جدًا، داخل بحماس حقيقي، ومقتنع فعلًا إنه “بينصر الدين” أو “يحمي الفضيلة”.
لكن السؤال المهم هنا: إمتى الدفاع عن القيم يتحول لمطاردة للناس؟ وإمتى الاختلاف يبقى سبب لحملات شتيمة وبلاغات وتحريض وكأننا داخلين حرب؟ أنا شخصيًا شايف إن المشكلة مش في التدين أبدًا، لأن التدين الحقيقي عمره ما كان قائم على الكراهية أو مطاردة البشر. المشكلة لما الإنسان يقتنع إنه بقى مسؤول عن محاسبة الناس كلها، وإن أي حد مختلف لازم يتم الهجوم عليه أو إسكات صوته.
السوشيال ميديا للأسف خلت ناس كتير تحس بقوة ضخمة، فجأة ضغطة زر تخليك تجمع مئات الأشخاص ضد شخص واحد، وتخليك تحس إنك “بتنتصر”، حتى لو الطريقة نفسها مليانة عنف وكراهية. وده أخطر شيء ممكن يحصل لأي مجتمع: إن الناس تتحول من الحوار… للمحاكمات. أنا لا عندي مشكلة مع الدين، ولا مع الأخلاق، ولا مع أي إنسان مختلف معايا. لكن عندي مشكلة حقيقية مع فكرة إننا بقينا نعيش في حالة تفتيش مستمرة على بعض.
وبرأيك: هل فعلًا السوشيال ميديا زودت الوعي؟ ولا حولت ناس كتير إلى قضاة على بعض؟
أخطر حاجة ممكن تعملها السوشيال ميديا في الإنسان إنها تقنعه إنه بقى “بطل”.
بطل بيحارب الشر.
وبيدافع عن الدين.
وبيكشف الناس.
وبيطارد “الأعداء”.
ومع الوقت يبدأ الشخص يصدق فعلًا إن عنده مهمة مقدسة، وإن أي حد مختلف معاه لازم يتم الهجوم عليه أو إسكاته أو فضحه. وده للأسف اللي حاصل دلوقتي بشكل واضح جدًا.
ناس كتير بقت تدخل أي نقاش بعقلية: “إما معي… أو ضد الدين.” وده تفكير مرعب، لأن الحياة مش أبيض وأسود بالشكل الساذج ده، والبشر أعقد بكتير من مجرد تصنيف سريع بين مؤمن وكافر، صالح وفاسد، ملاك وشيطان.
اللي لفت انتباهي أكتر إن بعض الناس لم تعد تبحث عن الحقيقة أصلًا، هم فقط يبحثون عن “العدو”. أي شخص مختلف، أو بيسأل، أو بيناقش، أو حتى بيهزر بطريقة مش عاجباهم، يتحول فورًا لهدف جاهز للهجوم الجماعي. والغريب إن كل ده بيحصل تحت شعارات الفضيلة والأخلاق. مع إن الفضيلة الحقيقية عمرها ما كانت قائمة على التشهير والكراهية والتحريض.
أنا مؤمن إن أي فكرة قوية لازم تتحمل النقاش. وأي إيمان حقيقي لا يخاف من السؤال. لكن المشكلة لما يتحول الخوف من الاختلاف إلى حالة هوس جماعي بالمطاردة. ساعتها المجتمع كله يخسر، حتى الناس اللي فاكرة إنها “بتنتصر”.
وبرأيك: ليه بعض الناس بتحب دائمًا فكرة وجود “عدو” تحاربه؟
في رأيي السوشيال ميديا لم تكشف حقيقة الناس فقط، لكنها كشفت شيئًا أخطر: كمية الغضب الموجودة داخل البشر. أحيانًا تدخل تقرأ التعليقات على أي موضوع مختلف شوية، فتشعر إن الناس لم تعد تناقش، بل تنتظر لحظة الهجوم فقط. أي رأي مختلف= خيانة. أي سؤال= تشكيك. أي نقد= حرب على الدين أو الأخلاق أو المجتمع. وكأننا فقدنا القدرة على التعايش مع فكرة إن البشر طبيعي جدًا يختلفوا.
اللي يخوف فعلًا إن بعض الناس لم تعد تبحث عن الفهم، بل عن الإدانة. يدخل الشخص النقاش وهو حاسم قراره مسبقًا: “أنا الصح… والباقي لازم يسكت”، وده مع الوقت بيخلق مجتمع متوتر طول الوقت، الكل فيه خائف من الكلام، وخائف من السؤال، وخائف حتى من التفكير بصوت عالي.
أنا شايف إن أخطر مرحلة يصل لها أي مجتمع، لما يتحول الحوار فيه إلى محاكمات. ولما يصبح الهدف من النقاش ليس الوصول للحقيقة بل تحطيم الخصم. وقتها الناس لا تتعلم، ولا تتقارب، ولا تفهم بعض. كل اللي بيحصل إن الكراهية بتزيد، والصوت الأعلى هو اللي يكسب.
الغريب إن ناس كتير تظن أن العنف اللفظي نوع من القوة، مع إن القوة الحقيقية في القدرة على النقاش بدون شتيمة، وعلى الاختلاف بدون كراهية.
وبرأيك: هل نحن فعلًا أصبحنا نعيش زمن “النقاش” أم زمن “الإلغاء”؟ زمان كان الإنسان لما يختلف معاك… يناقشك. دلوقتي أحيانًا أول رد فعل بيكون: “هاتوا الناس عليه”، بلاغات، شتيمة جماعية، تحريض. قص ولزق لكلام خارج سياقه. ثم تبدأ حفلة الإعدام الإلكتروني.
المشكلة إن كثير من الناس لا تدرك خطورة ما تفعله، لأنها تتعامل مع الأمر كأنه مجرد “دفاع عن الحق”، بينما الحقيقة إن التحريض الجماعي نوع من العنف، حتى لو تم من وراء شاشة. والأخطر إن الشخص داخل الجروب يشعر بقوة غريبة. يشعر إنه جزء من جيش، وإنه محمي وسط الحشد، فيقول أشياء ربما لا يجرؤ أن يقولها وحده. وده بالضبط اللي يجعل عقلية القطيع خطيرة جدًا. لأن الإنسان داخل المجموعات الغاضبة يفقد جزءًا كبيرًا من فرديته، ويتحول تدريجيًا من شخص يفكر… إلى شخص يكرر.
يكرر نفس الكلمات.
نفس الاتهامات.
نفس الغضب.
وأحيانًا بدون أن يسأل نفسه: “هل أنا فعلًا مقتنع؟ أم فقط مندمج مع الحشد؟”، أنا لا أكتب هذا دفاعًا عن نفسي، ولا طلبًا للتعاطف. أنا فقط أحاول فهم ظاهرة أصبحت تكبر يومًا بعد يوم: لماذا أصبح الناس أسرع إلى الكراهية من الحوار؟ ولماذا يشعر البعض براحة نفسية عندما يرى شخصًا آخر يتم الهجوم عليه جماعيًا؟
السؤال الأهم:
هل نحن نربي جيلًا يفكر؟ أم جيلًا يحاكم؟
---
## أثناسيوس رجل الله ﻻ رجل الدين
URL: https://tabcm.net/55587/
Type: post
Modified: 2026-05-19
هذا الأسبوع (7 بشنس بالتقويم القبطي / 15 مايو بالتقويم الميلادي) حلت ذكرى نياحة العظيم القديس أثناسيوس، ذلك القديس الذي منذ شبابه قاوم شيوخ وأساقفة مهرطقين فاسدين يضلون الشعب لحبهم في السلطة والمنصب، كان وقتها شاب علماني بلا رتبة ولا سلطة كنسية، وعاش مضطهَدًا لأجل الحق، وقاوم قيادات فاسدة نجسة بقلب ثابت.
قضى أثناسيوس أغلب عمره منفيًّا مرذولًا محتقرًا مثل مسيحه، بسبب كراهية رجال الدين له، أما هو فلم يكن يومًا رجل دين، بل كان رجل الله.
فعلوا فيه كما فعلوا بالمسيح. عرف المسيح واستُعلن له، وتكلم عنه كما لم يتكلم أحد قبله. لقد كان المسيح فيه فتكلم بأسرار إلهية.
واليوم، مَن يدَّعون أنهم أتباع المسيح يفعلون في مَن يسلك مثله ومثل المسيح تمامًا كما فعلوا فيه وفي المسيح!
مَن عرف أثناسيوس ولمسه يعرف وهو يحتفل به أن يسلك مثله. ويعمل أعماله وأعمال مسيحه،
أما المتكبر المزيف، فيحتفل به نظريًا، وعمليًا يضطهد أتباعه.
تمامًا كما احتفل اليهود بفصح الرب وهم يصلبون المسيح.
كما كان.. هكذا يكون…
وهكذا أغلب المدعوين مسيحيون…
وليكن مباركًا مَن يعرف المسيح ويسلك مثله ومثل من تبعوه.
في ذكرى نياحة القديس العظيم أثناسيوس الرسولي، لا نملك إلا أن نُكرّمه بالأفعال ونقول الحق مثله، حتى لو كان نصيبنا الطرد والظلم والافتراء، كما فعلوا به وبمسيحنا.
أثناسيوس، المُحتقر والمرذول مثلَ مسيحه، لم يَكُن يوماً رجُل دين، بل كان رجُل الله، لذا عندما واجه آريوس، قال له كما نقول باللغة الدارجة: “خليك راجل وواجهني راجل لراجل.”
إن بَدء ثاليا أريوس عبارة عن أقوال ركيكة جوفاء. وقد اتّخذَت لها أسلوباً أنثوياً. ((القديس أثناسيوس: حياته- تعاليمه- أهم كتاباته، المقالة الأولى ضد الآريوسيين، فقرة٢، مركز دراسات الآباء، ص٣٣١ ))
(أثناسيوس الرسولي، المقالة الأولى ضد الآريوسيين)
يسخر ق. أثناسيوس من الثاليا (الأناشيد التي كان يكتبها آريوس) ويشبهها بالأسلوب الـ”أنثوي”. ومرّة أخرى يقول:
إِنَّ أَرِيُوسَ الغَرِيبَ فِي الوَاقِعِ لَمْ يُقَلِّدْ أَحَدًا وَقُورًا، وَإِذْ كَانَ يَجْهَلُ كِتَابَاتِ الرِّجَالِ الوُقُورِينَ مِنْ عُظَمَاءِ القَوْمِ، فَإِنَّهُ كَانَ يَخْتَلِسُ كَثِيرًا مِنَ الهَرْطَقَاتِ الأُخْرَى. وَلَا يُوجَدُ لَهُ مُنَافِسٌ فِي مَجَالِ الهَزْلِ وَالسُّخْرِيَّةِ غَيْرُ سُوتِيَادِسْ ((سوتيادس شاعر يوناني قديم من مارونيا ذاع صيته أيام حكم بطليموس فلاديفوس وكان موضوع أشعاره من الميثولوجيا اليونانية ذات الأسلوب الفاضح الواقح ولذلك سمي بـالشاعر الداعر.
القديس أثناسيوس: حياته- تعاليمه- أهم كتاباته، المقالة الأولى ضد الآريوسيين، فقرة٢، مركز دراسات الآباء، ص٣٢٨ )) وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ مَاذَا كَانَ فِي وُسْعِهِ أَنْ يَعْمَلَ، سِوَى أَنْ يَرْغَبَ فِي التَّحَوُّلِ ضِدَّ المُخَلِّصِ، بِأَنَاشِيدِهِ الرَّاقِصَةِ، مُعَبِّرًا بِثرْثرَتِهِ المُمقوتةِ وَطَنْطَنَتِهِ البَغِيضَةِ عَنْ كُفْرِهِ وإلحادِه. ((القديس أثناسيوس: حياته- تعاليمه- أهم كتاباته، المقالة الأولى ضد الآريوسيين، فقرة٢، مركز دراسات الآباء، ص٣٣٠ – ٣٣١ ))
(أثناسيوس الرسولي، المقالة الأولى ضد الآريوسيين)
وهنا ق. أثناسيوس يُسخر من أناشيد آريوس كمثل أحد الشعراء الذي يتميز شعره بالأسلوب الداعر وأناشيد آريوس (أناشيده الراقصة تعني الأناشيد نفسها غير متزنة).
---
## كيف وصل الإخوان للحكم؟
URL: https://tabcm.net/55571/
Type: post
Modified: 2026-05-18
في العادة تكون درجة حرارة الجو في مصر في مثل هذا الوقت من العام مرتفعة جداً إلى حد يصعب احتماله، إلا أن درجة الحرارة في الأسبوع الأخير من يونيو هذا العام، وتحديداً يوم الأحد الرابع والعشرين من يونيو عام 2012 تضاعفت عدة مرات، وبلغت ذروتها مع اقتراب عقارب الساعة من الثالثة عصراً، حيث لم يتبق إلا القليل من الوقت على بدء مؤتمر إعلان نتيجة الانتخابات الرئاسية، بعد ثورة عظيمة قُدّر لها الفشل، وبعد أشهر قاسية من التخبط والدم والنضال سميت بالفترة الانتقالية.
تأخر المؤتمر عن الموعد المقرر له بأكثر من ساعتين، وسط احتباس أنفاس وضغط عصبي قابل للانفجار. سجلت عدسات التليفزيون خلو الشوارع المصرية من المواطنين في وسط النهار، في سابقة لم ولن تتكرر قبل هذا اليوم.
بدأ المؤتمر الصحفي العالمي لإعلان نتائج جولة الإعادة لانتخابات رئاسة الجمهورية، بمقر الهيئة العامة للاستعلامات بمدينة نصر، في حوالي الساعة الرابعة بعد ظهر اليوم، بعد وقت قصير من وصول أعضاء اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية، بكلمة مقتضبة للمستشار حاتم بجاتو، الأمين العام للجنة الانتخابات الرئاسية، ثم عُزف السلام الجمهوري، وبعدها بدأت كلمة المستشار فاروق سلطان، رئيس اللجنة العليا للانتخابات، التي استمرت لساعة أو أكثر بحديث متكرر، قبل أن يعلنها صراحةً:
ويكون الفائز بمنصب رئيس جمهورية مصر العربية، في الانتخابات التي جرت يومي ١٦ و١٧ من يونيو، هو السيد الدكتور محمد محمد مرسي عيسى العياط.
(فاروق سلطان، رئيس اللجنة العليا للانتخابات)
وبسرعة البرق انقلب الجميع على الثورة، متهمين إياها بأنها سبب وصول الإخوان المسلمين لحكم مصر، ولولا الثورة لما استطاعت الجماعة، ولو بعد قرون، الوصول لمقعد الرئاسة.
يبقى هنا السؤال الأهم: كيف وصل الإخوان للحكم حقاً؟ كيف حدث ذلك؟
أحزاب على أساس ديني
لم يمر سوى أسبوع واحد تقريباً على تنحي مبارك، حتى كان يوسف القرضاوي يخطب في ميدان التحرير يوم الجمعة 18 فبراير، التي سُميت بجمعة النصر. وفي اليوم التالي مباشرة 19 فبراير، وبالمخالفة للمادة الخامسة من دستور 1971، الذي ينص صراحة على: عدم جواز مباشرة أي نشاط سياسي أو قيام أحزاب سياسية على أي مرجعية أو أساس ديني، وبالمخالفة الصريحة مع قوانين شؤون الأحزاب التي تنص صراحة على: عدم قيام الأحزاب في مبادئها أو برامجها أو في مباشرة نشاطها أو في اختيار قياداتها أو أعضائها على أساس ديني أو عقائدي، وافقت لجنة شؤون الأحزاب في مجلس الدولة على تأسيس حزب الوسط الإسلامي الجديد، الذي أسسه منشقون عن جماعة الإخوان المسلمين.
وفي 22 فبراير، صرحت جماعة الإخوان المسلمين بأنها بصدد تأسيس أول حزب سياسي لها، باسم حزب الحرية والعدالة، تيمناً بالحزب الحاكم في تركيا حزب العدالة والتنمية. وأكد سعد الحسيني، عضو مكتب الإرشاد، تمسك حزبه بالهوية الدينية قائلاً: إن أبرز ما جاء في برنامج الحزب هو تمسك الجماعة برأيها الرافض ترشيح المرأة والقبطي لانتخابات رئاسة الجمهورية.. ولم نغير موقفنا من هذه القضية ((محمد السيد سليمان وطارق صلاح، المصري اليوم: الإخوان: نريد دولة تكفل حقوق الأقباط، وبرنامج الحزب يرفض ترشيح المسيحي والمرأة للرئاسة. بتاريخ 15 مارس 2011. )).
لاحقاً، وفي 6 يونيو 2011، أعلنت لجنة شؤون الأحزاب قبول أوراق حزب “الحرية والعدالة” المنبثق عن جماعة الإخوان المسلمين، ومن ثم قيام الحزب رسمياً. وتلاه الموافقة على قبول أوراق “حزب النور” السلفي في 12 يونيو 2011، ثم تلته أحزاب إسلامية مثل حزب الفضيلة، حزب الأصالة، حزب البناء والتنمية، حزب الاستقلال وحزب النهضة.
وفي مداخلته التليفونية لبرنامج “على الهوا” على قناة أوربت في 28 مارس 2011، أكد اللواء ممدوح شاهين، مساعد وزير الدفاع للشئون القانونية والدستورية، أنه تم حذف بعض البنود والعبارات من قانون الأحزاب السابق بشأن تأسيس الأحزاب. وطالب مساعد وزير الدفاع للشئون القانونية والدستورية بضرورة التفرقة بين الحزب ذي المرجعية الدينية، وبين إنشاء الحزب على أساس ديني، مشيرًا إلى أنه لا مانع أن يكون للحزب مرجعية دينية، واصفًا المرجعية بالفكر، ولكن يجب أن يكون الحزب مفتوحًا أمام الجميع وغير مقتصر على فئة معينة ((جمال أبو الفضل وناصر جودة، اليوم السابع: مساعد وزير الدفاع: لا مانع من وجود مرجعية دينية للحزب. بتاريخ 30 مارس 2011. )).
وفي حضور نحو 700 شخص من الوزراء وقيادات الإخوان والأحزاب ونجوم الإعلام والفن والرياضة، أقام حزب الحرية والعدالة، المنبثق عن جماعة الإخوان المسلمين، احتفالاً ضخماً مساء الرابع والعشرين من يوليو، في أحد الفنادق الكبرى، بمناسبة تأسيسه، بحضور منصور عيسوي وزير الداخلية، د. علي السلمي نائب رئيس مجلس الوزراء، ود. عماد أبو غازي وزير الثقافة، ووصف عيسوي تأسيس حزب الحرية والعدالة بأنه خطوة مهمة في الطريق لبناء مستقبل مصر. ((أحمد البحيري وغادة محمد الشريف، المصري اليوم: الحرية والعدالة يحتفل بتأسيسه بحضور 700 شخصية والمرشد يجلس بين السلمي وعيسوي. بتاريخ 25 يوليو 2011. ))، ((بوابة الأهرام: الحرية والعدالة يحتفل بتأسيسه بحضور عدد من الوزراء والسفراء والإعلاميين. بتاريخ 25 يوليو 2011. ))
---
## رسالة إلى أختي العروس
URL: https://tabcm.net/51669/
Type: post
Modified: 2026-05-17
إلى عروسي التي غابَ عن عينيها نورُها،
وعن وجهِها بهاؤُه، أختي المحبوبة.
اذهبوا وقولوا لها:
إنّ عريسَها ما زالَ واقفًا على الباب،
وشَعرُه قد ابتلَّ بندى الليالي الطويلة،
ينتظرُ التفاتةً من عينيها ليُعيدَ إليها الحياة ((سفر الرؤيا 3 :20 )).
قولوا لها: إنّ الذي شكَّلها بيديه، ونفخَ فيها من روحِه،
لم ينسَ صورتَها الأولى، ولا صوتَ أنينِ صلاتِها الأولى ((سفر التكوين 2 :7 )).
وإنّي ما زلتُ أذكرُ موضعَ خطواتِها في جنتنا في البُستان،
حين كانت تَهرَعُ إليَّ في السكون،
لتسمعَ صوتي بعيدًا عن صخبِ العالم وضوضائه ((سفر نشيد اﻷنشاد 2 :10-13 )).
أخبِروها أنّي لم أبتعد،
بل هي التي بنت بيني وبينها أسوارًا من لهوٍ وارتباكٍ بكثيرٍ من الأشياء ((سفر إشعياء 59 :2 ))،
وأنّي منذُ خرجتُ وراءَها في البريّةِ،
وأنا أزرعُ في خُطاها نِداءاتِ الرُّجوعِ ((سفر هوشع 2 :14 ))،
وأُرسِلُ نَسائِمَ الفجرِ لتُذكِّرَها أنّي قريبٌ لِمَن يَدعوني ((مزمور 145: 18 )).
اسألوها: لماذا تتعبُ لغيرِ راحةٍ؟ ((سفر إشعياء 55 :2 ))
ولماذا تجمعُ إليها كثيرينَ بحثًا بينهم عن فرحٍ؟
تبحثُ عن الحياةِ في الموت، وعن الطريقِ في العتمة،
وحين أُرسلُ إليها شعاعًا من وجهي،
تُغلِق شبابيكَها وتخافُ من النور! ((سفر يوحنا 3: 19 ))
كيف تنسى أنّي أنا ينبوعُها؟
أتركتِ ماءَ الحياةِ لتغرفي من آبارٍ مشقّقةٍ لا تُمسكُ ماءً؟ ((سفر إرميا 2 :13 ))
كم مرّةً ناديتُكِ فلم تسمعي، وكم مرّةً وقفتُ خلفَ سورِكِ فلم تلتفتي؟ ((إنجيل متى 23 :37 ))
ومع ذلك لم أَمَلَّ، لأنّ حبّي لا يعرفُ الفتورَ ولا العتابَ الجارحَ بل الشافي ((سفر إرميا 31: 3 )).
أيتها العروس، إنّ العالمَ الذي تعشقينَه سيتركُكِ عاريةً، ومخدوعةً من بريقِه الزائف ((رسالة يوحنا اﻷولى 2 :17 )).
سيُغريكِ بألوانٍ تبهت، وأصواتٍ تَعِدُ ولا تُشبع،
سيملأُ عينيكِ بالوهجِ إلى أن يُطفئَ نورَكِ،
ويستهلكَ قلبَكِ حتى الجفاف.
سيعدُكِ بالشِّبَع، فيُخلِّفُكِ جائعةً،
ويَعِدُكِ بالارتواء، فيتركُكِ عطشى ((إنجيل يوحنا 4 :13-14 ))،
ويُنسيكِ مَن كنتِ، حتى تُصبحي غريبةً عن نفسِكِ.
سيهدرُ قوتَكِ في لهوٍ عقيمٍ، ويُطفئُ فيكِ أنفاسَ الروحِ التي نفختُها فيكِ ((رسالة بولس اﻷولى إلى تسالونيكي 5 :19 )).
أمّا أنا، فثوبي ممدودٌ لكِ، ينتظرُ عودتَكِ لأُغطِّيَكِ ببرّي ((سفر إشعياء 61 :10 ))،
وأُعيدَ إليكِ بهاءَ وجهِكِ ونورَ عينيكِ، لتعودي إلى دفءِ قلبي وسلامي ((إنجيل يوحنا 14 :27 )).
ذكِّروها بأيامِ صباها، حين كانت تسمعُ صوتي بين الحقول ((سفر نشيد الأنشاد 2 :8–10 ))،
حينما اقتربت مني، فاتّكأتْ برأسِها على صدري، تسمعُ نبضاتِ قلبي وتتنسَّمُ أنفاسي ((إنجيل يوحنا 13 :23 ))،
ثم جلستْ عند قدميَّ تتعلّم، فاختارت نصيبَها الصالحَ الذي لا يُنزعُ منها ((إنجيل لوقا 10 :42 )).
ذكِّروها بلياليها معي في البريّة، حين كانت تكتفي بحضورِي عن كلِّ مأوًى ((سفر هوشع 2: 14 ))،
حين كان حبّي لها نورَ الصباح، وكلمتي لها ماءَ الروح ((إنجيل يوحنا 6: 63 )).
أين تلك الدموعُ التي كانت تُصلّي بها؟ ((مزمور 6 :8 ))
وأين تلك التسبحةُ التي كانت تخرجُ من حضنِ محبّتي؟ ((مزمور 42 :8 ))
أبقيتُ صدى صلواتِها في قلبي، وما زلتُ أنتظرُها لتعودَ ((سفر الرؤيا 2 :4-5 ))،
فتنهضَ روحُها، وأسمعَ صلاتَها على شفتيها من جديد،
لأنّ الذي أحبَّها منذُ البدءِ لا يمكنُ أن ينسى أوّلَ عهدِها ((سفر إرميا 2 :2 ))،
ولا يمكنُ أن يتخلّى عن وعدِه:
«وأُجتذبُها وأذهبُ بها إلى البريّةِ وأُلاطِفُها.» ((سفر هوشع 2 :14 ))
قولوا لها: ارجعي إليَّ يا حبيبتي ((سفر إشعياء 44 :22 ))،
ارجعي قبل أن يخبو النورُ في عينيكِ،
وقبل أن يتلاشى عطركِ في صخبٍ واستهلاكِ الغرباءِ.
إنّي لم أخرجْ من قلبِكِ، بل أنتِ التي أغلقتِ البابَ عليَّ خارجًا ((سفر الرؤيا 3: 20 ))،
ومع ذلك ما زلتُ أقرع، وما زال صوتي ينسابُ في ليلِكِ كالمطر ((سفر الرؤيا 3 :20 )).
يكفيني التفاتةٌ ونظرةٌ منكِ لأُحييَ فيكِ العُمرَ كلَّه بنظرةٍ منّي ((إنجيل لوقا 22 :61 )).
لا أطلبُ منكِ أن تُبرّري خطاياكِ، بل أن تطرحيها عند صليبي ((إنجيل متى 11 :28 ))؛
ولا أطلبُ منكِ أن تحسبي خُطاكِ،
بل أن تُسلّمي طريقَكِ ليديَّ فأقوِّمَها وأسير معك وأرشدك ((سفر الأمثال 3 :6 )).
لا أعاتبُكِ على جراحِكِ، بل أمدُّ يديَّ لأُضمِّدَها ((مزمور 147 :3 ))،
لأنّي ما أحببتُكِ يومًا لأُدينَكِ، بل لأُخلِّصَكِ ((إنجيل يوحنا 3 :17 ))،
وأضمَّكِ إلى قلبي فتجدي فيَّ راحتَكِ ((إنجيل متى 11 :29 )).
أمّا أنتم الذين أُرسِلتُم إليها، فاحذروا أن تُعثِروها ((إنجيل متى 18: 7 )).
لا تذهبوا إليها بكلامٍ من حكمتِكم، بل خذوا من فمي كلامًا وأبلِغوها ((سفر إرميا 1: 9 )).
لا تُجرّحوها بعصا التقوى الكاذبة،
ولا تفضحوها باسمِ الحقّ، فالحقّ فيَّ وحدي هو رحمة (رسالة يعقوب 2 :13 )).
هي صغيرةٌ ضعيفةٌ، مكسورةُ القلب ((مزمور 34 :18 ))،
وقلبي لا يحتمل أن تُوبَّخَ بقسوةٍ بعد أن جُرِحتْ بما فيه الكفاية.
إن سقطتْ فارفعوها ((رسالة بولس إلى غلاطية 6: 1 ))، وإن بكتْ فامسحوا دمعَها ((رسالة بولس إلى رومية 12: 15 ))،
لأنّ من يمسّها يمسّ حدقةَ عيني ((سفر زكريا 2 :8 )).
القصبةَ المرضوضةَ لا أقصِفُها، والفتيلةَ المُدَخِّنةَ لا أُطفِئُها ((سفر إشعياء 42/ إنجيل متى 12 :20 ))،
لأنّ رحمتي أسبقُ من قضائي ((رسالة يعقوب 2 :13 )).
أعلِموها أنّي قد أعددتُ لها مائدةَ عشاءٍ عظيمة ((سفر الرؤيا 19 :9 ))،
مملوءةً بطعامِ الحياةِ وخمرِ الفرحِ الأبدي.
ليس خبزًا من تُرابٍ، بل جسدي المبذولَ عنها،
وليس كأسًا من عنبٍ، بل دمي المسفوكَ لأجلِ خلاصِها ((إنجيل متى 26: 26–28 )).
إن جلستْ معي على هذه المائدة،
لن تجوعَ بعدُ إلى العالم، ولن تعطشَ إلى صوتٍ غيرِ صوتي ((إنجيل يوحنا 4 :14 ))،
لأنّي أنا هو الخبزُ الحيُّ الذي نزلَ من السماءِ،
ومن يأكلني يحيا بي، لا ليومٍ بل لأبدٍ لا ينقضي ((إنجيل يوحنا 6 :51- 57 )).
قولوا لها: إنّ العهدَ القديمَ في ضعفِها قد انتهى ((إنجيل يوحنا 1: 17 ))،
والعهدَ الجديدَ في دمي قد ابتدأ ((إنجيل لوقا 22 :20 ))،
فيه لن تُحسَبَ عبدةً بل عروسًا ((إنجيل يوحنا 15 :15 ))،
ولن تُدعى منسيّةً بل مختارةً إلى الأبد ((سفر إشعياء 62:4 )).
وحينما تلتفتُ إليَّ، سأُزيلُ عنها ثوبَ الحزن ((سفر إشعياء 61:3 ))،
وأُلبسُها تاجًا من نورٍ، وأمسحُ كلَّ دمعةٍ من عينيها ((سفر الرؤيا 21: 4 ))،
وسأقولُ لها: «ها أنتِ جميلةٌ يا حبيبتي، ليس فيكِ عيب.» ((سفر نشيد الأنشاد 4 :7 ))
لن أذكرَ آثامَها بعدُ، لأنّها غُسِلَتْ في أنهارِ رحمتي ((سفر إرميا 31 :34 ))،
وسأرفعُها من رمادِها لأُجلِسَها معي في المجد ((رسالة بولس إلى أفسس 2 :6 ))،
وأجعلُها تُرنِّمُ من جديدٍ أنشودةَ رُجوعِها إليَّ:
«وجدتُ من تُحبُّه نفسي، فأمسكتُ بهِ ولن أتركَه.» ((سفر نشيد الأنشاد 3 :4 ))
وهكذا ينتهي ليلُها، ويُشرقُ فجرُ شمسي في قلبِها ((سفر ملاخي 4 :2 ))،
ويَفرحُ قلبُ العريسِ ويَسُرُّ، وتتَهَلَّلُ السماءُ برجوعِ العروسِ إلى قلبِهِ من جديد ((إنجيل لوقا 15 :7 )).
«مَن له أُذُنٌ فليسمعْ ما يقولُه العريسُ إلى العروس،
لأنّ الحبَّ أقوى من الموت، والمياهَ الكثيرةَ لا تُطفئُه.» ((سفر نشيد الأنشاد 8 :6–7 ))
---
## لاهوت البوّاب: كيف تصنع من الضحية جلادًا؟
URL: https://tabcm.net/55560/
Type: post
Modified: 2026-05-16
في مصر، البوّاب ليس مجرّد شخص يحرس عقارًا أو ينظّف سلّم العمارة. إنّه شخصية تكشف شيئًا عميقًا عن المجتمع نفسه: كيف تُصنع السلطة؟ وكيف يمكن لإنسانٍ مهمَّش أن يتحوّل بدوره إلى أداة لتهميش الآخرين والتحكّم في حياتهم الشخصيّة وانتهاك حرّيتهم الشخصيّة؟
الأفلام المصريّة القديمة كثيرًا ما حصرت صورة البوّاب في النوبيّ، لكن الواقع تغيّر تدريجيًّا، خصوصًا بعد تحوّلات المجتمع المصري بعد ١٩٥٢ والهجرة الداخليّة الواسعة من الريف إلى المدن. صار البوّاب صورةً مصغّرة من المجتمع المصريّ نفسه: ابن قرية أو مدينة، فقيرٌ جاء يبحث عن فرصة للحياة داخل عالم لا ينتمي إليه بالكامل.
لكن ما يلفت النظر ليس فقط طبيعة عمله، ولكن شكل وجوده نفسه. البوّاب يعيش غالبًا في غرفةٍ ضيّقة أسفل العمارة أو فوق السطح، بينما يحرس شققًا تساوي ملايين الجنيهات. يعرف أدقّ تفاصيل حياة السكّان: مواعيد خروجهم، خلافاتهم، أمراضهم، زيجاتهم، أسرارهم، لكنه يظلّ خارج عالمهم. موجود دائمًا… لكن نادرًا ما يُرى بوصفه إنسانًا كاملًا له حياة وأحلام وأوجاع. هو هنا ليؤدّي ما يُطلب منه، وليبقى متاحًا دائمًا.
هو أوّل مَن يُطلب وآخِر مَن يُسأل عنه. يفتح الباب في منتصف الليل، ويحمل الأكياس، ويشتري الطعام، وينظّف السيارات، ويراقب العمارة، ويستدعي السباك والكهربائيّ، ويظلّ طوال الوقت في حالة استعداد دائم، من دون ساعات عمل حقيقيّة، ومن دون تأمين، ومن دون ضمان اجتماعيّ. إنّه يعمل داخل اقتصاد غير مرئيّ قائم على الخدمة الدائمة والبقشيش والرضا الشخصيّ للسكان.
لكن المأساة الحقيقيّة تبدأ هنا تحديدًا: المجتمع لا يمنح البوّاب كرامةً حقيقيّة، ولكنّه يمنحه بدلًا منها شيئًا آخر… سلطةً صغيرة.
السلطة التي تُعطى للمهمَّش
البوّاب ليس فقط ضحيّة فحسب لكنه يمكن أن يتحوّل أيضًا إلى جلّاد صغير. وهذه إحدى أكثر الحقائق إزعاجًا في المجتمع المصري. فالسلطة التي لا يملكها في حياته، يحصل على جزء محدود منها عند الباب. إنّه لا يملك العمارة، لكنّه يملك العبور إليها. لا يملك الشقق، لكنّه يملك مراقبة مَن يدخلها. لا يملك مكانة اجتماعيّة، لكنّه يستطيع أحيانًا أن يهدّد السمعة الاجتماعيّة للآخرين. وهذه السلطة لا تأتي منه وحده، بل من السكّان أنفسهم. فكلّما طلبوا منه أكثر، وكلّما دفعوا بقشيشًا أكثر، أعطوه سلطات أوسع: راقب، امنع، اسأل، تدخّل، افضح، أو تستّر.
لكن اللافت أنّ المعيار هنا ليس أخلاقيًا بالضرورة، بل اجتماعيّ. فإذا كان زوج يضرب زوجته داخل الشقّة، قد يصمت الجميع لأنّ هذا “شأن عائليّ”. أمّا إذا التقى عاشقان، أو زار شابّ فتاةً، أو دخل شخص يبدو “غير مناسب” للعمارة، فقد تتحرّك فجأة سلطة البوّاب بكل عنفها: أسئلة، تهديد، فضيحة، منع، وربّما استدعاء السكّان أو الشرطة.
هنا لا يصبح البوّاب حارس عقار فحسب، بل حارسٌ غير معلَن لحدود الطبقة ولأخلاق الحيّ كما يفهمها المجتمع. إنّه يطبّق نسخةً مصغّرة من السلطة المصريّة نفسها: سلطة قد تتسامح مع العنف الحقيقي، لكنها ترتعب من كسر الصورة الاجتماعيّة. ولهذا، فالبوّاب هو تكثيف للمجتمع. إنّه يحمل داخله تناقضاته نفسها: القهر والرغبة في القهر، والتهميش والرغبة في ممارسة سلطة على مَن هو أضعف أو أكثر هشاشة. المجتمع كلّه ينعكس عند الباب.
وهنا يصبح المشهد لاهوتيًا بامتياز. فالخطيئة، في المفهوم المسيحي، ليست فقط أفعالًا فرديّة، بل هيكليّة كاملة تُعيد إنتاج الوضع الخاطئ نفسه داخل البشر وداخل البنية المجتمعيّة. والمظلوم نفسه قد يتحوّل إلى أداة ظلم حين لا يجد لنفسه مكانًا إلا من خلال سلطة صغيرة يمارسها على غيره.
ولذلك، فالمشكلة ليست في “شخص” البوّاب، بل في مجتمع يصنع بشرًا يعيشون طوال عمرهم على العتبات: لا هم داخلون بالكامل، ولا هم خارجون بالكامل، ثم يمنحهم المجتمع فتات سلطة ليحرسوا الحدود التي أقصتهم أصلًا.
وربّما لهذا، فالسؤال المسيحي الحقيقي:لماذا يحتاج المجتمع دائمًا إلى طغاة صغار يحرسون أبوابه؟ ولماذا يمنح المهمَّش سلطةً محدودة بدل أن يمنحه كرامة حقيقيّة؟ ولماذا يتحوّل الإنسان المقهور أحيانًا إلى نسخة مصغّرة من القهر نفسه؟
ما الذي يحدث لروح المجتمع حين تصبح العلاقة بين البشر قائمة على المراقبة لا الثقة واحترام حدود الإنسان الشخصيّة؟ وعلى الإذن لا اللقاء، وعلى الخوف من الفضيحة أكثر من الخوف من الظلم؟
كيف يمكن لمجتمعٍ يتسامح مع العنف داخل البيوت أن يرتعب من كسر قواعد “المنظر العام”؟ ولماذا تُصبح السمعة أقدس من الإنسان؟
---
## ملاحظات على مشروع قانون الأسرة للمسيحيين
URL: https://tabcm.net/55524/
Type: post
Modified: 2026-05-15
ورقة عمل قُدمت إلى الحلقة النقاشية التي نظمها "مؤسسة قضايا المرأة المصرية" ((مؤسسة قضايا المرأة المصرية: [cewla.net]: تأسست عام 1995 كمبادرة للتصدي لانتهاك حقوق المرأة، من خلال تنمية الوعي القانوني وتقديم الدعم والمساندة القانونية والنفسية والاجتماعية للمواطنات المصريات، لضمان حصولهن على الحقوق القانونية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي يكفلها الدستور والمواثيق الدولية. )) والتي دارت حول مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، في يوم الأحد الموافق 3 مايو 2026.
نثمن تقديم مشروع القانون للبرلمان لتقنينه وسنه، توطئة لإصداره، وكان من الضروري طرحه لحوار مجتمعي يشارك فيه على الأقل المخاطبين به، فضلاً عن المؤسسات الحقوقية خاصة تلك المهتمة بشأن الأسرة المصرية.
يستند مشروع القانون دستورياً إلى المادة الثالثة من دستور 2014، ونصها:
مبادئ شرائع المصريين، من المسيحيين واليهود، المصدر الرئيسي للتشريعات المُنظِّمة لأحوالهم الشخصية، وشئونهم الدينية، واختيار قياداتهم الروحية.
(المادة ٣ من الدستور المصري، الصادر في ٢٠١٤ )
ويُحسب لهذا المشروع الانتقال في تنظيم شئون الأسر المصرية المسيحية من مستوى اللائحة إلى مستوى القانون. ويُحسب له التعاطي مع هذا الشأن على أرضية المواطنة وأعطاء القضاء حق الفصل النهائي فيما ينشأ من منازعات، واستند في بنوده إلى ما تقدمت به الكنائس المسيحية المصرية من نصوص، الأمر الذي يوفر مساحة أوفر من مدنية تنظيم الأحوال الشخصية للمخاطبين به.
على أنه يبقى لنا بعض الملاحظات على بعض ما ورد بمشروع القانون، نطرحها للنقاش حتى يحقق القانون ما شُرّع من أجله، وهو حماية الأسرة من الإنهيار، والحفاظ على أفرادها سواء مع استمرارها ككيان واحد، وهو الأصل في منظومة تكوين الأسرة، أو حال وقوع الطلاق، بما يحمى حقوق ويضمن التزامات أطرافها. الأمر الذي يدعم استقرار السلام المجتمعي.
والملاحظات تنحصر فيما يتعلق بطائفة الأقباط الأرثوذكس.
تسري أحكام القانون المرافق على الدعاوى التي ترفع بعد تاريخ سريانه، وتظل الدعاوى التي رفعت قبل ذلك خاضعة لأحكام القوانين واللوائح السارية وقت رفع الدعوى.
وتسري أحكام الباب السادس من القانون المرافق على مسائل الإرث والوصية الناشئة عن وقائع الوفاة اللاحقة على سريان هذا القانون.
(المادة ٣ إصدار، في قرار رئيس مجلس الوزراء)
هذا يعني بقاء الأزمات العالقة بلا حل وتنتج آثارها التي كانت سبباً في اجراء التعديلات الواردة في هذا المشروع. وكان يجب أن ينص على أنه تسري أحكام هذا القانون على الدعاوى المقامة قبل صدوره والتي لم يصدر بشأنها حكماً باتاً ونهائياً وتلك التي ترفع بعد تاريخ سريانه.
أما بالنسبة لطائفتي الأقباط الأرثوذكس والأرمن الأرثوذكس، فلا يجوز عقد الزواج إلا لمتحدي الطائفة والملة.
(مادة ١٠، الفقرة الثالثة، باب١، فصل٢: أركان الزواج وشروطه)
إذا كانت الطائفتين المذكورتان متّحدي الإعتقاد، فلماذا لا يجوز عقد الزواج بينهما؟
أيضا، المادتان 12 و 13 متناقضتين بين شرط السن 18 سنة، وبين عدم بلوغ كلاهما أو أحدهما سن الرشد ولماذا يسمح بزواج القاصر؟
يُرفق بوثيقة الزواج ملحق، يجوز للزوجين الاتفاق فيه على مسائل مثل ملكية منقولات الزوجية، ومسكن الزوجية، وكافة الحقوق المالية المستحقة، وغيرها من الأمور التي يتفق عليها الطرفان.
كما يجب على كل مقبل على الزواج، وقبل إبرام العقد، أن يقدم لمن انتوى الزواج بها وثيقة تأمين تضمن لها الحصول على مبلغ مالي أو نفقة شهرية محددة المدة حال الحكم النهائي بالتطليق أو ببطلان الزواج أو بإنحلاله مدنياً.
(مادة ١٧، الفقرتان الأولى والثانية)
الأمران اضافة ايجابية، لكن فيما يتعلق بالوثيقة؛ تحتاج إلى النص على نوعية الوثيقة، وعلى التزام الزوج بأقساطها وعلى قيمة النفقة أو المبلغ المالي الشهري الذي توفره الوثيقة، وتحديد المدة التي يصرف فيها بعد الحكم النهائي.
وتحتاج الفقرة الأخيرة من هذه المادة إلى صياغة أكثر وضوحاً. والتي جاء نصها: ولا تقبل الدعوى المقامة أمام محكمة الأسرة بالنسبة لأي من الآثار المترتبة على الفقرة الأولى من هذه المادة، إذا كان أي من الطرفين قد لجأ بشأنها إلى إدارة التنفيذ المختصة بمحكمة الأسرة، ما لم تكن الظروف التي تم فيها الاتفاق قد تغيرت.
يتعين على المحكمة في دعاوى الخطبة والتطليفق وبطلان الزواج أن تطلب رأي الرئاسة الدينية المختصة في النزاع كتابة، وذلك بموجب قرار موضح به سبب الدعوى، ويتعين على الرئاسة الدينية إبداء الرأى في الأجل الذي تحدده المحكمة، على ألا تزيد مدته على خمسة وأربعين يوماً.
وفي حالة ما إذا انتهت المحكمة إلى رأي مخالف لما ابدته الرئاسة الدينية، فيتعين عليها تسبيب ذلك.
(مادة ٢٤)
يحتاج النص إلى إضافة: عرض رأى الرئاسة الدينية على طرفي الدعوى ومنحهما الحق في قبوله أو الرد عليه.
يُمنع زواج الرجل بأي من الآتي ذكرهن:
٣ – أخت الزوجة وأصواها وفروعها …..
(مادة ٣٠)
وهو بند يخالف مصلحة الأبناء، فالخالة في واقع الحال أكثر حنوا على بنات اختها المتوفاة، وكانت الكنيسة تجيز الزواج من أخت الزوجة، حتي وقت قريب. وانعكس هذا ايجابياً على استقرار الحياة الزوجية.
في الباب الأول، الفصل الخامس، الفرع الرابع: انتهاء الزواج بالنسبة لكافة الطوائف ـ عدا الطائفة الكاثوليكية. (مادة 44؛ و مادة 48):
نظراً لتطابق الآثار المترتبة عليهما (التطليق والانحلال المدني للزواج) يكون من الأدق دمجهما معاً في مادة واحدة. واضافة ما أغفلته المادتان من اسباب وردت في لائحة 38، ذلك لأنها تنتج نفس آثار ما ورد من الأسباب المذكورة فيهما، وتلك الأسباب هي نصاً في مواد تلك اللائحة:
المادة 50 : يجوز لكل من الزوجين أن يطلب التطليق بسبب زنا الزوج الآخر.
المادة 51: اذا خرج أحد الزوجين عن الدين المسيحي وأنقطع الأمل من رجوعه إليه جاز الطلاق بناء على طلب الزوج الآخر.
المادة 52 : إذا غاب أحد الزوجين خمس سنوات متوالية بحيث لا يعلم مقره ولا تعلم حياته من وفاته وصدر حكم بإثبات غيبته جاز للزوج الآخر أن يطلب الطلاق.
المادة 53 : الحكم على أحد الزوجين بعقوبة الأشغال الشاقة أو السجن أو الحبس لمدة سبع سنوات فأكثر يسوغ للزوج الآخر طلب الطلاق.
المادة 54 : إذا أصيب أحد الزوجين بجنون مطبق أو بمرض معدٍ يخشى منه على سلامة الآخر يجوز للزوج الآخر أن يطلب الطلاق إذا كان قد مضى ثلاث سنوات على الجنون أو المرض وثبت أنه غير قابل للشفاء.
ويجوز أيضاً للزوجة أن تطلب الطلاق لإصابة زوجها بمرض العنة إذا مضى على إصابته به ثلاث سنوات وثبت أنه غير قابل للشفاء وكانت الزوجة في سن يخشى فيه عليها من الفتنة.
المادة 55 : إذا اعتدى أحد الزوجين على حياة الآخر أو اعتاد إيذاءه إيذاءً جسيما يعرض صحته للخطر جاز للزوج المجني عليه أن يطلب الطلاق.
المادة 56 : إذا ساء سلوك أحد الزوجين وفسد أخلاقه وانغمس في حمأة الرذيلة ولم يجد في إصلاحه توبيخ الرئيس الديني ونصائحه فللزوج الآخر أن يطلب الطلاق.
المادة 57 : يجوز أيضاً طلب الطلاق إذا أساء أحد الزوجين معاشرة الآخر أو أخل بواجباته نحوه إخلالاً جسيماً مما أدى إلى استحكام النفور بينهما وانتهى الأمر بافتراقهما عن بعضهما واستمرت الفرقة ثلاث سنوات متوالية.
المادة 58 : كذلك يجوز الطلاق إذا ترهبن الزوجان أو ترهبن أحدهما برضاء الآخر.
(لائحة ١٩٣٨، باب٢، فصل١ : في أسباب التطليق)
وقد وردت هذه الأسباب بأقدار مختلفة وصيغ متنوعة في المشروع محل الطرح عند بقية الطوائف المسيحية. وهي أسباب في تقديري جاءت مستوعبة لمنهج السيد المسيح في معالجة الإشكاليات الكبري، فيما يمكن توصيفه بمنهج “تجفيف المنابع”، وهو ما يطرحه علينا الفصل الخامس من إنجيل متى، والذي اورد فيه ما قاله السيد المسيح عن الطلاق، ويطرح فيه عديد من القضايا: بدأها بالقول (سمعتم انه قيل… أما أنا فأقول …) وقدم علاجاً لكل قضية لعل ابرزهما القتل والزنا.
ففي الأولى اشار إلى معالجة الغضب فلا تصل الأمور الى القتل، وفي الثانية اشار الى معالجة شهوة النظر فلا يذهب إلى الزنا. وهو عين قناعات لائحة 38، فيما ذهبت إليه من أسباب تبيح حال توافرها إقرار الطلاق، فماذا نتوقع مع استحالة العشرة أو الغياب وانقطاع الأمل في العثور على المختفي لسنوات هذا عددها، أو في سوء سلوك وفساد اخلاق أحد الطرفين رغم محاولات اصلاحه المتعددة، أو اصابته بجنون لا يرجى شفائه.
وهي أسباب تقود الطرف المتضرر للوقوع في واحدة من أربع نتائج، إما اتجاهه للزنا الفعلي أو قتله للطرف الأخر أو الانتحار أو الخروج من الدين بجملته، ألا يذكرنا هذا بقول السيد المسيح معنفاً: وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ تَطُوفُونَ الْبَحْرَ وَالْبَرَّ لِتَكْسَبُوا دَخِيلاً وَاحِدًا، وَمَتَى حَصَلَ تَصْنَعُونَهُ ابْنًا لِجَهَنَّمَ أَكْثَرَ مِنْكُمْ مُضَاعَفًا. والمشابهة هنا التمسك بقراءة منفردة لظاهر نص حتى لو انتج انهياراً وخراباً للأسرة.
وفيما يترتب على الحصول على حكم بالتطليق، لم يتناول القانون حق من حصل على هذا الحكم في إقرار الكنيسة له بزواج كنسي ثان، وهي واحدة من الاشكاليات القائمة والتي تقف وراء كثير من الأزمات سواء على المستوى الشخصىي للمطلقين أو فيما يتعلق بالسلام الاجتماعي.
الباب الثالث: فيما يجب على الولد لوالديه، وما يجب له عليهما، الفصل الخامس: “الاستزارة“:
استحداث هذا الفصل يعد إضافة ايجابية لصالح الصغير.
الباب السادس: “الإرث”
يحسب لهذا الباب ضبط توزيع الأنصبة بين الورثة على القواعد المسيحية المستقرة في مساواة الذكر بالأنثي.
الباب السابع: “العقوبات”
لا تتناسب الغرامات المادية مع التضخم الذي اصاب قيمة العملة لذلك يجب مضاعفة قيمها الواردة بهذا الباب على الأقل ثلاثة أضعاف.
ما أغفله مشروع القانون
من اللافت إغفال مشروع القانون قضية “التبني” رغم أن التبني في المسيحية مبني على محور عقيدتها، تأسيساً على ايمانها بتبني الله للإنسان، وقيل في تبرير الإغفال أن التبني مخالفاً للنظام العام، وهو قول غير صحيح، ويأتي مخالفاً لنص دستوري صريح بحسب المادة الثالثة من الدستور.
وكان يمكن معالجة هذا التوجس بالنص على أن: أحكام باب التبني تسري حصراً على المصريين المسيحيين، ولا يدخل في نطاقها الأطفال مجهولي النسب والديانة، وينحصر في الأطفال الثابت ديانتهم المسيحية بكافة طرق الإثبات.
---
## الملكوت والجحيم عند الآباء [ق٤]
URL: https://tabcm.net/55080/
Type: post
Modified: 2026-05-15
سوف نفحص في هذا الجزء الإشارات إلى طبيعة وماهية الملكوت والجحيم في تعاليم آباء الكنيسة في القرن الرابع، أو آباء العصر الذهبيّ، كما يُطلَق عليهم في الأوساط اللاهوتية الأكاديمية.
أثناسيوس الرسولي
يرى ق. أثناسيوس أن ملكوت المسيح وسيادته قد تحقَّقت فينا، فهو يرى أن الملكوت قد تحقَّق فينا في داخلنا بسكنى الله داخلنا بالروح القدس، فهل سُّكنى الله بداخلنا هو سكنى مادية جغرافية مُحدَّدة الأبعاد؟! حيث يقول التالي: ((أثناسيوس، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: أ. صموئيل كامل وآخرون، القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017، 2: 15: 18، ص 179، 180. ))
إذًا، فبطرس بالأحرى – ما كان يقصد بهذه الكلمات أن جوهر الكلمة مخلوق؛ لأنه يعرف أنه ابن الله، إذ أنه قد اعترف قائلًا: أنت هو المسيح ابن الله الحيّ ((إنجيل متى 16: 16 ))، ولكنه يقصد بها ملكوته وسيادته التي تحقَّقت وصارت فينا بحسب النعمة.
(أثناسيوس، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين)
يُشِير ق. أثناسيوس إلى أن الملكوت هو رفعة وتمجيد وارتفاع لنا، بينما الجحيم هو رقاد وموت تحت الأرض، فالمعنى هو الملكوت هو ارتفاع وتمجيد، والجحيم هو تدني وتذلل كالتالي: ((أثناسيوس، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: أ. صموئيل كامل وآخرون، القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017، 1: 11: 43، ص 113. ))
فلو لم يكن الرب قد صار إنسانًا، لما كان في وسعنا أن نُفتَدى ونتحرَّر من الخطيئة، وأن نقوم من بين الأموات، بل لبقينا أمواتًا تحت الأرض، ولما كنا لنُرفَع ونُمجَّد إلى السماء، بل لرقدنا في الجحيم.
(أثناسيوس، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين)
أنطونيوس الكبير
يرى ق. أنطونيوس أن الجسد يتطهَّر ويأخذ ملء الروح وينال نصيبًا من الجسد الروحاني العتيد أن يكون في قيامة الأبرار كالتالي: ((أنطونيوس، رسائل القديس أنطونيوس، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017، الرسالة 1: 3، ص 21. ))
النتيجة تغيير وتجلي الجسد، وبذلك يتغيَّر الجسد كله ويتجدَّد ويصبح تحت سلطان الروح. وأعتقد أنه عندما يتطهَّر كل الجسد ويأخذ ملء الروح، فإنه بذلك يكون قد نال بعض النصيب من ذلك الجسد الروحانيّ العتيد أن يكون في قيامة الأبرار.
(أنطونيوس، رسائل القديس أنطونيوس)
يُشِير ق. أنطونيوس إلى حالة الأبرار سواء هنا على الأرض أو في السماء بعد حلول اللاهوت فيهم قائلًا: ((أنطونيوس، رسائل القديس أنطونيوس، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017، الرسالة 13، ص 79. ))
هؤلاء يحلُّ فيهم اللاهوت، ويُغذِّي نفوسهم بالفرح، وهذا الفرح يغني النفس، ويجعلها تنمو كثيرًا. لأنه كما أن الأشجار لا تنمو إنْ لم تشرب من الماء، هكذا أيضًا النفس فهي لا تستطيع أن تنمو وتصعد إلى العلاء، إنْ لم تقبل الفرح السماويّ. ومِن بين الذين يقبلون الفرح السماويّ، فهناك قليلون يُعلِن الله لهم الأسرار التي في السماء، ويُرِيهم مواضعهم السماوية بينما هم لا يزالون في الجسد. ويكون لهم دالة أمامه، ويُعطِيهم كل ما يطلبونه.
(أنطونيوس، رسائل القديس أنطونيوس)
كيرلس الأورشليمي
يُفرِّق ق. كيرلس الأورشليميّ بين حالتي الملكوت والجحيم، حيث يرى أن القيامة عامةٌ للجميع، ولكنها ليست متشابهة للجميع، فالجميع يستلم أجسادًا أبديةً، لكنها ليست متشابهةً. فالبعض يتقبلها خلال الأبدية مرتبطين بجوقات الملائكة، وأمَّا الأشرار فيتقبلونها لاحتمال عذابات خطاياهم كالتالي: ((القمص تادرس يعقوب ملطي، القديس كيرلس الأورشليمي (حياته- مقالاته لطالبي العماد- الأسرار)، الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج، 2006، مقالة 4: 31، ص 91. ))
ومع أن القيامة عامةٌ للجميع، لكنها ليست مُتشابِهةً بالنسبة للجميع. يستلم الجميع أجسادًا أبديةً، لكنها ليست مُتشابِهةً. فالبعض يتقبلها خلال الأبدية مُرتبِطين بجوقات الملائكة، وأمَّا الأشرار فيتقبلونها لاحتمال عذابات خطاياهم.
(القمص تادرس يعقوب ملطي، القديس كيرلس الأورشليمي)
ويرى ق. كيرلس الأورشليميّ أن المسيح سيأتي في مجيئه الثاني مثل النار الممحصة، وسيجلس ممحصًا ومنقيًا قائلًا: ((القمص تادرس يعقوب ملطي، القديس كيرلس الأورشليمي (حياته- مقالاته لطالبي العماد- الأسرار)، الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج، 2006، مقالة 15: 2، ص 216. ))
أمَّا عن مجيئه الثاني فيقول: وملاك العهد الذي تسرون به هوذا يأتي قال الربُّ القادر على كل شيء. ومَن يحتمل يوم مجيئه؟! ومَن يثبُت عند ظهوره؟! لأنه يأتي مثل نار الممحص، ومثل أسنان القصار، وسيجلس ممحصًا ومنقيًا. بعد هذا يقول المخلِّص نفسه: واقترب إليكم للحكم، وأكون شاهدًا سريعًا على السحرة، وعلى الفاسقين، وعلى الحالفين لاسمي زورًا … ((سفر ملوك 3: 5)). لهذا السبب يُحذِّرنا بولس قائلًا: إنْ كان أحدٌ يبني على هذا ذهبًا، فضةً، حجارةً كريمةً، خشبًا، عشبًا، قشًا، فعمل كل واحدٍ سيصير ظاهرًا، لأن اليوم سيُبيِّنه، لأنه بنارٍ يُستعلَن ((رسالة بولس اﻷولى إلى كورنثوس 3: 12، 13 )).
(القمص تادرس يعقوب ملطي، القديس كيرلس الأورشليمي)
ويُوضِّح ق. كيرلس الأورشليميّ أن المسيح نفسه هو الملكوت والجحيم في سياق تصويره لمجيء الرب من السماء على السحاب، حيث هتاف الأبواق الملائكية، وقيامة الأموات في المسيح، واختطاف الأبرار أولًا إلى السماء لينالوا جزاء أعمالهم الصالحة أفضل من الكرامة البشرية، بينما يكون مجيء المسيح نفسه مُخيفًا مثل النار لاختبار عمل كل أحد، فلو وجده ذهبًا فيلمع، ولو وجدته قشًا فيحترق بالنار كالتالي: ((القمص تادرس يعقوب ملطي، القديس كيرلس الأورشليمي (حياته- مقالاته لطالبي العماد- الأسرار)، الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج، 2006، مقالة 15: 19، 21، 224، 225. ))
لنتطلع إلى مجيء الربِّ من السماء على السحاب ونترقبه، ستُصوِّت الأبواق الملائكية، حينئذٍ الأموات في المسيح سيقومون أولًا‘ ((رسالة بولس إلى تسالونيكي 4: 16 )). وسيُختطَف الأبرار الصالحون إلى السماء لينالوا جزاء أعمالهم الصالحة أفضل من الكرامة البشرية. […] مُخيفٌ هو مجيء مُخلِّصنا، إذ يقول داود: يأتي إلهنا ولا يصمت، نارٌ قدامه تأكل وحوله عاصفٌ جدًا ((مزمور 50: 3 لآساف )). يأتي ابن الإنسان للآب كما يقول الكتاب الذي قُرِأ على سحاب السماء وبالقرب منه نهر نار ((سفر دانيال 7: 10 ))، لاختبار أعمال كل أحدٍ. فإنْ وُجِدَت ذهبًا تلمع، وإنْ كانت قشًا تحترق بالنار.
(القمص تادرس يعقوب ملطي، القديس كيرلس الأورشليمي)
يوحنا ذهبي الفم
يصف ق. يوحنا ذهبيّ الفم في سياق مدحه لمدى محبة بولس الرسول للربِّ يسوع المسيح، كيف يرى بولس الرسول أن فقدان محبة المسيح هي جُهنم، والعذاب، وأن سعادته الحقيقية هي في الحصول على هذه المحبة، فهذا هو الملكوت بالنسبة له قائلًا: ((يوحنا ذهبي الفم، تقاريظ بولس الرسول، ترجمة: الأب حنا الفاخوري، لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2002، خطبة 2: 4، 5، ص 51، 52. ))
فإنه [بولس الرسول] كان يملك في ذاته أغنى الكنوز، محبة المسيح: مع هذه المحبة كان يَعدُّ نفسه أسعد كل البشر، بدون هذه المحبة لم يكن يطمح إلى أن يكون له مقام في مصفِّ السيادات والرئاسات والقوات؛ […] لم يكن في نظره إلا عقوبة واحدة: فقدان هذه المحبة. هذا هو جُهنم، هذا هو العذاب، هذه هي الشدائد التي لا يُحصَى لها عدد؛ كما أن سعادته العظمى هي الحصول على هذه المحبة: هذا هو الحياة، هذا هو العالم بأسره، هذا هو نصيب الملائكة، وهذا هو الحاضر، هذا هو المستقبل، هذا هو هو الملكوت، هذا هو الموعد، هذا هو فيض الخير.
(يوحنا ذهبي الفم، تقاريظ بولس الرسول)
ويستطرد ذهبيّ الفم في نفس السياق مُؤكِّدًا على الحالة النفسية المأساوية التي يُعانِي منها الذين هم في الجحيم قائلًا: ((يوحنا ذهبي الفم، عظات بعنوان ”المحبة الكاملة والدينونة العتيدة“، ترجمة: د. سعيد حكيم يعقوب، القاهرة، 2016، العظة الأولى، ص 34، 35. ))
كيف ستكون الحالة النفسية التي لأولئك عندما يرون أن هناك مَن سيُؤخَذ بعيدًا بكرامةٍ كبيرةٍ، بينما الآخرون سيُترَكون في خزي كبير؟ صدقوني، إنه من غير الممكن أن أعرض للألم الذي سيكون بالكلام. هل رأيتم أناسًا يأخذونهم لكي يُقدِّموهم للموت؟ كيف تتصوَّرون حالتهم النفسية، عندما يسيرون في الطريق المؤدي إلى النار؟ ألا يكون لديهم الاستعداد لتحمُّل أنواع الآلام غير المقبولة لديهم، حتى يتخلصوا من تلك الظلمة؟ لقد سمعت كثيرين من هؤلاء، أنه بسبب محبة الملك للبشر، بعدما أخذوهم، أرجعوهم ثانيةً، فوصفوا حالتهم، وقالوا إنهم لم يكونوا يرون البشر كبشر، بل إن نفوسهم كانت مُضطرِبةً وهائجةً. […] لأنه حتى وإنْ لم يكن هناك جهنم، فكوننا نُلقَى بعيدًا عن هذا البهاء، وهذا المجد، وأن نبقى بلا كرامة، أفلا يُعدّ هذا عقاب لا حدود له؟.
(يوحنا ذهبي الفم، عظات بعنوان ”المحبة الكاملة والدينونة العتيدة“)
ويُشدِّد ذهبيّ الفم على نفس الأمر في موضع آخر، حيث يرى أن الجحيم هو حالة الانفصال عن الله، وهي حالة نفسية قاسية مأساوية جدًا، للأسف يستهين بها البعض في أيامنا هذه عن جهل وعمى روحيّ شديد، وكأنهم يستهينون بهذه الحالة القاسية التي لا تضاهيها أية حالة قاسية أخرى هنا في هذه الحياة قائلًا: ((يوحنا ذهبي الفم، عظة بعنوان ”الدينونة العتيدة“، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، القاهرة، 2013، ص 14، 15. ))
وحتى إنْ لم يوجد هناك جحيم، فيجب أن نُفكِّر كم سيكون العقاب عظيمًا عندما تُطرَد بعيدًا عن الله وتذهب مُهانًا من أمامه. فإنْ كان أولئك الذين لا يرون نور الشمس يحيون حياةً أكثر مرارةً من الموت، فينبغي علينا نحن أن نُفكِّر فيما سنُعانِي منه إذَا ما حُرِمنا من النور الحقيقيّ؟ ولأيّ سبب نحيا ونتنفس ونُوجد، عندما لا نرى الله؟ فإنْ كان واحد من الذين تربوا هنا من بين العائلات الغنية، إذَا حُبِسَ في السجن، فإنه سيَعتبر رائحة السجن الكريهة والظلام الذي يوجد فيه، لهو أمرٌ أسوأ من الموت. تأمل ماذا سيكون عندما نحترق هناك مع أشرار المسكونة كلها بدون أن نراهم أو يروننا، مُتخيلين أننا بمفردنا، برغم من وجودنا بين هذا الحشد الكبير. الظلمة وغياب النور سوف لا يجعلنا نُميِّز أولئك الذين سوف يوجدون بالقرب منَّا، لكن كُل واحد سيكون له انطباع خاص به وسيُعانِي بمفرده.
(يوحنا ذهبي الفم، عظة بعنوان ”الدينونة العتيدة“)
وهكذا يرى ذهبيّ الفم أن الأسوأ من الكل هو حرمان المؤمن من مجد المسيح، فإنْ كان الجحيم وجُهنم غير محتملين بالطبع، ولكن إنْ أضفت آلاف الجحيمات، لن تستطيع أن تُعبِّر عن كم هو مُرعِب أن يفقد الإنسان مجد المسيح، ويبتعد عن المسيح، ويشيح المسيح بوجهه الحلو عنَّا، وعيونه الجميلة لا تطيق أن ترانا كالتالي: ((يوحنا ذهبي الفم، عظة بعنوان ”الدينونة العتيدة“، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، القاهرة، 2013، ص 30، 31. ))
إن بولس، الذي يعرف كُل الأمور الحسنة، لطالما يقول إن الأسوأ من الكُل هو أن يُحرَم المؤمن من مجد المسيح. هذا ما سنعرفه حقًا عندما نبتلي بهذه المصيبة. بالتأكيد، نحن نطلب من ابن الله الوحيد ألا نُعانِي أبدًا من مثل هذه الكارثة، وألا نذوق هذا العقاب الذي لا يستطيع الخاطئ أن يهرب منه. الجحيم وجُهنم هما غير مُحتمَلين بالتأكيد، ولكن إنْ أضفت آلاف الجحيمات، لن تستطيع أن تُعبِّر عن كم هو مُرعِبٌ أن يفقد الإنسان مجد المسيح، وتبتعد عن المسيح، وتسمع من فمه عبارة: ’لست أعرِفكمُ‘ (مت 21: 52)، ونُدَان بأننا رأيناه جوعانًا ولم نُعطِه ليأكل. أن تسقط فوق رؤوسنا آلاف الصواعق، أفضل، من أن يشيح المسيح بوجهه الحلو عنَّا، وعيونه الجميلة لا تطيق أن ترانا.
(يوحنا ذهبي الفم، عظة بعنوان ”الدينونة العتيدة“)
باسيليوس الكبير
يتحدَّث ق. باسيليوس الكبير عن الفرق بين الأبرار الذين يمكنهم الاقتراب من النور الحقيقيّ أي الله، بعد الكشف عن أمورهم المخفية، والأشرار الذين يعيشون حالة من الرعب والفزع برؤية خطاياهم وأفعالهم الشائنة التي في نفوسهم من خلال ذاكرة النفس الباقية للأبد كالتالي: ((باسيليوس الكبير، تفسير سفر المزامير ج1، ترجمة: د. سعيد حكيم يعقوب، القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020، ٧: ٤، تعليق على مز ٣٤: ٥، ص 228، 229. ))
طوبى للإنسان الذي عندما يأتي الرب في يوم دينونته العادلة، ويثير خفايا الظلام، ويُظهِر أفكار القلوب، هذا سيجرؤ على الوقوف تحت نور فاحص القلوب وسيأتي دون خجل، لأنه يحمل ضميرًا نقيًا وخاليًا من الأعمال الشريرة. لأن أولئك الذين فعلوا السيئات سيقومون، لكي يُدانوا ويخجلوا ناظرين للأفعال الشائنة التي في نفوسهم، وآثار خطاياهم التي ارتكبوها، وربما الأفعال الشائنة هي أكثر رعبًا وفزعًا من الظلمة والنار الأبدية، التي مزمع أن يكون فيها الخطاة معًا إلى الأبد، وستكون آثار خطاياهم التي ارتكبوها بالجسد أمام أعينهم على الدوام، والتي تبقى في ذاكرة النفس إلى الأبد كصبغة لا يمكن إزالتها. إن قليلين هم الذين سيمكنهم الاقتراب من النور الحقيقي، وسيُكشَفون أمامه، وبعد كشف الأمور المخفية، لن يأتوا بوجوه مخزية.
(باسيليوس الكبير، تفسير سفر المزامير ج1)
يُشِير ق. باسيليوس إلى أن الربَّ هو الملكوت والجحيم، ومنه تخرج قوتان للنار، القوة الحارقة التي تحرق الشيطان وملائكته والأشرار، والقوة المنيرة المشرِقة التي تُعطَى للأبرار قائلًا: ((باسيليوس الكبير، تفسير سفر المزامير ج1، ترجمة: د. سعيد حكيم يعقوب، القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020، عظة 4: 6 على (مز 29: 7)، ص 144، 145. ))
إن صوت الربِّ يقطع الاستمرار الطبيعيّ للنار ووحدة هذه النار. بالرغم من أنه من الواضح، وفقًا للمنطق الإنسانيّ، أن النار لا تتجزأ، ولا تتفرق، لكن بأمر الربِّ تنقطع وتتفرق. أعتقد أن هذه هي النار المعدَّة لعقاب الشيطان وملائكته، فالنار تنقطع بصوت الربِّ. حتى أن هناك قوتين للنار، القوة الحارقة، والقوة المنيرة المشرِقة، الأولى تُلهِب وتحرق، وتستمر قوة النار العقابية لأولئك الذين يستحقون أن يُحرقوا، أمَّا القوة المنيرة والمشرِقة، فهي تُعطَى للأبرار كميراث لأجل فرح ومسرة أولئك الذين سيبتهجون. إذًا، ’صوت الربِّ يقطع لهيب النار‘، وتتفرق، حتى أن نار الجحيم تُصبِح ظلامًا، وأمَّا في موضع الراحة، فالنور لا يحرق.
(باسيليوس الكبير، تفسير سفر المزامير ج1)
غريغوريوس النزينزي
يُوضِّح ق. غريغوريوس النزينزيّ أيضًا الفرق بين الملكوت وهو نور للمطهَّرين في أذهانهم، حيث يتحدَّث عن حالة ذهنية، وكذلك مُعاينة الله لكل واحد على قدر طهارته، والجحيم والعقاب هما حالة الظلام عن الحق، والتغرُّب عن الله والعمى كالتالي: ((غريغوريوس النزينزي، مختارات من القديس غريغوريوس اللاهوتي النزينزي، ترجمة: الأسقف استفانوس حداد، لبنان: منشورات النور، 1994، عظة المعمودية والمعمدون، ص ١٦٤. ))
فآمن أنت يا هذا بالقيامة والدينونة والمجازاة العادلة من عند الله. وأفهم هذه المجازاة على أنها نور للمطهَّرين في أذهانهم، أعني أنهم سيرون الله، وسيعرفونه كل واحد على قدر الطهارة التي هو فيها، وهو ما نُسمِّيه الملكوت السماويّ، وأفهم أيضًا أن العقاب إنما هو ظلمة للذين عموا وضلوا عن جدة الحق والصواب، أيّ تغرُّب عن الله هو بنسبة ما عندنا هنا من العمى.
(غريغوريوس النزينزي، مختارات من القديس غريغوريوس اللاهوتي النزينزي)
ويُميِّز النزينزيّ بين الملكوت والجحيم بإعطاء مثال الشمس التي تُعطِي ضوءًا للنظر السليم وليس للأعين المريضة، فليس العيب في الشمس، بل في حالة العين، هكذا المسيح الواحد هو نفسه الملكوت والجحيم في نفس الوقت، لأنه عند مجيئه الثاني يُمثِّل عثرةً وقيامةً: عثرةٌ لغير المؤمن، وقيامةٌ للمؤمن. ((Gregory of Nazianzus, Or 17: 7, to the citizens of Nazianzus, PG 35, 973D ))
ويُؤكِّد النزينزيّ على نفس الفكرة في موضع آخر، حيث يرى أن المسيح، أقنوم الكلمة، هو مُخيفٌ بطبيعته لكل مَن هم بطبيعتهم غير مُستحقين، ولكنه بمحبته للبشر، أهَّل الذين استعدوا بالتنقية، وطردوا الأرواح المادية الشريرة من نفوسهم وزيَّنوها بالمعرفة الصافية، أهَّلهم أن يكونوا مواضع سُكنى له كالتالي: ((غريغوريوس النزينزي، مختارات من القديس غريغوريوس اللاهوتي النزينزي، ترجمة: الأسقف استفانوس حداد، لبنان: منشورات النور، 1994، عظة الظهور الإلهي في عماد المسيح ”عيد الأنوار“، ص 170. ))
إن الكلمة المسيح مُخيف بطبيعته لكُل مَن هم بطبيعتهم غير مُستحقين، لكنه، بمحبته للبشر، أهَّل الذين استعدوا بالتنقية، وطردوا الأرواح المادية الشريرة من نفوسهم، وزيَّنوها بالمعرفة الصافية، أهَّلهم أن يكونوا مواضع سُّكنى له.
(غريغوريوس النزينزي، مختارات من القديس غريغوريوس اللاهوتي النزينزي)
غريغوريوس النيسي
ينفي ق. غريغوريوس النيسيّ على لسان أخته ق. ماكرينا أن تكون حالة النفس بعد حياة الجسد في مكان، لأن الوجود في المكان هو من خصائص الأجساد فقط، بينما النفس غير مُقيَّدة بمكان كالتالي: ((غريغوريوس النيسي، عن النفس والقيامة، ترجمة: عادل ذكري، القاهرة: رسالتنا للنشر، 2021، ٤: ١٠، ص 53. ))
ماكرينا: وطالما أن الاعتراض لا يهز عقيدتنا الأساسية فيما يتعلق بوجود النفس بعد الحياة في الجسد، فإن حديثنا لن يدخل في جدل حول المكان، لأننا نتمسك بأن الوجود في مكان هو من خصائص الأجساد فقط، ولأن النفس ليست بجسم، فهي بحكم طبيعتها غير مُقيَّدة على كل حال بأيّ مكان.
(غريغوريوس النيسي، عن النفس والقيامة)
ويصف النيسيّ حضن ابراهيم في مثل الغني ولعازر، والذي يُعتبر أحد مسميات الملكوت، على أنه الحالة الجيدة للنفس على لسان أخته ق. ماكرينا قائلًا: (( غريغوريوس النيسي، عن النفس والقيامة، ترجمة: عادل ذكري، القاهرة: رسالتنا للنشر، 2021، ٥: ٤٠، ص 63. ))
ماكرينا: لهذا السبب يبدو لي أن الحالة الجيدة للنفس التي يشير الكتاب المقدَّس إليها بحضن إبراهيم هي راحة تُعطَى إلى الرياضي الذي يصبر طويلًا.
(غريغوريوس النيسي، عن النفس والقيامة)
---
## تمزيق الكتب الدراسية
URL: https://tabcm.net/55412/
Type: post
Modified: 2026-05-13
في الأيام الأخيرة انتشرت مقاطع وصور لطلاب إحدى المدارس المصرية وهم يمزقون كتبهم الدراسية بشكل جماعي داخل فناء المدرسة، بعد انتهاء امتحانات شهر أبريل، وكأنهم أنهوا العام الدراسي بالكامل. المشهد بالنسبة للكثيرين كان صادمًا ومستفزًا، وظهرت سريعًا تعليقات تتهم الطلاب بالجهل، وانعدام المسؤولية، وعدم تقدير قيمة التعليم.
لكن الحقيقة أن قراءة المشهد بهذه البساطة قد تكون نوعًا من الهروب من السؤال الأهم: لماذا وصل الطلاب أصلًا إلى هذه الحالة من النفور تجاه التعليم؟ لماذا تحول الكتاب إلى عبء؟
من المهم أولًا أن نفهم أن فكرة التخلص من الكتب بعد انتهاء العام الدراسي ليست أمرًا جديدًا في الثقافة المصرية. أجيال كثيرة كانت تعتبر نهاية العام الدراسي لحظة راحة وتحرر من الضغط، فيتم بيع الكتب القديمة أو توزيعها على من يحتاجها أو حتى إلقاؤها في القمامة بعد انتهاء الامتحانات وظهور النتيجة. بل إن كثيرًا من الأسر قديمًا كانت تحتفظ بالكتب والكشاكيل ليستفيد منها الإخوة الأصغر سنًا، أو للرجوع إليها لاحقًا عند الحاجة.
لكن المختلف هذه المرة أن الأمر لم يحدث بعد انتهاء العام الدراسي، بل بعد امتحانات شهرية فقط، وقبل امتحانات نهاية العام بأيام قليلة، وبصورة جماعية واستعراضية داخل المدرسة نفسها. وهنا يتحول المشهد من مجرد “تصرف طلابي متهور” إلى رسالة نفسية واجتماعية أعمق بكثير.
الطلاب -خصوصًا في مرحلتي الطفولة والمراهقة- لا يمتلكون دائمًا اللغة الفكرية أو النفسية التي تمكنهم من التعبير عن شعورهم بالضغط أو فقدان المعنى، لذلك يتحول الاحتقان أحيانًا إلى سلوك جماعي صاخب: تمزيق، فوضى، صراخ، احتفال مبالغ فيه، أو سخرية من كل ما يرمز إلى المدرسة.
وكأن الرسالة الخفية تقول: “نحن لا نحتمل هذا كله.”، ربما لا يكون الجهل هو السبب الحقيقي لما حدث، بل الكبت والضغط المستمر وفقدان الهدف. فالطالب اليوم يعيش داخل منظومة مزدحمة:
مناهج ضخمة ومكدسة.
معلومات كثيرة لا يرى ارتباطها بحياته الواقعية.
امتحانات وتقييمات شبه يومية.
ضغط نفسي متواصل على الأسرة والطالب والمعلم معًا.
احساس متزايد بأن التعليم أصبح مجرد سباق درجات لا رحلة فهم واكتشاف.
وفي الوقت نفسه، يعيش هذا الجيل داخل عالم مختلف تمامًا عن الأجيال السابقة؛ عالم يرى فيه أن الشهرة السريعة على مواقع التواصل قد تصنع نجاحًا وثروة أسرع من سنوات طويلة من الدراسة والعمل التقليدي.
لذلك يشعر كثير من الطلاب أن التعليم يُفرض عليهم فرضًا، لا لأنه يحمل معنى حقيقيًا بالنسبة لهم، بل لأنه مجرد مسار إجباري يجب اجتيازه. ومن هنا تصبح المشكلة أخطر من مجرد تمزيق كتاب.
المشكلة الحقيقية تبدأ حين يفقد الطالب علاقته الطبيعية بالمعرفة نفسها، وحين يتحول الكتاب الذي كان يومًا رمزًا للتعلم إلى رمز للضغط والاختناق والرغبة في الهروب.
لا يعني هذا تبرير السلوك أو اعتباره أمرًا طبيعيًا تربويًا، لكن من الخطأ أيضًا اختزال القضية في اتهام الأطفال وحدهم بالفساد أو انعدام التربية.
فالمنظومة بأكملها تعاني: الأسرة مرهقة. المعلم مضغوط. الطالب فاقد للحافز. والمدرسة في كثير من الأحيان تتحول إلى ماكينة امتحانات أكثر من كونها مساحة للنمو والتفكير.
وربما يكون أخطر ما كشفه هذا المشهد هو أن عددًا كبيرًا من الطلاب لم يعودوا يشعرون أن ما يتعلمونه يحمل قيمة حقيقية لمستقبلهم أو لحياتهم.
وعندما يفقد التعليم معناه، يتحول إلى عبء ثقيل يحاول الجميع التخلص منه بأسرع طريقة ممكنة. ولهذا، بدلًا من الاكتفاء بالغضب من الأطفال، ربما نحتاج أولًا أن نسأل أنفسنا بصدق: هل ما زال التعليم الذي نقدمه لأبنائنا قادرًا فعلًا على إقناعهم بأنه يستحق كل هذا العناء؟
---
## تحكمات الطفل نظير جيد في اﻷحوال الشخصية
URL: https://tabcm.net/55488/
Type: post
Modified: 2026-05-12
لم تمر أيام قليلة منذ جلس الأنبا شنودة، أسقف التعليم، على كرسي القديس مرقس في 14 نوفمبر 1971 ليكون البابا رقم 117، إلا وأعلن موقفه الرافض للائحة 1938 الخاصة بالأحوال الشخصية للمسيحيين، وأطلق عبارته الشهيرة “لا طلاق إلا لعلة الزنا” التي تحولت فيما بعد على يده، ومن بعده الأساقفة الموالين له ومحبيه، إلى آية من ضمن نصوص الكتاب المقدس.
وهي ليست المرة الأولى، فقد تم اختراع عبارة تقول “من يكرمكم يكرمني, ومن يكرمني يكرم الذي أرسلني”، لإضافة هالة من الكرامة على الإكليروس. وهذه لم يقلها المسيح، بل هي من إضافات البابا شنودة، وروجها من بعده أساقفة مثل الأنبا بولا، معد مشروع قانون الأحوال الشخصية الذي يتم الترويج له حاليًا، ويحمل ألغامًا قد تنفجر في وجه المجتمع كله. (( تامر فرج: من يكرمكم يكرمني ))
أربعة أيام فقط كانت الفاصل بين جلوس البابا شنودة على الكرسي وصدور القرار البابوي رقم 7 في 18 نوفمبر 1971 بعنوان “ﻻ طلاق إلا لعلة الزنا”، ونشرت هذه القرارات فيما بعد في مجلة الكرازة في عام 1972.
1- عملا بوصية الرب في اﻹنجيل المقدس، لا يجوز التطليق إلا لعلة الزنا. فقد ورد في تعليم السيد المسيح له المجد في عظته على الجبل، قوله: وأما أنا فأقول لكم أن من طلق امرأته إلا لعلة الزنا يجعلها تزني. (متى 5: 32). وقد كرر الرب هذه الوصية في إجابته على الفريسيين إذ قال لهم:
أقول لكم إن كل من طلق امرأته إلا بسبب الزنا وتزوج بأخرى يزني (متى 19: 9) من طلق امرأته وتزوج بأخرى يزني عليها (مرقس 10: 11)
2- كل طلاق يحدث لهذه لغير هذه العلة الواحدة لا تعترف به الكنيسة المقدسة وتعتبر أن الزواج- الذي حاول هذا الطلاق أن يفصمه- ما يزال قائما.
صدر بالمقر البابوي
في ١٨/ ١١/ ١٩٧١
البابا شنودة الثالث
بابا اﻹسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية
اللافت للنظر في هذا القرار هو الخطأ في كتابة رقم اﻵية من الشاهد اﻹنجيلي في اﻻقتباس من إنجيل متى ويبدو أن هذا خطأ مطبعي ليس إلا، ومن التاريخ الصادر فيه القرار بعد 4 أيام من الجلوس على الكرسي فإن هذا أمر يشغل البابا الجديد قبل جلوسه على الكرسي.
واستكمل البابا شنودة بالقرار رقم 8 الصادر في 18 ديسمبر 1971 بعنوان “عدم زواج المطلقات”، ما جاء بالقرار السابق، وأكد فيه أنه لا يجوز زواج المطلقة عملا بوصية السيد المسيح له المجد، وأعاد ذكر اﻵيات من إنجيل متى في القرار السابق، وغيرها من اﻵيات من إنجيلي مرقس ولوقا، وأضاف المرأة المطلقة إما أنها طلقت بسبب زناها، أو لسبب آخر غير الزنا. فإن كانت طلقت بسبب زناها فإن اﻹنجيل المقدس لا يسمح لها بالزواج مرة ثانية حسب النصوص المقدس التي أوردناها، إذ أن هذه المرأة ﻻ يمكن أن تؤتمن على زواج جديد.
ثم أكمل البابا شنودة في قراراه أما إن كانت قد طلقت لقرار غير الزنا. فإن هذا الطلاق يعتبر باطلا حسب وصية الرب في اﻹنجيل ويكون الزواج الذي حاول هذا الطﻻق أن يفصمه ما يزال قائما، فإن تزوجت تكون قد جمعت بين زوجين وتعتبر زانية حسب وصية الرب.
وأضاف أنه أما إن حدث التطليق لسبب زنا الزوج، فإن المرأة البريئة من حقها أن تتزوج. ويدخل في نطاق زنا الزوج، زواجه بامرأة أخرى بعد طلاق بغير علة الزنا لا تقره الكنيسة. ومنع الكهنة من عقد زواج لمطلقة إلا بعد عرضه على المجلس اﻹكليريكي اﻷعلى للأحوال الشخصية.
هنا قرر البابا شنودة استخدام اﻵيات بمعنى حرفي ودون ذكر السياق الذي عاشه الناس في زمن السيد المسيح، وكيف نفهم ما قاله السيد المسيح عن الزواج والطلاق وفق ظروف زمنه ومشكلاتهم، وهل ما ينتهجه البابا شنودة يسير مع نهج المسيح في تغليب الرحمة على الذبيحة؟ وتغليب راحة اﻹنسان أمام قيود الشريعة؟ ((باسم الجنوبي: «لا طلاق إلا لعلة الزنا» والمشكلة الإزائية ))
سؤال آخر يطرح نفسه لماذ هذا الموقف المُبيّت الرافض الطلاق؟ ولماذا هو ضد الزواج الثاني؟
ربما تكون اﻹجابة بالعودة إلى طفولة الطفل نظير جيد، الذي ولد في 3 أغسطس عام1923، وتوفيت والدته بعدها بعدة أيام بسبب حمى النفاس، وتركه أبوه ﻹخوته ثم تزوج مرة أخرى، فقد حرم الطفل نظير جيد من أمه بسبب الموت ومن أبوه بسبب الزواج مرة أخرى فلم يهتم اﻷب بتسجيل ابنه واستخراج شهادة ميلاد له ، وهذا قد سبب له جرح كبير في داخله، خاصة أنه حصل على الرضاعة من أكثر من سيدة في قرية السلام بأسيوط التي ولد بها. ((هيثم البدري، اليوم السابع: هنا ولد البابا شنودة عام 1923.. ))
وبسبب ما حدث له في الطفولة وهو أمر صعب على طفل، قد يكون أثر ذلك على قرراته حينما اعتلى سدة الكرسي المرقسي، وقرر الحفاظ على اﻷسرة والزواج من وجهة نظره وعدم السماح بالزواج الثاني مرة أخرى. ((عمرو بيومي، المصري اليوم: البابا شنودة: لن أسمح بـ«الزواج الثانى».. ولا آخذ أوامر من «جهات مدنية». ))
فإن كنا نتضامن مع الطفل نظير جيد ونشعر بآﻻمه، لكن لا يجب أن تتحكم مخاوف هذا الطفل في البابا شنودة الثالث ولا في الكنيسة كلها حتى من بعد رحيله، ﻷن ما أعتبره خطأ وحاول منعه -من وجهة نظره- واستمرار تكراره وفرضه على المسيحيين في مصر، يؤدي إلى أخطاء أكبر وأكثر مما نتخيل.
---
## (١) من يكرمكم يكرمني
URL: https://tabcm.net/14775/
Type: post
Modified: 2026-05-12
إذ كان كثيرون قد قد أخذوا بتأليف قصص وحكايات في الآيات المتيقنة عندنا، ومختلفة خالص عن اﻵيات التي سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخدامًا للكلمة، رأيت أنا أيضا إذ قد تتبعت أصل الرواية من الأول بتدقيق، أن أكتب إليك أيها العزيز عبصمد عن كل حاجة بالتفصيل، لتعرف مدى صحة الكلام الذي علمت به وتحكم بنفسك يا برنس.
من يكرمكم يكرمني، ومن يكرمني يكرم الذي أرسلني
الآية دي سمعتها كتير قوي من بطاركة وأساقفة ومطارنة وكهنة ووعاظ وشمامسة وخدام كتير جدًا، و”مفترض” بحسب كلامهم إن السيد المسيح قالها، واللي بيستخدمها هما ناس كتير لإثبات إكرام رفات القديسين مثلًا، وأنا من موقعي هذا، أتحدي أي شخص يجيب لي شاهد الآية دي من الكتاب المقدس!!
لما رجعت بالزمن وتتبعت أصل الموضوع، لقيت العظة الأصلية اللي أتقال فيها الآية دي, طلع إنها اتقالت عن طريق الأنبا شنودة سنة 1979، ومن ساعتها أيها العزيز عبصمد وكله أخدها وكأنها إنجيل… في الأول البعض اعتقد إنها آية فعلًا، والخيط كر بعدها… عمم كبيرة وصغيرة اخدوها كمرجع، وهاتك يا ترديد وتكرار بدون بحث ولا فحص ولا خلافه. فتخيل أيها العزيز عبصمد إن في عِظات لا تحصى وأجيال كاملة نشأت ومئات الكتب أتنشرت علي هذه الآية”مجهولة الهوية”، ومئات العظات قامت على آيات بينات أخري زي دي، وملهاش وجود أساسًا !! أه والله العظيم زمبؤلك كده!
في سنة 2015 حماة الإيمان نزلوا رد علي الموضوع، وطلعوا يتصدوا للمهرطقين وللدارسين اللي اكتشفوا الخطأ ده من سنوات، والطبيعي انهم لازم يفتوا، والصراحة كل ما بيفتوا أكتر، كل ما بيتفضحوا وبيبان جهلهم أكتر، ويبرز تساؤلات عن اللي معينهم وجايبهم وموفر لهم كافة الإمكانيات المادية وسخر لهم كل وسائل الدعم و النشر المقروء والمسموع.
الغريب إن في دفاعهم عن الآية “مجهولة الهوية” تجاهلوا معظم الترجمات المعروفة للكتاب المقدس، بكل اللغات اللي بتقول صراحة ونصًا وتحديدًا: من يقبلكم يقبلني واستعانوا بترجمة حديثة جدًا لبروفيسور اسمه هوكس، واسم الترجمة BBE (Bible in Basic English)، شخص وحيد ترجمها عام 1965 وغير متداولة ولا معروفة وهي الوحيدة المكتوب فيها يكرمكم! مش يقبلكم!!
بالرغم إن الأصل اليوناني مفيهوش يكرمكم! والترجمات العربية والانجليزية كلها مفيهاش ريحة كلمة من من يكرمكم يكرمنني وكل ده لأنهم مش عاوزين يطلعوا غلطانين، ولا عاوزين يغلطوا أي شخص من اللي قالوها من بين عشرات الأشخاص المحسوبين عليهم، وأكدوا علي أساسها إن ده المعني!!
ومن المدهش أن الآية اللي اقتصوا من سياقها دي، هي في الأساس بتتكلم عن “التبشير بالأخبار السارة، وقبول الكرازة بإنجيل يسوع بين الأمم” مش بتتكلم عن منح كرامة من الله للأشخاص، ولا عن تمجيد ولا شفاعة، ولا حتى عن إكرام قبولهم، ولا أيّ شيء من ده نهائيًا!
من يقبلكم يقبلني، ومن يقبلني يقبل الذي أرسلني
(الإنجيل بحسب متى 10: 40)
معناها بكل بساطة وبحسب الترجمات:
… Who receives you – Who welcomes you …
اللي هيقبل كلامي – اللي هيسمعوه منكم – يبقي قبلني أنا كمان كمسيح.
للأسف بيستخدموا الآية دي بالذات في إثبات التبرّك بالرفات، وإكرام عظام الموتي وتجارة أجساد القديسين، علشان كده مازالوا بيكابروا ويعاندوا ومش عاوزين يتراجعوا عن رأيهم ولا يتخلوا عن السبوبة المقدسة!! ولما يتزنقوا يقولك الآية الأخرى اللي هي اختلطت عليهم أساسًا وبقوا زي المحولجي اللي دخل قطارات بحري في قطارات قبلي، فيقول لك عادي… ماهو… أصل… ربونا برضه قال: فإني أكرم الذين يكرمونني (1 صم 2: 30) أهيه… اعترضوا بقي يا كفرة!!
ولكن حتى دي، آية أخرى مقتصّة من سياقها، ولها معني مختلف تمامًا، وملهاش دخل بالموضوع، لكن هتفرق في إيه؟ دول محترفين قص ولزق، وأخصائيين تحوير، وإعادة تدوير آيات، ولوي معانيها من أجل استغلالها حسب المزاج، والموسم المناخي وحسب الطلب، وتوظيفها التوظيف الأمثل اللي يخدم على اجتهادات وآراء البعض الشخصية. يعني هنقعد كده عاطلين مبنعملش حاجه؟ (عموما، لأن لكن كل مقام مقال، هانعمل للآية دي حلقة مستقلة)
اسمع يا عبصمد… خليك صاحي وواعي، متقولش آمين وخلاص…
اللي يقولك اسمك إيه يا عبصمد… قوله إستنى لما أبحث وأدور وأتأكد وأقولك بعدها…
وأوعى تقول لي: ده الأنبا فلان مأكد لي!!
وهنا أدرك أبو صلاح الصباح، فسكت عن الهزار والمزاح!
---
## هل يكون “الباكي” البطل الذي لم يكنه تواضروس؟
URL: https://tabcm.net/12587/
Type: post
Modified: 2026-05-11
قرر بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، الأنبا تواضروس الثاني إلغاء جميع التوكيلات والتفويضات الصادرة من الأنبا بيسنتي، أسقف حلوان والمعصرة، في جميع الإجراءات الناقلة للملكية، وكذلك حسابات الإيبارشية والحسابات الخاصة في كافة البنوك المصرية. القرار نفسه لم ينشر على صفحة المركز الإعلامي للكنيسة القبطية الأرثوذكسية لكنه ظهر على صفحات السوشيال ميديا عبر حسابات من داخل الإيبارشية ومن المقربين للأنبا بيسنتي. وجاء نص القرار الإداري كالتالي:
قرار إداري
بصفتي بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، ورئيس المجلس الملي العام وهيئة أوقاف الأقباط الأرثوذكس، والممثل القانوني لبطريركية الأقباط الأرثوذكس، تقرر الآتي:
– إلغاء جميع التوكيلات بكافة أنواعها، والتفويضات الصادرة من نيافة الأنبا بيسنتي، أسقف حلوان والمعصرة، وبالميلاد فؤاد عوض عريان رقم قومي 24106082100379 في جميع الإجراءات الناقلة للملكية كالتنازل والبيع والهبة وكل التصرفات.
– إلغاء كافة التوكيلات والتفويضات البنكية الصادرة من الأنبا بيسنتي أسقف حلوان والمعصرة الخاصة بحسابات الإيبارشية [حلوان – مايو – المعصرة – وتوابعهم] وكذلك الحسابات الخاصة بالأنبا بيسنتي في كافة البنوك المصرية.
وتفضلوا بقبول فائق الاحترام والتقدير.
القاهرة في ١٣/ ٨/ ٢٠٢٣
البابا تواضروس الثاني
بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية
نشرت بعض المواقع الإخبارية توضيحًا تفسيريًا من البابا تواضروس الثاني، قال فيه إن الأسباب الصحية التي يمر بها نيافة الأنبا بيسنتي قد فرضت إصدار قرار بابوي لتنظيم الوضع الرعوي والإداري في الإيبارشية، لكن البابا كان قد أشار في اجتماعه، الأربعاء الماضي، لوجود مشاكل مالية وضعفات رعوية.
أيضًا، جرت العادة بالنسبة لكبار السن من الأساقفة، أو الذين يمرون بأسباب صحية، أن يُقام لهم أسقف مساعد لمعاونتهم. تنتقل إليه الصلاحيات الرعوية مع بقاء الأسقف الأقدم على كرسي الإيبارشية.
فما الجديد الذي يجعل البابا يستخدم كل هذه التوصيفات القانونية غير الكهنوتية في مطلع قراره الإداري؟
تحليل القرار الإداري
– استخدام قداسة البابا لتوصيف “رئيس المجلس الملي العام”، يشير لمشكلات فساد مالي، فالبابا هنا يستدعي الصفة / السلطة العَلمانية للمجلس في الإشراف المالي على الكهنوت.
– ذكر الاسم العلماني في شهادة الميلاد قد يشير لتوسيع احترازي في دائرة الإشراف والرقابة على الأسقف لتشمل نقل الملكيات وتحويلات الحسابات إلى أسرته وأقاربه. البابا هنا يستدعي الجهات الرقابية لمتابعة أية تحويلات أو معاملات، بكلا الاسمين، تمت على سبيل التنازل أو البيع أو الهبات. الاسم الكهنوتي مقطوع عن العالم، أما الاسم بالميلاد فله أسرة وقيد عائلي، والرقم القومي كاف حاليًا لتحديد درجة القرابة معها.
– القرارات المتعلقة بمشكلات مالية مشهرة ومكتوبة، هي قرارات ليست من عادات الكنيسة المحافظة في ممارسة الأعمال الإشرافية التي يقوم بها رئيس الكهنة على مرؤوسيه. أما المعتاد فهو مجاملتهم لبعضهم البعض من أجل “سمعة الكهنوت”، وحل مشاكل الماليات والضعفات بشكل سري، دون أن يعلم العلمانيون عنها شيئًا.
ومن ثمّ، يمكن استنتاج أن هذا الأمر بدأ منذ فترة، وفشلت الحلول العرفية السرية، والأسقف غائب والمشكلات مستمرة، مما أجبر البابا على اتخاذ إجراء استثنائي حمايةً للوقف القبطي فوق سمعة الكهنوت.
وهذا ليس بالأمر الهيّن على البابا، وهو استثنائي لدرجة أنه السابقة الأولى،
وعلى الرغم من صعوبته، إلا أنه قرار إيجابي للغاية لمستقبل الكنيسة في معالجاتها الإدارية.
بالتأكيد الأساقفة لا تروق لهم فكرة المحاسبات المالية العلنية من الأساس، وإﻻ سيحاسبون علنيا هم أيضا وستفتح ينابيع الغمر على الجميع. وربما يستنفرون أتباعهم ومريديهم لزعزعة سلطة القرار الإداري (مش بالضرورة بشكل مباشر وإنما هتلاقي شوية عيال بـ”شبشب” يتصيدون للبابا أي حاجة بره الموضوع ده.. فنصحصح)
جدير بالذكر أنه ليس للأقباط الأرثوذكس مجلسٌ مليٌ عامٌ منذ عصر الرئيس جمال عبد الناصر والبابا كيرلس السادس. أما في عصر البابا شنودة الثالث، فقد تحول المجلس، الذي يشترط علمانيته، إلى مجلس كهنوتي (رُسم كل أعضاء المجلس شمامسة برتبة دياكون/ مساعد كاهن). بالتالي، تحول المجلس إلى “خاضع للكهنوت” وفسدت سمة “السيادة الإشرافية على الكهنوت”، فأصبح فاقدًا لوجوده الموضوعي – مالهوش لازمة – إذ لا يوجد من يراقب السلطة وهو يخضع لها.
ولهذا قواعد أكثر تفصيلاً في النظم الأكثر تعقيداً مثل الدولة. فعضو مجلس النواب في أي دولة يحظى بحصانة من الحكومة كي يتسنى له محاسبتها، أما البرلماني الذي يخضع لحكومته، فهو جزء منها، متنكر في هيئة شعب (يمثل مصالح الحاكم لا مصالح المحكوم)، ولا يوجد في نظم الحكم أو الإدارة ما يقول: مصالح الاثنين واحدة، وهي مصلحة الكنيسة، فهذا كلام تسطيح غير صحيح، يخلط بين “وحدة الهدف” والمصالح المختلفة والمتضاربة (مع أن البابا قاله بالفعل في لقاء مع الصحفيين).
ربما يكون هذا أول سلوك إداري مكتوب ومشهور بشكل رسمي، منذ قيام جمهورية يوليو، يراعي مصالحي كعلماني في حماية أملاكي من نهب صقور الإكليروس الذي لا يُسأل أبدًا عما يفعل، لا ماليًا ولا غير ذلك. إذ يُحرّم فكرة محاسبة السلطات الروحية أو حتى نقدها على مستوى النقاش المجتمعي.
لقد كان لدينا يومًا كاهن؛ القس إبراهيم عبد السيد، تجرأ وكتب نقدًا للنظام المالي للكنيسة، ولم يقبل البابا شنودة بهذه الجرأة. لم يحاكمه قانونيًا أو كنسيًا بل حرمه مباشرة، وحرم كتبه، وأمر الكنائس بعدم الصلاة على جثمانه وقتما لقى ربه، نكل به حيًا وميتًا حرفيًا.
لذلك، أنا أنظر لهذا القرار بعيون علمانية حالمة وواعدة، بمعنى أنني لا أرى في صاحب القرار توقيع تواضروس الثاني فقط، وإنما أيضًا د. وجيه الباكي قد قام من الموت ليستعيد لي ممتلكاتي في ظل غياب وغياب لمن يمثل حقوق الشعب ويدافع عنها بشكل منظم ومرضٍ.
وعلى هذا الرجاء الحالم المفتقر للدليل الموضوعي.. أقدم كل الدعم.
---
## الجمعة ١١ فبراير
URL: https://tabcm.net/55308/
Type: post
Modified: 2026-05-11
ميدان التحرير يشهد حركة غير طبيعية تنبئ بأن اليوم لن يكون عاديًا في حياة كل المصريين، فقد كان الجميع يترقب حدثًا تاريخيًا طال انتظاره، وكانت الاستعدادات تجري على قدم وساق منذ الصباح الباكر لاستقبال المصريين الذين بدأوا الزحف على الميدان منذ ساعات النهار الأولى، وآلاف المصريين يتدفقون على الميدان للمشاركة في مليونية جديدة، وسط إجراءات أمنية مشددة من قبل المعتصمين، وكأن الثورة تبدأ من جديد، يحملون إصرارًا غريبًا على شيء واحد هو إسقاط النظام.
أحد أبرز أسباب هذا الإصرار هو خيبة الأمل التي ألحقها بهم الرئيس مبارك بعدم تخليه عن السلطة في خطاب ناقض كل التوقعات؛ وفي الوقت نفسه، بدأ جزء كبير من الحشود بالوصول إلى قصر العروبة للحاق بمن سبقوهم في الليلة الماضية، تزامنًا مع إذاعة البيان الثاني للمجلس الأعلى للقوات المسلحة.
نظرًا للتطورات اللاحقة للأحداث الجارية التي يتحدد فيها مصير البلاد، وفي إطار المتابعة المستمرة للأحداث الداخلية والخارجية، وما تقرر من تفويض للسيد نائب رئيس الجمهورية من اختصاصات، وإيمانًا بمسؤوليتنا الوطنية بحفظ واستقرار الوطن وسلامته، قد قرر المجلس:
أولًا ضمان تنفيذ الإجراءات الآتية: إنهاء حالة الطوارئ فور انتهاء الظروف الحالية، الفصل في الطعون الانتخابية وما يلي بشأنها من إجراءات، إجراء التعديلات التشريعية اللازمة، وإجراء انتخابات رئاسية حرة ونزيهة في ضوء ما تقرر من تعديلات دستورية.
ثانيًا: تلتزم القوات المسلحة برعاية مطالب الشعب المشروعة والسعي لتحقيقها من خلال متابعة تنفيذ هذه الإجراءات في التوقيتات المحددة بكل دقة وحزم حتى تمام الانتقال السلمي للسلطة وصولًا للمجتمع الديمقراطي الحر الذي يتطلع إليه أبناء الشعب.
ثالثًا: تؤكد القوات المسلحة على عدم الملاحقة الأمنية للشرفاء الذين رفضوا الفساد وطالبوا بالإصلاح، وتحذر من المساس بأمن وسلامة الوطن والمواطنين، كما تؤكد على ضرورة انتظام العمل بمرافق الدولة وعودة الحياة الطبيعية حفاظًا على مصالح وممتلكات شعبنا العظيم، حمى الله الوطن والمواطنين.
(البيان الثاني للمجلس الأعلى للقوات المسلحة)
أمام قصر العروبة وصلت الأعداد المرابضة أمام القصر إلى ما يقرب من ثلاثين ألف متظاهر، الذين شرعوا فور وصولهم في إقامة المستشفيات الميدانية وتجهيز سبل الإعاشة استعدادًا لبدء الاعتصام أمام القصر، في نفس الوقت الذي كانت فيه قوات الحرس الجمهوري تحيط بالقصر إحاطة السوار بالمعصم بقبضة حديدية من الأسلاك الشائكة والدبابات.
حدثت بعض المناوشات والاعتداءات من قبل الحرس الجمهوري والشرطة العسكرية، ومن قبل حمدي بدين قائد الشرطة العسكرية شخصيًا، مما أعطى صورة مقلقة لما يمكن أن يحدث لاحقًا، فقد يحدث انفلات للأعصاب من أحد المتظاهرين في محيط القصر الجمهوري، والقانون في تلك الحالة يعطي للحرس الجمهوري حق الدفاع عن القصر وساكنه باستعمال السلاح، باختصار لا يمكن السيطرة على ما قد يحدث أمام قصر العروبة، خصوصًا أن الجيش حتى الآن لم يتخذ موقفًا محددًا، ويمكن في أي لحظة أن يوضح انحيازه لمبارك، والشيء المؤكد أن الموقف أمام القصر لم يكن آمنًا بالمرة.
قبل صلاة الجمعة بقليل كان ميدان التحرير كامل العدد ولا يوجد موطئ لقدم، حتى امتدت حشود الثوار إلى الشوارع الجانبية من ميدان التحرير وإلى الميادين الفرعية القريبة من وسط القاهرة، وبينما كان الشعب منهمكًا في صلاة الجمعة، وتحديدًا الساعة 12:30 ظهرًا، استقل مبارك طائرة هليكوبتر من القصر الرئاسي إلى مطار النزهة، منفردًا على أن تلحق به باقي الأسرة بعد قليل، ورأى مبارك بأم عينه المتظاهرين المحاصرين لقصره، والمؤكد أنه لم يدر بخلد المتظاهرين القابعين على أسوار القصر أن تلك الطائرة التي حلقت فوق رؤوسهم تقل مبارك الذي يهتفون مطالبين برحيله، ومن مطار النزهة استقل مبارك طائرة رئاسية إلى مقر إقامته في شرم الشيخ.
في الواحدة والنصف ظهرًا، هبط مبارك في مطار شرم الشيخ ومنه إلى مقره هناك، بينما كان الثلاثي أحمد شفيق وعمر سليمان وزكريا عزمي لا يزالون في مواقعهم في قصر الاتحادية، ثم أرسلوا في طلب وزير الداخلية ووزير الخارجية للاجتماع بهم، لكن ما لبث أن تم إبلاغهم من قبل الجيش بضرورة إخلاء القصر كنوع من التأمين، وبالفعل غادر الخمسة إلى غرفة عمليات القوات المسلحة للاجتماع بالمشير.
ثم اجتمع الثلاثي طنطاوي وشفيق وسليمان بمفردهم، وبادر شفيق بالحديث موجهًا كلامه إلى طنطاوي: أعتقد يا سيادة المشير أنه آن الأوان لكي تتسلموا قيادة البلد، فأجاب طنطاوي بالرفض، فكرر شفيق: مينفعش.. الرئيس هايتنحى وأنتم تمسكوا البلد.، فأجاب طنطاوي: لاء.. الرئيس مش هايتنحى.، فكرر شفيق الأمر على مسامعه مرة أخرى مؤكدًا: يا سيادة المشير.. الرئيس سيتنحى وأنتم ستتسلمون البلد.، فأجاب طنطاوي بأن عليه أن يسأل ويستشير القوات المسلحة أولًا.
غادر طنطاوي الاجتماع لدقيقتين، ثم عاد وأعلن موافقته، ثم طلب شفيق من عمر سليمان أن يتحدث هاتفيًا إلى مبارك ليستشيره، وأوضح الأمر لمبارك الذي وافق على فكرة التنحي، لكنه طلب إرجاءها إلى المساء، إلى ما بعد إقلاع الطائرة التي كانت موجودة في مطار ألماظة لحمل علاء وجمال وأسرتيهما إلى شرم الشيخ، حرصًا على سلامتهم، وعاد سليمان إلى شفيق وطنطاوي وأخبرهم بفحوى الحوار، فبادر شفيق بالاعتراض مرة أخرى على إرجاء إعلان التنحي، لأن المتظاهرين بالفعل على أسوار القصر الجمهوري، لكن لم يكن أمامهم سوى الانتظار.
وعلى الفور بدأ الثلاثي في صياغة بيان التنحي حسبما طلب مبارك منهم، لأنه كان يريد بيانًا قصيرًا، ثم اتفقوا على أن يقرأه عمر سليمان وليس المشير طنطاوي، حتى لا يبدو الأمر وكأنه انقلاب عسكري، ثم تحدث سليمان هاتفيًا مرة أخرى مع مبارك، وأخبروه أن الوقت ضيق وأنهم بالفعل قد صاغوا خطاب التنحي ولا توجد فرصة لإرساله لشرم الشيخ لتوقيعه، والعودة به مرة أخرى للقاهرة، فطلب مبارك من سليمان أن يقرأه له، ثم طلب تغيير كلمة “تنحي” إلى “تخلي”.
ويقال إن مبارك قد طلب منهم التأكد من دستورية وقانونية هذا الانتقال للسلطة، حتى لا يتسبب في أي مشاكل لاحقًا، وسرت أخبار غير مؤكدة عن حوار بين مبارك ونائبه، عما إذا كان مبارك يحتاج إلى أي ضمانات تعفيه من أي مسؤولية وتقيه من المحاسبة مستقبلًا، وعما إذا كان يرغب في الرحيل خارج البلاد، فأجاب مبارك بالنفي، مؤكدًا أنه لم يرتكب أي خطأ ليحاسب عليه، وليس لديه الرغبة في أي شيء سوى أن يكمل حياته في شرم الشيخ.
والحقيقة أن حسني مبارك حتى وفاته لم يوقع على أي قرار مكتوب يعلن فيه استقالته أو تخليه أو عجزه عن ممارسة سلطاته، والبيان الذي قرأه عمر سليمان قد جرت مراجعته سريعًا، دون العودة إلى أي فقيه قانوني أو دستوري، مما جعل البيان لمن يقرؤه خاليًا من أي إشارة إلى دستور أو قانون أو مبررات لهذا التنحي.
فور انتهاء المكالمة، خرج سليمان على عجل، ليقرأ البيان أمام الكاميرا في مكان أشبه بممر بين مجموعة من الغرف وأمامه منصة بسيطة يبدو جليًا أنه تم إعدادها على عجل وميكروفون وحيد، بينما ظهر خلفه اللواء حسين كمال مدير مكتبه بوجه شديد الاقتضاب، وبدون سبب واضح لظهوره في خلفية المشهد، ويبدو أن أحدًا لم يطلب منه الابتعاد خارج الكادر عند التصوير.
بعد ساعة تقريبًا، وفي الخامسة والنصف، وصل اللواء إسماعيل عتمان، المتحدث باسم المجلس الأعلى للقوات المسلحة ومدير الشؤون المعنوية، إلى مبنى التليفزيون المصري (ماسبيرو) بكورنيش النيل، وواجه مصاعب شديدة لاختراق جموع الحشود الكبيرة التي كانت تحيط بمبنى التليفزيون؛ ليلتقي بعبد اللطيف المناوي، رئيس قطاع الأخبار، بعد أن أفهمه بالأمر.
فتح عتمان معطفه وأخرج من جيبه الداخلي شيئًا ما وهو يقول: معي البيان، وأخرج شريط كاميرا رقمية صغيرًا، لا يتجاوز حجمه حجم شريط الكاسيت، مسجلًا عليه بيان التنحي، وقال للمناوي: كنت أخفيه خوفًا من أن أفقده وسط الحشود، ثم استدرك قائلًا: قرر مبارك التنحي.. وعمر سليمان أعد هذا البيان، وجلس الاثنان في انتظار الأوامر بإذاعة بيان التنحي؛ لأن علاء وجمال وأسرتيهما وسوزان لم يغادروا القصر بعد.
في هذا الوقت كان جمال وعلاء وأسرتاهما في المطار الملحق بالقصر الرئاسي في انتظار سوزان مبارك، وركبت العائلة كلها الطائرة وبدأت بالفعل حركة المراوح، فخرجت سوزان مهرولة إلى المجمع الرئاسي وإلى “الفيلا” بالتحديد، وهي مقر إقامة العائلة، وهناك انهارت سوزان من أثر الحزن الشديد، حيث انهار العالم كله من حولها، وتم العثور عليها جالسة على الأرض تبكي وتعجز عن السيطرة على نفسها أو الوقوف على قدميها، فحاول الحراس مساعدتها على الوقوف، واتكأت على كتف ضابط شاب حيث حملوها داخل المنزل، فاستعادت بعض مقتنياتها القريبة إلى قلبها، ثم مسحت دموعها، وألقت نظرة أخيرة على الفيلا، واتجهت للطائرة ومنها للمطار.
وعندها تلقى عتمان تعليمات إذاعة الشريط، واتجه مع المناوي إلى حجرة البث، حيث شرع العاملون بها في النحيب والعويل بصوت مسموع حزنًا على تنحي مبارك فور معرفتهم بالخبر، وفي تمام الساعة السادسة أعلنت مذيعة التلفزيون المصري رشا مجدي عن بيان هام للأمة يلقيه نائب الرئيس السيد عمر سليمان، وتوقف ميدان التحرير عن التنفس تقريبًا، وحل صمت رهيب على الميدان لسماع الخطاب المرتقب.
في السادسة والدقيقتين بتوقيت القاهرة، خرج عمر سليمان بقسمات وجهه الصلب، وبعيون زاغت حزينة، وبصوت بذل صاحبه جهدًا حقيقيًا لإخفاء نبرة الأسى فيه، وبدون أي مقدمات قال:
أيها المواطنون، في هذه الظروف العصيبة، التي تمر بها البلاد، قرر الرئيس؛ محمد حسني مبارك، تخليه عن منصب رئيس الجمهورية. وكلف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد. والله الموفق والمستعان.
(عمر سليمان يتلو خطاب التنحي)
ثلاثون ثانية، كانت هي مدة الخطاب الذي أنهى ثلاثين عامًا من حكم مبارك.
ومع الكلمة الأخيرة للبيان، بلغت فرحة المصريين عنان السماء، وانتفض الميدان عن بكرة أبيه يصرخ بشكل هستيري من الفرحة الصادمة غير المتوقعة بعد صدمة خطاب الأمس، وانطلقت الألعاب النارية تشق سماء الميدان، وخرجت مصر كلها من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها إلى الشارع تنتفض من الفرحة.
أمام قصر العروبة، أدارت مدافع الدبابات واجهتها المصوبة ناحية الجماهير إلى الناحية العكسية، ناحية القصر الذي بات مهجورًا في تلك اللحظة. ونجح المتظاهرون، بعد أقل من ثلاثة أسابيع من التظاهر، في إسقاط نظام ديكتاتوري دام لأكثر من ثلاثة عقود. وانطلق المتظاهرون يحيون جنود الجيش المعتلين دباباتهم ويلتقطون معهم الصور التذكارية.
تشكيل حكومة وطنية يتولاها أي شخصية وطنية مثل عمر سليمان، برئاسة أحمد شفيق أو بغيره، لتمثّل الشعب المصري وتقود المرحلة الانتقالية. ونحن نؤكد على الموقف الثابت للإخوان المسلمين، أننا كإخوان مسلمين لن نشارك لا في حكومة ولا في انتخابات رئاسية، لأن الهم الأكبر لنا كإخوان هو أن تكون مصر دولة ديمقراطية عصرية مدنية متقدمة، أبناؤها يعيشون بكرامة وعزة، وتحت نظام قضائي مستقل وعادل.
(عبد المنعم أبو الفتوح، قناة الجزيرة)
الغريب أن د. عبد المنعم أبو الفتوح، القيادي بجماعة الإخوان المسلمين وقتها، كان أول من سارع بترشيح نفسه للانتخابات الرئاسية.
في الثامنة والنصف مساءً، ألقى اللواء محسن الفنجري البيان الثالث للمجلس العسكري:
في هذه اللحظة التاريخية الفارقة من تاريخ مصر، وبصدور قرار السيد الرئيس محمد حسني مبارك بالتخلي عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد، ونحن نعلم جميعًا مدى جسامة هذا الأمر وخطورته أمام مطالب شعبنا العظيم في كل مكان لإحداث تغيرات جذرية، فإن المجلس الأعلى للقوات المسلحة يتدارس هذا الأمر مستعينًا بالله سبحانه وتعالى للوصول إلى تحقيق آمال شعبنا العظيم. وسيصدر المجلس الأعلى للقوات المسلحة لاحقًا بيانات تحدد الخطوات والإجراءات والتدابير التي ستتبع، مؤكدًا في نفس الوقت أنه ليس بديلًا عن الشرعية التي يرتضيها الشعب، ويتقدم المجلس الأعلى للقوات المسلحة بكل التحية والتقدير للسيد الرئيس محمد حسني مبارك على ما قدمه في مسيرة العمل الوطني حربًا وسلمًا، وعلى موقفه الوطني في تفضيل المصلحة العليا للوطن. وفي هذا الصدد، فإن المجلس الأعلى للقوات المسلحة يتوجه بكل التحية والإعزاز لأرواح الشهداء..
..الذين ضحوا بأرواحهم فداءً لحرية وأمن بلدهم ولكل شعبنا العظيم. والله الموفق والمستعان.
(محسن الفنجري، البيان الثالث للمجلس العسكري)
وكان هناك في تاريخ مصر الحديث ١٨ يومًا لا مثيل لهم. أشفق حقًا على كل من لم يذق طعمهم.
بيشوي القمص
---
## الأرملة وقاضي الظلم
URL: https://tabcm.net/51712/
Type: post
Modified: 2026-05-10
في آيات في الكتاب المقدس، نقف قدّامها كأنّها باب أو صندوق مقفول محتاج مفتاح.. فنقراها بسرعة ونعدّيها، وهي في الحقيقة محتاجة وقفة تانية، بس مش أي وقفة؛ وقفة بموقفٍ حياتيّ يبقى هو المفتاح اللي يفتح معناها قدّامنا:
ولكن مَتَى جاءَ ابنُ الإنسانِ، ألَعَلَّهُ يَجِدُ الإيمانَ علَى الأرضِ؟
(إنجيل لوقا 18: 8)
المسيح قالها كخاتمة مُرعبة لمَثل هو -في رأيي- من أصدق ما يفسّر وقتنا الحالي: مَثل الأرملة والقاضي الظالم، وسط كلامه عن الأيام الأخيرة وما يصاحبها من تأخير العدل وثِقَل الانتظار ((إنجيل لوقا 18: 1–8 )).
وصورة المَثل بتتكرّر حوالينا بشكل موجِع: أمّ بتصرخ ليل نهار، بتجري بين أبواب “السُّلطة” و”المسؤولين” و”المكاتب”، وبتخبط على كل باب تقدر عليه.. تروح للكنيسة، ولأبواب كبارها، وتبصّ حوالَيها فتلاقي احتفالات واستقبالات وابتسامات في العيد، كأنّ الوجع بعيد عنهم.. بينما بنتها مخطوفة من حضنها. وتطرق أبواب القسم، والنيابة، والمحكمة.. وفي الآخر تسمع حكمًا يوجع: «غير مُختصّين»؛ فتخرج وهي شايلة همّها، وقلبها بيزيد فيه الوجع، وبرُعب الأم اللي بتدور على بنتها الضايعة منها.
دي أمّ شبه الأرملة في المَثل.. مش لأنها فقدت زوجها بالضرورة، لكن لأنها واقفة قدّام منظومة أكبر منها، وخصم أقوى منها، وأبواب بتتقفل في وشّها.
المسيح كان دايمًا بيحكي أمثال طالعة من قلب الواقع: الزرع والحصاد، السوق والبيت، القاضي والديّان، الأب والابن. أمثال آه… لكنها بتلمس الحياة اليومية البسيطة، وتفتح في نفس الوقت بابًا على الحياة الداخلية الروحية بطريقة عملية جدًا؛ وعشان كده مَثل الأرملة مش “حكاية” بنسمعها ونمشي.. ده مراية لأيامنا: أيام يتأخر فيها العدل، ويتعب فيها القلب، ويجي السؤال اللي يوجع: هتفضّل مؤمن بيَّا، ومصدّق إنّك ابني، وإنّ حقّك وحياتك في حضني؟ هتفضل في محضري بتناديني -بالرغم من كلّ الوجع والمرارة والضيق والظلم الخارجي؟.. ولا هتسيب الإيمان يِنكمِش جواك.. لحدّ ما يِبرد ويموت؟
المعرفة بتزيد والإيمان بينقص
العالَم بينمو في المعرفة بطريقة مذهلة… ومش بتكلم عن الأكاذيب ولا عن “معلومات ناقصة ومُضلِّلة”، لكن عن معرفة حقيقية: علوم بتتقدّم، وأدوات بتسهّل الفهم، وتعليم أسرع، ووعي أوسع بالإنسان والطبيعة، وحتى بالدين وبالله وبالنفس وبالعلاقات. وده مش بعيد عن إشارات كتابية بتتكلم عن اتّساع المعرفة في الأزمنة الأخيرة: …تَكْثُرُ المَعرِفَةُ ((دانيال ١٢: ٤ )).
لكن وسط نموّ المعرفة ده، فيه حاجة تانية بتتحرّك عكسه جوا الإنسان: الإيمان الحَيّ… الإيمان اللي مش “شِعار” ولا “انطباع ديني”، لكن زي ما بولس سمّاه بوضوح: إيمانٌ عامِلٌ بالمحبّة ((غلاطية ٥: ٦ )). يعني إيمان يِبان في الثبات، وفي الرحمة، وفي الصبر، وفي محبّة ما بتِبردش مع الوقت، ولا بتِقفِل على نفسها وتتحوّل… مش مجرّد كلام حلو.
المؤلم إنك تلاقي ناس “بتتعلّم” فعلًا… بس من غير ما توصل لِـ الحقّ اللي يغيّر القلب. زي ما بولس وصف الحالة دي: دائمًا يَتَعَلَّمون، ولا يستطيعون أن يَبلُغوا إلى مَعرِفَةِ الحقّ ((٢ تيموثاوس ٣: ٧ )). معرفة كتير وعقل بينتفخ، لكن قلب ما بيتغيّرش… فالإيمان بدل ما ينمو وينضج، يِبتدي يِنكمِش ويضعف.
فوسط كلّ اللي بنفهمه وبنتعلّمه… ييجي وقت تُمتَحَن فيه المعلومة؛ وقت تكتشف إن المعرفة لوحدها ما بتسندش القلب في العَتَمة. ساعتها بتحتاج إيمانًا حَيًّا يِكمّل فينا ونِعبر بيه وقت الظُلمة. وعشان كده ربّنا يسوع المسيح أخَذَنا مباشرة إلى محضر الآب عمليًّا: الصلاة التي لا تَمَلّ… الإيمان اللي يِصرخ وهو موجوع، وهناك—بلمستِه—يحوِّل المرارة اللي جوّاه لِحلاوة، ويَهب سلامَه في القلب.
الإمهال وسؤال الإيمان
لوقا نفسُه ما سابناش نخمن الهدف من المثل، وكتب صراحة إنّ المسيح قاله: لكي يُعلّمهم أنّه ينبغي أن يُصلّوا كلَّ حين ولا يَملّوا ((لوقا ١٨: ١ )). يعني المشكلة اللي المسيح بيعالجها مش: “هل ربنا عادل؟”—دي محسومة—لكن المشكلة: هل إحنا هنكمّل؟ هل هنكمّل صلاةً وإيمانًا لما الإنصاف يتأخر؟ لما الإحباط يزيد؟ لما المنطق يقول: “مفيش فايدة”؟
المشهد اللي يسوع رسمه بسيط وقاسٍ:
قاضي “لا يخاف الله ولا يهاب إنسانًا”… يعني لا عنده ضمير قدّام ربنا، ولا عامل حساب لأيٍّ منَ الناس. وأرملة ضعيفة اجتماعيًا، بتطالب بحقّها. هي ما عندهاش نفوذ ولا ظَهر، وعشان كده إصرارها هو سلاحها الوحيد: بتروحله تاني وتالت وعاشر… لحدّ ما يستجيب. واللي يوجع إنّ القاضي ما استجابش لأنه “عادل”، لكن لأنه “زَهِق”!
وبعدين المسيح يعمل النقلة اللي بيسموها منطق “من الأقلّ إلى الأعظم” (قاعدة استدلال معروفة في التفسير): إذا كان قاضي ظالم في الآخر هيدي حقّ الأرملة… فكم بالحري الله، العادل الصالح، هينصف مختاريه اللي بيصرخوا ليه نهارًا وليلًا..
المسيح مش بيشبّه ربنا بالقاضي الظالم؛ بالعكس المقارنة بالتضاد: لو الظالم استجاب “بشرّ”، فالإله الصالح هيستجيب “بخير”.
طيب… لو ده كده، ليه المسيح قال بعدها: «أقولُ لكم: إنَّهُ يُنصِفُهُم سريعًا» ثم فجأة قلبها لسؤال يبدو غامضًا عن قدومه في آخر الأيام؟!
لأن “السُّرعة” هنا مش معناها “على توقيت ساعتنا”، لكن معناها إنّ لما ييجي وقتُ الله، الإنصاف يتمّ بحسمٍ كامل ومن غير مماطلة؛ زي ما اتكلم عن مجيئه إنّه بيجي بغتةً، “كلصّ” في وقت ما حدّش متوقّعه. أمّا الإحساس بالتأخير فالمَثل بيلمسه من زاوية “الإمهال/طول الأناة”، واللي بتظهر في العبارة اللي عليها نقاش في الأصل اليوناني: «وَيُطيلُ أَناتَهُ عَلَيهِم».
ربّنا بيمهِل—في اتجاهين كبار لمعنى «وَيُطيلُ أَناتَهُ عَلَيهِم» هنا: إمّا إن طول أناته تجاه أولاده، وهو بيسند إيمانهم وسط الانتظار ويقوّيهم لحدّ ما يعبر بيهم، أو إنّه يَصبِر على الظالمين اللي بيسحقوا حياة الناس، فيمهلهم فرصًا يرجعوا عن شرّهم، قبل ما ييجي يوم قضائه بشخصه.
ومن هنا نفهم ليه السؤال اللي في آخر المَثل:
«ولكن مَتَى جاءَ ابنُ الإنسانِ، ألَعَلَّهُ يَجِدُ الإيمانَ علَى الأرضِ؟»
السؤال مش: هل هيلاقي ناس بتتكلم عن الإيمان ونظرياته ومدارسه المختلفة؟
ولا: هل هيلاقي ناس عندها معلومات دينية أو غيرها؟
لكن: هل هيلاقي إيمانًا مُثابرًا في شخصه—إنّ يسوع هو الطريق والحقّ والحياة—لحياتنا اليومية؟ إيمان زي الأرملة: ما بيسكتش، ما بيستسلمش، وما بيحوّلهوش الإحباط واليأس لمرارة ولا لكراهية ولا لعَصَبيّة وثورة عمياء تخليه يسبّ ويلعن ويِخرّب… بل يخلّيه يكمّل ويِصرخ في محضر الله، وهو موجوع، لكنه ثابت فيه وفي محضره.
يعني المسيح كأنه بيقول:
أنا ضامن محبّةَ وعدلَ الآب… لكن بسألكم أنتم: هتفضلوا ثابتين فيَّ، وفي محضر أبي وأبيكم، لحدّ ما أجي وأصنع قضاءً وعدلًا كاملَين؟
---
## المجمع المقدس المرتد حضاريًا وعودة عقود الإملاك
URL: https://tabcm.net/55361/
Type: post
Modified: 2026-05-09
هذا المقال هو صافرة إنذار يجب تُطلق مدوية عن “توثيق الخطوبة”، واستيراد أدوات “التحكم الاجتماعي” من العصور الوسطى والغرب، في ظل انتهازية واختلال هويّة مجلس الوزراء والحكومة، واستكانة شعب لا يعرف التاريخ المصري في التصدي للاحتلال الثقافي.
توثيق الخطوبة مدنيًا ليس اختراعًا حديثًا، بل هو “ردة حضارية” لما يُسمى عقد الإملاك الذي كان سائدًا في القرون الوسطى في الغرب، ودخل إلى الكنائس الشرقية مثل الأرمن والروم الأرثوذكس، والكنيسة القبطية كان لها دور تاريخي في إلغائه في مصر في عهد البابا كيرلس الرابع الملقب بـ”أبو الإصلاح” (بالتنسيق مع الخديوي، وبالتزامن مع إلغاء الجزية وتجنيد المسيحيين في الجيش).
نصف إكليل
يُعد موضوع الإملاك، أو عقد الإملاك، أو الخطبة الكنسية، أو نصف الإكليل، موضوعًا تاريخيًا وقانونيًا كبيرًا في التراث المسيحي، ويحتاج إلى تحليل من زوايا مختلفة. التعريف التاريخي للإملاك هو أنه الفترة التي تسبق الزواج مباشرة، وفي العصور القديمة والوسطى كان يُعتبر بمثابة “نصف زواج” من الناحية القانونية والالتزام الروحي والأخلاقي. ونشأته هي تقنين للأعراف الاجتماعية التي تسمح بممارسات حميمية لكنها لا تصل إلى الإيلاج الكامل. وبشكل علمي صريح، نقول إن تقنين الخطبة هو تقنين للأخلاق الجنسية في مرحلة انتقالية، بحيث تسمح بالممارسات الجنسية الآمنة (Safe Sex).
إن كنت فزعًا مما تقرأ فلا تفعل، فلا حياء في العلم. تخيل أن مشروع القانون “المسلوق” تم تمريره وحدث فعلًا “توثيق للخطوبة”، ثم بعدها ضبطت ولدًا وبنتًا، يتبادلان قبلة فرنسية ساخنة، والولد يده “سارحة” داخل صدرها، (ولكي تنزعج أكثر وحواجبك تضرب في السقف، تخيل أن هذا حدث في جراچ مطرانية طنطا، أو داخل “خرابة” بجوار مولد السيد البدوي). جئت لتقبض على الولد بتهمة “فعل فاضح” و”خدش حياء أنثى” و”هتك عرضها” (باعتبار أن هناك شهودًا رأوا ما حدث)، فوجدت البنت تقول لك: اخرس يا سافل يا قليل الأدب، ده خطيبي رسمي ويملك حقًا قانونيًا في جسدي، وموثقين ده في الدولة، ومن حقه الشرعي يمد إيده في صدري ويلعب زي ما هو عايز. ثم أبرزت “توثيق خطوبة” موقعًا عليه، ليس من الأنبا بولا ولا الحكومة، بل هو موقعٌ عليه من الشعب في البرلمان (المجتمع كله)!
كيف نشأ الزواج العرفي؟
على عكس التقليد القبطي، يوجد في التقليد البيزنطي والأرمني طقسان منفصلان:
طقس “الخطبة” (Betrothal)
طقس “الإكليل” (Crowning).
عقد الإملاك كان يتضمن صلوات مباركة خاتم الزواج (الدبلتين)، ويُعتبر وعدًا ملزمًا أمام الله والمجتمع، ولا يجوز فسخه إلا لأسباب خطيرة جدًا تشبه أسباب الطلاق.
في العصور الوسطى: كانت الكنيسة الغربية (الكاثوليكية قبل مجمع ترينت) تعترف بـ”عقود الإملاك” كخطوة قانونية كاملة تترتب عليها آثار مدنية، مثل المهر وحقوق الإرث في بعض الثقافات، ومازالت آثار ذلك موجود في القانون الغربي، الذي يفصل الذمة المالية المشتركة مناصفة، لمجرد المساكنة، وليس بالضرورة لزواج مدني موثق.
مع مرور الوقت، وبسبب المشاكل القانونية التي نتجت عن طول الفترة بين “الإملاك” و”الزواج”، دمجت معظم الكنائس الطقسين معًا في خدمة واحدة (وهو ما نراه اليوم في صلاة الإكليل، حيث تبدأ بالخطبة ثم تنتهي بوضع الأكاليل).
“عقد الإملاك” أو ما يُعرف في القانون الكنسي الغربي بـ(Sponsalia de praesenti) كان حجر الزاوية في مشاكل الأحوال الشخصية في أوروبا خلال العصور الوسطى، وكان “صداعًا” قانونيًا للكنيسة والدولة على حد سواء.
ونكثف ما سبق بشكل كرونولوجي أبسط، لسهولة الفهم:
1. الجذر القانوني
الرضا يصنع الزواج:
في القانون الروماني القديم، كانت القاعدة هي: Nuptias non concubitus, sed consensus facit [الرضا، وليس المعاشرة، هو ما يصنع الزواج].
تبنت الكنيسة الكاثوليكية في العصور الوسطى هذا المبدأ، مما أدى لظهور نوعين من الوعود:
Sponsalia de futuro: وعد بالزواج مستقبلًا (خطوبة).
Sponsalia de praesenti: وعد بالحاضر (عقد إملاك)، وهو أن يقول الطرفان “أقبلك زوجًا لي الآن” أمام شهود، دون الحاجة لكاهن أو طقس كنسي.
2. المشكلات التاريخية الشهيرة
أكبر مشكلة واجهت المجتمع الأوروبي هي “الزيجات السرية” (Clandestine Marriages). كان الشاب والفتاة يعقدان “إملاكاً” سرًا، أو محدودًا لا يعلمه إلا دوائر من المقربين، ثم يذهب أحدهما ليتزوج شخصًا آخر “زواجًا علنيًا” في الكنيسة.
هنا كانت تحدث الكارثة القانونية: دينيًا العقد السري (الإملاك) هو شرعيًا صحيح، ويبطل الزواج العلني الكنسي!
حادثة إدوارد الرابع ملك إنجلترا (القرن 15)
بعد وفاته، طُعن في شرعية أبنائه (ومنهم الملك الصغير إدوارد الخامس) بحجة أن الملك كان قد ارتبط بعقد إملاك سري مع إليانور بوتلر قبل زواجه من الملكة إليزابيث وودفيل. هذا الادعاء استُخدم لعزل أبنائه وتتويج ريتشارد الثالث، مما يوضح كيف كان “الإملاك” أداة لزلزلة عروش.
ولكي لا تتصور الأمر أجنبيًا بعيدًا، تخيل الطعن في شرعية تولي البابا شنودة نفسه لكرسي البابوية (وكهنوته، بما فيه كهنوت أخيه بطرس جيد) بحجة أن الأستاذ “جيد” (والدهما) كان متزوجًا من أخرى قبل أن يتزوج والدة البابا؛ أي تخيل أن والدة البابا كانت زوجة ثانية.
نزاعات الميراث
سجلات المحاكم الكنسية في انجلترا وفرنسا (مثل سجلات محكمة يورك في القرن 14) مليئة بقضايا لنساء يرفعن دعاوى “إثبات إملاك” لإبطال زيجات لاحقة لرجال أثرياء طمعًا في الميراث أو النفقة.
ولكي لا تتصور الأمر فرنسيًا بعيدًا عن نسائنا، أي ثلة من النساء البلدي، أو قومي المرأة، يمكن أن تدفع بحزمة تشريعات تضع قوانين منحازة نسويًا فوق الـ35 نفقة التي يقررها القانون حاليًا. ليس بالضرورة أن يكون الأثرياء ملوكًا، فالـ Gold Diggers كثيرات.
3. كيف تم إلغاؤه؟ (مجمع ترينت)
بسبب هذه الفوضى القانونية والاجتماعية، اتخذت الكنيسة الكاثوليكية خطوة ثورية في مجمع ترينت (Council of Trent) وتحديدًا في مرسوم “Tametsi” عام 1563: أعلن المجمع أن أي زواج (أو إملاك) لا يتم أمام كاهن الرعية واثنين من الشهود على الأقل يُعتبر باطلًا (Invalid).
بهذا القرار، انتهى عصر “عقود الإملاك” المستقلة، وتحولت من عقد قانوني ملزم بحد ذاته إلى مجرد جزء تمهيدي داخل “سر الزواج” الكنسي.
المصادر الموثقة لمن يريد التفاصيل:
كتاب “The Medieval Marriage Market” للباحث David d’Avray: بيشرح بالتفصيل كيف تحول الزواج من عقد مدني لإملاك كنسي.
كتاب “Law, Sex, and Christian Society in Medieval Europe” للباحث James Brundage: وهو المرجع الأهم في تاريخ القانون الكنسي وتطور فكرة الإملاك والفسخ.
مرسوم Tametsi (Council of Trent): يمكنك مراجعة النص القانوني للمجمع لترى كيف صاغت الكنيسة لغة الإلغاء لإنهاء فوضى الزيجات السرية.
الخلاصة: "عقد الإملاك" كان بالفعل أداة قانونية لاتينية (غربية) بامتياز، استُخدمت لضمان الحقوق قبل استقرار الطقوس الكنسية، لكنها تحولت لثغرة قانونية كبرى أدت لفساد "الاستقرار الأسري" حتى تم حسمها تشريعيًا في القرن السادس عشر.
الأقباط الأرثوذكس في مصر
(دور البابا «أبو الإصلاح»)
البابا كيرلس الرابع (1854-1861)، الملقب بـ”أبي الإصلاح”، لعب دورًا محوريًا في مأسسة الأحوال الشخصية للأقباط لمواجهة الفوضى التي كانت تسببها العادات الموروثة، ومنها “عقد الإملاك” بصورته القديمة، الذي كان مستشريًا لدى الأرمن الأرثوذكس، الطائفة الثانية في المكانة لدى الخديوي (وكانت هناك مشاريع سياسية لدمجهم وتوحيدهم، انتهت باغتيال أبي الإصلاح بالسم، والمتهم التاريخي هنا هو صديقه بطريرك الأرمن، الذي قتل -على الأرجح- بطريرك الأقباط للحصول على منصبه). وفيما يلي نستعرض رؤوس أقلام وحوادث لم تشذب بعد:
لائحة 1855 وتنظيم الأحوال الشخصية
في عهد البابا كيرلس الرابع، تم وضع بذور أول تنظيم إداري وقانوني للأحوال الشخصية في مصر. سعى البابا لإلغاء فكرة “الزيجات العرفية” أو “الإملاك المنزلي”. وأصدر تعليمات مشددة بأن أي زواج يجب أن يمر عبر تنظيمات وقواعد “المجلس الملي” (الذي وضع بذوره الأولى) وأن يتم تسجيل الزواج ذاته في سجلات الكنيسة الرسمية، وهو ما قطع الطريق على “عقود الإملاك” التي كانت تسبب نزاعات قضائية معقدة.
حادثة “منع التعدد والتسري بالإماء”
من أشهر مواقف البابا كيرلس الرابع الإصلاحية هو تصديه لمشكلة “تعدد الزوجات” أو “الجمع بين زوجتين” التي كانت تتسلل أحيانًا عبر ثغرة “عقود الإملاك السرية” أو الوعود غير الموثقة، أو حتى معمولة بشكل علني لأن في عبيد وإماء وتسري عند الأثرياء.
الواقعة: واجه البابا ضغوطًا من بعض الأعيان الذين كانوا يبررون الجمع بين امرأتين بناءً على وعود أو “إملاكات” قديمة كانت موجودة قبل لائحة 1855.
الرد: أعلن البابا بطلان أي ارتباط جسداني (زاوج أو جنس أو تسري مشروع قانونًا) لا يتم داخل الكنيسة وبحضور الكاهن الموكل رسميًا، معتبرًا أن “السر الكنسي” هو العقد الوحيد الصحيح، وبذلك سحب الشرعية القانونية من “عقد الإملاك” ككيان مستقل عن الإكليل.
تأسيس المطبعة الأهلية ونشر القوانين
استخدم البابا كيرلس الرابع المطبعة التي استقدمها (ثاني مطبعة في مصر بعد مطبعة بولاق) لنشر كتب القوانين الكنسية واللوائح.
الهدف: كان يهدف لتوعية الشعب بأن الزواج “عقد ديني مدني موحد” وليس مجرد اتفاق مالي (إملاك) يتم بين العائلات.
النتيجة: أدى ذلك لترسيخ فكرة أن “الخطبة” مجرد وعد، وأن “الإكليل” هو الانعقاد الوحيد، ملغيًا بذلك المساحة الرمادية التي كان يشغلها “عقد الإملاك”.
يمكن مراجعة هذه المصادر التي توثق حركات الإصلاح القانوني في عهده:
كتاب “تاريخ الكنيسة القبطية” للمؤرخة إيريس حبيب المصري (المجلد الرابع): تتحدث فيه بالتفصيل عن إصلاحات البابا كيرلس الرابع في ضبط قوانين الزواج ومحاربته للعادات الاجتماعية الدخيلة التي كانت تضعف الرابطة الزوجية.
(وجدير بالذكر، أن أباها، حبيب المصري، أحد أهم مؤسسي لائحة ١٩٣٨. وأن ابنته العلمانية “إيريس المصري” تقدمت مع ٣٤ سيدة علمانية قبطية بطلب تقييد أسمائهن ضمن “كشوف الأراخنة” الذين من حقهم التصويت على الانتخابات الباباوية التالية، فرفض البابا شنودة الصوت الانتخابي للمرأة القبطية، وعاداها في شخص المؤرخة إيريس المصري، وأمر بمصادرة كل كتبها من المكتبات المسيحية)
كتاب “قصة القبط” للباحث منسى يوحنا: يشرح كيف نقل البابا كيرلس الرابع السلطة القضائية في الأحوال الشخصية من يد “الأسرة” أو “الجلسات العائلية” (التي كانت تعتمد عقود الإملاك) إلى سلطة “الفرد”. والكتاب -بقراءة أخرى- هو لبرلة (تحرير) قامت به الكنيسة لإعطاء الراغبين في الزواج سلطة تقرير مصيرهم ضد سلطة أسرهم في تزويجهم وفق قواعد الأب وإلا حرمهم من الميراث، أو عرقل التجهيز لأبنائه في زيجات لا يرغبها، أو حتى التدخل الحماواتي في شؤون أبنائهم بنصائح تخريبية.
سجلات البطريركية (الدار البطريركية بالأنبا رويس): تحتفظ بقرارات تاريخية من عهده تؤكد على منعه الكهنة من إجراء أي صلوات (خطوبة أو إملاك أو زواج) إلا بعد التأكد من راغبي الزواج بشكل شخصي وحر، أنه “تراضي حقيقي” وليس إنصياعًا وخضوعًا لقيم أبوية وعرفية وتسجيل ذلك رسميًا.
الخلاصة: قام البابا كيرلس الرابع في القرن التاسع عشر بما قام به مجمع ترينت في القرن السادس عشر؛ وهو "غلق الثغرات القانونية". لقد أدرك أن بقاء "عقد الإملاك" كحالة وسطى بين الخطبة والزواج يفتح بابًا للنزاعات التي لا تنتهي، فقرر أن يكون الزواج "كتلة واحدة" تبدأ بالصلاة وتنتهي بالتوثيق في سجلات الكنيسة التي أنشأها. ونحن -العلمانيين- لهذه الكنيسة لحافظون ومؤتمنون.
---
## الملكوت والجحيم في الكتاب المقدس
URL: https://tabcm.net/55070/
Type: post
Modified: 2026-05-08
نستعرض في هذا البحث طبيعة وماهية الملكوت والجحيم بحسب تعالم آباء الكنيسة، وذلك ردًا على الإدعاءات الواهية بأن الملكوت والجحيم مجرَّد مكان ماديّ جغرافيّ، بالتالي محاولة تجسيم الملكوت والجحيم وجعلهم أشياءً ماديةً لا تختلف في شيء عن باقي الأمور المادية والحسية في هذه الحياة، ولكن كيف يستقيم تجسيم الملكوت والجحيم مع العالم الروحانيّ غير الماديّ الذي يعيش فيه الله؟
الله طبيعته روحانية غير مادية ولا يوجد في مكان جغرافيّ مُحدَّد الأبعاد، كما أن الملائكة سواء ملائكة صالحة أو ملائكة أشرار، أي شياطين، طبيعتهم طبيعة روحية غير مادية، فالملائكة الصالحون هم أرواح نورانية تعيش مع الله في عالم روحانيّ غير ماديّ، وغير مكانيّ، وغير جغرافيّ، كذلك الشياطين طبيعتهم روحية غير مادية مظلمة تعيش بمعزل عن الله في ظلمة، فكيف تلك الطبائع الروحية غير المادية تعيش في أماكن مادية جغرافية محددة الأبعاد، كما يدَّعي البعض عن جهل وضيق أفق بالحياة الأبدية الروحية غير المادية؟!
كما أن المسيح أعلن أن البشر سيكونون في السماء كملائكة الله، وسوف يلبس الفاسد عدم الفساد، وسوف يلبس البشر أجسادًا روحانيةً ونورانيةً غير مادية، هي أجساد القيامة الممجَّدة، فكيف يسكنون في أماكن مادية وجغرافية مُحدَّدة الأبعاد سواء في الملكوت أو الجحيم؟! كما يُؤكِّد بولس الرسول أن ملكوت الله ليس أكل وشرب، بل برّ وفرح وسلام في الروح القدس، فهل البرّ والفرح والسلام هي أماكن مادية جغرافية مُحدَّدة الأبعاد؟! وهل بولس الرسول كان مُخطئًا في مفهومه عن طبيعة الملكوت والجحيم باعتبارهما حالة البر والفرح والسلام في الملكوت أو العكس الحزن والخوف والقلق في الجحيم؟!
سوف نحاول في هذا البحث الوقوف على حقيقة طبيعة الملكوت والجحيم حسب تعاليم آباء الكنيسة، وهل هي مجرَّد مكان ماديّ جغرافيّ مُحدَّد الأبعاد، أم حالة نفسية ذهنية غير مادية وغير مكانية وغير جغرافية تناسب وتلائم طبيعة العالم الروحانيّ غير الماديّ وغير المنظور وغير الحسيّ؟!
أود التنويه إلى أن النصوص الكتابية والآبائية المذكورة في هذا البحث الموجز هي بعض من كل، فهناك العديد والعديد من النصوص الكتابية والآبائية التي تُؤكِّد على عدم مادية وعدم مكانية الملكوت والجحيم.
الملكوت والجحيم في الكتاب المقدس
يتحدَّث السيد المسيح عن أن الأبرار سوف يضيئون في ملكوت الآب السماويّ كالشمس، ولا يمكن أن يكون هذا النور نورًا ماديًا مخلوقًا، مثل النور الطبيعيّ للشمس المادية، بل هو نور إلهيّ غير مخلوق، وهكذا يعكس الأبرار نور أبيهم السماويّ الإلهيّ كالتالي: حِينَئِذٍ يُضِيءُ الأَبْرَارُ كَالشَّمْسِ فِي مَلَكُوتِ أَبِيهِمْ ((إنجيل متى 13: 44 )).
يُؤكِّد السيد المسيح على حقيقة وجود الملكوت داخل كل إنسان، فملكوت الله ليس مكانًا أرضيًا حسيًا، بل هو سُّكنى الله نفسه داخل الإنسان بروحه القدوس كالتالي: وَلَمَّا سَأَلَهُ الْفَرِّيسِيُّونَ: ’مَتَى يَأْتِي مَلَكُوتُ اللهِ؟‘ أَجَابَهُمْ وَقَالَ: ’لاَ يَأْتِي مَلَكُوتُ اللهِ بِمُرَاقَبَةٍ، وَلاَ يَقُولُونَ: هُوَذَا ههُنَا، أَوْ: هُوَذَا هُنَاكَ! لأَنْ هَا مَلَكُوتُ اللهِ دَاخِلَكُمْ‘ ((إنجيل متى 17: 20-21 )).
ويدحض الربُّ يسوع فكرة أن الملكوت هو مكان حسيّ يتزوج فيه البشر، بل أكَّد على الطبيعة الروحية غير المادية وغير المكانية للملكوت الذين يكون فيه البشر كملائكة الله كالتالي: فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: ’تَضِلُّونَ إِذْ لاَ تَعْرِفُونَ الْكُتُبَ وَلاَ قُوَّةَ اللهِ. لأَنَّهُمْ فِي الْقِيَامَةِ لاَ يُزَوِّجُونَ وَلاَ يَتَزَوَّجُونَ، بَلْ يَكُونُونَ كَمَلاَئِكَةِ اللهِ فِي السَّمَاءِ‘ ((إنجيل متى 22: 29، 30 )).
ويُوضِّح السيد المسيح ماهية وطبيعة الحياة الأبدية الروحية غير الحسية وغير المادية وغير المكانية، فيصف الربُّ يسوع الحياة الأبدية بحالة المعرفة للإله الحقيقيّ وحده ومعرفة الرب يسوع المسيح، فالمعرفة هنا معرفة روحية عقلية ذهنية غير مادية وغير مكانية، بل معرفة تفوق الحواس الطبيعية، ولا تخضع لقوانين الزمان والمكان كالتالي: وَهذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ ((إنجيل يوحنا 17: 3 )).
ويدحض بولس الرسول أيضًا فكرة مادية أو مكانية الملكوت، بل يرفض أن يكون ملكوت الله أكل وشرب، بل هو حالة البرّ والسلام والفرح في الروح القدس قائلاً: لأَنْ لَيْسَ مَلَكُوتُ اللهِ أَكْلاً وَشُرْبًا، بَلْ هُوَ بِرٌّ وَسَلاَمٌ وَفَرَحٌ فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ ((رسالة بولس إلى رومية 14: 17 )).
ويُشِير بولس الرسول أيضًا إلى حالة التغيُّر والتبدُّل التي يخضع لها البشر بعد الرقاد وعند القيامة الأموات، حيث نتغيَّر من حالة الفساد لنقوم في عدم فساد، وهكذا ننال الحالة الأفضل عند القيامة العامة كالتالي: هُوَذَا سِرٌّ أَقُولُهُ لَكُمْ: لاَ نَرْقُدُ كُلُّنَا، وَلكِنَّنَا كُلَّنَا نَتَغَيَّرُ، فِي لَحْظَةٍ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ، عِنْدَ الْبُوقِ الأَخِيرِ. فَإِنَّهُ سَيُبَوَّقُ، فَيُقَامُ الأَمْوَاتُ عَدِيمِي فَسَادٍ، وَنَحْنُ نَتَغَيَّرُ ((رسالة بولس اﻷولى إلى كورنثوس 15: 51، 52 )).
ويُشدِّد بولس الرسول على أن جسدنا الفاسد والمائت سوف يلبس عدم الفساد وعدم الموت، وهي حالة عدم الخضوع لقوانين الزمان والمكان، بل هي حالة فائقة للطبيعة المادية المنظورة كالتالي: لأَنَّ هذَا الْفَاسِدَ لاَبُدَّ أَنْ يَلْبَسَ عَدَمَ فَسَادٍ، وَهذَا الْمَائِتَ يَلْبَسُ عَدَمَ مَوْتٍ. وَمَتَى لَبِسَ هذَا الْفَاسِدُ عَدَمَ فَسَادٍ، وَلَبِسَ هذَا الْمَائِتُ عَدَمَ مَوْتٍ، فَحِينَئِذٍ تَصِيرُ الْكَلِمَةُ الْمَكْتُوبَةُ: ابْتُلِعَ الْمَوْتُ إِلَى غَلَبَةٍ. أَيْنَ شَوْكَتُكَ يَا مَوْتُ؟ أَيْنَ غَلَبَتُكِ يَا هَاوِيَةُ؟“ ((رسالة بولس اﻷولى إلى كورنثوس 15: 53-55 )).
ويشرح بولس الرسول ماهية المعاينة الإلهية الطوباوية، حين ننظر مجد الرب بوجهٍ مكشوفٍ، وهنا لا يصف رؤيا مادية أو مكانية خاضعة لقوانين الزمان والمكان، بل رؤيا روحية غير مادية وغير حسية ولا تخضع لقوانين الزمان والمكان، ويؤكد بولس الرسول على حالة التغيُّر والتبدُّل التي تصير لنا من الحالة المادية الحسية الخاضعة لقوانين الزمان والمكان إلى الحالة الروحية الطوباوية المجيدة المجرَّدة من خبرة الحواس، وغير الخاضعة لقوانين الزمان والمكان كالتالي: وَأَمَّا الرَّبُّ فَهُوَ الرُّوحُ، وَحَيْثُ رُوحُ الرَّبِّ هُنَاكَ حُرِّيَّةٌ. وَنَحْنُ جَمِيعًا نَاظِرِينَ مَجْدَ الرَّبِّ بِوَجْهٍ مَكْشُوفٍ، كَمَا في مِرْآةٍ، نَتَغَيَّرُ إِلَى تِلْكَ الصُّورَةِ عَيْنِهَا، مِنْ مَجْدٍ إِلَى مَجْدٍ، كَمَا مِنَ الرَّبِّ الرُّوحِ ((رسالة بولس الثانية إلى كورنثوس 3: 17، 18 )).
يصف أيضًا بولس الرسول الخبرة الروحية التي عايشها بالانخطاف إلى السماء، ويؤكد على غموض هذه الخبرة الروحية فهي غير خاضعة لقوانين الجسد، لدرجة أنه لا يعلم هل هي في الجسد أم خارجه، وغير خاضة للحواس، فقد سمع كلمات لا يُنطَق بها، والسمع هنا غير السمع الطبيعيّ الماديّ الخاص بطبيعتنا، بل هنا خبرة روحية صرف لا تمت بصلة لمعرفة الحواس المادية الخاضعة للزمان والمكان، بل هي خبرة روحية غير مادية وغير حسية بحواس روحية أخرى تفوق الطبيعة وتلائم طبيعة السماء والعالم الروحانيّ كالتالي: أَعْرِفُ إِنْسَانًا فِي الْمَسِيحِ قَبْلَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً. أَفِي الْجَسَدِ؟ لَسْتُ أَعْلَمُ، أَمْ خَارِجَ الْجَسَدِ؟ لَسْتُ أَعْلَمُ. اللهُ يَعْلَمُ. اخْتُطِفَ هذَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ. وَأَعْرِفُ هذَا الإِنْسَانَ: أَفِي الْجَسَدِ أَمْ خَارِجَ الْجَسَدِ؟ لَسْتُ أَعْلَمُ. اللهُ يَعْلَمُ. أَنَّهُ اخْتُطِفَ إِلَى الْفِرْدَوْسِ، وَسَمِعَ كَلِمَاتٍ لاَ يُنْطَقُ بِهَا، وَلاَ يَسُوغُ لإِنْسَانٍ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهَا ((رسالة بولس الثانية إلى كورنثوس 12: 2-4 )).
ويُؤكِّد بولس الرسول على أن الذي أعدَّه الله لمختاريه لا يخضع لخبرة الحواس، ولا يخضع لقوانين الزمان والمكان، فهو غير مرئيّ وغير مسموع، ولم يخطر على عقل بشريّ خاضع للتجربة الحسية والمكانية قائلًا: مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ“ ((رسالة بولس اﻷولى إلى كورنثوس 2: 9 )).
ويرى يوحنا الرسول أن الحالة التي سنكون عليها هي سر، ولكننا نعلم أننا سنكون مثله متى أُظهِرَ، وأننا سنراه كما هو في مجده الإلهيّ وبهائه وهذا سر روحيّ غير خاضع لقوانين الزمان والمكان، بل يفوق الطبيعة والزمان والمكان كالتالي: أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، الآنَ نَحْنُ أَوْلاَدُ اللهِ، وَلَمْ يُظْهَرْ بَعْدُ مَاذَا سَنَكُونُ. وَلكِنْ نَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا أُظْهِرَ نَكُونُ مِثْلَهُ، لأَنَّنَا سَنَرَاهُ كَمَا هُوَ ((رسالة يوحنا اﻷولى 3: 2 )).
هناك العديد والعديد من النصوص الكتابية التي تؤكد على أن الملكوت والجحيم ليست أماكن جغرافية مادية خاضعة لقوانين الزمان والمكان، بل هما خارج قوانين الزمان والمكان، لأنهما لو كانا خاضعان لقوانين الزمان والمكان، لكان من السهل على الحواس المادية إدراكهم، وتحديد موقعهم الجغرافيّ مكانيًا وزمانيًا، وهذا يتعارض مع طبيعة العالم الروحانيّ غير الماديّ وغير الحسيّ وطبيعة الملكوت والجحيم الروحية البحتة.
---
## الملكوت والجحيم عند الآباء
URL: https://tabcm.net/55074/
Type: post
Modified: 2026-05-08
نكمل حديثنا عن طبيعة وماهية الملكوت والجحيم بحسب تعاليم آباء الكنيسة، وهل فعلا كما يتصور البعض أنهم مجرَّد مكان ماديّ جغرافيّ؟ أم هم عالم روحانيّ غير ماديّ؟ ونتعرف على بعض آباء نهاية القرن اﻷول والقرن الثاني، وهم الأساقفة الذين رسمهم رسل خلفًا لهم على الكنائس التي بشَّروها بالمسيحية، ومجموعة من اﻵباء الذين دافعوا عن اﻹيمان بنفس الفترة.,
كليمندس الروماني
يصف ق. كليمندس الرومانيّ حالة الملكوت بأنها حياة وفرح مع الآباء في أبدية بلا حزن قائلًا: ((كليمندس الروماني، الآباء الرسوليون، ترجمة: مجموعة من المترجمين، القاهرة: باناريون للتراث الآبائي، 2019، الرسالة الثانية إلى أهل كورنثوس، 19: 4، ص 163. ))
فلا يحزن الشخص البار عندما يتألم في الزمان الحاضر، لأن ذلك الزمن المبارك ينتظره في الأعالي، ليحيا ويفرح مع الآباء في أبدية بلا حزن.
(كليمندس الروماني، الآباء الرسوليون)
أغناطيوس الأنطاكي
يرى ق. أغناطيوس الأنطاكيّ أن الحياة الحقيقية هي في وجودنا في المسيح يسوع قائلًا: ((أغناطيوس الأنطاكي، الآباء الرسوليون، ترجمة مجموعة من المترجمين، القاهرة: باناريون للتراث الآبائي، 2019، الرسالة إلى كنيسة أفسس 11: 1، ص 325. ))
الحياة الحقيقية هي في وجودنا في المسيح يسوع.
(أغناطيوس الأنطاكي، الآباء الرسوليون)
ويُخاطِب ق. أغناطيوس الأنطاكيّ ق. بوليكاربوس، أسقف سميرنا، ويحثه على الوصول إلى الله عن طريق اليقظة كجندي لله، ومن ثمَّ، نوال المكافأة التي هي عدم الفساد والحياة الأبدية كالتالي: ((أغناطيوس الأنطاكي، الآباء الرسوليون، ترجمة مجموعة من المترجمين، القاهرة: باناريون للتراث الآبائي، 2019، الرسالة إلى بوليكاربوس 2: 3، ص 370. ))
حتى تصل إلى الله، كن متيقظًا كجندي الله، فإن المكافأة هي عدم الفساد، والحياة الأبدية التي تُؤمِن بها.
(أغناطيوس الأنطاكي، الآباء الرسوليون)
بوليكاربوس أسقف سميرنا
يُشِير ق. بوليكاربوس، أسقف سميرنا [أزمير بتركيا حاليًا] إلى إزالة أوجاع الجحيم بسبب تحمُّل المسيح الموت من أجل خطايانا وقيامته بواسطة الله كالتالي: ((بوليكاربوس أسقف سميرنا، الآباء الرسوليون، ترجمة مجموعة من المترجمين، القاهرة: باناريون للتراث الآبائي، 2019، الرسالة إلى كنيسة فيلبي 1: 2، ص 382. ))
وكما أن الأساس الراسخ لإيمانكم، والمشهود به لكم منذ الأزمنة القديمة، لا يزال ثابتًا حتى الآن، ويُثمِر لربِّنا يسوع المسيح، الذي تحمَّل من أجل خطايانا، وتألم حتى الموت، والذي أقامه الله بعد أن أزال أوجاع الجحيم ((سفر أعمال الرسل 2: 24 )).
(بوليكاربوس أسقف سميرنا، الآباء الرسوليون)
الرسالة إلى ديوجنيتوس
يُؤكِّد كاتب الرسالة إلى ديوجنيتوس على خلود النفس، ويُقارِن بين وجود النفس الخالدة في مسكنٍ أو جسدٍ فانٍ، وبين حالة المسيحيين الذين يعيشون كغرباءٍ بين الأشياء الفانية، ولكنهم يتطلعون إلى المسكن غير الفانيّ في السموات قائلًا: ((الآباء الرسوليون، ترجمة: القس لوقا يوسف وآخرون، القاهرة: باناريون للتراث الآبائي، 2019، الرسالة إلى ديوجنيتوس 6: 8، ص 433. ))
وكما أن الروح الخالدة تسكن في مسكنٍ فانٍ، هكذا المسيحيون أيضًا، فإنهم يعيشون كغرباءٍ بين الأشياء الفانية، ولكنهم يتطلعون إلى المسكن غير الفانيّ في السموات.
(الرسالة إلى ديوجنيتوس، الآباء الرسوليون )
أناشيد سليمان
تتحدَّث أناشيد سليمان، أحد الكتابات في العصر الرسوليّ، عن ذوبان الجحيم أمام وجه الربِّ عندما نزل إليه، وتبدَّدت ظلمته وتلاشت بنظرةٍ منه، وهكذا أخرج المسيح النفوس من الجحيم ومنحها الحياة غير الفانية كالتالي: ((الآباء الرسوليون، أناشيد سليمان، ترجمة: أحد رهبان دير أبو مقار، القاهرة: باناريون للتراث الآبائي، 2019، نشيد 31، ص 493، 494. ))
الهاوية [الجحيم] من أمام وجه الربِّ قد ذابت، وبنظرةٍ منه، تبدَّدت الظلمة وتلاشت. […] هيا اخرجوا أنتم يا مَن كُنتم مظلومين لتنالوا الفرح الدائم وتصيروا مسرورين؛ وبالنعمة تصيروا لنفوسكم وارثين، وللحياة غير الفانية، تصبحوا نائلين.
(أناشيد سليمان، الآباء الرسوليون )
وتصف الأناشيد حالة الملكوت أنها الالتحاف بالمسيح في العالم الجديد، حيث التمتُّع بعدم الفساد والخلود في زمن التجديد قائلةً: ((الآباء الرسوليون، أناشيد سليمان، ترجمة: أحد رهبان دير أبو مقار، القاهرة: باناريون للتراث الآبائي، 2019، نشيد 33، ص 497، 494. ))
أنا هو الديَّان الذي سوف يدينكم بكل تأكيد. أمَّا الذين التحفوا بي، فلن يخيبوا في العالم الجديد، بل سينعمون بعدم الفساد، والخلود في زمان التجديد.
(أناشيد سليمان، الآباء الرسوليون )
وتُشِير الأناشيد إلى ضمان الخلاص، وميراث الحياة الأبدية، والعتق من الفساد في المسيح قائلةً: ((الآباء الرسوليون، أناشيد سليمان، ترجمة: أحد رهبان دير أبو مقار، القاهرة: باناريون للتراث الآبائي، 2019، نشيد 40، ص 505. ))
فقد صار الخلاص فيه [في المسيح] مكفولًا، وميراث الحياة الأبدية مضمونًا، والذي قَبِلَه، صار من الفساد معتوقًا. هللويا!.
(أناشيد سليمان، الآباء الرسوليون )
أثيناغوراس الأثيني
يُؤكِّد العلامة أثيناغوراس الأثينيّ على أننا عندما نُنقَل من الحياة الحاضرة، فإننا سوف نحيا حياةً أخرى في السماء أفضل من الحياة الحاضرة، ولكنها ليست حياة أرضية أخرى، بل سوف نسكن مع الله كأرواح سماوية، وليس كمخلوقات جسدية حتى لو امتلكنا أجسادًا. وهكذا يُؤكِّد العلامة أثيناغوراس على الحالة غير المادية وغير المكانية للبشر في ملكوت السموات كالتالي: ((أثيناغوراس، أثيناغوراس الفيلسوف الأثيني، ترجمة: مارك ألفونس كامل، القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2017، المرافعة: 31، ص 115. ))
فإننا مقتنعون بأننا حين نُنقَل من الحياة الحاضرة فسوف نحيا حياةً أخرى في السماء أفضل من تلك [الحياة]، وليست [حياة] أخرى أرضية، حيث إننا سوف نسكن مع الله كأرواح سماوية، وليس كمخلوقات جسدية حتى لو امتلكنا أجسادًا، وبواسطة معونته لنكون بلا تغيُّر ومُتحرِّرين في أرواحنا من المعاناة.
(أثيناغوراس، أثيناغوراس الفيلسوف الأثيني)
ثيؤفيلوس الأنطاكي
يتحدَّث ق. ثيؤفيلوس الأنطاكيّ أنه عندما يدعو الله بالملكوت، فإنه يتحدَّث عن مجده قائلًا: ((ثيؤفيلوس الأنطاكي، الرد على أتوليكوس، ترجمة: عادل ذكري، القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2019، 1: 3، ص 39. ))
وإذَا دعوته الملكوت، فأنا أتحدَّث عن مجده.
(ثيؤفيلوس الأنطاكي، الرد على أتوليكوس)
ويُوضِّح ق. ثيؤفيلوس حالة القيامة والملكوت بأنها عندما يخلع الإنسان ما هو فانٍ ويلبس عدم الفساد، حينئذٍ سيرى الله بحقٍ قائلًا: ((ثيؤفيلوس الأنطاكي، الرد على أتوليكوس، ترجمة: عادل ذكري، القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2019، 1 1: 7، ص 43. ))
عندما تخلع ما هو فانٍ وتلبس عدم الفساد ((رسالة بولس اﻷولى إلى كورنثوس 1: 53 )). حينئذٍ سترى الله بحقٍ؛ لأن الله يجعل جسدك غير فانٍ مع نفسك. وبعد أن تصبح غير فانٍ سترى وقتها غير الفاني، إذَا آمنت به الآن.
(ثيؤفيلوس الأنطاكي، الرد على أتوليكوس)
إيرينيؤس أسقف ليون
ويرى ق. إيرينيؤس أبو التقليد الكنسيّ وأسقف ليون بفرنسا في سياق تصويره لمشهد الدينونة الإلهية أن كلمة الله يأتي مُجهِّزًا مسكنًا مُلائِمًا لكُلٌّ من الطرفين، الذين يعيشون في النور، يُعطِيهم أن يتمتعوا بالنور والأمور الصالحة التي يحويها، أمَّا أولئك الذين يعيشون في الظلمة، فيشتركون في كوارثها، وهذه هي حالة الملكوت والجحيم، فالمسيح الله الكلمة هو نفسه الملكوت والجحيم لكلا الطرفين كالتالي: ((إيرينيؤس، ضد الهرطقات ج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2019، 5: 27: 2، 5: 28: 1، ص 340، 341. ))
وهذه هي الدينونة أن النور قد جاء إلى العالم وأحب الناس الظلمة أكثر من النور. لأن كل مَن يعمل السيئات يُبغِض النور ولا يأتي إلى النور لئلا تُوبَّخ أعماله. وأمَّا مَن يفعل الحق، فيأتي إلى النور لكي تظهر أعماله أنها بالله معمولةٌ‘ ()إنجيل يوحنا 3: 19-21 )). إذًا، طالما أنه في هذا العالم يُقبِل بعض الأشخاص بأنفسهم إلى النور، وبالإيمان يُوحِّدون أنفسهم بالله، بينما آخرون يتحاشون النور، ويفصلون أنفسهم عن الله، فإن كلمة الله يأتي مُجهِّزًا مسكنًا مُلائمًا لكُلٌّ من الطرفين. فالذين في النور، يُعطِيهم أن يتمتعوا بالنور وبالأشياء الصالحة التي يحتوي عليها، أمَّا أولئك الذين في الظلمة، فهم يشتركون في كوارثها. ولهذا السبب، يقول إن الذين عن يمينه هم مدعوون إلى ملكوت السموات، أمَّا الذين على اليسار فسيُرسِلهم إلى النار الأبدية، لأنهم حرموا أنفسهم من كُل صلاح.
(إيرينيؤس، ضد الهرطقات ج2)
يُشِير ق. إيرينيؤس إلى حالة الذين يستمرون في محبتهم لله، هؤلاء يمنحهم الله شركةً معه في الملكوت، لأن الشركة مع الله هي حياة ونور وتمتُّع بكل البركات المذخرة لهم، ولكن كُل الذين يبتعدون عن الله بناءً على اختيارهم الذاتيّ، هؤلاء يُعاقِبهم بالانفصال عن ذاته، لأنهم اختاروا لأنفسهم هذه العقوبة، وهذ هي حالة الجحيم بالنسبة لهم. فالانفصال عن الله هو موتٌ، والانفصال عن النور هو ظلمةٌ، والانفصال عن الله يشمل فقدان كُل البركات التي ذخرها كالتالي: ((إيرينيؤس، ضد الهرطقات ج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2019، 5: 27: 2، ص 340. ))
وكُل الذين يستمرون في محبتهم لله، هؤلاء يمنحهم شركةً معه، ولكن الشركة مع الله هي حياةٌ ونورٌ وتمتُّع بكُل البركات التي ذخرها لهم. ولكن كُل الذين يبتعدون عن الله بناءً على اختيارهم الذاتيّ، هؤلاء يُعاقِبهم بالانفصال عن ذاته، الذي اختاروا من تلقاء أنفسهم. ولكن الانفصال عن الله هو موتٌ، والانفصال عن النور هو ظلمةٌ، والانفصال عن الله يشمل فقدان كُل البركات التي ذخرها.
(إيرينيؤس، ضد الهرطقات ج2)
يوستينوس الشهيد
يُشدِّد ق. يوستينوس على أننا نحن المسيحيون لا ننتظر ملكوتًا ماديًا جغرافيًا أرضيًا قائلًا: ((يوستينوس، الدفاعان والحوار مع تريفون اليهودي ونصوص أخرى، ترجمة: أ. آمال فؤاد، القاهرة: باناريون للتراث الآبائي، 2012، الدفاع 1: 11، ص 37. ))
فلو كُنا ننتظر ملكوتًا أرضيًا لكُنَّا أنكرنا أننا مسيحيون حتى لا يتمّ الحكم علينا بالموت، أو كُنَّا قد حاولنا الاختباء منكم حتى نُحقِّق ما نُرِيده. ولكن لأننا لا نضع رجاءنا في هذه الحياة الحاضرة. فنحن لا نُمانِع أن نُقتَل بما أن الموت أمرٌ آتٍ في كل الأحوال.
(يوستينوس، الدفاعان والحوار مع تريفون اليهودي ونصوص أخرى)
لذا يرى ق. يوستينوس أن الملكوت هو الحياة الأبدية في حضرة الله، فحضرة الله ليست مكان جغرافيّ مُحدَّد الأبعاد، بل عالم روحانيّ غير ماديّ وغير مكانيّ قائلًا: ((يوستينوس، الدفاعان والحوار مع تريفون اليهودي ونصوص أخرى، ترجمة: أ. آمال فؤاد، القاهرة: باناريون للتراث الآبائي، 2012، الدفاع 1: 10، ص 36. ))
وتعلَّمنا أيضًا أن الله في صلاحه خلق في البدء كُل شيء من مادة غير مُهيأة لأجل الإنسان. وإذَا أثبت المرء بأعماله أنه جدير بخطة الله فسيكون مُستحِقًا لأن يسكن معه ويملك معه ويتحرَّر من كُل فساد وألم. وكما أنه في البدء خلقنا إذ لم نكن؛ هكذا أيضًا نحن نُؤمن أن مَن يختار أن يُرضِي الله فبسبب هذا الاختيار سيكون مُستحِقًا للحياة الأبدية في حضرة الله.
(يوستينوس، الدفاعان والحوار مع تريفون اليهودي ونصوص أخرى)
يُؤكِّد ق. يوستينوس على أن الجحيم هو حالة الوعي والإدراك للعذاب التي تنتظرها الأرواح الحية الخاطئة قائلًا: ((يوستينوس، الدفاعان والحوار مع تريفون اليهودي ونصوص أخرى، ترجمة: أ. آمال فؤاد، القاهرة: باناريون للتراث الآبائي، 2012، الدفاع 1: 18، ص 46. ))
ارجعوا إلى نهاية كُلٌّ من الأباطرة السابقين، وتأملوا كيف ماتوا كسائر البشر، الأمر الذي إذَا كان يؤدي إلى الراحة يكون وكأنه هديةٌ لجميع الخطأة. ولكن بما أنه هناك حالة من الوعي والإدراك تنتظر كُل هؤلاء الذين كانوا أحياءً، وحيث إن العقاب الأبديّ ينتظر الأشرار، فتأكَّدوا أن ما أقوله لكم هو الحق. […] حتى بعد الموت تظلُّ الأرواح في حالة وعي وإدراك.
(يوستينوس، الدفاعان والحوار مع تريفون اليهودي ونصوص أخرى)
ويُشِير ق. يوستينوس إلى نفس المعنى السابق مُفرِّقًا بين حالة أرواح الأشرار من العقاب، وبين حالة السعادة التي يحياها الأبرار قائلًا: ((يوستينوس، الدفاعان والحوار مع تريفون اليهودي ونصوص أخرى، ترجمة: أ. آمال فؤاد، القاهرة: باناريون للتراث الآبائي، 2012، الدفاع 1: 20، ص 49. ))
كذلك عندما نُؤكِّد أن أرواح الأشرار ستكون موجودةً بعد الموت تلقى عقوبة بعد الموت بوعي وإدراكٍ، في حين تنجو أرواح الأبرار من العقاب وتحيا في سعادة.
(يوستينوس، الدفاعان والحوار مع تريفون اليهودي ونصوص أخرى)
كليمندس السكندري
يُؤكِّد العلامة كليمندس الإسكندريّ على أن الله لا يُعاقِب، لأن العقاب هو قصاص الشرّ، ولكنه يُؤدِّب من أجل خير أولئك الذين يُؤدِّبهم جماعيًا وفرديًا كالتالي: ((كليمندس السكندري، المتفرقات (نسخة إليكترونية)، ترجمة: الأب د. بولا ساويروس، القاهرة: موقع الكنوز القبطية، 7: 16: 31، ص 1367. ))
لأن هناك تقويمٌ جزئيّ، يُسمَّى التأديب، والذي يتكبده الكثيرون منَّا عندما نبتعد بالمعصية عن شعب الربِّ. ولكن كأطفال يُؤدَّبون من مُعلِّميهم، أو والدهم، هكذا نحن أيضًا من قِبَل العناية الإلهية. ولكن الله لا يُعاقِب، لأن العقاب هو قصاص الشرّ. ومع ذلك، هو يُؤدِّب، من أجل خير أولئك الذين يُؤدِّبهم، جماعيًا وفرديًا.
(كليمندس السكندري، المتفرقات)
ويُوضِّح العلامة كليمندس أن الله وكلمته وُصِفَ مجازيًا في الكتاب المقدَّس بأنهما نورٌ ونارٌ، فالله هو نورٌ للأبرر ونارٌ للأشرار قائلًا: ((كليمندس السكندري، المتفرقات (نسخة إليكترونية)، ترجمة: الأب د. بولا ساويروس، القاهرة: موقع الكنوز القبطية، 5: 14: 26، ص 943. ))
وأن الله وكلمته قد وُصِفَ مجازيًا بواسطة الكتاب المقدَّس بالنار والنور.
(كليمندس السكندري، المتفرقات)
ويستطرد العلامة كليمندس في نفس السياق، مُؤكِّدًا على أن الله لديه القوة نفسها في الدينونة والعقوبة وفي نفس الوقت الرحمة والأمانة كالتالي: ((كليمندس السكندري، كتاب المربي ج1، القاهرة: دار فيلوباترون، 1994، 1: 9، ص 79. ))
إذ قيل: لأنه رؤوفٌ يغفر الإثم ولا يُهلِك وكثيرًا ما ردَّ غضبه ولم يُشعِل كل سخطه ((مزمور 78: 38 )). وأنظر كيف يكون عدل المعلِّم، عندما يستخدم العقاب، وكيف يتَّضح ويظهر صلاح الله عندما يتراءف ويرحم. وحيث يعلم داود -أي الروح من خلاله- بالجانبين كليهما ينشر عن الله ذاته العدل والحقّ قاعدة كرسيك. الرحمة والأمانة تتقدَّمان أمام وجهك ((مزمور 89: 14 )). وإذ يُعلِن أن القوة ذاتها لها أن تدين وتُعاقِب، وأن تكون رحمةً، لأن لها السيطرة على كلا الاثنين، وتُفرِز الدينونة ما هو حقٌّ مما هو نقيضه. والله الحقّ هو عادلٌ وصالحٌ، وهو الكل في الكل، لأنه هو الله، وهو وحده الله.
(كليمندس السكندري، كتاب المربي ج1)
---
## الملكوت والجحيم عند الآباء [ق٣]
URL: https://tabcm.net/55077/
Type: post
Modified: 2026-05-08
أوريجينوس السكندري
يرى العلامة أوريجينوس السكندريّ أن جوهر الحياة الأبدية يتألَّف من معرفة الله ويسوع المسيح قائلًا: ((أوريجينوس، تفسير الرسالة إلى رومية ج1، ترجمة: عادل ذكري، القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2020، 2: 5: 8، ص 134. ))
لكن الآن دعَّنا نر ماذا يُعطَى مَن يطلبون هذه الأشياء. يقول: ’الحياة الأبدية‘. ويُعلِّمنا المخلِّص عن هذه الحياة عندما يقول: وهذه هي الحياة الأبدية: أن يعرفوك أنت الإله الحقيقيّ وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته ((إنجيل يوحنا 17: 3)). بهذه الكلمات يُعرِّفنا أن جوهر الحياة الأبدية يتألف من معرفة الله ويسوع المسيح. لكن كيفية اقتنا ء معرفة الله هو ما تعلَّمناه في سفر المزامير حين يقول: كفوا واعلموا أني أنا الله ((مزمور 46: 10 )).
(أوريجينوس، تفسير الرسالة إلى رومية ج1)
ويُؤكِّد العلامة أوريجينوس على نفس المعنى مُشِيرًا إلى أن أيّ أحد لا يعرف أبا ربنا يسوع المسيح، الإله الحقيقيّ وحده، وابنه يسوع المسيح، فهو غريب عن الحياة الأبدية كالتالي: ((أوريجينوس، تفسير الرسالة إلى رومية ج1، ترجمة: عادل ذكري، القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2020، 2: 7: 4، 5، ص 141، 142. ))
هل تود أن تعرف أنه لا أحد يملك الحياة الأبدية سوى مَن يؤمن بالمسيح فقط؟ إذًا، لتسمع صوت المخلِّص نفسه يقولها بوضوحٍ في الأناجيل: وهذه هي الحياة الأبدية: أن يعرفوك أنت الإله الحقيقيّ وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته ((إنجيل يوحنا 17: 3)). لذلك فأيّ أحد لم يعرف أبا ربّنا يسوع المسيح، الإله الوحيد الحقيقيّ، وابنه يسوع المسيح، فهو غريب عن الحياة الأبدية . بلا شك، هذه المعرفة ذاتها وهذا الإيمان يُوصَفان في هذا النص بالحياة الأبدية. إذًا، المكانة الأولى تخص المسيحيين الذين ستُعطَى لهم الحياة الأبدية؛ لأنهم يطلبون المجد والكرامة وعدم الفساد بالجهاد في الأعمال الصالحة. وهذه بالتأكيد نفس الحياة الأبدية التي تقول: أنا هو الطريق والحق والحياة ((إنجيل يوحنا 14: 6 )). لكن في المسيح، الذي هو الحياة الأبدية، يوجد الملء الكامل للصالحات ((رسالة بولس اﻷولى إلى كورنثوس 1: 19 )).
(أوريجينوس، تفسير الرسالة إلى رومية ج1)
ويُشدِّد العلامة أوريجينوس على أن الحياة الأبدية هي الخير الأسمى، وأن هذه الحياة الأبدية هي أن يعرف الناس الإله الحقيقيّ وحده وابنه يسوع المسيح كالتالي: ((أوريجينوس، تفسير الرسالة إلى رومية ج1، ترجمة: عادل ذكري، القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2020، 3: 1: 15، ص 204. 142. ))
لكن تأمل الآن مَن يُدافِع عن حق الله، ومَن هو فيلسوف بحسب المسيح، الذي هو حق الله وحكمة الله ((رسالة بولس الأولى إلى كورنثوس 1: 24؛ إنجيل يوحنا 14: 6 ))، كيف يعلم الناس أن الخير الأسمى هو الحياة الأبدية. فضلًا عن ذلك، هذه هي الحياة الأبدية أن يعرف الناس الإله الحقيقيّ وحده وابنه يسوع المسيح ((إنجيل يوحنا 17: 3)).
(أوريجينوس، تفسير الرسالة إلى رومية ج1)
غريغوريوس العجائبي
يُشِير ق. غريغوريوس العجائبيّ إلى أن غايتنا النهائية نحن البشر تكمن في التشبُّه بالله بنقاء العقل، وأن ندنو منه ونخلد فيه قائلًا: ((غريغوريوس العجائبي، خطاب إلى المعلم أوريجينوس، ترجمة: مكاريوس جبور وناتاشا يازجي، لبنان: منشورات النور، 2000، 12: 149، ص 25. ))
أعتقد أن غايتنا النهائية تكمن في التشبُّه بالله بنقاء العقل، وأن ندنو منه، ونخلد [أو نسكن] فيه.
(غريغوريوس العجائبي، خطاب إلى المعلم أوريجينوس)
يرى ق. غريغوريوس العجائبيّ أيضًا أن فضيلة الألوهة بحسب القدماء هي نفسها فضيلة البشر، فإذَا اكتسبت الروح مهارة تأمل ذاتها كما في مرآة، ورؤية ذاتها كانعكاس للعقل الإلهيّ، وحافظت دومًا على كرامة هذه المشاركة، تُصبِح قادرةً على سلوك الدرب غير الموصوف، درب التألُّه قائلًا: ((غريغوريوس العجائبي، خطاب إلى المعلم أوريجينوس، ترجمة: مكاريوس جبور وناتاشا يازجي، لبنان: منشورات النور، 2000، 11: 142، ص 24. ))
أصاب القدماء في اعتبارهم، أن في تلك الوصية، تعبيرًا عن الدور الخاص للفطنة البشرية، لأن فضيلة الألوهة [بحسب رأيهم] هي نفسها فضيلة البشر. فإذَا ما اكتسبت الروح مهارة تأمُّل ذاتها كما في مرآة، ورؤية ذاتها كانعكاس للعقل الإلهيّ، وحافظت دومًا على كرامة هذه المشاركة، تُصبِح قادرةً على سلوك الدرب غير الموصوف، درب التألُّه.
(غريغوريوس العجائبي، خطاب إلى المعلم أوريجينوس)
فهل التألُّه والتشبُّه بالله يكون في مكان ماديّ جغرافيّ محدَّد الأبعاد كما يدَّعي البعض عن جهل وضيق أفق بالأمور الروحية والعالم الروحانيّ غير الماديّ؟!
ميثوديوس الأوليمبي
يُؤكِّد ق. ميثوديوس الأوليمبيّ على أننا سوف ننال الفهم الدقيق والكامل لما يتعلق بالثالوث القدوس، الذي فيه تنمو أمنا وتتهلَّل، وتبتهج حتى تعود إلى الحياة الجديدة، عندما تأتي إلى الجماعة في السماء، حيث تُشاهِد أهيه، الله الكائن، مُباشرةً وبوضوحٍ في المسيح دائمًا كالتالي: ((ميثوديوس الأوليمبي، وليمة العشر عذارى (الكتابات النسكية في القرون الثلاثة الأولى)، ترجمة: الراهب القمص تيموثاوس المحرقي، القاهرة، 2009، الحوار 8: 11، ص 180. ))
وألف ومئتان وستون يومًا، التي نقضيها هنا أيتها العذارى، هي الفهم الدقيقو الكامل فيما يختص بالآب والابن والروح القدس، الذي فيه تنمو أمنا وتتهلَّل، وتبتهج خلال هذا الوقت؛ حتى تعود إلى الحياة الجديدة، عندما تأتي إلى الجماعة في السماء، حيث لا تعود تُفكِّر في ’أهيه‘ ((سفر الخروج 3: 14 )) من خلال وسائل المعرفة الإنسانية، لكنها تُشاهِده مُباشرةً وبوضوحٍ في المسيح دائمًا.
(ميثوديوس الأوليمبي، وليمة العشر عذارى)
يُوضِّح ق. ميثوديوس مظاهر الحياة الملائكية السمائية في الملكوت، حيث يرى أنها تخلو من الأمور، التي تبدو عظيمة على الأرض، ولكنها ضئيلة جدًا هناك، مثل: الثروة، والمجد، والزواج، والإنجاب. فهؤلاء الذين يحلقون عاليًا نحو السماء، إلى جوٍ طاهرٍ، يحلقون إلى الحياة التي تُشبِه حياة الملائكة، ويُتوِّجهم الربّ بأكاليل زهور الخلود، وتستقبلهم الملائكة بالفرح كالتالي: ((ميثوديوس الأوليمبي، وليمة العشر عذارى (الكتابات النسكية في القرون الثلاثة الأولى)، ترجمة: الراهب القمص تيموثاوس المحرقي، القاهرة، 2009، الحوار 8: 2، ص 169. ))
لكن أولئك الذين بأجنحةٍ خفيفةٍ يرتفعون إلى الحياة السماوية، ويرون من بعيد ما يعجز الآخرون عن رؤيته -مروج الخلود- حاملين كثير من زهور الجمال الذي لا يُدرِكه العقل، يُحوِّلون أنفسهم مرةً أخرى إلى المناظر هناك. ولهذا السبب، فإن هذه الأشياء التي تُعتبَر عظيمةً هنا، تبدو لهم ضئيلةً جدًا، كالثروة، والمجد، والزواج، والإنجاب؛ فلا يعودوا يُفكِّرون في مثل هذه الأمور. […] والآن ليس صحيحًا، أن أجنحة البتولية بطبيعتها تنجذب نحو الأرض، بل تُحلِّق عاليًا إلى السماء، إلى جوٍ طاهرٍ، إلى الحياة التي تُشبِه حياة الملائكة. وأيضًا بعد دعوتهم ورحيلهم -أولئك الذين بحقٍ وإيمانٍ جاهدوا كبتوليين من أجل المسيح- يحملون جائزة الانتصار، ويُتوِّجهم الربّ بأكاليل زهور الخلود. لأنه بمُجرَّد رحيل أرواحهم عن هذا العالم، يُقَال إن الملائكة تستقبلهم بالفرح، وتُوصِّلهم إلى المروج السابق الحديث عنها، والتي كانوا يشتاقون إلى المجيء إليها، مُفكِّرين فيها من بعيد، عندما كانوا يسكنون أجسادهم بدت سماوية أمامهم.
(ميثوديوس الأوليمبي، وليمة العشر عذارى)
ديونيسيوس السكندري
يرى ق. ديونيسيوس السكندريّ، بطريرك الإسكندرية ومُعلِّم المسكونة، أن ترك الإنسان بلا عناية وبلا افتقاد من الله هو أعظم عقاب لذنوبه الجسيمة قائلًا: ((ديونيسيوس السكندري، ترجمة وتقديم: أمجد رفعت رشدي، القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2016، شذرة إلى أفروديسيوس، ص 233. ))
أن يُترَك [الإنسان] بلا عناية وبلا افتقاد من الله، وأن نصير يتامى ومتروكين، فهذا هو أعظم عقاب لذنوبنا الجسيمة التي تجعلنا غرباء في الحال.
(ديونيسيوس السكندري، ترجمة وتقديم: أمجد رفعت رشدي)
---
## السخرية كتعليم كتابي وآبائي
URL: https://tabcm.net/55363/
Type: post
Modified: 2026-05-07
هل السخرية تعليم كتابي آبائي؟ أعتقد أن العنوان كافٍ لأن يرفضه الجميع، لذلك سأستمر في كتابة هذا المقال.
للتوضيح وتجنب سوء الفهم، هناك فرق بين السخرية والتنمر. فالتنمر يكون على الإنسان وهو مرفوض تمامًا، أما السخرية من موقف أو حدث أو فكرة، فهذا إطار عرض فني، وموجود في كثير من المدارس الأدبية.
فإذا نظرنا إلى الأدب، سنجد فيه نوعًا معروفًا يسمى الأدب الساخر، وهو يستخدم السخرية كأداةً فنية، مثل: نقد المجتمع أو العادات الخاطئة، أو فضح التناقضات بطريقة ذكية، أو إيصال فكرة عميقة بشكل مبسط وغير مباشر.
أمثلة معروفة:
كتابات چورچ أورويل فيها سخرية سياسية.
أعمال برنارد شو مليانة سخرية ناقدة.
في الأدب العربي: أحمد رجب، وأحيانًا نجيب محفوظ أوقات كتير.
لكن في نفس الوقت، مش كل سخرية تُعتبر أدبًا. لو السخرية هدفها الإهانة أو التقليل من الآخرين، دي مش أدب. لو مفيهاش فكرة أو رسالة، تبقى مجرد استهزاء مش فن.
طبعاً ربما كمسيحيين نخشى، أو لم نعتد على هذا الأسلوب في تعاملنا مع الأمور، ولكن لكي لا يصيب المرء مكروه، وبما أننا أمام مواقف نقف فيها عاجزين عن تغيير الأحداث، فعلى الأقل نسخر منها.
أولًا: أكتب هذا الكلام بعد موجة الهجوم الشديدة بسبب أي شيء نحاول إبداء الرأي فيه بالأحداث الجارية في الكنيسة، وكان رد الفعل: يعني أنت هتفهم أكثر من الآباء؟؛ لقد استاء الكثيرون من الأسلوب، وتطوع الجميع لتعليمي التقوى في الكلام والكتابة، وأن هذا الأسلوب لا يليق بأولاد الله، ولو أردت أن يتقبل الناس كلامك فتحدث بأسلوب مهذب يا ولد – بصوت السادات.
ثانيًا: لا أكتبُ هذا الكلامَ دفاعًا عن نفسي أو عمّا كتبته، فكما قال بيلاطس: ما كَتَبْتُ قَدْ كَتَبْتُ ((إنجيل يوحنا 19: 22 )).
ثالثًا: ولا هي محاولة للتلزيق (ده مش أسلوبي)، لكن هي محاولة للعصف الذهني والفكري (وربنا يسترها).
رابعًا: أي حاجة بكتبها دي قناعتي الشخصية، مش بفرضها عليك، بس يعني – أهو كله بيكتب، اشمعنى أنا؟
خامسًا: خليك في وداعتك وطيبتك وبساطتك أحسن، يبقى ماتقراش حاجة (أديني بحذرك أهو).
سادسًا: لو دورت في حسابي بفيسبوك هتلاقي استخدامي للأسلوب -اللي مش عاجب ناس كتيرة وبتقول سخرية- لا يتعدى 3٪ من الكتابات، واللي غايظنى إن الـ97٪ الباقيين، محدش بيقراهم أصلًا.
سابعًا: هل فيه في الكتاب المقدس ناس استخدموا الأسلوب الساخر، ومحدش فينا قِدر يفتح بُقه ويقولهم ده عِيب الكلام ده؟ أو ميصحش ده في التعليم؟ خلينا نشوف!
أشهر شخص هو إيليا (اللي بدأ قصته بأنه شتم الملك. آه صدقني، بس لأنها مكتوبة بلغة مهذبة مش قادرين نقول كده:
ولما رأى أخآب إيليا قال له أخآب: «أأنت هو مكدر إسرائيل؟»
فقال: «لم أكدر إسرائيل، بل أنت وبيت أبيك، بترككم وصايا الرب، وبسيرك وراء البعليم. ((سفر الملوك الأول 17: 17-18 ))
(سفر الملوك الأول ١٧: ١٧-١٨)
وعند الظهر سخر بهم إيليا وقال: «ادعوا بصوت عال لأنه إله! لعله مستغرق أو في خلوة أو في سفر! أو لعله نائم فيتنبه!» ((سفر الملوك الأول 18: 27 ))
(سفر الملوك الأول ١٨: ٢٧)
أهو يعنى إيليا بيسخر من أنبياء البعل، والكتاب قالها بوضوح “سخر بهم”، لكن احنا نبلغ لإيليا الجمل، ونمسك لجميل البعوضة.
طيب واحد من العهد الجديد ، هتتفاجأوا (مش عارف مكتوبه صح كده ولا لأ) هو: بولس الرسول!
أه صدقنى. بيتريق وبيسخر من بتوع كورنثوس:
إنكم قد شبعتم! [يا سلام! [الكلام ده من عندي أنا علشان تتخيل بولس وهو بيقولها] آه بأمانة، زي ما بقولك]
قد استغنيتم! [على إيه يا حسرة!]
ملكتم بدوننا! [طيب!]
وليتكم ملكتم لنملك نحن أيضا معكم! [إنتوا بُق ع الفاضي] ((رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس 4: 8 ))
(رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس ٤ : ٨)
دول مثالين فقط، ليس حصرًا، من الكتاب.
ثامنًا: هل في حد من الآباء كان بيستخدم هذا الأسلوب؟
أقولكم المفاجأة؟ القديس أثناسيوس في رده على آريوس (قال له أنت عامل زي -لمؤاخذة- الرقاصة).
[11] لأن آريوس وهو يكتب الثاليا. كان يقلد الأسلوب النسائي المنسوب إلى سوتيادس. وكما أبهرت أبنة هيروديا هيرودس برقصها، كذلك أريوس سَخّر الرقص واللهو في التشهير والافتراء على المخلص.. وهو قد فعل هذا. من ناحية لكي يُمَوِّه ويُضَلِّل عقول هؤلاء الذين انغمسوا في الهرطقة لدرجة الجنون. ومن ناحية أخرى لكي يُبَدِّل اسم رب المجد إلى شِبه صورة إنسان زائل ((رسالة بولس إلى رومية 1: 23 )). وهكذا يتّخذ مشايعوه اسم الآريوسيين بدلًا من لقب المسيحيين ويكون هذا دليلًا قاطعًا على كفرِهِم. ((القديس أثناسيوس: حياته- تعاليمه- أهم كتاباته، المقالة الأولى ضد الآريوسيين، فقرة٢، مركز دراسات الآباء، ص٣٢٨ ))
(أثناسيوس الرسولي، المقالة الأولى ضد الآريوسيين)
ومرة أخرى ق. أثناسيوس يُسخر من أناشيد آريوس مثل أحد الشعراء الذي يتميز شعره بالأسلوب الداعر، ويشبه أناشيد آريوس بـأناشيده الراقصة الأناشيد نفسها غير متزنة.
إِنَّ أَرِيُوسَ الغَرِيبَ فِي الوَاقِعِ لَمْ يُقَلِّدْ أَحَدًا وَقُورًا، وَإِذْ كَانَ يَجْهَلُ كِتَابَاتِ الرِّجَالِ الوُقُورِينَ مِنْ عُظَمَاءِ القَوْمِ، فَإِنَّهُ كَانَ يَخْتَلِسُ كَثِيرًا مِنَ الهَرْطَقَاتِ الأُخْرَى. وَلَا يُوجَدُ لَهُ مُنَافِسٌ فِي مَجَالِ الهَزْلِ وَالسُّخْرِيَّةِ غَيْرُ سُوتِيَادِسْ ((سوتيادس شاعر يوناني قديم من مارونيا ذاع صيته أيام حكم بطليموس فلاديفوس وكان موضوع أشعاره من الميثولوجيا اليونانية ذات الأسلوب الفاضح الواقح ولذلك سمي بـالشاعر الداعر.
القديس أثناسيوس: حياته- تعاليمه- أهم كتاباته، المقالة الأولى ضد الآريوسيين، فقرة٢، مركز دراسات الآباء، ص٣٢٨ )) وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ مَاذَا كَانَ فِي وُسْعِهِ أَنْ يَعْمَلَ، سِوَى أَنْ يَرْغَبَ فِي التَّحَوُّلِ ضِدَّ المُخَلِّصِ، بِأَنَاشِيدِهِ الرَّاقِصَةِ، مُعَبِّرًا بِثرْثرَتِهِ المُمقوتةِ وَطَنْطَنَتِهِ البَغِيضَةِ عَنْ كُفْرِهِ وإلحادِه. ((القديس أثناسيوس: حياته- تعاليمه- أهم كتاباته، المقالة الأولى ضد الآريوسيين، فقرة٢، مركز دراسات الآباء، ص٣٣٠ ))
(أثناسيوس الرسولي، المقالة الأولى ضد الآريوسيين)
بل ويسخر ق. أثناسيوس من الثاليا [الأناشيد التى كان يكتبها آريوس] ويشبهها بأن أسلوبها منسون [أنثوي]
إن بَدء ثاليا أريوس عبارة عن أقوال ركيكة جوفاء. وقد اتّخذَت لها أسلوباً أنثوياً. ((القديس أثناسيوس: حياته- تعاليمه- أهم كتاباته، المقالة الأولى ضد الآريوسيين، فقرة٢، مركز دراسات الآباء، ص٣٣١ ))
(أثناسيوس الرسولي، المقالة الأولى ضد الآريوسيين)
كده نكون حطينا الأساس اللي هنبني عليه السخرية، علشان محدش يقول إننا مش روحيين وناس وحشين خرجوا عن المِلّه.
---
## تعتيم واختطاف الأحوال الشخصية [٢]
URL: https://tabcm.net/55182/
Type: post
Modified: 2026-05-06
كان المجلس الملي هو الجهة المخول لها وضع اللوائح المنظمة لإدارة الشؤون الكنسية التنظيمية وفق مرسوم إنشائه، ومن ثم كان هو من تبنى إعداد وتقديم لائحة 38 للأحوال الشخصية للأقباط الأرثوذكس، وهو نفس الجهة التي تبنت تقديم تعديلات 2008 على تلك اللائحة، التي اعتمدها وأقرها وقدمها قداسة البابا شنودة الثالث بصفته رئيسًا للمجلس الملي. ونشرها بهذه الصفة في الجريدة الرسمية للدولة (الوقائع المصرية).
وقد تضمنت لائحة 1938 في صياغتها الأساسية تسعة أسباب للطلاق، وردت في الفصل الأول (في أسباب الطلاق) من الباب الثاني (في الطلاق) وهي نصًا:
المادة 50: يجوز لكل من الزوجين أن يطلب التطليق بسبب زنا الزوج الآخر.
المادة 51: اذا خرج أحد الزوجين عن الدين المسيحي وأنقطع الأمل من رجوعه إليه جاز الطلاق بناء على طلب الزوج الآخر.
المادة 52: إذا غاب أحد الزوجين خمس سنوات متوالية بحيث لا يعلم مقره ولا تعلم حياته من وفاته وصدر حكم بإثبات غيبته جاز للزوج الآخر أن يطلب الطلاق.
المادة 53: الحكم على أحد الزوجين بعقوبة الأشغال الشاقة أو السجن أو الحبس لمدة سبع سنوات فأكثر يسوغ للزوج الآخر طلب الطلاق.
المادة 54: إذا أصيب أحد الزوجين بجنون مطبق أو بمرض معدٍ يخشى منه على سلامة الآخر يجوز للزوج الآخر أن يطلب الطلاق إذا كان قد مضى ثلاث سنوات على الجنون أو المرض وثبت أنه غير قابل للشفاء.
ويجوز أيضاً للزوجة أن تطلب الطلاق لإصابة زوجها بمرض العنة إذا مضى على إصابته به ثلاث سنوات وثبت أنه غير قابل للشفاء وكانت الزوجة في سن يخشى فيه عليها من الفتنة.
المادة 55: إذا اعتدى أحد الزوجين على حياة الآخر أو اعتاد إيذاءه إيذاءً جسيما يعرض صحته للخطر جاز للزوج المجني عليه أن يطلب الطلاق.
المادة 56: إذا ساء سلوك أحد الزوجين وفسد أخلاقه وانغمس في حمأة الرذيلة ولم يجد في إصلاحه توبيخ الرئيس الديني ونصائحه فللزوج الآخر أن يطلب الطلاق.
المادة 57: يجوز أيضاً طلب الطلاق إذا أساء أحد الزوجين معاشرة الآخر أو أخل بواجباته نحوه إخلالاً جسيماً مما أدى إلى استحكام النفور بينهما وانتهى الأمر بافتراقهما عن بعضهما واستمرت الفرقة ثلاث سنوات متوالية.
المادة 58: كذلك يجوز الطلاق إذا ترهبن الزوجان أو ترهبن أحدهما برضاء الآخر.
(لائحة 1938)
فيما اختزلت تعديلات 2008 الأسباب في سببين حصرًا، هم علة الزنا وتغيير الدين.
وانقسم القضاء في التعامل مع تباين الأسباب، فمنه من أخذ بأسباب لائحة 38 ومنه من اقتصرها على تعديلات 2008، وانعكس هذا على أزمة تداعيات الطلاق، استنادًا إلى أسباب 38، التي لا تعترف بها الكنيسة، ومن ثم لا تعطي للطرف المتضرر تصريحًا بزواج ثانٍ، الأمر الذي دفع البعض إلى طرق احتيالية بتغيير الطائفة (الملة) التي عقد في ظلها عقد الزواج، فيحصل على الطلاق وفقًا للشريعة الإسلامية لإختلاف ملتي طرفي عقد الزواج، لكن في كل الأحوال تبقى مشكلة عدم الحصول على تصريح زواج ثانٍ.
وتتفاقم الأزمة بلجوء أحد الأطراف إلى تغيير الدين، وما يترتب عليه من تداعيات مجتمعية، منها اختفاء بعض السيدات، التي تطرق أبواب الفتنة الطائفية بعنف، وتعرض السلم المجتمعي للخطر.
والسؤال هل خالفت لائحة 38 الأساسية الشريعة المسيحية والإنجيل بما أتاحته من أسباب للطلاق؟
في تقديري أنها جاءت مستوعبة لمنهج السيد المسيح في معالجة الإشكاليات الكبرى، فيما يمكن توصيفه بمنهج “تجفيف المنابع”، وهو ما يطرحه علينا الفصل الخامس من إنجيل متى، الذي أورد فيه ما قاله السيد المسيح عن الطلاق، ويطرح فيه عديد من القضايا: بدأها بالقول (سمعتم أنه قيل… أما أنا فأقول …) وقدم علاجًا لكل قضية لعل أبرزهما القتل والزنا، ففي الأولى أشار إلى معالجة الغضب فلا تصل الأمور إلى القتل، وفي الثانية أشار إلى معالجة شهوة النظر فلا يذهب إلى الزنا.
وهو عين قناعات لائحة 38، فيما ذهبت إليه من أسباب تبيح حال توافرها إقرار الطلاق، فماذا نتوقع مع استحالة العشرة أو الغياب وانقطاع الأمل في العثور على المختفي لسنوات هذا عددها، أو في سوء سلوك وفساد أخلاق أحد الطرفين رغم محاولات إصلاحه المتعددة، أو إصابته بجنون لا يرجى شفائه، وهي أسباب تقود الطرف المتضرر للوقوع في واحدة من أربع نتائج، إما اتجاهه للزنا الفعلي أو قتله للطرف الآخر أو الانتحار أو الخروج من الدين بجملته، ألا يذكرنا هذا بقول السيد المسيح معنفًا وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ تَطُوفُونَ الْبَحْرَ وَالْبَرَّ لِتَكْسَبُوا دَخِيلاً وَاحِدًا، وَمَتَى حَصَلَ تَصْنَعُونَهُ ابْنًا لِجَهَنَّمَ أَكْثَرَ مِنْكُمْ مُضَاعَفًا. ((إنجيل متى 23: 15 )) والمشابهة هنا التمسك بقراءة منفردة لظاهر نص حتى لو انتج انهيارًا وخرابًا للأسرة.
ولن نخوض في الخلفيات الفكرية التي انتهت بنا إلى تعديلات اللائحة، التي يدافع عنها ويتبناها من لم يختبر الحياة الزوجية، ولم ينتبه لمحوري التعليم والرعاية، واستبعد تحليلات ورؤى الأطراف ذات الصلة بقضايا الأحوال الشخصية، سواء من المتضررين أو فقهاء القانون أو الخبراء المتخصصون.
اللافت أن هؤلاء الذين يتبنون ويدافعون عن تلك التعديلات هم من يتصدرون مشهد صياغة مشروع القانون الذي قدم لوزارة العدل، التي وافقت عليه وأحالته مؤخرًا للبرلمان لإقراره توطئة لسنه كتشريع، محاطًا بسياجات منيعة من السرية، الأمر الذي شاعت معه تسريبات عنه لا نعرف مدى مصداقيتها، دون أن تتيح الفرصة للمختصين وذوي الصلة بمناقشة مشروع القانون، فهل يتدارك البرلمان هذا الخلل ويطرح مشروع القانون للنقاش المجتمعي، أو على الأقل يدعو المخاطبين به إلى جلسات استماع داخل أروقته؟
---
## إسرائيل.. هل لها الحق في الأرض؟
URL: https://tabcm.net/17375/
Type: post
Modified: 2026-05-05
يتعذر حصر أصل إسرائيل وهذا شأن معظم الشعوب، فقبل دخول إسرائيل التاريخ حوالي سنة 1200 قبل الميلاد توجد حقبة تكوين طويلة (ثمانية أو تسعة قرون) تكاد تخفى عن المؤرخين، أما أجداد بنو إسرائيل فهم من شبه البدو الساميين من رعاة الغنم يتنقلون طوال الألف سنة قبل المسيح على حدود الهلال الخصيب واستطاعوا في بعض الأحيان أن يتحكموا في منطقة يقيم فيها الأموريون والأراميون في سوريا ق 13 ق.م.
• كان الهلال الخصيب على مر القرون مكان هجرة شعوب كثيرة من مختلف الأصول والثقافات والديانات وكانوا دولًا صغيرة أصل سكانها كأصل بني إسرائيل (أدوم-موآب عمون -فينيفون) كانت النزاعات مع هذه البلدان مستمرة.
• اختلط يهود بنو إسرائيل في فلسطين بجماعات أخرى (يبوسيون- حثيون- جرزيون- حويون… الخ) فهم مجرد جماعة من الجماعات التي وجدت على أرض فلسطين في زمن ما، إلا أن ذكر اليهود وإسرائيل في الكتب السماوية هو ما أعطاهم شهرة عن بقية العرقيات.
اليهود بدأوا رحلا في عصر التوراة وظلوا رحل في عالم الشتات ولهذا عاشوا في أماكن مسورة داخل مدن الشتات (سبب تحوصل اليهود).
ويمكن القول إن نشأة الشعب جاءت على الأرجح حوالي 1250ق.م، حين استطاعت بعض المجموعات السامية المقيمة في مصر الهرب من عبودية المصريين بقيادة موسى فجمعها حول جبل سيناء.
وهم في الأصل كانوا جماعة قليلة من أولاد يعقوب هاجروا إلى مصر بسبب المجاعة ولم يعودا إلى أرضهم لحوالي 400 عام ويتساءل ديفيد باوسون عن سبب عدم رجوعهم بعد انتهاء المجاعة فيرى أنهم استعذبوا الإقامة هناك حتى أنهم بكوا على الخيرات الموجودة في مصر عندما أخرجهم موسى.
• الجماعة التي تمثل يهود فلسطين أيام يسوع هم السامريون، التي ظلت في فلسطين إلى يومنا هذا وفي ذلك الوقت كانت الأسباط العشرة قد اختفت تمامًا.
• ليس بالعالم اليوم مجتمع يهودي واحد أفلت من الاختلاط البيولوجي مع غيره من المجتمعات اليهودية من أولى مراحل نشأته.
كيف وجد اليهود فلسطين؟
يقول جمال حمدان إن قضية النقاوة الجنسية محورية للعودة بالنسبة لليهود، بدونها لا يثبت حق لليهود في أرض فلسطين ومن هنا تأتي أهمية تتبع الأصل واستمرار نقاوته، أول من سكن فلسطين هم الكنعانيون وتذكر التوراة أبناء كنعان بن حام بن نوح وهم واستقروا فيها وأقاموا بها حضارة راقية. ومعنى أرض كنعان= الأرض المنخفضة. رحل جزء من الكنعانيين إلى ساحل لبنان وعُرفوا بالفينيقيين.
• وُجدت قبائل أخرى سامية إلى جانب الكنعانيين في فلسطين: عموريون في الشمال- أدوم وعمون وموآب على تخوم كنعان وحول جنوب البحر الميت
خارج فلسطين: آرام وسوريا.
• الفلسطينيون: فلسطيا أحدث عهدا من العبرانيين وهم شعوب البحر أتوا من العالم الإيجي حوالي سنة 1200 ق.م على ساحل أرض كنعان أيام حرب طروادة.
• بعد 150 سنة في القرن الـ17 ق.م من هجرة إبراهيم، هاجر يعقوب وأولاده إلى مصر واستقروا فيها حوالي 350 سنة حتى الخروج.
• ويعلق القس ديفيد باسون متسائلًا لماذا لم يعودوا إلى بلادهم مع أنه كان بإمكانهم العودة؟ ويجيب قائلًا إن الإقامة في مصر أعجبتهم.
• أما عدد الذين خرجوا من مصر مع موسى فهم حوالي 600 ألف.
• ذهب يشوع إلى نهر الأردن وانتزع بعضًا من أرض كنعان في الداخل لكن ليس يبوس وساحل فلسطين، عام 1000 ق.م. وحّد داود الأسباط الإثنى عشر بعد أن هزم اليبوسيين الفلسطينيين وأسس مملكة إسرائيل من دان إلى بئر سبع لكن دولتهم لم تصل إلى الساحل إلا بالكاد ما انشطرت بعد سليمان:
• مملكة إسرائيل عشرة أسباط في السامرة.
• مملكة يهوذا في الجنوب في هضبة يهودية (حدود هاتين الدولتين تتفق مع رقعة الضفة الغربية في الأردن فقط). والسؤال المهم: هل حافظ اليهود على نقاوة العرق في الشتات؟ بالتالي يكونون النسل المباشر لبني إسرائيل التوراة كمجموعة جنسية واحدة وقومية تاريخية واحدة مثلما هم طائفة دينية ( وأن كانت ليست واحدة).
اليهود
كان مجرد اسم شخص، ولم يذكر في التوراة كجماعة إلا في أيام رصين ملك آرام (سفر الملوك الثاني).
فلقب ( يهود- يهودي ) لم يُذكر في العهد القديم إلا بعد أن تعرض (الشعب) للأسر وهجوم الممالك التي حوله، “فشعب الله” هو اللقب الذي يُطلق على إسرائيل في العهد القديم، وبعد التعرض للأسر والتهجير اختلط اليهود (سبطا بنيامين ويهوذا) بالأمميين بالزواج.
ومن هنا جاء اسم اليهود- من سبط يهوذا، بينما العشر الأسباط الباقية مفقودة. أما بداية تاريخ المملكة كالتالي:
– ما بين العام 1000: 556 ق. م أقام داود المملكة ثم بنى سليمان الهيكل ثم قام الأنبياء في الحال.
– عام 930 ق.م انقسمت المملكة إلى شمالية وجنوبية.
– المملكة الشمالية 722 ق.م.
– المملكة الجنوبية 586 ق.م بفارق 200 سنة.
– وتعرضت المملكتان بعد الانقسام إلى السقوط في أيدي الغازين
• ولكي يستقر العبرانيون في أرض كنعان كان عليهم أن يحاربوا الكنعانيين، لكنهم سيطروا على التلال والأراضي الفقيرة الداخلية، أما السهول فظلت في أيدي الكنعانيين.
• تعرضت إسرائيل ويهوذا إلى مطارق مصر وأشور حتى قضت أشور على المملكة الشمالية القرن الـ8 ق.م.
• وقضى نبؤخذ نصر على المملكة الجنوبية القرن الـ6 ق.م.
• زالت دولة اليهود في فلسطين بعد حياة طولها أربعة قرون.
اختفي اسم اسرائيل وسُمي هذا الشعب باليهود نتيجة زوال الأسباط العشرة، ومن كانوا منهم موجودًا أيام يسوع هم من سبط يهوذا وبنيامين فقط.
• يقول هانز كونج إن: بين النهرين- بابل- أشور- كلدان، اختفوا في القرن الـ7 ق. م.
من الجدير بالذكر أن هرتزل لم يفكر بالمرة في فلسطين لإقامة وطن لليهود، فقد كان يريد مكانا في إفريقيا حيث كان تجمع كبير لليهود في أوغندا مثلًا، لكن حكومات الدول الإفريقية لم توافق، ثم فكر في أمريكا الجنوبية ولم يحصل على موافقة، وقيل أيضًا فكر في روسيا فلم يلق موافقة.
• فلسطين كان اقتراح الإنجليز باعتبارهم مستعمري أرض فلسطين ومن هنا جاءت عبارة من لا يملك لمن لا يستحق.
اليهود في السبي
الشتات الأشوري والشتات البابلي
• الأرقام الأشوريّة، نعرف أن عدد المسبيّين هو 27280 شخصًا. ولكنّنا لا نعرف شيئًا عن مصيرهم. لا شكّ في أنّهم اندمجوا بالسكان هناك، وامتصّهم المحيطُ الذي أقاموا فيه.
• ازدهرت بعض العائلات المنفيّة واندمجت بالمجتمع. لهذا بدا من الصعب على فئة من المنفيّين أن يعودوا إلى البلاد بعد أن نظّموا حياتهم. ولولا كرازة حجي وزكريا لما عاد أحد من هؤلاء.
• تعرضت إسرائيل ويهوذا إلى مطارق مصر وأشور حتى قضت أشور على المملكة الشمالية القرن الـ8 ق.م وقضى نبؤخذ نصر على المملكة الجنوبية القرن الـ6 ق.م.
• زالت دولة اليهود في فلسطين بعد حياة طولها أربعة قرون، لم تستقر فيها المملكة سوى فترة حكم داود وسرعان ما انقسمت وبدأ التشتت بعد حكم سليمان ويقول هانز كونج إن (مناطق بين النهرين -بابل- اشور -كلدان) اختفت في القرن الـ7 ق. م.
• عندما سمح الفرس لليهود بالعودة إلى أورشليم بعد نصف قرن من الأسر البابلي عادت قلة ضئيلة حوالي (50 ألف) ولم يجدوا ترحيبًا لأن الأرض يحتلها أسرى سرجون الذين استوطنوا بها. وسكن العائدون المنطقة الجنوبية.
•أما اليهود المقيمون فلم يرحبوا بهم وحاول النبي ملاخي التوفيق بين ثقافة وروحانية كلًا من المقيمين والعائدين (سفر ملاخي في العهد القديم).
• العشر الأسباط فقدت تمامًا.
• سبطا بنيامين ويهوذا اختلطا بالأمميين بالزواج. ومن هنا جاء اسم اليهود من سبط يهوذا.
الشتات الهلنستي
بعد قرنين من السيادة الفارسية قامت الثورة المكابية ضد الحكم الهلنستي.في القرن الـ12 منعت روسيا دخولهم وحددت وجودهم في مناطق للموجودين لا يقيمون خارجها.
حرم الرومان على اليهود دخول القدس نهائيًا وطردوهم من فلسطين وتوزعوا إلى كل أجزاء الشتات الحديث.
اليهودي التائه
هم يمثلون الحلقة الرابعة في العصور الحديثة ، وأضخم تجمع يهودي في الولايات المتحدة الأمريكية ثم أمريكا الجنوبية في البرازيل والأرجنتين: وهم عادة سكان مدن يعملون بالتجارة والأعمال الحرة والمصرفية ، فلا يوجد مجتمع يهودي زراعي ولا صناعي.
توزيع اليهود العالمي الآن: يقول جمال حمدان:
هم رشاش ماء متطاير في معظمه، يتحول أحيانًا إلى تراب رمزي بحت ورغم أنهم يمثلون نويات سديمية صغيرة إلا أن وجودهم خطر (أقلية خطرة لأنهم سكان المدن ولهم سيطرة مادية سياسية وتضخم بالشعور بالذات يفاقم من شدة التعصب ضدهم، اليهود مثل الصينيين الحاليين أنهم جاليات تاجرة خارج الصين ولذلك يطلق على الصينيين يهود شرق أسيا. بقي إيضاح أن القانون الدولي ينص على أن تركْ شعبٍ لوطنه آلافًا سحيقة من السنين يحرمه من كل حق في المطالبة بالعودة إليه.
---
## عن عودة اليهود لفلسطين
URL: https://tabcm.net/55338/
Type: post
Modified: 2026-05-05
بحسب مفهوم اليهود لنبوات العهد القديم (سفري التثنية وحزقيال، والهيكل المستقبلي، كمثالين)، فإن الرجاء في العودة إلى أرض إسرائيل يطرح عدة أسئلة:
هل المقصود من قول الرب للشعب ” الأرض التي أعطاكم الرب إياها” سبع مرات في سفر التثنية أن الأرض ملكية مطلقة للشعب؟
وهل المقصود من رؤيا حزقيال للهيكل أن تكون وصفًا حرفيًا سيتحقق في مجيء حرفي خاصة فيما يتردد في الأوساط المسيحية في أمريكا الشمالية؟
وفي النهاية هل ينبغي على المؤمنين أن يتوقعوا عودة دولة إسرائيلية في نهاية الزمان، مقسَّمة إلى مناطق سبطية، مع إعادة بناء الهيكل الحجري في أورشليم وفقًا لأبعاد النبي؟
تقرر المراجع بدايةً أن قضية العودة سياسية في المقام الأول ((جمال حمدان، اليهود أنثروبولوجياً، دار الكاتب العربي للطباعة والنشر، 1967 ))، وأن المواقف السياسية تجاه دولة إسرائيل الحديثة ترتبط بسؤال لاهوتي يبرر العودة ((Hans Küng, Judaism: The Religious Situation of Our Time, SCM Press, 1992 ))، وبالتالي، فقد فهم كثيرون ما جاء في سفر التثنية ونبوءة حزقيال على أنه يتحدث عن هيكل أرضي واستعادة جغرافية وسياسية حرفية.
إلا أن رؤيا حزقيال للهيكل على سبيل المثال لم يكن المقصود منها أن تتحقق حرفياً. أما بخصوص سفر التثنية: الأرض هبة غير مستحقة، فمن يملكها هو الله، وهذا ما قاله الرسول بولس أيضًا.
فعندما يقول الرب للشعب “امتلكوا الأرض” (فالملكية) هنا غير مشروطة وهي معطاة للأبد، لكن “السكنى” مشروطة بحفظ وصايا الرب والعيش بضمير.
الأرض كانت مليئة بالأعراق وجاءت كل من فلسطين وإسرائيل إلى الأرض في وقت واحد ((سفر عاموس 12 )) وسكن الفلسطينيون غزة وعاشت إسرائيل 400 سنة في الأرض، وللأسف، لم تحافظ على الوصية في أغلب مراحل وجودها في الأرض، وسرعان ما انقسمت المملكة التي أسسها داود، وخلفه ابنه سليمان، إلى حدث الانقسام على يد أولاده مباشرة، إلى أن سقطت أورشليم عام 580 قبل الميلاد، وتم سبيهم وتشتتهم وفناء العشرة أسباط ((الموسوعة المسيحية العربية الإلكترونية. )).
هنا يظهر الفارق بين “سكنى” شعب الله لأرض الله بناءً على الحفاظ على العهد والعيش حسب وصاياه، و”الاستيطان” و”إقامة دولة” حسب ما تفعله إسرائيل اليوم فمطالبها غير شرعية بناءً على انتفاء طلب السكنى لإقامة العهد والعيش بالوصايا، وهي التي يصرح أحد رؤساءها علنًا بأنه ملحد. فالله لم يعط أرضًا للاستيطان وإقامة دولة. ((David Pawson, Unlocking the Bible: A captivating biblical history guide across time and faith, Collins, 2007 ))
(چون ديڤيد باوسون)
أما عن نبوءة حزقيال بشأن الهيكل: تتكلم النبوءة عن هيكل أكبر من أن يتناسب مع موقع جبل الهيكل في أورشليم. علاوة على ذلك، أبعاد الهيكل كبيرة جدًا ، وهي توازي مساحة 13 كاتدرائية.
موقع الهيكل الجديد يقع في المركز الجغرافي لأرض إسرائيل ((سفر حزقيال 48: 1-29 ))، مما يجعله أقرب إلى السامرة وسبط أفرايم، وليس بالقرب منها ويتنبأ النبي بشيء خارق للطبيعة أكثر من مجرد استعادة مدينة أورشليم الأرضية.
تحديد مكان الهيكل كما يدعيه اليهود اليوم بتحديد مكان معلوم ومواصفات محددة معلومة غير صحيح إذ كانت هناك هياكل متعددة.
-هناك سمات خارقة للطبيعة للهيكل الجديد، فليس به قدس أقداس ولا قدس ولا خبز وجوه.
– لا يوجد مذبح ولا ذبائح ولا كهنة ولا رئيس كهنة، فعندما عاد الشعب وأعادوا بناء الهيكل كان يوجد رئيس كهنة حتى أيام يسوع
حسب النبوءة لا يوجد كهانة بل ملك.
– تقسيم الأسباط الذي شملته النبوءة مختلف الأعياد كلها احتفت عدا الخمسين.
– نهر الحياة الذي يتدفّق من الهيكل في نبوءة حزقيال يزداد عمقًا باستمرار وهو ما يخالف جيولوجيا الأرض المقدسة وهيدرولوجيتها ، إذ لا يمكن أن تسمح أبدًا لنهر طبيعي أن يتدفَّق من أعلى جبل الهيكل ويصب في البحر الميت.
– ومن المعروف أن هذا الهيكل لم يتم بناؤه مطلقا.
تشير هذه العوامل مجتمعةً إلى أن هيكل حزقيال يهدف إلى تمثيل معجزي وأخروي، وليس مجرد مبنى حجري طبيعي. ولكن، في زمن حزقيال، لم يكن واضحًا على الإطلاق كيف سيتحقق هذا الرجاء الأخير في التاريخ. ما كان واضحًا هو أن طقوس هذا الهيكل الجديد ستكون جديدة حقًا، دون قيود القديم.
حزقيال في العهد الجديد
إنجيل يوحنا وسفر الرؤيا يتأثران بشدة بسفر حزقيال. على سبيل المثال، في إنجيل يوحنا، في خضم عيد المظال، الذي تضمن طقوسًا تتوقع أن يكون الهيكل الأخروي مصدر المياه لجميع إسرائيل، يعرّف يسوع نفسه على أنه مصدر المياه الأخروية من خلال إعادة صياغة حزقيال 47 وإعلانه: تجري من بطنه أنهار ماء حي ((إنجيل يوحنا 7: 37-38 )). يرى الإنجيلي الرابع بوضوح علامة نهر الماء المتدفق من الهيكل الجديد عندما يقطع الإنجيل ليصف تدفق الماء والدم من جنب المسيح على الصليب ((إنجيل يوحنا 19: 34 )). وعلى نفس المنوال، ينتهي سفر الرؤيا، مثل حزقيال الذي قبله، برؤيا ملاك يقيس أورشليم الجديدة و”الهيكل” الجديد ((سفر الرؤيا 21-22 )). وفي ذروة هذه الرؤيا، يصف يوحنا نهرًا من “ماء الحياة” يتدفَّق من “عرش الله والحمل” في مدينة أورشليم السماوية، وهي أيضًا عروس المسيح ((سفر الرؤيا 21: 1-2؛ 22: 1 )).
كما توضح هذه التفسيرات لحزقيال، فإن الكنيسة لا تتوقع إعادة بناء الهيكل الحجري في أورشليم، مع استكمال الذبائح الحيوانية الموصوفة.
أعطى الله لحزقيال ومعاصريه رؤى لهيكل وطقوس مستقبلية تستخدم لغة معمارية وطقوسية وجغرافية يمكنهم فهمها. لكن التفاوت بين خصوصيات رؤيا حزقيال وتحقيقها في المسيح والكنيسة لا يرجع إلى أن إتمامها فشل في تحقيق الرؤيا، بل لأنه تجاوز تحقيق الرؤيا؛ أي أنه يفوق جميع الفئات الأقدم في تجاوز التوقعات.
إن مقدس جسد المسيح أكبر بكثير، ويمكن الوصول إليه بسهولة، وأكثر “مركزية” بالنسبة لشعب الله؛ فذبيحة جسد ودم الملك الداودي الجديد تتفوق حتى الآن على تقدمات الذبائح؛ إن نهر الماء الحي، الذي هو الروح القدس المنقول من خلال الأسرار، يفوق بكثير نهرًا جغرافيًا يصب في البحر الميت، حتى إن التدبير الجديد الذي افتتحه الله يتجاوز الوعود التي قطعها للنبي.
لا يغيب عن الذهن أن مقاصد الله لا تعود إلى الوراء، بل يتواصل امتدادها نحو المستقبل لتحقيق المزيد. بمعنى أن الله ليس في حاجة إلى أن يستعيد ما حصل مع شعب إسرائيل حرفيًا، بل إن رؤيته أوسع وأشمل من مجرد شعب؛ خاصة وأنه يتضح تمامًا أن مهمة إسرائيل في العهد القديم كانت محددة للغاية، وهي شهادة للخالق ومقاصده وسط الشعوب، وليست امتيازًا لشعب على بقية الشعوب.
هذا الحق جاء أكثر من مرة في العهد القديم بأساليب متعددة خاصة قول الله لهم بوضوح “لستم أفضل من بقية الشعوب” ((الكتاب المقدس، الرهبانية اليسوعية، 1989 )).
---
## ليلة الخميس
URL: https://tabcm.net/54952/
Type: post
Modified: 2026-05-04
كانت وتيرة التظاهرات وأعداد الثوار في ميدان التحرير قد ارتفعت بشكل لافت في هذا اليوم استعدادًا للحظة تنحي مبارك، وأكد موفد التلفزيون المصري في ميدان التحرير أن الأعداد في الميدان قد ازدادت في الساعتين الأخيرتين بشكل كبير جدًا ولا يوجد موطئ قدم في الميدان، وكان الشعار السائد: الشعب خلاص أسقط النظام.
وفي السابعة والنصف مساءً ظهر على شاشة القناة الفضائية المصرية اللواء محسن الفنجري قائد المنطقة المركزية العسكرية، ليلقي أول بيان رسمي من الجيش إلى الشعب المصري بملامحه الجادة الصارمة.
بسم الله الرحمن الرحيم
البيان رقم واحد من المجلس الأعلى للقوات المسلحة
انطلاقًا من مسؤولية القوات المسلحة والتزامًا بحماية الشعب ورعاية مصالحه وأمنه، وحرصًا على سلامة الوطن والمواطنين ومكتسبات شعب مصر العظيم، وتأكيدًا وتأييدًا لمطالب الشعب المشروعة، انعقد اليوم الخميس الموافق العاشر من فبراير لعام ٢٠١١ المجلس الأعلى للقوات المسلحة وبحث تطورات الموقف حتى تاريخه، وقرر الاستمرار في الانعقاد بشكل متواصل لبحث ما يمكن اتخاذه من إجراءات وتدابير للحفاظ على الوطن ومكتسبات وطموحات شعب مصر العظيم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
(اللواء محسن الفنجري)
قبل هذا البيان كانت أغلب طوائف الشعب لا تعرف ماهية المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ودوره في قيادة الجيش، وبعد القليل من البحث بدأت الأخبار ترد أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة هو مجلس قيادة الجيش المصري الذي يرأسه بالضرورة الرئيس مبارك ووزير الدفاع حسين طنطاوي ورئيس الأركان سامي عنان وقادة أفرع الجيش السبعة عشر.
وما كان غريبًا في هذا اليوم هو انعقاد المجلس بدون مبارك الذي يمثل القائد الأعلى للقوات المسلحة المصرية، وهو ما يعني ضمنيًا أن الجيش لم يعد يعتبر مبارك قائدًا أعلى له، مما أكد الشعور العام أن تنحي مبارك بات أقرب ما يكون وأنه سيكون في غضون ساعات. لكن في التاسعة وخمسين دقيقة صرح وزير الإعلام أنس الفقي أن الرئيس لن يستقيل، وكان قد أكد ذلك في فترة ما بعد الظهيرة ولكن أحدًا لم يصدقه.
انتظرت مصر الخطاب المرتقب طويلًا، كانت نية مبارك فعلاً أن يتنحى في هذا المساء، ولكن يبدو أن ضغوطًا قد مورست عليه من ابنه الأصغر جمال مبارك وزوجته سوزان لتعديل قراره وإقناعه بالقيام بمحاولة أخيرة لتجنب التنحي، من خلال خطاب أخير قد يقنع الجماهير الثائرة بقبول استمراره، أو يدفعهم لليأس والتخلي عن مطالبهم.
في العاشرة مساءً دخل مبارك إلى الاستوديو الملحق بالقصر الرئاسي، يتبعه أنس الفقي وزير الإعلام، وسليمان عواد المتحدث باسم رئاسة الجمهورية وجمال وعلاء مبارك، وبدأوا في إعطاء الرئيس تعليمات، وطلبوا منه أن يقرأ الصفحات الأربع الأولى من الورق الذي أمامه، والباقي من شاشة البلازما المعلقة أمامه خلف الكاميرا، ثم يعود للقراءة مرة أخرى من الورق بعد انتهاء العرض على شاشة البلازما.
راجع جمال الخطاب مراجعة أخيرة، فقد كانت له الكلمة العليا، وعندما نشأ نقاش بينه وبين سليمان عواد حسمه جمال بإشارة من يده، بينما كان علاء صامتًا لا يشارك في الجدل الدائر بل كان اهتمامه منصبًا على والده، وبدأ مبارك في القراءة وارتكب عدة أخطاء، وفي كل مرة يخطئ فيها يعود ليقرأ من جديد، وفي إحدى المرات أوقفوه في منتصف الخطاب لضبط رابطة عنقه، وحينما كانوا يغيرون وضع رابطة العنق بدا الرئيس منزعجًا لأنهم أوقفوه في وسط الحديث. وبمجرد أن أنهى مبارك خطابه، نزل من المنصة وصافح الجميع وغادر.
كان السؤال بعد تسجيل الخطاب: هل يتم عمل مونتاج للخطاب بشكل مناسب لتغطية كافة السقطات الواردة به، وهي مهمة ستستغرق حوالي 45 دقيقة، أم يتم عمل تعديلات بسيطة لا تستغرق أكثر من دقيقتين؟ لم يكن هناك وقت مع غليان الشارع، وكان المصريون ينتظرون هذا الخطاب المرتقب منذ الرابعة عصرًا والوقت قارب على منتصف الليل والشارع قارب على الانفجار، فتقرر إجراء تلك التعديلات السريعة وعرض الخطاب على الفور بالرغم من السقطات الواضحة به.
وفي العاشرة و45 دقيقة، أعلن مذيع التلفزيون المصري عن إذاعة خطاب الرئيس مبارك للأمة الذي يوجهه من مقر رئاسة الجمهورية بمصر الجديدة. ظهر مبارك في حلته الزرقاء الفاخرة، وشعره المصبوغ بعناية، ووجهه الجامد الخالي من أي تعبير، وبدأ الحديث بنفس النبرة المعتادة دون أي أثر لأية مفاجأة، وكأنه يلقي خطابه المعتاد في ذكرى عيد العمال.
توجه مبارك بالحديث للمصريين وكأنه لا يزال «أبًا يتحدث لأولاده» حسبما قال، وأكد «أن دماء شهدائكم لن تضيع هدرًا»، وكان استعمال صيغة الأفعال في المستقبل له دلالة واضحة لا تقبل التفاوض؛ أنه باقٍ، واستخدامه للفظ «شهدائكم» يدل على أنه منفصل كل الانفصال عن الشعب وعن الواقع.
قال مبارك إنه لا يجد حرجًا في أن يستمع لمطالب الشعب المشروعة، لكنه يجد كل الحرج في أن يستمع لإملاءات أجنبية تأتي من الخارج أيًا كان مصدرها ومبرراتها، وقد رأى تفويض نائب رئيس الجمهورية في اختصاصات رئيس الجمهورية على النحو الذي يحدده الدستور، واستمر يؤكد أنه يعرف أن مصر سوف تتجاوز أزمتها، ولن تنكسر إرادة شعبها وستقف على أقدامها من جديد.
أنهى مبارك حديثه ولم يأتِ بأي إشارة إلى التنحي، فهو باقٍ في منصبه ويتحدث عن المستقبل الذي ينتظر المصريين معه. كان الخطاب فظيعًا؛ أسوأ خطاب ألقاه مبارك على مدى تاريخه، كان متعجرفًا وخاليًا من أي إحساس. كان خطاب تحدٍ للشعب، لقد صب الزيت على النار المشتعلة فألهبها بدلًا من أن يطفئها، وعليه أن يتحمل العواقب القادمة، أما الميدان والمعتصمون فيه فكأنما أصيبوا بالشلل وهم لا يصدقون هذا العجوز العنيد.
فور عرض الخطاب ضجت الشوارع بالمتظاهرين الغاضبين وقد ملأ صراخهم سماء الليل، وفي رد فعل عفوي رفع متظاهرو التحرير أحذيتهم صوب الشاشات الكبيرة المعلقة في قلب الميدان في وجه مبارك ردًا على خطابه، ثم بدأت الأصوات تتعالى بجنون وغضب عنيفين: ارحل يعني امشي.. ياللي مابتفهمشي.
أشعل الخطاب غضبًا عارمًا في المصريين، خصوصًا بعد علو سقف التوقعات التي سبقت الخطاب موحية إعلانه التنحي في تلك الليلة. ووصل الأمر إلى إصابة بعض المعتصمين بانهيار عصبي جراء هذا الخطاب، وآخرون أخذوا في البكاء الهستيري والتشنجات العصبية، ثم اعتلى أحد الشيوخ المنصة وبدأ في تلاوة أدعية ضد الظالم، وعقب كل دعوة ترتفع أصوات الحشود “آمين” مختلطة بالبكاء والنحيب الهستيري الذي أصاب الشيخ نفسه أيضًا.
السقطات الواضحة في الخطاب المسجل جعلت الشائعات تنتشر ويتردد أن هذا الخطاب تم تسجيله منذ أيام أو ربما قد تم تسجيله من شرم الشيخ، لكن ذلك لم يكن صحيحًا، ولم يهدئ من روع المتظاهرين إلا اعتلاء رائد الجيش أحمد شومان المنصة الرئيسية في الميدان بزيه العسكري، ليوجه رسالة شديدة اللهجة لمبارك متحملًا خطر تعرضه لمحاكمة عسكرية.
يا سيادة الرئيس، كفاية كده.. إحنا مش معاك.. البلد حصل فيها خيانة، وأنت رأس النظام ولازم تمشي.
(الرائد أحمد شومان، ميدان التحرير)
أنا أقسمت يمين الولاء لجمهورية مصر العربية مش لأي حد تاني، وأنا دلوقتي شايف إن النظام فقد شرعيته، يا سيادة الرئيس حسني مبارك: أرجوك استجيب لمطالب الناس وارحل، كفاية ٣٠ سنة من القمع، ٣٠ سنة اتهربت فيهم فلوس البلد لبره، ٣٠ سنة كل سنة الشعب بيزداد فقر عن السنة اللي قبليها.. كفاياك… ارحل.. أرجوك ارحل، البلد مش بتاعتك، الشعب هو اللي جايبك والشعب دلوقتي مش عايزك، وأنا واحد من الشعب.
(الرائد أحمد شومان، قناة الجزيرة)
في تطور سريع للأحداث، قرر ثوار الميدان تغيير قواعد اللعبة، وتطوير خططهم، وربما اعتقدوا أن الاعتصام في التحرير أصبح لا يكفي لإجبار النظام على الاستسلام، ولا بد من رد قوي على هذا الخطاب في الوقت ذاته، فاتجه التفكير إلى استثمار نجاح فكرة حصار مباني مجالس الشعب والشورى والوزراء، في الزحف على قصر العروبة بضاحية مصر الجديدة ومبنى التلفزيون المصري (ماسبيرو) ومحاصرتهم، لإجبار مبارك على الرحيل.
اعتمدت خطة الثوار على تحرك بعض المجموعات إلى قصر العروبة، لكن مع بقاء الأغلبية في الميدان، وكان السؤال: هل يتم الانتظار حتى انتهاء ساعات حظر التجول منعًا للصدام مع القوات المسلحة، أم يبدأ التحرك الآن بعد منتصف الليل؟ الحماس الذي كان يملأ صدور الشباب كان أقوى من الانتظار حتى الصباح، فبدأت مجموعات ضخمة من الشباب التحرك بالفعل ناحية مبنى التلفزيون وقصر العروبة وسط صيحات هادرة الجمعة العصر، رايحين على القصر، كنداء لباقي المتظاهرين للحاق بهم في عصر اليوم التالي.
كان المشهد يبدو مخيفًا بالفعل، وحماسيًا إلى أقصى قدر ممكن… مجموعات ضخمة من المتظاهرين تسير في ليل القاهرة الصامت البارد، فتحيله هادرًا حارًا، وكأن المشهد يحدث في منتصف النهار وليس منتصف الليل. لم يحدث أي صدام في الطريق إلى قصر العروبة مع الجيش، ربما بسبب ضخامة الأعداد، أو ربما لأن الثوار المتجهين نحو القصر حتى ذلك الوقت لم يكونوا يشكلون أي خطرٍ حقيقيٍ على النظام، لكن الأمر كان مختلفًا مع المعتصمين أمام مبنى التلفزيون الذين هددهم الحرس الجمهوري بطردهم بالقوة إن استمروا في وجودهم أمام المبنى.
يا شباب مصر وأبطالها، عودوا إلى دياركم وأعمالكم، فالوطن يحتاج إلى سواعدكم لنبني وننمي ونبدع، لا تنصتوا إلى الإذاعات والفضائيات المغرضة التي لا هدف لها إلا إشعال الفتن والعمل على إضعاف مصر وتشويه صورتها، استمعوا فقط إلى ما تمليه عليكم ضمائركم، وحسن تقديركم، ووعيكم للمخاطر المحيطة بها.
(خطاب نائب رئيس الجمهورية، عمر سليمان)
---
## الجحيم في مثل الغني ولعازر
URL: https://tabcm.net/51676/
Type: post
Modified: 2026-05-03
واحدة من أوضح صور العذاب الروحي في الكتاب هي اللي بيقدمها الرب يسوع في مثل الغني ولعازر. ((الجحيم في مثل الغني ولعازر (إنجيل لوقا 16: 19–31) ))، المثل مش بيشرح “تفاصيل جغرافية” عن الجحيم، لكنه بيكشف جوهر العذاب: الإنسان اللي اختار ذاته طول حياته… بيُترك لذاته إلى الأبد.
1. الغني عاش منفصل… فصار موته استمرارًا للانفصال كَانَ إِنْسَانٌ غَنِيٌّ… وَكَانَ مِسْكِينٌ اسْمُهُ لِعَازَرُ مَطْرُوحًا عِنْدَ بَابِهِ ((إنجيل لوقا 16: 19–20 )) لعازر “عند بابه”… مش بعيد. الهوة ما كانتش مسافة… كانت قلب لا يرى الآخر.
الهوة اللي الإنسان يصنعها هنا… صارت في النهاية هوّة أبدية: وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ هُوَّةٌ عَظِيمَةٌ قَدْ أُثْبِتَتْ ((إنجيل لوقا 16: 26 ))، هوّة ما كانتش مجرد عقاب… لكنها تكشف حالة داخلية استمرت معه إلى الأبد.
2. العذاب هنا ليس عذاب النار فقط… بل عذاب العزلة وعدم القدرة على الشركة فَرَفَعَ عَيْنَيْهِ فِي الْهَاوِيَةِ وَهُوَ فِي الْعَذَابِ ((إنجيل لوقا 16: 23 )) أكبر عذاب للغني أنه وحده. طول حياته عاش حول نفسه… فصار أبديًا محبوسًا في نفسه. الجحيم هنا مش نار خارجية فقط… لكن فقدان القدرة على المحبة، وانغلاق كامل على الذات.
3. عمى الغني الروحي لسه مستمر بعد الموت أَنْ يُرْسِلَ لِعَازَرَ لِيُبَرِّدَ طَرَفَ أُصْبُعِهِ… ((إنجيل لوقا 16: 24 )) لسه شايف لعازر كخادم، مش كإنسان. ولا اعتراف… ولا توبة… ولا رغبة في الشركة. ده جوهر الجحيم: إنسان فقد القدرة على رؤية الآخر… حتى بعد الموت.
4. العذاب الحقيقي: أن ترى النور… ولا تقدر أن تعبر إليه رَفَعَ عَيْنَيْهِ… وَأَبْصَرَ إِبْرَاهِيمَ مِنْ بَعِيدٍ… ((إنجيل لوقا 16: 23 )) عذابه الحقيقي مش النار فقط… بل إنه يرى ما كان يمكن أن يكون عليه… لكنه أصبح عاجزًا بالكلية عن الوصول إليه. يرى النور… ولا يحتمله. يرى الشركة… ولا يقدر حتى أن يطلبها. يرى المحبة… ويعيش في عزلة صنعها لنفسه.
5. رد إبراهيم هو مفتاح الفهم اللاهوتي كله… إبراهيم ما قالّوش: “ربنا بيعاقبك”… ولا: “في قوة خارجية بتمنعك”… مع إن ده من منظور الدينونة صحيح، لكن قاله اللي كان لازم يسمعه… واللي الناس محتاجه تسمعه من المثل والرسالة منه: اذْكُرْ أَنَّكَ اسْتَوْفَيْتَ خَيْرَاتَكَ فِي حَيَاتِكَ ((إنجيل لوقا 16: 25 )) يعني: أنت اللي اخترت النمط ده. أنت اللي صنعت ذاتك مركز حياتك. والآن… تحصد ما عشت عليه.
6. الجحيم في المثل هو: إنسان صار أسير ذاته… للأبد.. المفارقة المؤلمة أن الغني:
• ما طلبش التوبة
• ما طلبش الشركة
• ما طلبش يدخل حضن إبراهيم
• ما اعتذرش
• ما اعترفش
هو فقط طلب راحة لنفسه… وطلب أن يترك لعازر النعيم ويجي يخدمه! ده العذاب الحقيقي: ذات أنانية أصبحت عمياء… مسجونة خلف أسوار كبريائها. فالجحيم مش مجرد “نار”… الجحيم إنسان انغلق على ذاته طول حياته، فلما جاء الموت، أصبحت هذه الذات المغلقة سجنه الأبدي:
• هوّة لا تُردم
• عزلة لا تنتهي
• عدم قدرة على الحب
• ورؤية للنور… دون قدرة على الاقتراب منه.
الغني حتى في الجحيم وسط عذابه… ذاته مازالت حيّة، ولسّه بتلعب زي الحية!
في اللحظة اللي فشل فيها الغني إنه يطلّع لعازر من حضن إبراهيم ويجي يخدمه بقطرة مية… قرر يجرّب حركة تانية:
“طب خلاص… ابعته لإخواتي!”
مش محبّة… بل نفس الأسلوب القديم: استعمال لعازر كأداة، لأي حد، وفي أي اتجاه، المهم يخدمه هو أو يخدم عيلته.
(وكأن الأرض فاضية ومافيهاش آلاف محتاجين كلمة! لسه مزنوق في نفسه… واللي بيمثلها هنا “إخواته”.)
إبراهيم ردّ عليه بمنتهى البساطة والوضوح: عندهم موسى والأنبياء. الكلمة بين إيديهم… الكلمة اللي قادرة تكشف أعماقهم، وتفتح وعيهم، وتخليهم يختاروا طريق الحياة بدل طريق الموت والهلاك. لكن الغني -بعماه اللي خارج من ذاته وكبريائه- ما عجبوش الكلام.
يرد ويقول: “لا يا أبي إبراهيم…”، حتى في وضعه ده… بيصحّح لإبراهيم! لسه مقتنع إن رأيه ومنطق ذاته النفساني الفاسد أعمق، وإنه فاهم أحسن، وإن الحل في “المعجزة” اللي تهزّهم… مش في كلمة الله اللي رفضها طول عمره. وده بالضبط اللي حصل مع المسيح لما طلبوا منه آية.
جيل شرير وفاسد يطلب معجزة… والمسيح يديهم “آية يونان”: مش عشان يبهرهم، لكن كإشارة للصليب والقبر- الحل الوحيد إن المسيح يدخل قبرك الداخلي ويخلّصك منه. وده مش بيحصل إلا لما الإنسان يعترف بحقيقته بصدق، مش لما يلفّ ويدور حوالين ذاته. ونفس الصورة مع اللص التاني على الصليب: شايف المسيح… ومش قادر يعترف بخطيته. مزنوّق في نفسه، في كبريائه وأنانيته… لدرجة إنه ما يشوفش الحقيقة اللي جنبه:
بارّ بيتعذّب بلا سبب، وهو كل اللي فارق معاه نفسه ثم نفسه ثم نفسه.
بينما اللص التائب، أول ما واجه نفسه… انفتح له طريق الملكوت.
عيوننا بتتنفتح على الحقيقة حوالينا… لما نواجه الحقيقة اللي هربانين منها جوانا، ونعترف باستحقاقنا لنتائج اختياراتنا.
الغني هنا ما تغيّرش.
كل حواره بيكشف نفسيته وألاعيبها: الهروب، التبرير، الكبرياء، محاولة التحكم، واللفّ والدوران حوالين ذاته.
نفس الرحلة اللي كان ماشي فيها زمان: يلفّ في برّية النفس، يمتعها، يلبّي كل شهواتها… ودلوقتي بيلفّ في دوّامة خرابها بعد ما الأوهام والأكاذيب وقعت. اللي قفل أحشاءه على لعازر وهو في عزّ راحته… مش هو اللي هايحنّ على إخوته وسط العذاب!
لأن العذاب والعقاب ما بيصنعوش محبّة… وما بيغيّروش طبيعة القلب. النعمة وحدها اللي تعمل ده – والنعمة ما تشتغلش إلا لما الإنسان يكون أمين مع نفسه… مش لما يزوّق ويكذب على ذاته.
وعشان كده طلب الغني مش علامة توبة… ولا يقظة… ولا قلب جديد. ده استمرار لنفس الذات المغلقة اللي صنعت جحيمها بنفسها، وغباء كبريائها… لا وكمان مصرّ بالغباء ده يصلّح “أمور الكون”!
وقال إيه… مش عاجباه طريقة ورأي أبونا إبراهيم في فهم الطريق للرجوع لحضن الآب!
---
## غرائبيات مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين
URL: https://tabcm.net/55311/
Type: post
Modified: 2026-05-02
بدأت تظهر تسريبات من المشروع “السري” لقانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، ومعها نكتشف الفخاخ التي تنتظرنا في حال تم إقرار هذا القانون. فمثلاً، في فيديو للأنبا بولا تحدث عن إحدى ما يعتبرها مميزات مشروع القانون الذي وافق عليه مجلس الوزراء، وهي أن القاضي بنفسه يجب أن يسعى للصلح بين الزوجين؛ أي أن الجلسة الأولى لن تكون لعرض القضية فحسب، بل لمحاولة الصلح أيضاً. وإذا لم يستطع القاضي الإصلاح، يطلب من كل طرف اختيار حَكَم يمثله، ويعطيهم مهلة ليحاولوا الوصول إلى حل.
لو واحد منهم امتنع أو حب يتهرب ومعينلوش حكم بردو هنعين له حكم.. يبقى القاضي بيختار له حكم بمعرفته عشان نخش في دايرة الصلح.. وده يشمل كل قضايا الأحوال الشخصية.
(الأنبا بولا)
كما قال إن القانون ولأول مرة يُلزم القاضي بأخذ رأي الرئاسة الدينية، أي الرجوع إلى الكنيسة قبل إصدار الحكم. وشرح إن الكنيسة أعلم ببواطن الأمور بحكم دورها الرعوي تعرف تفاصيل أكتر عن الناس، فده ممكن يساعد في سرعة الفصل في القضايا، وكمان في محاولة الإصلاح.
نسأل بقى كام سؤال: الدولة شايفة المواطن إزاي؟
محاولة للصلح وحكم من عندك وحكم من عندي، أو بالبلدي كده شوفولنا كبير العيلة نكلمه يا شوية مواطنين متفهمش حاجة وتدخلات كتير حوالين قرار المفروض إنه شخصي جدًا!
الشخص وفق النظرة دي محتاج دايمًا حد يقرر عنه أو يصلح له حياته. ورغم إن فيه جوانب ممكن تكون إيجابية في القانون تم الإعلان عنها، لكن في نفس الوقت لسه بيكرس لمنطق الوصاية.
سؤال تاني: ليه الإصرار على النظر للمسيحيين ككتلة واحدة وابعتلنا كبير القبيلة بتاعهم نكلمه، مش مواطنين ليهم حقوق وعليهم واجبات مثل أي بشر مختلفين في الانتماء والأذواق والقناعات.
يعني إيه الكنيسة أعلم ببواطن الأمور بحسب دورها الرعوي؟
هل كل زوجين بالضرورة ملتزمين بالكنيسة وعلى قرب من القيادات الدينية بحيث يتقال إنها أعلم ببواطن الأمور؟
وأعلم من مين؟ من القاضي ولا الراجل ومراته المتخانقين؟
هل كانت عايشة معاهم مثلًا وتعرف تفاصيل وأسرار حياتهم؟
وهل لازم الدخول في دايرة من فضح الأسرار لكل الطبقات دي من المجتمع، كبار العيلة ومسؤولين الكنيسة، والقاضي والمحكمة والجيران والحبايب عشان في النهاية اتنين مش طايقين بعض عايزين يتفادوا شر ما، ممكن يحصل لو استمروا سوا؟
عندما نصرّ كدولة مؤسسات على معاملة المواطن المسيحي كجزء من طائفة لا كفرد مستقل، فإننا بذلك نمنح شرعية للمجتمع ليفعل الشيء ذاته، وتكون النتيجة محزنة للجميع؛ لأنه عندما يخطئ فرد يصبح العقاب جماعيًا، فنرى تهجيرًا قسريًا وحرقًا للبيوت واعتداءات، وذلك لأن المجتمع اعتاد رؤيتهم ككتلة واحدة. فإذا قام شخص بتصرف لا يرضي الجماعة يتم محاسبة الجميع، ويدفع الكل الثمن مقابل هذه النظرة المتعالية للمواطن.
من الحاجات اللي بتتقال إنها ميزة في المشروع هي قفل باب مافيا “تغيير الملة”، وده فعلًا كان باب فيه تلاعبات؛ ناس كانت بتغير الطائفة بشكل صوري عشان تعرف تطلق، وقدام القاضي الزوجين غير متحدي الملة أو الطائفة، بيتم الحكم بينهم وفق الشريعة الإسلامية بالطلاق أو الخلع. فالموضوع وصل إن سعر شهادة تغيير الملة بقى 100 و200 ألف جنيه مصري، وقفل الباب ده في حد ذاته خطوة مفهومة؛ لأن ما ينفعش حاجة زي دي تبقى بيع وشرا.
سؤال بقى:
الناس اللي فعلًا حياتها انتهت ومفيش أمل تكمل.. يعملوا إيه؟
قالك لأ ما احنا توسعنا في أسباب الطلاق، وبقى ممكن يتم مع تغيير الدين أو إعلان الإلحاد، طيب إيه الآليات اللي هيتعرف بيها الشخص أنه ملحد؟
نثبتها إزاي؟
وهل ده معناه إننا بنفتح باب جديد للكذب والتحايل؟
محتاجين نفهم بس بيفكروا إزاي..
وهل القائمين على الاقتراحات عندهم علم أن في مشكلة أصلًا عن ناس غيروا دينهم لنفس السبب بشكل صوري تمامًا وعايزين يرجعوا تاني مسيحيين ومش عارفين؟
هل عندهم علم بالعك ده؟
بجد صعبانة عليا الناس اللي عايشة في جحيم يومي وبتشوف عمرها بيضيع قدامها وهي مش عارفة تعمل إيه؟
من كام يوم شاب مسيحي طلع يحكي عن عنف أبوه وضربه لأمه وتهديده ليهم، أغلب الردود كانت روح افتح ملف وشوف الكنيسة هتقولك إيه، ناس عايشة فيلم رعب ومفيش طريق واضح يحميهم أو ينهي معاناتهم لمجرد إن في ناس تانية شايفة إن ده مش كفاية للانفصال.
شوفوا يا ولاد الحلال احنا هنفتح لكم سكة لو الدنيا قفلت في وشكم خالص وهنقول إننا عملنا إنجاز تاريخي.. إنجاز غير مسبوق، أسبق من أي حد، حلو.. إيه هو؟
هنفتح باب اسمه بطلان الجواز في حالة تم الجواز على غش وهنتوسع في أسباب الغش زي مثلًا شخص مدمن، شخص خبى بياناته، تاريخ من المرض العضال. كده هنعتبر الجواز باطل وما بني على باطل فهو باطل.. عظمة، وبعدين؟
مفيش.. في شرط صغير بس أن الشخص اللي اكتشف الخدعة قدامه 6 شهور من اكتشاف الخدعة يروح يطلب البطلان، طيب ولو الـ6 شهور خلصوا ومقدمتش لأي سبب؟
لأ معندناش والله.. حبوا بعض أسهل.
---
## تعتيم واختطاف الأحوال الشخصية
URL: https://tabcm.net/55176/
Type: post
Modified: 2026-04-29
ضمن لقاءات السيد المسيح التي سجلها لنا الإنجيل نتوقف أمام لقائين توجه الحضور فيهما له بأسئلة تتعلق بتنظيم أمور حياتية، أوردهما بالتتابع القديس لوقا، في أولهما: وقال له واحد من الجمع: «يا معلم، قل لأخي أن يقاسمني الميراث». فقال له: «يا إنسان، من أقامني عليكما قاضيا أو مقسما؟» ((إنجيل لوقا 12: 13، 14 ))، وفي ثانيهما كان السؤال من الجمع المحيط به: أيجوز لنا أن نعطي جزية لقيصر أم لا؟» فشعر بمكرهم وقال لهم: «لماذا تجربونني؟ أروني دينارا. لمن الصورة والكتابة؟» فأجابوا وقالوا: «لقيصر». فقال لهم: «أعطوا إذا ما لقيصر لقيصر وما لله لله». ((إنجيل لوقا 20: 22- 25 ))
وفيهما يؤسس السيد المسيح رؤيته في تقنين الشؤون الحياتية، ونحن في زماننا نحسب الميراث ضمن منظومة الأحوال الشخصية، بحسب الفقه القانوني، ويُمد الخط ليشمل الشأن العام حين يؤسس للفصل بين ما لله وما هو للدولة، ولما كانت الكنيسة هي المحملة بتفعيل القواعد التي أرساها مؤسسها، فيمتنع عليها أن تكون طرفًا في تنظيم شؤون رعيتها الشخصية المدنية، التي ـ بحسب المسيح ـ تقع في نطاق مسؤوليات الدولة.
ويقتصر دورها على إنارة الأذهان فيما يتعلق بالحياة الروحية الأبدية، وانعكاسات العلاقات الحياتية عليها، ومن هنا يمكن أن ندرك ما وراء قوله لهم: الحق أقول لكم: كل ما تربطونه على الأرض يكون مربوطا في السماء، وكل ما تحلونه على الأرض يكون محلولا في السماء. ((إنجيل متى 18: 18 ))، بأنه يتعلق بالأمور المرتبطة بالحياة الروحية والأمور المتعلقة بملكوت السموات.
إذ يفتتح البشير متى اللقاء الذي جاء فيه هذا الكلام بقوله: في تلك الساعة تقدم التلاميذ إلى يسوع قائلين: «فمن هو أعظم في ملكوت السماوات؟» ((إنجيل متى 18: 1 ))، وفي سياق هذا يكلمهم عن مهامهم في تجنب العثرات وفي البحث عن النفوس البعيدة والضالة التي نسميها في زماننا الرعاية والافتقاد، إذ يطرح أمامهم مثل الخروف الضال وسعي الراعي في البحث عنه حتى يجده.
ويستطرد بحديث مدقق عن دورهم في نبذ الخصام والفرقة وترسيخ مبادرة المصالحة، وهي الدوائر التي أعطاهم فيها سلطان الحل والربط، الذي يبقى مشروطًا بأن يكون اتفاقهم في حضور المسيح: وأقول لكم أيضا: إن اتفق اثنان منكم على الأرض في أي شيء يطلبانه فإنه يكون لهما من قبل أبي الذي في السماوات، لأنه حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فهناك أكون في وسطهم». ((إنجيل متى 18: 19، 20 )) ويضع أمامهم تحذيرًا صارمًا وهو يبين لهم مسؤوليتهم: ويل للعالم من العثرات! فلا بد أن تأتي العثرات، ولكن ويل لذلك الإنسان الذي به تأتي العثرة! ((إنجيل متى 18: 7))
فهم الآباء الرسل أبعاد مهامهم ومسؤولياتهم المنحصرة في الكرازة بالمسيح وبناء الكنيسة بحسب إرسالية المسيح لهم في باكورة ظهوراته لهم بعد قيامته المجيدة وأما الأحد عشر تلميذا فانطلقوا إلى الجليل إلى الجبل، حيث أمرهم يسوع. ولما رأوه سجدوا له، ولكن بعضهم شكوا. فتقدم يسوع وكلمهم قائلا: دفع إلي كل سلطان في السماء وعلى الأرض، فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس.وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به. وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر. ((إنجيل متى 28: 16- 20 )) بحسب ما سجله متي البشير في خاتمة إنجيله.
ولهذا عندما تحملوا مسؤولية الرعاية انتبهوا إلى حدود مهمتهم ومسؤولياتها، وبحسب ما سجله القديس لوقا في سفر أعمال الرسل الذي يرصد يوميات الكنيسة الأولى وفي تلك الأيام إذ تكاثر التلاميذ، حدث تذمر من اليونانيين على العبرانيين أن أراملهم كن يغفل عنهن في الخدمة اليومية. فدعا الاثنا عشر جمهور التلاميذ وقالوا: «لا يرضي أن نترك نحن كلمة الله ونخدم موائد. فانتخبوا أيها الإخوة سبعة رجال منكم، مشهودا لهم ومملوين من الروح القدس وحكمة، فنقيمهم على هذه الحاجة.وأما نحن فنواظب على الصلاة وخدمة الكلمة». ((سفر أعمال الرسل 6: 1- 4) وعبرهم تأسست خدمة الشمامسة، التي أشار إليها القديس بولس الرسول في أكثر من موضع في رسائله، ويمكن بقراءة معاصرة أن نحسبهم بالتوازى إرهاصات تبلور خدمة الأراخنة، وتقترب كثيرًا من فكرة «المجلس الملي» بعيدًا عن الهيراركية الإكليروسية.
وبغير التوقف كثيرًا عند نشأة المجلس الملي في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، 1874م، وما دار حوله من صراعات في تنازع حق إدارة الشؤون المادية والإدارية في الكنيسة بين الإكليروس والمدنيين من أبناء الكنيسة، التي لم تتوقف بامتداد تاريخه، وقد شهدت تنويعات على إبعاده وتجميده وأحيانًا محاولات تدجينه، حتى انتهى به الأمر إلى عدم الدعوة لانتخاب مجلس جديد بعد انتهاء دورته في 2011.
إن تأسيس المجلس يحسب أبرز علامات مشوار تحديث وإصلاح الإدارة الكنسية، واصطدم مع المجتمع الأبوي وتراثه وعزلته، وانفراد الإكليروس بإدارة الكنيسة، ومع ذلك فقد شهد المجلس دعمًا، في لحظات من تاريخه، من مستنيري الإكليروس، وحين أسند إليه إعداد مشروع قانون ينظم الأحوال الشخصية للأقباط الأرثوذكس، صدرت لائحته في 1938، كانت مرجعيته الأبحاث والدراسات التي قام بها القمص فيلوثاؤس عوض بتكليف من البابا كيرلس الخامس، وفي مقدمتها إعداد قانون الأحوال الشخصية (1876)، ثم كتاب “الخلاصة القانونية في الأحوال الشخصية للأقباط الأرثوذكس” (1896)، واستهله بتوثيق المفاوضات والملابسات التي أدت إلى وضع هذه القوانين، التي جاءت متفقة مع العقائد الكنسية وخبرته ككاهن (إيغومانس/قمص/مدبر) الكنيسة المرقسية بكلود بك، وصارت مقرا باباويا بقرار من البابا مرقس الثامن (1796)، قبل أن تنتقل لمقرها الحالي بالعباسية مع تنصيب البابا شنودة الثالث.
وهنا يتبين أن لائحة 1938 لم ينفرد المدنيون الأراخنة (العلمانيون) بوضعها، وأن ما روج لهذا المعنى يحتاج إلى تدقيق، ويحتاج أيضًا إلى اعتذار لهم لكونه زعمٌ يطعن في وعي وإدراك وفهم الأراخنة للقوانين الكنسية. على الرغم من أن تاريخ الكنيسة يحتفظ بأدوار لاهوتية وتعليمية للأراخنة العلمانيين لعل أبرزهم القديس أثناسيوس الذي بلور رؤية الكنيسة الإيمانية في مجمع نيقية، 325م، كعضو فاعل في الوفد الكنسي الأرثوذكسي السكندري وقتها، وهو بعد شاب قبل رسامته بطريركًا، وهي الرؤية التي بُني عليها قانون الإيمان النيقاوي الذي أعتمدته كل الكنائس بتوزيعاتها الجغرافية آنئذ.
وفي التاريخ المنظور يصادفنا أرخن مدني علماني هو الأستاذ حبيب جرجس الذي أسس وقاد تيار الإصلاح الكنسي المعاصر، وهو تلميذ للإيغومانوس فيلوثاؤس عوض، وقد تتلمذ على يديه طيف من شباب أربعينيات القرن العشرين وضمهم للجنة العليا لمدارس الأحد، وصاروا فيما بعد قادة ومدبري الكنيسة وفي مقدمتهم الأستاذ نظير جيد (قداسة البابا شنودة فيما بعد). واعترافًا من الكنيسة بدور حبيب جرجس النهضوي الكبير أعتمدته قديسًا وضمته إلى قديسي المجمع في ليتورجيتها.
---
## ليلة البحث عن داود عبد السيد
URL: https://tabcm.net/54748/
Type: post
Modified: 2026-04-28
في السابعة مساءً، داخل المسرح الصغير بدار الأوبرا المصرية، لم يكن الجمهور داخل قاعة عرض تقليدية؛ فالإحساس كان أقرب إلى جلسة استعادة؛ استعادة حياة وتجربة وأسئلة ظل صاحبها يطرحها حتى اللحظة الأخيرة.
العرض الأول لفيلم البحث عن داود عبد السيد، من إنتاج الجزيرة الوثائقية، جاء تحيةً متأخرةً لرجلٍ عاش السينما باعتبارها رحلة بحثٍ لا محطة وصول.
في الصفوف الأولى من القاعة، جلست أسرته والمقربون منه؛ وكانت أعينهم تتحرك بين الشاشة وذكريات شخصية واضحة على ملامحهم.
الفيلم لا يبدأ بسردٍ تاريخي مباشر، بل يفتح باباً على الإنسان قبل الفنان؛ يتحدث داود عن طفولته وعلاقته بعمه، وعن أبٍ كان شغوفاً بالمسرح والسينما، كأن الفن لم يكن قراراً اتخذه لاحقاً، بل بيئةً نشأ داخلها.
حكى عن لحظة تعثره الدراسي حين لم يحقق مجموع الثانوية، ليعلن ببساطة شديدة، كمن يعترف بأن الطريق لم يكن مستقيمًا، لكنه كان صادقًا بما يكفي ليقوده إلى معهد السينما.
الوثائقي يربط بين حياة داود وتحولات جيله؛ زمن الثورة والسد العالي، وأحلام انعكست لاحقًا في أعمال مثل «أرض الخوف». وهناك جملة يقولها داخل الفيلم تبدو كأنها تلخيص لمرحلة كاملة: قدمنا المشاريع.. وانتكسنا..، ليست شكوى بقدر ما هي قراءة هادئة لما حدث حينها.
واحدة من أكثر اللحظات صدقًا كانت حديثه عن الرقابة؛ يحكي كيف رُفض أحد المشاهد، فاختار أن “يلعب اللعبة” بطريقته، حيث سرد في الفيلم أنه أوهمهم بالتغيير بينما حافظ على الجوهر. يقولها ببساطة تحمل فلسفة كاملة: العب اللعبة كده.. تمام، بس أنا هلعبها كده.. هي ليست مراوغة بقدر ما هي فهم لطبيعة الصراع بين الفنان والواقع.
يفسح الفيلم مساحة كبيرة للجانب الإنساني؛ تتحدث زوجته كريمة كمال عن سنوات القلق، خاصة حين أصبح أبًا في فترة كان فيها بلا عمل تقريبًا؛ ست سنوات طويلة دون دخل ثابت، لكنه لم يتوقف عن الكتابة طوال هذه المدة. بالنسبة له، لم تكن الكتابة رفاهية بل وسيلة بقاء؛ تصفه كرجل ظل متمسكًا بفكرته عن الحياة حتى في أصعب لحظاتها.
عمره ما خاف.. كنا مبسوطين جدًّا ومرحلة وعدت.. داود المرة الوحيدة اللي خاف فيها كانت لحظة ما ولدت ابننا فادي، قال لي: ده قرارنا وعارفين نتحمله.. هو إيه ذنبه؟
(الكاتبة كريمة كمال تتحدث عن زوجها)
يتكرر داخل الفيلم سؤال البحث عن الذات؛ فداود لا يقدم نفسه بطلاً منتصراً، بل إنساناً تعثر كثيراً وتصالح مع ذلك. يقول في لحظة مكاشفة: أوهمك إني بقدم تنازل.. بس أنا بوهمك. تكشف الجملة فهمه للتوازن بين ما يقال وما يفعل، وبين البقاء داخل اللعبة دون فقدان الروح.
الموسيقي راجح داود يرى أن الفيلم لا يتعامل مع سيرة شخصية بقدر ما يقترب من منهج حياة، مؤكدًا أن العمل مع داود كان تجربة ثقافية شكلت وعي جيل كامل، بينما تعترف المخرجة هالة خليل بأن مشاهدة الفيلم كانت تجربة مؤثرة يصعب الحكم عليها بعين نقدية؛ فداود يظهر كإنسان حائر يبحث عن إجابات، ويترك الأسئلة مفتوحة كما هي.
صناع الفيلم أنفسهم يروون أن موافقة داود لم تكن سهلة، كما قال صانعه المخرج الوثائقي أسامة العبد، وكتب مادته البحثية أسامة عبد الفتاح، وشارك في بنائه فريق عمل اقترب من داود إنسانيًا قبل أن يكون فنيًا.
ينطلق الفيلم من سؤال بسيط طرحه المخرج نفسه على صناعه عندما طلبوا منه التسجيل معه: عايزين تعملوا فيلم عني ليه؟.. هذا السؤال لم يكن اعتراضًا، بل مفتاحًا دراميًا للصناع وبذرة ألقاها داود عبد السيد لهم، حيث إن الإجابة لم تكن توثيق مسيرة، بل محاولة لفهم معنى الرحلة.
يذكر المنتج أن الفيلم كان مخططًا له أن يكون احتفالًا بتجربة حية، لكنه بعد رحيل داود تحول تلقائيًا إلى ما يشبه الرثاء الحميم، دون أن يفقد روحه التأملية. ويتوقف الفيلم أيضًا عند سيناريوهات لم تُنفذ، وأعمال كتبها داود وظلت مؤجلة، وصفتها زوجته عند سؤالها عما إذا كان يمكن تنفيذ هذه الأعمال بقولها: هناك خوف واضح من أن يفقد العمل روحه إذا تولاه آخرون، لأنه كان يرى الكتابة والإخراج فعلاً واحداً.
تأتي نهاية الفيلم هادئة ومحمّلة بالمعنى؛ مشهد من فيلمه “الكيت كات” يختتم الرحلة، ومعه عبارة تبدو كأنها خلاصة حياة: اللي عملته هو اللي قدرت أعمله. لا انتصار صاخب ولا هزيمة معلنة، بل قبول إنساني لمسار طويل من البحث.
وفي تلك الليلة في دار الأوبرا، لم يكن الفيلم مجرد وثائقي عن مخرج كبير، بل كان مرآة لتجربة إنسانية يعرفها كل من حاول أن يعيش وفق فكرته الخاصة؛ فالتفاصيل تختلف، لكن الحالة واحدة: رحلة مستمرة بين ما نريده وما نستطيع.
ومن اللافت أن عرض فيلم من إنتاج الجزيرة الوثائقية داخل دار الأوبرا المصرية حمل دلالة خاصة؛ إذ لسنوات طويلة كان عرض إنتاجات الجزيرة في مصر أمرًا غير معتاد بسبب القيود المفروضة، لكن هذا العمل جاء بموافقة وزارة الثقافة، ليصبح في سياقه حدثًا ثقافيًا بقدر ما هو فني، وكأن الفيلم نفسه يكرر فكرة داود عن إيجاد المساحة الممكنة داخل الواقع.
---
## هل حاول السادات التخلص من البابا شنودة؟
URL: https://tabcm.net/12362/
Type: post
Modified: 2026-04-28
منذ أيام، استيقظت على جرس هاتف من صديقة، فالميديا القبطية ضجّت من حلقة "ريهام عياد" المعنونة "هل حاول السادات التخلص من البابا شنودة؟"، مما أدى لحذفها من فريق عمل برنامج "القصة وما فيها". لم تكن الحلقة مثار الجدل متاحة بعد أن تم حذفها، والذي كان متاحًا وقت بحثي عبارة عن ثلاثة فيديوهات تلوم حلقة ﻻ نراها. تابعت إثنين من الثلاثة على عجالة: واحد للإعلامية على القنوات القبطية نانسي مجدي، والأخر لشماس برتبة دياكون (مساعد كاهن) دُعِى ديوسقورس من فم الأنبا أغاثون، أسقف مغاغة والعدوة. ورسامته كشماس "مزرعة خاصة" تجعل رتبته معتلّة ومثار طعن، لذا سنخاطبه هنا باسمه العلماني: مينا أسعد كامل، مؤسس رابطة حماة الإيمان.
بدا لي أن الأستاذة “نانسي” ليست ذات خبرة في العمل العام وأن خبرتها منعزلة داخل المجال الكنسي بثقافتها الدينية المميزة. خلاصة كلامها أن أسلوب “ريهام عياد” غير ﻻئق دينيًا، وربما متعمدة لإهانة رمز ديني كقداسة البابا شنودة الثالث. في الحقيقة لقد شاهدت “ريهام عيّاد” في حلقات متعددة، وأستطيع التوكيد على أن أسلوبها الشعبي هكذا دائمًا حتى مع رؤساء الدولة، والمهم في البرامج هو مدى دقة السردية، وليس الأشياء الضميرية الخبيئة مثل مقاصد ونوايا المتكلم.
جميع ما أزعج الأستاذة “نانسي” هو شكلاني غير موضوعي ويمكن رده للاستنكار المعرفي لأي شخص نشأ في وسط كنسي محافظ، وهو نفس ما تم تكراره في فيديو ﻻحق للأب الراهب بولس الأنبا بيشوي ((الأب الراهب بولس الأنبا بيشوي، عبر صفحته الشخصية على يوتيوب، فيديو بعنوان: تصحيح معلومات مغلوطة عن قداسة البابا شنوده الثالث من شبابه حتي البطريركية. ))، والذي تم تقديمه إعلاميا بوصفه “سكرتير البابا شنودة” الراحل. كلاهما ارتأى مشكلة عويصة في القول بأن مجموعة المستنيرين والمثقفين والمؤسسين لمدراس الأحد (العلمانيين): دخلوا الدير بهدف الوصول لسلطة دينية في مفصليات الكنيسة.. بالنسبة لهم هذا عيب!! طيب الصح إيه؟ الرهبنة هي الهدف بذاتها!! والأدلة هي إيه؟ قصائد كتبها الراهب أنطونيوس السرياني (الأنبا شنودة ﻻحقًا)، تلك كانت كل الأدوات لحسم مسائل ضميرية!! أنظر للقصيدة وعش مع الأدب والحالة الشعرية!! هل هكذا ينبغي التعامل مع الرموز والشخصيات العامة في المناصب الحساسة كالباباوية؟ أن يتم تقييمهم وفقا لمعايير الرومانسية؟
بزعمي، هذا تخدير عاطفي.. فالروائية “أجاثا كريستي” كتبت مئات القصص عن مئات الجرائم، هل هذا يجعل منها “مجرمة”؟ أو هل نستطيع تقييمها على أنها شخصية سيكوباتية مثلا؟! الأستاذ نظير جيد له قصيدة وقتما كان طالبا بكلّية اﻵداب عن طموحة في أن يكون عميدا للكلية ((موقع الأنبا تكلا هيمانوت، قسم القديسين، باباوات الأقباط الأرثوذكس، 117-البابا شنودة الثالث: كلمات شعر فكاهي: يِعْمِلُونِي عَمِيد. ))، يكلم فيها زملائه ويقول: أنا لما هابقى عميد هالغيلكم الجغرافيا من المنهج وأعمل وأسوي وأنغنغكم وأخليكم تنجحوا بدون مجهود.. هل يمكن أن تؤخذ هذه القصيدة كدليل على الوصولية وإن له مطامح في الزعامة؟! ﻻ ﻻ طبعا وده اللي اسمه بجد عيب! منهج الاستدلال نفسه ظني، ويمكن أن يستخدم في الشيء ونقيضه!
طموح الإنسان، شهوة سلطة للرهبان
أيا كان المسمى الملائم لشغف الإنسان في أن يكون مؤثرًا في تغيير العالم للأفضل، فموضوع “شهوة السلطة” لدى البابا شنودة ربما يكون شيئا معيبًا وفق النسك الرهبانية التي تجبن عن الاحتكاك بالعالم وتعتبره “عالم شرير” ينبغي اجتنابه. لكنه شيء مشروع ومباح إداريًا وسياسيًا وإنسانيًا في أي سلطة ذات رؤية ومشروع.
من قال أن الرهبان هم استثناء من البشر ﻻ ينطبق عليهم علم النفس وعلم الاجتماع؟ وما دليله؟ هذا كلام نظري طوباوي مثالي جدا وﻻ علاقة له لا بالتاريخ وﻻ بطبائع البشر وﻻ حتى له علاقة بالواقع، إذ تنفيه نَظْرَة عابرة لبهرجة الأساقفة في سياراتهم أو مكاتبهم أو تذاكر الطيران درجة أولى!
إن كانت أدواتنا هي التاريخ ﻻ إعلام المخدرات الشعورية الأدبية، فوقت خلو الكرسي المرقسي عقب رحيل البابا يوساب الثاني، تقدم الراهب أنطونيوس السرياني -مع آخرين من تياره- للكرسي البطريركي، وفشلوا وتم استبعادهم بقانون وضع خصيصا لإبعاد الشباب حديث الرهبنة. وكل هذا مكتوب ومذكور في كل تأريخات وتدوينات الكنيسة من المعاصرين. لكن الأهم -برأيي- في مسالة شهوة السلطة هو ما كتبه د. “مراد وهبة” رفيق “نظير جيد” في مقال يصف فيه حوار شخصي بينهما على مقهى محطة مصر قبيل فكرة الرهبنة مباشرة.. والمقال نشر في حياة البابا عدة مرات دون أدنى اعتراض منه ((جريدة وطني، د. مراد وهبة: الطريق إلي الإصلاح الكنسي. بتاريخ 16 أكتوبر 2019. )).
نبدأ من المجمع المقدس المكون من أساقفة ومطارنة هم في الأصل رهبان وعددهم محدود وغير قابلين للعزل، وبالتالي فإنك إذا أردت التخلص من أحدهم بسبب فساد ما، فعليك الانتظار حتي يغادر هذه الحياة.
ثمة طريق آخر وهو مضاعفة عدد أعضاء المجمع المقدس، إلا أن هذه المضاعفة ليست ممكنة إلا بمضاعفة الإيبارشيات وذلك بتقسيم محافظات مصر، بذلك يمكن رسامة أساقفة ومطارنة جدد علي الإيبارشيات الجديدة ثم استطرد نظير جيد قائلا: ويمكن أيضا رسامة أساقفة عموم، أي أساقفة بلا إيبارشيات مثل أسقف للتعليم الديني وأسقف للخدمات العامة.
لمعت فكرة في عقل نظير جيد، قال: إذن نتجه إلي خدّام مدارس الأحد ونحرّضهم علي الرهبنة، ثم نختار منهم بعد ذلك من يكون صالحا لإحداث التغيير المنشود” وقد كان. إذ تمركز هذا التحريض في مدارس الأحد بكنيسة الأنبا أنطونيوس حيث كان نظير جيد من روادها الكبار إلي الحد الذي كان ينظر إليه علي أنه شخصية كاريزمية. وبدأ نظير جيد بنفسه فتردد علي دير السريان حيث كان يقيم أبوه الروحي الراهب الأب متي المسكين.
(مقتطفات من حديث “نظير جيد” مع “مراد وهبة” على مقهى محطة مصر)
وهذا يقودنا للفيديو الآخر لديسقورس المزارع: مينا أسعد كامل، مؤسس رابطة حماة الإيمان! إذ يبدو أنه خلط بين المنظّر للعلمانية د. مراد وهبة، وبين المؤسس للتيار العلماني المسيحي كمال زاخر وأغلب الفيديو عبارة عن جرائم تحريض وبث أكاذيب وهجوم شخصي على أي شخص يعبر بجوار الفيديو ولو على سبيل الصدفة!!
إذ بعد حركات العرضحالجية مثل عدم ذكر الأسماء حتى ﻻ يطاله القانون، زعم إن مؤسس التيار العلماني (كمال زاخر) قام بـ “حركة” غير ﻻئقة أمام نعش البابا شنودة والناس كلها شافته بس هو مش هايقول إيه الحركة.. وشخص من زملاء المزرعة دخل ليسانده في هذا التشهير مما دعى ديسقوروس المزارع الخلوق للتكرار: مفيش داعي نتكلم ومش هنقول عمل إيه.. شخصيًا، تخيلت إن أستاذ كمال قام بسلوك يعاقب عليه القانون في صندوق النعش! طرطر عليه مثلا.. ماهو كل واحد وخياله، والمجال مفتوح لإبداعك الظني بعد مفاعل ديسقورنوبيل لتخصيب اليورانيم ما اشتعل.
تواصلت مع أستاذي كمال زاخر وسألته مازحا عن المنكر الذي فعل، ليتضح إن أستاذ كمال لم يطأ الجنازة من الأساس!!
ناس أفاقة مدعية ضاربة أكونت قديس وﻻبسة هدوم شماشرجي قرن أوسطي صابغ صدره أسود، وقاعدة تلقح وتحرض على شخصيات عامة معروفة بالاسم بكلام أقل ما يقال عنه إنه وساخة!! هي دي حماية الإيمان وﻻ دي أخلاق ناس مش مؤمنة وكفار حتى؟! بزعمي دي أزمة تربية مش أزمة إيمان!
هل حاول السادات التخلص من البابا شنودة؟
استطعت الحصول على نسخة مسجّلة لحلقة “ريهام عياد”، وشاهدت الحلقة بتمعّن. وبكل صدق لم أجد ثمة معلومات خاطئة.. ربما هناك بعض الأمور المتعلقة بالموضوعية يمكن أن يعتبرها البعض إعلامًا موجهًا، وسأذكر أهمها:
التناول كان منحاز للسادات الذي لم يكن قطعا بهذه الطيبة والعقلانية. برأيي أن كثير من قرارات البابا شنودة تعتبر عبقرية وفقًا للمعايير السياسية، وربما لو فعل شيئا آخر ، لكانت “خربت أكتر”.. وبالمعايير السياسية البحتة يمكن أن نرى البابا شنودة ﻻعب “هجمة مرتدة” تندم صاحبها، لكنه لم يكن صانعًا لأحداث عنف مثلًا،، والفيديو، (عبر إخفاء كثير من مواقف السادات الطائفية) جعلني أرى البابا كرجل “غاوي مشاكل” وليس “متصديًا ماهرًا لواقع مفروض عليه بسلطة الدولة”، (وأنا لست من أبناء البابا شنودة نهائيًا وهذا معروف).
في مواطن اتقتل من أخوه المواطن الإرهابي، وحطوا سيخ حديد مسلح في مؤخرة الجثة لحد ما طلعت من راسه، وعلقوه في بلكونة بحيث الدم ينقط ويتصفى ويعمل بركة دم مرعبة في الشارع كله.. هذا ما نعرفه كأقباط عن مقولة السادات: غسيل مواطن نقط على أخوه المواطن والظاهر إن الميّة مش وﻻبد!!
الرئيس المؤمن السادات في أكتوبر عام ١٩٧٧تعمد زيارة الكاتدرائية في الظهيرة، حتى إذا جاء ميعاد صلاة الظهر، طلب سجّادة صلاة ومكانًا للوضوء داخل المقر البابوي، وأصر على أن يصلي بابا الأقباط مع الوفد المرافق صلاة الظهر ويعمل ركعتين على سبيل “الأسلمة الوطنية”، بينما السادات -الذي يؤم الصلاة- متعب قليلًا، ويجوز له الإمامة وهو جالس على كرسي. أخذا معه مصور جريدة الدولة بالإضاءة بكل ما يلزم بحيث صحافة الدولة تنشر الصورة تحت عنوان: صلاة من أجل مصر!
نعم، كان البابا شنودة يمارس السياسة، لكن السادات أيضا كان ﻻعبا دينيًا وليس فقط رئيس دولة! فما المطلوب منا كمشاهدين تقييمه؟
أيضا كان هناك بعض المبالغات مع الاعتماد على مصادر “معفنة” نوعا. قصة “محاولة السادات اغتيال البابا بصاروخ” ليس مصدرها وكالة أنباء الشرق الأوسط، وإنما سيادة المستشار نجيب جبرائيل في مقال منشور بجريدة اسمها «الشرق الأوسط». المقال منشور منذ ٢٠١٢ وقال “جبرائيل” وقتها في نفس المقال إن مصادره هي “المجمع المقدس” الذي سينشر كل شيء قريبًا في “مذكرات البابا شنودة” ((منى مدكور، الشرق الأوسط: مستشار شنودة: البابا تعرض لمحاولات اغتيال من القذافي والسادات | جبرائيل قال لـ «الشرق الأوسط» إن المجمع المقدس سينشر مذكراته قريبا. بتاريخ 2 أبريل 2012. )).
و”قريبًا” بالتأكيد ﻻ تعني مرور ١٠ سنوات دون كلمة واحدة من المجمع عن صاروخ السادات أو محاولة القذافي لأسلمة البابا شنودة!! فكلام سيادة المستشار تقييمه عندي: كلام مساطب وهجص شعبوي وليس كلام وكالة أنباء دولية.
بعيدًا عن هذه الملاحظات، فالحلقة مهمة جدًا وليس بها أي مشاكل قانونية نهائيًا، وأتمنى إعادتها متاحة.
وبعيدًا عن الملاحظات ذاتها، نحن -كأقباط- نحتاج أن نتأمل شخص البابا شنودة من زوايا أخرى غير دينية من الأساس. وربما يكون غير المسيحيين هم الأقدر على هذا من المسيحيين أنفسهم. أقول هذا بعد أن قام بعض الأقباط العاملين إعلاميا بالملف القبطي، بالتلميح السخيف والهمز واللمز أن “ريهام عياد” مسلمة الديانة، وإن هذا الملف حكرًا على الأقباط وحدهم. أقول هذا لأعلن أن هذا الكلام ﻻ ينحاز للحقائق وﻻ يكترث للكفاءة وإنما يوصم اﻵخر بدينه بطريقة “الكورة كرتنا والملعب ملعبنا والدفاتر دفاترنا والرمز رمزنا” لكي ينفرد بالساحة لترديد نفس الكلام الموجه الممل.
إضافة من الناشر: قرأ محتوى هذا المقال الأستاذ محمد منطاوي، مدير فريق الإعداد لبرنامج القصة وما فيها، وتواصل برسالة شخصية ودودة، ونظرا لحق الرد، ولأنها توضح موقفهم المهني وسياستهم التحريرية في المجمل، ارتأينا أهمية نشر الرسالة الشخصية على العلن، وقمنا بالاستئذان كتابيا في ذلك.
---
## الخميس ١٠ فبراير
URL: https://tabcm.net/54948/
Type: post
Modified: 2026-04-27
العاشر من فبراير لم يكن يختلف عن أيام الثورة السابقة سوى في ازدياد يقين الثوار بأن ساعة الحسم قد اقتربت، ورغم عودة الحياة في بعض شوارع القاهرة إلا أن من يقترب من الصورة أكثر يكتشف توقف عجلة العمل الحكومي في إدارات الدولة المهمة، خاصة مربع الحكم في مجلس الوزراء ومجلسي الشعب والشورى التي أغلقت مبانيها وعُطلت إداراتها تمامًا باعتصام الثوار أمامها، والسيطرة على مداخل ومخارج أبنية تلك المؤسسات.
في الثامنة صباحًا تقابل الثلاثي وائل غنيم وخالد البرماوي وعمرو سلامة مع صديق رابع لهم هو مصطفى أبو جمرة، وتحركوا للقاء د.حسام بدراوي بناءً على الاتفاق السابق. تحدث حسام بدراوي عن تاريخه الشخصي في محاولة تغيير الحزب من الداخل ومحاولاته المستقبلية للإصلاح، وعن محاولاته منذ اللحظة الاولى لقبول منصب أمين عام الحزب الوطني بالرغم من العقبات التي يلاقيها من رجال الرئيس، إلا أنه التقى به وعرض عليه فكرة التنحي وتفويض سلطاته لنائبه، وأن هناك قبولًا شخصيًا من مبارك، ولكن من حوله يحاولون الضغط عليه لرفض ذلك، خوفًا على مصالحهم الشخصية وأوضاعهم.
بدت تلك الفكرة مقبولة من الجميع تقريبًا، ورأى عمرو سلامة أن يخرج مبارك في خطاب رسمي يعلن، ويذكر فيه كلمة التنحي بكل وضوح ويعزي أسر الشهداء ويشيد بما رأه من الشباب، وبعد أكثر من ساعة من النقاش، أخبرهم حسام بدراوي أنه سيذهب إلى القصر الرئاسي، ويطرح الفكرة هناك ويؤكد أن ذلك هو مطلب الشباب، وسألهم أن كانوا يمانعون في لقاء مبارك، فلم يمانعوا في ذلك طالما هناك تأكيد على تنحيه، وهم ليسوا ذاهبين للتفاوض، فهم لا يمثلوا الميدان، لكن لم يحدث هذا اللقاء المرتقب وتم تنحية تلك الفكرة جانبًا.
نهاية يوم الخميس أمطرت السماء فوق ميدان التحرير بشكل غزير لأول مرة منذ بدء الاعتصام، ومع أن تلك الأمطار قد سببت الكثير من المضايقات للمعتصمين في هذا الجو شديد البرودة، إلا أن سقوط الأمطار في الثقافة المصرية يعني بشرة قدوم الخير، فقد ابتهج معتصمو التحرير بالأمطار بالرغم من تضررهم بها، لكن الأمطار لم تدم كثيرًا فقد توقفت تمامًا بعد ساعة ونصف فقط مما أشعر المتظاهرين أن العناية الإلهية تشفق عليهم وتحيطهم دائمًا.
استمر النظام ذلك اليوم في عناده تجاه مطالب الثوار متخذًا بعض الإجراءات التي تشير إلى أنه غير خائف ومصمم على البقاء وأنه لن يستجيب بشكل واضح لمطالب الثوار؛ بدا ذلك واضحًا في مشاهد الاجتماعات التي بثها التليفزيون الرسمي للرئيس مبارك مع النائب عمر سليمان ثم مع رئيس الوزراء أحمد شفيق، وكان رد الثوار على هذا العناد هو الصمود والاستمرار.
في أحد البرامج الحوارية في نهاية اليوم، زعم مصطفى بكري أن مبارك غادر مصر متجهًا إلى روسيا وأنه لا فائدة من بقاء الثوار في الميدان، وأن الخطاب الذي ألقاه مبارك مسجل منذ فترة، وطالب الثوار بالعودة من ميدان التحرير وذلك قبل التنحي بيوم واحد، ربما ظنًا منه أن تلك الحيلة قد تنطلي عليهم.
بدا أن الوقت هو عامل الحسم الرئيسي في الصراع بين الثوار والنظام، وقد كان الثوار يسبقون النظام بخطوات في تصعيد مطالبهم، بينما النظام يترنح مكانه لا يتحرك إلا بعد فوات الأوان، وتزداد الثورة صلابة بمرور الوقت، كان النظام يتصدع من داخله بانهيار الحزب الوطني الحاكم، ظهر ذلك في الاستقالة المدوية للأمين العام للحزب الوطني الحاكم د. حسام بدراوي من منصبه كأمين للحزب بل ومن الحزب نفسه، بالرغم من أنه لم يمضِ على تعيينه في منصبه أيام معدودة، مما أعطى إحساسًا باقتراب النهاية؛ فالمركب يغرق والجميع يفر منه.
استشعرت بعض القوى والأحزاب السياسية أن النهاية قد أصبحت وشيكة، ولن يتسنى لهم الحصول على أي مغانم من المفاوضات مع النظام، فبدأت الأحزاب التي شاركت في الحوار تعلن انسحابها معلنة فشلها وفي مقدمتهم حزب التجمع، وفي الرابعة عصرًا بدأ توالي أخبار تفيد بأن هناك بعض ضباط الجيش قادمين للميدان حاملين أخبارًا جيدة مرضية للمعتصمين.
ولم يمضِ قليل حتى أتى بالفعل ضابط جيش وسط جنوده حاملًا مكبرًا للصوت وألقى بيانًا قصيرًا: بسم الله الرحمن الرحيم، المجلس الأعلى للقوات المسلحة منعقدٌ الآن، وفي خلال دقيقة من الآن ستصدر قرارات لصالح جميع المتظاهرين في التحرير وأمام مجلس الشعب.
وبدأت الفرحة تعم المكان، ومرت الدقائق ولم يحدث شيء، وبعدها بساعة أتى اثنان آخران من ضباط الجيش، وتلوا بيانًا مشابهًا من فوق المنصة الرئيسية في قلب الميدان يفيد بأن هناك أخبارًا مفرحة في الطريق، وبدأت الشائعات تسري أن الطريق للتنحي أصبح قريبًا جدًا، بل وصدق البعض أن تلك الأخبار المفرحة المرضية هي خبر تنحي مبارك، وأن الجيش قد قام بانقلاب على مبارك وأجبره على الرحيل.
مع غروب شمس الخميس، جاءت لقطات من حوار صحفي للرئيس الأمريكي أوباما على الفضائيات، قال فيه: ما أريده هو حكومة ممثلة في مصر، وأنا على ثقة أن مصر إذا مضت في عملية انتقال منظمة فستكون هناك حكومة يمكن أن نعمل معها كشركاء، فعاجله المذيع بالسؤال: متى سيغادر مبارك؟، فأجاب أوباما: تعرفون، في نهاية المطاف الولايات المتحدة لا يمكنها إجبار…، فقاطعه المذيع مرة أخرى قائلًا: إجبار الديكتاتور على المغادرة؟، فأجاب أوباما بحسم: ما يمكننا قوله هو أن الوقت قد حان الآن. كانت تلك الكلمة السحرية التي ينتظرها الجميع، التي تعني بكل وضوح أن أوباما قد رفع يده عن تأييد مبارك، وأنه لمصلحة الجميع لا بد أن يغادر مبارك.
وفي الساعة الخامسة على قناة BBC، أكد حسام بدراوي أن حسني مبارك قد يستجيب لتطلعات الشعب قبل يوم الجمعة، وعلى نفس المحطة كان رئيس الوزراء أحمد شفيق أكثر تحديدًا وهو يقول: الرئيس قد يستقيل، في الوقت نفسه وعلى شاشة القناة الأولى المصرية حمل شريط الأخبار في منتصف الشاشة خبرًا عاجلاً يقول: الرئيس مبارك يوجه كلمة بعد قليل للأمة.
كانت كل الدلائل تسير في اتجاه واحد وبكل قوة.. أن مبارك سيعلن تنحيه الليلة لا محالة.
---
## الجحيم
URL: https://tabcm.net/51672/
Type: post
Modified: 2026-04-26
في الأبدية ستحيا ما بداخلك مع الساكن في أعماقك سواء كان فرح أو حزن، نزاع أو سلام، أنانية أو حب، فراغ وجوع أو امتلاء وشبع، إن كنت حيًا بذاتك لذاتك فستكون أبديتك هي وحدتك في جحيمك، وإن كنت حيًا بالله ولمن حولك فستكون أبديتك هي شركة مع الله وإخوتك في ملئ النعيم والبهجة والفرح.
فالجحيم هو ..
الجحيم هو ذلك المكان أو الحالة أو الرحلة التي يبغى الجميع بلا استثناء ألا يدخلوه أو يصلوا لها أو يعبروا بها، الكل ينشد الجنة والنعيم والفرح والسلام والهدوء والراحة الأبدية التي لا تنتهي، ولكن السؤال الخطير هل الكل حقا يريد؟!
حقا هناك سيكون البكاء وصرير الأسنان، حيث نار لا تطفئ ودود لا يموت، ولكن ليس هذا أسوأ ما يوجد هناك.
ستحيا الجحيم حينما تدرك أنك غير قادر على الحب، الحب الحقيقي وليس الكذبة التي صدقتها عنه طوال حياتك، ستنكوي بناره وتتلوى منها حينما تشتعل فيك الشهوة ولا تجدك إلا وحيدًا مع أنانيتك، أنانيتك التي رفضت أن تحب وتخرج خارج أسوارها نحو أخواتها، فلن تجد إلا ذاتك لتستهلكها وتخطف منها.
حينما تستعلن الحقيقة الهادئة المدوية، أن الحب الذي هربت منه طوال حياتك سيكون استعلان اشتياقك لكل ملئه وفي نفس الوقت انفصالك عنه فهذا سيكون جحيمك الأبدي.
ستحيا الجحيم حينما تنفرد بذاتك خلف تلك الأسوار التي ستصير لك سجنك مكبلة إياك داخلها بالخوف والرعب، سجن كالقبر مُقيَّدًا من الموت في ظلمة أبدية لا تنتهي، ستسعى جاهدًا أن تنفك ولكنك ستعجز عن أن تتوقف حتى عن المحاولة.
ستحيا الجحيم حينما ينكشف أمامك السر، السر الذي هربت منه طوال حياتك بكل الطرق الملتوية واللف والدوران بإرادتك الحرة الواعية حتى سكرت إلى الثمالة طوال أيام غربتك، السر الذي ناداك كثيرًا بأن تذوقه وتحيا به وفيه ولأجله ولكنك رحت تفلسفه وتنظره.
السر الذي سددت آذناك عن سماع صوته وطمست عيناك بالتراب وشهوته عن أن تراه، وفي الجحيم سيستعلن لك بالتمام، السر أن العسل الذي اشتهته نفسك وتذوقتهُ يسيرًا جدًا، أما نعمة موهوبة لك أو سرقة منك، لم يكن فقط في متناول يديك بل ساكنًا داخلك يناديك، حينها ستكون الصدمة مروعة والدَهش منها مُدوِّي لكل كيانك.
ستحيا الجحيم حينما تسقط كل تلك الأكاذيب وتستعلن الحقيقة الواحدة ألا وهي أن العسل كان داخلك وأنت ظللت تبحث وتفتش عنه لتسرقه من الخارج.
ستحيا الجحيم حينما تكون بالرغم من كونك بين الكثيرين الذين سيكونون على شاكلتك آلهة ذواتهم إلا أنك ستظل وحيدًا، حينما تخطفوا من بعض وتستغلوا بعض وتأكلوا لحم بعض ولا تشبعوا وتشربوا من دماء بعض ولا ترتوا، حينما ستشتهي أن تفنى لتنهي تلك المتاهات والدوامات والمرار الذي ليس له نهاية ولا تجد.
ستحيا الجحيم حينما تدرك أن ملكوت الله ونعيمه كان داخلك وأنت انتزعت نفسك منه وأعطيته ظهرك لاهيًا على السطح بالأباطيل، حينما تدرك أن اسمك كان مكتوبًا بأحرف من نور في سفر الحياة وأنت بيدك مسحته وطفأت نورهُ بغبائك وجهلك وكبريائك وأنانيتك، إنك كنت غصنا في كرمة ينتظر منك أن تأتي بثمر البر وأنت قطعت نفسك بإرادتك لتثمر شرًا وإثمًا.
ستحيا الجحيم حينما تدرك حينئذ أنك ظللت تحيا طوال حياتك كعبد ذليل لعالمٍ قد وضع في الشرير، في حين أن دعوتك هي أن تصير ابنًا لله ووارث حياته الأبدية ونعيمة الدائم في حضنه.
أعمق جحيم هو لمن رفضوا الحب المقدم إليهم، مَن رفضوه وأهانوه وأحتقروه ورذلوه واستغلوه وظنوا فيه كل أمر شرير حتى صلبوه وقتلوه، مرة بعد المرة حتي صار رفضهم للحب أسلوب حياة واتجاه، حتى صار يوميًا يزدرون بروح الحب والحق ونعمته، الذي فيه حياتهم ونعيمهم فيجدفوا عليه وعلى أعماله حولهم وعلى صوته داخلهم.
وتلخيصًا لكل ذلك، ذاتك بأنانيتك ستكون هي جحيمك وكبرياءك سيكون هو أسوار الظلام الكثيف الذي يمنعك أن ترى سبيل للخروج من هناك، فالذات هي منبع كل الشرور.
---
## من أقامكم علينا قضاة ومشرعين؟
URL: https://tabcm.net/6357/
Type: post
Modified: 2026-04-26
استعرض في هذا المقال ثلاثة مشاهد، من ثلاث شخصيات، في ثلاثة أزمنه، شكّلوا برأيي نقاطا مفصلية في واقعنا المعاصر، وبالأخص في مسألة اﻷحوال الشخصية للأقباط اﻷرثوذكس. تاركًا طرح رؤيتي الشخصية أسفل كل مشهد.
«( المشهد اﻷول )» ((يسوع المسيح، إنجيل لوقا، الإصحاح الثاني عشر، ١٣-١٤. ))
١٣ وقال له واحد من الجمع: «يا معلم، قل لأخي أن يقاسمني الميراث».
١٤ فقال له: «يا إنسان، من أقامني عليكما قاضيا أو مقسما؟»
(يسوع المسيح، بحسب إنجيل لوقا، الإصحاح الثاني عشر)
المشهد اﻷول: [يسوع المسيح]
ملابسات هذا المشهد:
شخص من الجمهور أخوه سلبه ميراثه، والتمس في المسيح “راباي” (مُعلم) وله موقفًا قويًا معاديًا للظلم، فطلب تدخل المسيح بينهما ساعيا للعدالة في أمور الحياة [تقسيم ميراث / أحوال شخصية بالمصطلح القانوني] فرفض المسيح التدخل بينهما لأنه “ليس قاضيًا وﻻ مقسّمًا” صانعا بذلك فصلًا واضحًا بين الدور الكهنوتي، والدور القضائي.
تفسيرات كثيرة تناولت هذا المشهد ووصلت لمحصلة الفصل بين الكهنوت والقضاء وعدم التداخل بينهما وظيفيًا… لكن ما أود التركيز عليه هنا هو الحكمة التي عرفناها [كعلمانيين] حاليًا من ذلك، وربما تكون خفيت عن المعاصرين للمسيح وتلاميذه بل وكثير من اﻵباء لعدم رؤيتهم لمستقبل الكنيسة، والذي بالنسبة لنا تاريخًا تراكميا مهيبًا من التجارِب اﻹنسانية.
بأعين عصرنا الحالي، نؤمن أن كفاءة مهنة القضاء تخضع لمعايير محددة ﻻ يمكن العمل إﻻ بها. فهي في عصرنا مثلا تأخذ باﻷقوال الظاهرة وليس بالنوايا الباطنة. تأخذ باﻷدلة المادية وﻻ تأخذ بالظنون الفكرية، وكل هذا بالتأكيد هو مساحة عمل مختلفة عن المساحة الكهنوتية الروحية والتي تعتمد على التأثير الوجداني، ويحق لها [السلطة الكهنوتية] العمل في المساحة العاطفية والشعوبية والملامسة للضمائر أو تلك التي تخاطب الظنون والشكوك والسعي لتقويمها وتحسينها. أي يحق لها ما ﻻ يحق للقاضي بشرط أﻻ تمارس دور القاضي.
اﻷمر هنا أعقد من “عدم الجمع بين سلطتين” في النظم الديمقراطية، إنما هو يرتقي لتحرير كلا السلطتين من سطوة اﻷخرى، والأمثلة الواقعية والتاريخية أكبر من أن تعد أو تحصى على وجوب “التجرّد القضائي”. لكني مضطر للقفز فوق كل هذا والتركيز على النسق اللاهوتي، شارحًا لمن يريد تصالحا بين الدين والدنيا.
وقبل أن يأخذها علينا المتصيّدون، فنحن نفرّق بين مجيئين للمسيح. المجيء اﻷول قد تم في المسيح المخلّص كما عرفناه. أما المجيء الثاني فهو “مجيء الدينونة”، وهو مسيح مختلف يتناوله اﻹسخاتولوجي ((الإسخاتولوجيا أو علم الأخرويات أو علم آخر الزمان (بالإنجليزية: Eschatology) «جزء من اللاهوت معني بالموت والدينونة والمصير النهائي للنفس والجنس البشري». )) لمن أراد المزيد من التفصيل ولن نتناوله في هذا المقال.
«( من كان منكم بلا خطيئة، فلينفذ شرع الله فيها أوﻻ )» ((يسوع المسيح، إنجيل يوحنا، الإصحاح الثامن، ١٠ -١٥. ))
١٠ فلما انتصب يسوع ولم ينظر أحدا سوى المرأة، قال لها: «يا امرأة، أين هم أولئك المشتكون عليك؟ أما أدانك أحد؟»
١١ فقالت: «لا أحد، يا سيد!». فقال لها يسوع: «ولا أنا أدينك. اذهبي ولا تخطئي أيضا».
١٢ ثم كلمهم يسوع أيضا قائلا: «أنا هو نور العالم. من يتبعني فلا يمشي في الظلمة بل يكون له نور الحياة».
١٣ فقال له الفريسيون: «أنت تشهد لنفسك. شهادتك ليست حقا».
١٤ أجاب يسوع وقال لهم: «وإن كنت أشهد لنفسي فشهادتي حق، لأني أعلم من أين أتيت وإلى أين أذهب. وأما أنتم فلا تعلمون من أين آتي ولا إلى أين أذهب.
١٥ أنتم حسب الجسد تدينون، أما أنا فلست أدين أحدا.
(يسوع المسيح، بحسب إنجيل يوحنا، الإصحاح الثامن)
ﻻ يخفى على أحد القاعدة القانونية التي تقول أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته. أما في فلسفة “المسيح المخلّص” فلا إدانة من اﻷساس، إي انسداد كامل في الخطوة اﻷولى من مسار التنازع القضائي. قد يقلل هذا من كمية البشر الذين يذهبون للقضاء لفض نزاعاتهم ويجعلهم يلجأون لوسائل غير معيارية تحيد عن مسألة العدالة، ربما تكون أكثر ملائكية مثل “الصفح” أو “التسامح”، أو أكثر شيطانية مثل النزوع للانتقام أو “أخذ الحق بالدراع” خارج إطار القانون.
الثابت لدينا أن يسوع قد حاول فعلا في أكثر من موقف تحفيز أتباعه على الملائكية والغفران والتسامح وتقديم المحبة حتى للأعداء والخصوم. لكن ﻻ شيئ مضمون أو قابل للتنبؤ في ردود أفعال الإنسان إذا ما شعر بالغبن والظلم. فبطرس مثلا قد استل سيفه وقطع أذن عبد رئيس الكهنة في سلوك يبدو لنا دفاعًا مقبولًا عن النفس. إﻻ أن المسيح انتهره، إذ إن بطرس يمثل الكهنة، ومن ثم هو مسؤول عن الغفران وﻻ يجب عليه الانشغال بالمنظور الحقوقي أو مسألة العدالة من اﻷساس، بل بتعليم غيره كيف يكون الصفح والتسامح والقدوة الملائكية حتى لو قاد ذلك إلى وضع غير عادل مثل الموت هو أو سيده.
كل قوانين الكنيسة اﻷولى تجرّم حمل السلاح ولو دفاعًا عن النفس، وترفض الانخراط بالجندية ولو دفاعًا عن الأرض أو الموارد الطبيعية أو البشر، وإن تم إجبار المسيحي على التجنيد اﻹلزامي فهو يعامل كخاطئ يحتاج توبة ويُحرم من حياة الشركة، وإن كان كاهنا فمصيبته أعظم ويقطع من الكهنوت. ((راجع القانون ٨٣ من قوانين الرسل، والقانون الخامس من قوانين القديس غريغوريوس النيسي، والقانون ١٤ من قوانين هيبوليتس، القرن الرابع. ))
– ديماس على الصليب: عدﻻً إن أدنتني
– يسوع: اليوم تكون معي في الفردوس ((يسوع المسيح، إنجيل لوقا، الإصحاح ٢٣. ))
قد تبدو دراسة النص السابق أوضح في مسألة الغفران غير المشروط وربما بشكل أعمق من نموذج المرأة التي أمسكت في ذات الفعل، إﻻ أن المشهد العام لقبول “ديماس” للدينونة على اﻷرض يشكّل تماسًا وتصالحًا مع فلسفات الردع اﻷرضية، أو العقاب اﻷرضي، أو العدالة النسبية من البشر، كوسيلة عقاب عن ارتكاب الذنوب.
هل حصل “ديماس” على فردوس المسيح لأنه قدم اعترافًا وتوبة (فقط)؟ أم لأنه تقبّل العقاب أولا -بالموت صلبا- على جرائمه؟
بطريقة أخرى: ماذا لو قال “ديماس” للمسيح أنا أخطأت وأعترف بجرائمي لكني ﻻ أريد الموت، فمن فضلك خلصني؟ أليس هذا تقريبًا لسان حال “جيزماس” (اللص اﻵخر) الذي لم يقدم له المسيح وعودًا بالفردوس؟
على كلٍ، ليس مهمٌ الحسم في هذه المسألة، واعتبر كل ما سبق هو توطئة وتمهيد للمشهد الثاني..
«( المشهد الثاني )» ((بولس الرسول، الرسالة الأولى لأهل كورنثوس، الإصحاح الثالث. ))
٢ ألستم تعلمون أن القديسين سيدينون العالم؟ فإن كان العالم يدان بكم، أفأنتم غير مستأهلين للمحاكم الصغرى؟
٣ ألستم تعلمون أننا سندين ملائكة؟ فبالأولى أمور هذه الحياة!
٤ فإن كان لكم محاكم في أمور هذه الحياة، فأجلسوا المحتقرين في الكنيسة قضاة!
٥ لتخجيلكم أقول. أهكذا ليس بينكم حكيم، ولا واحد يقدر أن يقضي بين إخوته؟
(بولس الرسول، الرسالة الأولى لأهل كورنثوس، الإصحاح الثالث)
المشهد الثاني [بولس الرسول]
ملابسات هذا المشهد:
يُعالج الرسول بولس موضوع “المحاكم الزمنية” [النزاع القضائي]. من بعد أن فصل المسيح التقاضي عن سلطة الكهنوت.
هل يمكن للأخ أن يشتكي أخاه في المحكمة؟ الواقع المعاصر يقول “نعم” والابن واﻻبنة يمكن لهم أن يشتكوا اﻷب واﻷم وتوقع عليهم عقوبات مغلظة إن ثبتت إدانتهم، فمثلا اﻷب الذي اغتصب طفلته الرضيعة مسببًا شرخًا بين الشرج والمهبل فهو مغتصب + مخل بمسؤولياته اﻷبوية، وهكذا اﻷمر باﻷم التي تدفع ابنتها للبغاء مثلا. وهكذا اﻷخ الذي يتحرش بأخته، أو الكاهن الذي يهتك أعراض المخدومين ((مثل القمص “رويس عزيز”، والذي مات دون عقاب أرضي عادل على جرائم هتك العرض لعدم لجوء الكنيسة للمحاكم اﻷرضية. ))، أو الراهب الذي يجهض عاملة في الدير بعد زناه بها ((مثل الراهب “إشعياء المقاري”، والذي تم إعدامه شنقا لقتله اﻷنبا “إبيفانيوس”، رئيس دير أبومقار، وبذلك سقطت اﻹحالة في قضية إجهاضه لعاملة الدير قبل أن تحبل بطفل خطيئة. )). فالنظام العائلي والتأخي بين الناس يجب أن يكون دافعا للحماية واﻷمان وليس مستنقعًا للرذيلة. وﻻ يليق بالكنيسة أن تكون وكرا آمنا ﻹناس فوق المحاسبة. لذا فهذه الجرائم [الشاذة] يتم التعامل معها بمعيار ردع مضاعف العقاب في أي نظام ساعٍ لتحقيق اﻷمان المجتمعي.
لكن في هذا المشهد ﻻ يمكننا توقّع أن يرى الرسول بولس ما نراه اﻵن من قيم معاصرة، فنحن نتحدث عن مؤسس الهيكل التنظيمي للكنيسة التي كانت وقتئذ “جماعات” إيمانية ناشئة (كنائس) في عصر لم تكن فيه المسيحية دينا ذو كراسي ورئاسات وقيادات وطوائف كما هي اﻵن، بل أشبه بطائفة نصف يهودية تحاول الاستقلال والانتشار وﻻ يوجد لهم محاكم خاصة، بل النزاع يُنظر أمام محاكم يهودية شرعية ((يمنح القانون الروماني ما يشبه الحكم الذاتي للممالك المحتلة، فيما عدا اﻷمور الجسيمة مثل القتل. )) وفي هذه السياقات نجد الرسول بولس يوبخ الكورنثوسيين لأنهم يقودون بعضهم البعض إلى المحاكم من أجل أمورٍ تافهةٍ، إذ لا يليق كسر المحبة الأخوية بالدخول في قضايا ومحاكم من أجل أمور زمنية.
تفسيرات كثيرة تناولت هذا المشهد بشكل معيب ومتضارب وغير منطقي، يقلب الملائكة لشياطين. لنتناول بعضا منها على عجالة:
ليس له [بولس] كرسي للحكم. لكنه بحق يحسب نفسه ضمن القضاة عندما يقول: ألستم تعلمون أننا سندين ملائكة؟ ((القديس أغسطينوس، City of God 20:5. ))
(القديس أغسطينوس، City of God 20:5)
لا يتحدث بولس هنا عن ملائكة حقيقيين بل عن الكهنة ومعلمي الشعب الذين سيُدانون بواسطة القديسين بسبب بطلان تعليمهم الخاص بالمسيح. ((سيفريان أسقف جبالة، Pauline Commentary from the Greek Church. ))
(سيفريان أسقف جبالة، Pauline Commentary from the Greek Church)
يقول البعض أنه يشير هنا إلى الكهنة، لكن الأمر بعيد تمامًا عن هذا. حديثه هنا عن الشياطين. فلو أنه كان يتحدث عن الكهنة الفاسدين لكان يعني ذلك في العبارة: إن القديسين سيدينون العالم. [لأن الكتاب المقدس اعتاد أن يدعو الأشرار أيضًا “العالم”] ولما كرّر الأمر مرّتين. ((القديس يوحنا ذهبي الفم، In 1 Corinth., hom. 16:5. ))
(القديس يوحنا ذهبي الفم، In 1 Corinth., hom. 16:5)
يقصد بولس هنا بالملائكة الشياطين الذين كانوا قبلًا ملائكة ((ثيؤدورت أسقف قورش, PG 81:60. ))
(ثيؤدورت أسقف قورش, PG 81:60)
بعيدًا عن الكلام -غير المدروس- للآباء في تفسيراتهم، يبدو أمامنا أن الرسول بولس يتحدث عن نزاعات داخل اﻷسرة المسيحية في أشياء تأخذ أحكامًا مغايرة لليهودية وتعتبرها المسيحية شرا ((مثل ما نسميه “اﻷحوال الشخصية للمسيحيين” حاليا، فاليهودية تبيح تعدد الزوجات بينما المسيحية ﻻ، وترى التعدد كما الزنا [عمل غير أخلاقي]. )) وأنا أقصد اليهودية تحديدًا لأنه في هذا العصر يوجد خمس درجات من التقاضي ((القمص تادرس يعقوب ملطي، سلسلة “من تفسير وتأملات الآباء الأولين”، تفسير رسالة كورنثوس الأولى. )) هم من اﻷعلى للأدنى كالتالي:
مجلس السهندرين الأعلى: ويضم 72 شيخا، يجتمعون في أورشليم، ولهم أعلى سلطة قضائية دينية [شرعية]
مجلس السهندرين اﻷصغر: ويضم 25 شخصا، في المدن الكبرى خارج أورشليم
المجلس الثلاثي القضاة Bench of Three
المجلس الرسمي Authorized / Authentic Bench
المجلس العرفي: ويدعى هكذا لأنه يستمد سلطانه ﻻ من السهندرين اليهودي، وإنما بتراضي اﻷطراف المتنازعة
إذن فاﻷرجح أن الرسول بولس يوبخ المسيحيين في كورنثوس على لجوئهم للقضاء الشرعي اليهودي، ليحكم فيهم بناموس يهودي باطل يتحكم في شؤونهم الشخصية [تم إبطال العمل بالناموس (القانون) اليهودي بإتمام الفداء، ورسائل الرسول بولس اﻷخرى تشرح ذلك بشكل مفصّل في مواقع أخرى].
ومن ثمّ، يكون المقصود في قوله: أيتجاسر منكم أحد له دعوى على آخر أن يُحاكم عند الظالمين وليس عند القديسين؟ أن المقصود بالظالمين هم الكهنة فعلا باعتبارهم يرأسون القضاء ويتحكمون فيه من خلال مجلس السهندرين اﻷعلى. وبشكل يعضّد ما رسّخه المسيح بالفصل بين سلطة الكهنوت الروحية وسلطة القضاء الزمنية.
ويكون المقصود بقوله: ألستم تعلمون أننا سندين ملائكة؟ فبالأولى أمور هذه الحياة أن المقصود بالملائكة هم “قديسوا اليهودية وأنبيائها” وليس الشياطين أو العالم بالمجمل، والمعنى اﻷعمق أن حياة وسلوكيات وأخلاقيات القديسين المسيحيين ستدين بالتبعية حياة وسلوكيات وأخلاقيات القديسين اليهود، إذا ما تم عقد المقارنات بينهما.
بشكل أكثر بساطة، يدعو الرسول بولس كنيسة كورنثوس ﻹقامة ما يشابه “المجلس العرفي” خاص بالمسيحيين، أي الدرجة الخامسة (المحتقرة) في هرم التقاضي. المحتقرين هنا ((الترجمة الحرفية تعني: “الذين هم بلا كرامة”. )) تعني المساكين وتعني أيضا “غير المهنيين” Laymen بمعنى غير كهنوتيين (علمانيين)، والمعنى المجازي هنا أن “المحتقرين”، الذين لا يُوثق فيهم، سيكونون أكثر عدلا من اليهود حين يحكموا في قضاياكم الداخلية.
وهو ما قد تم فعلا بعد ذلك بتعيين نظام قضائي ديني (قضاء شرعي) بمعزل عن الكهنوت لكن ليس بمعزل عن الكنيسة. لكن التعمق فيه وفي سقطات الانصهار والانفصال عن السلطة الرهبانية (رهبان الباربوﻻني واﻷساقفة والباباوات بعد عصر اﻵباء) هو أمر مخجل ووحشي، ويخرج بنا عن نطاق هذا المقال ويحتاج مقالات مفصّلة. ((بحسب مخطوطات “يوحنا أسقف نقيوس”، فحادثة تعذيب وقتل الفيلسوفة “هيباتيا” تمت كحكم قضائي شرعي على يد القاضي “بطرس” لقيامها بالسحر واستخدام الأسطرلاب. ))
«( المشهد الثالث )» ((المواد ٨، ٩، ١٢ من اللائحة الأساسية للمجمع المقدس. ))
٨) المجمع المقدس هو السلطة التشريعية العليا
٩) المجمع المقدس هو السلطة القضائية العليا
١٢) قرارات المجمع نهائية ﻻ يعاد النظر فيها
(المواد ٨، ٩، ١٢ من اللائحة الأساسية للمجمع المقدس)
المشهد الثالث [السهندرين – المجمع المقدس]
ملابسات هذا المشهد:
رسميًا: صدرت هذه اللائحة للمناقشة يوم السبت الموافق 1 يونيو عام 1985، وتم التوقيع عليها في اليوم التالي، اﻷحد الموافق 2 يونيو 1985. ((راجع اللائحة اﻷساسية للمجمع المقدس، اﻹصدار الثاني، مارس 2021. ))، لكن فعليًا بدأ العمل على إنشاءها بعد أحداث اغتيال الرئيس السادات في سبتمبر 1981، بتفاهمات وضغوط سياسية متبادلة في الغرف المغلقة بين البابا شنودة الثالث والرئيس محمد حسني مبارك، خلال استمرار فترة اعتقال البابا شنودة في عصر مبارك.
تجلت اﻷزمة بين المجمع المقدس والدولة المصرية عقب صدور قرار السادات باعتقال البابا شنودة، ورفض المجمع المقدس تسيير أعماله أو الاجتماع من دون وجود البابا رئيسًا للمجمع. وكان مبارك يريد حل هذه اﻷزمة بتقديم ضمانات من الدولة بعدم تكرارها، وهو ما تحقق في المواد 15، 16 والخاصة بعدم جواز اجتماع المجمع المقدس بغير رئاسته في حياته.
ويبدو أن المفاوضات والضغوط المتبادلة قد أثمرت عن ﻻئحة ما هي بلائحة عادية، ولكنها تستلب من الدولة السلطتين التشريعية والقضائية مع تحصين قرارات المجمع من إعادة النظر أو الإلزام بالقانون العام أو دستور الدولة. وكل هذا باطل بموجب كونها “ﻻئحة داخلية” غير ملزمة لغير أعضاء المجمع. لكنها بالتأكيد تثير اضطرابات وشائعات داخل المجتمع القبطي أو خارجه [اﻹخوان مثلا] فور حدوث أي حدث يبرز هذا التناقض.
بموجب بعض المواد من هذه اللائحة، أو بحسب اعتقاد أعضاء المجمع المقدس في صحتها، يحصل المجمع المقدس على دولة ذاتية شعبها هم المسيحيين، ويجمع بين السلطات الروحية العليا، والتشريعية العليا، والقضائية العليا، وتحصن قراراته من الطعن أو اﻹشراف، ومن قبل ظهور المادة الثالثة في الدستور المحلي، والتي تتعاون قطعا مع المادة الثانية في التكريس لدولة طائفية.
جدير بالذكر، أن تم تحديث هذه اللائحة في عصر البابا تواضروس، لكن كلها تعديلات ﻻ تمس هذه المواد -المعيبة- بل تعديلات شكلية ربما أقصاها يتعلق بتقليص صلاحيات البابا، كتعديل المادة 16 الخاصة بانعقاد المجمع من دون البابا، أو المادة 45 والتي تستبدل توقيع البابا بتوقيع ثلاثة أرباع لجنة السكرتارية.
والسؤال ما زال مطروحا: من أقام المجمع المقدس قضاة ومشرعين؟
وما الفارق بين سلطات المجمع المقدس وبين “السهندرين الأعلى” الموصوف بـ”الظالمين” عند الرسول بولس؟
---
## لا لقانون “بولا” في احتلال الحياة الشخصية
URL: https://tabcm.net/55113/
Type: post
Modified: 2026-04-25
بعد ظهور بوادر لإقرار تعديلات على قوانين الأحوال الشخصية في مصر، طالبتُ في المقال السابق ((بيتر مجدي: لا تسلقوا “اﻷحوال الشخصية” ))، بأمرين:
أولهما أن تؤدي الدولة دورها تجاه مواطنيها بإقرار قانون مدني موحد لكل المواطنين المصريين، يضع قواعد محددة تُطبّق عند عقد الزواج وعند فضه بالطلاق، ويكون مبنيًا على المواثيق والمعاهدات الدولية المرتبطة بهذا الموضوع التي صدّقت عليها مصر، بعيدًا عن سلطة المؤسسات الدينية، وأن تُراعى مصلحة الأطفال عند فض الزواج.
والأمر الثاني هو إجراء حوار مجتمعي حقيقي لمعرفة آراء أصحاب الشأن الذين يُطبّق عليهم القانون، ولأننا أمام أمر واقع، فهذا المقال يناقش مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين.
لمحة تاريخية
كانت الأحوال الشخصية للمسيحيين تحكمها لائحة صدرت في عام 1938 عن المجلس الملي العام، وكانت أفضل المتاح في التعامل مع ملف الأحوال الشخصية؛ لأنها وضعت 9 أسباب للطلاق، وهي: الخيانة (الزنا)، خروج أحد الزوجين عن المسيحية، غياب أحد الزوجين 5 سنوات متتالية، سجن أحد الزوجين سبع سنوات فأكثر، الإصابة بالجنون أو أي مرض غير قابل للشفاء أو العنة، إذا اعتدى أحد الزوجين على الآخر، إذا ساء سلوك أحد الزوجين وانغمس في الرذيلة، إذا أساء أحد الزوجين معاشرة الآخر وأخل بواجباته وحدث نفور وفرقة لمدة 3 سنوات متوالية، وإذا ترهبن الزوجان أو أحدهما. ((المجلس الملي العام، ﻻئحة الأحوال الشخصية للأقباط الأرثوذكسيين [ لائحة ١٩٣٨ المعدلة في ٢٠٠٨ ] ))
وفي عام 2008، تَمَّ إلغاء 7 من المواد الخاصة بالطلاق وتعديل بعض الأمور في المادة الخاصة بالزنا وما في حكم الزنا والإبقاء على تغيير الدين، وصدرت تصريحات من عديد من الأساقفة على مر السنوات الماضية تنتقد تلك اللائحة، باعتبار أن من وضعها علمانيون، وكأن العلمانيين ينقصهم الإيمان.
مع أن هذه اللائحة بموادها رغم قدمها تتماشى مع تعاليم المسيح في إنجيل متى: ولكن أقول لكم: إن ههنا أعظم من الهيكل! فلو علمتم ما هو: إني أريد رحمة لا ذبيحة، لما حكمتم على الأبرياء! فإن ابن الإنسان هو رب السبت أيضا ((إنجيل متى 12: 6-8 )).
ومع ما جاء في الفقرة اﻷولى من المادة 16 من اﻹعلان العالمي لحقوق اﻹنسان الصادر في 10 ديسمبر 1948: للرجل والمرأة، متى أدركا سنَّ البلوغ، حقُّ التزوُّج وتأسيس أسرة، دون أيِّ قيد بسبب العِرق أو الجنسية أو الدِّين. وهما متساويان في الحقوق لدى التزوُّج وخلال قيام الزواج ولدى انحلاله. ((الأمم المتحدة: اﻹعلان العالمي لحقوق اﻹنسان. )).
بمنطق مسيحي كانت هذه اللائحة تقدم الرحمة، ووفق نهج حقوقي كانت تضع أسباباً تحترم آدمية الزوجين للسماح لهما بالطلاق، وهو ما يراه الأساقفة ومن قبلهم البابا الراحل الأنبا شنودة الثالث بأنها مخالفة لتعاليم المسيح ((باسم الجنوبي: «لا طلاق إلا لعلة الزنا» والمشكلة الإزائية. )).
ومع التعديلات التي جرت على يد البابا شنودة ورئاسة الأنبا بولا مطران طنطا للمجلس الإكليريكي للأحوال الشخصية منذ عام 1985 وحتى عام 2012، صارت الأحوال الشخصية قنبلة موقوتة تنفجر في وجه المجتمع المصري كله وليس المواطنين المسيحيين فقط ((سارة قسط: انظروا إلى نهاية سيرتهن، ولا تتمثلوا بإيمانهن. )).
كيف انفرد اﻷنبا بولا بوضع القانون؟
رغم أن كنيسة الإسكندرية القبطية تمتد في مصر والخارج في أغلب قارات العالم، كان هناك مجلس إكليريكي مركزي ينظر في قضايا الأحوال الشخصية في العالم كله برئاسة الأنبا بولا منذ أن خرج البابا شنودة من فترة التحفظ عام 1985 وحتى رحيله في 17 مارس 2012.
وبسبب التضييق على المسيحيين في الحصول على الطلاق، ظهرت أزمة لجوء بعض المسيحيين للتحول إلى الإسلام للحصول على الطلاق، وبعدما تم ذلك أرادوا العودة للمسيحية مجدداً، وعُرفت وقتها بأزمة العائدون للمسيحية، وكانت هناك قضايا في القضاء الإداري من أجل إثبات المسيحية في خانة الديانة مجدداً، أبرزها عام 2008 لـ 12 مواطناً مسيحياً ((المبادرة المصرية للحقوق الشخصية: بيان حول حكم “العائدون للمسيحية” )).
وكان مسك الختام في يوليو عام 2011، حينما تظاهرت واعتصمت مجموعة من المسيحيين أمام مقر المجلس الإكليريكي في الكاتدرائية؛ بسبب تعنت الكنيسة معهم في حل قضاياهم والحصول على الطلاق أو تصاريح الزواج الثاني، وحينما تجمهروا، أُطلقت عليهم كلاب الحراسة الخاصة بالمقر البابوي وقتها لتفريقهم، وعُرفت إعلاميًا باسم موقعة الكلب ((نادر شكري، اليوم السابع، البابا شنودة يبدأ التحقيق مع الأنبا بولا فى”موقعة الكلب”. )).
يد البابا تواضروس المرتعشة
ورث البابا تواضروس الثاني تركة ثقيلة، خاصة فيما يخص ملف الأحوال الشخصية، وعانى من تلك التركة عندما تظاهر في عظته يوم 3 يونيو 2015 مجموعة من متضرري الأحوال الشخصية، واضطر معها لإلغاء العظة ((مصطفى رحومة، صحيفة الوطن، البابا تواضروس يلغي عظته الأسبوعية بعد احتجاجات متضرري الأحوال الشخصية. )).
ولحل تلك الأزمة، أعاد البابا تواضروس تنظيم المجلس الإكليريكي، بإبعاد الأنبا عن الملف وتفكيك المجلس المركزي إلى 6 مجالس إقليمية، وأعاد بعض المواد المُلغاة من لائحة 1938، مثل شرط الثلاث سنوات لمن ليس لديهم أطفال والخمس سنوات لمن لديهم أطفال، وبدأت الكنيسة في التعامل بجدية مع الأزمات والمشاكل مرة أخرى.
هدأت الشكاوى على ساحة الإعلام بتلك الإجراءات، لكن في نفس الوقت عندما تم اقتراح إعداد قانون موحد للأحوال الشخصية للمسيحيين عام 2014، تم اختيار الأنبا بولا ليكون ممثل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في لجنة إعداد القانون، ولا أفهم كيف حاول البابا حل المشاكل التي تسبب فيها الأنبا بولا ونظام إدارته للمجلس الإكليريكي بإبعاده، ثم يختاره لإعداد القانون!
عداء الكنيسة للزواج المدني
في أول مشروع أعدته وزارة العدل عام 2014، تم اقتراح وجود باب للزواج المدني بين المسيحيين بعيداً عن سلطة الكنائس، لكن وقتها ثارت ثائرة ممثلي الكنائس في إعداد القانون، وقالوا إنه قانون للمسيحيين فلا يجب أن يكون للزواج المدني وجود في داخله، وتم حذف هذا الباب في حينها.
وإن كان ممثلو الكنائس على حق في هذا الفصل، إلا أنه على الدولة دور وواجب تؤديه تجاه مواطنيها بإقرار قانون للزواج المدني بعيداً عن سلطة المؤسسات الدينية؛ فالزواج له شق مدني يخص العقود والانفصال وحقوق وواجبات كل طرف، وهذا أمر يجب أن تنظمه الدولة ولا دخل للمؤسسات الدينية فيه.
الزواج له شقان: أحدهما مدني يخص المواطنين في كتابة عقودهم لدى الدولة، والآخر روحي مع الكنيسة. فإذا كانت الكنيسة تؤدي دورها تجاه أولادها، فلماذا تريد السيطرة على إرادتهم بخصوص توثيق الجانب المدني للزواج؟ ولماذا لا تكتفي بدورها الروحي بعقد صلاة الإكليل؟ ويكون لكل مسيحي ومسيحية إكليل واحد لدى الكنيسة، وليس لها علاقة بالطلاق والانفصال الذي لا تفضله.
وإذا كانت الكنيسة تؤدي دورها الروحي على أكمل وجه، سيمتثل أبناؤها لتعاليمها بخصوص الزواج مرة واحدة وعدم اللجوء للطلاق سريعاً؛ بل إنْ كانت الكنيسة تؤدي دورها فعلاً، فلن تحتاج لتلك السلطة التي تقيّد بها أبناءها لتخضعهم.
على أرض الواقع، ورغم كل السلطة التي تملكها الكنيسة وفق الوضع الحالي، فإنها لا تستطيع أن تمارس تلك السلطة على أبنائها؛ والدليل هو كثرة المشكلات الزوجية التي لم يتم الفصل فيها؛ لأن الطرفين -أو أحدهما- لا يعير الكنيسة وسلطاتها اعتباراً في الفصل بينه وبين الطرف الآخر ((سارة قسط: بولا بولا: لماذا تُزعج المرأة؟ )).
إن إقرار قانون الأحوال الشخصية الذي أعده الأنبا بولا، بإضافة مواد تزيد من سلطوية الإكليروس وتدخلهم أكثر في أدق تفاصيل العلاقات بين المسيحيين، سيؤدي بنا إلى مزيد من المشاكل التي ستكون أصعب من الوضع الحالي؛ فاللائحة هي أمر داخلي يمكن تعديله بسهولة، لكن صدور قانون من مجلس النواب قد لا يكون مناسباً ويحتاج إلى تعديل، وستوجد تعقيدات كثيرة لتعديله في حال حدث خلاف بين الكنيسة وممثليها من جهة، والبرلمان والحكومة من جهة أخرى.
ثم إن الوضع الحالي، الذي يعتبر المصريين المسيحيين فاقدي الأهلية ولا يتمتعون بحق الزواج، بحيث لا تُوثَّق عقودهم إلا إذا جاء بها الكاهن الموكل بذلك من الكنيسة، هو أمر غير دستوري ويخالف كافة مواثيق حقوق الإنسان الدولية. وإذا صدر قانون يُقرُّ هذا الوضع فهو غير دستوري، وسيكون من الطبيعي الطعن في عدم دستوريته أمام المحكمة الدستورية العليا.
---
## «لا طلاق إلا لعلة الزنا» والمشكلة الإزائية
URL: https://tabcm.net/43647/
Type: post
Modified: 2026-04-25
أول ثلاث أناجيل نسميها الأناجيل الإزائية، لأنّ أحداثها تسير متوازية وكأنها تنقل من بعضها البعض. بينما إنجيل يوحنا هو لاهوتٌ عالي، غير مهتم بيسوع التاريخي، وإنما بالمسيح اللاهوتي. والمشكلة الإزائية تطلق على مجموع المحاولات الأكاديمية للربط بين النصوص في الأناجيل الثلاثة الإزائية. استطعنا من خلال العديد من العوامل أن نتوصل إلى أسبقية مرقس، لكن لم نتمكن من تحديد الترتيب النصي للإنجيلين الآخرين؛ هل لوقا قبل متى أم العكس؟ ((چون إدوارد، سلسلة: المشكلة الإزائية. ))
نحاول في هذا المقال تطبيق القراءة الإزائية على موضوع الساعة: هل قال المسيح لا طلاق إلا لعلة الزنا؟
١) أسبقية إنجيل مرقس
من طلق امرأته وتزوج بأخرى يزني عليها،
وإن طلقت امرأة زوجها وتزوجت بآخر تزني.
(إنجيل مرقس ١٠: ١١)
ملاحظتان:
1) لا يوجد إلا لعلة الزنا، وما نفهمه هو طلاق شرعي بغرض الزواج الشرعي من أخرى.
2) لا يوجد في القانون حالة أو وضع يسمح للمرأة أن تطلّق زوجها، والصحيح أن تُطلق من زوجها (تطليق وليس طلاق، لأن المرأة ليس لها حق الطلاق وإنما تطلبه من القاضي).
إذن، إنجيل مرقس، الأقدم والأكثر بدائية [بدائية هنا بمعنى الأصدق والأكثر أصالة]، يُفهم منه شريعة الزوجة الواحدة، والنصف الثاني الموجه للأنثى يعني شريعة الزوج الواحد.
وبدقّة أكبر، نقول بأن هذا النص لم يحظر التعدد، هو فقط وصفه بأنه “زنا”. نحن أمام أسلوب “توسّع في اللغة”. نسق أدبي بليغ منه فهمنا أن الزيجة الأولى مازالت قائمة، وعلى هذا اعتُبرَت الزيجة الثانية زنًا. مع أن ليس أحدًا سيزني مع زوجته التي تزوجها شرعًا! هذا هو توسّع اللغة، فالزنا هنا مجازيّ، ليس زنًا حقيقيًا.
ولكيما نتأكد من الفهم الصحيح، لنفرض أن رجلًا متزوجًا من امرأة، ولم يطلقها، وتزوج عليها أخرى. ما علاقة هذا باﻵية؟ هل تنطبق عليه؟ لا، لا تنطبق! فهو من حقه أن يتزوج مثنى وثلاث و تسع وعددًا مفتوحًا من الإناث في اليهودية! إذن ما الخطأ؟ الخطأ أن يترك زوجته (يهجرها) في وضع مُعلق، ليس طلاقًا من الأساس، لأن الطلاق مُباح، ويعزز من هذا الملحوظة (2)، فهذه ليست ترجمة للكلمة طلاق وإنما لكلمة هجر ، فالمرأة يمكن أن تهجر زوجها، لكن لا يمكن أن تطلقه.
في كل ما سبق، لم نستعمل شيئًا من خارج النص. النص هو الذي يقول لنا، وبمقارنته بالخلفية التشريعية، اتضح أنه بمفرده لا يعني أكثر من “أعدل بين زوجاتك” بالنسبة للرجل، و”لا تهجري زوجك” بالنسبة للمرأة. ومن هنا نرى حظرًا للانفصال الجسدي! فما الانفصال الجسدي إلا هجر الرجل لزوجته، أو هجر المرأة لزوجها، وهذا تحديدًا ما حظره المسيح!
الآن، بمن نكمل بعد إنجيل مرقس؟ متى أم لوقا؟ فنحن لا نعتمد أيّ فرضية في هذا البحث إلا أسبقيّة مرقس.
لنكمل مع إنجيل لوقا لأنه الأسهل في الشرح.
٢) إنجيل لوقا
كل من يطلق امرأته ويتزوج بأخرى يزني،
وكل من يتزوج بمطلقة من رجل يزني.
(إنجيل لوقا ١٦: ١٨)
1) النصف الأول؛ كما هو في مرقس.
2) النصف الثاني؛ تغير! لم يعد يخاطب المرأة ألا تهجر زوجها، وإنما يخاطب الرجل ألا يتزوج بمطلقة!!
الاحتمال الذي لديّ، هو إن لوقا توسّع في مفهوم الزنا في النصف الثاني بحيث يشمل المرأة اللي هجرت زوجها وشريكها.
لكي نجد تفسيرًا اجتماعيًا لهذا التغيير، نحتاج أن نعود لقصة داود الذي زنى مع امرأة أوريا الحثي. بعد أن زنى داود مع بثشبع، وضع زوجها أوريا الحثي على مقدمة الجنود في الحرب ليُقتل، ثم تزوجها رسميًا وأنجب منها الوريث سليمان ((لمزيد من التفاصيل، راجع سفر صموئيل الثاني، الإصحاح الحادي عشر. )).
يبدو أن هذه كانت ظاهرة اجتماعية، لا تقتصر على داود فقط، خصوصًا أنه في الوصايا العشر نهي عن اشتهاء زوجات الأقارب ((لا تشته بيت قريبك. لا تشته امرأة قريبك، ولا عبده، ولا أمته، ولا ثوره، ولا حماره، ولا شيئا مما لقريبك. (سفر الخروج 20: 17) ))، ((ولا تشته امرأة قريبك، ولا تشته بيت قريبك ولا حقله ولا عبده ولا أمته ولا ثوره ولا حماره، ولا كل ما لقريبك. (سفر التثنية 5: 21) )). فلوقا هنا يعالج مشكلة اجتماعية واردة، وهي أن رجلًا يتخلص من رجل (أو يسعى لطلاقه من زوجته سلميًا) ليتزوج زوجته، أو أن امرأة تتفق مع عشيقها، على هجر الزوج الذي لها، على وعدٍ منه بالزواج. توسّع لوقا هنا في مفهوم الزنا ليشمل هذه الظواهر الاجتماعية المعيبة، مع الحفاظ على نفس أحكام النص الشرعية.
حتى الآن لم نخرج من النص إلى مصادر خارجية، ونعمل لغويًا على تفسير اجتماعي من نفس البيئة والكتاب والمعتقدات. لم نقم بتأويل رمزي، النص في جميع أحواله هو الذي أرشدنا لكونه “مجازًا” لاستخدامه التوسع في اللغة عن معناها الحقيقي، وفيما عدا ذلك، نتقيّد بالنص بشكل صارم.
الآن، لنأت للإنجيل المُفضل لقداسة البابا شنودة الثالث؛ وهو إنجيل متى.
٣) إنجيل متى
من طلق امرأته إلا لعلة الزنى يجعلها تزني،
ومن يتزوج مطلقة فإنه يزني.
(إنجيل متى ٥: ٣٢)
من طلق امرأته إلا بسبب الزنا وتزوج بأخرى يزني،
والذي يتزوج بمطلقة يزني.
(إنجيل متى ١٩: ٩)
1) تفرّد متى بتكرار النص مرتين، المرة الأولى يُقحمه على التطويبات، والمرة الثانية في سياقه كبقية الأناجيل.
2) في المرتين، تفرّد بأن أضاف في النصف الأول الاستثناء: إلا لعلة الزنى (متى فقط الذي فعل ذلك).
3) المرة الأولى، النصف الأول تغيّر؛ الزوج جعل زوجته تزني، وليس هو الذي يزني.
4) المرة الأولى، النصف الثاني، مأخوذ من لوقا كما هو.
5) المرة الثانية، النصف الأول، كما هو في مرقس! (مع أن متى هو الذي غيّره في رقم 3)!!
6) المرة الثانية، النصف الثاني، مأخوذ من لوقا كما هو.
اختصارًا: ذكر الآية الثاني لا لزوم له؛ لأنه مُقتبس من مرقس ولوقا، وتذكّر أن هذا الذي لا لزوم له هو السياق الطبيعي، بينما ذكر الآية الأول، مُقحم على التطويبات.
لكن لأننا الآن لا نحلّل كرونولوجيًا (ترتيبًا زمنيًا)، ونحلّل النص واللغة، فلن يهمنا الذكر الثاني المُقتبس أو المُكرر، وسنكتفي بالذكر الأول الخاص بالتطويبات.
وعلى هذا لن يهمّنا إلا:
1) إضافة الاستثناء: إلا لعلة الزنى.
2) تغيّر النصف الأول من الآية.
الاستثناء إلا لعلة الزنى لا معنى له إلا لتمييز الطلاق لأسباب قوية ومنطقية، عن الهجر من أجل الزواج بأخرى، والذي ينتقده المسيح. فهذا -على عكس ما يظنه البابا شنودة- ليس ضمن مُسوّغات الهجر المحرمة في نص المسيح أساسًا.
تخيل معي الوضع التالي:
هذا الدواء لعلاج سم العقارب المخططة، لكنه قوي جدًا، ويقتل كل من يتناوله دون أن يكون قد تعرضَ لسُمّ العقرب المخطط تحديدًا. لو كانَ السمّ من عقرب منقط، وليس مخططًا، فلن ينفعه الدواء بل سيقتله!
إذن:
كل من يتناول الدواء لغير السم المخطط، يعرض نفسه للموت.
هل ينهي هذا السطر السابق عن تناول الدواء؟
لا قاطعة، ويظل الدواء فعالًا وحلًا ناجحًا إذا استُخدم للنجاة من سم العقرب المخطط.
هل يحصر السطر السابق الاستثناء، بحيث لا توجد استثناءات أخرى؟
لا أيضًا، لأنه في علم المنطق فالاستثناء من المقدمة لا يحصر الجواب، فالتداخل وارد.
لنرتب الأوراق: هذه النقطة (لا طلاق إلا لسبب الزنا) موجودة اجتماعيًا في مدرسة شماي واختلافاتها عن مدرسة هليل في شرح مًسوّغات الطلاق ((ديفيد إنستون بروير، الطلاق وإعادة الزواج في الكتاب المقدس، مقال للكاتبة كرستينا عزيز. )).
لكن لو مازلت تتذكر، فنحن قد اتفقنا على استبعاد المرة الثانية لذكر الآية، وهي التي تتضمن السياق. وإن ناسًا [الفريسيون] سألوا المسيح: هل يحل للرجل أن يطلق امرأته لكل سبب؟ ((وجاء إليه الفريسيون ليجربوه قائلين له: «هل يحل للرجل أن يطلق امرأته لكل سبب؟» (مت 19: 3). ))، فبالتالي، لا ينبغي لنا التوسع في هذا السياق، لأنه مُلحق بالتطويبات بدون سياق (ليست هي المرّة التي سألوه عن أسباب الطلاق).
لكن لكي نغطي جميع الجوانب، فإن مدرسة شماي المتشددة لا تحصر الطلاق في الزنا فقط، بل أيضًا في عدم الإنجاب، حيث يحق للرجل طلاق امرأته إن لم تنجب خلال عشر سنوات من الزواج.
بالتالي، طولًا، عرضًا، لغويًا، فلسفيًا، اجتماعيًا، لا يمكن حصر الاستثناء الموضوع في مقدمة الجواب. هذا ليس منظور المسيح بالكليّة. ولو أراد التحدث عن أسباب الطلاق لقال ذلك ببساطة، لكنه يتحدث عن شيء آخر محدد جدًا.
النقطة الأخيرة؛ هي تغيير النصف الأول من الآية الأولى:
وهذه المرة لا يصح معها التوسّع في مفهوم الزنى كقصة داود، أو منع اشتهاء نساء متزوجات بطلاق أزواجهن ثم تزويجهن. فمتى يضيق الاحتمالات بعكس لوقا الذي يتوسع فيها (لاحظ أن الرجل هنا لم يتزوج أخرى، وهذا موضوع مختلف عن تعدد الزوجات بالكليّة). والمعنى هكذا قد صار أن الرجل الذي يهجر زوجته (بغير سبب منطقي) يُضعِفها ويُعرِّضها للزنا.
ومسألة منع هجر الزوجة، حتى مع عدم زواجه بأخرى، ليست مسألة جديدة على اليهودية التي اشترطت حسن معاشرة الأمة [العبدة] وإلا نالت حريتها ((كرستينا عزيز، الطلاق وإعادة الزواج في الكتاب المقدس. )). الفكرة هنا أن هذا ليس تشريعًا؛ لأنه لا يوجد عقاب للزوج، وإنما وصية تستدر العطف؛ ألا يضع زوجته في موضع الضعف.
مجال التطبيق هنا محدود جدًا، لكنّه مهم! ببساطة، ترك الرجل لزوجته من أجل الرهبنة محظور! لأنّ نطاق الآية تحديدًا (الرجل لم يهجر زوجته ليتزوج بأخرى!) فما المطلوب هنا سوى أن يعود لزوجته ويُبطِل هجرها بما فيه الرهبنة؟
إذن، التصريح بالطلاق من أجل الرهبنة في لائحة ١٩٣٨ (والذي أبقى عليه البابا شنودة) هو خطأ يجب إصلاحه، وحتى باشتراط موافقة الزوجة نفسها فهو مزيد من الغبن للزوجة! ماذا يعني أن يتزوج أحدهم بامرأة ثم يقول لها “غيرت رأيي” وأريد أن أترهب؟ الزواج هو “عرض جنسي حظي بالقبول من الزوجة”، ولا يجوز بعد إتمامه العدول عنه لممارسة الرهبنة التي ليست مقدسة كالزواج. وليس للزوج أو الزوجة أن يترهب على حساب الطرف الآخر! هذا فضلًا عن أنك عندما تقول لامرأة أنك تنوي هجرها من أجل الرهبنة، فإنك تُدخِلها في صراع بينها وبين عفتها! لا يجوز يا رهبان، هذه حركات أطفال، انضجوا! لا يصح حتى لو وافقت، لأنه في علم المنطق ليس موافقة، بل صراع إحجام. ثم هذا النص الديني، لماذا وُضع؟ ما هي تطبيقاته إن لم يكن هذا أحدها؟
هكذا نكون قد أنهينا معالجة جميع أقوال يسوع المسيح في هذا الصدد بالأناجيل الإزائية. ولا معنى في كل ما سبق يُفهم منه تشريع يحظر الطلاق أو يحدد أسبابه، وإنما مجال الخطاب عن منع الطلاق بغرض الزواج بأخرى (مرقس)، أو منع تطليق زوجة بغرض الزواج منها (إضافة لوقا)، أو منع هجر فراش الزوجية لفترات طويلة حتى لا يُوضع الطرف الآخر في موضع يخشى عليه من الفتنة (إضافة متى).
في كل الأحوال، لم يقل يسوع شيئًا عن مسوغات الطلاق، ولم يحظر الطلاق إلا لسبب الزنا وحده (إضافة شنودة). بل حتى النص في متى، وهو الوحيد الذي ذكر التعبير إلا لعلة الزنى، موضوع في سياق لتمييز الطلاق الصحيح عن الهجر الذي يتكلم عنه يسوع المسيح. ومنه خلصنا إلى منع الرهبنة بعد الزواج.
وبطبيعة الحال، لم يقل المسيح يومًا جملة على وتيرة الحصر “لا كذا إلا كذا”، ولا حتى قال: لا إله إلا الله، وهي أسلوب نفي جازم وحصري (يُسمّى درّة التوحيد الخالص). أما التشابه في الجرس الموسيقي بين مقولة البابا شنودة والإنجيلي متّى، وكون البابا شنودة يصدّر متّى صاحب الاستثناء، وهو الوحيد صاحب الاستثناء، وتهميش أو إهمال أو إلغاء الإنجيلين الآخرين، فلا معنى له عندي إلا أن البابا شنودة كان متّاوي.
---
## مطالبات النساء بقانون عادل ليس مجرد “ندب” جماعي
URL: https://tabcm.net/55034/
Type: post
Modified: 2026-04-23
الواقع الذي تعيشه النساء في مصر الآن مفزع وحزين. وحين نرصد هذا الواقع العنيف الذي يلاحقنا جميعاً في كل خطوة نخطوها، فذلك ليس من باب المذكرات الشخصية أو كوسيلة لـ”الندب الجماعي” ضد إخوتنا رجال الوطن. ربما لن يضير شيئاً البدء في سماع النساء دون تعالٍ غير مبرر، إلا بالقوانين والأعراف التي اتفقت جميعها ضد النساء.
كنّا شركاء
نعيش الحياة جنبًا إلى جنب، نتحمل الظروف الاقتصادية الطاحنة ونشارك في مواجهتها، ونحاول جميعنا أن نمارس الحياة. لكن يُضاف إلى نوعنا الاجتماعي، منذ الولادة، ضغوط لا تفارقنا حتى الممات.
وحين نفتح ملف “الأحوال الشخصية”، نجد أننا أمام واقعٍ -كما جرت العادة- مُقتطعٍ من سياقه، يفتح المجال لمقولات مثل “بلاش تعميم” التي تُستخدم كستارٍ لحجب الرؤية عن المأساة الحقيقية.
نحن نواجه العنف في كل خطوة من خطوات الحياة؛ فلا يوم يخلو من نظرات، وألفاظ، وتهديدات، وربما الضرب والانتهاك والتعدي الذي يصل حد الاغتصاب والقتل. هذا ما ترصده أخبار الحوادث، وهو موثق بالأرقام والتقارير التي يصدرها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، والتي تؤكد أن الشريك والأقارب هم الطرف الأكثر تورطًا في العنف ضد النساء ((الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء: المسح الصحي للأسرة المصرية 2022. )).
هناك امرأة تلقى حتفها كل ١١ دقيقة على يد شريكها. ((مؤسسة إدراك للتنمية والمساواة: تقرير مرصد جرائم العنف الموجه ضد النساء والفتيات في مصر 2025. )).
(مؤسسة إدراك، مرصد جرائم العنف ٢٠٢٥)
نظرياً، تكمن فائدة قوانين الأحوال الشخصية في تنظيم العلاقة وحماية الأسرة، لكن على أرض الواقع، تتحول بعض الإجراءات إلى أدوات ضغط وابتزاز؛ مثل “إنذار الطاعة” الذي لا يزال أداةً قانونية لتقييد حركة المرأة، وقضايا النفقة، سواء في قانون الأحوال الشخصية للمسلمين أو في تعقيدات اللوائح الكنسية للأقباط، التي تتحول إلى ماراثون قانوني يُنهك المطلقة أو الراغبة في الانفصال.
في محاكمنا، تضيع سنوات طويلة في “إثبات الضرر”، وقطاع كبير من النساء في مصر يعشن تحت رحمة لائحة 1938 وتعديلات 2008 التي تفرض قيودًا تجعل من الطلاق رحلة مستحيلة ((المجلس الملّي العام: لائحة الأحوال الشخصية للأقباط الأرثوذكسيين [ لائحة ١٩٣٨ المعدلة في ٢٠٠٨ ] )) إلا في أضيق الحدود؛ ما يترك آلاف النساء في “زيجات معطلة”؛ لا هن متزوجات يتمتعن بالاستقرار، ولا هن مطلقات يحصلن على حق البداية من جديد.
هذا العجز عن إثبات الضرر -سواء كان عنفاً جسديًا أو نفسيًا- يجعل من الخروج من علاقة عنيفة “مغامرة” قد تكلف المرأة حضانة أطفالها، أو ربما كما شهدنا مؤخرًا: حياتها.
صرنا نخاف
تعيش النساء في مصر كل يوم حياةً يملؤها الخوف؛ الخوف الذي يبدأ من داخل جدران البيت الذي كان يُفترض أن يكون ملاذاً آمناً، والقيود التي تُفرض تحت اسم “التأديب”، والخوف من الشارع وفي المدرسة والعمل، والخوف من عدم إثبات الذات في محيط عام يضع النساء في كفة مائلة، تضطرها أن تبذل الكثير وتبرر الكثير؛ حتى في أفكار مثل “بمئة رجل”، وكأنها لا يمكن أن تصبح هي، نفسها فقط، كافية كما هي بلا محاولات إقناع.
الخوف من فقدان هويتها الحقيقية في مقابل ما يضعها فيه المجتمع نفسه ويختزلها في دور واحد فقط وهو الزوجة والأم، فإن فشلت في هذا الدور لم يعد لوجودها دليل أو معنى. ومع ذلك، تحاربها الأعراف الجائرة طوال الوقت حتى تجد نفسها أيضاً مسلوبة الاختيار.
هذا الواقع المفزع والحزين يتغذى على الصمت، ويزيد العنف، ويتمدد بالالتفاف حول الحقائق وليّها، والبحث عن أسباب واهية بعيدةٍ عن أرض الواقع؛ لأن “صراخ النساء” ومطالبهن بالأمان “تخدش مشاعر” الباحثين عن عدم “التعميم”؛ بحجة أن هناك رجلاً، وسط كل هذا العنف الذي تتعرض له النساء، قد ظلمته امرأة.
ولهذا الرجل نعتذر حقًا، ونؤكد على أن الظلم مرفوض في كل صوره، لكن ثمة فروقًا جوهرية يتجاهلها الكثيرون؛ فحين تسيء امرأة لرجل، فهي تفعل ذلك بسلوك فردي نابع من شخصيتها، ولا تجد مجتمعًا يصفق لها، أو دينًا يُفسر لصالحها، أو قانونًا يمنحها “حق التأديب”، أو حتى أعرافًا تساندها. في حين أن العنف الممارس ضد النساء هو عنف هيكلي مدعوم بسلطة المجتمع وتبريراته، حيث يمنح الرجل “حق” الوصاية والضرب والتربية بمباركة القانون.
إن المُطالبات بتعديل قوانين الأحوال الشخصية ليست ترفاً أو رفاهية، بل ضرورة للحياة. نحن في أمس الحاجة لقانون مدني موحد يرفع عن كاهل النساء تعقيدات مثل “إثبات الضرر”، ويضمن نفقة عادلة مُنتظمة، ويحمي حضانة الأم كحقٍ وليس ورقة ضغط في يد الزوج. إن هذا الواقع المؤلم والسكوت عليه لا يحمي الأسرة المصرية، بل يراكم الضغوط التي تنفجر يوماً بعد يوم في حوادث لا تخطئها العين.
النساء لا يبحثن عن الانتصار في هذه المعركة من أجل “الانتصار”، بل يبحثن عن الحياة؛ الحياة البسيطة بلا تعقيدات، وبلا خوف أو تهديد بالإنذار أو الحرمان؛ فالقوانين التي لا تضمن سلامة الأفراد تحتاج بالضرورة إلى مُراجعة بعين العدالة.
---
## لائحة الأحوال الشخصية للأقباط الأرثوذكسيين
[ لائحة ١٩٣٨ المعدلة في ٢٠٠٨ ]
URL: https://tabcm.net/16436/
Type: post
Modified: 2026-04-22
قرار المجلس الملي العام لسنة ١٩٣٨ بشأن لائحة الأحوال الشخصية للأقباط الأرثوذكسيين [معدلة ٢٠٠٨] ((قرار المجلس الملي العام لسنة ١٩٣٨ بشأن لائحة الأحوال الشخصية للأقباط الأرثوذكسيين، بتاريخ ٩ / ٥ / ١٩٣٨ ))
نشر بتاريخ ٩ / ٥ / ١٩٣٨
لائحة الأحوال الشخصية للأقباط الأرثوذكسيين التي أقرها المجلس الملي العام بجلسته المنعقدة في أول بشنس سنة ١٦٥٤ الموافق ٩ مايو سنة ١٩٣٨. ويعمل بها اعتبارًا من يوم أول أبيب سنة ١٦٥٤ للشهداء الموافق ٨ يوليو سنة ١٩٣٨.
الباب الأول: في الزواج وما يتعلق به ((الباب الأول: في الزواج وما يتعلق به ))
الفصل الأول: في الخطبة ((الفصل الأول: في الخطبة ))
المادة 1: الخطبة عقد يتفق به رجل وامرأة على الزواج ببعضهما في أجل محدد.
المادة 2: لا تجوز الخطبة إلا بين من لا يوجد مانع شرعي من زواجهما طبقا لما نُصّ عليه في الفصل الثالث من هذا الباب.
المادة 3: لا تجوز الخطبة إلا أذا بَلغ سنّ الخاطب سبع عشرة سنة والمخطوبة خمس عشرة سنة ميلادية كاملة.
المادة 4: تقع الخطبة بين الخطيبين بإيجاب من أحدهما وقبول من الآخر. فإذا كان أحدهما قاصرًا وجب أيضًا موافقة وليه في ذلك.
المادة 5: تثبت الخطبة في وثيقة يحررها كاهن من كهنة الكنيسة القبطية الأرثوذكسيّة مرخصٌ له بمباشرة عقد الزواج، وتشمل هذه الوثيقة على ما يأتي:
(1) اسم كل من الخاطب والمخطوبة ولقبه وسنّه وصناعته ومحل إقامته.
(2) اسم كل من والديّ الخطيبين ولقبه وصناعته ومحل أقامته، وكذلك اسم ولى القاصر من الخاطبين ولقبه وصناعته ومحل إقامته.
(3) إثبات حضور كل من الخاطبين بنفسه وحضور الوليّ أن كان بينهما قاصر ورضاء كل من الطرفين بالزواج.
(4) إثبات حضور شاهدين على الأقل مسيحيين راشدين وذكر اسم كل من الشهود وسنه وصناعته ومحل إقامته.
(5) إثبات التحقق من خلو الخاطبين من موانع الزواج الشرعيّة المنصوص عليها في الفصل الثالث.
(6) الميعاد الذى يحدد لعقد الزواج.
(7) قيمة المهر وشروط وفائه إذا حصل الاتفاق على مهر، ويوقع على هذه الوثيقة من كل من: الخاطب، والمخطوبة، ووليّ القاصر منهما، والشهود، ومن الكاهن الذي حصلت على يده الخطبة، ثم يتلوها الكاهن على الحاضرين، وتحفظ بعد ذلك في مجلد خاص بدار البطريركيّة أو المطرانيّة أو الأسقفيّة التي حصلت الخطبة في دائرتها.
المادة 6: يجب على الكاهن قبل تحرير عقد الخطبة أن يتحقق من:
(أولًا) من شخصيّة الخطيبين ورضائهما بالزواج.
(ثانيًا) من عدم وجود ما يمنع شرعًا من زواجهما، سواء من جهة القرابة أو الدين أو المرض، أو وجود رابطة زواج سابق.
(ثالثًا) من أنهما سيبلغان في الميعاد المحدد لزواجهما السن التي يُباح فيها الزواج شرعًا.
المادة 7: يجوز باتفاق الطرفين تعديل الميعاد المحدد للزواج في عقد الخطبة، مع مراعاة السن التي يباح فيها الزواج، ويُؤشر بهذا التعديل في ذيل عقد الخطبة، ويوقع عليه من الطرفين، ومن الكاهن.
المادة 8: يحرر الكاهن الذى باشر عقد الخطبة ملخصًا منه، في ظرف ثلاثة أيام من تاريخ حصوله، ويعلقه على كنيسته، وإذا كان الخاطبان أو أحدهما مقيمين خارج دائرة هذه الكنيسة، ترسل نسخة منه إلى كاهن الكنيسة التي يقيم كل من الخاطبين في دائرتها ليعلقه على بابها، ويبقى الملخص معلقًا قبل الزواج مدة عشرة أيام تشتمل على يوميّ أحد.
المادة 9: إذا لم يتم الزواج في خلال سنة من تاريخ انقضاء ميعاد العشرة الأيام المنصوص عليه في المادة السابقة، فلا يجوز حصوله إلا بعد تعليق جديد يعمل بالطريقة المتقدم ذكرهما.
المادة 10: يجوز لأسباب خطيرة للرئيس الديني [الأسقف أو المطران] في الجهة التي حصلت الخطبة في دائرتها، أن يعفى من التطليق المنصوص عليه في المادتين السابق ذكرها.
المادة 11: تُفسخ الخطبة اذا وُجد سبب من الأسباب المانعة من الزواج، أو إذا اعتنق أحد الخاطبين الرهبنة.
المادة 12: يجوز الرجوع في الخطبة باتفاق الطرفين أو بإرادة أحدهما فقط، ويصير إثبات ذلك في محضر يحرره الكاهن ويضم إلى عقد الخطبة.
المادة 13: إذا عدل الخاطب عن الخطبة بغير مقتض، فلا يحق له استرداد ما يكون قد قدمه من مهر أو هدايا.
وإذا عدلت المخطوبة عن الخطبة بغير مقتض، فللخاطب أن يسترد ما قدمه لها من المهر أو الهدايا غير المستهلكة.
هذا فضلًا عما يكون لكل من الخاطبين من الحق في مطالبة الآخر أمام المجلس الملي بتعويض عن الضرر الذي لحقه من جراء عدوله عن الخطبة.
المادة 14: اذا توفى الخاطب قبل الزواج، فلورثته استرداد المهر أو ما اشترى به من جهاز.
وإذا توفيّت المخطوبة، فللخاطب أن يسترد المهر أو ما اشترى به من جهاز.
أما الهدايا فلا ترد في الحالتين:
غير أنه إذا لم يحصل الاتفاق على مهر، وإنما قدمت هدية لتقوم مقام المهر، فيكون حكمها حكم المهر.
الفصل الثاني: في أركان الزواج وشروطه ((الفصل الثاني: في أركان الزواج وشروطه ))
المادة 15: الزواج سر مقدس يثبت بعقد يرتبط به رجل وامرأة ارتباطًا علنيا طبقا لطقوس الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بقصد تكوين أسرة جديدة والتعاون على شئون الحياة.
المادة 16: لا يجوز زواج الرجل قبل بلوغه ثماني عشرة سنة ميلادية كاملة، ولا زواج المرأة قبل بلوغها ستة عشرة سنة ميلادية كاملة.
المادة 17: لا زواج إلا برضاء الزوجين.
المادة 18: ينفذ زواج الأخرس بإشارته إذا كانت معلومة ومؤدية إلى فهم مقصوده.
المادة 19: يجوز لمن بلغ سنه أحدى وعشرين سنة ميلادية كاملة، رجلًا كان أو امرأة، أن يزوّج نفسه بنفسه.
المادة 20: إذا كان سن الزوج أو الزوجة دون الحادية والعشرين فيشترط لصحة الزواج رضا وليه المنصوص عليه في المادة 160.
فإذا امتنع ولي القاصر عن تزويجه فيرفع طالب الزواج الأمر إلى المجلس الملي للفصل فيه.
الفصل الثالث: في موانع الزواج الشرعية ((الفصل الثالث: في موانع الزواج الشرعية ))
المادة 21: تمنع القرابة من الزواج:
(أ) بالأصول وأن علوا والفروع وأن سفلوا.
(ب) بالأخوة والأخوات ونسلهم.
(ج) بالأعمام والعمات والأخوال والخالات دون نسلهم.
فيحرم على الرجل أن يتزوج من أمه وجدته وأن علت، وبنته وبنت ابنه وأن سفلت، وأخته وبنت أخته وبنت أخيه وأن سفلت، وعمته وعمة أصوله وخالته وخاله أصوله.
وتحل له بنات الأعمام والعمات وبنات الأخوال والخالات.
وكما يحرم على الرجل أن يتزوج بمن ذكر يحرم على المرأة التزويج بنظيره من الرجال.
ويحل للمرأة أبناء الأعمام والعمات وأبناء الأخوال والخالات.
المادة 22: تمنع المصاهرة من زواج الرجل:
(أ) بأصول زوجته وفروعها.
فلا يجوز له بعد وفاة زوجته أن يتزوج بأمها أو جدتها وأن علت، ولابنتها التي رزقت بها من زوج أخر أو بنت أبنها أو بنت بنتها وأن سفلت.
(ب) بزوجات أصوله وزوجات فروعه وأصول أولئك الزوجات وفروعهن.
فلا يجوز له أن يتزوج بزوجة والده أو جده أو أمها أو جدتها أو بنتها أو بنت أبنها أو بنتها ولا بزوجة ابنه أو حفيده أو أمها أو جدتها أو بنتها أو بنت أبنها أو بنت بنتها.
(ج) بأخت زوجته ونسلها وبنت أخيها ونسلها.
(د) بزوجة أخيه وأصولها وفروعها.
(هـ) بعمة زوجته وزوجة عمها وخالتها وزوجة خالها.
(و) بأخت زوجة والده وأخت زوج والدته وأخت زوجة ابنه وأخت زوج بنته.
وما يحرم على الرجل يحرم على المرأة.
المادة 23: ملغاة في ٢٠٠٨، وكان النص الأصلي للمادة كما يلي:
لا يجوز الزواج:
(أ) بين المتبنى والمتبني وفروع هذا الأخير.
(ب) بين المتبنى وأولاد المتبني الذين رزق بهم بعد التبني.
(ج) بين الأولاد الذين تبناهم شخص واحد.
(د) بين المتبنى وزوج المتبني وكذلك بين المتبني وزوج المتبنى.
المادة 24: لا يجوز الزواج لدى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية إلا بين مسيحيين أرثوذكسيين.
المادة 25: لا يجوز لأحد الزوجين أن يتخذ زوجًا ثانيًا مادام الزواج قائمًا.
المادة 26: معدلة في ٢٠٠٨: ليس للمرأة التي توفى زوجها، أو قضي بانحلال زواجها منه، أن تعقد زواجًا ثانيًا، إلا بعد انقضاء عشرة أشهر ميلادية كاملة من تاريخ الوفاة، أو من تاريخ الحكم النهائي بانحلال زواجها منه، إلا إذا وضعت حملها قبل هذا الميعاد.
المادة 27: معدلة في ٢٠٠٨: لا يجوز الزواج في الأحوال الآتية:
(أ) إذا كان لدى أحد طالبي الزواج مانع طبيعي أو مرضي لا يرجى زواله يمنعه من الاتصال الجنسي.
(ب) إذا كان أحدهما مجنوناً.
(جـ) إذا كان أحدهما مصاباً بمرض قتال أو بمرض يجعله غير صالح للحياة الزوجية ولم يكن الطرف الآخر يعلم به وقت الزواج.
المادة 28: أما إذا كان طالب الزواج مصابًا بمرض قابل للشفاء ولكن يخشى منه سلامة الزوج الآخر، كالسل في بدايته والأمراض السرية، فلا يجوز الزواج حتى يشفى المريض.
الفصل الرابع: في المعارضة في الزواج ((الفصل الرابع: في المعارضة في الزواج ))
المادة 29: يكون للأشخاص الآتي ذكرهم حق المعارضة في الزواج:
(أ) من يكون زوجًا لأحد المتعاقدين.
(ب) الأب، وعند عدمه أو عدم إمكانه إبداء رغبته يكون حق المعارضة للجد الصحيح، ثم للأم، ثم لباقي الأقارب المنصوص عليهم في المادة 160 بحسب الترتيب الوارد فيها/ وتقبل المعارضة ولو تجاوز المتعاقد سن الرشد.
(ج) الولي الذي يعينه المجلس الملي طبقًا للمادة 160.
المادة 30: تحصل المعارضة في ظرف العشرة الأيام المنصوص عليها في المادة الثامنة بتقرير يقدم إلى الرئيس الديني المختص، ويجب أن يشتمل على اسم المعارض، وصفته، والمحل الذي اختاره بالجهة المزمع عقد الزواج فيها، والأسباب التي يبنى معارضته عليها، والتي يجب ألا تخرج عن الموانع المنصوص عليها في الفصل الثالث من هذا الباب، وإلا كانت المعارضة لاغية.
المادة 31: ترفع المعارضة إلى المجلس الملي المختص في خلال ثلاثة أيام من تاريخ وصولها للفصل فيها بطريق الاستعجال.
ولا يجوز عقد الزواج إلا إذا قضي في المعارضة برفضها انتهائيًا.
الفصل الخامس: في إجراءات عقد الزواج ((الفصل الخامس: في إجراءات عقد الزواج ))
المادة 32: قبل مباشرة عقد الزواج يستصدر الكاهن ترخيصًا بإتمام العقد من الرئيس الديني المختص بعد تقديم محضر الخطبة إليه.
المادة 33: يثبت الزواج في عقد يحرره الكاهن بعد حصوله على الترخيص المنصوص عليه في المادة السابقة.
ويشتمل عقد الزواج على البيانات الآتية:
1- اسم كل من الزوجين ولقبه وصناعته ومحل إقامته وتاريخ ميلاده من واقع شهادة الميلاد أو ما يقوم مقامها.
2- اسم كل من والديّ الزوجين ولقبه وصناعته ومحل إقامته وكذلك اسم ولى القاصر من الزوجين ولقبه وصناعته ومحل إقامته.
3- إثبات حضور الزوجين وحضور ولى القاصر أن كان بينهما قاصر.
4- أسماء الشهود وألقابهم وأعمارهم وصناعتهم ومحال إقامتهم.
5- حصول الإعلان المنوه عنه في المادة الثامنة.
6- حصول المعارضة في الزواج إذا كانت حصلت معارضة وما تم فيها.
7- إثبات رضاء الزوجين وولى القاصر منهما.
8- أثبات حصول صلاة الإكليل طبقا للطقوس الدينية.
المادة 34: يكون لدى رئيس كل كنيسة دفتر قيد عقود الزواج، أوراقه مُنمرة، ومختومة بختم البطريركية أو المطرانية أو الأسقفية، وكل ورقة منه تشمل على أصل ثابت، وثلاث قسائم، وبعد تحرير العقد وأثباته على الوجه المتقدم ذكره في المادة السابقة، يتلى على جمهور الحاضرين بمعرفة الكاهن الذي حرره.
ويوقع على الأصل والقسائم جميعا من الكاهن الذي باشر العقد ومن الكاهن الذي قام بالأكاليل إذا كان غيره.
وتسلم إحدى القسائم الثلاث إلى الزوجة، وترسل الثالثة إلى الجهة الدينية الرئيسية [البطريركية أو المطرانية أو الأسقفية] لحفظها بها بعد قيدها في السجل المعد لذلك، ويبقى الأصل الثابت بالدفتر عند الكاهن لحفظه.
المادة 35: على كل مطرانية أو أسقفية أن ترسل إلى البطريركية في آخر كل شهر كشفًا بعقود الزواج التي تمت في دائرتها.
المادة 36: كل قبطي أرثوذكسي تزوج خارج القطر المصري طبقا لقوانين البلد الذي تم فيه الزواج، يجب عليه في خلال ستة شهور من تاريخ عودته إلى القطر المصري، أن يتقدم إلى الرئيس الديني المختص لإتمام الإجراءات اللازمة طبقا لقوانين وطقوس الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.
الفصل السادس: في بطلان عقد الزواج ((الفصل السادس: في بطلان عقد الزواج ))
المادة 37: إذا عقد الزواج بغير رضاء الزوجين أو أحدهما، رضاء صادرًا عن حرية واختيار، فلا يجوز الطعن فيه إلا من الزوجين، أو من الزوج الذي لم يكن حرًا في رضائه.
وإذا وقع غشّ في شخص أحد الزوجين، فلا يجوز الطعن في الزواج إلا من الزوج الذي وقع عليه الغِشّ.
وكذلك الحكم فيما إذا وقع غشّ في شأن بكارة الزوجة بأن أدعت أنها بكر وثبت أن بكارتها أزيلت بسبب سوء سلوكها، أو خلوها من الحمل وثبت أنها حامل.
المادة 38: معدلة في ٢٠٠٨: يشترط لطلب الإبطال في الأحوال المنصوص عليها في المادة (37) أن ترفع الدعوى خلال ستة أشهر من وقت أن يصبح الزوج متمتعًا بكامل إرادته أو من وقت العلم بالغش أو الغلط.
المادة 39: إذا عقد زواج القاصر بغير إذن وليه فلا يجوز الطعن فيه إلا من الولي أو من القاصر.
المادة 40: ملغاة في ٢٠٠٨، وكان النص الأصلي للمادة كما يلي:
ومع ذلك لا تقبل دعوى البطلان من الزوج ولا من الولي متى كان الولي قد أقر الزواج صراحة أو ضمنًا أو كان قد مضى شهر على علمه بالزواج.
ولا تقبل الدعوى أيضًا من الزوج بعد مضي شهر من بلوغه سن الرشد.
المادة 41: معدلة في ٢٠٠٨: كل عقد يقع مخالفًا لأحكام المواد (15، 16، 21، 22، 24، 25، 26، 27) يعتبر باطلًا ولو رضي به الزوجان.
المادة 42: ومع ذلك، فالزواج الذي يعقد بين زوجين لم يبلغ أحدهما أو كلاهما السن المقررة في المادة 16، لا يجوز الطعن فيه إذا كان مضى شهر من وقت بلوغ الزوج أو الزوجين السن القانونية، أو إذا حملت الزوجة ولو قبل انقضاء هذا الأجل.
المادة 43: لا يثبت الزواج وما يترتب عليه من الحقوق إلا بتقديم صورة رسمية من عقد الزواج، وفى حالة ثبوت ضياع أصل العقد أو إتلافه يجوز إثباته بكافة طرق الأثبات بما فيها البينة.
المادة 44: الزواج الذي حُكِم ببطلانه، يترتب عليه مع ذلك أثارة القانونية بالنسبة للزوجين، وذريتهما إذا ثبت أن كلاهما حسن النية، أي كل يجهل وقت الزواج سبب البطلان الذي يشوب العقد.
أما إذا لم يتوفر حسن النية ألا من جانب أحد الزوجين دون الآخر، فالزواج لا يترتب عليه آثاره إلا بالنسبة لهذا الزوج، ولأولاده المرزوقين له من ذلك الزوج.
الفصل السابع: في حقوق الزوجين وواجباتهما ((الفصل السابع: في حقوق الزوجين وواجباتهما ))
المادة 45: يجب لكل من الزوجين على الآخر الأمانة والمعاونة على المعيشة والمواساة عند المرض.
المادة 46: يجب على الزوج حماية زوجته ومعاملتها بالمعروف ومعاشرتها بالحسنى، ويجب على المرأة إطاعة زوجها فيما يأمرها به من حقوق الزوجية.
المادة 47: يجب على المرأة أن تسكن مع زوجها وأن تتبعه أينما سار لتقيم معه في أيّ محل لائق يختاره لإقامته، وعليها أن تحافظ على ماله وتقوم بخدمته والعناية بأولاده وملاحظة شئون بيته.
ويجب على الزوج أن يُسكِن زوجته في منزله وأن يقوم بما تحتاجه من طعام وكسوة على قدر طاقته.
المادة 48: الارتباط الزوجي لا يوجب اختلاط الحقوق المالية بل تظل أموال كل من الزوجين مملوكة له دون الآخر.
الفصل الثامن: في انحلال الزواج ((الفصل الثامن: في انحلال الزواج ))
المادة 49: معدلة في ٢٠٠٨: ينحل الزواج الصحيح بأحد أمرين:
الأول: موت أحد الزوجين حقيقة أو حكمًا.
الثاني: التطليق.
الباب الثاني: في الطلاق ((الباب الثاني: في الطلاق ))
الفصل الأول: في أسباب الطلاق ((الفصل الأول: في أسباب الطلاق ))
المادة 50: معدلة في ٢٠٠٨: يجوز لكل من الزوجين أن يطلب التطليق بسبب زنا الزوج الآخر.
ويعتبر في حكم الزنا كل عمل يدل على الخيانة الزوجية لأي من الزوجين كما في الأحوال التالية:
1- هروب الزوجة مع رجل غريب ليس من محارمها، أو مبيتها معه بدون علم زوجها أو إذنه بغير مقتض. وكذلك مبيت زوج مع أخرى ليست من محارمه.
2- ظهور دلائل أو أوراق صادرة من أحد الزوجين لشخص غريب تدل على وجود علاقة آثمة بينهما.
3- وجود رجل غريب مع الزوجة بحالة مريبة، أو وجود امرأة غريبة مع الزوج في حالة مريبة.
4- تحريض الزوج زوجته على ارتكاب الزنا، أو على ممارسة الفجور في علاقته بها.
5- إذا حبلت الزوجة في فترة يستحيل معها اتصال زوجها بها.
المادة 51: إذا خرج أحد الزوجين عن الدين المسيحي وأنقطع الأمل من رجوعه إليه، جاز الطلاق بناء على طلب الزوج الآخر.
المادة 52: ملغاة في ٢٠٠٨، وكان النص الأصلي للمادة كما يلي:
إذا غاب أحد الزوجين خمس سنوات متوالية، بحيث لا يُعلم مقره ولا تُعلم حياته من وفاته، وصدر حكم بإثبات غيبته، جاز للزوج الآخر أن يطلب الطلاق.
المادة 53: ملغاة في ٢٠٠٨، وكان النص الأصلي للمادة كما يلي:
الحكم على أحد الزوجين بعقوبة الأشغال الشاقة، أو السجن أو الحبس لمدة سبع سنوات فأكثر، يسوغ للزوج الآخر طلب الطلاق.
المادة 54: ملغاة في ٢٠٠٨، وكان النص الأصلي للمادة كما يلي:
إذا أصيب أحد الزوجين بجنون مطبق أو بمرض معد يخشى منه على سلامة الآخر يجوز للزوج الآخر أن يطلب الطلاق إذا كان قد مضى ثلاث سنوات على الجنون أو المرض وثبت أنه غير قابل للشفاء.
ويجوز أيضًا للزوجة أن تطلب الطلاق لإصابة زوجها بمرض العنة إذا مضى على إصابته به ثلاث سنوات وثبت أنه غير قابل للشفاء وكانت الزوجة في سن يخشى فيه عليها من الفتنة.
المادة 55: ملغاة في ٢٠٠٨، وكان النص الأصلي للمادة كما يلي:
إذا اعتدى أحد الزوجين على حياة الآخر أو اعتاد إيذاءه إيذاءً جسيمًا يعرض صحته للخطر جاز للزوج المجني عليه أن يطلب الطلاق.
المادة 56: ملغاة في ٢٠٠٨، وكان النص الأصلي للمادة كما يلي:
إذا ساء سلوك أحد الزوجين وفسد أخلاقه وانغمس في حمأة الرذيلة ولم يجد في إصلاحه توبيخ الرئيس الديني ونصائحه فللزوج الآخر أن يطلب الطلاق.
المادة 57: ملغاة في ٢٠٠٨، وكان النص الأصلي للمادة كما يلي:
يجوز أيضًا طلب الطلاق إذا أساء أحد الزوجين معاشرة الآخر أو أخل بواجباته نحوه إخلالًا جسيمًا، مما أدى إلى استحكام النفور بينهما، وانتهى الأمر بافتراقهما عن بعضهما، واستمرت الفرقة ثلاث سنوات متوالية.
المادة 58: ملغاة في ٢٠٠٨، وكان النص الأصلي للمادة كما يلي:
كذلك يجوز الطلاق إذا ترهبن الزوجان أو ترهبن أحدهما برضاء الآخر.
الفصل الثاني: في إجراءات دعوى الطلاق ((الفصل الثاني: في إجراءات دعوى الطلاق ))
المادة 59: ملغاة في ٢٠٠٨، وكان النص الأصلي للمادة كما يلي:
تقدم عريضة الدعوى من طالب الطلاق شخصيًا إلى رئيس المجلس الملي الفرعي، وإذا تعذر حضور الطالب بنفسه ينتقل الرئيس أو من ينتدبه من الأعضاء إلى محله.
وبعد أن يسمع الرئيس أو العضو المنتدب أقوال طالب الطلاق يعطيه ما يقتضه الحال من النصائح، فأن لم يقبلها يحدد للزوجين ميعادًا لا يقل عن ثمانية أيام كاملة للحضور أمامه بنفسيهما في مقر المجلس، فإذا تعذر لأحدهما الحضور أمامه يعين لهما المكان الذي يستطيعان الحضور فيه.
وفي اليوم المحدد يسمع أقوال الزوجين ويسعى في الصلح بينهما.
فأن لم ينجح في مسعاه يأمر بإحالة الدعوى إلى المجلس ويحدد لها ميعادًا لا يتجاوز شهرًا.
المادة 60: ملغاة في ٢٠٠٨، وكان النص الأصلي للمادة كما يلي:
يبدأ المجلس قبل النظر في موضوع الدعوى بعرض الصلح على الزوجين، فأن لم يقبلاه ينظر في الترخيص لطالب الطلاق بأن يُقيم بصفة مؤقتة أثناء رفع الدعوى بمعزل من الزوج الآخر، مع تعيين المكان الذي تقيم فيه الزوجة إذا كانت هي طالبة الطلاق، كما ينظر في تقرير نفقة لها على الزوج وفي حضانة الأولاد أثناء نظر الدعوى وفي تسليم الجهاز والأمتعة الخاصة.
وحكم المجلس في هذه الأمور يكون مشمولًا بالنفاذ المؤقت من غير كفالة وقابلًا للاستئناف في ظرف ثمانية أيام من تاريخ صدوره.
المادة 61: ملغاة في ٢٠٠٨، وكان النص الأصلي للمادة كما يلي:
يجوز لكلٍ من الزوجين أن يوكل من يختاره من المحامين أو من أقاربه لغاية الدرجة الرابعة للمرافعة عنه، وإنما يلزم أن يكون حاضرًا مع وكيله في الجلسة ما لم يمنعه مانع من الحضور.
المادة 62: ملغاة في ٢٠٠٨، وكان النص الأصلي للمادة كما يلي:
تنظر الدعوى وتحقق بالطرق المعتادة.
المادة 63: ملغاة في ٢٠٠٨، وكان النص الأصلي للمادة كما يلي:
لا يؤخذ بإقرار المدعى عليه من الزوجين بما هو منسوب إليه ما لم يكن مُؤيَدًا بالقرائن أو شهادة الشهود.
ولا تعتبر القرابة أو أية صلة أخرى مانعة من الشهادة، غير أنه لا يسوغ سماع شهادة أولاد الزوجين أو أولاد أولادهما.
المادة 64: ملغاة في ٢٠٠٨، وكان النص الأصلي للمادة كما يلي:
لا تقبل دعوى الطلاق إلا إذا حصل صلح بين الزوجين سواء بعد حدوث الوقائع المدعاة في الطلب أو بعد تقديم هذا الطلب.
ومع ذلك يجوز للطالب أن يرفع دعوى أخرى لسبب طرأ أو اُكتُشف بعد الصلح وله أن يستند إلى الأسباب القديمة في تأييد دعواه الجديدة.
المادة 65: ملغاة في ٢٠٠٨، وكان النص الأصلي للمادة كما يلي:
تنقضي دعوى الطلاق بوفاة أحد الزوجين قبل صدور الحكم النهائي بالطلاق.
المادة 66: ملغاة في ٢٠٠٨، وكان النص الأصلي للمادة كما يلي:
يجوز الطعن في الأحكام الصادرة في دعاوى الطلاق بالطرق والأوضاع المقررة لغيرها من الدعاوى ولكن تقبل المعارضة في الحكم الغيابي في ظرف خمسة عشر يومًا من تاريخ إعلانه.
ويجب أن تعرض دعاوى الطلاق على المجلس الملي العام ولو لم تستأنف أحكامها للنظر في التصديق على هذه الأحكام من عدمه، ولا ينفذ الحكم القاضي بالطلاق إلا بعد صدور الحكم النهائي به من المجلس الملي العام وبعد استنفاذ جميع طرق الطعن بما فيها الالتماس.
المادة 67: ملغاة في ٢٠٠٨، وكان النص الأصلي للمادة كما يلي:
يسجل الحكم النهائي القاضي بالطلاق في السجل المعد لذلك بالدار البطريركية، ويؤشر بمضمونه على أصل عقد الزواج بالسجل المحفوظ لدى الكاهن، وعلى القسيمة المحفوظة لدى الرياسة الدينية، وعلى القسيمة الموجودة لدى الزوج الذي صدر حكم الطلاق بناء على طلبه.
الفصل الثالث: في الآثار المترتبة على التطليق ((الفصل الثالث: في الآثار المترتبة على التطليق ))
المادة 68: ملغاة في ٢٠٠٨، وكان النص الأصلي للمادة كما يلي:
يترتب على التطليق انحلال رابطة الزوجية من تاريخ الحكم النهائي الصادر به، فتزول حقوق كل من الزوجين وواجباته قبل الآخر ولا يرث أحدهما الآخر عند موته.
المادة 69: معدلة في ٢٠٠٨: يصدر المجلس الإكليريكي تصريح زواج لكل من قضي له بالتطليق أو بطلان الزواج طبقًا لأحكام هذه اللائحة خلال ستة أشهر من تاريخ تقديم الطلب مرفقًا به صورة رسمية من الحكم النهائي بانحلال الرابطة الزوجية.
وفي حالة رفض الطلب أو عدم الرد خلال ستة أشهر يجوز لطالب التصريح التظلم لقداسة البابا البطريرك لاتخاذ ما يلزم.
المادة 70: معدلة في ٢٠٠٨: يجوز للزوجين بعد الحكم النهائي بالتطليق أو الإبطال، التصالح واستئناف الحياة الزوجية من جديد، على أن يثبت ذلك بعقد الزواج الكنسي، وبعد استيفاء الإجراءات الدينية التي تقتضيها قوانين الكنيسة، على أن يتم التنازل عن حكم التطليق أو الإبطال على أصل صورة الحكم المشمولة بالصبغة التنفيذية.
المادة 71: ملغاة في ٢٠٠٨، وكان النص الأصلي للمادة كما يلي:
يجوز الحكم بنفقة أو تعويض لمن حكم له بالطلاق على الزوج الآخر.
المادة 72: ملغاة في ٢٠٠٨، وكان النص الأصلي للمادة كما يلي:
حضانة الأولاد تكون للزوج الذي صدر حكم الطلاق لمصلحته ما لم يأمر المجلس بحضانة الأولاد أو بعضهم للزوج الآخر أو لمن له حق الحضانة بعده.
ومع ذلك يحتفظ كل الأبوين بعد الطلاق بحقه في ملاحظة أولاده لتربيتهم أيًا كان الشخص الذي عهد إليه بحضانتهم.
المادة 73: لا يؤثر حكم الطلاق على ما للأولاد من الحقوق قبل والديهم.
الباب الثالث: في المهر والجهاز ((الباب الثالث: في المهر والجهاز ))
الفصل الأول: في المهر ((الفصل الأول: في المهر ))
المادة 74: ليس المهر من أركان الزواج، فكما يجوز أن يكون بمهر يجوز أن يكون بغير مهر.
المادة 75: يجب المهر المسمى في عقد الخطبة للزوجة بمجرد الإكليل في الزواج الصحيح.
المادة 76: المرأة الرشيدة تقبض مهرها بنفسها، فلا يجوز لغيرها قبض المهر إلا بتوكيل منها، وللولي أو الوصي أن يقبض مهر القاصر.
المادة 77: المهر ملك المرأة تتصرف فيه كيف شاءت أن كانت رشيدة.
وإذا ماتت قبل أن تستوفى جميع مهرها فلورثتها مطالبة زوجها أو ورثته بما يكون باقيًا بذمته من المهر بعد إسقاط نصيب الزوج الآيل له من أرثها.
المادة 78: في حالة الحكم ببطلان الزواج: إذا كان السبب آتيا من قبل الرجل وكانت المرأة تعلم به، فلا مهر لها، وأن كانت لا تعلم به، فلها مهرها.
وإذا كان السبب آتيا من قبل المرأة، والرجل يعلم به، فلها أن تستولى على مهرها، وان لم يكن عالما به، فلا حق لها في المهر.
المادة 79: في حالة الحكم بالطلاق: إذا كان سبب الفسخ قهريًا، أي لا دخل لإرادة أحد من الزوجين فيه، فيكون للمرأة حق الاستيلاء على مهرها.
أما إذا كان سبب الفسخ غير قهري، فإن كان آتيًا من قبل الرجل، فللمرأة الحق في أخذ مهرها، وأن كان آتيا من قبل المرأة، فلا حق لها في المهر.
الفصل الثاني: في الجهاز ((الفصل الثاني: في الجهاز ))
المادة 80: لا تجبر المرأة على تجهيز منزل الزوجية من مهرها ولا من غيره، فلو زفت بجهاز قليل لا يليق بالمهر الذي دفعه الزوج، أو بلا جهاز أصلا، فليس له مطالبتها ولا مطالبة أبيها بشيء منه، ولا تنقيص شيء من مقدار المهر تراضيا عليه.
المادة 81: إذا تبرع الأب وجهز ابنته الرشيدة من ماله، فإن سلمها الجهاز في حال حياته، ملكته بالقبض، وليس لأبيها بعد ذلك ولا لورثته استرداد شيء منه، وان لم يسلمه إليها، فلا حق لها ولا لزوجها فيه.
المادة 82: إذا اشترى الأب من ماله في حالة حياته جهاز ابنته القاصر، ملكته بمجرد شرائه، وليس له ولا لورثته أخذ شيء منه.
المادة 83: إذا جهز الأب ابنته من مهرها وبقى عنده شيء منه، فلها مطالبته به.
المادة 84: الجهاز ملك المرأة وحدها، فلا حق للزوج في شيء منه، وإنما له الانتفاع بما يوضع منه في بيته، وإذا اغتصب شيئا منه حال قيام الزوجية أو بعدها، فلها مطالبته به أو بقيمته إن هلك أو استهلك عنده.
المادة 85: إذا اختلف الزوجان حال قيام الزواج أو بعد الفسخ في متاع موضوع في البيت الذي يسكنان فيه، فما يصلح للنساء عادة فهو للمرأة إلى أن يقيم الزوج البينة على أنه له، وما يصلح للرجال، أو يكون صالحًا لهما، فهو للزوج ما لم تقم المرأة البينة على أنه لها.
المادة 86: إذا مات أحد الزوجين ووقع نزاع في متاع بالبيت بين الحي وورثة الميّت، فما يصلح للرجل والمرأة يكون للحي منهما عند عدم البينة.
الباب الرابع: في ثبوت النسب ((الباب الرابع: في ثبوت النسب ))
الفصل الأول: في ثبوت نسب الأولاد المولودين حال قيام الزواج ((الفصل الأول: في ثبوت نسب الأولاد المولودين حال قيام الزواج ))
المادة 87: أقل مدة لحمل ستة أشهر وأكثرها عشرة أشهر بحساب الشهر ثلاثين يومًا.
المادة 88: إذا ولدت الزوجة ولدًا لتمام ستة أشهر فصاعدًا من حين الزواج ثبت نسبه من الزوج.
المادة 89: ومع ذلك يكون للزوج أن ينفى الولد إذا أثبت أنه في الفترة بين اليوم السابق على الولادة بعشرة أشهر واليوم السابق عليها بستة أشهر كان يستحيل عليه ماديًا أن يتصل بزوجته بسبب بعد المسافة بينهما أو بسبب وجوده في السجن أو بسبب حادث من الحوادث.
المادة 90: للزوج أن ينفى الولد لعلة الزنا أذا كانت الزوجة قد أخفت عنه الحمل والولادة، ولكن ليس له أن ينفيه بادعائه عدم المقدرة على الاتصال الجنسي.
المادة 91: ليس للزوج أن ينفى الولد المولود قبل مضى ستة أشهر من تاريخ الزواج في الأحوال الآتية:
أولًا – إذا كان يعلم أن زوجته كانت حاملًا قبل الزواج.
ثانيًا – إذا بلّغ عن الولادة أو حضر التبليغ عنها.
ثالثًا – إذا ولد الولد ميتًا أو غير قابل للحياة.
المادة 92: في حالة رفع دعوى الطلاق: يجوز للزوج أن ينفي نسب الولد الذي يولد بعد مضى عشرة أشهر من تاريخ القرار الصادر بالترخيص للزوجة بالإقامة في مسكن منعزل، أو قبل مضى ستة أشهر من تاريخ رفض الدعوى أو الصلح.
على أن دعوى النفي هذه لا تُقبَل إذا ثبت في الواقع حصول اجتماع بين الزوجين.
المادة 93: يجوز نفي الولد إذا وُلِد بعد مضى عشرة أشهر من تاريخ وفاة الزوج أو من تاريخ حكم الطلاق.
المادة 94: في الأحوال التي يجوز فيها للزوج نفي الولد: يجب عليه أن يرفع دعواه في ظرف شهر من تاريخ الولادة إذا كان حاضرًا وقتها، أو من تاريخ عودته إذا كان غائبًا، أو من تاريخ علمه بها إذا كانت أخفيت عنه.
المادة 95: إذا تُوفّيَ الزوج قبل انقضاء المواعيد المبينة بالمادة السابقة دون أن يرفع دعواه، فلورثته الحق في نفي الولد في ظرف شهر من تاريخ وضع يده هو أو وليه على أعيان التركة، أو من تاريخ منازعته لهم في وضع يدهم عليها.
المادة 96: تثبت البنوة الشرعية بشهادة مستخرجة من دفتر قيد المواليد، وإذا لم توجد شهادة فيكفي لإثباتها حيازة الصفة.
وهى تنتج من اجتماع وقائع تكفى للدلالة على وجود رابطة البنوة بين شخص وآخر.
ومن هذه الوقائع :
أن الشخص كان يحمل دائمًا اسم الوالد الذي يدعي بنوته له، وأن هذا الوالد كان يعامله كابن له، وكان يقوم على هذا الاعتبار بتربيته وحضانته ونفقته، وأنه كان معروفا كأب له في الهيئة الاجتماعية، وكان معترفًا به من العائلة كأب، فإذا لم توجد شهادة ولا حيازة فيمكن أثبات البنوة بشهادة الشهود المؤيدة بقرائن الأحوال.
الفصل الثاني: في ثبوت نسب الأولاد غير الشرعيين ((الفصل الثاني: في ثبوت نسب الأولاد غير الشرعيين ))
الفرع الأول – في تصحيح النسب ((الفرع الأول – في تصحيح النسب ))
المادة 97: الأولاد المولودون قبل الزواج، عدا أولاد الزنا وأولاد المحارم، يعتبرون شرعيين بزواج أبويهم وإقرارهما أمام الكاهن المختص ببنوتهم، أما قبل الزواج أو حين حصوله، وفى هذه الحالة الأخيرة يثبت الكاهن الذي يباشر عقد الزواج أقرار الوالدين بالبنوة في وثيقة منفصلة.
المادة 98: يجوز تصحيح النسب على الوجه المبين في المادة السابقة لمصلحة أولاد توفوا عن ذرية، وفى هذه الحالة يستفيد ذرية أولئك الأولاد من تصحيح نسبهم.
المادة 99: الأولاد الذين اعتبروا شرعيين بالزواج اللاحق لولادتهم يكون لهم من الحقوق وعليهم من الواجبات كما لو كانوا مولودين من هذا الزواج.
الفرع الثاني – في الإقرار بالنسب والادعاء به ((الفرع الثاني – في الإقرار بالنسب والادعاء به ))
المادة 100: إذا أقر الرشيد العاقل ببنوة ولد مجهول النسب، وكان في سن بحيث يولد منه لمثله، يثبت نسبه منه وتلزمه نفقته وتربيته.
المادة 101: إذا أقر ولد مجهول النسب بالأبوة أو بالأمومة لامرأة وكان يولد مثله لمثل المقر له، وصدقه، فقد ثبتت أبوتهما له، ويكون عليه ما للأبوين من الحقوق وله عليهما ما للأبناء من النفقة والحضانة والتربية.
المادة 102: إقرار الأب بالبنوة دون إقرار الأم لا تأثير له إلا على الأب، والعكس بالعكس.
المادة 103: إقرار أحد الزوجين في أثناء الزواج ببنوة ولد غير شرعي رزق به قبل الزواج من شخص آخر غير زوجة، لا يجوز له أن يضر بهذا الزوج، ولا بالأولاد المولودين من ذلك الزواج.
المادة 104: يثبت الإقرار بالنسب بعقد رسمي يحرر أمام الكاهن ما لم يكن ثابتًا من شهادة الميلاد.
المادة 105: يجوز لكل ذي شأن أن تنازع في إقرار الأب أو الأم بالبنوة وفى ادعاء الولد لها.
المادة 106: يجوز الحكم بثبوت نسب الأولاد غير الشرعيين من أبيهم.
أولًا – في حالة الخطف أو الاغتصاب إذا كان زمن حصولهما يرجع إلى زمن الحمل.
ثانيًا – في حالة الإغواء بطريق الاحتيال أو باستعمال السلطة والوعد بالزواج.
ثالثًا – في حالة وجود خطابات أو محررات أخرى صادرة من الأب المدعى عليه تتضمن اعترافه بالأبوة اعترافًا صريحًا.
رابعًا – إذا كان الأب المدعى عليه والأم قد عاشا معا في مدة الحمل وعاشرا بعضهما بصفة ظاهرة.
خامسًا – إذا كان الأب المدعى عليه قام بتربية الولد والأنفاق عليه أو اشترك في ذلك بصفته والدًا له.
المادة 107: لا تقبل دعوى ثبوت الأبوة:
أولًا – إذا كانت الأم في أثناء مدة الحمل مشهورة بسوء السلوك أو كانت لها علاقة غرامية برجل آخر.
ثانيًا – إذا كان الأب المدعى عليه في أثناء تلك المدة يستحيل عليه ماديًا سواء بسبب بعده أو بسبب حادث من الحوادث أن يكون والد الطفل.
المادة 108: لا يملك رفع دعوى ثبوت الأبوة بغير الولد أو الأم إذا كان الولد قاصرًا.
ويجب أن ترفع الدعوى في مدى سنتين من تاريخ الوضع وإلا سقط الحق فيها.
غير أنه في الحالتين الرابعة والخامسة المنصوص عليهما في المادة 106 يجوز رفع الدعوى إلى حين انقضاء السنتين التاليتين لانتهاء المعيشة المشتركة أو لانقطاع الأب المدعى به عن تربية الولد والأنفاق عليه.
وإذا لم ترفع الدعوى في أثناء قصر الولد فيجوز له رفعها في مدى السنة التالية لبلوغه سن الرشد.
المادة 109: يجوز طلب الحكم بثبوت الأمومة.
وعلى ذلك يطلب ثبوت نسبه من أمه أن يثبت أنه هو نفس الولد الذي وضعته.
وله أن يثبت ذلك بشهادة الشهود.
الفصل الثالث: في التبني ((الفصل الثالث: في التبني ))
المادة 110: التبني جائز للرجل وللمرأة، متزوجين كانا أو غير متزوجين، بمراعاة الشروط المنصوص عليها في المواد التالية:
المادة 111: يشترط في المتبني:
(1) أن يكون تجاوز سن الأربعين.
(2) ألا يكون له أولاد ولا فروع شرعيون وقت التبني.
(3) أن يكون حسن السمعة.
المادة 112: يجوز أن يكون المتبنى ذكرًا أو أنثى بالغًا أو قاصرًا ولكن يشترط أن يكون أصغر سنا من المتبني بخمس عشرة سنة ميلادية على الأقل.
المادة 113: لا يجوز أن يتبنى الولد أكثر من شخص واحد ما لم يكن التبني حاصلًا من زوجين.
المادة 114: لا يجوز التبني إلا إذا وجدت أسباب تبرره، وكانت تعود منه فائدة على المتبنى.
المادة 115: اذا كان الولد المراد تبنيه قاصرًا، وكان والده على قيد الحياة، فلا يجوز التبني إلا برضاء الوالدين.
فإذا كان أحدهما متوفيًا أو غير قادر على أبداء رأيه، فيكفى قبول الآخر، وإذا كان قد صدر حكم بالطلاق فيكفى قبول من صدر الحكم لمصلحته أو عهد إليه بحضانة الولد منهما.
أما إذا كان القاصر قد فقد والديه، أو كان الوالدان غير قادرين على أبداء رأيهما، فيجب الحصول على قبول وليّه.
وكذلك يكون الحكم إذا كان القاصر ولدًا غير شرعي لم يقر أحد ببنوته، أو توفى والداه أو أصبحا غير قادرين على أبداء رأيهما بعد الإقرار ببنوته.
المادة 116: لا يجوز لأحد الزوجين أن يَتبنى أو يُتبنى ألا برضاء الزوج الآخر ما لم يكن هذا الأخير غير قادر على أبداء رأيه.
المادة 117: يحصل التبني بعقد رسمي يحرره كاهن الجهة التي يتم فيها راغب التبني ويثبت به حضور الطرفين وقبولهما التبني أمامه، فإذا كان الولد المراد تبنيه قاصرًا قام والده أو وليه مقامه.
المادة 118: معدلة في ٢٠٠٨: يجب على الكاهن الذي حرر عقد التبني أن يرفعه في المجلس الملي الذي يباشر عمله في دائرته للنظر في التصديق عليه بعد التحقق من توافر الشروط التي يتطلبها القانون.
وفي حالة الرفض يجوز لكل من الطرفين استئناف الحكم أمام المحكمة المختصة طبقًا للأوضاع العادية.
ويسجل الحكم النهائي القاضي بالتصديق على التبني في دفتر يعد لذلك في الجهة الرئيسية الدينية.
المادة 119: يخوّل التبني الحق للمتبنَى أن يلقّب بلقب المتبنِي وذلك بإضافة اللقب إلى اسمه الأصلي.
المادة 120: التبنِي لا يخرج المتبنَى من عائلته الأصلية ولا يحرمه من حقوقه فيها، ومع ذلك يكون للمتبني وحده حق تأديب المتبنَى وتربيته وحق الموافقة على زواجه أن كان قاصرًا.
المادة 121: يجب على المتبنِي نفقة المتبنَى أن كان فقيرا كما أنه يجب على المتبنَى نفقة المتبنِي الفقير.
ويبقى المتبنَى ملزمًا بنفقة والديه الأصليين ولكن والديه لا يُلزمان بنفقته إلا إذا لم يمكنه الحصول عليها من المتبني.
المادة 122: لا يرث المتبنَى في تركة المتبنِي بغير وصية منه.
المادة 123: كذلك لا يرث المتبنِي في تركة المتبنَى إلا بوصية.
الباب الخامس: فيما يجب على الولد لوالديه وما يجب له عليهما ((الباب الخامس: فيما يجب على الولد لوالديه وما يجب له عليهما ))
الفصل الأول: في السلطة الأبوية ((الفصل الأول: في السلطة الأبوية ))
المادة 124: يجب على الولد في أي سن كان أن يحترم والديه ويحسن معاملتهما.
المادة 125: يبقى الولد تحت سلطة والديه إلى أن يبلغ سن الرشد ولا يسمح له بمغادرة منزل والده بغير رضائه إلا بسبب التجنيد.
قضت المحكمة الدستورية بجلسة 6/ 12/ 1997 في القضية المقيدة برقم 79 لسنة 18 ق ’’دستورية‘‘ بسقوط نص المادة 125 في مجال تطبيقها بالنسبة إلى الولاية على نفس الصغير.
المادة 126: يطلب من الوالد أن يُعنى بتأديب ولده وتربيته وتعليمه ما هو ميسر له من علم أو حرفة وحفظ ماله القيام بنفقته كما سيجئن في الباب السادس.
ويطلب من الوالدة الاعتناء بشأن ولدها.
الفصل الثاني: في الحضانة ((الفصل الثاني: في الحضانة ))
المادة 127: الأم أحق بحضانة الولد وتربيته حال قيام الزوجية وبعدها.
وبعد الأم تكون الحضانة للجدة لأم، ثم للجدة لأب، ثم لأخوات الصغير، وتقدم الأخت الشقيقة، ثم الأخت لأم، ثم الأخت لأب، ثم لبنات الأخوات بتقديم بنت الأخ لأبوين، ثم لأم، ثم لأب، ثم لبنات الأخ كذلك، ثم لخالات الصغير، وتقدم الخالة لأبوين، ثم الخالة لأم، ثم لأب، ثم لعمات الصغير كذلك، ثم لبنات الخالات والأخوال، ثم لبنات العمات والأعمام، ثم لخالة الأم، ثم لخالة الأب، ثم لعمة الأم ولعمة الأب بهذا الترتيب.
المادة 128: إذا لم يوجد للصغير قريبة من النساء أهل للحضانة تنتقل إلى الأقارب الذكور، ويقدم الأب، ثم الجد لأب، ثم الجد لأم، ثم الأخ الشقيق، ثم الأخ لأب، ثم الأخ لأم، ثم بنو الأخ لأب، ثم بنو الأخ لأم، ثم العم الشقيق، ثم العم لأب، ثم العم لأم، ثم الخال لأبوين، ثم الخال لأب، ثم الخال لأم، ثم أولاد من ذكروا بهذا الترتيب.
المادة 129: يشترط في الحاضنة أن تكون قد تجاوزت سن السادسة عشرة، وفى الحاضن أن يكون قد تجاوز سن الثامنة عشرة، ويشترط في كليهما أن يكون مسيحيًا عاقلًا أمينًا قادرًا على تربية الصغير وصيانته، وألا يكون مطلقًا لسبب راجع إليه، ولا متزوجًا بغير محرم للصغير.
المادة 130: إذا قام لدى الحاضن أو الحاضنة سبب يمنع من الحضانة، سقط حقه فيها وانتقل إلى من يليه في الاستحقاق.
ومتى زال المانع يعود حق الحضانة إلى من سقط حقه فيها.
المادة 131: إذا تساوى المستحقون للحضانة في درجة واحدة، يقدم أصلحهم للقيام بشئون الصغير.
المادة 132: إذا حصل نزاع على أهلية الحاضنة أو الحاضن، فللمجلس أن يعين من يراه أصلح من غيره لحضانة الصغير بدون تقيد بالترتيب المنوه عنه في المادتين 127 و128.
ويكون له ذلك أيضًا كلما رأى أن مصلحة الصغير تقتضي تخطي الأقرب إلى من دونه في الاستحقاق.
المادة 133: إذا لم يوجد مستحق أهل للحضانة، أو وجد وأمتنع عنها، فيعرض الأمر على المجلس ليعين امرأة ثقة أمينة لهذا الغرض من أقارب الصغير أو من غيرهم.
المادة 134: أجرة الحضانة غير النفقة، وهى تلزم أب الصغير إن لم يكن له مال.
المادة 135: لا تستحق الأم أجرة على حضانة طفلها حال قيام الزوجية، ولها الحق في الأجرة أن كانت مطلقة.
وإذا احتاج المحضون إلى خادم أو مرضع وكان أبوه موسرًا، يلزم بأجرته، وغير الأم من الحاضنات لها الأجرة.
المادة 136: يمنع الأب من إخراج الولد من بلد أمه بلا رضاها ما دام في حضانتها.
المادة 137: ليس للأم المحكوم بطلاقها أن تسافر بالولد الحاضنة له من محل حضانته من غير إذن أبيه، إلا إذا كان انتقالها إلى محل إقامة أهلها، وبشرط ألا يكون خارج القطر المصري.
المادة 138: غير الأم من الحاضنات لا يسوغ لها في أي حال أن تنقل الولد من محل حضانته إلا بإذن أبيه أو ليه.
المادة 139: مقضي بعدم دستوريتها، ونصها كما يلي:
تنتهي مدة الحضانة ببلوغ الصبي سبع سنين وبلوغ الصبية تسع سنين.
وحينئذ يسلم الصغير إلى أبيه أو عند عدمه إلى من له الولاية على نفسه.
فأن لم يكن للصغير ولي يترك عند الحاضنة إلى أن يرى المجلس من هو أولى منها باستلامه.
الباب السادس: في النفقات ((الباب السادس: في النفقات ))
المادة 140: النفقة هي كل ما يلزم للقيام بأود شخص في حالة الاحتياج من طعام وكسوة وسكنى.
المادة 141: النفقة واجبة:
(1) بين الزوجين.
(2) بين الآباء والأبناء.
(3) بين الأقارب.
المادة 142: تقدر النفقة بقدر حاجة من يطلبها، ويسار من يجب عليه أداؤها.
المادة 143: النفقة المقدرة لا تبقى بحالة واحدة بعد تقديرها.
بل تتغير تبعا لتغيير أحوال الطرفين.
فإذا أصبح الشخص الملزم بالنفقة في حالة لا يستطيع معها أداءها، أو أصبح من يتقاضى النفقة في غير حاجة لكل ما قدر له، أو بعضه، جاز طلب أسقاط النفقة، أو تخفيض قيمتها.
كما أنه إذا زاد يسار الشخص الملزم بالنفقة، أو زادت حاجة المقضي له، جاز الحكم بزيادة قيمتها.
المادة 144: إذا أثبت الشخص الملزم بالنفقة أنه لا يستطيع دفعها نقدًا، فللمجلس أن يأمره بأن يُسكِن في منزله من تجب نفقته عليه، وأن يقدم له ما يحتاجه من طعام وكسوة.
المادة 145: حق النفقة شخصي، فلا يجوز لورثة من تقررت له النفقة المطالبة بالمتجمد منها.
الفصل الأول: في النفقة بين الزوجين ((الفصل الأول: في النفقة بين الزوجين ))
المادة 146: تجب النفقة على الزوج لزوجته من حين العقد الصحيح.
المادة 147: يسقط حق الزوجة في النفقة إذا تركت منزل زوجها بغير مسوغ شرعي، أو أبت السفر معه إلى الجهة التي نقل إليها محل إقامته بدون سبب مقبول.
المادة 148: للزوج أن يباشر الإنفاق بنفسه على زوجته حال قيام الزواج، وإذا اشتكت مطله في الأنفاق عليها، وثبت ذلك، تقدر وتعطى لها لتنفق على نفسها.
المادة 149: يجب على الزوج أن يسكن معه زوجته في مسكن على حدته به المرافق الشرعية بحيث يكون متناسبًا مع حالة الزوجين.
ولا تجبر الزوجة على إسكان أحد معها من أهل زوجها سوى أولاده من غيرها ما لم يأمر المجلس بغير ذلك في الحالة المنصوص عليها في المادة 144، وليس للزوجة أن تسكن معها في بيت الزوج أحدًا من أهلها إلا برضائه.
المادة 150: تُفرض النفقة لزوجة الغائب من ماله أن كان له مال.
المادة 151: تجب النفقة على الزوجة لزوجها المعسر إذا لم يكن يستطيع الكسب وكانت هي قادرة على الإنفاق عليه.
الفصل الثاني: في النفقة بين الآباء والأبناء والنفقة بين الأقارب ((الفصل الثاني: في النفقة بين الآباء والأبناء والنفقة بين الأقارب ))
المادة 152: تجب النفقة بأنواعها الثلاثة على الأب لولده الصغير الذي ليس له مال سواء أكان ذكرًا أو أنثى إلى أن يبلغ الذكر حد الكسب ويقدر عليه وتتزوج الأنثى.
المادة 153: يجب على الأب نفقة ولده الكبير الفقير الذي لا يستطيع الكسب، ونفقة الأنثى الكبيرة الفقيرة وما لم تتزوج.
المادة 154: إذا كان الأب معدمًا أو معسرًا تجب النفقة على الأم إذا كانت موسرة، وإذا كان الأبوان معدومين أو معسرين، تجب النفقة على الجد، والجدة لأب، ثم الجد والجدة لأم، وعند عدم وجود الأصول أو إعسارهم تجب النفقة على الأقارب كما سيجيء بعد.
المادة 155: إذا اشتكت الأم من عدم إنفاق الأب أو تقتيره على الولد، يفرض المجلس له النفقة ويأمر بإعطائها لأمه لتنفق عليه.
المادة 156: يجب على الولد الموسر كبيرًا كان أو صغيرًا، ذكرًا كان أو أنثى نفقة والديه وأجداده وجداته الفقراء ولو كانوا قادرين على الكسب.
المادة 157: إذا لم يكن لمستحق النفقة أصول ولا فروع قادرون على الأنفاق عليه، فتجب نفقته على أقاربه على الترتيب الآتي:
الأخوة والأخوات لأبوين، ثم الأخوة والأخوات لأب، ثم الأعمام والعمات، ثم الأخوال والخالات، ثم أبناء الأعمام والعمات، ثم أبناء الأخوال والخالات.
المادة 158: لا عبرة بالإرث في النفقة بين الآباء والأبناء ولا بين الأقارب، بل تعتبر درجة القرابة بتقديم الأقرب فالأقرب، ويراعى الترتيب الوارد في المادتين 154 و157، فإذا اتحد الأقارب في الدرجة تكون النفقة عليهم بنسبة يسار كل منهم.
وإذا كان من تجب عليه النفقة معسرًا أو غير قادر على إيفائها بتمامها فيلزم بها أو بتكملتها من يليه في الترتيب.
الباب السابع: في الولاية الشرعية ((الباب السابع: في الولاية الشرعية ))
المادة 159: الولاية هي قيام شخص رشيد عاقل بشئون القاصر أو من في حكمه سواء ما كان منها متعلقًا بنفسه أو بماله.
المادة 160: الولاية على نفس القاصر شرعًا هي للأب ثم لمن يوليه الأب بنفسه قبل موته.
فإذا لم يول الأب أحدًا فالولاية بعده للجد الصحيح ثم للأم ما دامت لم تتزوج ثم للجد لأم ثم للأرشد من الأخوة الأشقاء ثم من الأخوة لأب ثم من الأخوة لأم ثم من الأعمام ثم من الأخوال ثم من أبناء الأعمام ثم من أبناء الأخوال ثم من أبناء العمات ثم من أبناء الخالات.
فإذا لم يوجد ولي من الأشخاص المتقدم ذكرهم يعين المجلس وليًا من باقي الأقارب أو من غيرهم.
المادة 161: والولاية في المال هي أيضا للأب ثم للوصي الذي اختاره.
فان مات الأب ولم يوص فالولاية من بعده تكون للجد الصحيح ثم للأم ما دامت لم تتزوج.
فان لم يوجد أحد من هؤلاء الأولياء فالولاية في المال تكون للوصي الذي تعينه الجهة المختصة.
المادة 162: يشترط في الولي أن يكون مسيحيًا أرثوذكسيًا عاقلًا رشيدًا غير محجور عليه ولا محكوم عليه في جريمة ماسة بالشرف أو النزاهة.
المادة 163: يجب على الولي أن يقوم للقاصر:
أولًا – بما يعود بالفائدة على نفسه من تربية وتعليم.
ثانيًا – بالمحافظة على ماله من الضياع أو التلف.
المادة 164: يجب على الولي أن يقدم للمجلس الملي الذي يقيم القاصر في دائرته، قائمة جرد، من نسختين، موقعًا عليها منه بما آل للقاصر من منقول وعقار وسندات ونقود، وذلك في ظرف شهر من التاريخ الذي آلت فيه هذه الأموال إليه.
وتحفظ هذه القائمة في محفوظات المجلس بعد التأشير عليها من سكرتيره، ويلحق بها بيان بما يزيد أو ينقص من أموال القاصر، موقع عليه أيضًا من الولي ومؤشر عليه من السكرتير.
ويجب على الولي أن يودع نقود القاصر باسمه في المصرف الذي يعينه المجلس.
ولا يجوز له أن يسحب شيئًا من أصلها إلا بإذن المجلس.
المادة 165: ويجب عليه أيضًا أن يقدم للمجلس حسابًا سنويًا مفصلًا ومؤيدًا بالمستندات عن إيراد ومصروفات القاصر، وعلى المجلس مراجعته والتصديق عليه إذا ثبت له صحته.
وللمجلس أن يعفي الولي من تقديم الحساب سنويًا إذا لم ير لزومًا لذلك.
المادة 166: يجب على الولي الحصول على إذن من المجلس الملي لمباشرة أحد التصرفات الآتية في أموال القاصر:
أولًا – شراء العقارات أو بيعها أو رهنها أو استبدالها أو قسمتها أو ترتيب حقوق عينية عليها.
ثانيًا – بيع أو رهن السندات المالية.
ثالثًا – التنازل عن كل أو بعض التأمينات المقررة لمنفعة القاصر أو أي حق من حقوقه.
رابعًا – إقراض أموال القاصر أو الاقتراض لحسابه.
المادة 167: تُسلب الولاية بناء على طلب كل ذي شأن في الأحوال الآتية:
أولًا – إذا أساء الولي معاملة القاصر إساءة تعرض صحته للخطر وأهمل تعليمه وتربيته.
ثانيًا – إذا كان مبذرًا متلفًا مال القاصر غير أمين على حفظه.
ثالثًا – إذا حجر على الولي أو حكم عليه في جريمة ماسة بالشرف أو النزاهة أو اعتنق دينًا غير الدين المسيحي أو مذهبًا غير المذهب الأرثوذكسي.
رابعًا – إذا أصبح طاعنًا في السن أو أصيب بمرض أو عاهة تمنعه عن القيام بعمله.
المادة 168: يجوز للمجلس أن يعيد الولاية إلى من سلبت منه لسبب من الأسباب المبينة في الوجهين الثالث والرابع من المادة السابقة إذا زال السبب الذي أوجب سلب الولاية.
المادة 169: تنتهى الولاية متى بلغ القاصر من العمر أحدى وعشرين سنة ميلادية إلا إذا قرر المجلس استمرارها.
قضت المحكمة الدستورية بجلسة 6/ 12/ 1997 في القضية المقيدة برقم 79 لسنة 18 ق ’’دستورية‘‘ بعدم دستورية: ما تضمنته هذه المادة من بقاء الصغير المشمول بالولاية على النفس تحت يد الولي عليه بعد بلوغ الخامسة عشرة من عمره أو بعد البلوغ الطبيعي, أي الواقعتين أقرب زمنًا.
المادة 170: إذا بلغ الولد معتوهًا أو مجنونًا تستمر الولاية عليه في النفس وفى المال.
وإذا بلغ عاقلًا ثم عته أو جُنّ عادت عليه الولاية.
الباب الثامن: في الغيبة ((الباب الثامن: في الغيبة ))
المادة 171: الغائب هو من لا يُدرى مكانه ولا تُعلَم حياته من وفاته.
المادة 172: إذا غاب شخص عن موطنه أو محل إقامته وانقطعت أخباره منذ أربع سنوات، لذوي الشأن أن يطلبوا من المجلس الملي الحكم بإثبات غيبته.
ويجب على المجلس قبل الحكم بإثبات الغيبة أن يأمر بعمل تحقيق في دائرة المركز الذي به موطن الغائب والمركز الذي به محل إقامته إن كانا مختلفين.
وعلى المجلس عند الحكم في الطلب أن يراعي أسباب الغياب والظروف التي منعت من الحصول على أخبار عن الشخص الغائب.
المادة 173: يجب إعلان الحكم التحضيري القاضي بالتحقيق والحكم النهائي القاضي بإثبات الغيبة ونشرهما بالطرق الإدارية.
المادة 174: يجب ألا يصدر الحكم بإثبات الغيبة ألا بعد مضى سنة من تاريخ الحكم القاضي بالتحقيق.
المادة 175: الغائب يعتبر حيًا في حق الأحكام التي تضره، وهى التي تتوقف على ثبوت موته، فلا يتزوج زوجة أحد حتى يصدر حكم نهائي بالطلاق، ولا يقسم ماله على ورثته.
المادة 176: الغائب يعتبر ميتًا في حق الأحكام التي تنفعه وتضر غيره، وهى المتوقفة على ثبوت حياته.
فلا يرث من غيره ولا يحكم باستحقاقه للوصية إذا أوصى له بوصية، بل يُوقف نصيبه من الإرث وقسطه في الوصية إلى ظهور حياته أو الحكم بوفاته.
المادة 177: مقضي بعدم دستوريتها، ونصها كما يلي:
يجوز الحكم بوفاة الغائب بعد مضي ثلاثين سنة من الحكم بإثبات غيبته أو مضي تسعين سنة من حين ولادته.
المادة 178: متى حُكِمَ بموت الغائب، يقسم ماله بين ورثته الموجودين وقت صدور الحكم بموته، ويرد نصيبه في الميراث إلى من يرث مورثه عند موته، ويرد الموصى له به إن كانت له وصية إلى ورثة الموصى، ويجوز لزوجته أن تتزوج.
المادة 179: إذا علمت حياة الغائب أو حضر حيًا في وقت من الأوقات بعد الحكم بوفاته، فانه يرث من مات قبل ذلك من أقاربه، وله أن يسترد الباقي من ماله في أيد ورثته، وليس له أن يطالبهم بما ذهب.
الباب التاسع: في الهبة ((الباب التاسع: في الهبة ))
الفصل الأول: في أركان الهبة وشروطها ((الفصل الأول: في أركان الهبة وشروطها ))
المادة 180: الهبة تمليك المال بلا عوض حال حياة الواهب.
المادة 181: تنعقد الهبة بإيجاب من الواهب وقبول من الموهوب له وتجوز بكتابة وبغير كتابة مع مراعاة الشروط المبينة في القانون.
المادة 182: يجوز أن تكون الهبة معلقة على شرط، ويجوز أن تكون مضافة إلى زمن مستقبل، فإذا كان التمليك مضافًا إلى ما بعد الموت، اعتُبِر وصية.
المادة 183: يجوز أن تكون الهبة بعوض متى كان العوض أقل من قيمة الموهوب.
المادة 184: لا تصح الهبة إلا من بالغ عاقل مختار غير محجور عليه.
المادة 185: لا يجوز للولي أو الوصي أو القيم أو الوكيل عن الغائب أن يهب شيئًا من القاصر أو المحجور عليه أو الغائب.
المادة 186: يجوز لكل مالك إذا كان أهلًا للتبرع، أن يهب ماله كله، أو بعضه، لمن يشاء، سواء أكان أصلًا له أو فرعًا، قريبًا أو أجنبيًا منه.
المادة 187: يشترط في الموهوب له أن يكون موجودًا حقيقة وقت الهبة، فإذا وهب لابن فلان ولم يكن له ابن، أو كان موجودًا حكمًا كالحمل المستكن، كانت الهبة باطلة.
ويشترط أن يكون الموهوب له معلومًا، فان كان مجهولًا تكون الهبة باطلة.
المادة 188: تجوز الهبة ولو كان الموهوب له صغيرًا أو مجنونًا، ويصبح قبولها عندئذ من الولي أو الوصي أو القيم.
المادة 189: لا تتم الهبة إلا إذا قبلها الموهوب له أو ورثته إذا كان قد توفى القبول.
وكما يجوز أن يكون القبول صريحًا يجوز أن يكون ضمنيًا.
المادة 190: تبطل الهبة بموت الواهب أو بفقد أهليته للتصرف قبل قبول الموهوب له.
المادة 191: تَصِحُ هبة العقارات والمنقولات المادية، كما تَصِحُ هبة الحقوق سواء أكانت عينية، مثل حق الانتفاع أو حق الارتفاق، أم شخصية، كالديون.
المادة 192: يشترط في الشيء الموهوب أن يكون موجودًا وقت الهبة وأن يكون معينًا.
فلا تصح هبة المعدوم، فإذا ظهر أن الشيء هلك قبل العقد أو وقت التعاقد، فان الهبة لا تنفذ.
ولا تصح هبة المجهول، فلا يجوز أن يهب شخص بعض ماله من غير تعيين.
المادة 193: يصح أن يكون الموهوب شيئا مستقبلًا، كمحصول السنة القادمة، أو موجودًا حكمًا، كحمل دابة، أو موجودًا ضمن غيره، كدقيق في حنطة، أو زبد لبن، أو دهن في سمسم.
المادة 194: تصح هبة المشاع سواء كان يقبل القسمة أم لا يقبلها.
المادة 195: تصح الهبة ولو كان الشيء الموهوب متصلًا بغيره.
المادة 196: تصح هبة الدين سواء كانت للمدين أم لغيره.
الفصل الثاني: في نقض الهبة ((الفصل الثاني: في نقض الهبة ))
المادة 197: يجوز للواهب الرجوع في هبته كلها أو بعضها ولو أسقط حقه في الأحوال الآتية:
أولًا – إذا حصلت الهبة في وقت لم يكن للواهب ولد ثم رزق بعد ذلك بولد.
ثانيًا – إذا أخل الموهوب له بالشروط التي حصلت بها الهبة.
ثالثًا – إذا اعتدى الموهوب له على حياة الواهب أو عامله بقسوة زائدة أو كبده خسارة عظيمة أو رفض الإنفاق عليه.
المادة 198: في الأحوال التي يجوز فيها الرجوع في الهبة، يكون للواهب الحق في استرجاع الشيء الموهوب بعينه إن كان لا يزال موجودًا على حاله ولم يخرج من ملك الموهوب له، وإلا فله حق المطالبة بقيمته.
المادة 199: يمنع الرجوع في الهبة في الأحوال الآتية:
أولًا – إذا مات الواهب أو الموهوب له بعد قبض الهبة.
ثانيًا – إذا هلكت العين الموهوبة في يد الموهوب له أو استهلكت.
فان استهلك البعض فللمواهب أن يرجع بالباقي.
ثالثًا – إذا كانت الهبة بعوض قبضه الواهب.
فان كان الواهب قد عُوّضَ عن بعض الهبة، فله الرجوع فيما لم يُعَوّضُ عن/ه وليس له الرجوع فيما عُوّضِ.
المادة 200: إذا زادت العين الموهوبة زيادة متصلة بحيث يترتب على استرجاعها ضرر، للموهوب له في ماله فليس للواهب استرجاع الموهوب بذاته بل له المطالبة بقيمته.
الباب العاشر: في الوصيّة ((الباب العاشر: في الوصيّة ))
الفصل الأول: في تعريف الوصيّة وشروطها ((الفصل الأول: في تعريف الوصيّة وشروطها ))
المادة 201: الوصيّة تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريق التبرّع، ويجوز الرجوع فيه.
المادة 202: يشترط في الموصي أن يكون عاقلًا بالغًا مختارًا أهلا للتبرّع، فلا تصح وصيّة القاصر، ولا المحجور عليه ولو مات رشيدًا، أو غير محجور عليه إلا أن يجددها.
المادة 203: تجوز وصيّة الأعمى كما تجوز وصيّة الأبكم الأصم إذا أمكنه الكتابة.
المادة 204: يشترط في الموصى له أن يكون حيًا تحقيقًا أو تقديرًا وقت وفاة الموصي.
المادة 205: يجوز أن يُوَصّىَ للحامل دون حملها، ولحملها دونها، ويكفي لصحة الوصيّة وجود الحمل وقت وفاة الموصي.
ولكنها لا تنفذ إلا إذا وُلد حيًا.
المادة 206: إذا أُوصِىَ لحمل فولدت المرأة طفلين، قُسّم الموصى به بينهما بالتساوي، فان وُلِد أحدهما حيًا والآخر ميتًا فالكل للحيّ.
وإذا عيّن الموصي في وصيّته ذكرًا فجاء أنثى، لا تنفذ الوصيّة، والعكس.
المادة 207: تجوز الوصيّة للكنائس والملاجئ والمستشفيات والمدارس والجمعيات الخيرية والفقراء وغير ذلك من أعمال البر.
المادة 208: تجوز الوصيّة لوارث ولغير وارث في الحدود المبينة في الفصل الثاني من هذا الباب.
المادة 209: لا تجوز الوصيّة لمن ارتد عن الدين المسيحيّ ما لم يعد إليه قبل وفاة الموصي.
المادة 210: لا تجوز الوصيّة لقاتل الموصي، أو لمن شرع في قتله عمدًا، أو اشترك في إحدى هاتين الجنايتين سواء كان ذلك قبل الإيصاء أو بعده.
ولا يُحرم المتسبب في القتل خطأ من الوصيّة.
المادة 211: تصح الوصيّة بالأعيان، منقولة كانت أو ثابتة، وبمنافعها مقيّدة بمدة معلومة أو مؤبدة.
لكن يشترط لصحتها أن يكون الموصى به قابلا للتمليك بعد موت الموصي.
فلو أوصى شخص بغلّة أرضه أو بثمرة نخيله في مدة معيّنة أو أبدًا، صحت الوصيّة.
ولو قال أوصيت بثلث مالي لفلان، أستحق الموصى له ثلث جميع مال الموصي عند وفاته، سواء كان مملوكًا له وقت الوصيّة أو ملكه بعدها.
الفصل الثاني: في الوصيّة بالمنافع ((الفصل الثاني: في الوصيّة بالمنافع ))
المادة 212: إذا أوصى شخص لأحد بسكنى داره، أو بأجرتها، ونص على الأبد، أو أطلق الوصيّة ولم يقيّدها بوقت، فللموصى له السكنى أو الأجرة مدة حياته.
وبعد موته ترد إلى ورثة الموصي، وأن قيّدت الوصيّة بمدة معيّنة، فله الانتفاع بها إلى انقضاء هذه المدة.
وأن مات الموصى له بالمنفعة قبل انتهاء المدة، فلا يرثها وارثه، بل ترد إلى ورثة الموصي.
المادة 213: الموصى له بالسُكنى لا تجوز له الإجارة، والموصى له بالإجارة لا تجوز له السُكنى.
المادة 214: إذا أوصى شخص بغله أرضه لأحد، فللموصى له الغلة القائمة بها وقت موت الموصي، والغلة التي تحدث بها في المستقبل، سواء نصّ على الأبد في الوصيّة أو أطلقها.
المادة 215: إذا أوصى شخص بثمرة أرضه أو بستانه، فان أطلق الوصيّة فللموصى له الثمرة القائمة وقت موت الموصي دون غيرها مما يحدث من الثمار بعدها.
وأن نصّ على الأبد، فله الثمرة القائمة وقت موته والثمرة التي تتجدد بعده.
وكذلك الحكم إذا لم يكن في العين الموصى بها ثمار وقت وفاته.
المادة 216: إذا أوصى شخص لأحد بالغلة، ولآخر بالأرض، جازت الوصيّتان، وتكون الضرائب وما يلزم من المصاريف لإصلاح الأرض على صاحب الغلة في صورة ما إذا كان بها شيء يُستغل، وألا فهي على الموصى له بالعين.
الفصل الثالث: في حدود الوصيّة ((الفصل الثالث: في حدود الوصيّة ))
المادة 217: لا تنفذ وصيّة من له ورثة إلا من ثلاثة أرباع ماله، ما لم يكن بين الورثة فرع وارث.
فان كان له ولد واحد أو ولد وأن سفل، فلا تنفذ وصيّته إلا من النصف، وأن كان له ولدان أو ولدا ولد أو أكثر، فلا تنفذ وصيّته إلا من الربع.
وتبطل الوصيّة فيما زاد على ذلك، إلا أن أجازها الورثة.
فإذا لم يكن له ورثة مطلقًا، كانت وصيّته صحيحة ولو استغرقت كل تركته.
المادة 218: إذا أُوصِىَ لأحد الورثة ببعض المال، أخذه فوق نصيبه، بشرط أن يكون داخلًا ضمن النصاب الذي لا يجوز الإيصاء به.
الفصل الرابع: في إثبات الوصيّة وتسجيلها ((الفصل الرابع: في إثبات الوصيّة وتسجيلها ))
المادة 219: تثبت الوصيّة في وثيقة تحرر لدى الرئيس الديني أو نائبه، بحضور شاهدين أو أكثر أهلًا للشهادة، وتشتمل على بيان أسماء الموصي، والموصى لهم، والشيء الموصى به، وتاريخ الوصيّة، ويوقع عليها من الموصي، ومن الرئيس الديني، والشهود، ثم تقيد بالسجّل المعد للوصايا بالدار البطريركيّة، ويبصم عليها بختم المجلس الملي.
المادة 220: إذا آثر الموصي جعل وصيّته سريّة، فعليه أن يُحررها في وثيقة يُوقِع عليها بإمضائه أو ختمه، ثم يطويها ويختم عليها بالشمع الأحمر، ويقدمها مطويّة ومختومة إلى الرئيس الديني، ويشهّده على نفسه بأنها تشتمل على كتاب وصيته.
وعلى الرئيس الديني أن يحرر محضرًا بذلك على الوثيقة نفسها وهى مطويّة ومختومة، أو على المظروف الذي يحتويها، يوقّع عليه منه، ومن الموصي، ثم يقيّد هذا المحضر بالسجل المعد للوصايا بالدار البطريركيّة، ومتى بقيت الوثيقة على الحال التي حُرِرَت بها بدون تغيير فيها ما بعد وفاة الوصي، نفذ مضمونها.
الفصل الخامس: في قبول الوصيّة والرجوع فيها وفي الأسباب الموجبة لبطلانها أو تعديها ((الفصل الخامس: في قبول الوصيّة والرجوع فيها وفي الأسباب الموجبة لبطلانها أو تعديها ))
المادة 221: لا تتم الوصيّة ويملك الموصى به إلا بقبولها صراحة أو دلالة بعد وفاة الموصي.
فان مات الموصى له بعد الموصي وقبل قبول الوصيّة أو ردها يعتبر أنه قبلها.
المادة 222: للموصى له أن يرد الوصيّة بعد وفاة الموصي ولو كان قد قبلها في حال حياته، إذ لا عبرة بالقبول أو الرد في حال حياة الموصي.
المادة 223: يجوز للموصي الرجوع في الوصيّة، أما بإقرار صريح يُثبَت في ورقة تُحرر لدى الرئيس الديني أو نائبه على الوجه المقرر في الفصل السابق، أو بفعل يزيل اسم الموصى به ويغير معظم صفاته ومنافعه، أو يوجب فيه زيادة لا يمكن تسليمه إلا بها، أو بتصرف من التصرفات التي تخرجه عن ملكه، وكذا إذا خلطه الموصي بغيره بحيث لا يمكن تمييزه.
المادة 224: لا يعدو رجوعًا مبطلًا للوصيّة ترميم الدار الموصى بها، ولا هدمها.
المادة 225: يجوز للموصي بعد عمل الوصيّة أن يعدل فيها بمحضر يُحرر لدى الرئيس الديني أو نائبه على الوجه المبين في الفصل السابق، ويقيد في السجل المعد للوصايا بالدار البطريركيّة.
كما أن للموصي أن يحرر وصيّة أخرى ينقض فيها وصيّته الأولى ويضمّنها رأيه الأخير.
ويجب أثبات هذه الوصيّة الجديدة في وثيقة تحرر وتسجل على الوجه المقرر في الفصل السابق.
المادة 226: إذا أُوصِي بشيء لشخص، ثم أُوصِي به في وصيّة أخرى لشخص آخر، ولم ينص في الثانية على أبطال الأولى، فان الموصى به يكون للشخصين معا.
المادة 227: تبطل الوصية إذا وجد سبب من الأسباب الآتية:
أولًا – إذا أقدم الموصى له على قتل الموصي، أو شرع في قتله عمدًا، أو أشترك في أحدى هاتين الجانيتين بإحدى طرق الاشتراك القانونية.
ثانيًا – إذا اعتنق الموصى له دينا غير الدين المسيحي وظل كذلك إلى حين وفاة الموصي.
ثالثًا – إذا مات الموصى له قبل موت الموصي.
فإذا كان الموصي قد اشترط في وصيّته أن تكون للموصى له ولورثته من بعده لو مات الموصى له قبله، صح ذلك ونفذت الوصيّة.
المادة 228: إذا كان لشخص ولد غائب وبلغة أنه مات فأوصى بماله لغيره، ثم ظهر أن الولد حيّ، فللولد ميراثه دون الموصى له.
المادة 229: إذا لم يكن للموصي عند عمل الوصيّة فروع فأوصى بماله إلى غير فروعه، ثم رُزِقَ بعد الوصيّة بولد، أو ولد ولد وأن سفل، بطلت الوصيّة، وانتقل الميراث إلى الفروع الذين رزق بهم.
المادة 230: وإن كانت الوصيّة لفرع موجود وقت عملها، فمن يولد بعد ذلك من الفروع بثلثاء أقرانه بالمساواة فيما بينهم، فان كان المستجدون أقارب غير فروع، وكانت الوصيّة لغرباء، فللمستجدين النصف وللموصي لهم من قبل النصف الآخر.
أما إذا كانت الوصيّة لأقارب متساوين في القرابة مع المستجدين. فالقسمة تكون بينهم جميعًا بالتساوي.
الباب الحادي عشر: في الميراث ((الباب الحادي عشر: في الميراث ))
الفصل الأول: أحكام عمومية ((الفصل الأول: أحكام عمومية ))
المادة 231: الميراث هو انتقال تركة شخص بعد وفاته إلى من تؤوّل إليهم بحكم القانون.
المادة 232: شروط الميراث هي:
(أولًا) موت المورّث حقيقة أو حكمًا كمن حكم بموته لغيبته غيبة منقطعة.
(ثانيًا) تحقق حياة الوارث بعد موت المورّث أو الحاقة بالأحياء تقديرًا، كالجنين بشرط أن يولد حيّا.
المادة 233: إذا مات شخصان أو أكثر في حادث واحد كالغرقى والحرقى والهدمى والقتلى، وكان بينهم من يرث بعضهم بعضًا، وتعذر إقامة الدليل على من مات منهم أولًا، فلا يرث أحد منهم الآخر، بل تنتقل تركة كل منهم إلى ورثته.
المادة 234: أسباب الإرث هي الزوجية والقرابة الطبيعية الشرعية.
فالذين لا تربطهم بالمتوفى رابطة زواج كزوج الأم وامرأة الأب، ولا قرابة طبيعية كالمتبنى، لا يرثون ولا يأخذون شيئا من التركة بغير وصية.
كذلك الأولاد والأقارب المولودون من زيجات أو اجتماعات غير شرعية، لا يرثون ولا يأخذون شيئا من التركة بغير وصية تصدر من المورّث.
المادة 235: لا يكون أهلا للإرث:
(أولًا) من قتل مورثه أو شرع في قتله عمدا أو اشترك في أحدى هاتين الجنايتين بأية صورة من صور الاشتراك القانوني وثبت عليه ذلك بحكم قضائي.
(ثانيًا) من اعتنق دينًا غير الدين المسيحي وظل كذلك حتى وفاة المورث.
المادة 236: تنتقل التركة إلى الورثة بما لها من الحقوق وما عليها من الديون.
فلا يحق لدائني الوارث أن يستوفوا منها ديونهم عليه إلا بعد دائني التركة، كما أن الوارث لا يلتزم بشيء من الديون المتعلقة بالتركة إلا بمقدار ما وصل إليه منها.
المادة 237: يتعلق بمال الميت حقوق أربعة، مقدم بعضها على بعض حسب الترتيب الآتي:
(أولًا) يبدأ من التركة بما يصرف في تكفين الميت ودفنه وجنازته.
(ثانيًا) قضاء ما وجب في الذمة من الديون من جميع ما بقى من ماله.
(ثالثًا) تنفيذ ما أوصى به المورث من النصاب الذى يجوز الإيصاء به.
(رابعًا) قسمة الباقي بين الورثة عند تعددهم.
الفصل الثاني: في تركات الأساقفة والرهبان ((الفصل الثاني: في تركات الأساقفة والرهبان ))
المادة 238: كل ما يقتنيه البطريرك من إيراد رتبته، يؤول بعد وفاته إلى الدار البطريركية.
وما يقتنيه المطارنة والأساقفة من طريق رتبتهم، يؤول إلى الكنيسة، ولا يعتبر ملكا لهم.
فلا يحق لهم أن يوصوا بشيء منه، كما لا يجوز أن يرثهم فيه أحد من أقاربهم، أما إذا ما كان لهم قبل ارتقائهم إلى رتبة الرئاسة أو حصلوا عليه لا من إيراد الرتبة بل من طريق آخر كميراث أو وصيّة، فهو ملك لهم يتصرفون فيه كيفما يشاؤون بالوصيّة وغيرها، وينتقل بعد الوفاة إلى الورثة الطبيعيين.
المادة 239: الأموال التي يقتنيها الراهب أو رئيس الدير من طريق الرهبنة، تؤول بعد وفاته إلى جماعة الرهبان الذين ينتسب إلى ديرهم، ولا يرثه أحد من أقاربه في هذه الأموال، ولا يحق له أن يتصرف فيها بوصية ولا بغيرها.
أما الأموال التي يكون قد حصل عليها من غير طريق الرهبنة، فهي تركة تؤول بعد وفاته إلى ورثته، فان كان له وارث طبيعي، ورثه، راهبًا كان أو غير راهب.
وإلا يرثه جماعة الرهبان الذين ينتسب إلى ديرهم.
الفصل الثالث: في أنواع الورثة واستحقاق كل منهم في الميراث ((الفصل الثالث: في أنواع الورثة واستحقاق كل منهم في الميراث ))
المادة 240: الورثة قسمان:
قسم يأخذ سهما معينًا من التركة في أحوال معينة، ويشمل الزوج والزوجة.
وقسم يأخذ كل التركة أو يأخذ ما بقى منها بعد فرض الزوج أو الزوجة، ويشمل الفروع والوالدين والأخوة والأجداد والحواشي.
الفرع الأول: في استحقاق الزوج والزوجة ((الفرع الأول: في استحقاق الزوج والزوجة ))
المادة 241: للزوج في ميراث زوجته أحوال ثلاث:
الحالة الأولى:
نصف التركة إذا لم يكن للزوجة فرع وارث مطلقًا.
الحالة الثانية:
الربع إذا كان للزوجة ثلاثة أولاد أو أقل ذكورًا كانوا أو إناثا،
أما إذا كان لها أكثر من ثلاثة أولاد، فله حصة مساوية لحصة واحد منهم.
ويعد من الأولاد من توفيّ منهم وله فرع وارث.
الحالة الثالثة:
كل التركة إذا لم يكن للزوجة وارث من الفروع أو الأصول أو الحواشي.
المادة 242: وحكم الزوجة في ميراث زوجها كحكم الزوج سواء بسواء.
الفرع الثاني: في الورثة الذين يأخذون كل التركة أو ما بقى منها بعد فرض الزوج أو الزوجة ((الفرع الثاني: في الورثة الذين يأخذون كل التركة أو ما بقى منها بعد فرض الزوج أو الزوجة ))
المادة 243: الورثة الذين يأخذون كل التركة أو ما بقى منها بعد استيفاء فرض الزوج أو الزوجة هم سبع طبقات مقدم بعضها على بعض كالترتيب الآتي:
الأولى: طبقة الفروع.
الثانية: طبقة الوالدين.
الثالثة: طبقة الأخوة.
الرابعة: طبقة الأجداد.
الخامسة: طبقة الأعمام والأخوال.
السادسة: طبقة أباء الأجداد.
السابعة: طبقة أعمام الأبوين وأخوالهما.
فان لم يوجد أحد من أفراد هذه الطبقات السبع، تؤول التركة كلها للزوج أو الزوجة.
فان لم يوجد أحد من هؤلاء ولا أولئك، تؤول التركة إلى دار البطريركيّة.
المادة 244: فالتركة تؤول شرعا إلى أقرب أقارب المتوفى مع زوجة، بحيث أن كل طبقة تحجب الطبقة التي بعدها.
فطبقة البنوة تحجب طبقة الأبوة، وطبقة الأبوة تحجب طبقة الأخوة، وهذه تحجب طبقة الأجداد، وهكذا، على أن كل طبقة من هذه الطبقات استحقت الإرث تأخذ ما بقى من التركة بعد استيفاء الفرض المقرر لزوج المورث إذا كان له زوج على قيد الحياة، أما إذا كان الزوج قد توفى من قبل، فتأخذ التركة كلها.
المادة 245: الطبقة الأولى – الفروع
فروع المورث مقدمون على غيرهم من الأقارب في الميراث، فيأخذون كل التركة أو ما بقى منها بعد استيفاء نصيب الزوج أو الزوجة.
فإذا تعددت الفروع وكانوا من درجة واحدة، قسّمت التركة فيما بينهم أنصبة متساوية لا فرق في ذلك بين الذكر والأنثى، فإذا ترك المورّث أبنًا وبنتًا أخذ كل منهما النصف، وإذا ترك ثلاثة من أبناء الدرجة الثانية كابن ابن وبنت بنت وابن بنت، أخذ كل منهم الثلث، أما إذا كانوا من درجات مختلفة وكان بعضهم يدلى إلى المورث بشخص على قيد الحياة، حجبهم ذلك الشخص، فإذا مات شخص عن ابن وعن ابن لذلك الابن، ورث الابن وحده دون ابنه.
أما إذا كان بعضهم يدلى إلى المورث بشخص مات قبله، فانهم يحلون محل ذلك الشخص المتوفى ويأخذون النصيب الذي كان يؤول إليه لو كان حيًا، فإذا مات المورث عن ابن على قيد الحياه، وأولاد ابن مات من قبله، قسّمت التركة إلى نصفين أحدهما للابن الحيّ يرثه بصفته هذه، والثاني لأولاد الابن المتوفي، يرثونه بطريق النيابة عن أبيهم المتوفي.
والإرث بالنيابة يتعدى من فرع إلى آخر فلا يقف عند حد، وهو راجع إلى المبدأ المتقدم ذكره في الفقرة السابقة، وهو أن الفرع لا يحجبه إلا أصله الموجود على قيد الحياة.
فإذ خلف شخص ولدين مرقس وبطرس فبقى مرقص على قيد الحياة وتوفى بطرس تاركًا ولدين بولس وحنا ثم توفى حنا عن ولد أو عدة أولاد، ومات المورث بعد ذلك، فان التركة تقسم أولا إلى نصفين أحدهما يأخذه مرقص والثاني يؤول إلى فروع بطرس المتوفي، ثم المتوفي، ثم يقسم نصيب بطرس إلى قسمين أحدهما يأخذه بولس الباقي على قيد الحياة والثاني يأخذه ابن أو أبناء حنا المتوفي.
المادة 246: الطبقة الثانية – الولدان
إذا لم يكن للمورث فرع يرثه فان باقي التركة بعد استيفاء نصيب الزوج أو الزوجة يؤول إلى أبيه وأمه.
الأب بحق الثلثين والأم بحق الثلث.
فان كان أحدهما ميتًا يقسم نصيبه على أولاده الذين هم أخوة وأخوات المورث بالتساوي فيما بينهم.
وأن كان أحد هؤلاء الأخوة أو الأخوات متوفى تؤول حصته إلى أولاده.
المادة 247: الطبقة الثالثة – الأخوة وفروعهم
إذا لم يكن للمورث فرع ولا أب ولا أم فان صافى تركته بعد استيفاء نصيب الزوج أو الزوجة يؤول إلى أخوته وأخواته، ويقسم بينهم حصصا متساوية متى كانوا متحدين في القوة بأن كانوا كلهم أخوة أشقاء أو أخوة لأب أو لأم لا فرق في ذلك بين الأخ والأخت.
فإذا اختلف الأخوة في القوة بأن كان بعضهم أشقاء وبعضهم أخوة لأب أو أخوة لأم، فان صافى التركة يقسم بينهم بحيث يكون لكل من الأخوة الأشقاء ثلاثة أسهم ولكل من الأخوة لأب سهمان ولكل من الأخوة لأم سهم واحد.
فإذا كان للمورث مثلا أخ شقيق أو أخت شقيقة وأخ أو أخت لأب وأخ أو أخت لأم، فيقسم صافى التركة على ستة أسهم، فيكون للشقيق أو الشقيقة ثلاثة أسهم أي النصف، ولأخيه أو أخته من أبيه سهمان أي الثلث، ولأخيه أو أخته من أمه سهم واحد أي السدس.
وأن كان للمورث ثلاثة أخوة أشقاء واثنان لأب وأخ لأم، فلكل من الأشقاء ثلاثة أسهم، فيكون للثلاثة تسعة أسهم، ولكل من الأخين لأب سهمان، فيكون للأخين أربعة أسهم، وللأخ لأم سهم واحد.
أي إن صافى التركة يقسم في هذه الحالة إلى أربعة عشر سهمًا.
وإذا لم يكن للمورث أخ شقيق بل كان له مثلا أخ لأب وأخ لأم، فللأخ لأب الثلثان، وللأخ لأم الثلث، وقس على ذلك.
وإذا كان بين الأخوة أو الأخوات المذكورين من توفى قبل المورث، فان حصته تؤول إلى أولاده بالتساوي بدون تفرقة بين الذكر والأنثى، ثم تؤول حصة كل من الأولاد بعد وفاته إلى فروعه طبقة بعد طبقة مهما نزلوا.
وتسرى على فروع الأخوة الأحكام المبينة في المادة 245 فيما يختص بالإرث بالنيابة، وبأن الفرع لا يحجبه إلا أصله الموجود على قيد الحياة.
المادة 248: الطبقة الرابعة – الأجداد
وإذا لم يوجد أحد من أخوة المورث وأخواته ونسلهم، فان الميراث بعد فرض الزوج أو الزوجة ينتقل إلى أجداده، الثلثان للجد والجدة لأب بالتساوي فيما بينهما، والثلث للجد والجدة لأم بالتساوي أيضا.
وأي الأجداد توفى تؤول حصته إلى أولاده، فان لم يكن له نسل، يرث الجد الآخر نصيبه.
المادة 249: الطبقة الخامسة – الأعمام والأخوال وفروعهم
إذا لم يكن للمورث أحد ممن ذكروا قبل، تؤول التركة بعد فرض الزوج أو الزوجة إلى الأعمام والعمات والأخوال والخالات، الثلثان للأعمام والعمات والثلث للأخوال والخالات، ويراعى في التقسيم بين الأشقاء والمنتسبين إلى الأب فقط أو إلى الأم فقط ما نص عليه في المادة 247 بالنسبة للأخوة ومن كان منهم قد توفى تؤول حصته إلى أولاده.
وكذلك حكم نسلهم من بعدهم طبقة بعد طبقة.
المادة 250: الطبقة السادسة – أباء الأجداد
إذا لم يوجد أحد ممن ذكروا، تؤول التركة بعد فرض الزوج أو الزوجة إلى أباء الجدود والجدات، الثلثان لوالدي الجد والدي الجدة لأب بالتساوي فيما بينهم، والثلث لوالدي الجد ووالدي الجدة لأم بالتساوي أيضا.
ومن كان منهم قد توفى ورث أولاده نصيبه.
المادة 251: الطبقة السابعة – أعمام الأبوين وأخوالهما
إذا لم يوجد أحد ممن ذكروا، فالثلثان لأعمام وعمات الأبوين بالتساوي فيما بينهم، والثلث لأخوال وخالات الأبوين.
ومن كان منهم قد توفى، ورث أولاده نصيبه.
وكذلك حكم نسلهم من بعدهم طبقة بعد طبقة.
---
## الرهبنة القبطية والملكية
URL: https://tabcm.net/55025/
Type: post
Modified: 2026-04-22
واجه مجموعة من الرهبان بدير الملاك غبريال بالفيوم جهات تنفذ القانون التي قدمت يوم الإثنين 20 أبريل الجاري، لإزالة تعديات أقامها رهبان الدير على أراض ليست ملكهم حول الدير وهذه الواقعة هي محور هذا المقال.
حب القنية
منظر مؤسف أوصلنا له ضياع الهدف من الرهبنة ومفهوم الامتلاك.
من ضمن شروط الرهبنة القبطية الموت عن العالم والفقر الاختياري.
لقد خرج الأنبا أنطونيوس من العالم لا يحمل شيئا وكذلك الأنبا مقار، وغيرهم من آباء البرية.
لم يعدوا لأنفسهم سوى مكان يسندون فيه رأسهم، غالبًا ما تكون مغارة محفورة في الجبل بدون أي أثاث، ومكان بسيط يصلون فيه معا في شركة، لأن الذي مات لا يملك شيئا.
حتى عندما دخل الأباطرة الرومان إلى المسيحية وبنوا الكاتدرائيات في كل أنحاء الإمبراطورية، لم يستغل الرهبان هذا الوضع لإنشاء كاتدرائيات ضخمة في أديرتهم. وعندما ترهب بعض الأمراء مثل مكسيموس ودوماديوس وأرسانيوس لم يشيدوا الكاتدرائيات في البرية.
لقد تركوا القصور والكاتدرائيات الفخمة في روما والقسطنطينية والإسكندرية ليسكنوا المغائر وشقوق الأرض والقلالي البسيطة في برية شيهيت لا ليبنوا قصور في الصحراء.
أتخيل لو أن دقلديانوس الوثني أو قسطنطين المؤمن أرسل قوة عسكرية من الشرطة تصادر قلالي الأنبا أنطونيوس أو الأنبا مقار، ماذا سيكون رد فعلهم؟
أعتقد أنهم كانوا سيتركونها بكل سهولة فهم يؤمنون أنه ليس لهم مدينة باقية على الأرض، كانوا سيطيعون قول المسيح “من أخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضًا”، كانوا سيطيعون قول بولس الرسول “لتخضع كل نفس للسلاطين الفائقة”، كانوا سيطبقون ما هو مكتوب في بستان الرهبان من ترك القنية.
نرى الآن أديرة في منتهي العظمة.. كاتدرائيات.. قصور ضيافة.. مصانع.. مخازن.. منافذ بيع منتجات الدير من البرجر والكفتة الصيامي بل أن بعض الأديرة بنوا قرى سياحية تحتوي بلاجات وحمامات سباحة وغرف خمس نجوم.
اعتراضات:
1. أحدهم سيعترض على ويقول: هل بعد أن يبنوا الكنائس والكاتدرائيات والمصانع والمخازن تأتي الدولة لتستولى عليها بكل بساطة؟
– يا صديقي ما هو السبب والغرض من كل هذه المباني؟ هل تركوا الفخامة في المدن ليستنسخوها في الصحراء؟
– كما أنه في أغلب الأحوال يكون هناك مخالفات قانونية التي تستوجب الإزالة.
– ما دام هؤلاء الرهبان الشجعان قادرين على الوقوف أمام الحكومة والشرطة، أليس من الأولى الوقوف للدفاع عن البنات والسيدات المختطفات بدلًا من الدفاع عن المباني؟
2. اعتراض ثاني: الشعب المسيحي يحتاج هذه المشاريع، فهي تساعدهم في توفير بعض المنتجات الرخيصة في ظل هذا الغلاء.
– اتفق مع هذا الطرح، ولكن إذا كان الدير قادر على إقامة هذه المشروعات الخدمية.. فلماذا لا تقوم بها الإيبارشيات؟ على الأقل توظف فيها العاطلين عن العمل وفي نفس الوقت توفر المنتجات الرخيصة والجيدة. ونترك الرهبان في هدوءهم وصلاتهم وتأملاتهم.
في النهاية نرفض أيضًا كل استعمال مفرط للقوة من الشرطة يتخطى حدود القانون.
العمل والفقر الاختياري
كلنا يتذكر قصة الأنبا أنطونيوس عندما شعر بالملل فظهر له ملاك على هيئة راهب يصلي بعض الوقت ثم يجلس ليضفر الخوص إلى أن يتعب من ضفر الخوص ليقوم ليصلي وهكذا. وبذلك تعلم ووضع الأنبا أنطونيوس نظام العبادة والعمل البسيط في النظام الرهباني، و كان الهدف واضح:
أولا: كسر الملل ومحاربة الفراغ.
ثانيا: أن يعول الراهب نفسه ولا يكون عالة.
ثالثا: ممارسة المحبة بالتصدق بالمال المتبقي كاملًا للفقراء.
ليتبقى رصيد الراهب المالي صفر، ليكمل نذر الفقر الاختياري. وفي كثير من الأحيان كان الرهبان يعيشون على الإعانات من الشعب المحب.
في أخر 50 سنة ظهر نظام آخر للعمل في الأديرة، وهو نظام مشاريع ضخمة.. مزارع حيوانات ومزارع نباتية.. ألبان.. لحوم.. عسل.. شموع.. مصانع.. محاجر
مشاريع تتضخم وتنمو ..
مشاريع تستدعي فتح حسابات بنكية..
وبناء مخازن ضخمة لحصد ثروات كبيرة تكفي لسنين كثيرة.
الفقر الاختياري هو شرط هام في رهبنة أنطونيوس.. فقد الفقر الاختياري يحولها إلى أي شئ آخر إلا رهبنة أنطونيوس.
نرجو أن ترجع الرهبنة لزمن أنطونيوس ومكاريوس.
أما بالنسبة للمشروعات التنموية تقوم عليها الإيبارشيات لتوفير فرص عمل للعاطلين من جهة، ومن جهة أخرى توفر منتجات جيدة بأسعار مناسبة، أيضا بشرط أن لا يكون هدفها المكسب والربح بل المساعدة والمحبة والبذل.
---
## المستقبل الرقمي للفن المصري
URL: https://tabcm.net/54921/
Type: post
Modified: 2026-04-21
عند مشاهدة حادث سيارة أو حريق هائل، أو حتى شخصية خيالية داخل مسلسل درامي أو عمل سينمائي، تتسلل الأسئلة سريعًا إلى أذهاننا: هل هذا المشهد حقيقي؟ أم أنه صُوّر ثم خضع لمعالجة تقنية باستخدام أدوات وبرامج رقمية متطورة؟
هذه التساؤلات لم تعد ترفًا، مع التحولات المتسارعة التي تشهدها صناعة السينما. الرقمنة لم تَعُد مجرد عنصر مساعد، بل أصبحت أحد الأسباب الرئيسية في استمرار الصناعة وتطورها، ووسيلة أساسية لفتح مساحات جديدة من الإبداع أمام صُنّاعها.
وفي مصر تحديدًا، شهدت الأعمال السينمائية والدرامية خلال السنوات الأخيرة تطورًا ملحوظًا، كانت بصمة التقنيات الرقمية حاضرة فيه بقوة.
يحاول هذا التحقيق رصد وكشف تأثير التقنيات الرقمية على صناعة السينما، وحدود دورها بين دعم الإبداع الإنساني وإعادة تشكيله.
السينما المصرية وتوظيف التكنولوچيا
مؤخرًا، لم يعد استخدام التكنولوچيا في الأعمال السينمائية والدرامية مقتصرًا على مراحل التصوير أو المونتاج، أو تسريع وتبطيء المشاهد، بل فاجأتنا أعمال أصبحت التكنولوچيا هي عمودها الأساسي، وعنصرًا رئيسيًا في تشكيل الصورة والسرد الدرامي.
يُعد فيلم أوسكار: عودة الماموث نموذجًا حديثًا للتجارب التي كشفت عن قدرة التكنولوچيا على إعادة تشكيل الصورة السينمائية في مصر، إذ لجأ المخرج هشام الرشيدي إلى استخدام المؤثرات البصرية والتقنيات الرقمية كعنصر أساسي في بناء المشاهد، خاصة مشاهد الأكشن والحركة.
واستخدم المخرج بيتر ميمي في فيلم موسى الروبوت والذكاء الاصطناعي في قلب السرد الدرامي، مع الاعتماد على المؤثرات البصرية (CGI) والتقنيات الرقمية في تصميم شخصية الروبوت، وتنفيذ المشاهد المرتبطة به، هذه التجربة مثلت خطوة غير مسبوقة داخل السينما المصرية، وجعلت العمل أحد أبرز الأمثلة على دمج التكنولوچيا بالسرد البصري محليًا.
وفي فيلم المشروع X اعتمد المخرج بيتر ميمي أيضًا، على تقنيات تصوير وعرض متقدمة مثل IMAX و4DX وDolby Atmos وScreenX، لتقديم مشاهد المغامرة والتشويق والمشاهد التاريخية بطريقة فريدة. هذه التقنيات منحت الفيلم عمقًا بصريًا وتجربة سينمائية متكاملة، وجعلت تجربة المشاهدة مختلفة تمامًا عن أي عمل سينمائي سابق في السوق المصري.
الرقمنة قلب التسويق
من المؤثرات البصرية (VFX) إلى الذكاء الاصطناعي (AI)، بدأت الإعلانات المصرية تتوسع في استخدام الأدوات الرقمية المتقدمة، ليس فقط لإبهار المشاهد، بل لإعادة التفكير في سرد الرسالة الإعلانية نفسها.
هذا ما شهدناه في إعلانات موسم شهر رمضان الماضي، حيث أطلقت مبادرة بداية التابعة لمجلس الوزراء إعلانًا كاملًا باستخدام تقنية الذكاء الاصطناعي في جميع مراحله، بدءًا من صياغة الفكرة والسيناريو، مرورًا بتصميم المشاهد والصوت والموسيقى، وصولًا إلى إخراج إعلان يُقدّم تجربة متكاملة وفريدة من نوعها.
كما اعتمدت حملات كبرى لشركات الاتصالات والبنوك على التكنولوچيا لتعزيز تأثيرها البصري، حيث تصدّر إعلان بنك مصر المشهد الرمضاني بحضور بصري قوي، إذ وظّف فريق الإنتاج تقنيات تصوير ومونتاج متقدمة، ما منح الإعلان جودة قريبة من الحملات العالمية الكبيرة، وجذب ملايين المشاهدات عبر المنصات الرقمية.
وفي لافتة تقنية أخرى، لجأت بعض الحملات الرمضانية إلى الذكاء الاصطناعي لإعادة إحياء نجوم الزمن الجميل داخل الإعلان، مثل سعاد حسني ومحمد عبد الوهاب، عبر توليد بصري رقمي يعيد ملامحهم إلى الشاشة بطريقة مبتكرة، ما أثار فضول وتعليقات واسعة من الجمهور.
كما ظهرت حملات بنك الطعام المصري التي استُخدم فيها الذكاء الاصطناعي التوليدي في كتابة النص وتصميم المشاهد، مما يؤشر لمرحلة جديدة من الإعلانات التي يمكن أن تُخلق بالكامل عبر أدوات رقمية.
الرقمنة تغير صناعة السينما والإعلانات
تشير البيانات الحديثة إلى أن الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية أصبحا جزءًا أساسيًا من صناعة السينما، سواء في مراحل ما قبل الإنتاج أو ما بعد. وفقًا للتقارير، فإن 78% من استوديوهات الأفلام العالمية دمجت تقنيات الذكاء الاصطناعي ضمن عمليات الإنتاج بحلول 2023، ما يعكس الاعتماد المتزايد على الأدوات الرقمية في صناعة الأفلام.
ساهمت هذه التقنيات في تقليل زمن تنفيذ المؤثرات البصرية (CGI) حتى 70%، وخفض التكاليف الإنتاجية المرتبطة بها، بينما 45% من صناع الأفلام يستخدمون أدوات AI للمساعدة في كتابة السيناريو أو تحسينه.
وعلى صعيد ما بعد الإنتاج، أكثر من 60% من شركات الإنتاج توظف أدوات الذكاء الاصطناعي لتحسين: المونتاج، الصوت، والجودة النهائية للفيلم، بينما 62% يستخدمون تقنيات تحليل الجمهور لتحسين التوزيع التسويقي.
حتى الأعمال الكرتونية لم تسلم من التأثير الرقمي، حيث 43% من أفلام الرسوم المتحركة الحديثة استخدمت شخصيات أو عناصر رقمية مُولدة بالذكاء الاصطناعي، مما يوضح الانتشار الواسع للتقنيات الحديثة في كل أنواع الإنتاج السينمائي.
التكنولوجيا لم تعد مجرد أداة مساعدة، بل أصبحت عنصرًا استراتيجيًا يعيد تشكيل كل مرحلة من مراحل صناعة الفيلم والإعلان، من الفكرة حتى الجمهور، مما يجعل السينما أكثر ابتكارًا وتطورًا من أي وقت مضى.
(In The Movie Industry Statistics 2025)
آراء صناع السينما المصرية
في ندوة مستقبل السرد والحكاية في عصر الذكاء الاصطناعي ضمن فعاليات أيام القاهرة لصناعة السينما بالدورة الـ46، أكد المنتج والإعلامي عمرو قورة أن الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة يمكن أن تُسرّع الإنتاج وتثري السرد، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الخيال، الحدس، والعاطفة الإنسانية، التي تشكل جوهر أي قصة سينمائية.
الذكاء الاصطناعي وسيلة لتوسيع آفاق الإبداع، لكنه لن يحل مكان الإنسان.. القدرة على ابتكار الحكاية وملامسة المشاعر الإنسانية لا يمكن لأي آلة أن تحاكيها.
(عمرو قورة، مستقبل السرد والحكاية في عصر الذكاء الاصطناعي)
من جانبه، أعطى الفنان حسين فهمي، رئيس مهرجان القاهرة السينمائي، رؤية متوازنة حول استخدام التكنولوچيا في السينما، مؤكدًا في تصريح خاص أن الأدوات الرقمية يمكن أن تُسرّع الإنتاج وتفتح آفاقًا جديدة للسرد والبصريات، لكنها يجب أن تبقى في خدمة الإبداع البشري.
الترميم الرقمي، على سبيل المثال، لا يعيد مجرد الصورة والصوت، بل يمنح الجمهور فرصة لرؤية الأعمال الكلاسيكية كما لو كانت جديدة.. التكنولوجيا هنا جسر يربط الحاضر بماضٍ غني بالتراث السينمائي.
(حسين فهمي، تصريح خاص عن مشروع ترميم الأفلام القديمة بالتقنيات الحديثة)
كما عبر طارق نور، الرئيس السابق لمجلس إدارة الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، عن رؤية متوازنة حول الذكاء الاصطناعي، في ندوة بمنتدى الإعلام، موضحًا أن هذه الأدوات أصبحت تتجاوز الخيال، وأن نجاحها يعتمد على وعي المستخدم وطريقة توظيفها.
التكنولوجيا يمكن أن تقودنا لنتائج إيجابية أو سلبية، حسب الهدف وطبيعة الاستخدام.. الوعي هو المفتاح الأساسي لاستغلال هذه الأدوات بشكل مسؤول.
(طارق نور، منتدى الإعلام المصري)
وفي عالم الإعلان، صرح المخرج هادي الباجوري في تصريح خاص خلال ندوة عن فيلمه الأخير هيبتا، أن التجديد في صناعة الإعلانات لا يأتي من التكنولوجيا وحدها، بل من دمجها مع سرد بصري مبتكر يتماشى مع ذوق الجمهور، مشيرًا إلى أن الإعلانات الناجحة هي التي توظف التقنية لخدمة القصة، وليس العكس.
أما صناع السينما الآخرون، فقد أبدوا وجهات نظر متباينة حول استخدام التكنولوجيا خلال حديثنا معهم.
التكنولوجيا أداة سرد يجب توظيفها بحذر للحفاظ على الهوية الفنية
(مروان حامد)
الأدوات الرقمية المتاحة وسهلة الاستخدام زادت من حدة المنافسة بين صناع الأفلام، لكنها فتحت أيضًا فرصًا جديدة للإبداع.
(عمرو سلامة)
على الجانب التقني، أكد الخبراء أن الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة توفر إمكانيات هائلة لدعم صناعة السينما والإعلانات.
التقنية تمكننا من تحليل الجمهور بسرعة ودقة، وتحسين جودة الإنتاج الفني.
(محمد حلمي، خبير AI)
الذكاء الاصطناعي قادر على إنشاء مؤثرات متطورة في أيام معدودة، موفّرًا وقتًا وجهدًا كبيرين في مراحل الإنتاج.
(سلمى هاشم، مطورة مؤثرات بصرية VFX)
وعليه، تُجمع هذه الآراء على أن التكنولوجيا أصبحت جزءًا لا يتجزأ من صناعة السينما والإعلانات الحديثة، لكنها تتطلب توازنًا دقيقًا بين الإبداع البشري والقدرات التقنية، لضمان إنتاج أعمال فنية متكاملة، كما إن التكنولوجيا قادرة على صناعة سينما مستقبلية وإعادة ترميم الأعمال الماضية.
---
## ﻻ تصنع لك تمثالا للأنبا أنطونيوس، لكن للعذراء ماشي
URL: https://tabcm.net/18304/
Type: post
Modified: 2026-04-20
طالعتنا الصفحة الرسمية لمطرانية الأقباط الأرثوذكس بالفيوم على بيانها الصادر برعاية الأنبا أبرآم الثالث، مطران ورئيس أديرة الفيوم، والذي يعلن فيه عن إزالة التمثال الذي أقيم مؤخرًا للأنبا أنطونيوس بديره العامر. شكر البيان كل من يهتم بتكريم القديسين دون الإخلال بتعاليم الكتاب المقدس وبعقيدة وطقوس وقوانين الكنيسة الأرثوذكسية، ثم استشهد بأية يهودية من العهد القديم: لاَ تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالًا مَنْحُوتًا، وذكرها مجزأة دون إكمال: وﻻ صورة ما (( راجع سفر الخروج ٢٠ : ٤، وسفر تثنية الاشتراع ٥ : ٨ )).
يأتي بيان الهدم لتمثال الأنبا أنطونيوس، بعد شهرين فقط من إعلان د. جرجس الجاولي، والذي نشرت قناة العربية ((قناة العربية، تقرير بعنوان: بطول 9 أمتار ووزن 2 طن.. أستاذ فنون جميلة في المنيا ينحت تمثالًا للأنبا أنطونيوس ))، تقريرًا مصورًا عنه:
يأتي تمثال الأنبا أنطونيوس تاليًا على تمثال العذراء بدرنكة، والذي أقامه نيافة الأنبا يوأنس، أسقف أسيوط، استنساخًا لتمثال سيدة لبنان [العذراء حريصا] الذي أقامه البطريرك الماروني مار الياس الحويك عام ١٩٠٤ تخليدا لذكرى مرور ٥٠ عاما على إعلان البابا بيوس التاسع، بابا الفاتيكان، لعقيدة الحبل بلا دنس الكاثوليكية.
ربما يكون من المفيد هنا معرفة أن الأنبا يوأنس [وبالميلاد هاني عوني] والدته كاثوليكية المذهب، وظلت كاثوليكية بعد رسامته إلى أن توفاها الله وتم الصلاة على جثمانها في كنيستها الكاثوليكية في ملوي، المنيا. وأظن أن استحداث فكرة التماثيل بالكنيسة القبطية الأرثوذكسية، أو هدمها، ﻻ ينم عن اهتمام بالفنون بقدر ما هو “طلقة كاشفة” عن أفكار الكنيسة المتناقضة والمختبئة تحت سجادة الصلاة، والتي ﻻ يمتلك أحد جرأة مناقشتها بشكل واضح.
لأسباب تاريخية معقدة، تحول المصريون من صنّاع أعظم تماثيل العالم، إلى حثالة رجعيّة معادية للفنون، وبكل أسف فهذا الارتجاع الفني له مرجعية دينية واضحة. وسنكتفي في هذا المقال بالمرور السريع على أهم النقاط الدينية التي ساهمت في تحول العالم وقت أن جمدنا نحن عن الحراك.
الحظر اليهوي للفنون
الفكرة الدينية لمنع فنون النحت والرسم بدأت مع اليهودية في الوصايا العشر: ﻻ تصنع لك تمثالًا منحوتًا وﻻ صورة ما لأن الإله يهوه ليس مطروحًا على إنه “ﻻ إله إﻻ يهوه” كما المكافئ الإسلامي مثلا، بل تقدم التوراة يهوة على أنّه الإله الحقيقي وسط آلهه متعددة مزيفة، يتم الترميز لها في المنحوتات والصور عمومًا، وبالتالي جزء من الاعتقاد اليهوي في الوحدانية هو جحد الآلهة المزيفة المصاغة بشكل فني ((في الفترة المُبكرة من تاريخ الشعب العبراني لم يكن الاعتقاد بوجود “إله واحد” بنفس المعنى الذي يبدو عليه اﻵن، الدين العبراني لم يكن Monotheistic [توحيد أحادي خالص]، لأن الصورة التي يقدمها سفر الملوك أو الكتب المُبكرة هو انه أحد أنواع الـMonolatrism [الإيمان بوجود العديد من الآلهة، مع العبادة الثابتة لإله واحد فقط]، بمعنى أن التوراة ذاتها تدعم الاعتقاد بوجود عدة آلهة، لكن الإله الوحيد الجدير بالعبادة هو يهوَه، بل أن هذا التصوّر لم يكن منتشرًا سوى عند النخبة المثقفة والكهنة والأنبياء، لكن أغلب عوام اليهود كانوا يعبدون عدة آلهة إلى فترة السبي تقريبًا، ولم يحدث أن اليهود عبدوا إلهًا واحدًا بالشكل التوحيدي المونوثيستي سوى في فترات قليلة. )).
الفكرة تطورت في قصة إبراهيم، أبو الأنبياء، إلى سلوك عدائي في تحطيم الأصنام مصاغ على إنه عمل جيد وصالح وتقوى دينية. لذا ﻻ تستغرب سلوك بعض المصريين المعاصرين الذين كانوا يريدون هدم تماثيل أثرية في الأقصر، أو حتى تغطية تمثال السيدة “أم كلثوم” بالنقاب في الدقهلية.
ويمكننا القول بشكل عام أن الإسلام أكمل الوتيرة اليهوية لنشأته وسط “كفار قريش”، والذين كانوا نموذجًا قويًا وتأسيسيًا في فكرة “عبادة الأصنام”، والتي بالتأكيد يجحدها الإسلام بشكل أعلى. فوحدانية الله في الإسلام هي وحدانية مونوثيستية ومختلفة عن وحدانية يهوه المونولاترية، والتعبير “ﻻ إله إلا الله” تعني مفيش إله تاني أصلا ﻻ مزيف وﻻ غيره.
التوحيد المونوثيستي يسمى في الأدبيات الاسلامية: "التوحيد الخالص"، وهو وإن كان الأنقى إيمانيًا، إﻻ إنه الأكثر إقصائية أيضًا.
لذلك، يمكننا الفهم المعاصر لماذا استنكر أهالي الأقصر تعيين د. أسعد الخياط، عضو الجماعة الإسلامية، محافظًا على مدينة الأقصر إبان فترة حكم الإخوان المسلمين.
لندع جانبا تطور اليهودية والإسلام في العموميات، ونركز بشكل مكثّف على أنفسنا كمؤمنين مسيحيين.
المسار المسيحي المعاكس
المسيحية مرت بمسار مختلف في مسألة الفنون، والأهم هنا على الإطلاق هو لوقا البشير، يليه الرسول بولس، ويكتمل الثالوث بمرقيون السنيوبي صاحب أول تجميع لكتاب مقدس مسيحي ((يعد مرقيون السينوبي مهرطقًا غنوصيًا عند كل المسيحيين، لكن هو هنا لاستعراض تأثيره التاريخي المؤثر. )).
لوقا البشير كان “رسام”. والأمر هنا ﻻ يتوقف عند حب أو هواية طفولية تهالكت مع دراسة الطب أو اندثرت مع اهتمامه بالكرازة والتبشير.. ﻻ.. بل رسم البشير لوقا أيقونات مسيحية في العصر المبكّر، أغلبها مفقود، لكنه على الأقل أسس لفن الأيقونة في الكنيسة الأولى عبر رسمه لأيقونة السيدة العذراء مريم. والأيقونات هي فن كنسي مسيحي قائم على رسم البورتريه للشخصيات المقدسة. وبطريقة أخرى، هو فن معارض للتصور اليهوي: وﻻ صورة ما.
بالتوازي مع لوقا البشير، كان بولس الرسول يساهم في تحويل المسيحية من مجرد “طائفة يهودية” إلى ديانة مستقلة بذاتها. (مأسسة للإيمان المسيحي على هيئة كنائس ذات تراتبية ونظام سلطة مستقل عن اليهودية)، وشهد هذا العصر محاربة لكثير من الأفكار اليهودية تحت مسمى مكافحة التهود، وقد ساهم ذلك بشكل كبير في أن المسيحيين الأولين كانوا أحرار من الثقافة اليهودية بما فيها من وراثة قبلية لدين / ناموس / شريعة أسباط أسرة يعقوب، والتي ظلت تُمارس بشكل طبقي منعزل اجتماعيًا في اليهودية الأرثوذكسية. فالمسيحية دين أممي مسكوني وليس ديانة أسرة كما اليهودية، وكلها عوامل ساهمت في الانفتاح على ثقافات وفنون العالم بأسره.
أما الشخص الثالث، ماركيون [مرقيون السينوبي]، والذي جمع أول كتاب مقدس للمسيحيين ضم فيه الشخصيتين السابقتين، لوقا وبولس فقط، ولم يضم البقية. ماركيون كان يرى فوارقَا واضحة بين “يهوه” وبين الإله الذي صاغه يسوع المسيح. لذا كان الكتاب المقدس الأول ﻻ يحتوي أيا من الكتابات اليهودية [العهد القديم] حيث يراه ماركيون عهدا قد انتهى، وكان يرى بولس هو الذي فهم أكثر من غيره فتضمن الكتاب المقدس رسائل بولس مع إنجيل واحد فقط: إنجيل لوقا، فنان الأيقونة الأممية ((ديل بي مارتن وكرستينا عزيز، مقال: كيف أصبحت أناجيل العهد الجديد “قانونية”؟ )).
هذا الثلاثي سيتألق نجمه في الغرب، أما الشرق فأخذ مسارًا مختلفًا أكثر تدينًا وأكثر عزلة وأصولية. فالغرب وريث الثقافات اللاتينية، وهم البارعين في النحت والرسم للأجساد العارية بشكل ماهر تشريحيًا. لذلك، عندما دخلت المسيحية كدين جديد به أيقونات ورسم، فُتِح المجال لإبراز الجمال بشكل ديني مسيحي.
أوربا المسيحية مُغرقة في التماثيل والتصوير حتى للميتافيزيقا والكائنات الروحية غير المادية مثل تماثيل الملائكة أو صور الشياطين، ويظهر هذا بشكل واضح في فنون المعمار للبازليك [الكاتدرائيات] بشكل فيه نحت على كشفات الأعمدة، أو رسم الجداريات والأسقف الداخلية للكنائس. على عصر النهضة، كان دافنشي قد صمم تصورًا فنيًّا رسم فيه وجه الله ذاته على سقف كنيسة السيستين التي تعكس خلق الإنسان الأول، وهي سابقة لم يجرؤ عليها إنسان آخر.
أيضًا ﻻ أحد ينسى دور التماثيل في عصر النهضة الذي مهد لثورات على الكنيسة بعدها، وبالأخص الدور الذي لعبه تمثال داود العاري بنسختيه سواء لدوناتيلو أو لمايكلأنجلو، وكيف نجح الفنانون في عصر النهضة -رغم معارضة الكنيسة- في الإصرار على توصيل فكرة “بشرية النبي” لعوام الشعب عبر إظهار أعضاؤه التناسلية أو مؤخرته عارية. والفنانون في عصر النهضة هنا قد قادوا الناس للتفكير في عكس ما تروج له السلطة الكهنوتية عن عصمة الأنبياء أو أنهم بشر خوارق ((باسم الجنوبي، مقال: عن “سلاحف النينجا” التي صنعت “عصر النهضة” )).
نقطة مفصلية أخيرة في تطور الغرب في مسألة فن النحت والتصوير: ظهور البروتستانت.
المُعترضون والعودة للحظر اليهوي
في فترة حماية الكنيسة الأوربية (الكاثوليك ﻻحقا) لمسألة الفنون، تصيد لهم الإصلاحيون الأوربيون (البروتستانت لاحقًا) كل هذا وبشكل ديني متشدد. الوضع النهائي الذي استقر عليه الأمر أن الكنائس الكاثوليكية استطاعت احترام كل من فنون النحت والرسم والمعمار في الكاتدرائيات، وتجاوزت مخاوف التقديس أو التعبد للتماثيل بفضل الثقافة الأوربية التي تشاهد وتحترم الفنون عمومًا. بينما ظلت الكنائس البروتستانتية عالقة عند مسألة الرفض لكل ما سبق بتأويلات دينية متشددة. الوضع التاريخي بين الكنيستين قد قاد لحرب أهلية دينية عرفت باسم: حرب الأيقونات الثالثة ((حرب الأيقونات البيزنطية: Εικονομαχία، هو مصطلح يشير إلى فترتين من تاريخ الإمبراطورية البيزنطية، عارضت فيهما السلطات الدينية الإمبراطورية الدنيوية عبر استخدام الصور أو الأيقونات الدينية. وقعت «حرب الأيقونات الأولى» بين عامي 726 و787 تقريبًا. أما «حرب الأيقونات الثانية»، فوقعت بين عامي 814 و842 تقريبًا. بدأت حرب الأيقونات جراء حظر فرضه الإمبراطور ليو الثالث على الأيقونات الدينية، واستمر الحظر في عهد خلفائه. صاحب تلك الحرب تدمير الأيقونات المسيحية على نطاق واسع واضطهاد مناصري تبجيل أو تعظيم الأيقونات. بقي البابا على موقفه الداعم لاستخدام الأيقونات خلال تلك الفترة، وأدت كلّ تلك الأحداث إلى توسيع الشقاق المتنامي بين التقاليد البيزنطية والكارولنجية في الكنيسة التي كانت متحدة حتى تلك الفترة. سهّلت تلك الأحداث أيضًا عملية تناقص أو زوال الهيمنة السياسية البيزنطية على أجزاء من إيطاليا. تنامى الدافع وراء تحطيم الأيقونات إثر تفسير لاهوتي للوصايا العشر، ومنع صنع أو عبادة الصور المنقوشة، جرى النقاش اللاهوتي خلال فترتي حرب الأيقونات جراء تغييرات في طرق العبادة الأرثوذكسية، ونتجت تلك التغيرات خلال القرن السابع عن ثورات سياسية واجتماعية كبرى في الإمبراطورية البيزنطية. ركزت التفسيرات التاريخية على أهمية منع الإسلام عبادة الأصنام (أو الصور) وتأثير ذلك على الفكر البيزنطي. وفقًا لأرنولد جاي: شجعت الانتصارات العسكرية الإسلامية خلال القرنين السابع والثامن مسيحيي بيزنطة على اقتباس موقف الإسلام الرافض للأيقونات الشعائرية أو التعبدية وتدميرها. أُكد أيضًا على دور النساء والرهبان في دعمهم لتبجيل الأيقونات. طُرحت النقاشات والحجج القائمة على المرتبة الاجتماعية، مثل القول أن تحطيم الأيقونات خلق انقسامات سياسية واقتصادية في المجتمع البيزنطي: وأن تلك الممارسة دعمتها الشعوب الشرقية من الإمبراطورية، وهي الأفقر وغير الإغريقية والتي تحمّلت مهمة التصدي لغارات العرب بشكل دائم. في المقابل، عارض الإغريق الأغنياء في القسطنطينية –بالإضافة إلى شعوب البلقان والمقاطعات الإيطالية– بشدة تحطيم الأيقونات. ))
أين الأقباط الأرثوذكس؟
محضروش أي حاجة.. المسار عند الأقباط الأرثوذكس متوقف عند قبول الأيقونات دون التماثيل استنادًا على مضض إلى ما شرعنه لوقا في العصر المسيحي الأوّل. وليس أي أيقونات وإنما التراثية المستلمة (رجوعًا وتأسيسًا إلى ما سنه لوقا البشير بشكل تقليدي نقلي) مع الرفض المستتر والناعم لأي إبداع أو تغيير.. ﻻ نحت وﻻ رسم وﻻ أي فنون ((باسم الجنوبي: مورنينج من ده يا ولاد الكئيبة! )).
لذلك، رأينا وسمعنا اعتراضات وانتقادات وآراء في مسألة تمثال العذراء بدرنكة، قوبلت بالتجاهل والاستمرار من أسيوط، كما رأينا وسمعنا اعتراضات وانتقادات وآراء (أقل بكثير) في مسألة تمثال الأنبا أنطونيوس بديره العامر، ومع ذلك قوبلت بالاستجابة وهدم التمثال بشكل محبط للفنان الذي تطوع بالعمل عليه لعامين كاملين. ولو حاولت بلورة الانتقادات أو حتى الاستجابات في قواعد محددة فلن تستطيع.
ربما ﻻ يوجد عند الأقباط الأرثوذكس “نظام مُختلف عليه”، وإنما هي بالأكثر: “فوضى مُتفق عليها”.
---
## الثلاثاء والأربعاء
URL: https://tabcm.net/54709/
Type: post
Modified: 2026-04-20
الثلاثاء ٨ فبراير
المليونية الثالثة في تاريخ الثورة المصرية، تلك التي أتت بعد صدمة وائل غنيم، كانت المليونية الأكبر على الإطلاق منذ انطلاق الثورة المصرية؛ وبينما كانت قوى الثوار ونسيج ميدان التحرير يزدادان صلابة يوماً بعد آخر، كانت هناك محاولات عدة من جانب النظام لاختراق ذلك النسيج والنيل من صلابته.
اتخذت تلك المحاولات أشكالاً عدة، منها محاولة التأثير في معنويات الثوار بشن حرب نفسية داخل الميدان عن طريق أشخاص تابعين للنظام أخذوا يشككون في جدوى ما يجري، وهو ما تنبه له الثوار وتعاملوا معه، وامتدت روح الثورة المنبعثة من ميدان التحرير إلى العديد من مؤسسات الدولة التي كانت خاضعة بشكل تام للنظام السابق، وكان أبرزها ما شهدته مؤسسة روز اليوسف الصحفية العريقة من انتفاضة العاملين بها ضد قيادات المؤسسة. على رأس تلك القيادات كان الصحفي عبد الله كمال، عضو لجنة السياسات بالحزب الوطني، وعضو مجلس الشورى بالتعيين.
إن المسار كله يُدار من قِبَل الحرس القديم دون إشراك المعارضة الجديدة بشكل فعلي أو بقية الشعب، ونائب الرئيس عمر سليمان هو من يدير الحوار، أي الجيش نفسه، وهذا جزء من المشكلة؛ فالرئيس من العسكريين ونائبه من العسكريين ورئيس الحكومة كذلك، فإن كانت هناك إرادة لإرساء الثقة فعليهم إشراك باقي التيارات، ولهذا أدعو إلى مرحلة انتقالية مكونة من مجلس رئاسي من ثلاثة أطراف من بينها الجيش، تنبثق عنه حكومة انتقالية.
(محمد البرادعي، فرانس24)
منذ مساء يوم الثلاثاء، بدأت القنوات الفضائية في إذاعة أغنية “إزاي” للفنان محمد منير لتكون الأغنية الرسمية للثورة المصرية، التي ألهبت حماس الشعب كله من داخل البيوت ربما أكثر ممن كانوا في قلب الميدان، لكن الميدان نفسه كان غنيًا بالفنانين، فشهد الميدان ميلاد المطرب الثائر رامي عصام الذي نجح في تلحين هتافات الثورة وتحويلها إلى أغانٍ يرددها المعتصمون، ومن أشهرها كلنا إيد واحدة، وطلبنا حاجة واحدة: ارحل ارحل، بالإضافة إلى غنائه للعديد من أغاني الشاعر الثائر أحمد فؤاد نجم، تلك التي أضفت على الميدان روحًا ثورية لها نكهتها الخاصة.
الأربعاء ٩ فبراير
منحت مليونية الثلاثاء الثامن من فبراير ثوار التحرير مزيداً من القوة والثقة بالنفس، وذلك بعدما استقر الآلاف على قرار البقاء في الميدان وعدم إخلائه، ولم يعكر صفاء ذلك الجو الثوري حدوث مناوشات أو صدامات هنا أو هناك بين الثوار والبلطجية الذين كان يرسلهم أعوان النظام على مداخل الميدان التسعة. أصبحت النهاية قاب قوسين أو أدنى، وبدا أن هناك تخوفات من سيطرة جماعة الإخوان المسلمين على المشهد السياسي.
نحن قد أعلنا بالأمس ونعلن اليوم، إذا كانوا يقولون إنهم يتخوفون من وصول الإخوان المسلمين إلى السلطة فنحن نقول لهم إن الإخوان المسلمين لا يطمعون في السلطة ولن يكون لهم مرشح في الانتخابات الرئاسية القادمة، وفي الوقت نفسه حتى المجلس النيابي لن يرشحوا فيه أكثر من ثلث عدد الأعضاء، فبالتالي سنشارك مشاركة سياسية ولن نغالب، مشاركة معقولة.
(سعد الكتاتني، فرانس24)
لاحقاً، وبعد الثورة، ثبت كذبُ تلك التصريحات؛ فالإخوان المسلمون شاركوا بمرشحيهم على 100% من مقاعد مجلس الشعب في الانتخابات النيابية الأولى بعد الثورة، وحصد التيار الإسلامي ما يقرب من ثلاثة أرباع كراسي البرلمان، وأصبح سعد الكتاتني نفسه رئيساً لمجلس الشعب، ثم رشحوا خيرت الشاطر لمنصب الرئاسة، ثم محمد مرسي الذي أصبح بعد ذلك رئيساً للجمهورية.
لا أحد يدري على وجه التحديد لماذا استشعر الإخوان المسلمون في هذا اليوم تحديداً استحالة تنحي مبارك واستمرار بقاء النظام، بعدما أصبح النصر قاب قوسين أو أدنى، إذ كتب المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين على حسابه الشخصي على موقع فيسبوك يقول:
إنّ الحملة الإعلامية التي تشنها أجهزة الحكومة على جماعة الإخوان المسلمين، وتتهمهم فيها بأنهم وراء تلك الثورة وأنهم السبب في تعطيل المؤسسات وقطع الأرزاق، هي ادعاء باطل.
(محمد بديع على حسابة الشخصي بفيسبوك)
وهو بالفعل كان صادقاً في كل حرف قاله، لاحقاً وفي يوم 13 فبراير بعد التنحي بيومين، تراجع المرشد عن كلامه الذي كتبه قبل أربعة أيام، وكتب كلاماً مغايراً قال فيه إن الإخوان المسلمين وقد كانوا جزءاً من هذه الثورة المباركة ما كانوا يفعلون ذلك إلا ابتغاء وجه الله، ومن ثم فهم لا يتطلعون إلى مكاسب خاصة، ثم عاد وكتب أن جماعة الإخوان المسلمين طيلة حياتها صادقة في قولها ثابتة في مواقفها… لكنه تلك المرة كان كاذباً…
في منتصف اليوم، تلقى وائل غنيم اتصالاً من وزير الداخلية يخبره بأنه يريده للحديث معه في أمر هام، ولم ينسَ وائل أن يصطحب صديقيه الصحفي خالد البرماوي رئيس تحرير موقع مصراوي آنذاك والمخرج عمرو سلامة، وهناك التقوا بوزير الداخلية محمود وجدي بصحبة حسن عبد الرحمن مدير جهاز أمن الدولة.
تذكره وائل على الفور، فقد التقاه من قبل في لقائه بالوزير في المرة الأولى. لم يتحدث حسن عبد الرحمن إطلاقاً في المرة الأولى؛ ربما خشي إثارة وائل إن علم أنه يجلس مع مدير جهاز أمن الدولة شخصياً. وبدأ محمود وجدي حديثه بمداعبة وائل لكسر التوتر، فأخبره أنه قد أصبح من المشهورين، وتحدث عن وضع مصر واستحالة تنحي مبارك.
كان واضحاً أن الوزير يبذل محاولة أخرى لإقناعهم بالعدول عن التمسك بفكرة التنحي، لكن كلامه قوبل بالرفض الشديد من قبل ثلاثتهم، وتحدثوا معه عن دماء الشهداء الذين سقطوا في التحرير بفعل نظام مبارك الأمني، لكن الوزير ظل متمسكاً بوجهة نظره التي تؤكد أن ما حدث من قنص للمتظاهرين هو مؤامرة مدبرة من الإخوان وحماس وحزب الله، وتحدث حسن عبد الرحمن لأول مرة محذراً إياهم من الفوضى التي باتت على الأبواب.
هنا انفجر فيه وائل وسأله: ألا يدري ماذا يفعل ضباطه وجنوده في المعتقلين؟ ولماذا تم اعتقاله هو شخصياً بدون جرم وتم تكبيله وتعمية عينيه لمدة اثني عشر يوماً كاملاً؟ اعتذر حسن عبد الرحمن بدبلوماسية باردة كالثلج، وأخبره أن الوضع قد تغير الآن، وأن جهاز أمن الدولة ستتغير استراتيجيته بالكامل، معللاً أنهم كانوا يفعلون ذلك بدافع الوطنية والخوف على مستقبل مصر.
ثم أخذ الوزير يذكرهم بإنجازات مبارك وتاريخه العسكري وتضحياته من أجل الوطن، فتأكد عمرو سلامة أنه لا حل إلا تنحي مبارك، وانتهى الحديث بلا أي نتيجة تذكر، مع الاتفاق أن يلتقي وائل ومجموعته مع حسام بدراوي في اليوم التالي للتباحث والتشاور.
سرت أخبارٌ غير مؤكدة عن مشادةٍ حدثت بين جمال وعلاء مبارك في عصر هذا اليوم، بدأت كلاميةً ثم تطورت فيما بعد، وتهجم علاء على شقيقه جمال وألقى به أرضاً، صارخاً بأنه السبب فيما حدث في مصر من اضطرابات، وأنه هو من أوصل الشعب المصري إلى المطالبة بإجبار والدهما على التنحي.
أنت الذي ضيّعت تاريخ أبوك.. أنت الذي دمرت الأسرة، وأنت اللي خليتنا نوصل للحالة ديه.. أفسدت البلد عندما فتحت الطريق أمام أصحابك، وهذه هي نتيجة أفعالك وأفعال أصحابك؛ فبدل من أن يكون أبونا معززاً مكرماً في نهاية مسيرته، جعلته قاب قوسين أو أدنى من التنحي.. أنت اللي ضيّعت تاريخ أبوك، وأنت اللي دمرت الأسرة!
(جانب من المشاحنة منسوب لعلاء مبارك)
اشتبك الأخوان بالأيدي، وزاد الانفعال والصراخ فيما بينهما، مما اضطر البعض للتدخل بين جمال وعلاء مبارك لإنهاء الاشتباك، وسط بكاء ونحيب سوزان التي انهارت كل أحلامها دفعة واحدة، وها هي النهاية قد أصبحت قريبة منهم جداً.
في المساء، أجرى البابا شنودة الثالث مداخلة هاتفية على التليفزيون المصري على الهواء مباشرة، دعماً وتأييداً لمبارك؛ قال فيها نصاً:
نشكر فوق الكل السيد الرئيس مبارك على تدخله في الأحداث، وعلى تعيينه السيد عمر سليمان نائباً له، والفريق أحمد شفيق رئيساً للإدارة الجديدة، ولقد اتصلنا بالسيد الرئيس نشكره ونحييه ونقول له إننا كلنا معه، والشعب كله معه.
(البابا شنودة الثالث، التليفزيون المصري)
عن أي شعب كان يتحدث قداسته؟
---
## المسيح قُتل لكنه قام
URL: https://tabcm.net/51665/
Type: post
Modified: 2026-04-19
لو كانت حكاية المسيح وقفت عند موته ودفنه من غير قيامة، كان هيبقى مجرد ثائر بشعارات فارغة.
كان سيُنظر له كـ مصلوب ملعون في عيون اليهود، ومتمرد مهزوم في عيون الرومان، وخيبة أمل ثقيلة في عيون التلاميذ.
وساعتها الكرازة كلها كانت هتبقى باطلة، والإيمان بلا قيمة، والناس تفضل غارقة في خطاياها وعبوديتها بلا أي رجاء أو حرية.
لكن الحقيقة أن أعمال المسيح وأقواله طول حياته كان ليها تأثير ضخم على كل الأجيال.
ولحظة الصليب والموت مكنتش مجرد مأساة، لكنها كانت الضربة الحاسمة: جذرية في عمق الموت وسلطانه، وفي قلب الخطية ومملكة إبليس وضُلمته.
وكأن حياته كلها كانت ضربات متتالية بتُهشّم معاقل الشر وتحرّر نفوس كتير، لكن لحظة موته بالذات كانت الضربة القاضية…
مش من إبليس له، بل من المسيح على إبليس نفسه! وهنا يكمن سر العجب.
مات… لكنه قام!
وبقيامته أعلن أنه ابن الله بقوة، وانتصر على الموت، وفتح للإنسانية باب الحرية الحقيقية.
القيامة ما كانتش حدث عابر، لكنها بداية أعظم نهضة في التاريخ كله بماضيه ومستقبله:
• التلاميذ تحوّلوا من الخوف والاختباء إلى الجسارة والكرازة.
• المؤمنون صاروا شركاء في قيامته، يعيشون حياة جديدة.
• والرافضون استمروا في ضلالهم، يضطهدون القائمين معه، غير قادرين أن يدركوا أنه قام حيًّا بينهم ومنتصرًا فيهم.
لحظة قتل تشارلي كيرك كانت ضربة قاضية في وجه جحيم إبليس، اللي حابس وعي الشباب في تمرد وقيود.
موته مكنش نهاية لرحلته، بالعكس: أنا بصلي، زي كثيرين في العالم، أن اللحظة دي تكون بداية نهضة في وعي شعوب كتير: في أمريكا وأوروبا، وتمتد كمان لشعوبنا العربية، ولشعب مصر مسلميه ومسيحيه، لكل اللي بيشتاق يحافظ على بلده من التطرّف والهمجية والشر، من غير ما ينجرّ لإرهاب أو ثورات وعنف.
نهضة حقيقية تبدأ من الداخل -من التوبة والإيمان الصادق-إن حياتنا وقراراتنا ليها ثمن، وإننا محتاجين نرجع للمسيح اللي عايز يعطينا حياة جديدة مليانة بالحق.
والنهضة دي، لو صحّت، هتبقى زي قيامة المسيح بالظبط: سيفها كلمة حق، ومصدر قوتها روح المحبة الحقيقية.
اللي هايفضح كذب الاتهامات مش مجرد مقتل تشارلي، لكن النهضة في أرواح كل اللي اتأثروا بيه.
النهضة دي هي الشهادة الحقيقية إنه مكانش داعية للكراهية ولا محرّضًا على العنف، لكنه كان بيدافع عن حياة سليمة ومليانة بالفرح اللي عاشه.
واحدة واحدة النور هايزداد لمعانًا، ومع شدته هيبان الصدق من الكذب، وتبان الحقيقة من الادعاءات.
وده النور اللي يتحط على المنارة، عشان يراه كل من في البيت.
وزي ما قيامة المسيح كانت الشرارة اللي غيّرت العالم بتاريخه، موت تشارلي ممكن يبقى هو الآخر شرارة لصحوة جديدة، تنهض فيها أرواح من سباتها وتجد خلاصها، وفي نفس الوقت تكون دينونة للرافضين أن يموتوا عن ذواتهم وطرقهم، واللي ما زالوا يصلبون المسيح جواهم مرة ومرات.
---
## ﻻ تسلقوا “اﻷحوال الشخصية”
URL: https://tabcm.net/54939/
Type: post
Modified: 2026-04-18
أقدمت بسنت سليمان، “سيدة مطلقة” على إنهاء حياتها يوم الأحد 12 أبريل، لتسلط الضوء برحيلها المأساوي على ثغرات قوانين الأحوال الشخصية وافتقارها للعدالة. فهذه المنظومة لا تجور على حقوق النساء والأطفال فحسب، بل ترهق كاهل الرجال أيضًا؛ إذ تمنحهم صلاحيات واسعة مقابل تحميلهم مسؤوليات فردية تفوق طاقتهم.
وفي ظل واقع اقتصادي تجد فيه النساء أنفسهن مضطرات لتحمل العبء الأكبر في رعاية الأسرة بسبب الضغوط اﻻقتصادية التي نعشها، تستمر منظومة اﻷحوال الشخصية في تهميشهن بدلًا من ترسيخ قيم المساواة والتشاركية. ما يؤثر بالسلب على أجيالٍ جديدة تعاني من ندوب نفسية عميقة، قد تدفعهم مستقبلًا إما لتكرار ذات المآسي أو العزوف تمامًا عن فكرة الزواج وتكوين أسرة.
إذا كانت بسنت أقدمت على اﻻنتحار وإنهاء حياتها فهناك واقعة لسيدة مصرية تدعى چيهان كيرلس قتلت على يد زوجها في 18 مايو 2019 في أستراليا، فرغم أن القوانين تسمح لها في أستراليا باﻻنفصال بسهولة إذا تعرضت للعنف، لكنها استمعت لتعليمات كهنة الكنيسة الذين لا يؤيدون الطلاق، وكان النتيجة مقتلها.
عقب واقعة بسنت اﻷليمة، دعا الرئيس عبد الفتاح السيسي مجلس النواب لمناقشة تعديلات قوانين اﻷحوال الشخصية، سواء فيما يخص القانون العام الذي يحكم غالبية المواطنين المصريين من المسلمين، أو قانون اﻷحوال الشخصية الموحد للمسيحيين الذي يُناقش منذ عام 2014، ولم تتفق الكنائس المختلفة في مصر على مشروع القانون حتى اﻵن، وما كان يتسرب من نسخ مسودات خلال اﻷعوام الماضية، كان يوحي بأن القانون سيكون به مشاكل كبيرة، ولن يحل اﻷزمات التي تشكلت عبر السنوات في حبرية البابا الراحل شنودة الثالث، وهنا نحتاج لوقفة حتى ﻻ تصدر قوانين جديدة تزيد الطين بلة بدلًا من معالجة الأزمة.
ظهرت بودار تعديل قوانين اﻷحوال الشخصية حينما ناقش أكثر من مسلسل في الموسم الرمضاني هذا العام ظاهرة اﻻنفصال وموضوع الحضانة والرؤية بالنسبة للأب، وهو ما واجه انتقادات عدة على مواقع التواصل اﻻجتماعي من نساء منفصلات عن أزواجهن ويعانين من مشكلات مختلفة مع اﻷزواج السابقين فيما يخص النفقة والحضانة، وكما هو الحال في واقعة بسنت التي عانت مع طليقها.
وإذا كان الحكومة والبرلمان يريدون اﻻستجابة لتوجيهات الرئيس بتعديل قوانين اﻷحوال الشخصية فيجب أولا وقبل إصدار أي قانون إجراء حوار مجتمعي موسع مع مختلف الفئات من المواطنين خصوصًا من لديهم مشكلات تتعلق بالطلاق وما يترتب عليه من مشكلات واﻻستماع إلى معاناتهم وما ينتظرونه من القوانين.
إذا كنا نعاني من سيطرة المؤسسات الدينية على قوانين اﻷحوال الشخصية، فعلى الدولة أن تؤدي دورها تجاه مواطنيها وﻷن تضع قانون عام فيما يخص إجراءات عقد الزواج أو اﻻنفصال، وتكون موحدة على كل المواطنين باختلاف أديانهم، ومن يرغب في إقامة شعائر دينية فيما يخص زواجه فهذا يخص الطرفين المتزوجين ويكون شأن داخلي مع المؤسسة الدينية، التي لا يجب أن تظهر عند عقد الزواج أو الطلاق أمام الدولة.
وعلى الدولة أن تتجه إلى العهود والمواثيق الدولية التي وقعت عليها ليُبنى عليها قانون اﻷحوال الشخصية الجديد، فتساوي بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات، وأن تلجأ الدولة للمجتمع المدني ليساعدها في نشر ثقافة المساواة والتشاركية بين الرجل والمرأة، بدلًا من تهميش النساء وتحميل الرجال ما لن يستطيعوا تحمله بمفردهم، خاصة أن عالمنا اليوم يحتاج إلى أن نتحرر من القوانين والمفاهيم القديمة، في ظل ظروف اقتصادية، تجعل النساء تشارك بقوة في سوق العمل، بل وفي أحيان كثيرة تكون المرأة هي العائل الوحيد للأسرة والمسؤول عن احتياجاتها المادية سواء لغياب اﻷب او الزوج بالوفاة أو الطلاق أو في حالات المرض والعجز التي لا تسمح للرجل بالعمل.
لذا فعلى الدولة أن تحرر نفسها من أية قيود وتمارس دورها تجاه مواطنينها بقوانين واضحة وإجراءات بسيطة توضح حقوق وواجبات الرجل والمرأة عند عقد الزواج وعند فضه، وأن تراعي مصلحة اﻷطفال فوق كل اعتبار، فإجراءات غير هذه ستظل معاناة المواطنين مع قوانين اﻷحوال الشخصية بل وستزيد التعديلات الجديدة المشكلات وقد تؤدي ﻻحتقان أكبر داخل المجتمع.
---
## الآباء والكرازة في الجحيم [٥]
URL: https://tabcm.net/54570/
Type: post
Modified: 2026-04-17
نواصل مع آباء الكنيسة حول كرازة المسيح في الجحيم.
مكاريوس الكبير
يتحدث ق. مكاريوس السكندري عن إخراج المسيح للنفوس من الجحيم والموت وردها إليه مرةً أخرى، وهكذا أطلق نفوس أبناء آدم المأسورين لدى إبليس، وأعاد نفوس آدم وبنيه إليه كالتالي: ((مكاريوس الكبير، عظات ق. مكاريوس الكبير، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2014، عظة 11: 10، ص 108، 109. ))
هنا يأتي الرب إلى الموت، ويحاوره ويأمر سلطان الموت أن يُخرِج النفوس من الجحيم والموت، ويردها إليه. وكأن الموت قد انزعج من أمر الرب، وكأنه يذهب إلى خدامه ويجمعهم معًا مع كل قواته، ويأتي رئيس الشر بوثيقة الدَّين، وكأنه يقول: ’أنظر فإنهم قد أطاعوا كلماتي، أنظر كيف صار بني البشر عبيدًا لنا‘. ولكن الرب لكونه ديَّان عادل يُظهِر عدله هنا أيضًا، وكأنه يقول للشيطان: ’إن آدم قد أطاعك، وأنت قد امتلكت قلوب كل البشر، وكل البشرية أطاعتك، ولكن ما الذي يفعله جسدي هنا، إن جسدي هو بلا خطية، وإن كان جسد آدم الأول قد صار تحت سلطانك، ولك الحق أن تستعبده بسبب الخطيئة، ولكن من جهتي أنا فالجميع يشهدون أني لم أخطئ قط، ولذلك ليس لك فيَّ شيء بالمرة، بل الكل يشهدون أني أنا ابن الله، وقد جاء الصوت من أعلى السماوات، وشهد لي على الأرض قائلاً: هذا هو ابني الحبيب له اسمعوا ((إنجيل متى 3: 17 ))، ((إنجيل متى 17: 5 )). لقد شهد يوحنا أيضًا قائلًا: هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم ((إنجيل يوحنا 1: 29 )). ويقول الكتاب أيضًا: الذي لم يفعل خطية، ولا وُجِدَ في فمه غش ((سفر إشعياء 53: 9 ))، ((رسالة بطرس اﻷولى 2: 22 ))، وأيضًا: رئيس هذا العالم يأتي وليس له فيَّ شيء ((إنجيل يوحنا 14: 30 )). وكأن الرب يقول للشيطان، وأنت نفسك شهدت لي قائلًا: أنا أعرفك مَن أنت، قدوس الله ((إنجيل مرقس 1: 24 ))، أنك أنت ابن الله ((إنجيل مرقس 3: 11 ))، وقلت أيضًا: ما لنا ولك هل أتيت قبل الوقت لتهلكنا ((إنجيل متى 8: 29؛ إنجيل لوقا 4: 34 )). إن هناك ثلاثة شهود يشهدون لي -الأول هو الآب الذي أرسل الصوت من السماء، والثاني هم الذين شهدوا لي على الأرض، والثالث هو أنت بعينك. وكأن الرب يقول للشيطان: ’ولذلك فأنا أفتدي الجسد الذي باعه لك آدم الأول، وأُبطِل صكوكك بصليبي. لقد دفعت ديون آدم حينما صُلِبت ونزلت إلى الجحيم، والآن أنا آمرك أيها الجحيم، والظلمة، والموت، أن تُطلِق نفوس أبناء آدم المأسورين‘، وهكذا فالقوات الشريرة تُصاب برعبٍ شديدٍ، وتضرب بالفزع، وتعيد نفوس آدم وبنيه التي كانت محبوسة.
(مكاريوس الكبير، عظات ق. مكاريوس الكبير)
ويتحدث ق. مكاريوس عن نزول المسيح إلى أعماق الجحيم لينقذ النفس الإنسانية الغارقة في هوية الظلمة وعمق الموت من أعماق الجحيم والموت كالتالي: ((مكاريوس الكبير، عظات ق. مكاريوس الكبير، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2014، عظة 11: 12، ص 111. ))
وبنفس الطريقة فإن النفس التي غطست وغرقت في هاوية الظلمة وعمق الموت، تنفصل عن الله في صحبة الحيوانات المخيفة، [هذه النفس] مَن الذي يستطيع أن ينزل إلى الأماكن المخيفة وإلى أعماق الجحيم والموت لينقذها إلا ذلك الخبير والصانع العظيم الذي خلق النفس والجسد. وهو بشخصه يدخل إلى الناحيتين، إلى عمق الجحيم وإلى عمق القلب، حيث يكون الموت ممسكًا بالنفس وأفكارها، ويُخرِج آدم المائت من الهاوية المظلمة. إذًا، فحتى الموت نفسه -عن طريق التمرن والخبرة- يصير مساعدًا للإنسان، كما يفعل الماء مع السبَّاح.
(مكاريوس الكبير، عظات ق. مكاريوس الكبير)
مار أفراهاط الفارسي
يتحدث مار أفراهاط عن نزول المسيح إلى الجحيم، وحينما رأه الموتى ذهبوا إليه ليصعدوا معه وهكذا أخرج المسيح بسلطانه كل المحبوسين فخرجوا إليه ليروا النور كالتالي: ((أفراهاط الفارسي، المقالات، ترجمة: الخوري بولس الفغالي، لبنان: دار المشرق، 2007، المقالة 22: 4، ص 337، 338. ))
وحين جاء يسوع قاتل الموت، لبس جسدًا من زرع آدم، وصُلِبَ بجسده وذاق طعم الموت. وحين أحسَّ الموت أنه نزل إليه، أخذ يرتجف في موضعه، ويضطرب لما رأى يسوع. فأوصد أبوابه، وما أراد أن يستقبله. حينئذ حطَّم يسوع أبوابه ودخل يسلبه مقتنياته. وحين رأى الموتى النور في الظلمة، رفعوا رؤوسهم من سجن موتهم، وتطلعوا فرأوا بهاء الملك المسيح. حينئذ جلست قوات الظلمة تبكي، لأن الموت ذُلَّ وحُرِمَ من سلطانه. ذاق الموت السم الذي يقتله، فتراخت يداه وعرف أن الموتى سيحيون ويفلتون من عبوديته. وحين أُجبِرَ الموت على التجرُّد من مقتنياته، ولول وصرخ بصوت كله مرارة، وقال ليسوع: ’أُخرج من موضعي ولا تعد تدخل إليه. مَن هو هذا، ليدخل حيًا إلى موضعي!‘، وأخرج الموت أصواتًا غريبةً، إذ رأى أن الظلمة بدأت تنقشع، وأن الأبرار الراقدين قاموا ليصعدوا معه. وعرف أنه حين يأتي في نهاية الزمن، يُخرِج بسلطانه كل المحبوسين، فيخرجون إليه ليروا نوره. وحين أتَّم يسوع خدمته لدى الموتى، أفلته الموت من موضعه، ولم يتحمل أن يبقى هنا. ولم يلذ له أن يأكله كسائر الموتى، كما لم يكن له سلطان على الطاهر، فلم يمسه الفساد ((مزمور 16: 10 )).
(أفراهاط الفارسي، المقالات)
الليتورجية القبطية
وهناك العديد من الإشارات إلى نزول المسيح إلى الجحيم وكرازته للأرواح التي هناك موجودة في الليتورجية القبطية، سوف نستعرض بعضها في بحثنا هذا، حيث يصلي الكاهن في طلبة ”تجسد وتأنس“ في صلاة الصلح بالقداس الباسيلي، مشيرًا إلى نزول المسيح إلى الجحيم من قِبل الصليب قائلًا: ((إيسيذوروس البراموسي، الخولاجي المقدس وخدمة الشماس، مراجعة وتقديم: نيافة الأنبا متاؤوس أسقف دير السريان، القاهرة: مكتبة مار جرجس بشبرا، 1994، ص 153. ))
هذا الذي أحب خاصته الذين في العالم، وأسلَّم ذاته فداءً عنا إلى الموت الذي تملك علينا. هذا الذي كنا ممسكين به، مبيعين من قِبل خطايانا، نزل إلى الجحيم عن طريق الصليب.
(إيسيذوروس البراموسي، الخولاجي المقدس وخدمة الشماس)
ويصلي الكاهن أيضًا في طلبة ”أنت الكائن في كل زمان“ في صلاة الصلح بالقداس الغريغوري، مؤكدًا على إطلاق المسيح للأسرى في الجحيم قائلًا: ((إيسيذوروس البراموسي، الخولاجي المقدس وخدمة الشماس، مراجعة وتقديم: نيافة الأنبا متاؤوس أسقف دير السريان، القاهرة: مكتبة مار جرجس بشبرا، 1994، ص 201. ))
وباركت طبيعتي فيك. وأكملت ناموسك عني. وأريتني القيام من سقطتي. أعطيت إطلاقًا لمن قُبِضَ عليهم في الجحيم. أزلت لعنة الناموس. أبطلت الخطيئة بالجسد.
(إيسيذوروس البراموسي، الخولاجي المقدس وخدمة الشماس)
ويصلي الكاهن أيضًا في قسمة للابن تُقال في سبت الفرح، مشيرًا إلى نزول المسيح إلى الجحيم وإبطاله عز الموت كالتالي: ((إيسيذوروس البراموسي، الخولاجي المقدس وخدمة الشماس، مراجعة وتقديم: نيافة الأنبا متاؤوس أسقف دير السريان، القاهرة: مكتبة مار جرجس بشبرا، 1994، ص 250. ))
يا يسوع المسيح ذا الاسم المخلص الذي بكثرة رحمته نزل إلى الجحيم وأبطل عز الموت. أنت هو ملك الدهور، غير المائت، الأبدي، كلمة الله، الذي على الكل.
(إيسيذوروس البراموسي، الخولاجي المقدس وخدمة الشماس)
ويصلي الكاهن أيضًا في قسمة للابن تُقال في القيامة، مشيرًا إلى نزول المسيح إلى الجحيم وإبطاله عز الموت، وسبيه للأرواح من يد إبليس، وإعطائه للناس الكرامات كالتالي: ((إيسيذوروس البراموسي، الخولاجي المقدس وخدمة الشماس، مراجعة وتقديم: نيافة الأنبا متاؤوس أسقف دير السريان، القاهرة: مكتبة مار جرجس بشبرا، 1994، ص 251. ))
هذا هو الجسد الذي أخذه من سيدتنا وملكتنا كلنا القديسة مريم، وجعله واحدًا مع لاهوته. هذا هو الذي نزل إلى الجحيم، وأبطل عز الموت، وسبى سبيًا، وأعطى الناس كرامات. رفع قديسيه إلى العلاء معه، أعطاهم قربانًا لأبيه. بذوقه الموت عنا خلَّص الأحياء، وأعطى النياح للذين ماتوا. ونحن أيضًا الجلوس في الظلمة زمانًا، أنعم علينا بنور قيامته من قِبل تجسده الطاهر. فليضيء علينا نور معرفتك الحقيقة لنضي بشكلك المحيي.
(إيسيذوروس البراموسي، الخولاجي المقدس وخدمة الشماس)
ويصلي الكاهن أيضًا في قسمة للآب تُقال في عيد القيامة والخمسين، مؤكدًا على نزول المسيح إلى الجحيم من قِبل الصليب، ورده لأبينا آدم وبنيه إلى الفردوس وإبطاله عز الموت بموته كالتالي: ((إيسيذوروس البراموسي، الخولاجي المقدس وخدمة الشماس، مراجعة وتقديم: نيافة الأنبا متاؤوس أسقف دير السريان، القاهرة: مكتبة مار جرجس بشبرا، 1994، ص 251. ))
أيها السيد الرب الإله ضابط الكل أبو ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح، الذي من قِبل صليبه نزل إلى الجحيم، وردَّ أبانا آدم وبنيه إلى الفردوس. ودفننا معه، بموته أبطل عز الموت، وفي ثالث يوم قام من الأموات.
(إيسيذوروس البراموسي، الخولاجي المقدس وخدمة الشماس)
وتصلي الكنيسة ترنيمة القيامة من قداس عيد القيامة المجيد من ليلة العيد إلى الأحد الخامس من الخماسين وباكر عيد العنصرة، حيث يذكرون سبي المسيح للجحيم سبيًا، وتحطيمه لأبوابه النحاس، وكسره لمتاريسه الحديد، وتجديده للأجسام والأرواح، وإبداله العقوبة خلاصًا، وإعادته آدم إلى الفردوس، وفوز المؤمنين بالصفح عن القصاص كالتالي: ((ترتيب أسبوع الآلام حسب طقوس الكنيسة الأرثوذكسية، تقديم ومراجعة: القس غبريال، القاهرة: مؤسسة مينا للطباعة، 1994، ص 741. ))
قد قام الرب مثل النائم. وكالثمل من الخمر. ووهبنا النعيم الدائم. وعتقنا من العبودية المرة. وسبى الجحيم سبيًا. وحطَّم أبوابه النحاس. وكسَّر متاريسه الحديد كسرًا. وأبدَّل لنا العقوبة بالخلاص. وأعاد آدم إلى الفردوس. بفرح وبهجة ومسرة. اليوم انتشرت أعلام الخلاص. وتجددت الأجسام والأرواح. هو وبنيه الذين كانوا في الحبوس. محل النعيم دفعة أخرى. وفاز المؤمنون بالصفح عن القصاص. ومجَّدوا الله بالتسابيح والأفراح.
(ترتيب أسبوع الآلام حسب طقوس الكنيسة الأرثوذكسية، تقديم ومراجعة: القس غبريال)
وتحتفل الكنيسة في إبصالية واطس في باكر يوم سبت الفرح بخلاص آدم وحواء وجنسهما من الجحيم المملوء كآبةً كالتالي: ((ترتيب أسبوع الآلام حسب طقوس الكنيسة الأرثوذكسية، تقديم ومراجعة: القس غبريال، القاهرة: مؤسسة مينا للطباعة، 1994، ص 670. ))
يا يسوع الحي غير المائت، أبطلت الموت بموتك، وحرَّرت العالم كله، وسحقت شوكة الشيطان، والحية الصماء، وأخزيتهما بقوتك. ثم خلَّصت شعبك آدم وحواء وجنسهما من الجحيم المملوء كآبةً. فلنقل بفرحٍ مع داود المبارك قم يارب لماذا تنام؟ مَن يشبهك في الآلهة أنت هو إله الآلهة نسبحك بأنواع كثيرة، تباركت يا يسوع المصلوب؛ لأنك أبدَّلت حزننا إلى فرح، وخلَّصتنا من عبوديتنا المرة.
(ترتيب أسبوع الآلام حسب طقوس الكنيسة الأرثوذكسية، تقديم ومراجعة: القس غبريال)
وتصلي الكنيسة في طرح الإنجيل الرابع في الساعة التاسعة من يوم الجمعة العظيمة مؤكدةً على كرازة المسيح في الجحيم للمسبيين هناك كالتالي: ((ترتيب أسبوع الآلام حسب طقوس الكنيسة الأرثوذكسية، تقديم ومراجعة: القس غبريال، القاهرة: مؤسسة مينا للطباعة، 1994، ص 590، 591. ))
وصاح بصوتٍ عظيمٍ وأسلَّم الروح. مَن يبشر المسبيين بالذي ذاق الموت عنهم، ومَن الذي يسبق إلى الفردوس فيهيئ الطريق للملك. افرحوا اليوم أيها الأبرار والأنبياء والبطاركة والصديقين. والإنسان الأول الرأس الذي عتق في الحزن، قد تجدد اليوم بالإنسان الجديد الذي قتل الموت، وأبطل عزه، وشوكته المرة كسَّرها وقطَّعها. الله الكلمة بكمالها ومضى إلى الجحيم بالنفس التي أخذها من طبيعة آدم، وجعلها واحدًا معه والنفوس التي كانت في السجن أصعدها معه كعظيم رحمته، والعدو الأخير الذي هو الشيطان قيَّده بالقيود والسلاسل. فما رآه البوابون الأشرار والقوات الكائنة في الظلمة هربوا، ولم يطيقوا الثبوت؛ لأنهم عرفوا قوته وكثرة جبروته، فكسَّر الأبواب بسلطانه، والمتاريس الحديد سحقها، وأما المسبيون إذ رأوا الرب يسوع مخلص نفوسهم، صرخوا بصوت قائلين: حسنًا جئت، أيها المنقذ عبيده، ثم أمسك أولاً بيد آدم فاجتذبه وأصعده وبنيه معه. وأدخلهم إلى الفردوس مسكن الفرح والراحة.
(ترتيب أسبوع الآلام حسب طقوس الكنيسة الأرثوذكسية، تقديم ومراجعة: القس غبريال)
---
## غولغوثا، حفرية صوتية من زمن سحيق
URL: https://tabcm.net/54814/
Type: post
Modified: 2026-04-16
في يوم الجمعة العظيمة الماضي، كنت قد كتبت شيئًا يسيرًا عن أصل لحن غولغوثا، المصري القديم، الذي يًردد في الكنائس والأديرة المصرية فقط في هذا اليوم العظيم. راعيت أن استعرض اللحن بأداء السوبرانو كريستين لويس، خاليًا من أي آلات موسيقية أو حتى ترجمة لمعاني الكلمات.. فقط حنجرة بشرية واحساس مصري يليق بلحن الدفن الملكي..
أنا بصراحة قاصدها كدا.. بدون ألات.. بدون وعي للمعاني.. مجرد حنجرة بشرية دون أي إضافات إستهلاكية أو ترويجية أو حتى دينية أو مسيحية.
أولا: إلغاء كافة العوامل المساعدة مش هايخلي غير عامل واحد متبقي: اللحن المصري القديم.. ده البطل الحقيقي اللي عايز أحطه في برواز تاريخي.
ثانيا: إلغاء تفاصيل الفهم هايفرد مساحة الإحساس على أقصاها.. سيبك من الشق الديني وتذكر حد عزيز عليك وإنتقل وإنت بتسمع اللحن ده.. شوف الحالة الوجدانية اللي هاتحصل لك، واللي اللحن الجنائزي حطك فيها.
اللحن ده باللغة دي، بيدي تأثير مش طبيعي.. أنا عايز أقول لو حد قاله بالعربي مثلا، هايبوظ ومش هايدي نفس الحالة.
أجدادنا (قدماء المصريين) لغتهم عجيبة وليها تأثير قوي حتى لو مفهمتش حاجة.. أصلا أصلا هما كانوا بيعتقدوا إن اللغة بتاعتهم مش إبتكار بشري وإنما چپ وچپتا (آدم وحواء بتوع مصر القديمة) إتعلموها من الأرباب والنتر (الكائنات السمائية) وذات سلطة عند التفوه بها.. م الآخر كدا في “تعاويذ” في المسألة لا تخطئها أذن مرهفة أو بصيرة يقظة.. لو ملحد من القرن الثالث والعشرين سمع لحن جنائزي لقدماء المصريين،، هايتكهرب وجدانيا وهايحس بشكل ما إن في “قداسة” في المسألة.
(باسم الجنوبي، تعليق توضيحي كاشف للدوافع المدنية)
ومن الواضح أن هناك نقاشًا نصف ديني نصف أكاديمي -لم أحضره في حينه- عن أصالة لحن غولغوثا.
استند المعترضون على الجزء الثاني من كتاب البصخة، للأب الراهب أثناسيوس المقاري، حيث جاء فيه ما يلي:
أول مخطوط كاتب عنه هو مخطوط دلال أنبا شنوده القرن الـ14 تحت عنوان قانون آخر ⲅⲟⲗⲅⲟⲑⲁ بمعنى إنه مكنش الوحيد، ولا الرئيسي. في حين إن ابن كبر كاتب عن لحن ϩⲓⲧⲉⲛ ⲡⲉⲕⲥⲧⲁⲩⲣⲟⲥ.
مخطوط دلال حارة الروم مش مكتوب فيه غولغوثا، القرن الخامس عشر.
ظهر في مخطوط دلال المعلقة قرن 16 على أنه لحن من حارة زويلة.
مخطوط ترتيب البيعة رقم 118 لسنة 1911 بيقول: وأما بيعة حارة زويلة فيستعملون هذا القانون: Ⲅⲟⲗⲅⲟⲑⲁ …
وخلص المُعترضون للخلاصات التالية:
كلمات لحن غولغوثا عبارة عن تجميعة من أتى الصديقان يوسف ونيقوديموس، ودا الجزء الأقدم، وغولغوثا اللي نعرفه ظهر بالكتير في القرن الـ١٤ على أقدم تقدير. ومحدش يقدر يثبت بأي حال أن اللحن كان عايش قبل الكلمات اللي نعرفها.
مش صح، ولا مفيد، ولا من اﻷمانة (العلمية)، إننا نصرّ إن اللي احنا معاصرينه هو بذاته كان من قبلنا بقرون! بلاش الذاكرة قصيرة المدى ندّعي أنها طويلة المدى بالعافية.
مجد الكنيسة من مجد مسيحها اللي على رأسها. مش محتاجة ننسبها لأي حاجة عظيمة عشان ننسب لها مجد أرضي زائف.
لحن غولغوثا لحن جميل وكلام أجمل.. استمتع باللحن وبلاش فتي!
وهذا المقال مًخصص للرد على كل الاعتراضات من أجملها إلى أحطها عنجهية.
أولا: قصور المنهج وخطأ الاستدلال
الرأي اللي بيطرحه المعترضين بيعتمد على منهج “النقد النصي” (Textual Criticism)، وده منهج بيبص للوثيقة المكتوبة بس. لكن في حالة الألحان الموسيقية، المنهج ده لوحده مش كافي، وممكن يترد عليه بنقاط علمية وتاريخية قوية تدحض فكرة “عدم الأصالة”:
الفصل بين “النص” و”النغم” (The Melody is Older)
في التقليد الكنسي (خاصة في مصر والهند وإثيوبيا)، النغم غالبًا أقدم بكتير من النص. الكنيسة القبطية تحديدًا مشهورة بظاهرة “قوالب الألحان”؛ يعني اللحن بيكون موجود ومحفوظ، وبنركب عليه كلمات في عصور لاحقة.
والاستدلال هنا خاطئ تمامًا، يعني حتى لو كانت الكلمات الحالية “تجمعت” في صورتها النهائية في القرن الـ14، ده لا ينفي إطلاقًا ولا علاقة له بأن الـ Melodic Structure (الهيكل الموسيقي) موروث من قرون سابقة، وكان بيتقال عليه نصوص تانية لأديان أقدم، أو حتى “موالات” (Vocalises) بدون كلام.
طبيعة التسليم الشفاهي (Oral Tradition)
الكنيسة القبطية لم تعتمد التدوين الموسيقي إلا في العصر الحديث (مع كامل احترامنا لجهود المُعلم راغب مفتاح). وده معناه ضعف قدرة الكنيسة القبطية على ادعاء الملكية الفكرية أو رصدها وتوثيق حركتها، وليس “عدم وجودها”. وبطريقة أخرى: عدم وجود مخطوطة للكلمات لا يعني عدم وجود اللحن.
المخطوطات القبطية ضاع منها الكثير بسبب الحرائق والاضطهادات أو حتى المسيحيين الجهلة اللي كانوا بيحرقوا المخطوطات للتدفئة في ليالي الشتاء الباردة، أو الفلاحين اللي كانوا بيعتقدوا إن ورق المخطوطات يصلح سماد للأراضي الزراعية. المخطوطات دومًا هي توثيق الصفوة أو النُخبة المثقفة والتي تعاديها أو لا تُدرك أهميتها التجمعات الشعبوية الكثيفة، لذلك من السخف حقيقة اعتبارها “أداة حسم” صالحة لبناء تصوّر كامل عما كان في الماضي ((چون إدوارد: جدلية التاريخ والماضي بتاريخ 9 يناير 2024. جزء من سلسلة: التأريخ في ضوء ما بعد الحداثة. )).
في الـEthnomusicology (علم موسيقى الشعوب)، تنخفض قيمة التدوين النصي، وتُعكس المفاهيم ويُعد التسليم الشفاهي وسيلة حفظ دقيقة جدًا لبناء تصوراتنا عن الماضي، وأحيانًا تكون أدق من المخطوطات التي قد تخضع لتعديلات النسّاخ، أو لا تنجح في أن تنجو وتصل إلينا.
الحفريات الموسيقية المتحجرة (Musical Fossils)
لو كان اللحن ابن القرن الـ14 (عصر المماليك مثلًا)، لكان تأثر بالمقامات العربية المنتشرة وقتها (زي الراست والبياتي والسيكا). لكن لحن “غولغوثا” مبني على سلم خماسي (Pentatonic) أو نغمات بدائية جدًا لا تنتمي للمقامات “الربع تون” التي سادت في القرون الوسطى.
هذا “التحجر الموسيقي” دليل على أن اللحن “وافد” من زمن سحيق (فرعوني) واستمر كما هو، لأن الكنيسة القبطية محافظة وبطيئة جدًا في ألحانها الجنائزية.
لغة “كِمِت” المنطوقة ومخارج الحروف (مِدت ن كِمِت / 𓌃𓂖𓈖𓆎𓅓𓊖)
الكلمات في لحن غولغوثا (حتى لو كانت كُتبت في القرن الـ14) هي كلمات قبطية ويونانية كنسية بسيطة جدًا (أغلبها أسماء علم وأفعال وصفية).
طريقة تركيب الكلام على النغم (المدود الطويلة جدًا) توضح إن الكلام “خادم” للحن وليس العكس.
اللحن هو الذي يفرض نفسه، والكلمات مجرد وسيلة لحمل النغم.
(وإدراكي لهذه الحقيقة العلمية، جعلني أضع لحن غولغوتا دون ترجمة لمعاني الكلمات. تعليقات الناس المعاصرة، واللي بالتأكيد متعرفش يوناني وقبطي، بتدل إن التأثير كامن في الـ”طريقة”، لا النص)
شهادة علماء الموسيقى من غير المصريين، ورأيهم المهني
علماء زي إيلونا بورشاي ((إيلونا بورشاي (1924-1982): عالمة ومؤرخة موسيقى وباحثة رومانية-مجرية، اشتهرت بتوثيق ودراسة الألحان الكنسية القبطية والتقاليد الموسيقية المصرية. قدمت دراسات نوتية هامة تؤكد استمرارية الألحان الفرعونية في الترتيل الكنسي وأغاني الفلاحين، وركزت على ثبات الملامح الميلودية رغم تغير طرق الأداء. وثقت ألحانًا قبطية عديدة ودونتها بالنوتة الموسيقية. ترى بورشاي أن الموسيقى القبطية تحتفظ بصورتين: أغانٍ في الريف (امتداد للمصري القديم) وألحان كنسية مسيحية بأصول فرعونية. ولها دراسات مقارنة بين ترتيل الكنائس وأغاني الأمهات/الفلاحين التقليدية. وتعتبر من أهم الباحثين الأجانب الذين ساهموا في حماية هذا التراث. )) وماريان روبرتسون ((أليس ماريان روبرتسون ويلسون (20 أغسطس 1926 – 8 أبريل 2013): عازفة تشيلو ولغوية ومعلمة أمريكية، اشتهرت بدورها كمحررة موسيقية للموسوعة القبطية المكونة من ثمانية مجلدات. ))، درسوا الألحان القبطية وأكدوا إنها تحتوي على طبقات (Layers).
حتى لو النص “حديث” نسبيًا، فإن “الهيكل العظمي” للموسيقى يحمل بصمات العصر المصري القديم. فكرة أن اللحن “غير أصيل” لمجرد تأخر تدوين كلماته هي نظرة سطحية تغفل علم الموسيقى المقارن.
عجز المخطوط عن إثبات وجود النص قبل القرن الـ14 لا يمنحنا الحق في إنكار عراقة النغم؛ فالموسيقى القديمة القادمة من زمن سحيق، هي بحد ذاتها آثار صوتية (Aural Archaeology) تسبق تدوينها بقرون. لحن غولغوثا بهويته الموسيقية الخماسية يمثل ذاكرة جماعية لشعب حافظ على نغماته الجنائزية منذ العصر الفرعوني، وما الكلمات إلا ثوب ارتداه اللحن في مرحلة ما ليناسب الطقس الكنسي المُطوّر.
ثانيا: أمانة توظيف منهج علمي صارم
بغرض الوصول إلى مخرجات ميثودية ضد المنهج العلمي!
الأب أثناسيوس المقاري معروف بمنهجه العلمي الصارم في التوثيق. الملاحظات اللي استند إليها المعترضون صحيحة من الناحية “التوثيقية للمخطوطات”، لكن وظيفتها (الكنسيّة) لا علاقة لها بـ”أصالة اللحن” بقدر ما هي توثق “رحلة اعتماده كقانون عام” في الكنيسة.
فيما يلي بعض الأمثلة يُمكن من خلالها توضيح أن العلوم تتعاون وتتضافر، لا تتناطح. والفرق هو: كيف نقرأ العلوم:
مصطلح “قانون آخر” في القرن الـ14
المخطوط اللي بيقول “قانون آخر غولغوثا” هو في الحقيقة دليل ضد كلام المعترض وليس معه. وجود “قانون آخر” في القرن الـ14 معناه إن اللحن كان موجودًا ومستقرًا لدرجة تسمح بمنافسته للّحن الرئيسي (ϩⲓⲧⲉⲛ ⲡⲉⲕⲥⲧⲁⲩⲣⲟⲥ).
الألحان لا تظهر فجأة في المخطوطات وتُسمى “قوانين” إلا بعد فترة طويلة من الممارسة الشفاهية.
المخطوطات هي وسيلة “تسجيل” لما هو مستقر فعليًا، وليست لحظة “اختراع” للحن.
تعدد القوانين وظاهرة التنوع المحلي
في العصور الوسطى، كان لكل منطقة (حارة زويلة، حارة الروم، أديرة الصعيد) تريبتيكون أو نظام ألحان خاص بها.
مخطوط دلال المعلقة (ق16) ينسبه لـ”حارة زويلة”، ده اعتراف بأن اللحن “تراثي محلي” عريق. حارة زويلة كانت مقر البطريركية لفترة طويلة، ومن الطبيعي أن ألحان المقر البطريركي تكون هي الأكثر عراقة وحفظًا للتقاليد القديمة التي قد تختفي في الكنائس الإقليمية.
كون اللحن لم يُذكر في “دلال حارة الروم” لا يعني عدم وجوده، بل يعني اختلاف “التقليد المحلي” (Local Tradition) بين الحارات، وهو أمر معروف في الطقوس عند الدارسين الأكاديميين لها.
ابن كبّر ولحن ϩⲓⲧⲉⲛ ⲡⲉⲕⲥⲧⲁⲩⲣⲟⲥ
شمس الرئاسة ابن كبّر (القرن 14) كان بيوثق “السائد” في زمانه وفي منطقته. ولحن ϩⲓⲧⲉⲛ ⲡⲉⲕⲥⲧⲁⲩⲣⲟⲥ [هيتين بيك ستافروس] هو لحن أدريبي أيضًا (سنشرح اللحن الأدريبي لاحقًا)، ومشابه جدًا في بنيته الموسيقية لـ”غولغوثا”.
ده بيأكد إن “العائلة النغمية” [النغم الأدريبي الجنائزي] كانت هي السائدة للدفن.
“غولغوثا” في الغالب كان هو “النص البديل” أو “التطوير الموسيقي” لنفس الروح النغمية القديمة.
الفجوة بين “التدوين” و”الوجود”
هنا نقطة جوهرية في الرد: الكنيسة القبطية مرت بـ “عصور مظلمة” في التدوين بين القرنين الـ11 والـ13 (بعد عصر النهضة القبطية الأول). وظهور اللحن في المخطوطات ابتداءً من القرن الـ14 هو نتيجة لحركة “إعادة تدوين التراث” اللي بدأت في العصر ده لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من التراث الشفاهي.
عالميًا، يُجمع علماء الموسيقى مع علماء اللسانيات على أن الألحان “الطويلة جدًا” (الميغالي) مثل غولغوثا، يستحيل أن تكون قد أُلفت في عصور الانحطاط اللغوي (مثل القرن 14 وما بعده)، لأنها تحتاج لتمكن لغوي وموسيقي جبار لا يتوفر إلا في عصور الإزدهار (القرون الأولى).
الرد الفني (الموسيقى لا تكذب)
لو كان اللحن من منتوجات القرن الـ14:
ليه كلمات اللحن بسيطة وقصيرة جدًا مقارنة بطول النغم؟ (دليل على إن النغم أقدم من الكلمات و”متفصّل” عليها).
ليه اللحن خالي تمامًا من “القفلات” الموسيقية العربية؟ (التي دخلت مصر بقوة في هذا العصر).
ليه اللحن بيتبع تقسيمات “الأرباع” بدقة شديدة تتناسب مع حركة البخور في الطقوس الفرعونية القديمة؟ (حركة “الشورية” هي “بندول” زمني سحيق لضبط “مازورة” النغم المُردد في الطقوس).
يخلط المعترض بين "تاريخ تدوين النص" وبين "عمر اللحن". المخطوطات اللي ذكرها المقاريون تثبت أن اللحن كان "ينافس" على الصدارة في القرن الـ14، وهذا في لغة التاريخ يعني أنه كان "قديم ومستقر" بما يكفي لفرض نفسه على "الترتيب البطريركي" في حارة زويلة.
هل تعتقد أن لحنًا بهذه التعقيد والميلزما الجنائزية الفرعونية يمكن أن يُخلق من العدم في عصر كان فيه الأقباط يصارعون للحفاظ على مجرد البقاء؟
خذها مني كلمة بمقام القاعدة التاريخية: اللحن دائمًا يسبق المخطوط.
ثالثا: الدلائل أن غولغوثا مصري قديم
موضوع الأصول المصرية القديمة للألحان القبطية، وخاصة لحن “غولغوثا”، هو مجال دراسة شيق جداً لعلماء الموسيقى (Musicologists). ورغم أن الألحان كانت بتتنقل شفاهيًا (تسليم)، إلا أن هناك دلائل قوية بيستند إليها الباحثين زي الدكتور راغب مفتاح ((راغب مفتاح (1898–2001): رائد الحفاظ على الموسيقى والألحان القبطية في العصر الحديث، ويُلقب بـأمين التراث القبطي. كرس حياته لجمع وتدوين الألحان القبطية خوفًا عليها من الاندثار، مستعينًا بكبار المرتلين مثل المعلم ميخائيل البتانوني. ساهم في تأسيس المعهد العالي للدراسات القبطية، وترأس فيه قسم الموسيقى والألحان حتى وفاته. نجح في التوثيق العالمي وتدوين الموسيقى القبطية بالنوتة الموسيقية بالتعاون مع خبراء عالميين، وتُحفظ تسجيلاته ومجلداته الآن في مكتبة الكونجرس الأمريكية. توفي الدكتور راغب مفتاح عام 2001 عن عمر ناهز 103 أعوام، تاركًا إرثًا موسيقيًا وثقافيًا عظيمًا يُعد مرجعًا أساسيًا للكنيسة القبطية والباحثين في علم الموسيقى. )) ودكتورة نيللي ڤان دورن ((نيللي ڤان دورن-هاردر (Nelly van Doorn-Harder): أكاديمية هولندية بارزة، تعمل في دراسات الإسلام والشرق الأوسط في جامعة ويك فورست بالولايات المتحدة الأمريكية. تشتهر بأبحاثها حول النساء في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، ودراسات الإسلام، وحوار الأديان، ولها خبرة واسعة في العمل التنموي بمصر. عملت في جامعات بهولندا وإندونيسيا والولايات المتحدة. أقامت في مصر وعملت كمديرة لبرنامج للاجئين. تركز على قضايا المرأة والدين، والثقافات الخاصة للأقليات في الدول الإسلامية. ))، لإثبات الجذور الفرعونية للحن ده.
هانستعرض هنا أهم 5 أدوات استدلال يمكن تطبيقهم على أي لحن، وهانطبقهم فعلا على لحن غولغوتا:
1. السلم الموسيقي (الجنس الموسيقي)
لحن غولغوثا بيعتمد على سلم موسيقي بيسموه “السلم الخماسي”، وهو سلم كان مشهور جدًا في الموسيقى المصرية القديمة (وموجود لحد النهاردة في الموسيقى النوبية). طبيعة النغمات دي بتعني مؤشرات على القدم الشديد والوقار اللي كان بيصاحب طقوس الموت عند الفراعنة.
2. “نغمة الحزن” الطقسية (النغم الأدريبي)
اللحن بيتقال بنغمة اسمها “الأدريبي”. والباحثين بيربطوا الكلمة دي بمدينة “أدريب” [أتريبس في سوهاج]، وهي منطقة كانت مشهورة في مصر القديمة بالندب والتعديد الجنائزي، وتدريب المنشدين على نوع معين وطريقة محددة من ألحان الحزن.
الطابع الجنائزي في “غولغوثا” بيتشابه بشكل مذهل مع “نواح إيزيس ونفتيس” في البرديات القديمة، حيث كان الأداء بيعتمد على سحب الآهات الطويلة (Melisma). ودي هانشرحها في نقطة منفصلة.
3. التطريب (الميليسما) والتدوين الصوتي
اللحن بيتميز بـ”الميليسما”، وهي إنك تغني حرف واحد على جملة موسيقية طويلة جدًا. الطريقة دي في الأداء كانت وسيلة المصريين القدماء لنقل مشاعر لا يمكن وصفها بالكلمات. في “غولغوثا”، بنلاقي الجمل الموسيقية “متحجرة” في حفرية صوتية صارمة ومُنظمة بشكل يشير إنها جاية من طقس ملكي صارم، مش مجرد ارتجال شعبي.
4. الطقس المصاحب (الدفن الرمزي)
فكرة “الدفن الرمزي” وتطييب الأيقونة اللي بتتعمل وقت اللحن، بتشبه لحد كبير طقوس “دفن أوزيريس” في العصور المتأخرة، حيث كان يتم لف التمثال بكتان وتطييبه في موكب جنائزي وقور. الكنيسة القبطية، بذكاء شديد، “عمدت” (Christianized) الثقافة دي واستخدمت نفس الوقار الموسيقي للتعبير عن حدث دفن السيد المسيح.
5. الآلات الإيقاعية (الناقوس والمثلث)
استخدام “الناقوس” و”المثلث” في الكنيسة (بشكل خفيف وبطئ جدًا في غولغوثا) هو امتداد لآلة “السستروم” (الصلصل) اللي كانت بتستخدمها كاهنات المعابد المصرية القديمة لضبط إيقاع المواكب الجنائزية.
نقطة أخيرة من باب الأمانة العلمية: مفيش “نوتة موسيقية” فرعونية مكتوبة لـ غولغوثا نقدر نقارنها. لكن الاعتماد كله على:
المقارنة الوصفية: بين اللي اتكتب في برديات عن الموسيقى الجنائزية وبين اللحن الحالي.
التواتر: إن الشعب القبطي كان هو “الحافظة” للغة المصرية القديمة، فمن المنطقي إن الكنيسة حفظت مع اللغة “النغم” اللي بيعبر عن الروح المصرية، خاصة في لحظات الموت والوداع.
ده اللي بيخلي لحن غولغوثا مش مجرد “ترنيمة”، لكنه قطعة من الآثار المصرية الحية اللي بنسمعها النهاردة.
---
## الفصح وسر التناول
URL: https://tabcm.net/54529/
Type: post
Modified: 2026-04-15
لقد أدخل الله عنصر «الحرية والاختيار» في خلاص بني إسرائيل حتى يدخلوا في شركة الله بإيمانهم ورضاهم.
في تقديم الفصح وضع الله عنصر الإيمان كالأساس. يخبرنا بولس الرسول إن موسى صنع الفصح بالإيمان، ورش الدم لئلا يمسهم الذي أهلك الأبكار ((رسالة بولس إلى العبرانيين 28:11 )).
امتد هذا الإيمان من موسى إلى كل رئيس عائلة، وكان يلزم هؤلاء روح مؤمنة مطيعة لتنفيذ ما طلب منهم. لأنه كان يطلب منهم أمرًا غريبًا يكاد يكون غير معقول، وعكس ما يتوقعه الإنسان، ولكن كان عليهم أن يعملوه في طاعة الإيمان، وليس برضى العقل ((رسالة بولس إلى رومية 26:16 )).
لقد طلب منهم الله أن يذبحوا حملًا ويحتموا في دمه، أليست هذه حماقة؟ لو طلب منهم أن يستعدوا بالحراب والسيوف لكان الأمر معقولًا! ولكن الله لا يخلص بذراع بشر. لقد سر أن يخلص إسرائيل «بحماقة» دم حمل مرشوش على الباب.
هذه صورة رائعة لجهالة الصليب، فالدم الذي سفك على الصليب كيف يخلص العالم كله؟ كيف يفدي؟ كيف يقدس؟ كيف يغسل ويبرر؟ كيف يسحق قوات الظلام؟ كيف يقيد الشيطان؟ كيف يهتك ظلمة الخطية؟ كيف ينير المسكونة كلها؟ هذه هي قوة الله المخفية في سر الإيمان، فالصليب في الظاهر والمعقول البشري: جهالة وحماقة، ومن داخل هو السر الإلهي، حكمة الله، وقوة لا تغلب ولا تجارى!
الفصح وسر الشكر
(أي سر التناول من جسد الرب ودمه)
كان يوم الفصح يقام مرة واحدة في السنة، كأنه ذكرى حسب الظاهر، ولكن الله لا تهمه الذكرى، وإنما كان انتظارًا لما نوى الله أن يعمله في نفسه حينما يأتي الوقت ويتم زمان الافتقاد… فلما ذُبح المسيح على الصليب، صار فصحنا حقيقة. والحقيقة الإلهية إذا تمت فهي تظل قائمة كما هي بكل قوتها إلى أبد الآبدين.
كان من ضمن طقوس العشاء اليهودي الذي يُقام في المناسبات الدينية الذي أضيف طقسه إلى طقس ليلة الفصح فيما بعد أن يفتتح رب الأسرة العشاء الطقسي بأن يبارك على الخبز ويقسمه ويعطي كل واحد من أفراد الأسرة لقمة، وكانت تسمى لقمة البركة. ويأخذ كأسًا ممزوجًا فيه خمر وماء ويبارك ويعطيه لكل فرد ليشرب وكان يسمى «كأس البركة»، وكان ذلك يتم خلال أدعية وصلوات متعددة بعضها محفوظ وبعضها حسب الحاجة.
لقد أجرى المسيح طقس العشاء قبل أكل الفصح، ولكنه بعد أن أعطى الخبز والخمر المبارك عليهما كشف المسيح عن التحويل الجوهري الذي أحدثه في الخبز والخمر بقوة إلهية وبسر غير منظور! إذ جعل الخبز يحمل كل سر جسده الإلهي وجعل الخمر يحمل كل سر دمه المزمع أن يسفكه على الصليب عن حياة العالم… لقد صنع المسيح بهذا معجزته الفصحية! وفك رموز الخروف!
هنا وفي هذه اللحظة مزج المسيح بين طقس العشاء الذي يبتدىء بالخبز والخمر، وطقس الفصح الذي يؤكل فيه الخروف الفصحي.
هنا بالذات وضع المسيح نفسه بديلًا لخروف الفصح، فألغاه.
وإذ يتعذر أن يؤكل لحم المسيح أو يشرب دمه، استودع جسده ودمه ليؤكلا سرًا في الخبز والخمر! وبذلك يصبح أكل الخبز وشرب الخمر باسم المسيح والدعاء والبركة هو هو أكل المسيح كخروف الفصح السري!!
كأس البركة التي نباركها أليست هي شركة دم المسيح؟ الخبز الذي نكسره أليس هو شركة جسد المسيح؟
(رسالة بولس اﻷولى إلى كورنثوس 10: 16)
لهذا قال لتلاميذه إن كل مرة تأكلون من هذا الخبز وتشربون من هذه الكأس، تبشرون بموتي وتعترفون بقيامتي، أي أن في أكل الخبز وشرب الخمر سر موت الرب وقيامته!! نقبله كقوة ثم ننطقه كشهادة إيمان!!
بأكل الخبز السري وشرب الخمر السري!
هنا يتضح أن حقيقة موت الرب وقيامته لها علاقة جوهرية. هذه العلاقة الجوهرية لها تأثير مباشر على حياتنا وخلاصنا، لا كأفراد فقط، بل كشعب وكنيسة، لأن قيمة الخروف الفصحي المذبوح في مصر لإعفاء الشعب من الموت، لم تقف عند حد طاعة الأمر بالذبح فقط، ولم تقف عند مجرد الإيمان بقوة الله على خلاص الشعب فقط، بل تعدى ذلك إلى ضرورة الأكل، فالأكل هنا جزء جوهري في عملية الخلاص يفوق الإيمان العقلي والقلبي، هو شيء غير الإيمان وأعلى منه، فالله لم يكن يهمه في ذلك الزمان أن يأكل الشعب من الخروف بشروط خاصة ومهابة واحترام وهم وقوف! فكان يكفي مثلًا علامة الدم على الأبواب لتكون هي شهادة الطاعة والإيمان وحسب، ولكن الأكل كان ضرورة حتمية في ترتيب الله لأنه كان يحمل صورة مبهمة وبالرمز سر أكل الجسد وشرب الدم الإلهيين اللذين هما في عرف الله ضرورة حتمية للخلاص وقبول الحياة الإلهية في كياننا البشري!!
إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه فليس لكم حياة فيكم
(إنجيل يوحنا 6: 53)
أما قول الرب لتلاميذه: اصنعوا هذا لذكري، فهو تحديد وقَصْر لمدلول العشاء اليهودي الذي كان يقام لمناسبات متعددة وذكريات مختلفة ومنها فصح مصر وبقية الأعياد، فبهذه الكلمة الواحدة: اصنعوا هذا لذكري، ألغى المسيح ذكرى كل مناسبات العشاء اليهودي بما فيه عشاء الفصح وبقية الأعياد حتى لا تَعُد تقام إلا لذكر موت الرب وقيامته إلى أن يجيء!!
---
## حكاية فستان زينات صدقي
URL: https://tabcm.net/54744/
Type: post
Modified: 2026-04-15
صورة مكتملة الأركان للسيدة زينات صدقي تتجلى على مسرح الهناجر بدار الأوبرا المصرية، مقسمة إلى نوافذ متعددة: النافذة الأولى، حياتها وهي تعيش وسط أسرتها، لحظات صغيرة لكنها تكشف عمق شخصيتها. النافذة الثانية، خزانة ملابسها في عز مجدها، حيث يتحوّل الفستان إلى رمز للكرامة المؤجلة، والفرصة التي لم تأتِ إلا بعد أن ذكّرها الرئيس أنور السادات، بينما اهتمت الصحافة حينها بالفستان أكثر من روحها الفنية.
النافذة الثالثة، علاقاتها الطيبة مع كل أحبابها.. صديقتها خيرية، الترزي الخاص بها، و”ورد” ابنة خيرية التي يحبها “طارق”، ابن شقيق زينات، الشقيق الذي قرر الابتعاد عنها لأسباب تخص قيم الأسرة المصرية حينها. كما وصفها بطل العمل الذي قام بدور الشقيق على المسرح: جبتلنا العار يا زينات ورحتي تشتغلي مشخصاتي.
مسرحية “الأرتيست”، الصورة المكتملة، عرضت على مسرح الهناجر باكتمال 100 ليلة عرض،
قدرة أبطالها على إبهار الجمهور كانت استثنائية، حتى أن بعضهم كرر مشاهدتها أكثر من مرة، ووصلت إلى ثلاث مرات، بنفس الشغف وبعين محبة لكل تفاصيل العرض.
أسرار بين نص الحوار عن زينات صدقي وأبطال “الأرتيست” تكشف نفسها مع كل مرة مشاهدة، وفي المرة الثالثة، تبدأ عين المشاهد في طرق أبواب كل نافذة من نوافذ حياة زينات، تبحث عن خبايا وأسرار ساكنة، ثابتة بين نص الحوار وجدران الديكور المسرحي، متروكة لمن يلاحظ ويكتشف، مؤكدة تلك الحبكة التي تركها المخرج محمد زكي ليصل الجمهور إلى عمق المسرحية.
السر الأول الساكن:
همّ البحث عن فرصة
في اللحظة الأولى وأضواء المسرح تُسلّط على بطلة العمل الفنانة هايدي عبد الخالق، تشعر أن روح زينات صدقي لم تغادرنا أبدً. هايدي، التي عرفها الجمهور في شاشات الدراما، صعدت هذه المرة المسرح لتعيش روح زينات، لا لتروي قصة تُحكى، بل لتدع الجمهور يختبرها كحياة تُعاش، تفاصيلها الدقيقة، وهمومها، وفرحة نجاحها وفشلها معًا.
لم تكتف هايدي بتقليد زينات، بل جسدت حلمها وأمنياتها، لحظة حلمها بالخروج من قوقعة الموهوبين إلى عالم الشهرة. في مشهد حديث زينات مع صديقتها خيرية، قالت هايدي بصوت خافت، مليء بالخوف والارتباك: خايفة نكون موهّمين إننا بنمثل جملة قصيرة، لكنها تكشف كل احساس البطلة الواعدة، كل لحظة ارتباك وقلق عاشتها، وكل حلم يتوق لأن يراه أحد.
تصميم الشعر وملامح الوجه لم يكن مجرد تقليد، بل محاولة حقيقية لنقل روح زينات، وحركة جسدها وطريقة مشيها طوال العرض جعلت الجمهور يشعر أن هايدي وزينات أصبحا شخصًا واحدًا، حتى نبرة الصوت، خصوصًا عند استدعاء عبارتها الشهيرة: ميدو… مادا ميدو، أعادت الذكريات مباشرة إلى لحظة مع إسماعيل ياسين، وكأن الزمن قد تلاشى.
وفي مشهد آخر، تقول هايدي: مفيش فرصة تغير حياتنا المهببة دي، لتجسد المعاناة اليومية لكل فنانة تبحث عن فرصتها، كل شخص يقف على الخشبة منتظر تقدير حقيقي.
أنا ذاكرت إحساس زينات.. حسيت بيها.. مش بس كنت بحفظ الحوار، شوفت أفلامها فيلم فيلم، كنت بحاول أكون هي مش بس نسخة منها… مستنية حاجة فيها روح زي زينات.
(هايدي عبد الخالق)
السر الثاني الساكن:
أبطال بإمكانات إنتاج محدودة
١٠٠ يوم عرض، بسعر التذكرة ٣٠ جنيهًا فقط لمشاهدة وجبة دسمة!
رقم ضئيل للغاية، جعلنا نسأل عن راتب أبطال العمل وكيف تسير حياتهم قبل الوقوف على مسرح الدولة بدار الأوبرا المصرية، لتكون الإجابات في نصّ الحوار دون قصد.. وربما بقصد، أول مشهد جمع “طارق”، ابن شقيقة زينات، و”وردة”، ابنة خيرية، حين قال: هتشهر في يوم ياورد واشتري الأوتومبيل.
خلف الكواليس قالها لنا بضحكة ساخرة الفنان؛ محمود الغندور، لاعب شخصية طارق:
فلوس إيه؟!.. إحنا بنلم من بعضينا عشان نعمل عرض والدنيا تمشي، كل اللي واقفين على خشبة المسرح عايزين يمثلوا وبيحبوا الفن.. ومحدش مستني مقابل مادي دلوقتي.. كله نفسه يتشاف وتيجي فرصة.
(محمود الغندور)
السر الثالث:
سبع صنايع والشغف فنان
في مشهد مزج الكوميديا والدراما معًا، ظهر ترزي الست زينات في محاولة منه لاخذه مقاساتها، لصنع فستان واحد من أفلامها. تقف زينات أمام خزانتها، تفتحها ببطء: هو أنا كنت بطلب كتير؟.
لحظة يتحوّل فيها الفستان إلى باب ذكريات حلم صعب الحصول، معاناة فتاة من أسرة متوسطة تمنت الدخول عالم الفن، وبعدما أعطاها القدر ما حلمت.. ضاع المجهود الذي تتذكره وهي في لحظة البحث عن فستان قيم لمقابلة “سيادة الريس”، فتوجه سؤال إلى الترزي الخاص بها: أنت تقدر تبعد عن التفصيل.
براعة أحمد جوهر في الدور جعلته يبدو كترزي أوروبي أصيل، من ملامح وجهه إلى طريقة وقوفه وتحركه يجيب عليها حزينا: لا.. ياست زينات.. مقدرش.. أنا أحب شغلي.
مشهد دقائق، لكن من خلاله صنع “جوهر” عدة أدوار: اسماعيل ياسين وهو في المطبخ مع زينات في فيلم “ابن حميدو” والترزي الأوروبي الكوميدي الذي يتحدث “عربي مكسر” والمهاجر الذي ترك عالمه ليصنع فساتين ليلى مراد وهند رستم في بداية مشوارهما الفني.
وعندما تحدثنا معه، اكتشفنا أن له دور مختلف في المسرحية، وهو تصميم بوستر العمل الشهير، حيث إنه يعمل مصمم جرافيك، مخرج، وممثل أيضًا، ودرس التجارة والفنون المسرحية.
علاقتي بتصميم البوسترات جت من دراسة المسرح.. لأننا بندرس كل العناصر والتفاصيل، والبوستر جزء أساسي من عناصر العمل، وجزء من دعاية العرض، وبعتمد في أسلوبي على علامات الاستفهام.. إني أقول كل حاجة عن العرض في تصميم صورته هتكمل في عقلك لو جيت شوفته.. المسرح علمنا نشتغل كل حاجة ولازم يكون في شغل أساسي يصرف عليه، تصميم البوسترات لا يقل أهمية عن الديكور والمكياج والإضاءه.. دا جزء التسويق للعرض اللي بسببه الناس هتيجي، وفكرة إني جزء من العرض خلتني متحمس أكثر إني أعمل حاجة تشبه أبطال زمان بأبطال العرض.
(أحمد جوهر)
السر الأخير في “النهاية”
في حضرة صوت الست أم كلثوم وهي بتقول فكروني، وقف الزمن بهدوء وهو يمنح زينات صدقي لحظة انتصار جاءت بعد أكثر من ٣٠ سنة عذاب، نهاية اختارها المخرج محمد زكي لتكون لحظة سلام لا وداع.
كنت بدور عن نهاية فيها تصالح مع الماضي.. لحظة يعود فيها الإنسان إلى نفسه قبل أي شيء.
(محمد زكي)
النهاية كانت، ظهور زينات صدقي وهي تعود نحو شقيقها بعد قطيعة طويلة، لا بانفعال صاخب، بل بلحظة صامتة كثيفة المعنى؛ نظرات تتلاقى، وأنفاس تهدأ، وكأن السنوات الثقيلة تذوب في مصافحة مؤجلة، يقول زكي: دا اللي حصل في حياتها، وكان لازم الفن ينتصر.
مشهد النهاية يتسع تدريجيًا ليحتضن لحظة التكريم من الرئيس أنور السادات، حيث يتحول المسرح إلى فضاء اعتراف طال انتظاره؛ تصفيق يشبه رد اعتبار، ووقفة ثابتة استردّت فيها زينات صدقي كرامتها: المشهد جه كـ عدالة دراميًا منحتها الشهرة من جديد.
اختار محمد زكي صوت زينات صدقي ليختم به عرض “أرتيست” في لحظة التكريم الرسمي لها أمام الرئيس. في ثانية، توقف الزمن على الخشبة، وتراكم الصمت كما لو أنه كان ينتظر هذا الصوت ليكشف كل ما لم يُقال في سنوات الصراع والفن لأشهر حكاية في الستينات، حكاية زينات صدقي والفستان، ودعائها الشهير: اللهم انصر الفنانين على أهاليهم اللي مبيعترفوش بالفن.
---
## الإثنين ٧ فبراير
URL: https://tabcm.net/54705/
Type: post
Modified: 2026-04-13
يوم جديد يُضاف إلى إرث الصمود، ويوم جديد يُخصم من عمر النظام. في صباح اليوم، ترأس حسني مبارك اجتماع الوزارة الجديدة مع رئيس الوزراء أحمد شفيق بحضور عمر سليمان، وكأن كل شيء يسير بصورة طبيعية، ولا توجد ثورة في مصر.
كانت إشاعة قد سرت في هذا التوقيت تقول إن الجيش ربما ينقلب على مبارك ويسرع بعزله من منصبه، إلا أن ظهور المشير طنطاوي ضاحكًا باسمًا على طاولة مبارك قضى على الإشاعة، وأعاد للأذهان التفكير في ولاء الجيش.
بعد ذلك عقد مبارك اجتماعًا مع فتحي سرور، أشهر ترزي قوانين عرفته مصر، لمناقشة تعديل المادتين 76 و77 من الدستور المصري الضامنتين للانفراد بالحكم وسلامة مشروع التوريث. كان الأمر أشبه برشوة دستورية، تصور مبارك بعدها أن ينفض الميدان لحدوث نوع من الترضية السياسية.
في الوقت الذي كان فيه عمر سليمان يستكمل لقاءات الحوار الوطني، ويفاوض بعض شباب الثورة الذين أكدوا للجميع أنهم لا يمثلون إلا أنفسهم، كان تصويرهم على مائدة المفاوضات مع سليمان يجعل الأمر يبدو وكأنه قد بدأ يحتوي الثورة وشبابها، وكأنها خطيئة لا تُغتفر لهؤلاء الجالسين.
الجدل حول مشروعية الجلوس مع سليمان استمر على طاولة المفاوضات؛ فمن ناحية، كان البعض يرى أن الجلوس مع سليمان هو الوسيلة الوحيدة لتحقيق الإصلاحات المطلوبة، ومن ناحية أخرى، كان البعض يرى أن المفاوضات مع سليمان تعني ضمنًا التفاوض حول المطلب الأسمى للميدان، وهو رحيل مبارك، وهو ما لا يمكن التفاوض عليه.
الواقع أنه كانت ثمة فجوة كبرى بين مطالب الميدان وبين سرعة الاستجابة لها؛ فبعد أن كان النظام يرفض تلك المطالب في البداية، يعود ويستجيب لها بعدما تكون قد فقدت قيمتها، وأصبحت هناك مطالب جديدة أعلى ينادي بها الميدان، وبدا مبارك ونظامه منفصلين تمامًا عما يحدث.
فخرج أحمد شفيق، رئيس الوزراء الجديد، من اجتماعه الأول مع وزارته بقرارات وزارية خاصة تحاول مد يد العون للفقراء المصريين بعلاوة استثنائية وقرارات لتخفيف الضرائب وغيرها، مستهدفةً الشريحة الكبرى من الشعب. المثير لعدم التصديق كان مشهد شفيق وهو يقف خلف المنصة في رئاسة الوزراء، محاولًا إقناع المستمعين بأن تلك التسهيلات الاقتصادية لم تأتِ نتيجة أي ضغوط سياسية من أي نوع، ولم تأتِ نتيجة ما يحدث في الشارع وفي الميدان، لكنها أتت فقط لأن الحكومة بقلبها المرهف تشعر بما يعانيه الناس من صعوبات اقتصادية، فمدت لهم يد العون في الوقت المناسب.
البحث عن وائل غنيم
حتى أيام قليلة مضت، لم يكن معروفًا على الإطلاق من هو مؤسس صفحة “خالد سعيد” التي حشدت ونظمت العديد من المظاهرات التي كان لها دور غير عادي في الثورة. ومع الحملة الواسعة لمعرفة مكانه، التي شاركت فيها شركة جوجل نفسها التي كان وائل يعمل بها، بالإضافة إلى جهود إعلامية وحقوقية واسعة النطاق، ففي الرابعة عصرًا، أعلنت الفضائيات أن وائل غنيم معتقل لدى الأمن، وأنه سيتم الإفراج عنه قبل أن ينقضي عصر هذا اليوم.
وفي الساعة السابعة مساءً، وبعد اعتقال دام اثني عشر يومًا، اقتاد الحراس وائل إلى سيارة ميكروباص صغيرة وهو معصوب العينين، وفيما هو يستعد لترك مكان اعتقاله المجهول، أخبره الضابط الذي تولى التحقيق معه أنه قد تلقى أمرًا بأن يصحبه إلى مكتب وزير الداخلية الذي حرص على مقابلة وائل قبل أن يعود إلى منزله.
وصل وائل إلى مبنى أمن الدولة في مدينة نصر، وتوجه مباشرة إلى مكتب وزير الداخلية الجديد محمود وجدي، الذي استقبله بحفاوة حرص أن تبدو حارة، وعرّفه على “عمو” حسام بدراوي الذي لم يكن وائل قد التقى به من قبل، لكنه لم يعرّفه على الشخص الآخر الجالس معهم الذي ظل صامتًا طوال فترة الحديث، لكن وائل كان قد عرفه فيما بعد؛ كان اللواء حسن عبد الرحمن مدير جهاز أمن الدولة.
سأله الوزير: أنت زعلان ليه؟، كان سؤالًا مستفزًا إلى أبعد حد؛ فبعد اعتقال لا آدمي استمر لمدة اثني عشر يومًا، كان وزير الداخلية يفترض في وائل ألا يبدو “زعلانًا”. لكن وائل لم يتحدث عن اعتقاله، وإنما أشار للوزير، بهدوء يشوبه الغضب، إلى صورة مبارك التي وُضعت في برواز فاخر فوق كرسي وزير الداخلية، وقال له: اللي مزعلني الصورة دي اللي فوق مكتب حضرتك.
أجاب الوزير: واضح أن الريس مزعلك، فأجابه وائل: أنا ما أعرفوش شخصيًا عشان أزعل منه، أنتم عملتوه إله. قال الوزير بنفس طبقة الصوت الهادئة: خد بالك يا وائل، ده راجل عنده فوق الـ 80 سنة، وفي مقام جدك، وعيب تتكلم عليه بالشكل ده؛ مهما كان ده رئيس الجمهورية وكبير بلدنا. وتحدث د. حسام بدراوي قائلًا: اللي أنتوا عملتوه يا وائل ده إنجاز، والرئيس كلفني أني أكون أمين الحزب الجديد، وإن شاء الله الحزب هيتغير بالكامل الفترة الجاية.
كان الحوار لا معنى له سوى امتصاص غضب وائل القادر على إشعال الشارع الملتهب بكلماته، لم يُجدِ الحوار مع وائل نفعًا فانتهى اللقاء، وبعد قليل وصل وائل إلى منزله في سيارة د. حسام بدراوي، بينما كان الصحفيون والمصورون بانتظاره بأعداد كبيرة، وبعد أن التقى وائل بأهله، فكر في استثمار الإعلام لينقل مشاعره الحقيقية للمصريين، فلم يجد أقرب من منى الشاذلي التي كان يعرفها من قبل، وأخبرها أنه يرغب في الظهور في برنامجها الذي سيبدأ بعد ساعات قليلة، وفي العاشرة مساءً كان وائل يحل ضيفًا مع منى الشاذلي.
بدأت الإعلامية منى الشاذلي بالتعريف بوائل غنيم، وكيف تعرفت عليه في السابق، وعن محاولتها وجهودها في العثور عليه طوال فترة اختفائه. أما وائل نفسه فقد بدأ شاحب الوجه عابسًا وحزينًا، مبعثر الشعر بدون نظارته الطبية التي قد كُسرت أثناء الاعتقال، وغير متمالك لأعصابه.
بدأ وائل حديثه بالاعتذار لأهالي الشهداء والضحايا، وقد بدا متأثرًا جدًا، ونفى عن نفسه البطولة، مؤكدًا أنه كان مجرد مناضل “كيبوردي” وأنه كان بعيدًا عن الثورة وعن الميدان لكونه معتقلًا طوال اثني عشر يومًا. وتحدث وائل بصوت أشبه بالبكاء، ونفى عن نفسه تهمة الخيانة التي كان البعض قد أطلقوها عليه، وأكد أنه وكل الشباب الذين دعوا للثورة إنما فعلوا ذلك من أجل مصر فقط؛ فهم ليسوا في أي حاجة مادية، لكنهم فعلوا ذلك من أجل الحرية، ومن أجل كرامة الإنسان المصري، وليس لهم أي أطماع شخصية.
ثم بدأت الشاشة تعرض صور الشباب الذين سقطوا شهداء في الميدان، فبدأ وائل غنيم في البكاء بحرقة شديدة، منكسًا رأسه للأسفل وغير قادر على الحديث نهائيًا، بينما توالت الشاشة في عرض صور شهداء الثورة. كان المشهد مؤثرًا ومبكيًا، زاده سخونةً والتهابًا علو صوت وائل غنيم بالبكاء الشديد، ونطق بصعوبة بضع كلمات مصحوبة بنحيب قائلًا: أنا عايز أقول لكل أم وكل أب فقد ابنه… أنا آسف بس ده مش غلطتنا… والله العظيم مش غلطتنا… دي غلطة كل واحد كان ماسك في السلطة ومتبت فيها… أنا عايز أمشي.
ثم قام ونزع ميكروفونه وغادر المكان، وقامت “منى الشاذلي” تحاول نزع ميكروفونها للحاق به. خرج وائل من الكادر ليجد صديقه المخرج عمرو سلامة مستغرقًا في دموعه أيضًا وينتحب، فاحتضنا بعضهما وجلسا يبكيان في مشهد لا يُنسى، والجميع حولهما يحاولون حبس دموعهم، حتى منى الشاذلي قالت بنبرة حزينة وغاضبة: مش أنتوا اللي تعيطوا.. هما اللي المفروض يعيطوا.. حرام اللي عملوه في شباب مصر ده.. كفاية أرجوكم. ثم انتابت وائل حالة هستيرية جعلته يضرب الأرض وكل ما حوله بقدمه وهو يصيح: كلاب.. كلاب.. كلاب.
بمجرد عودة وائل لمنزله، اتصل به وزير الداخلية من رقم خاص (Private Number) ليخبره أنه شاهد الحلقة كاملة، وأنه هو وأسرته قد تأثروا به، وأنهم مؤمنون بقضيته. كان واضحًا أن الوزير كان يراهن على جلسة غسيل الدماغ التي حاول أن يجريها لوائل.
كان لقاء وائل صدمة لكل من شاهده، وجعل اللقاء كل متعاطف مع مبارك يعيد التفكير مرة أخرى، ويتعاطف بشدة مع متظاهري التحرير والميدان. أزال حديث وائل من عقول الجميع ادعاء النظام أن تلك المظاهرات تمولها جهات أجنبية كما روجت الإشاعات، ليعود الميدان ممتلئًا مرة أخرى في اليوم التالي للقاء وائل غنيم.
ومع تنازلات النظام المتتالية، بدأ الإعلام الرسمي المصري في تلطيف لغة التخوين التي انتهجها طوال الأيام الماضية، وكفت الآلة الإعلامية عن شيطنة الميدان، وبدأ التلفزيون المصري يبث صورًا أراد أن يقنع بها الشعب أن النظام نفسه الذي قام المصريون ضده هو نظام ثوري، وبدأ يتعامل مع شباب الثورة على أنهم أنقياء ولهم أهداف مشروعة، وبدأ يستضيف بعضًا منهم لانتقاد النظام نفسه على الهواء مباشرة، لتأكيد انحياز الآلة الإعلامية الرسمية ناحية الثورة.
---
## حاكمهم أنت يا رب وقاضهم
URL: https://tabcm.net/51719/
Type: post
Modified: 2026-04-12
عبر جولة: «حاكِمهم أنتَ يا ربّ وقاضِهِم»
يا إلهَ النَّقِماتِ أشرِق (مزمور ٩٤: ١ )
ويلٌ للرُّعاة (حزقيال ٣٤ )
من أسفلِ القَدَمِ إلى الرأسِ ليس فيه صِحّة (إشعياء ١: ٦ )
قُم يا اللهُ، دِنِ الأرض، لأنّك أنتَ تمتلكُ كلَّ الأُمَمِ (مزمور ٨٢: ٨ )
أينَ إلهُ العدل؟ (ملاخي ٢: ١٧ )
والكلمةُ صارَ جسدًا (يوحنا ١: ١٤ )
مكانتش الصرخات دي مجرّد اعتراض إنساني، ولا بس غضب طالع من الأرض،
لكن في أصلها كانت صلاة عميقة، وإيمان حيّ، وتسليم صادق لله ديّان الكل.
وكلّ النصوص دي، رغم اختلاف أزمنتها وأصواتها، بتكشف حقيقتين ثابتتين:
أوّلًا: إنّ ربّنا عمره ما كان محايد مع المظلومين، لكنه دايمًا حاضر وسطهم عبر التاريخ بيعمل عمله فيهم؛ ودنه سامعة أنينهم، وعينه على دموعهم ودمهم، وما بينساش صرخة طالعة من قلب مسحوق، راجع له بضعف، لكن بإيمان وأمانة.
وثانيًا: إنّ مسؤوليّة القادة تقيلة قوي قدّامه؛ كلّ سلطان وديعة، وكلّ موقع أمانة، وهييجي يوم ويتسأل الإنسان استخدم اللي في إيده إزاي: للعدل ولا للظلم؟ للخدمة ولا للاستغلال؟ للرعاية ولا للهيمنة؟
وربّنا ممكن أحيانًا يسمح إنّ زمن الظلم يطوّل، مش لأنه غايب، لكن لأنّ وسط صبره وتأنّيه بيعمل لحدّ دلوقتي مقاصده بعمق أكبر من فهمنا؛ يدي مقاوميه فرص للرجوع، ويكشف اللي في القلوب، ويؤدّب ويشكّل ولاده، وينضّج الشهادة لاسمه ولمجد الآب.
ومع ده كلّه، كلمته ثابتة:
لا يرتدّ غضبُ الربّ حتّى يُجري ويُقيم مقاصدَ قلبه. في آخر الأيّام تفهمون فهمًا.
(سفر إرميا ٢٣: ٢٠)
وقدّام الإعلان ده، التأمّل ما يبقاش مجرّد معرفة، لكن قلوبنا تلقائيًّا بتنضمّ لنفس الصرخات النبويّة، اللي ما بنقراهاش كحكايات قديمة، لكن كصلاة حيّة، لسه صداها بيرنّ في حاضرنا، لأنّ الجُرح واحد.
ومن هنا، نقف قدّام ربّنا بنفس الروح، رافعين بين إيديه أنين أيّامنا، ساجدين نطلب عدله ورحمته، وهاديين في سلام ويقين عميق إنّ اللي سمع صرخات الأوّلين لسه بيسمع، وإنّ اللي وعد إنه جاي لا محالة هيقوم، ويُثبِّت الحقّ كاملًا، وفي وقته… سريعًا.
يا أبانا إلهَنا الصالح… إحنا ولادك جايين لك بقلبٍ واحد، بنصرخ لك زي ما صرخوا قدّامك زمان، ولسان حالنا بيقول: «لِحدّ إمتى يا رب؟».
لِحدّ إمتى نشوف المتكبّرين وهم يرفعون وجوه الأشرار، ويقضون بالجور، ويسحقون شعبك، ويأكلون بيوت الضعفاء، ويستغلّون السلطان لمنافعهم، ويستخدمون اسمك ستارًا لظلمهم؟ لحد إمتى يبقى الضعيف هدفًا سهلًا بلا حماية؟ لحد إمتى يظلّ الظالمين آمنين في سلطانهم، بينما الحقّ مُهان، والعدل يُؤجَّل مرّة بعد مرّة حتى كأنّ دمه يُستنزَف؟ لحد إمتى يبقى للباطل ظهر، وللحق باب مقفول، وتبقى الشعارات الرنّانة—زي “الأمن”، و“الاستقرار”، و“المصلحة العامة”، و“سمعة البلد”، و“منع الفتنة”، و“هيبة الدولة”، و“سلامة الإجراءات”—تتقال كأنها حقائق مقدّسة، وهي في الحقيقة بتتّخذ أحيانًا غطاءً يلمّع القبح بدل ما يفضحه، ويخفي الجُرح بدل ما يكشفه للتطهير، ويكمّم صرخة المكسور بدل ما ينصفه؟
شايف يا رب؟ شايف السلطة اللي اتسلّحت باسمك وهي بعيدة عن قلبك؟ شايف الضعفاء اللي اتسحقوا، وكرامة ولادك اللي اتداست، وأنين صراخهم اللي خايف يطلع، والحقوق اللي بتتنهب وتتآكل؟ شايف اللي استخدموا السلطان لا للرعاية بل للهيمنة، والتديُّن الشكليّ -والشريعة كحروف بلا روح- مش عشان تقود إلى الحقّ والتوبة، بل عشان تتحوّل لقيدٍ وسيطرة، والناس مش كخرافك المحبوبة… بل كغنيمة؟
بنرفع صوتنا ليك، ونحطّ حيرتنا ووجعنا قدّامك… جايين ساجدين عند رجليك، لأنك إلهٌ حيّ يرى، ويسمع، ويستجيب في ميعاده، ولا ينسى.
حاكِمهم أنت يا رب بنفسك… وقاضهم. مش علشان نشوف حدّ بيتكسر انتقامًا، لكن علشان الشرّ ما يفضلش كأنه هو “القانون”، ولا يفضل الباطل متحصّن وراء ستارٍ مزيف، ولا يفضل الضعيف مكسورًا بلا نصير. لأن العدل لو ما قامش، تفسد الأرض، وتضعف قلوبٌ كتير معاها: قلوب تتعوّد الظلم، فتستسلم، وتيأس من طول الإنتظار، وتتعلم القسوة بدل الرحمة.
يا إلهُ النَّقَماتِ، كلّي العدل، جايين نطلب: أشرِق يا رب بعدلك، ونوّر علينا. قُم يا ديّان الأرض، وخَلّي كبرياء المتجبّرين تتكسّر شوكته قدّام حضورك. إحنا مش بنطلب شرّ لحد، ومش بنردّ الشرّ بشرّ… لكن بنسيب الحكم في إيديك وحدك، لأنك قلت: «لِيَ النَّقْمَةُ أَنَا أُجَازِي». بنتركها ليك لأن قلوبنا اللي صارت مسكنًا ليك ما بقتش زي الأول؛ القلوب اللي إنت جدّدتها بدم ابنك، وغسلتها من السمّ اللي كان ممكن يملأها غضبًا وحقدًا ورغبةً في الردّ. والقلب اللي سكن فيه روحك ما ينفعش يبقى مكان مرارة… عشان كده بنختار الثقة فيك: مش ضعفًا، بل طاعة؛ ومش هروبًا، بل إيمان إنك ستقوم، وتُجري الحق كاملًا، كما وعدت.
يا أبانا الذي في السموات… بنكمل في محضرك، وجايين مش علشان نِطلع نفسنا ملايكة، ولا علشان نرمي الشرّ كله على غيرنا. إحنا عارفين إن الوجع ساعات بيقسّي القلب، وإن الظلم يسيب مرارة، وإن القهر يلمّع الانتقام في عينينا كأنه عدل. وعارفين كمان إن الخوف بيخرّس الشهادة، وبيطفي فينا الحياة اللي من روحك. عشان كده بنطلب منك الأول: ارحمنا ونقّينا….
يا رب… إنت قلت إن مجيئك زي نار الممحّص، وإنك بتنقّي قبل ما تدين، وبتبدأ ببيتك قبل ما تحاكم العالم. وإحنا مش بنخاف من ده، لأننا عارفين إنك أب، وإن تأديبك عمره ما كان قسوة… ده حبّ: “الذي تُحبّه يا رب تُؤدّبه”. فإحنا محتاجينها…
محتاجينك تكشف وتعالج جوانا اللي اتلوّث من اللي شفناه وسمعناه واتوجّعنا منه. خلّصنا من الإحساس بالعجز اللي بيحوّل القلب لخصومة دائمة. وادّينا حكمة نميّز: نكره الشرّ… من غير ما نكره الناس، ونشهد عن حقك بحب… من غير ما نفقد الوداعة اللي بتشهد لك.
يا رب، إنت شايف ظلم الأجير في أجرته، شايف الأرملة واليتيم، شايف اللي بيتدهس حقهم وهم مغلوبين على أمرهم وساكتين، شايف الغريب اللي بيتستغل ويتستباح لأنه محتاج ملجأ، شايف اللي بيزوّروا ويفتروا، واللي بيعملوا من القانون ستار، ومن الإجراءات متاهة. وإحنا بنقولها قدامك بجرأة الإيمان: يا رب… اِقترب للحُكم… علشان الأرض ما تفسدش أكتر.
يا رب… طول أناتك رحمة بتدي فرصة للتوبة. افتح عيون اللي ظلموا… ورجّعهم لضميرهم قبل ما يواجهوا قضائك. لكن إن أصرّوا… إن فضّلوا يكمّلوا في سحق الضعفاء، وفي تزويق الباطل… منهم لك.
يا رب… قوّينا ما نساومش على الحق باسمك. خلّينا ما نقبلش الشرّ يبقى عادي، ولا الكذب والتزوير يبقوا “شطارة”، ولا الظلم يبقى “ربح”. إدّينا ثبات مستقيمي القلوب… اللي يمشوا وراك، ويتبعوا حياتك وكلامك.
قُم يا اللهُ، دِنِ الأرض، لأنك أنت تمتلك كلَّ الأمم. قُم واملِك… وخلي الحق يسود، والعدالة تنوّر. وخلي المظلومين والمنسحقين بالروح يحسّوا إن ليهم إله شايف وسامع، وإن دموعهم ما بتضيعش في التراب. بنستند على وعدك: إنك آتٍ… وإن النهاية مش للظلم… النهاية ليك، ولملكوتك، وحياتنا فيك.
آمين. تعالَ أيها الرب يسوع… ليحلّ ملكك ومجدك، وتفرح قلوبنا بخلاصك.
---
## بين لعن اليهود وتقديسهم
URL: https://tabcm.net/54775/
Type: post
Modified: 2026-04-11
لم يعرف التاريخ الديني معضلة أكثر توترًا من علاقة المسيحية باليهودية. علاقة بدأت من رحم واحد -عشاء فصحي في أورشليم- لكنها انتهت إلى قرون من الاتهام، ثم إلى قرون من إعادة تأهيل لاهوتي أعمى.
على الصفحة الأولى من العهد الجديد تنبض الهوية اليهودية للمسيح، وعلى الصفحات التالية يرتفع صوت الجماعة التي تصرخ أمام بيلاطس: دَمُهُ عَلَيْنَا وَعَلَى أَوْلَادِنَا ((إنجيل متى 27: 25 ))
ومن هنا، من هذا السطر القصير، بدأ الانشقاق الكبير: جزء من المسيحية رأى فيه تصريحًا باللعنة، وآخر اكتشف فيه بوابة ليعيد اليهود لاحقًا إلى مركز الخلاص.
وهكذا تشكلت ثنائية حادة: إما شعب قتلة المسيح، أو شعب الله المختار الأبدي، ولا وسط بينهما.
لاهوت اللعنة
عندما صار اليهود «الآخر الذي يستحق العقاب»
لم تحتج المسيحية الناشئة وقتًا طويلًا لتكتشف أنها لا تستطيع البقاء مجرد امتداد عضوي لليهودية، في بدايتها كانت ابنة ملتزمة: تصلي في الهيكل، تحفظ السبت، وتُعرف نفسها داخل حدود شعب إسرائيل. لكن التاريخ، بقسوته الجذرية، تقدم ليقطع الحبل السري.
كانت ضربة اﻷولى عام 70م بتدمير الهيكل، ثم جاءت الضربة الأكمل عام 135م مع ثورة بار كوخبا. أورشليم مُسحت، وأعادها هادريان باسم إيليا كابيتولينا، ووُضع معبد جوبيتر حيث كان قدس الأقداس. لقد انهارت الأم ليس مجازا فقط، بل ماديًا. ومن دون أم، يبدأ سؤال الهوية ((باسم الجنوبي: كيف تملكت اليونان مُقدسات في سيناء المصرية؟ بتاريخ 3 يونيو 2025. )).
اتهام اليهود بقتل المسيح كان أكثر من تكييف لاهوتي؛ كان حلًا نفسيًا عميقًا لمعضلة الانفصال، كانت الأم فتوحشت، فقدت أمومتها بالفعل الذي لا يغتفر: جحدت الأب، وزنت عليه، بتعبيرات النص المقدس التناخي.
قبل القطيعة، استفادت الكنيسة المبكرة من بقاءها تحت المظلة اليهودية، امتيازات تشريعية قديمة منذ يوليوس قيصر، إعفاء من العبادة الإمبراطورية، واحترام لخصوصية الشريعة. لكن بعد انهيار المركز اليهودي، لم يعد الاختباء مجديًا. ولأن الابن لا يمكنه أن يعيش في ظل أم ميتة، كان لا بد من ميلاد سرد جديد:
اليهود لم يعودوا الأصل.. بل الخطأ.
ليسوا الذاكرة.. بل الجريمة ((باسم الجنوبي: كيف نرى اليهود؟ بتاريخ 17 نوفمبر 2023. )).
الاتهام المبكر: بولس نفسه
حتى قبل سقوط الهيكل، كتب بولس إلى أهل تسالونيكي ((رسالة بولس اﻷولى إلى تسالونيكي 2 : 14 -16 )) محملًا اليهود مسؤولية صلب المسيح:
الذين قتلوا الرب يسوع وأنبياءهم… ولكن قد أدركهم الغضب إلى النهاية.
هذا الاتهام لم يكن مجرد تعليق روحي، بل أصبح نواة لاهوتية لعقود لاحقة، إذ تحول إلى قالب جماعي لتحديد علاقة المسيحية بالأصل اليهودي.
الآباء على خطى بولس
وعلى هذا المنوال كانت شهادة الآباء: يوستينوس، ترتليان، أوغسطينوس، ويوحنا ذهبي الفم…
يوستينوس الشهيد في الحوار مع تريفون، يحمل اليهود جماعيًا مسؤولية صلب المسيح، ويصف رفضهم للناموس الجديد بأنه ذنب دائم ويقول: أنتم صلبتم المسيح، وأنتم لم تفهموا الناموس الذي تتلون (( Justin Martyr, Dialogue with Trypho, c. 155 CE ))
ترتليان في ضد اليهود يضع جسد المسيح كذبيحة الفصح الجديد قائلًا في ربط قاطع بين الفصحين، فصح الخروج وفصح الدم إنهم: أسلموا الرب للصلب في اليوم الذي ذُبح فيه الحمل ((Tertullian, Adversus Judaeos, c. 200 CE ))
أوغسطينوس يرى في المزمور ((مزمور 63 أو 59 بحسب ترقيم اللاتين )) صوت المسيح يتوجه ضد مضطهديه، ويكتب في تفسيره أن اليهود قتلوا الرب لا بسيوف، بل بالحسد… فأدانوا أنفسهم، هنا تتحول الجريمة إلى حالة نفسية قبل أن تكون فعلًا دمويًا. وفي مدينة الله، يرى أن تهجيرهم ونفيهم كان وسيلة لإثبات انتصار المسيح على العداء (( Augustine, De Civitate Dei, Book XVIII, ch. 46 )).
ميلتون السرديسي من القرن الثاني (110- 180م تقريبًا) في عظته الفصحية يرفع الصوت مباشرة: ماذا فعلت يا إسرائيل؟ لقد قتلت ربّك في العيد، في الفصح! (( Peri Pascha Περὶ Πάσχα — “عن الفصح” On the Pascha, §96–§99 (حسب التقسيم الشائع للنص) )).
بهذا يتكون الخطاب الجماعي: اليهود ليسوا مجرد رافضين، بل قتلة الأب الروحي للمسيحية.
انعكست العقيدة في الواقع الاجتماعي مباشرة: مذابح، غيتوهات، منع من المناصب، تصويرات فنية تظهر اليهود خناجر في يد الشيطان. كان اليهود ضرورة لاهوتية، وجودهم شاهد على عدم الإيمان، وتشتتهم دليل على صدق النبوة المسيحية. هكذا أفتى أوغسطين، وبهذه الفتوى استمر اليهود، لم ينقرضوا، ولكن في المذلة والهوان في عالم مسيحي جشع، ومجرم، ومؤمن بشدة.
لكن المفارقة الكبرى ستأتي من الطرف الآخر من المسيحية ذاتها.
انقلاب المعنى
من لعنة تشتت إلى لاهوت عودة ونبوة أرض
من قلب أوروبا البروتستانتية بدأ شيء جديد يتشكل. الإصلاح لم ينفِ التفسير القديم، لكنه فتح المجال لقراءة النص بلا مؤسسة كنسية ضابطة. ومن هنا نشأت بذور التفسير الحرفي: إذا قال الكتاب «أرض الموعد»، فهي أرض فعلًا؛ وإذا وعد الرب إبراهيم بملك أرضي من النهر إلى نهر، فالوعد جغرافي أرضي ماديًا دليل البركة ودليل صدق الله، وليس روحيًا فقط.
جنيڤا بايبل.. الشرارة الأولى
ترجمة القرن السادس عشر -التي حملت هوامش مفسرة- بدأت تشير إلى عودة اليهود في آخر الأيام.
كانت الفكرة لاهوتية أيضًا وليست فقط سياسية: العودة لليهود وامتلاك الأرض وإعادة بناء الهيكل شرط لعودة المسيح نفسه.
جون نيلسون داربي.. حين يصبح الوعد مشروعا دوليا
داربي في القرن التاسع عشر حول الروحانية إلى برنامج.
لم يعد اليهود لعنة بل شعب الله الطبيعي، والكنيسة ليست بديلًا بل مرحلة مؤقتة.
الزمن ينقسم، النبوة تعود، وإسرائيل يجب أن تقوم من جديد، لا مجازا بل كدولة على الأرض.
من هنا ظهرت الصهيونية المسيحية: إيمان بأن اليهود ليسوا فقط جزءًا من الخطة الإلهية بل أداتها المركزية.
وصولهم إلى فلسطين، تمكينهم عسكريًا، توسيع حدود الدولة، ليس مجرد سياسة، بل خطوة نحو نهاية العالم.
ليس اعتذارًا عن المحرقة، ولا تصحيحًا أخلاقيا للتاريخ، بل إيمان جنوني بأن كل ما يحدث مقدس، حتى لو احترقت الأرض من حوله.
اليوم: إسرائيل من النهر إلى النهر، من النيل للفرات، لشعب الله الذي كان وسيبقى حتى عودتهم جميعًا لصحيح الدين والإيمان بالرب يسوع بعد أن يملكوا الأرض حسب الوعد الابراهيمي ((سفر التكوين 15 : 18 ))، وبين لاهوت اللعنة عليهم، المغضوب عليهم إلى النهاية “قتلة الرب والأنبياء، ((رسالة بولس اﻷولى إلى تسالونيكي 2: 14- 16 )) -بين لاهوتين يتقاتلان- وكل منهم يحمل كراهية لطرف، إما الشعوب المحيطة بإسرائيل من النيل للفرات، أو كراهية اليهود أنفسهم أينما حلوا وليسوا فقط في إسرائيل الدولة.
لاهوت اللعنة، ولاهوت العودة، يلتقيان أكثر مما نتصور حول اليهود أيضًا في كونهم في النهاية ليسوا بشرًا عاديين. إما أعداء الله، أو شعبه الأبدي. في الحالتين تسلب عنهم إنسانيتهم لصالح دور أسطوري ((بيشوي القمص: هل يعادي الأقباط اليهود؟ بتاريخ 5 أكتوبر 2023. )).
المسيحية التي جردت اليهود من الخلاص هي ذاتها التي تمنحهم اليوم كل المنطقة باسم النبوة. بل من جهة الاختيار فهم أحباء من أجل الآباء ((رسالة بولس إلى رومية 11 : 28 )) هم أحباب وأن قالوا عن يسوع ابن “امرأة ****” والغرب الذي حاكمهم قرونًا قد صار يراهم علامة على اقتراب الساعة.
تاريخ كامل ينتقل من جلد اليهود إلى تدليل اليهود دون أن يمر بلحظة وعي واحدة. يستثني الموقف الكاثوليكي بعد المجمع الفاتيكاني 1962-1965، حيث اليهود أبرياء من دم المسيح ولكنهم ليسوا شعب الله المختار. وهذه هي المعضلة الكبرى اليوم بين الفرق المسيحية المتشنجة والتي لم تحاول أن ترى اليهود كأفراد بل دائما كقضية كونية ((بيشوي القمص: هل نحن نعادي السامية؟ بتاريخ 9 نوفمبر 2023. )).
بين لاهوت يعتبر اليهود لعنة، وآخر يرى فيهم بوابة النهاية تمضي المسيحية في صراعها مع نفسها قبل أن يكون صراعًا مع إسرائيل. والنتيجة أمامنا اليوم: سياسات تُبنى على رؤى أخروية، وحدود يرسمها مفسرون ومشعوذون وسياسيون.
ومرة أخرى يعود السؤال القديم: هل هي قراءة للنص أم هذيان وتطرف ورعب باسم النص؟
---
## الآباء والكرازة في الجحيم [٤]
URL: https://tabcm.net/54565/
Type: post
Modified: 2026-04-10
نستمر في عرض آراء آباء الكنيسة حول كرازة المسيح في الجحيم.
غريغوريوس النزينزي
يتحدث ق. غريغوريوس عن كرازة المسيح في الجحيم لخلاص الجميع أو لخلاص المؤمنين به مخاطبًا المستمعين كالتالي: ((غريغوريوس النزينزي، عظات القيامة (العظة الفصحية الثانية)، ترجمة: القس لوقا يوسف، القاهرة: المركز الثقافي القبطي الأرثوذكسي، 2015، 45: 24، ص 41. ))
وإنْ نَزلت إلى الجحيم فأِصعد معه، تَعرفُ أسرار المسيح الموجودة هناك أيضًا ما هو التدبير، والسبب من أجل النزول مرتين؟ ببساطة ليخلص الجميع بظهوره، أو ليخلص المؤمنين به فقط.
(غريغوريوس النزينزي، عظات القيامة)
ويشير ق. غريغوريوس في قصيدة ”عن نفسه“ إلى نزول المسيح للجحيم، وتدميره لبوابات الظلام في الجحيم، وتحريره للنفوس التي كانت هناك كالتالي: (( Gregory of Nazianzus, Hymn “on himself”, (PG 37: 1328 a) ))
اليوم، قام المسيح العظيم من الأموات، مع مَن كان مختلطًا به، وشفى لدغة الموت، وسحق بوابات الظلام في الجحيم المرعب، وحرَّر النفوس. اليوم، بعدما قام من القبر، ظهر للناس. الذين وُلِدَ لأجلهم، والذين لأجلهم قد مات، والذين لأجلهم قد قام من الأموات. لكي ما يصعدوا [إلى السماء] متجددين ومتحررين من الموت، مع مَن يصعد إلى [هناك].
(” Gregory of Nazianzus, Hymn “on himself)
ويتحدث ق. غريغوريوس في مسرحيته ”الآم المسيح وقيامته“ على لسان العذراء والدة الإله بأن الابن الأزلي سيُطلِق جميع الموتى الذين كانوا في الجحيم كالتالي: ((غريغوريوس النزينزي، رسائل لاهوتية وفصلان من مسرحية ”المسيح المتألم“، ترجمة: الأب حنا الفاخوري، لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2000، ص 81. ))
والدة الإله: […] إنه الابن الأزلي للآب الأزلي، فكيف يستطيع أن يهلكه سلطان الظلمات الجهنمية؟ أظن أنه بالحري سيُطلِق جميع الموتى الذين احتوتهم الجحيم، واحتجزتهم في ظلمات مهاويها.
(غريغوريوس النزينزي، رسائل لاهوتية وفصلان من مسرحية ”المسيح المتألم“)
ويتحدث ق. غريغوريوس على لسان والدة الإله أيضًا في نفس المسرحية عن سطوع نور المسيح في الجحيم عندما نزل إليه كالتالي: ((غريغوريوس النزينزي، رسائل لاهوتية وفصلان من مسرحية ”المسيح المتألم“، ترجمة: الأب حنا الفاخوري، لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2000، ص 84. ))
والدة الإله: يا ابني، يا حبيبي، أيها الوجه الإلهي، متى أراك؟ أين أراك في شقوتي؟ يا ابني، تعال إليَّ بسرعة النور، تعال! دع مأوى الأموات، وأبواب الظل، المكان المظلم الذي جعلت فيه الجحيم مقرها، والذي شاهد تألقك الساطع، عندما انحدرت إليه. تعال، تعال، وأظهر سابقًا نور النهار. فجميع الكائنات تستقبلك لها إلهًا، إلهها الذي يسود السماوات.
(غريغوريوس النزينزي، رسائل لاهوتية وفصلان من مسرحية ”المسيح المتألم“)
ويتحدث ق. غريغوريوس أيضًا على لسان الملاك في نفس المسرحية السابقة عن هزيمة الجحيم وخروج المسيح من القبر حيًا، وخلاص الأموات مبتهلين لله قائلًا: ((غريغوريوس النزينزي، رسائل لاهوتية وفصلان من مسرحية ”المسيح المتألم“، ترجمة: الأب حنا الفاخوري، لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2000، ص 86. ))
الملاك: […] إن الجحيم قد غُلِبت، وإن المسيح خرج من القبر حيًا. لقد دُحرِجَ حجر القبر بشدةٍ، فاستولى الذعر على الحراس، فتركوا بوابات جهنم، ولاذوا بالفرار. الأموات فيها ذهبوا إلى أرض النور مبتهلين إلى الله الذي خلَّصهم: بفضله تحطمت القيود، وانحلت الرباطات جميعها.
(غريغوريوس النزينزي، رسائل لاهوتية وفصلان من مسرحية ”المسيح المتألم“)
غريغوريوس النيسي
يتحدث ق. غريغوريوس النيسي عن الكرازة بموت المسيح وخلاصه للمأسورين قائلًا: ((غريغوريوس النيسي، عظات آبائية على قيامة المسيح، ترجمة: د. سعيد حكيم، القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017، عظة ”وقام في اليوم الثالث“، ص 174. ))
في هذا اليوم نقض أوجاع الموت ((سفر أعمال الرسل 2: 24 ))، أصبح ذا اليوم بمثابة استقبال للبكر من بين الأموات ((رسالة بولس اﻷولى إلى كورنثوس 1: 18 ))، في هذا اليوم سُحِقت أبواب الموت الحديدية ((مزمور 107: 16 ))، وكُسِّرت مصاريع الجحيم النحاسية. اليوم فُكت أربطة الموت، اليوم يُكرَز بإطلاق المأسورين ((سفر إشعياء 42: 7 ))، اليوم العميان يُبصِرون ((إنجيل لوقا 1: 79 ))، اليوم يُشرِق النور السمائي على الجالسين في الظلمة وظلال الموت ((سفر إشعياء9: 2 )).
(غريغوريوس النيسي، عظات آبائية على قيامة المسيح)
يوحنا ذهبي الفم
يتحدث ق. يوحنا عن نزول المسيح إلى الجحيم، وتحطيمه لطغيان الموت وقوته كالتالي: ((يوحنا ذهبي الفم، شرح إنجيل متى ج2، ترجمة: د. عدنان طرابلسي، لبنان، 1998، عظة 36: 3، ص 132، 133. ))
لأن الحياة الحاضرة هي حقًا أوان المحادثة الحقة، أما بعد الموت فتكون الدينونة والعقاب. قيل: في الهاوية مَن يحمدك؟ ((مزمور 6: 5 )). كيف إذًا كسَّر مصاريع نحاس وقطع عوارض حديد؟ ((مزمور 107: 16 )). بواسطة جسده؛ إذ أظهر أولاً جسدًا خالدًا محطمًا طغيان الموت. ويشير أيضًا هذا إلى تحطم قوة الموت، وليس إلى حل خطايا الذين ماتوا قبل مجيء المسيح. وإن لم يكن الأمر هكذا، بل خلَّص جميع الذين كانوا قبله في الجحيم، فكيف يقول: ستكون لأرض سدوم وعمورة […] حالة أكثر احتمالًا ((إنجيل متى 10: 15 ))؟ لأن هذا القول يفترض أن أولئك سيُعاقبون أيضًا ولو بصورة أخف. ومع أنهم قاسوا هنا أيضًا العقاب لأقصى شدةً، فرغم ذلك، لن يخلصهم حتى هذا. وإنْ كان الأمر معهم على هذا النحو، فبالأولى كثيرًا مع الذين لم يقاسوا شيئًا.
(يوحنا ذهبي الفم، شرح إنجيل متى ج2)
إبيفانيوس أسقف سلاميس
يذكر ق. إبيفانيوس، أسقف سلاميس بقبرص -المعروف بلقب ”صائد الهرطقات“، ومن أبطال مجمع القسطنطينية المسكوني 381م- الكرازة في الجحيم وأنها كانت للجميع، ولكن الذين خلصوا هم الذين آمنوا بالمسيح آنذاك قائلًا: ((إبيفانيوس أسقف سلاميس، عظة نزل إلى الجحيم من قِبل الصليب، ترجمة: د. جوزيف موريس، القاهرة: مؤسسة القديس باسيليوس، 2008، ص 21، 22. ))
إذًا، فلننزل معه ونتعلم مما نعلم عما هناك من أسرار. ولنعرف العجائب الخفية، غير المنظورة، التي تحت الأرض، ولنتعلم كيف كرز للذين هم أيضًا في الجحيم. ولكن، ماذا سيحدث عندما ينزل المسيح إلى الجحيم؟ أ بنزول الإله إلى الجحيم يخلص الجميع بدون استثناء؟ لا، لأنه كما على الأرض، هكذا أيضًا هناك يخلُص الذين آمنوا به.
(إبيفانيوس أسقف سلاميس، عظة نزل إلى الجحيم من قِبل الصليب)
ويتحدث ق. إبيفانيوس -مثله مثل الآباء السابقين عليه مثل هيبوليتوس الروماني وأوريجينوس السكندري- عن كرازة يوحنا المعمدان في الجحيم كتمهيد لكرازة المسيح في الجحيم، مثلما كان يفعل على الأرض كالتالي: ((إبيفانيوس أسقف سلاميس، عظة نزل إلى الجحيم من قِبل الصليب، ترجمة: د. جوزيف موريس، القاهرة: مؤسسة القديس باسيليوس، 2008، ص 34. ))
هناك أيضًا ذلك الفائق يوحنا، الأعظم من كل الأنبياء، جالسًا في ظلمة الجحيم كما لو كان في رحم أمه المظلم [قبل ولادته] يكرز بالمسيح لكل الذين في الجحيم، وهو السابق والكارز للأحياء والأموات معًا. وعندما قُطِعَ رأسه، أُرسِلَ من سجن هيرودس إلى سجن الجحيم، إلى الأبرار والمظلومين الراقدين منذ الدهور.
(إبيفانيوس أسقف سلاميس، عظة نزل إلى الجحيم من قِبل الصليب)
كيرلس السكندري
ويتحدث ق. كيرلس عن إبادة المسيح للجحيم وكرازته للأرواح التي في الجحيم، وهكذا قد صار هذا برهانًا على محبته للبشر بإعطائه الخلاص لا للأحياء فقط، بل للأموات أيضًا بكرازته لغفران الخطايا كالتالي: ((كيرلس السكندري، شرح إنجيل يوحنا مج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015، 10: 2، تعليق على (إنجيل يوحنا 16: 16)، ص 336، 337. ))
فالآن إذ اقترب زمن موته الذي سيجعله غير مرئي بالنسبة لتلاميذه لفترة قصيرة إلى أن يقوم بإبادة الجحيم، ويفتح الأبواب لخروج أولئك الذين كانوا هناك، ثم يبني بعد ذلك هيكل جسده؛ لأنه بعد ذلك أظهر نفسه لتلاميذه، ووعدهم أنه سيكون معهم دائمًا إلى انقضاء الدهر كما هو مكتوب ((أنظر إنجيل متى 28: 20 )). فرغم أنه غائب بالجسد، إذ قد مضى إلى الآب، وجلس عن يمينه لأجلنا، فهو لا يزال يسكن بواسطة روحه مع أولئك الذين هم جديرين به، وهو على اتصال دائم مع قديسيه؛ لأنه قد وعد أنه لن يتركنا بدون عزاء. ولأنه كان هناك وقت قليل قبل أن تبدأ آلامه، فهو يقول: بعد قليل لا تبصرونني؛ لأنه كان سيختفي عن الأنظار بواسطة الموت لفترة قصيرة، ثم يقول: ثم بعد قليل أيضًا ترونني. لأنه قام في اليوم الثالث بعد أن كرز للأرواح التي في السجن ((أنظر رسالة بطرس اﻷولى 3: 19). وبهذا صار البرهان على محبته لجنس البشر كاملًا تمامًا، بإعطائه الخلاص ليس فقط للأحياء، بل أيضًا لكرازته بغفران الخطايا لأولئك الذين ماتوا، والذين كانوا يجلسون في الظلمة في أعماق الهاوية بحسب الكتاب.
(كيرلس السكندري، شرح إنجيل يوحنا مج2)
ويؤكد ق. كيرلس في موضع آخر أن المسيح بعدما أتم عمله الخلاصي على الصليب ذهب ليبشر ويفتقد الأرواح التي في الجحيم بالخلاص، بالتالي، يثبت أنه رب الأحياء والأموات كالتالي: ((كيرلس السكندري، شرح إنجيل يوحنا مج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015، 10: 2، الكتاب الثاني عشر، تعليق على (يو 19: 30)، ص 478. ))
لذلك، صرخ: قد أُكمِل، فقد أتت الساعة التي يذهب فيها ليبشر الأرواح التي في الجحيم. لأنه افتقدهم، لكي يكون هو رب الأحياء والأموات؛ ولأجلنا قابل الموت نفسه، وتحمل النصيب المشترك لكل البشرية، وذلك حسب الجسد، رغم أنه كإله هو الحياة بالطبيعة، لكي يسبي الجحيم، ويجعل العودة إلى الحياة ممكنة للطبيعة البشرية، وبذلك يتبرهن أنه باكورة الراقدين ((رسالة بولس اﻷولى إلى كورنثوس 15: 20 ))، والبكر من الأموات ((رسالة بولس إلى كولوسي 1: 18 )) بحسب الكتب.
(كيرلس السكندري، شرح إنجيل يوحنا مج2)
---
## حرب ليست ككل الحروب
URL: https://tabcm.net/54752/
Type: post
Modified: 2026-04-09
من الواضح أن الطرفين الرئيسيين المنخرطين في الحرب على إيران الدائرة الآن، الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران والقوى المساندة لها من جهة أخرى، يخوضان هذه الحرب بمنطق الصراع من أجل البقاء، أي بمنطق الصراع الوجودي، الأمر الذي وضع العالم أمام مباراة صفرية بامتياز، الرابح فيها يحصل على كل شيء، ولا يحصل الخاسر فيها على أي شيء.
وبغض النظر عما إذا كانهذا المنطق يعبر عن الواقع، إلا أن من المؤكد أنه يشير إلى الحالة الذهنية المتحكمة التي يُنظر من خلالها إلى الصراع بين إيران وإسرائيل بشكل عام، خصوصًا منذ تصريح للرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، في خطاب ألقاه في مؤتمر طلابي يوم 26 أكتوبر عام 2005.
أحمدي نجاد دعا في هذا الخطاب، ووفقاً لترجمة إذاعة جمهورية إيران الإسلامية الأولى، إلى محو المستعمر من الخريطة، وهي دعوة أثارت كثيرًا من الجدل وتعامل كثير من وسائل الإعلام العالمية معها على أنها دعوة لمحو إسرائيل من الخريطة، خصوصًا في ضوء التصريحات المتكررة لشخصيات من القيادة الإيرانية بمستوياتها المختلفة التي تتوعد إسرائيل والولايات المتحدة التي يصفونها بالشيطان الأكبر وبالموت.
منذ تلك اللحظة، تنظر إسرائيل والولايات المتحدة، وإلى حد ما دول الخليج العربية المجاورة، إلى أي تراكم للقوة العسكرية وغير العسكرية تحققه إيران، وإلى أي تحالفات تقيمها طهران مع الجماعات المختلفة في العالم العربي ومع الدول الأخرى، على أنها جهود تستهدف تحويل التهديدات اللفظية إلى واقع. فتصريحات القيادات الدينية والسياسية الإيرانية تكشف النوايا الإيرانية تجاه إسرائيل والولايات المتحدة، مما يؤدي إلى تفسير أي سلوك تسلكه طهران في المنطقة على أنه حلقة من حلقات بناء القوة اللازمة وحشد الطاقات من أجل القضاء على إسرائيل. وبالتالي، يصبح أي تراكم للقوة الإيرانية، في نظر إسرائيل والولايات المتحدة، بمثابة انتقال من نوايا قد تكون مضمرة أو معلنة لدى قطاعات واسعة من الجمهور في بلدان المنطقة، إلى حالة تهديد مؤكد مدعوم بوسائل القوة اللازمة.
وفي هذا السياق جرى النظر إلى البرنامج النووي الإيراني الذي حظي بدفعة قوية في مدتي رئاسة أحمدي نجاد (2005- 2013)، كسعي لامتلاك القوة اللازمة، خصوصًا بعدما كشفت جماعة مجاهدي خلق (مجاهدي الشعب) الإيرانية المعارضة أن هناك جوانب في هذا البرنامج تُنفذ بعيدًا عن رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهو الأمر الذي أدى إلى أزمة البرنامج النووي الإيراني، التي تشكل جوهر الحرب الدائرة الآن والتي شهدنا جولتها الأولى في يونيو الماضي، وتتصاعد جولتها الراهنة على نحو يهدد بتحولها إلى حرب إقليمية واسعة ومدمرة، وإمكانية لأن تتحول إلى حرب عالمية قد تستخدم فيها الأسلحة النووية، لاسيما في ضوء عجز طرفي الحرب الرئيسيين، إيران وإسرائيل عن التوصل إلى حل وسط لفتح مسار بديل لمسار التصعيد المدمر.
المفارقة اللافتة التي تكشفها الحرب الراهنة على إيران تتمثل في أنه في الوقت الذي تعجز فيه الولايات المتحدة عن حسم الحرب اعتمادًا على القوة المسلحة، فإن احتمالات وقف الحرب بالوسائل الدبلوماسية مرهون بتحول في موقف الطرفين الرئيسيين، الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والقيادة السياسية والعسكرية في إيران، في ظل تكثيف جهود القوى الدولية المتسارعة لحل أزمة مضيق هرمز وفتحه أمام الملاحة بشكل كامل لتقليل آثار الحرب على التجارة والاقتصاد العالميين.
حبس العالم أنفاسه خلال الساعات القليلة السابقة الفاصلة بين انتهاء المهلة الأمريكية وإعلان الرئيس الأمريكي قبول اقتراح باكستان ومصر وتركيا بوقف مؤقت للحرب، وتراجع إيران عن تمسكها بشرط الوقف الدائم للحرب وفق النقاط العشر التي قدمتها، خصوصا في ضوء التهديدات الأمريكية بالتصعيد وتحذيرات إيران بأنها سترد على أي تحرك استفزازي بتصعيد مماثل ستكون له نتائج كارثية على الولايات المتحدة وإسرائيل وعلى دول الخليج.
وكان من المرجح في الساعات القليلة السابقة على انتهاء المهلة التي حددها الرئيس الأمريكي لإيران، أن تشهد العمليات العسكرية في المنطقة تصعيدًا غير مسبوق، مع تراجع قدرة المجتمع الدولي على التحرك لنزع فتيل الأزمة وعلى احتواء الآثار المترتبة على استمرار العمليات العسكرية أو وقف تصعيدها، غير أن التطور المفاجئ الذي لم يكن مرجحا حدث، وتم التوصل إلى حل وسط على نحو سيؤثر على سير العمليات العسكرية، وهو تطور لافت في ضوء ما أبداه الطرفان من إرادة لمواصلة القتال، وامتلاكهما الوسائل التي تمكنهما من ذلك، وفي ظل غياب أي مؤشرات على تراجع قدرة أي منهما على التصعيد.
لم يكن بوسع الأطراف التي تراقب الحرب وتطوراتها، لاسيما الصين وروسيا وحلفاء واشنطن في أوروبا الغربية، سوى أن تجري حسابات دقيقة لما قد يترتب على كل سيناريو من السيناريوهات المحتملة لإنهاء الحرب، إلى جانب جهودهم لاحتواء تأثيرها، وتأثير أي تصعيد محتمل على أوضاعهم الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية. وهي حسابات تثير مخاوف هذه القوى، لاسيما إذا انتهت هذه الحرب بانتصار حاسم لأي من طرفيها، الأمر الذي يدفعهم إلى التدخل للتأثير في هذه الحرب.
على خطى نتنياهو
ربما كانت المشكلة الأساسية في هذه الحرب أن لم تُشن وفقًا للحسابات الأمريكية بالأساس، وإنما تشن وفقا لحسابات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وحكومته اليمينية المتشددة، إذ يراودهم الأمل في تحقيق انتصار حاسم، يُمكّن إسرائيل من بناء نظام إقليمي جديد تلعب فيه دورًا قياديًا، ويُمكّنها من تحقيق الحلم التاريخي وتحقيق الوعد التوراتي بإقامة “إسرائيل الكبرى”.
هناك اتفاق واسع بين المراقبين على أن ترامب، الذي عجز عن تقديم حجج مُقنعة للجمهور الأمريكي، ولحلفائه في أوروبا وفي آسيا، لتبرير الحرب، سواء قبل بدء الضربات على إيران أو بعدها، مُنساق وراء التصور الذي يروج له نتنياهو منذ بدء الحرب على غزة في أكتوبر 2023، بأن حسم الصراع التاريخي في الشرق الأوسط بات وشيكًا، وأن إسرائيل ستتمكن من تدمير، أو على الأقل إبعاد، مصادر التهديد المباشر لأمنها.
وهناك العديد من المؤشرات على أن واشنطن لا تحرص على مصالح أي من شركائها الآخرين في المنطقة، لاسيما في دول الخليج العربية التي تحملت جانبًا كبيرًا من تكلفة هذه الحرب التي لم تكن طرفًا مباشرًا فيها، وهذه من النتائج المتوقعة للاتفاقيات الإبراهيمية الموقعة في عامي 2019، و2020، التي لطالما حذرنا منها.
على الرغم من أن الرئيس الأمريكي جادل خلال الخطاب الذي ألقاه يوم الأربعاء الماضي، في وقت ذروة المشاهدة، بأن إيران تُشكّل خطرًا دوليًا، إلا أنه لم يوضح كيفية التعامل مع هذا الخطر ولا ماهية النصر الذي يتطلع إلى تحقيقه، أو كيف يُمكن تحقيقه. وجد ترامب نفسه غارقًا في مستنقعٍ آخر في الشرق الأوسط، ولا يملك خطة وتصورًا للخروج، وليس أمامه سوى الانزلاق إلى تصعيد لا يعلم إلى أين قد يقوده ويقود المنطقة والعالم.
طرأ تغير على الخطاب الأمريكي والإسرائيلي فيما يخص إيران وحلفائها، إذ تم التراجع على ما يبدو عن الهدف الغامض وغير الواقعي المتعلق بالسعي إلى “تغيير النظام” في إيران، وكذلك إقرار إسرائيل بعدم واقعية هدف تفكيك سلاح حزب الله وقدراته العسكرية، إلا أن هذه التصريحات لم تساهم في خفض التصعيد، بل قوبلت بإصرار طهران على شروطها لإنهاء الحرب، الأمر الذي تترجمه إسرائيل وواشنطن وبعض القيادات في دول الخليج العربية على أنه استمرار “قدرة النظام (الإيراني) على تهديد أمريكا أو على بسط نفوذه خارج حدوده”، مما يدفعها إلى اختيار تصعيد الحرب على التهدئة، الأمر الذي يعزز من تصور المتشددين.
الحالة الذهنية التي تسيطر على نتنياهو وعلى بعض زعماء دول الخليج العربية، هي أن أي اتفاق مع إيران، يقويها ولا يضعفها. هكذا كان تقييم الاتفاق النووي الذي توصلت إليه إيران مع القوى العالمية الست، الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن بالإضافة إلى ألمانيا، في عام 2015، بعد مفاوضات شاقة ومضنية، وهو الاتفاق الذي تراجعت عن واشنطن في الأسابيع الأولى من ولاية ترامب الأولى في عام 2016، ليفجر الأزمة التي تفاعلت وصولًا إلى اللحظة الراهنة، وإصرار الأطراف على مواصلة القتال حتى النهاية، وسيرهم على خطى نتنياهو، الذي لا يرى بديلا سوى تفكيك البرنامج النووي الإيراني بالكامل وكذلك تفكيك شبكة التنظيمات المسلحة التي تدعمها في لبنان والعراق واليمن، وفي سوريا من قبل، وتفكيك قدراتها العسكرية الصاروخية ومن المسيرات.
لذلك، كانت إسرائيل وبعض الزعماء في الخليج يتطلعون إلى استمرار الحرب إلى الحد الذي يؤدي إلى إضعاف إيران، بحيث لا تشكل تهديدا لهم، وهو وضع يسير إلى استمرار الصراع رغم التوقف المؤقت للعمليات الحربية، ويصبح السؤال متى سينتهي الصراع – وما حجم الضرر الذي سيحدث قبل انتهائه؟ وكيف يمكن إدارته في المستقبل لمنع العودة إلى الحرب مجددًا، بعد أسبوعين أو في أي لحظة في المستقبل؟
التخارج من الحرب
مثلما كان الوقوع في أسر تصور نتنياهو عائقا أثر على قدرة واشنطن على التفكير في أفضل سبيل للخروج من المأزق الراهن، علاوة على إصرار طهران على إغلاق مثل هذا السبيل، فإن استمرار الأمرين يقلل من فرص تطوير الاقتراح الباكستاني المصري التركي، بتعليق العمليات العسكرية بشكل مؤقت، تم اختصاره من 45 يومًا إلى أسبوعين، خلال المفاوضات المقترحة.
أعطى هذا الاقتراح لواشنطن مخرجا للانسحاب من الحملة العسكرية المطولة، بمنحها صورة ما للنصر، مع الاحتفاظ بإمكانية توجيه ضربات أخرى لإيران، إذا فشلت محاولاتها لممارسة أقصى قدر من الضغط الاقتصادي على النظام المنهك في طهران. هذه الأسباب تحديدًا، هي التي دفعت طهران قبل العدول عن موقفها في اللحظة الحاسمة، إلى رفض الاقتراح والتمسك بشروطها لإنهاء القتال، وحرصها على التمسك بورقة الضغط الرئيسية التي تمسك بها، والمتمثلة في عرقلة الملاحة عبر مضيق هرمز، مع إمكانية تصعيد العرقلة الجزئية إلى إغلاق كامل للمضيق، في حالة التصعيد العسكري الأمريكي والإسرائيلي.
هناك سبب آخر للرفض الإيراني يتمثل في خشية طهران من أن تكون أمام سيناريو مماثل لسيناريو جنوب لبنان أو غزة، المتمثل في استمرار الضربات الإسرائيلية والتحركات العسكرية الإسرائيلية ضد حماس والفصائل الفلسطينية في غزة وضد حزب الله في لبنان، على الرغم من وجود اتفاق لوقف الحرب لا يُقيد قدرة إسرائيل على مواصلة العمليات العسكرية، الأمر الذي تفسره إيران بأنه التزام مفتوح بقصفها لن يؤدي إلا إلى إطالة أمد أضرار الحرب دون فائدة تُذكر، وهذا السبب تحديدا يزيد احتمالات أن نكون أمام هدنة هشة في ضوء ميزان القوة في اللحظة الراهنة أو في المستقبل القريب.
يتوقف المسار المحتمل في المستقبل على التطورات على الجبهة اللبنانية وبما إذا كانت هذه الجبهة ستخضع لوقف التصعيد وتعديل السلوك الإسرائيلي الذي لم يسجل أي مؤشرات على التهدئة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الموقع مع لبنان في نوفمبر 2024.
صعوبة تقييم الوضع
في عالم يزداد تعقيدًا وتشابكًا، لم يعد في مقدور أي طرف احتكار عناصر القوة المطلقة ومقوماتها، إذ بات في مقدور أي دولة أن تمتلك ما يناسبها من مقومات القوة وما يلزم لها لتتمكن من ممارسة قدر من التأثير على معادلة الصراع الدولي، سواء كانت طرفًا مباشراً في هذا الصراع أم لا. هذه الحقيقة واضحة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
فالولايات المتحدة لم تستطع احتكار امتلاك القنبلة النووية التي استخدمتها لحسم الحرب مع اليابان، لفترة طويلة، إذ امتلكتها قوى حليفة لواشنطن أو معادية لها، خلال سنوات قليلة، الأمر الذي أدى إلى حالة من السلام الدولي الطويل نسبيًا بعد الحرب، استنادًا إلى حقيقة الردع النووي وما أنشأه من توازن للرعب النووي.
استمر هذا الوضع، إلى حد، ما بعد انتهاء الحرب الباردة وتفكك حلف وارسو، ثم الاتحاد السوفيتي نفسه، على الرغم من توسع رقعة الصراع نتيجة تفجر الحروب الأهلية والدولية في كثير من المناطق في العالم، ونتيجة لظهور مصادر تهديد جديدة لأمن الدول والمجتمعات. في ظل هذا الوضع لم تعد القوة العسكرية غير قادرة على الحسم، خصوصًا إذا تم استخدام هذه القوة خارج إطار الشرعية.
ونتيجة لهذه التحولات البنائية، إضافة إلى عوامل ذاتية تتمثل في طبيعة القيادة الأمريكية التي تتحكم في قرار الحرب، أصبح من الصعب إجراء تقييم دقيق للموقف يساعد على استكشاف المسار المحتمل لهذه الحرب التي تخالف منطق الحرب التي عرفتها البشرية والمدونة في الكتب الكلاسيكية الخاصة بالحرب وفنونها، بدءًا بكتاب فن الحرب للمفكر الصيني سون تزو، أو كتاب المفكر الألماني ڤون كلاوزفيتز عن الحرب، وانتهاء بآلاف الدراسات التي اهتمت بموضوع الحرب، أسبابها واستراتيجيات وتكتيكات إدارتها.
وبينما كانت الحكمة التقليدية تشير إلى أن القادة حين يشنون الحروب لا يتوقعون أن يطول أمدها وأن تصبح تكلفتها البشرية والمادية أعلى مما يتقبله الرأي العام، والتي كانت تشكل عوامل ضغط تدفع القادة إلى التحلي بسلوك منضبط على مستوى التصريحات أو التصعيد، لإنهاء القتال سريعاً، مع الاستعداد للانخراط في جولة أخرى من القتال إذا تطلب الأمر ومقتضيات الصراع أو الحفاظ على توازن للقوى يضمن الحد الأدنى من الأمن وتحقيق المصالح الحيوية للدولة. لكن لوحظ ابتعاد القادة عن هذه الحكمة إلى حد ما في كثير من الحروب التي لا تزال مشتعلة منذ مطلع الألفية.
على الرغم من التدفق الهائل في البيانات والمعلومات، في العقدين الماضيين، نتيجة لثورة المعلومات والاتصالات، الأمر الذي أتاح كمًا هائلًا من البيانات الآنية، إلا أن هذه الوفرة في البيانات وفي المعلومات لم تؤد إلى تحسين القدرة التحليلية للخروج باستنتاجات دقيقة تسمح باستشراف للمستقبل.
على سبيل المثال، تتحدث تقارير منشورة في الصحف وكذلك تقييمات لمراكز الأبحاث والدراسات تستند إلى معلومات لأجهزة المخابرات والمعلومات عن استنزاف كبير للقدرات العسكرية للأطراف المتحاربة نتيجة للعمليات الحربية على نحو يوحي بتراجع قدرة هذه الأطراف على مواصلة الحرب بالوتيرة ذاتها أو يحد من قدرتها على التصعيد والرد.
مثلًا، تشير تقارير إعلامية إلى استهلاك صواريخ توماهوك كروز الأمريكية الدقيقة، والتي تعد عنصرًا أساسيًا في الهجمات العسكرية الأمريكية، في الأسابيع الأربعة الأولى للحرب بمعدل يثير قلق المسؤولين العسكريين الأمريكيين، لأن هذه الصواريخ قادرة على إصابة أهداف على بعد يزيد عن 1000 ميل، ما يقلل الحاجة إلى إرسال طيارين أمريكيين إلى أجواء شديدة التحصين. لكن التقارير عن نقص هذه الصواريخ لم يكن لها صدى لا في التصريحات ولا في العمليات العسكرية الميدانية.
هناك عامل آخر يزيد صعوبة تقييم الوضع يتمثل في أن قرار ترامب بخوض هذه الحرب كان مدفوعا بعوامل نفسية بالأساس إلى حد غابت معه الاستراتيجية إلى حد بعيد، سواء على مستوى الحسابات والتقديرات أو على مستوى السيناريوهات المتعلقة بتصعيد الحرب أو بخفض التصعيد، وأيضا فيما يخص البحث عن طريق للخروج.
وبينما كان ترامب يكافح قبل شهور، من أجل وقف الحرب في لبنان وفي غزة وخفض التصعيد العسكري، كان حريصًا في هذا الوقت على منع توسع الحرب إقليميًا الأمر الذي دفعه إلى تدخله الحاسم قرب نهاية الحرب القصيرة، التي اندلعت بين وإسرائيل في يونيو الماضي، من خلال توجيه ضربة قوية لمنشآت نووية إيرانية.
لكن جهوده هذه المرة لا تؤتي أي ثمار إلى حد أنه بات مضطرًا ليخطو خطوة تتجاوز التعامل مع استراتيجية التصعيد الإيرانية والإسرائيلية، والتدخل المباشر في الحرب على إيران، وهو التدخل الذي كان سببًا رئيسيا لتوسيع بنك الأهداف الإيراني ليشمل أصولًا عسكرية واقتصادية ونفطية في دول الخليج التي تستضيف قواعد عسكرية أمريكية أو تقدم لها تسهيلات عسكرية وفق استراتيجية مدروسة للتصعيد.
غلبة العوامل النفسية في هذه الحرب على الحسابات الاستراتيجية الباردة كان سببًا رئيسًا وراء غياب أي تحليل منطقي للأهداف الأمريكية لهذه الحرب، ولأن تتخلى الإدارة الأمريكية عن دورها التقليدي كقوة كابحة للجموح الإسرائيلي، الأمر الذي حرم واشنطن من قدرتها على إدارة الحرب والحفاظ على وضعها كوسيط في حل النزاعات الإقليمية.
تحالف من أجل السلام
من الصعب معرفة ما إذا كان التغير في سلوك الولايات المتحدة نحو الصراعات في المنطقة ونحو إيران، هو أمر عرضي مرتبط بشخصية ترامب وأسلوبه في الحكم، أم أنه ناتج عن تحولات بنائية نتيجة لأزمات داخلية وخارجية تواجهها، وهو سؤال يستدعي اجتهادات مختلفة وتحليلات معمقة.
لكن من الواضح أن لهذا التغير في السلوك تأثيرات تتجاوز المنطقة ولا تقتصر فقط على خصوم الولايات المتحدة ومنافسيها، وإنما تشمل أيضًا حلفائها، الذين لم يجر التشاور معهم قبل هذه الحرب وجرى تهميشهم في المفاوضات التي سبقت الحرب عن عمد، والذين يتعرضون لضغوط من إسرائيل ومن ترامب للانضمام إليهما في الحرب على إيران وفتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية بالقوة، الأمر الذي يؤدي إلى تصعيد أكبر للحرب وقطع شامل لإمدادات النفط والغاز، والتأثير على سلاسل الإمداد الأخرى في العالم، وتصعيد الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها العالم. وتبدي الدول الأوروبية ممانعة في مواجهة الضغوط الأمريكية الأمر الذي يتضح من خلال تأجيل تصويت في مجلس الأمن بخصوص مضيق هرمز.
على الرغم من وجود مؤشرات على دعم الدول الأوروبية وروسيا والصين لجهود الوساطة المشتركة لكل من باكستان ومصر وتركيا، من أجل التوصل إلى اتفاق يوقف الحرب ولو بشكل مؤقت، إلى أن هذا الدعم وحده لا يكفي، بل يتطلب مشاركة من هذه الدول من أجل بلورة صيغة للاتفاق قادرة على جسر الفجوة الهائلة بين المطالب الأمريكية والإيرانية، من ناحية، ولجذب واشنطن بعيدا عن تأثير نتنياهو من ناحية أخرى، واستثمار موقف الحزب الديمقراطي الأمريكي وكثير من المؤسسات وقادة الرأي العام الأمريكي، التي باتت تدرك خطورة غياب موقف أمريكي مستقل ومتمايز عن موقف إسرائيل، على هامش المناورة الذي كانت تتمتع به الولايات المتحدة كوسيط في حل الصراعات في المنطقة وفي مقدمتها الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، واستثمار التقارير التي تتحدث عن الأخطاء والحسابات والتقديرات السيئة لإدارة ترامب في قرارها المشاركة في الضربة العسكرية ضد إيران.
إن المعارضة المتزايدة من قبل قطاعات واسعة من الرأي العام الأمريكي والنخبة تثير قلق ترامب على نحو يدفعه لتبني مواقف أكثر تشددا وانعزالية، فبعض هذه التحركات يزيد من الخطر الذي قد يواجهه ترامب بإضافة احتمال محاكمته دوليًا للاشتباه في ارتكابه جرائم حرب، إضافة إلى المحاكمة التي يواجهها في الداخل بسبب انتهاكات للدستور والقانون الأمريكيين.
من هذه التحركات الرسالة المفتوحة التي وقع عليها عشرات من خبراء القانون الدولي في الولايات المتحدة والتي حذروا فيها من أن الضربات الأمريكية على إيران قد ترقى إلى جرائم حرب، لاسيما في ضوء تهديده باستهداف محطات الكهرباء وتحلية المياه في إيران، وجاء في الرسالة التي وقعها أكثر من 100 خبير في القانون الدولي من جامعات أمريكية بارزة، مثل هارفارد وييل وستانفورد وكاليفورنيا، أن ممارسات القوات الأمريكية وتصريحات مسؤولين كبار في الإدارة الأمريكية تثير مخاوف جدية بشأن انتهاكات للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، بما يتضمن جرائم حرب محتملة.
لم يستجب إعلان ترامب قبوله وقف الحرب لمدة أسبوعين للشروط العشرة التي أعلنتها إيران، والتي دعت إلى وقف دائم للحرب، بما في ذلك وقف هجمات إسرائيل على حزب الله في لبنان، وعلى جميع حلفائها في المنطقة، وتضمنت شروطا لإعادة فتح مضيق هرمز تضمن لإيران تعويضات عما لحقها من أضرار نتيجة الضربات الأمريكية والإسرائيلية، وكان تركيز الوسطاء وترامب موجهًا لمنع تصعيد للقتال قد يخرج الحرب عن السيطرة.
ومن ثم، سيكون من المهم في الأيام القادمة التركيز على توفير بيئة تحول دون تجدد الحرب، قبل التعامل مع الأسباب الأخرى المباشرة وغير المباشرة التي أدت إلى اندلاعها، والتفكير في الحل الدائم والشامل للنزاع، الذي يتطلب الشروع في تحرك دولي أوسع لإنهاء الصراع الجذري الطويل والممتد، وبذل جهود دولية تتجاوز الولايات المتحدة وإسرائيل والمواقف الرسمية لدول المنطقة.
ويكون هذا التحرك مقدمة لتشكل تحالف دولي واسع ومتعدد المستويات للتحرك الممنهج من أجل التوصل إلى سلام ينهي الحرب، والانتقال بعيداً عن منطق التسوية السياسية الذي ينهى أي إمكانية لتحقيق السلام في المنطقة ويبقي احتمال تجدد الحروب المدمرة قائمًا.
---
## الفصح بين القديم والجديد ومن يأكله
URL: https://tabcm.net/54522/
Type: post
Modified: 2026-04-08
كل ابن غريب لا يأكل منه ولكن كل عبد رجل مبتاع بفضة تختنه ثم يأكل منه، النزيل والأجير لا يأكلان منه… وإذا نزل عندك نزيل وصنع فصحاً للرب، فليختن منه كل ذكر ثم يتقدم ليصنعه فيكون كمولود الأرض. أما كل أغلف فلا يأكل منه. تكون شريعة واحدة لمولود الأرض وللنزيل النازل بينكم
(سفر الخروج ١٢ : ٤٣-٤٩)
لم يكن مسموحًا أن يأكل من الفصح كل من العبد والقريب، والشخص الذي لم يختن، والأجير.
هنا يرتفع الطقس مرة واحدة ليوضح أساس العلاقة الجوهرية بين الإنسان والله.
فكل التحذيرات والشروط السابقة التي فرضت على اختيار الحمل وطهيه وأكله، ألقت رهبة ليست بقليلة تجاه ذلك الحمل الرهيب. ولكن عزل العبد والأجير وغير المختون من الاقتراب إليه لأكله يُزيد من هذه المهابة حتى يكاد الذهن العادي يدرك -في ذلك الزمان- أن هذا الخروف يحوي سرًا من أسرار الله!!
والآن، من هو العبد المشترى بالفضة المحروم من أكل الخروف إلا الإنسان الذي استهوته الأموال واستعبدته المقتنيات فاشتراه رئيس هذا الدهر بفضته لحسابه وجعله من خاصته؟
ومن هو الأجير إلا الذي خرج من بيت الآب السماوي واحتقر البنوة فافتقر واعتاز في الكورة البعيدة واستأجره السيد القاسي رئيس الظلمة ليعمل مشيئته؟
ومن هو الغريب إلا الذي رفض أن يستوطن عند الرب واستثقل وصاياه واحتقر بيته فعاش هائمًا محبًا للدنيا غريبًا، عدوًا لله؟
ومن هو غير المختون إلا الذي لم ينزع عاره ولا رضي أن يتخلص من إثمه وارتضى أن يعيش في الخطية وعليه نجاساته؟
هؤلاء لا يأكلون من الحمل لأنهم رفضوا عشاء عرس الخروف وازدروا واحتقروا الدعوة والداعي واستهانوا ولم يلبسوا لباس العرس ولم يبيضوا ثيابهم بطهارة دم الخروف!
أما المدعوون الذين يأكلون الحمل، فهم الذين استعدوا وصدقوا وأطاعوا ودخلوا في عهد البنوة واقتنوا روح الموعد القدوس.
الفصح بين القديم والجديد
لأن فصحنا أيضًا المسيح قد ذبح لأجلنا
(رسالة بولس اﻷولى إلى كورنثوس ٥ : ٧)
بهذه الكلمات كشف بولس عن الرابطة الوثيقة بين الفصح والمسيح، بين الرمز والمرموز، بين الظل والحقيقة، بين القديم والجديد. لهذا لا يسعنا إلا أن نعيد النظر في هذا الطقس في نور العهد الجديد لكي ننتقل من الحمل الذي انتهى إلى «حمل الله» الذي لن ينتهي، الحامل خطية العالم، القائم في السماء كأنه مذبوح ((سفر الرؤيا 6:5 ))
1. الفصح كرمز للمسيح
الكتاب المقدس أعلن صراحة أن «فصحنا أيضًا المسيح»، أي أن لنا نحن أيضًا فصحًا. فالمسيح الذي رُمز إليه بالذبائح من نواحٍ عديدة، قد رُمز إليه مرة واحدة بذبيحة الفصح. إنه «حمل الله» ((إنجيل يوحنا 29:1 ))، الذي «بلا عيب ولا دنس» ((رسالة بطرس اﻷولى 19:1 ))، وهو أيضًا «قدوس بلا شر ولا دنس» ((رسالة بولس إلى العبرانين 26:7 )).
عندما كان يذبح خروف الفصح، كان يشير من بعيد إلى المسيح معلقًا على الصليب، وعندما كان الخروف يطرح في النار كان يشير إلى عظم الآلام التي اخترقت نفس المسيح، وعندما كان الحمل يؤكل كله كان يشير كيف يؤخذ المسيح ويحل في قلب المؤمن ((رسالة غلاطية 19:4 )).
كانت الأسرة تجتمع حول خروف الفصح بالتالي كل بني إسرائيل، فذبيحة الفصح كانت واسطة تجميع هائلة جعلت الشعب المفكك المتنافر وحدة واحدة وقلبًا واحدًا وفكرًا واحدًا على الأقل فيما يختص بطاعة أوامر الله وقبول الخروج من مصر والاستعداد للهروب. وعلى نفس النمط صار المسيح وحدة تجميع حية، إنما فيما يختص بالخلاص والعبادة الحقة والحياة الأبدية. فهو الذي جعل الاثنين واحدًا وصالح السمائيين مع الأرضيين، والشعب مع الشعوب، والنفس مع الجسد!! وهو مؤسس الكنيسة التي هي سر وحدة الإنسان بالله، التي تجمع وتوحد مع الله كل شعب ولسان وأمة تحت السماء!!
ولكن المسيح يفوق بما لا يقاس ذبيحة الفصح، فمن طبيعة الرمز أنه يكون أقل من المرموز إليه. الرمز يؤخذ من محيط دائرة منخفضة عن الشيء الذي يمثله. وهكذا في حالة الفصح تفوق الحقيقة الرمز حتى إذا ما أشرنا إلى الجوهر وجدناه يبتلع الرمز تمامًا.
كم هو كبير الفرق بين الفدائين، فالفداء الأول من مصر، كان من سطوة فرعون ومن قضاء وقتي كان سيحل ببني إسرائيل. ولكن كانت هناك حاجة إلى فداء أكبر ينقذنا من سطوة العالم ومن العبودية للخطية وذل الشيطان، من الموت الروحي الأبدي ومن غضب الله! هذا الفداء الأكبر قام به المسيح وأعطى الإنسان صك الحرية والخلاص والصفح الكامل وفتح الطريق أمام قلب الإنسان للاقتراب من الله ونيل التبرير الكامل ببر الله وحبه وقبول عهد التبني. كذلك كم هو كبير الفرق بين فاعلية دم حيوان وفاعلية دم ابن الله!!
دم الحمل لم يكن يرفع الخطية ومهما كان له من تأثير فهو مستمد من أن الله قد أقامه ليكون رمزًا للمسيح. عدم كماله كان واضحًا في تكراره ((رسالة بولس إلى العبرانيين 10: 1-3 ))، ولكن ما عجزت عنه الدماء المراقة من آلاف الكباش والتيوس قد قام به المسيح إذ قدم نفسه مرة واحدة. لقد حصل إسرائيل على الهروب من القضاء الوقتي ونيل الحرية الخارجية. وعناية الله في البرية، وميراث أرضي نُزع منهم مرارًا. ولكن نحن أخذنا بدم المسيح مغفرة أبدية وتطهيرًا من الخطايا وبرًا نحيا به بلا لوم أمام الله، بر يسوع المسيح، وميلادًا ثانيًا للحياة بروحه ورجاءً بالقيامة من الأموات.
2. أرض مصر
دينونة مصر بالضربة العاشرة والأخيرة يوم الفصح هي رمز لدينونة العالم الأخيرة عندما يظهر الحمل المذبوح آتيًا بمجد عظيم. كانت الضربة في منتصف الليل -الوقت الذي كان يحلو للمسيح دائمًا أن يذكره في جميع أمثاله كميعاد لقدومه بغتة للدينونة العتيدة- كان الكل غارقًا في النوم، غير ملتفت إلى الكارثة التي حل ميعادها.
سوف يندهش العالم عندما يأتي عليه يوم الرب كلص وهو غافل عن نفسه في نوم وسلام مزيف. فاسهروا إذن لأنكم لا تعلمون في أية ساعة يأتي ربكم ((إنجيل متى 42:24 )). لم يكن هناك من أنقذ من هذه الضربة من المصريين قاطبة، فكانت شاملة، ولم تمسك يد الرب عن الوصول إلى أعلى وأقل بيت. لقد تسببت خطيتهم في هلاك فلذات أكبادهم، هكذا الخطية تحرمنا من أعز ما لنا!
كان الألم والحسرة بلا جدوى، فالحزن والبكاء وصرير الأسنان لا يقيم من الموت ولا يفدي من هلاك أو من العقاب المحتوم! هكذا سيكون حزن الأشرار وصرير أسنانهم بلا فائدة كتوبة عيسو التي لم تجد لها مكانًا ولا استجابة.
وعلينا أن ننتبه إلى قول الكتاب: هي ليلة تحفظ للرب ((سفر الخروج 12: 42 ))، الليلة التي يظهر فيها الله بنفسه ليعمل خلاصًا أو هلاكًا!
كانت كل الضربات التسعة السابقة لها أساس طبيعي ولكن لم يكن الأمر كذلك مع الضربة العاشرة بل كانت فائقة للطبيعة. كانت في الضربات التسعة فرصة للتوبة إذ كانت تبدأ بالتحذير ثم الضرب، ثم تنتهي بأن يرفع الله الضربة عنهم عندما يندم فرعون والشعب أي أن العدل كان ممتزجًا بالرحمة.
أليست هذه هي حالتنا في العالم الحاضر حيث يؤدبنا الله بينما باب التوبة لا يزال مفتوحًا على مصراعيه؟
ولكن الضربة الأخيرة كانت دينونة عادلة! ليس فيها رحمة، وهي صورة للدينونة الأخيرة حيث لا يوجد فيها أي رجاء بالرحمة.
كانت في الضربات الأولى دعوة ضمنية من جانب الله إلى فرعون ومصر للإيمان. ولكنها قوبلت جميعًا بالاستهزاء والتحدي وبعدم التصديق. وهكذا لا يزال الله ولا تزال معاملته من جهة الإنسان عامة، ولكن في المرة الأخيرة لم يكن مجال بعد لاستجداء توبة الإنسان، إذ كانت يد الرب هي القوة الضاربة المنتقمة.
وقعت الضربة العاشرة على أبكار البشر والحيوانات إشارة وتوجيهًا لذهن الإنسان إلى مسؤوليته المباشرة عن الخليقة، سواء بخطيئته مسببًا لها اللعنة والموت والفساد، أو بتوبته وطهارته مسببًا لها الفداء والحياة وتجديد وجه الأرض. أما أبكار المصريين فماتوا جميعًا في ليلة واحدة كضربة جزاء لقتل ذكور بني إسرائيل، فقد فداهم الفصح عربونًا ورمزًا لقيامة المسيح البكر من بين الأموات!!
وكان أن الله كلم موسى بعد خروجهم من أرض مصر مباشرة قائلًا: قدس لي كل بكر، كل فاتح رحم، من بني إسرائيل من الناس ومن البهائم، إنه لي ((سفر الخروج 2:13 )). تقديس بكورية الإنسان رمز منصب على التجسد، وبكورية الحيوانات الطاهرة رمز منصب على ذبح المسيح على الصليب.
لذلك ظلت هذه الوصية قائمة إلى أن تجسد المسيح البكر، بكر الإنسان ووحيد الله!! فانفك بكر الإنسان من الالتزام، ولما ذبح على الصليب، أُبطلت الذبيحة فانفك بكر الحيوان من الالتزام. لقد تحررت الخليقة كلها بموت المسيح.
وأصنع أحكامًا بكل آلهة المصريين، أنا الرب
(سفر الخروج ١٢ : ١٢ )
كانت هذه هي الحال مع العشر ضربات وخصوصًا الأخيرة، عندما أهلك أبكار البهائم، فكانت هذه الضربة موجهة من الله ضد عبادة الأوثان وعبادة الحيوانات وتعبد كآلهة أيضُا.
كانت حياة بني إسرائيل في مصر مُرَّة وتنهُدهم في العبودية والمذلة بلغ السماء، لذلك كان طقس إقامة الفصح على ممر السنين ذكرى مؤلمة، ذكرى الغربة المرة تحت الولاة القساة، فكانت فرصة النجاة والخلاص يشوبها باستمرار صورة قاتمة لما قاساه الشعب البريء في مصر.
أما نحن، فليست آلامنا ذكرى بل هي حقيقة واقعة. فالخطية التي ترمز إليها مصر، والشيطان الذي يرمز إليه فرعون، لا يزال عملهما قائمًا، فإن كانت فرصتنا بالخلاص الذي أكمله المسيح عظيمة، فآلامنا ليست قليلة، لأننا لا نزال نواجه العالم ورئيسه مع قوات الظلمة وجنود الشر، لذلك نحن لا نقيم فصحنا للذكرى بل نقيمه كل يوم في قلوبنا وعلى مذابحنا طلبًا للنجاة وتمسكًا بالذي ينجي!
قد تبدو مدة غربتنا طويلة ولكن الله سيفدينا في النهاية.
كانت مدة أربعمائة وثلاثون سنة طويلة، ولكن الفصول والسنون في يد الله، وكما حدد أربعة قرون كمدة للعبودية قبل بدئها ((سفر التكوين 13:15 ))، هكذا نثق أنه يحدد -بحكمة- زمان آلامنا وغربتنا. الله يعرف مدة احتياجنا للتأديب فيحدد لكل من أولاده نوع وزمن الألم الذي يحتاجه لتقويمه، ولكن لا بد أن نترجى كل يوم الليلة التي نخرج فيها من «مصر» حينما يفتقدنا الروح القدس ويفك أربطة الخطايا عن قلوبنا وعقولنا ويرفع حجاب الظلمة عن عيوننا لنرى النور الحقيقي ونذوق «ليلة الرب»!! وسر «عشاء الخروف».
كان خروج الشعب خارج عتبة البيت ليلة الفصح خطرًا. الموت المحتم كان يترصد أي يهودي إذا تخطى البيت أي ابتعد عن حماية دم الكفارة قبل الصباح. آه، فليحذر المسيحي أن يتخطى حدود دم المسيح! آه، نحن لسنا أحراراً أن نبتعد عن حدود وصايا المسيح.
ليس مسموحًا لنا أن نخرج عن معنى الصليب وحدوده الضيقة.
الموت يترصد المسيحي حينما يستهين بالدم الإلهي ويخرج يطلب الحرية العقلية من مصادر الفلسفات الميتة.
وأنتم لا يخرج أحد منكم من باب بيته حتى الصباح ((سفر الخروج 12: 22 )). علينا أن نستمر وراء الصليب في حمى يسوع إلى أن ينفجر النهار ويشرق علينا نور مجد المسيح ونوهب الحرية الحقيقية من الروح القدس.
---
## ملاحظات على ألحان وقراءات أسبوع البصخة
URL: https://tabcm.net/54721/
Type: post
Modified: 2026-04-07
ليس جميع الألحان بالنغم الحزايني، فهناك ألحان بها أنغام فرايحي:
مثل لحن إبؤورو في ختام الصلاة،
أو بعض أجزاء من ألحان الجمعة العظيمة مثل لحن فاي إيطاف إينف، ولحن بيك إثرونوس،
بل إن نغمة فاي إيطاف إينف تشبه لحن الهيتينيات الفرايحي في العيد.
الألحان الحزينة [الجنائزية] لا نرتلها حزنا على المسيح أو آلامه المحيية أو موته، بل حزنا على خطايانا.
لحن ثوك تى تي جوم يتميز بنغمة سريعة تشبه المارش العسكري، نقدمه كجنود لملك منتصر صارخين: لك القوة والمجد والبركة والعزة.
بداية من خميس العهد تتم قراءة فصول من الأربعة أناجيل كل ساعة، لتأكيد وحدة الأناجيل وتناسقها.
في الساعة السادسة والتاسعة، يرتل الشمامسة ألحان العذراء تاي شوري وتي شوري، وذلك لتمجيد وتكريم العذراء، تلك الأم التي جاز في نفسها وقلبها سيف الصليب وتلك الأم التي التهبت أحشاءها وهي ترى ابنها مذبوحًا على الصليب.
لا تكتفي الكنيسة بتقديم وجبة روحية تأملية، بل تقدم وجبة متكاملة تشمل نص عقيدي في منتهي الإبداع، وهو نص لحن أمونوجينيس [أيها الإبن الوحيد الجنس] في الساعة السادسة، وكذلك لحن فاي إيطاف إينف (هذا الذي أصعد ذاته ذبيحة مقبولة على الصليب من أجل خلاصنا، فاشتمه أبوه الصالح وقت المساء على الجلجثة… نسجد لك أيها المسيح).
في لحن أمونوجينيس، تستخدم الكنيسة تعبير لا يستخدم إلا في عيد القيامة وهو (بالموت داس الموت)، وذلك للتأكيد أن الكنيسة لا يتوقف إيمانها على العيان عند منظر الصلب فقط ، بل يمتد نظرها بالإيمان وراء الزمن ليرى القيامة كأنها حدثت قبل أن تحدث.
تتجنب الألحان القبطية الأرثوذكسية الأصيلة النواح على آلام المسيح، ولكن تمجده دائمًا كملك منتصر غالب، وتقدم له التقديس والتمجيد، وهي بهذا تتجاوز المظهر الخارجي بالعيان لجسد المسيح المذبوح لتراه بالإيمان، أنه الأسد الملك الغالب.
للأسف تسللت بعض المدائح التي تنحصر في تجسيد آلام المسيح وحزن العذراء وهي للأسف متأثرة بالثقافة المصرية الصعيدية في النواح والعديد على الأموات، وهي بعيدة كل البعد عن روح الأرثوذكسية.
تصر الكنيسة أن تبقي صائمة ومصلية حتى الساعة السادسة مساءً (الساعة الثانية عشر بحسب التوقيت العبري والكنسي) وهي وقت دفن المسيح، كأنها ترفض أن تترك عريسها معلقًا على الصليب لتذهب وتستريح وتأكل وتشرب.
قمة الإبداع في ترتيل لحن بيك إثرونوس “كرسيك يا الله إلى دهر الدهور.. قضيب الاستقامة هو قضيب ملكك” وهو لحن فرعوني قديم مكون من نصفين، نصف جنائزي كان يرتل في تجنيز الملوك، وجزء فرايحي كان يرتل في تجليس الملك الجديد.
يرتل هذا اللحن وقت الساعة الثانية عشر أي وقت دفن المسيح وكأنها تقول لو كان العالم يرى موت المسيح وأنه ليس له قوة أو سلطان فأنا أراه بعين الإيمان ملك منتصر قوي غالب ملكوته لا ينتهي وصولجان الملك في يمينه. وهي تعلن أن موته وتجنيزه هو سبب أن يجلس ملكًا على قلوبنا للأبد.
أخيرا لا تنسى الكنيسة أن تعلن إيمانها بقيامة المسيح حتى في أقسى وأقصى لحظات الضعف والهزيمة، فتنزع الستائر السوداء وتضع البيضاء، وتعلن أنها لا تعيش بالعيان بل بالإيمان، وأنها ترى القيامة بعين الإيمان كأن الزمن تلاشى، فنذهب إلى بيوتنا يوم الجمعة فرحين ومنتظرين قيامة المسيح وقد رأيناها بالإيمان، وليس مثل المريمات الذين أتوا يوم الأحد حزانى على المسيح الميت.
---
## الأحد ٦ فبراير
URL: https://tabcm.net/54612/
Type: post
Modified: 2026-04-06
بدأ اليوم باجتماع الحوار الوطني الذي دعت إليه أطراف عديدة محسوبة شكلًا على المعارضة مع نائب الرئيس؛ عمر سليمان، وحضر اللقاء ممثلو بعض الأحزاب، وبعض الشخصيات العامة التي لا علاقة لها بالثورة من قريب أو من بعيد، مثل د. حسام بدراوي، الأمين العام للحزب الوطني، ود. السيد البدوي، رئيس حزب الوفد، ورجل الأعمال م. نجيب ساويرس، الذي أقحم في الأحداث إقحامًا، ود. رفعت السعيد، ممثلًا عن حزب التجمع، وبائع الكبدة الذي تحول لرجل أعمال ونائب مجلس الشعب السابق؛ رجب هلال حميدة، ممثلًا عن حزب الغد المتنازع عليه، وبعض من الشخصيات التي تدعي المعارضة وكانت تمانع بالأساس المظاهرات يوم 25 يناير، بالإضافة إلى قلة قليلة من شباب الثورة، المحسوبين تنظيميًا على الإخوان المسلمين، منهم مصطفى النجار وعبد الرحمن القرضاوي.
كانت بعض رموز المعارضة قد اختلفت على هذا اللقاء، فقد أعلن أيمن نور أنه تلقى دعوة غير مباشرة ورفضها، وأضاف أن الإخوان المسلمين أكدوا له عدم ذهابهم إلى هذا الاجتماع، لكنهم نكثوا بعهدهم. أما البرادعي فقد أكد أنه لم يتلق أية دعوة أصلًا إلى هذا الحوار الذي يشوبه في رأيه الغموض، وقال: لا أحد يعلم من يتحدث إلى من، فالحوار يديره نائب الرئيس عمر سليمان والجيش، وهنا تكمن المشكلة، فالرئيس رجل عسكري ونائب الرئيس رجل عسكري، وكذلك رئيس الوزراء. إنني أعتقد أننا إذا كنا بالفعل نرغب في زرع الثقة فلابد من إشراك المدنيين. وأدعى التلفزيون المصري كذبًا أن هناك ممثلًا عن د. البرادعي من بين الحضور دون تحديد شخصيته.
منذ أول لحظة بدأ فيها الاجتماع، تبين أن نتيجته معدة مسبقًا في صورة بيان مكتوب وُزِّع على ممثلي الأحزاب لإقراره بعد حذف كلمة من هنا أو هناك، مما أكد أنها عملية شكلية، وأن الموضوع بأكمله مجرد مسرحية قُصد بها التفاوض من أجل إعطاء بعض الأطراف بعينها بعض المميزات مقابل سحب الشباب المنتمي إليهم من الميدان.
بالرغم من ذلك، استمر بعض الأطراف في الحوار، وتوصلت الأطراف التي دُعيت إلى هذا الاجتماع، ولا تمثل الميدان بأي حال من الأحوال، إلى ما سُمي بالتوافق على الشرعية الدستورية في مواجهة المخاطر التي تواجه مصر، ويمكن ترجمته بعدم شرعية المطالبة بتنحي مبارك، ضاربين بمطالب الميدان عرض الحائط. وقد طلب منهم سليمان الوقوف دقيقة حدادً على شهداء الثورة كوسيلة لجذب التعاطف الشعبي، وأصدر الحضور بيانًا اتفقوا فيه على تشكيل لجنة لدراسة واقتراح التعديلات الدستورية.
كان من بين من حضروا لقاء الحوار الوطني محمد مرسي وسعد الكتاتني ممثلين عن جماعة الإخوان المسلمين، مخالفين الإجماع الوطني الذي تم الاتفاق عليه سابقًا مع رفاق الثورة بعدم التفاوض إلا بعد رحيل مبارك لا حوار إلا بعد الرحيل. واتفق ممثلو الجماعة مع عمر سليمان على صفقة رابحة للطرفين، يجرى بمقتضاها سحب الشباب الإخواني من الميدان مقابل حزب وجمعية لهم، بل إن بعض قادتهم صرحوا أنه على الشعب المصري الثائر والمعتصم في ميدان التحرير أن ينصرفوا لأعمالهم وأشغالهم، فإذا لم يتم تنفيذ مطالب الثورة فليعودوا للتظاهر.
ثم أصدرت جماعة الإخوان المسلمين بيانًا اتفقوا فيه على تشكيل لجنة لدراسة واقتراح التعديلات الدستورية، وبعدها بيومين خرج الإخوان لينفوا تصريحات سليمان الذي تحدث فيها عن اتفاقهم سويًا وصفقتهم التي باتت مفضوحة، وأكد د. محمد حبيب النائب السابق للمرشد العام أمر تلك الصفقة، وأكد أنه خلال هذا اللقاء طلب سليمان من مرسي والكتاتني أن يتم سحب شباب الإخوان من ميدان التحرير، في مقابل إقرار مشروعية الجماعة والإفراج عن خيرت الشاطر وحسن مالك وبعض قيادات الجماعة، ووافق مرسي والكتاتني على الصفقة، لكن الشباب في الميدان رفضوا ذلك. ومن جهتها لم تُصر قيادة الجماعة على طلبهم، ولم تحاول إرغام الشباب على الانسحاب.
أكد تلك الصفقة أيضًا المحامي عصام سلطان في حديث له مع المذيع طوني خليفة قائلًا إنه في أثناء الثورة قد حدث لقاء ما بين الإخوان المسلمين وعمر سليمان وتم الاتفاق، وكاد أن يتم هذا الاتفاق حول أن يخرج معتقلوا الاخوان خيرت الشاطر وزملائه، وتعمل الجماعة بشكل علني وتجرى انتخابات مجلس شعب جديدة بدل من انتخابات 2010.
وأعلن المهندس هيثم أبو خليل القيادي السابق في جماعة الإخوان المسلمين استقالته من الجماعة احتجاجًا على ممارسات بعض قيادات مكتب الإرشاد التي تسيء لتاريخ الجماعة حسب قوله، وكشف أبو خليل حسب نص استقالته، أن الجماعة قد اتفقت مع عمر سليمان على إنهاء المشاركة في الثورة من أجل الحصول على حزب رسمي وجمعية، وقال أبو خليل في بيان: اتقدم باستقالتي من الجماعة التي قضيت فيها أكثر من 22 عامًا اعتراضًا على عدم اتخاذ إجراء صارم وحاسم ضد أعضاء من مكتب الإرشاد ذهبوا إلى لقاء سري مع اللواء عمر سليمان نائب رئيس الجمهورية السابق في أيام الثورة من أجل إنهاء المشاركة في الثورة مقابل الحصول على حزب وجمعية.
وأدعى عصام العريان أن الهدف من جلوسهم مع عمر سليمان هو حماية الثورة في التحرير، ومنع أي مذبحة كان يمكن أن تحدث، ويبدو أن العريان قد تناسى أن هناك مئات الشهداء وآلاف المصابين قد سقطوا بالفعل وأن التضحيات قد قدمت مسبقًا.
بعدما انتهى لقاء الحوار الوطني، قال عمر سليمان لمساعده أريد الجلوس مع الشباب فقط، ثم انفرد سليمان مع خمسة من شباب التحرير أبرزهم مصطفى النجار وعبد الرحمن يوسف، وقال لهم نصًا حسبما صرح مصطفى النجار نفسه أنا عارف إن المشاركين في الاجتماع من القوى السياسية لا وزن لهم، وأنتوا عملتوا اللي عليكم، ومش فارق معاكم حسني مبارك يقعد في شرم الشيخ بدلًا من ترك مصر، لأن ذلك إهانة للمؤسسة العسكرية، أنتوا مش عايزينه يحكم مصر، وهو لن يحكمها، والإخوان هيقصوكم من المشهد، وإذا تمكنوا من مصر فلن يتركوها ولن تستطيعوا مقاومتهم، فالإخوان مشروعهم التمكين، وأنتوا بالنسبة لهم حاجة مؤقتة سيتم استغلالها، ثم سيتم تجاوزكم والثورة ستأكل أبناءها وأنتوا أول ناس سيتم التضحية بهم وللأسف كان محقًا في عبارته الأخيرة، وبالطبع لم يصدقه أحد منهم وقتها.
في نهاية الاجتماع انتحى مصطفى النجار بعمر سليمان جانبًا، وسأله عن مصير وائل غنيم، وأن كان لديه أية معلومات عن مكان تواجده فالجميع قلق لغيابه، فرد عليه سليمان هل هذا الشاب من شباب الثورة مثلك؟ علمت أنه متهم بالتورط في علاقات مع جهات أجنبية واستخباراتية، فأجابه مصطفى أن وائل شاب مصرى طيب، وهو موظف ناجح بشركة جوجل وواحد من المصريين المخلصين الذين يطالبون بالتغيير وكل ما يقال عنه هو محض أكاذيب، وأن أمه حالتها الصحية سيئة جدًا بسبب اختفائه، ونحن لا نعرف ما إذا كان حيًا أم ميتًا، فوعده سليمان بالتدخل للإفراج عن وائل غنيم، وخرج وقتها مصطفى مرتاحًا لأنه على الأقل علم أن وائل غنيم لا يزال على قيد الحياة، ذهبت أطياف من المعارضة إلى الاجتماع وكلٍ له هدفه، فمنهم من يرنوا لمصلحة لجماعته، ومنهم من يمد للنظام طوق نجاة للاستمرار، ومنهم من أراد صادقًا أن يفتح خطًا مع النظام، ولم يفطن أحدًا إلى أن ما سُمي بالحوار الوطني كان محاولة جديدة لمحاولة شق صف المعارضة والميدان.
كان السياسيون في وادٍ والميدان في وادٍ آخر، فالميدان كان يزداد تشبثًا بموقفه يومًا بعد يوم، والحوار مع سليمان رد عليه الثوار وقتها بأن المجموعات التي تتفاوض مع عمر سليمان لا تمثلهم، وأهمها الإخوان، وأصبح رحيل مبارك أمر مرفوض حتى التفاوض بشأنه، كان رد فعل الميدان هو الإعلان عن تكاتف وتضامن عدد من الحركات السياسية الشبابية في كيان واحد يعبر عن الشباب سُمي بائتلاف شباب الثورة وأصبح المحامي المعارض زياد العليمى المتحدث الرسمي باسم الائتلاف، وأعلنوا عن عقيدتهم وهي لا تفاوض قبل الرحيل.
في إطار البحث عن وائل غنيم المفقود، كشف د. حازم عبد العظيم للصحفي محمد الجارحي عن هوية مؤسس صفحة “كلنا خالد سعيد”، وكان من القلائل الذين يعرفون ذلك. ونشر الصحفي بدوره مقالاً عن دور وائل غنيم، مما جعل اهتمام الإعلام يتزايد بخبر اختفائه، ويمثل في الوقت ذاته ضغطًا على النظام للإفراج عنه.
ثم ظهرت إسراء عبد الفتاح على قناة الجزيرة مطالبة بأن يكون وائل غنيم المتحدث الرسمي باسم شباب الثورة، في محاولة لوضع مزيد من الضغط على الحكومة لإطلاق سراحه. واتصل صديق وائل غنيم في العمل، نجيب، بمنى الشاذلي بعد أن وجد رقمها على هاتف وائل الآخر الذي تركه في منزله في دبي، وطلب منها المساعدة. في مساء هذا اليوم، نجح الضغط الشعبي في الإفراج عن وائل غنيم، واستدعى أحدهم وائل من محبسه، وأخبره أن التحريات قد أثبتت براءته وأنه قد تقرر الإفراج عنه وأنه سيخرج غدًا.
في مساء هذا اليوم، فُوجئ المتظاهرون بقوات الجيش المرابضة في الميدان تحاول إعادة تشكيل القوات في ميدان عبد المنعم رياض، وحاولت قوات الجيش المجاورة للمتحف المصري التقدم داخل الميدان، فأعترضهم المتظاهرون، فأطلقت قوات الجيش الرصاص في الهواء، وألقت القبض على ثلاثة من المتظاهرين، وحتى هذا اليوم لم يكن الميدان مطمئنًا إلى موقف الجيش، مما حدا ببعض المتظاهرين للنوم تحت جنزير الدبابات لمنعها من التحرك إلى أو من الميدان.
---
## والكلمة صار جسدًا
URL: https://tabcm.net/51710/
Type: post
Modified: 2026-04-05
والكلمة صار جسدًا
(يوحنا ١ : ١٤)
وبعد صرخة ملاخي الأخيرة: «أين إلهُ العدل؟»، دخل الوحي في صمتٍ طويل، كأنّ السماءَ تحبسُ أنفاسها انتظارًا لما هو آتٍ. لم يأتِ الجوابُ بكلمةٍ جديدة، ولا بنبيٍّ آخر، بل جاء حين ظهر الله نفسه في الجسد، الكلمة الحيّ. لم يعُد العدلُ وعدًا مؤجَّلًا، بل صار حاضرًا بين الناس، يمشي في طرقاتهم، وينظر في وجوههم، ويُعلن الحقّ في نور وجه يسوع.
فجاء المسيحُ راعيًا يفتقد المنكسرين، ويجبر القلوبَ الجريحة، ويشفي العميان الذين صرخوا إليه، ويُقيم المنحنين، ويُطلق المأسورين إلى حريّة البنين، ويُحرّر كلَّ من تسلّطت عليه الخطيّة، ويردّ للخطاة كرامتَهم المسلوبة، إذ لم يأتِ ليُطفئ فتيلةً مُدخَّنة، ولا ليكسر قصبةً مرضوضة، بل ليُقيم حياةً حيث ساد الموت.
لكنّ ظهوره لم يكن تعزيةً فقط، بل استعلانًا للحقّ. فهو لم يأتِ في مجيئه الأوّل ليُدين العالم، كما قال بنفسه: «لأنّي لم آتِ لأُدينَ العالم، بل لأُخلِّصَ العالم»، غير أنّ حضوره كشف الظلم، وعرّى الرياء، وأظهر القلوبَ على حقيقتها. فالحقّ حين يظهر، يصير بذاته دينونةً على من يرفضه.
ولذلك لم يبدأ الربّ يسوع خدمته بإلغاء صوت الأنبياء، بل بإتمامه. فالذي نطق به إشعياء وحزقيال وآساف، نطق به المسيح بسلطانٍ أعظم، لأنّه لم يتكلّم بوحيٍ من فوق، بل بوصفه صاحبَ السلطان نفسه. ولهذا كانت كلماته رحيمةً للمكسورين، لكنّها حاسمةٌ للقادة، لأنّ خطيّتهم لم تكن ضعفًا بشريًّا، بل استغلالًا للسلطان باسم الله، وإضلالًا للناس تحت غطاء التقوى.
في متّى ٢٣، ينطق يسوع بسلسلةٍ من «الويلات»، وهي ليست انفجارَ غضبٍ إنسانيّ، بل صيغةً نبويةً قضائيّة.
فالويل في لغة الكتاب المقدّس ليس سبًّا ولا إدانةً شخصيّة، بل إعلانَ حقٍّ يكشف المصير إن استمرّ الطريقُ ذاته.
لذلك قال مرارًا: «وَيلٌ لكم أيُّها الكتبةُ والفريسيّونَ المُراؤون» ثم كشف جوهرَ الأزمة: «تُعشِّرونَ النَّعنعَ والشَّبِثَ والكَمُّونَ، وتَرَكتُم أثقلَ الناموسِ: الحقَّ والرَّحمةَ والإيمانَ» (متّى ٢٣ : ٢٣). لم يكن هدفُ المسيح إدانتهم، بل اجتذابَهم إلى التوبة. غير أنّه واجههم لأنّهم استبدلوا العدلَ بالشكل، والرحمةَ بالمظهر، فتحوّل الدينُ في أيديهم إلى أداةِ سيطرة لا طريقَ حياة.
وقال أيضًا: «تُنقُّون خارجَ الكأسِ والصَّحن، وأمّا داخلهما فمملوءٌ اختطافًا ودعارة» (متّى ٢٣ : ٢٥). أي إنّ الفساد لم يكن سلوكًا ظاهرًا فحسب، بل قلبًا ملتويًا يختبئ خلف قناع القداسة. وهكذا صار الرياءُ ذاته شهادةً ضدّهم، لأنّهم استخدموا اسمَ الله ليُغطّوا الظلم لا ليُبطلوه.
ومن أشدّ ما نطق به المسيح: «يأكلونَ بيوتَ الأراملِ، ولِعلَّةٍ يُطيلونَ الصلواتِ. هؤلاء يأخذونَ دينونةً أعظم» (مرقس ١٢ : ٤٠ ؛ لوقا ٢- : ٤٧). هنا يلتقي صوتُ يسوع مباشرةً بصوت إشعياء ومزمور ٨٢. فالأراملُ — رمزُ الضعفاء — صِرن فريسةً لقادةٍ يتاجرون بالدين. ولذلك قال إنّ دينونتهم أعظم، لا لأنّ الله لا يريد خلاصهم، بل لأنّ نورَ الحقّ أشرق أمامهم فرفضوه، وهم يسحقون المساكين بأيديهم، ويرفعون أيديهم الأخرى بالصلاة.
ثم قدّم يسوع مثلًا نبويًّا لا يحتمل التأويل: مثلَ الكرّامين الأردياء (متّى ٢١ : ٣٣ – ٤٦؛ مرقس ١٢ : ١ – ١٢ ؛ لوقا ٢٠ : ٩ – ١٩) فالكرمُ هو الشعبُ، والكرّامون هم الرؤساء والكهنة والقضاة. الذين ضربوا العبيدَ — أي الأنبياء — الذين أرسلهم الله مرارًا ليوقظوا الضمائر ويعيدوا القلوب إليه، فكذّبوهم، واضطهدوهم، وسفكوا دماءَ بعضهم، لأنّ نورَ الكلمة كان يفضح ظلمهم. ثمّ، حين أُرسل الابنَ الحبيب، وارثَ الكرم وصاحبَه الحقيقي، لم يحتملوا حضوره؛ إذ كشف سلطانُ حياته زيفَ سلطانهم القائم على الموت، ونقاؤه فضح رياءهم، فاجتمعوا عليه ليقتلوه، لا جهلًا بمن هو، بل طمعًا في أن يبقى الكرمُ بأيديهم، ويظلّ الشعب خاضعًا تحت نيرهم، لا خاضعًا لله.
وحين سأل: «ماذا يفعل صاحبُ الكرم؟» أجاب: «يأتي ويُهلكُ أولئكَ الكرّامينَ الأشرار، ويُعطي الكرمَ لآخرين».
فهم القادةُ المعنى فورًا: «فعرفوا أنّه قال المثلَ عليهم». كان هذا إعلانًا بأنّ السلطان سيُنزع ممّن خانوا الأمانة، وتُقام جماعةٌ جديدة مولودةٌ من فوق، تحمل ثمرَ الروح في الأرض. ولم يكن هذا كلامًا رمزيًّا، بل تحقّق تاريخيًّا بخراب أورشليم سنة ٧٠م، وسقوط البنية الدينيّة التي قاومت الحقّ، بينما انطلقت الكنيسة تشهد للمسيح في كلّ الأمم.
لكنّ المفارقةَ العظمى أنّ المسيح، الذي كشف القضاء، هو نفسه الذي حمله. فحين صلبوه ظانّين أنّهم أسكتوا صوتَ الحقّ، حمل هو دينونةَ الخطيّة في جسده، ليصنع خلاصًا لكلّ من يؤمن، وتبقى دينونةٌ عتيدة لمن يرفض النور ويقاومه. وهكذا لم تبقَ صرخةُ: «حاكِمهم يا ربّ» مجرّد صلاة، بل صارت واقعًا قائمًا في شخص يسوع المسيح المصلوب.
فالعدلُ الذي انتظره الأنبياء، قام بنفسه بين الناس. والملكُ الذي وعد به حزقيال، جاء فعلًا. والقاضي الذي ناداه آساف، سيُعلَن في مجده في اليوم الأخير كما أُعلِن على الصليب.
مَن رفضوا النور، سقطوا.
ومَن قبلوه وآمنوا به، نالوا الحياة.
---
## خروف الفصح وكيف يؤكل
URL: https://tabcm.net/54517/
Type: post
Modified: 2026-04-04
كلِّما كل جماعة إسرائيل قائلَيْن: في العاشر من هذا الشهر يأخذون لهم كل واحد شاة بحسب بيوت الآباء، شاة للبيت
(سفر الخروج ١٢ : ٣)
كان التقليد اليهودي يحدد أقل عدد يشتركون في أكل الفصح بعشرة أفراد. يتقاسمه كل أفراد العائلة من رجال ونساء وأولاد. وكان الحمل يُذبح عادة بين الساعة الثالثة بعد الظهر والخامسة مساء. فإذا كانت عائلة مكونة من خمسة أفراد مثلًا فإنها لن تستطيع أن تنهي الحمل في ليلة. لذلك كان على أية عائلة كبيرة مجاورة أن ترسل خمسة أفراد لإتمام العدد.
كانت ممارسة الفصح ليست عملًا فرديًا بل جماعيًا أو بمعنى أوسع كان للأمة كلها. وهكذا كان الشعب يتعلم وحدته في الله، وحدة الشعب في الذنب كما في الفداء –هذا تصوير بديع لسر الكنيسة في فجر الوعي الديني. كل واحد كان مسؤولًا وشريكًا ضمنيًا ليس عن خطاياه فقط، بل عن خطايا الأمة أيضاً. لقد أخطأ عاخان فاعتبر الله أن «إسرائيل (كله) قد أخطأ» ((راجع أيضًا سفر إشعياء 6: 5؛ إنجيل متى 23: 35 )). أما في الفداء فهذا نراه رمزيًا في أكل كل الجماعة للحمل مشويًّا كله مرة واحدة حينما يوضع على المائدة غير مقسم ((سفر الخروج 12: 9 ))، ولم يكن يكسر عظم منه!، ويقول داود: «يحفظ جميع عظامه، واحد منها لا ينكسر»، مشيرًا إلى الرجل البار أي المسيح، رابطًا الرمز أي خروف الفصح بالحقيقة التي لم يرها بعد ((مزمور 34: 20 )).
لقد أنشأ الفصح وحدة في الأمة، فالكل يتحد في طاعة الله وفي تنفيذ الوصية حرفيًا وفي أكل الخروف المشترك. لقد وجدت هذه الروح بين اليهود العائدين من السبي عندما: اجتمع الشعب كرجل واحد إلى أورشليم ((سفر عزرا 3: 1 )) لإنشاء مذبح المحرقة. ولقد ظهرت هذه الروح أيضًا في عهد نحميا عندما اجتمع بنو إسرائيل بالصوم وعليهم مسوح وتراب ((سفر نحميا 9: 1 )). والآن في مصر أصبح الشعب روحًا واحدًا نتيجة الألم المشترك الذي خضع له وبسبب الضربات التي رآها تحل بالمصريين والوعد بالأرض التي تفيض لبنًا وعسلًا فنهضوا «كرجل واحد» تحت قيادة موسى! ولكن للأسف إذ أن اليهود في كل حياتهم حولوا وحدة الخلاص والفداء إلى وحدة التعصب، واستغلوا أوامر الله للتكتل ضد خطر الانحلال والانغماس في خطايا الأمم إلى التكتل لبغضة الأمم نفسها!، وهذه الروح المنحرفة عن معنى الوحدة الحقيقية في الله والخلاص من العدو الروحي، هي نفسها التي جعلتهم يعثرون في المسيح نفسه: ماذا نصنع فإن هذا الإنسان يعمل آيات كثيرة، إن تركناه هكذا يؤمن الجميع به فيأتي الرومانيون ويأخذون موضعنا وأمتنا… خير لنا أن يموت إنسان واحد عن الشعب ولا تهلك الأمة كلها ((إنجيل يوحنا 11: 47-50 )). إنهم دائمًا يستهينون بالروح والأخلاق في سبيل احتفاظهم بأرض أو هيكل من حجارة أو طقوس وأسماء…
صفات خروف الفصح
… تكون لكم شاة صحيحة، ذكراً ابن سنة… ويكون عندكم تحت الحفظ إلى اليوم الرابع عشر…
(سفر الخروج ١٢ : ٥، ٦)
إن “بروتوكول” الذبائح يمنع تقديم «الأعمى والأعرج والسقيم» كذبيحة ((سفر اللاويين 22: 20-25 )). فذبيحة بها عيب كانت قطعًا لا تليق كرمز للقدوس الطاهر الذي انفصل عن الخطاة!
وكان الحمل “ذكرًا” فدية وبديلًا عن الأبكار “الذكور” في كل عائلة، أن المسيح الذي مات عنا قُبلت ذبيحته لأنه كان “بلا عيب”. فحامل الخطية ينبغي أن يكون بلا خطية. هذه هي قوة سر الفداء العجيب: الذي حمل نفسه خطايانا في جسده على الخشبة ((رسالة بطرس الأولى 2: 24 )).
كان الحمل يفصل عن سائر القطيع قبل الفصح بأربعة أيام. ويقول التقليد إن السبب هو أن يعطي فرصة لأب الأسرة لكي يفحص الحمل لإمكانية الحصول على آخر إذا اكتشف فيه أي عيب.
ولذلك كان على من يشترك في هذا الفصح أن يغير سلوكه حتى يشبه الذبيحة التي بلا عيب.
كان الفصح ذبيحة تنقذ من الموت وهنا نرى الطاعة لوصايا الله تضمن السلام. لقد أعلن الله أنه سيقتل الأبكار فأطاع الشعب ورش الدم على البيوت فكان دم الطاعة مقبولًا أمام الله كبديل عن أبكارهم، هكذا دائمًا مجرد الطاعة لأمر الله كفيل أن يقوم مقام أعظم الأعمال.
إن أكل الحمل الذي بلا عيب يرمز إلى الحالة التي يتطلبها الله من مقدم الذبيحة، وإلا ما قيمة أن يكون الحمل بلا عيب شكلًا وهو سيشوى بالنار ويؤكل؟ إن تشديد الله على طهارة الحمل وخلوه من العيوب يرفع ذهننا إلى سر تحوُّل يتم من الحمل المأكول إلى الإنسان الآكل، فإذا تعذر فهم هذا في حالة الذبيحة البهيمية، فهو لا يتعذر في ذبيحة المسيح الإلهية لأن التحول يتم بقوة طهارة الطاهر وقداسة القدوس.
كان الحمل ابن سنة واحدة لكي يقترب من مثال الكمال، وهكذا ابتدأ يسوع خدمته وهو في نضارة شبابه ((إنجيل لوقا 3: 23 )). ألا يذكرنا هذا بأننا إذا تذكرنا الله في أيام شبابنا وقدمنا له باكورة صحتنا وقوتنا وعمرنا فإننا نصير أقرب لأوصاف الذبيحة المقبولة؟
ثم يذبحه كل جمهور جماعة إسرائيل في العشية
(سفر الخروج ١٢ : ٦)
عندما نتذكر أول فصح أقيم في مصر، نستطيع أن ندرك كل ما قيل وعُمل في الليلة التي جلس فيها يسوع مع تلاميذه ليأكل الفصح الأخير. وما يزال الرب إلى الآن يقول: خذوا كلوا، هذا جسدي. إننا نأكل هنا جسدًا إلهيَا حقيقيًّا لا خبزًا ولحمًا عاديين.
كان رش الدم جزءًا من حمايتهم من الملاك المهلك والأكل من الخروف الطاهر ينقل إليهم طهارته رمزيًا فيرفع عنهم سبب الموت. ومما لا شك فيه أن رش الدم ما كان يفيد شيئًا ما لم يصحبه أكل جماعة إسرائيل للخروف داخل البيوت. فعندما يشرب الدم يعلن طاعة الإيمان بالذي جعل نفسه بين الله والخطاة.
ولكن عندما يؤكل الجسد فإنه يوضح قبول الفادي الذي أصبحت حياته حياتنا. وحيث أنه بلا عيب فإنه يجعلنا أيضًا كذلك وحيث أنه مقبول فإنه يجعلنا مقبولين لدى الله!!
رش الدم
ويأخذون من الدم ويجعلونه على القائمتين والعتبة العليا في البيوت التي يأكلون فيها
(سفر الخروج ١٢ : ٧)
كان الدم عند اليهود يعتبر الحياة نفسها، ولذلك فهو العنصر الأساسي والأهم في الذبيحة، ومحور الرمز بالنسبة للكفارة لأن مفهوم الكفارة هو تقديم حياة للموت عوض حياة مهددة بالموت. ولما كانت ذبيحة الفصح الكفارية تقام من أجل البيت لكي ينقذ البكر من الموت، فكان من الضروري أن علامة الكفارة (أي الدم) توضع على الأبواب. واختيار الباب لكي يُرَش عليه الدم يتصل بفكرة أن الباب مدخل الحياة أو الموت، فإذا حمل الباب الدم يكون قد حمل في الواقع الحياة. وهكذا يلقي هذا الطقس ضوءًا على قول المسيح: أنا هو الباب ((إنجيل يوحنا 10: 9 ))، وليس فقط الباب المسفوك عليه الدم الإلهي! فهو حقًا باب الحياة وباب السماء!
لقد مات الحمل عن الأبكار. كان على البيت أن يحتمي وراء ذبيحة بلا عيب ويهرب من القصاص العادل الذي تستحقه خطاياه. وهكذا يظهر الفصح طقسًا إلهيًا يشير إلى حاجتنا إلى كفارة لكي تغطي خطاياه. كان الله على وشك النزول ليصنع نقمة كما صنع بسدوم وعمورة سابقًا، ولكن كان بنو إسرائيل كالمصريين تمامًا من جهة استحقاقهم للموت بسبب الخطية ونزول الله لا يحتمله الخطاة!!
ولهذا وجب إنقاذهم على أساس آخر غير استحقاقهم حتى يحتملوا عبور الله وسطهم. وهنا نسترجع قول رئيس الكهنة عندما قال: خير أن يموت واحد ولا تهلك الأمة كلها. فقد كان صادقًا وكانت حقيقة لأن نزول القدوس ابن الله ووجوده وسط الخطاة كان يحتمل أحد أمرين: إما أن يهلك الشعب الخاطىء وإما أن يموت المسيح عن الشعب ولا تهلك الأمة كلها!! والمسيح اختار ما اختاره رئيس الكهنة. لذلك لم يمانع المسيح من أن يقدم نفسه للموت، ولكن شتان بين ما أضمره رئيس الكهنة وما أضمره المسيح، فرئيس الكهنة كان يريد أن يتخلص من المسيح، أما المسيح فكان يريد أن يخلص رئيس الكهنة!! لذلك اعتبر رئيس الكهنة قاتلًا، واعتبر المسيح فاديًا!!!
كيف يؤكل خروف الفصح؟
وتأكلون اللحم تلك الليلة مشويًا بالنار، مع فطير على أعشاب مرة تأكلونه، لا تأكلوا منه نيئًا أو طبيخًا مطبوخاً بالماء، بل مشويًا بالنار، رأسه مع أكارعه وجوفه … ولا تُبقوا منه إلى الصباح … تأكلونه وأحقاؤكم مشدودة وأحذيتكم في أرجلكم وعصيكم في أيديكم وتأكلونه بعجلة، هو فصح للرب
(سفر الخروج ١٢ : ٨-١١)
كانت لحوم الذبائح عادة تطبخ في الماء ((سفر صموئيل الأول 14:2 و15 )). ولكن كان الأمر الصادر لهم بخصوص الفصح هو أن يكون مشويًا بالنار، تمييزًا لذبيحة الكفارة التي تحمل معنى أقصى حالات التألم عندما تموت نفس عن نفس، نفس بريئة عن نفس خاطئة!!
ويقول التقليد إنه كان يمر في جسم الحمل «سيخان»، أحدهما متعامد على الآخر، ثم يلقى هكذا وسط النيران «مصلوبًا»، وكان يقدم معه الأعشاب المرة التي تشير إلى مرارة إنكار الذات إذا كنا نتغذى بالمسيح، وكان مشويًا كله بالنار لكي يؤكل كله تأكيداً لسر الاتحاد القائم بين الحمل المذبوح والآكلين، اتحادًا كاملًا حيث تكون الآلام المشتركة (النار) واسطة ضرورية لكمال هذا الاتحاد المعبر عنه بالأكل.
وكان كل اللحم يأكله الحاضرون ولا يترك منه شيء للغد، تعبيرًا عن بساطة الاتحاد وكماله غير المتجزىء. والباقي من الحمل كان يحرق بالنار تنبيهًا للذهن أن الموضوع أكثر من أن يكون أكلًا أو تغذية، فلحم الخروف يحمل سراً آخر يفوق الأكل!
هذا كان «فصح للرب»، فلم يكن وجبة عادية بل ذبيحة خلاص وأكل حياة وفداء من موت أكيد. فكان يؤكل بسرعة وخشية واحترام شديد وهم وقوف.
فلم يكن عظم يكسر منه تنبيهًا للذهن لكرامة الذبيحة وعمق السر المخفي وراءها.
أما الأعشاب المرة فهي تذكير الشعب بآلامه في مصر، وإشارة إلى شركة آلامنا مع الحمل الإلهي. فشركة الحياة مع المسيح يدخلها عنصر الآلام كلازمة من لوازم الفداء. وكتذكير دائم لطعم الموت الذي جازه المسيح، فالصيب لم يكمل طقسه إلا عندما ذاق المسيح المر مع الخل. وهكذا احتوى طقس الفصح القديم دقائق موت المسيح وآلامه!! التي أصبحت لنا جزءًا لا يتجزأ من إيماننا وحياتنا!!
---
## الآباء والكرازة في الجحيم [٣]
URL: https://tabcm.net/54466/
Type: post
Modified: 2026-04-03
نواصل مع آباء الكنيسة حول كرازة المسيح في الجحيم.
أوريجينوس السكندري
يتحدث العلامة أوريجينوس عن كرازة المسيح للنفوس في الجحيم ردًا على اعتراض كلسوس بأن المسيح بعدما رفضه الناس على الأرض، ذهب لإقناع الذين في الجحيم كالتالي: ((أوريجينوس، ضد كلسوس، ترجمة: القس بولا رأفت، القاهرة، 2021، 2: 43، ص 206. ))
يقول [كلسوس] بعد ذلك لنا: لن تقولوا عنه -على ما أعتقد- أنه بعدما فشل في إقناع الناس على الأرض، ذهب إلى الجحيم لإقناعهم بذلك. حتى لو كان يكره ذلك [أي كلسوس]، فإننا نؤكده، إنه عندما كان في الجسد لم يقنع مجرد قلة، بل الكثير جدًا لدرجة أنه بسبب العدد الكبير من الذين أقنعهم أدى ذلك إلى قيام المؤامرة ضده، وإنه بعدما قام أصبح نفسًا عاريةً من الجسد تحدث مع النفوس العارية من الأجساد، محولاً أيضًا أولئك الذين كانوا على استعداد لقبوله، أو أولئك الذين لأسباب عرفها هو نفسه، ورأى أنهم مستعدون للقيام بذلك.
(أوريجينوس، ضد كلسوس)
ويتحدث العلامة أوريجينوس عن نزول الرب يسوع إلى الجحيم من أجل إطلاق الجالسين في ظلال الموت، ونقلهم من الجحيم إلى ملكوت السماوات كالتالي: ((أوريجينوس، عظات على سفر الخروج، ترجمة: مريم رشاد ود. جرجس بشرى، القاهرة: باناريون للتراث الآبائي، 2021، 6: 6: 53- 56، ص 148، 149. ))
ومع ذلك، لا يجب أن يتملكنا اليأس، فحتى مَن قد ابتُلِعَ، يمكن أن يُقذف مرةً ثانيةً، إذا رجع إلى رشده وتاب، كما حدث مع يونان ((سفر يونان 2: 11 )). وأعتقد إننا نحن أيضًا جميعًا، قد ابتلعتنا الأرض في أعماق الجحيم؛ ولهذا نزل الرب ليس فقط إلى الأرض، ولكن إلى أعماق الأرض السفلى ((رسالة بولس أفسس 4: 9 ))؛ وقد وجدنا هناك مُبتلعين، جالسين تحت ظلال الموت ((إنجيل لوقا 1: 79 ))، وإذ أخرجنا من هناك أعدَّ لنا مكانًا لا على الأرض، لئلا نُبتلع من جديد، ولكن في ملكوت السماوات.
(أوريجينوس، عظات على سفر الخروج)
ويصور العلامة أوريجينوس نزول المسيح إلى الجحيم من أجل تحرير الذين أُمسِكوا هناك تحت سلطان الموت كالتالي: ((أوريجينوس، تفسير رسالة رومية ج1، ترجمة: عادل ذكري، القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2020، 5: 1: 37، ص 346، 347. ))
على الجانب الآخر، كما يُقرأ في بعض المخطوطات ’على الذين لم يخطئوا على شبه تعدي آدم‘، هذا الموت، أعني الذي كان يجعل النفوس مُقيَّدةً في العالم السفلي، قيل إنه يمارس تسيُّده، فحينئذ علينا أن نفهم أنه يعني أنه حتى القديسين قد سقطوا فريسةً لهذا الموت، قطعًا تحت ناموس الموت، حتى إذ لم يكن تحت عقوبة الخطية. لكن لهذا السبب، نزل المسيح إلى العالم السفلي، ليس فقط لأنه لا يمكن أن يُمسَك من الموت ((راجع سفر أعمال 2: 24 ))، ولكن حتى يحرر مَن أُمسِكوا هناك، كما قلنا، ليس بسبب جريمة التعدي بقدر ما أن هذا بسبب حالة الموت. كما هو مكتوب وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين […] ودخلوا المدينة المقدسة ((إنجيل متى 27: 52- 53 )). وفي هذا أيضًا تحققت أقوال النبي، التي قال فيها عن المسيح: صعدت إلى العلاء. سبيت سبيًا ((مزمور 68: 8؛ رسالة بولس إلى أفسس 4: 8 )). بالتالي، بقيامته حطَّم بالفعل تسيُّد الموت، ولهذا كُتِبَ أيضًا أنه حرَّر المسبيين. أصغِ الآن لما يقوله الرسول إن العدو والطاغية، الذي حطَّم المسيح هيمنته، سيهلك. يقول: آخر عدو يبطل هو الموت ((رسالة بولس اﻷولى إلى كورنثوس 15: 26 )). بالتالي، فإن مملكة الموت قد تحطمت بالفعل، والأسرى الذين كانوا تحت سلطانه أُفرِجَ عنهم. لكن لأن العدو والطاغية لا يزال سيهلك أخيرًا في نهاية الدهر، فلهذا السبب، فإننا نراه الآن أيضًا، لا أقول يملك بقدر ما يسرق. ولأنه طُرِدَ من مملكته، فنحن نراه يتجول عبر البوادي والقفار، ساعيًا إلى أن يجمع لنفسه جماعةً من غير المؤمنين. لهذا السبب، يصرخ الرسول: إذ لا تملكن الخطية في جسدكم المائت لكي تطيعوها في شهواته ((رسالة بولس إلى رومية 6: 12 )).
(أوريجينوس، تفسير رسالة رومية ج1)
ويشير العلامة أوريجينوس -كما أشار هيبوليتوس الروماني من قبله- إلى نزول يوحنا المعمدان إلى الجحيم، وكرازته بالمسيح هناك كالتالي: (( Origen, Homilies on Luke (Fragments on Luke) vol. 94, by Joseph T. Lienhard, The Catholic University of America, 1996, Homily 4: 5, 6, on (Luke 1: 13-17), p. 19. ))
لقد كان يوحنا [المعمدان] ممهدًا للرب، ومات قبله لكي ما ينزل إلى العالم السفلي، وينادي بمجيئه. لذا فإنني أؤمن بأن سر يوحنا مازال يتحقق في العالم اليوم. لأنه إن كان أي أحد في طريقة إلى الإيمان بيسوع المسيح، فإن روح يوحنا وقوته تأتي إلى نفسه، وتُعدّ شعبًا كاملاً للرب ((إنجيل لوقا 1: 17 )).
(Origen, Homilies on Luke (Fragments on Luke))
ويتحدث العلامة أوريجينوس في موضع آخر عن كرازة المسيح في الجحيم من أجل خلاص العالم قائلًا: ((أوريجينوس، عظات على سفر التكوين، ترجمة: مجموعة من المترجمين، القاهرة: باناريون للتراث الآبائي، 2015، عظة 15: 5، ص 248، 249. ))
أما عن الآية: وأنا أرجعك في النهاية ((سفر التكوين 46: 4 ))، فأعتقد أنها تعني، كما سبق وقلنا منذ قليل أنه في أواخر الدهور، نزل ابنه الوحيد إلى الجحيم ((رسالة بولس إلى أفسس 4: 9 )) من أجل خلاص العالم، وأعاد من هناك الإنسان الأول. فلا ينبغي أن نفهم القول الموجَّه للص: اليوم تكون معي في الفردوس ((إنجيل لوقا 23: 43 ))، إنه قد قيل له فقط، بل إلى كافة القديسين الذين نزل [الابن الوحيد] من أجلهم إلى الجحيم. فإنه إذًا قد تحقق فيه، أكثر مما في يعقوب، هذا القول: وأنا أُرجِعك في النهاية من هناك.
(أوريجينوس، عظات على سفر التكوين)
أثناسيوس الرسولي
يتحدث ق. أثناسيوس الرسولي عن ذهاب الكلمة بنفسه إلى الجحيم ليكرز للأرواح في الجحيم بالخلاص كالتالي: ((أثناسيوس، المسيح في رسائل القديس أثناسيوس، ترجمة: د. صموئيل كامل و د. نصحي عبد الشهيد، القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017، الرسالة إلى أبكتيتوس، الفصل 6، ص 40، 41. ))
وهذا يُبيِّن بالأكثر هوس الذين يقولون إن الكلمة تحوَّل إلى عظام ولحم -فلو كان الأمر كذلك، لما كانت هناك حاجة إلى قبر، ولكان الجسد ذاته قد مضى بنفسه ليكرز للأرواح التي في الهاوية. أما الآن فإنه مضى هو بنفسه ليكرز، أما الجسد فبعد أن كفنه يوسف بالكتان، وضعه في الجلجثة. وهكذا اتضح أن الجسد لم يكن الكلمة، وإنما هو جسد الكلمة.
(أثناسيوس، المسيح في رسائل القديس أثناسيوس)
ويشير ق. أثناسيوس إلى نزول المسيح إلى الجحيم وارتعاد وهروب بوابي الجحيم من أمامه كالتالي: ((أثناسيوس، المسيح في رسائل القديس أثناسيوس، ترجمة: د. صموئيل كامل و د. نصحي عبد الشهيد، القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017، الرسالة إلى أبكتيتوس، الفصل 3: 56، ص 370. ))
وأيضًا ليس من الجائز أن يُقال إن الرب كان مرتعدًا، وهو الذي هرب من أمامه بوابو الجحيم، والقبور تفتحت، وقام كثير من أجساد القديسين وظهروا لأهلهم ((إنجيل متى 27: 53 )).
(أثناسيوس، المسيح في رسائل القديس أثناسيوس)
ويتحدث ق. أثناسيوس في كتابه ”تجسد ربنا يسوع المسيح“ المنسوب إليه ضد الهرطقة الأبولينارية عن كرازة المسيح للنفوس التي كانت في الجحيم كالتالي: ((أثناسيوس، ضد أبوليناريوس (تجسد ربنا يسوع المسيح)، ترجمة: د. جورج حبيب، القاهرة: جذور للنشر والتوزيع، 2016، 1: 14، ص 42. ))
فكيف حُسِبَ الرب عداد الموتى وهو في الجحيم؟ إنه لم يذهب إلى الجحيم بجسده، بل ذهب إلى الجحيم، لكي يُبشِّر النفوس التي كانت في سلاسل العبودية، وذهب وبشَّر بصورة إنسانيته، التي لم تخضع لسلطان الموت، بل غلبت الموت ودحرته. وهكذا كان حاضرًا مع الموتى لكي يصور أساس القيامة، ويحطِّم السلاسل التي كانت تربط النفوس الأسيرة في الجحيم.
(أثناسيوس، ضد أبوليناريوس)
يوسابيوس القيصري
ويروي يوسابيوس القيصري عن نزول المسيح إلى الجحيم وإقامته للموتى كما جاءت في رسالة تداوس الرسول إلى الأمير أبجار حاكم الرها كالتالي: ((يوسابيوس القيصري، تاريخ الكنيسة، ترجمة: القمص مرقس داود، القاهرة: مكتبة المحبة، 1998، 1: 13: 19، ص 48. ))
وكيف تنازل، ومات، وحجب لاهوته، وصُلِبَ، ونزل إلى الجحيم، وحطَّم المتاريس التي لم تكن قد تحطمت منذ الأزل، وأقام الموتى، لأنه نزل وحده، ولكنه قام مع كثيرين، وهكذا صعد إلى أبيه.
(يوسابيوس القيصري، تاريخ الكنيسة)
باسيليوس الكبير
يصور ق. باسيليوس إخراج المسيح للخطأة السالكين بوحشية مثل الحيوانات من سجن الجحيم وتسليمهم للملائكة القديسين كالتالي: ((باسيليوس الكبير، تفسير سفر المزامير ج2، ترجمة: د. سعيد حكيم، القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2021، عظة 49: 9، ص 111. ))
هؤلاء السالكين بوحشية، قد شبههم بالحيوانات غير العاقلة، كغنم بلا عقل، ولا قوة، يستطيعون بها أن يدافعوا عن أنفسهم صد ذاك الذي يخطفها لكي يجعلها أسيرةً، لأنه عدو، وقد ألقى بها في هوةٍ، وسلَّمها إلى الموت لكي يرعاها. والموت قد ملك من آدم حتى الناموس الموسوي ((رسالة بولس إلى رومية 5: 14 ))، إلى أن آتى الراعي الحقيقي، الذي يُقدِّم نفسه ذبيحة لأجل الخراف ((إنجيل يوحنا 10: 11 ))، وهكذا بعدما أقامها معه، وأخرجها من سجن الجحيم إلى مجد القيامة، وسلَّمها إلى المستقيمين، أي إلى الملائكة القديسين، أصبح هناك ملاكًا بجوار كل مؤمن مُستحق أن يرى الآب السماوي.
(باسيليوس الكبير، تفسير سفر المزامير ج2)
ثم يتحدث ق. باسيليوس في موضع آخر عن نزول المسيح إلى الجحيم وتحريره لنفس النبي داود مع نفوس الآخرين حتى لا تبق هناك فيما بعد كالتالي:((باسيليوس الكبير، تفسير سفر المزامير ج2، ترجمة: د. سعيد حكيم، القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2021، عظة 49: 9، ص 113. ))
إن النبي، كما هو واضح بجلاء، يتنبأ عن نزول الرب إلى الجحيم، والذي سيحرر نفس النبي مع الآخرين أيضًا حتى لا يبق هناك.
(باسيليوس الكبير، تفسير سفر المزامير ج2)
ويؤكد ق. باسيليوس على نزول المسيح إلى الجحيم لكي يملأ الكل قائلًا: ((باسيليوس الكبير، تفسير سفر المزامير ج2، ترجمة: د. سعيد حكيم، القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2021، عظة 49: 9، ص 43، 44. ))
لأنه لم يبق بدون حركة ساكنًا خلال الأيام الثلاثة، والليالي الثلاثة، بل نزل إلى الجحيم حسب تدبير القيامة لكي يملأ الكل ((رسالة بولس إلى أفسس 4: 10 )). وينشر أيضًا السليخة، لأن السليخة هي قشرة عطرية دقيقة للغاية مُغلَّفة بقطعة من الخشب. إذًا، قد يشير استخدامه لكلمة سليخة بعمق وحكمة إلى ألم الصليب، الذي اجتازه بسبب رأفته على الخليقة كلها. إذًا، فهناك مُر للدفن، وميعة للنزول إلى الجحيم لأن كل نقطة طيب مقطَّرة، تسقط إلى أسفل، وأخيرًا، سليخة حسب تدبير صلب الجسد على خشبة. انطلاقًا من هذا السبب، يقول: ’تُسرَّ به بنات الملوك في كرامتك‘، ومَن غيرهن، يمكنهن أن يكن بنات الملوك سوى النفوس العظيمة الملوكية؟ هذه النفوس، لأنها عرفت المسيح بسبب غفرانه للبشر، شكرته من خلال الكرامة التي أعطتها له، وبالإيمان الحقيقي، والمحبة الكاملة، مجَّدوا ألوهيته.
(باسيليوس الكبير، تفسير سفر المزامير ج2)
---
## عند الباب
URL: https://tabcm.net/54648/
Type: post
Modified: 2026-04-02
أصعب المعارك.. مش اللي مع الناس
كانت نحو الساعة الثانية بعد منتصف الليل
كان يقود سيارته في شارع خالٍ تمامًا..
لا زحام، لا صوت، ونادرًا ما كان يمر بجواره أحدهم..
فقط هو، وطريق ممتد، يسير فيه ببطء شديد.. كأنه لا يريد الوصول.
– عند الباب خطية رابضة، وإليها يكون اشتياقك، وهي تسود عليك.
– ياعم قصدك: وأنت تسود عليها؟! هو أنت متلخبط.
– لا.. أنا مش متلخبط. أنا حافظ النص كويس. بس النص ده كان واحد زمان، كان قلبه محروق من الغيرة والغضب وعدم القبول، ورغم التحذير، وقع. إنما أنت وضعك مختلف.. أنت اللي عاوز، وأنت اللي مخطط، وأنت اللي رايح برجليك.
– إيه “أنت” و”أنا” دي؟ هو احنا اتنين؟! أنت ناسي إني أنا أنت.. أنت ضميري.
– لا .. إحنا بقينا اتنين. كنا واحد، لما كان لينا نفس الطريق ونفس الاختيارات. إنما من ساعة ما بقيت ماشي بفكرك، وبتحاول تخرسني.. خلاص بقينا اتنين.
بس لعلمك أنا مش هسكت.. وهفضل أصرخ جواك لحد ما تفوق.
– عاوز مني إيه؟! وإشمعنى دلوقتي فوقت؟! كنت فين وأنا متداس عليّ؟ كنت فين وأنا حقي مسلوب؟! كنت فين لما كنت بطلب حقي وكل واحد عامل مش واخد باله.. محدش وقف جنبي؟!
– طب زعلت ليه لما قلت لك “وهي تسود عليك”؟!
ما أنت أهو بتدور لنفسك على عذر عشان تروحلها برجليك.
فين بصرخ في وشك ؟! ولا بصرخ ولا هصرخ..
أنا قاعد بتفرج عليك أهو..
وبشرب عصير..
تشرب عصير ؟!
أنت داخل برجليك وبنفسك، ومحدش زقك فلما تقع.. ماتصوصوش، وما تحاولش تبرر.
لأن أعذارك خايبة..
زيك..
– خايبة من وجهة نظرك .. لأنك بارد، وقاعد بتشرب العصير، زي ما بتقول.
مش حاسس بحاجة..
بتتكلم من منطقة الراحة.. مش من منطقة الألم.
فجأة الضمير سكت، الصوت جواه سكت.. سكت تمامًا.
وكان هو قد وصل.
قدام البيت.
بس البيت مكنش بيته.
وقف أمام الباب.
ورفع إيده في مواجهة الجرس
لكنها.. لم تلمس الجرس.
التساهل.. أخطر من السقوط
ظل واقفًا..
يده ما زالت معلّقة في الهواء، قريبة من الجرس.. قريبة بما يكفي لإنهاء كل شيء.
سحبها ببطء.
بصّ حواليه، بص يمين وبعدين شمال، الشارع فاضي زي ما كان، صامت، كأنه متواطئ.
لا شهود.. ولا حتى ضمير.
ابتسم بسخرية خفيفة مخاطبا نفسه:
“حتى أنت، جيت دلوقتي وسكت”.
مفيش رد.
لأول مرة، كان الصمت مريح.. أو يمكن مخيف أكتر من الصوت.
لطالما كان الصمت متعب، ولطالما كان صمت الله أيضًا في أوقات كثيرة مؤلم أكثر من الآلم ذاته..
رجع خطوة لورا.
ثم خطوة كمان.
حط إيده في جيبه، طلع موبايله.. بص في الشاشة، من غير ما يفتح حاجة.
انعكاس وشه كان باين.. مرهق، مشوش.. بس الأهم الوجه الظاهر على شاشة موبايله المغلق كان وجه غريب عنه.
قال بصوت واطي:
“أنا وصلت أهو”
وكأنه بيستنى حد يرد.
بس مفيش حد.
رفع عينه تاني للباب.
المرة دي، إيده ما اترفعِتش بسرعة…
بالعكس، كانت تقيلة جدًا، كأنها مش بتاعته.
قرب تاني.
وقف.
النفس بقى أبطأ.. أعمق..
وكأن في حاجة جوّاه بتحاول تمسكه من آخر خيط.
فجأة..
الصوت رجع.
كان صوته الداخلي المرة دي هادي جدًا وهو بيقول:
– لو خبطت دلوقتي، مش هتعرف ترجع.
غمض عينه.
– المرة دي مش هتعرف تقول “كنت ضعيف”.
إيده بدأت ترتعش..
مش خوف.. إدراك لحقيقة اللي بيتقال جواه.
– دي مش مرة.. دي اختيار.
فتح عينه.
بص للجرس وساعتها..
ابتسم.
بس المرة دي..ما كانتش سخرية.
كانت أقرب لإعتراف.. اعتراف بقبول الهزيمة..
ورفع إيده، وقربها ناحية الجرس..
في لحظة واحدة.. ممكن تختار نفسك أو تبيعها
ظل واقفًا..
يده معلّقة أمام الجرس، كأن الزمن نفسه متجمّد عند هذه النقطة.
نَفَس عميق.. بطيء..
ثم رفع إصبعه..
وخبط.. أيوة زي ما بقولك خبط على الباب خلاص
الصوت كان خافتًا..
لكنه في أذنه دوّى.. كأنه إعلان.
سكت ثانية.. واتنين..
ثم جاء الصوت من الداخل:
“أيوه .. حاضر”.
اتخشّب مكانه.
الصوت رجع جواه:
– امشي.
بلع ريقه.. وعينه ثابتة على الباب.
والصوت من الداخل، أقرب هذه المرة:
“حاضر… ثانية واحدة”.
قلبه بدأ يدق أسرع..
مش شوق.. ولا خوف..
حاجة أعمق.. وأثقل.
– يا ابني.. امشي.. أرجووووووك امشي.
إيده نزلت ببطء.. لكنه لم يتحرك.
عينه على المقبض.. كأنه ينتظر الحكم.
خطوات وقع أقدام تُسمع من الداخل..
وصوت تكات المفتاح..
قرب أكثر من الباب..
– امشي..
المرة دي.. كانت صرخة، مش همس.. مش تحذير…
لكن صرخة.
بس هوا عبر الصرخة مجرد همسة مش مسموعة..
أو يمكن هو الذي لم يعد يريد أن يسمع.
الصوت من الداخل، أقرب من أي وقت:
“حاضر… جاية أهو”.
استدار معطيًا ظهره للباب تجاه الشارع الممتد أمامه فاتحًا ذراعه لقرار النجاة الأخير، ثم استدار مرة ثانية لينظر للباب الذي سوف يفتح عما قليل، لحظات من التردد بين الباب أو العدو تجاه الشارع.
سكون.. بين صوتين..
وباب..
وقرار لم يُحسم بعد.
---
## رؤساء العمال
URL: https://tabcm.net/53538/
Type: post
Modified: 2026-04-01
عم عطية ورؤساء العمال المحليين
رؤساء العمال المحليين كانوا مقسومين نصين: نص أولاني أغلبه من حبايب بابا جمال، والنص التاني من مؤيدي عم عطية، اللي شايفين إن مشاريعه ومحاولاته في التواصل مع العالم الخارجي أمر جيد. مع الوقت، المجموعة الأولانية بدأت تبني كوادر مضادة لكل قرارات ومشاريع عم عطية. مجموعات منهم بدأت تعمل منشورات وتتكلم ضده وضد سياسته في الإدارة، وتقول إنه بيحاول يغير كل حاجة أتعودوا عليها.
من ضمن المجموعات دي كان عمال عم سرور. عم سرور كان شخصية مذبذبة لأقصى درجة، كل يوم يقول حاجة وعكسها. من ناحية مش قادر يفقد شغفه ببابا جمال، ومن ناحية تانية مش قادر يكون ضد واضح لعم عطية لأنه ده ممكن يأثر على مركزه وسط العمال. ابتدأ ياخد دور الراجل اللي ماسك العصاية من النص: لو اتسأل سؤال من عامل يجاوب إجابة مستلهمة من كاريزما بابا جمال، ولو اتسأل نفس السؤال من عامل تاني، يجاوب من فكر عم عطية. ومع الوقت، خسر كل حاجة، بما فيها ثقة عم عطية والعمال، وبقى كارت محروق.
الفراغ اللي سببه غياب عم سرور أو عدم اهتمام العمال بـيه كان لازم يملاه حد… وأخِر حد ممكن العمال يتوقعوه إنه يملا الفراغ كان : عم عدوي، رئيس عمال المنطقة الصناعية رقم 30. المنطقة كانت صغيرة وتعبانة، دورها في الإنتاج تقريبًا هامشي، وكل اللي كانت بتقدمه سلسلة نظارات محدش بيشتريها لرداءة جودتها.
عم عدوي كان ماشي على خط واحد: جمع حواليه كل ولاد بابا جمال، وكان عنده إيمان صادق بكل ما قاله بابا جمال وطرق إدارته، وأي حد يمشي بطريقة تانية مستقلة يبقى بيلخبط الشغل. ما اكتفاش بنشر أفكاره لوحده، بدأ يعين مساعدين له بدون الرجوع لـ عم عطية حسب بروتوكول بابا جمال القديم، بشرط واحد: ولاءهم لبابا جمال وشجبهم لطرق عم عطية.
عم عدوي بدأ يعمل اجتماع أسبوعي للعمال، يحكي فيه عن قصصه مع بابا جمال وقدراته في إدارة السلسلة، وكل فرصة يجيب فيها سيرة عم عطية بشكل غير مباشر ينبط علشان يبين صغره جنب عظمة بابا جمال. قدراته في الخطابة محدودة، فكان يجيب مساعديه يكتبوا له ورقتين بكلمة يقولها للعمال، اللي كانوا يصفقوا له وعينيهم تدمع، ويعدوا أي غلط له بسبب وفائه لـ بابا جمال.
من اليوم ده، عم عطية فهم حقيقة مهمة: إنه هو رئيس تنفيذي لسلسلة مصانع معظم عمالها بيحبوا بابا جمال أكتر منه، وصاحبه الوحيد والمؤيد الأول له اتقتل بدم بارد من واحد من محبي بابا جمال. اضطر ياخد فرصة يفكر في شكل المستقبل: لو كان عم معين أو عم عبد السميع مكاني، كانوا عملوا إيه؟
في فترة تفكير عم عطية بدون قرار واضح سواء بالمشي على خطا بابا جمال أو الخروج عنه، عمت الفوضى في السلسلة. كل رئيس عمال بقى له رأي. قلة حسمه مع عم عدوي خلت الباقي قلبهم يجمد. عم أحمد مثلًا قال على اتنين من رؤساء العمال المواليين لعم عطية إنهم لا لهم دين ولا ملة، وعم بلية ظهر بتصريح يكسف أنه بيرتاح في المصانع المنافسة. وعم عطية فضل محلك سر، مش عارف يعمل ايه.
النجاح الوحيد الواضح في الفترة دي كان في علاقاته مع الوزارة: وزير العمال ما كانش يعدي سنة بدون ما يزور السلسلة ويوصي العمال على عم عطية. لكن مع فقد عم عطية الأمل في تغيير قلوب حبايب بابا جمال من العمال القدام ، بدأ يوجه نظره لرؤساء إدارات الاستيراد والتصدير.
عم عطية ورؤساء عمال الاستيراد والتصدير
في زمن بابا جمال، التواجد المحلي للسلسلة وسط حيتان السوق المنافسين كان مهدد، والعمال كانوا خايفين على حياتهم، فبعضهم حب يسيب البلد. بابا جمال نصحهم يفضلوا موجودين، لكن بلا فايدة، فقال لهم: روحوا أوروبا وأمريكا وكندا وابنوا مناطق صناعية هناك، استوردوا المنتجات وطوروها عشان تناسب المستهلك الأجنبي.
المناطق دي تباينت في النجاح، ومعظمها كان بلا رئيس عمال حقيقي باستثناء 2-3 مناطق من أصل 30. عم عطية قرر يعين رئيس عمال لكل منطقة، يعطيه سلطة ودور حقيقي. القرار كان حلو ووحش: حلو لأنه وضّح الإدارة وقلل الخلافات، ووحش لأنه كتير من المرشحين كانوا مش مناسبين، وكمان كانوا من مصر، راحوا يمسكوا مناطق في بلاد ما يعرفوش لغتها أو حضارتها، ومسؤولين عن تطوير المنتج بعد الاستيراد، وده خلق خلافات جديدة.
كمان القرار ده أخّر عم عطية قدام العمال: كانوا شايفينه رئيس تنفيذي بس مش رئيس العمال اللي قريب منهم زي بابا جمال زمان. النجاح أو الفشل في الملف ده ماكانش واضح، لحد أول خلاف بين رئيس عمال محلي ورئيس استيراد وتصدير.
رئيس عمال عينوه في كندا، المنطقة الصناعية المسؤولة عن إنتاج الأخشاب والأوراق، اسمه عم بشير. قرر يطور كوادر العمل بطريقة أشجع نسبيًا، واستغل قدرات النساء بشكل أوضح، ودي حاجة بابا جمال ماكانش يحبها، لكن عم عطية حبها كرجل تطوير من مدرسة عم معين وعم عبد السميع.
الخبر وصل لـ عم عدوي، طلع يشجب ويدين عم بشير طول الليل. المشكلة بقت كبيرة: كل المناطق الصناعية بدأت تلجأ لـ عم بشير في المشكلات لحكمته، وده خلق صراع بين ولاد عم بشير الموالين لـ عم عطية، وولاد عم عدوي الموالين لـ بابا جمال. كل يوم بيانات ومواجهات.
عم عطية كان محتاج موقف واضح، فقرر يعمل لجنة تقصي حقائق يباشرها بنفسه. عم بشير سافر المقر الرئيسي للسلسلة وواجه الموقف، أما عم عدوي فضل مستخبي ورا البيانات وما راحش التحقيق. المفاجأة؟ عم عطية قرر يجي على عم بشير لحساب عم عدوي، وأمره يرجع لبروتوكولات بابا جمال. السبب؟ قال له بسبب كلمتين قلتهم لعمالك ضد تدخل عم عدوي… واعتبر ده يستحق الجزاء، رغم إن عم أحمد وعم بلية قالوا حاجات أسوأ بكتير.
وده خلي العمال منقسمين: محبي بابا جمال شافوا ده نصر لذكراه ، ومحبي عم بشير اتصدموا، ومحبي عم عدوي شافوه الوريث الشرعي لفكر بابا جمال، أما محبي عم عطية… فبقيوا قلة.
الأكيد دلوقتي: عم عطية ماعندوش حل غير إنه يختار طريق ويمشي فيه لأخره.
القرار
عم عطية نجح في حاجة مهمة: اللي بيحبه، حبه مش لكاريزمته الشخصية، لكن لفكرته وشغله. كمان قدر يبني علاقات كويسة مع الوزارة، ومع سلسلة مصانع الملوك، ومع سلسلة مصانع الرئيس إلى حد ما. لكن دوره الأساسي اللي كان حاطط عينه عليه… ترتيب البيت من جوه… فشل فيه فشل واضح.
من وجهة نظر اللي جوه سلسلة مصانع الرجال .. واللي فضلوا يحبوه، شافوه راجل خسران كل حاجة: هيبته، وشعبيته بين العمال… بس لسه ممكن يكسب بضميره الصاحي . بس الحقيقة، بعد وقوفه جنب عم عدوي ، ضد عم بشير اللي كان من أكبر داعميه، حتى مسألة الضمير دي بقت مشكوك فيها.
القصة لسه ما انتهتش، لكن الواضح أن قدام عم عطية حلول محدودة:
الخيار الأول: يا إما يكون بابا جمال جديد، بس أضعف، وده الغالب إنه هيحصل، بحكم تعود الناس على وجوده في كرسي الرئيس التنفيذي وبحكم علاقاته الخارجية الجيدة نسبيًا.
الخيار الثاني: يكون بابا جمال جديد شديد لكن ده شبه مستحيل، لأن طبيعة شخصيته متسمحش بالاختيار ده.
الأكيد أن عم عطية كان لازم ياخد قرار…
بس الليل كان تقيل على مقر سلسلة مصانع الرجال.
لا عامل واقف، ولا صوت ماكينات، ولا حتى همهمة معتادة.
عم عطية كان قاعد لوحده في مكتب بابا جمال… نفس المكتب، نفس الكرسي، بس الإحساس مختلف.
قال لنفسه بصوت واطي:
“ولا مرة عرفت أبقى بابا… ولا مرة”
من ساعة ما مات عم نور، وكل حاجة اتكشفت. مش بس للناس… ولنفسه كمان.
عرف إنه كان دايمًا بيختار الأسهل. الأكثر أمانًا. الأقل خسارة.
بس نسي إن في خسارة مبتبانش غير بعد سنين.
فتح ملف قديم
تقارير… شكاوى… بيانات
اسم واحد متكرر في كل ورقة تقريبًا: عم عدوي
ضحك ضحكة قصيرة مالهاش نفس تطلع ونام من التعب وحلم…
رنّ التليفون. وزير العمال.
“ازيك يا عم عطية؟”
“تمام معالي الوزير… بس مش مكمل”
سكت الخط ثانيتين… “مش فاهم؟”
“أنا رئيس تنفيذي فشل يلم الناس وده ذنبي”
“يعني استقالة؟”
“لا. تصحيح”.
تاني يوم، العمال اتجمعوا بس المرة دي مش جنازة ولا أزمة ولا انتخابات. عم عطية طلع من غير مقدمات، من غير خطب وقال:
“أنا غلطت… سكت لما كان لازم أتكلم. رجعت لما كان لازم أقف. واللي حصل لعم نور في رقبتي ومسيره هيحصلي لو موقفتش الهرجلة دي”
الهمهمة عليت بس عم عطية كمل.
“من النهارده، أي رئيس عمال يشتغل بالولاء مش بالشغل… يمشي. أي حد يهدد السلسلة باسم بابا جمال… يمشي. وبابا جمال نفسه لو كان عايش كان هيحاسبكم قبل ما يحاسبني”
بص ناحية عم عدوي وقاله “أنت أول واحد”
الدنيا ولعت. صوت… زعيق… تهديدات. بس المرة دي عم عطية مرجعش. كمل بصوت واضح:
“اللي مش عاجبه يمشي واللي هيكمل هيكمل بالقانون مش بالأساطير”
بعدها بأسبوع عم عدوي اتشال… عم أحمد أتحيد… عم بلية اختفى. نص الإدارة اتغيرت. الخسارة كانت كبيرة. عمال مشيت. مناطق وقفت. سمعة اتلخبطت. بس لأول مرة السلسلة كانت صريحة مع نفسها.
قرر عم عطية يغير طبيعة دوره من رئيس تنفيذي لرئيس مجلس استشاري، مش محبوب، مش مكروه، بس واضح.
وفي مكتب صغير في منطقة الكليم، صورة قديمة متعلقة فيها صورة بابا جمال، عم عبد السميع، وعم معين، وعم ليفي، وكرسي فاضي ومكتوب تحتها بخط إيد بابا عطية:
“اللي يحكم الناس بالكاريزما… يخسرهم. واللي يحكمهم بالخوف… يكسرهم. واللي يحكمهم بالقانون يتعب، بس بيسيب حاجة تعيش”…
ولسه السلسلة عايشة وعلشان كده القصة قصيرة بس ما أنتهتش ومش هنتنهي لأنها سلسلة مصنع الرجال اللي ولا حتى أبواب الجحيم بجبروتها تقدر عليها.
---
## مورنينج من ده يا وﻻد الكئيبة!
URL: https://tabcm.net/9721/
Type: post
Modified: 2026-03-31
حملة قادها الراهب واﻷب يحنس السرياني على الصورة المرفقة، بعد أن أضفى أحد المعاصرين ابتسامة وقورة على وجوه كل من يسوع وأمه مريم في إحدى اﻷيقونات الشهيرة.
وصف اﻷب الراهب هذا العمل بالتهريج والعك، وإننا لم نسمع في إنجيلنا عن الرب يسوع أنه ضحك أو أم النور أنها ضحكت، لكن الكتاب قال: بكى يسوع.
ثم أكمل طارحا قناعاته بشكل قاطع أن هذا العمل يسيء إلى الله وكتابه المقدس.
في منشور تال، كانت أفكار السرياني أكثر وضوحا في رفضه، حيث قال: نقل ثقافة العالم وإسقاطها على الأيقونات هو عمل شيطاني، ومرفوض بشكل قطعي، بلاش فزلكة، وبلاش اللعب في المسلمات، وبلاش الخلط بين الفرح الروحي والضحك.
وفي الحقيقة ربما يكون العكس هو الحادث! فاﻷب الراهب يضع خطًا فاصلًا وحادًا بين الفرح وبين الابتسام، فاﻷول لديه مقبول والثاني غير مقبول، مع أن الثاني هو أحد دلالات اﻷول! كيف يمكن للمرء أن يفرح دون ابتسامات؟ وما معنى الفرح دون أقل مظاهر الفرح؟ وماذا عن داود النبي الذي كان مفهوم الفرح لديه مرتبطًا بالرقص والعزف والهرولة بشكل ارتجالي دون قيود الملوك؟ من وضع هذه الفواصل الحادة التي قد تصل بنا لفرح حبيس الصدور ﻻ يغادرها وإﻻ عُدّ ممنوعًا؟ وﻻ نفهم لماذا يصر البعض على صناعة عداوة بين المقدس وسعادة اﻹنسان، وﻻ أرى لكل هذا أي تأصيل إيماني أو ﻻهوتي بل أعده “ثقافة موت” حاربها المسيح بثقافة الحياة، وعلى خطواته ينبغي أن نسير.
الإنسانيّة امرأة يلذّ لها البكاء والنحيب على أبطال الأجيال. ولو كانت الإنسانيّة رجلاً لفَرِحت بمجدهم وعظمتهم… الإنسانيّة طفلة تقف اليوم متأوّهة بجانب الطائر الذبيح، ولكنّها تخشى الوقوف أمام العاصفة الهائلة التي تصهر بمسيرها الأغصان اليابسة وتجرف بعزمها الأقذار المنتنة… الإنسانيّة ترى يسوع الناصري مولوداً كالفقراء، عائشاً كالمساكين، مهاناً كالضعفاء، مصلوباً كالمجرمين، فتبكيه وترثيه وتندبه… وهذا كلّ ما تفعله لتكريمه.
(جبران خليل جبران: “يسوع المصلوب”، صفحة من كتاب: “العواصف”)
لنصطلح أولا:
الفن ليس مقدسًا، هو إبداع بشري حر وقائم على الخيال المحض، يتبارى فيه الفنانون في “أيقنة” (بمعنى وضع عدسة مكبرة، أو إطار) على “لقطة ثابتة” مرسومة أو منحوتة، وذلك وفق أدوات ومدارس فنّية ذات سمات وخصائص متباينة تختلف بالعصور والمنطقة الجغرافية. كل صورة تحمل رأيًا -شخصيًا وإنسانيًا- مذيّلًا بتوقيع الفنان وتُعدّ جزءًا من حرية اﻹبداع اﻹنساني. حريتنا نحن، البشر، في الاعتقاد، والتصوّر لما هو معنوي غير مرئي، وتوثيق لكل ما نتصوره بشكل بصري كي يستطيع اﻵخرون رؤية ما نتخيله أيضًا.
بطريقة أخرى، أعمالي الفنية -بالنسبة لي- هي: شهادة على ما تخيّلت منفردًا.
الفن ﻻ تحكمه قواعد ثابتة، وﻻ توجد ضمانات مقدمة من الله أو رجاله بعصمة الفن. ربما تكون تعقيدات الفنان أكبر من أن تفهمها أجيال بِرُمَّتها. على سبيل المثال، وفي اللوحة نفسها، الطفل يسوع لم يرتد التاج الذهبي الملوكي يومًا، وهو القائل راشدًا: مملكتي ليست من هذا العالم، بينما الفنان غير مقيّد بنص ديني، ويرسم قناعاته الذاتية في المسيح كملك منتصر، حتى وإن أخبرتنا اﻷناجيل أن إكليل يسوع الوحيد كان من أشواك.
الفن أكبر من الحدود، وجسرٌ مسكوني أممي إلى لغة غير منطوقة. فمثلاً، وفي نفس اللوحة، القديسون ﻻ يمشون بدوائر صفراء حول رؤوسهم، بل هي رمز (وثني اﻷصل، مأخوذ من الشمس، وباﻷدق تعبير بشري فني تم التوافق الجمعي عليه قبل اﻷديان التوحيدية) لهالة الروح، كنوع من التجسيد الفني لمسألة معنوية مثل القداسة. وهكذا في باقي فنون اﻷيقونات بمختلف مدارسها. اﻷمر أشبه بلغة حوار ﻻ يفهم ديناميكياتها إﻻ المتخصصون، لكن يمكن للكل لمس تأثيرها واﻹحساس بجمالها وروعتها حتى وإن لم يدرس هذه اللغة (أعني لم يتخصص أو يمارس الفن، خصوصاً أن اﻷمر أساسه موهبة من السماء)، فإن لم تملك حسّاً فنيًا أصيلًا، فلا جدوى مأمولة من دراسة مفرداتها ولغتها.
الأيقونة الطقسية ونسخها المقلّدة
من بين لغة اﻷيقونات الفنية المتعددة، هناك جزء يُسمى “اﻷيقونات الطقسية”، ومعناها التاريخي يعود للمؤسسة الدينية (التقليدية بالطبع، لأن غير التقليدية ترى في “فن اﻷيقونة” شرًا لا خيرًا، كما هو الحال في الإسلام أيضًا). وأقصد بالمؤسسة هنا أن طبقة اﻹكليروس/ الكهنوت، قد انتخبت جزءًا من هذه الفنون البشرية، ورأت أنها وافقت معايرًا أخرى للدقة العلمية بجوار كونها “إبداعًا فنّيا”، فدشنتها… أي عمّدتها… ولهذا طقوس مقدسة تصير من بعدها اﻷيقونة حاملة لبركة الكنيسة على العمل اﻹنساني، وتُعامل معاملة خاصة من المؤمنين (المسيحيين) بعد أن صارت ممسوحة بزيت الميرون المقدس، والمتوارث لمئات السنين من ذخائر ﻻمست جسد المسيح واستُخدمت في تطييبه. هي هنا، بالتدشين، قد صارت مقدّسة.
ﻻ تنعكس القداسة على نُسخ الأيقونات المقلّدة المُباعة في المكتبات، وﻻ بالطبع على نسخها الرقمية التي يضعها البعض بديلًا لصورة المِلفّ الشخصي. المسيحيون هنا أحرار في تعليق صور “دينية” في منازلهم وبيوتهم وممتلكاتهم من باب التزيّن، أو إعلان الهُوِيَّة، أو حتى إعلاء الهُوِيَّة الدينية فوق الهُوِيَّة الشخصية كما تفعل النساء المنغلقات اجتماعيًا على منصات مصممة للتواصل الاجتماعي… لكن ليس هذا أبدًا من باب القداسة، ﻻ في اﻷيقونة وﻻ في رافعها… تمامًا كما أن وضعك صورة لنسر بري ﻻ يعني أنك تستطيع الطيران، بل هو إفصاحٌ عن شخص يفتقد الحرية التي تتجلى في نسور البراري.
أتصور أنّ نُسخة اﻷيقونة المُقلّدة، والمُعلقة في المنازل، أشبه بأن يُعلق أحدهم صورة لأبيه الراحل، أو يضع تمثالًا لأحد اﻷسلاف من باب الذكرى. فاﻷيقونة هنا مناطها الاستحضار للذكريات وليس القداسة. أي أنّ الاعتداء هنا -جدلًا، وإن حدث وسمينا هذه اللغة الفنية اعتداءًا كما يفعل المتطرفون- هو اعتداء على الملكيّة اﻷدبيّة والفكريّة للفنان راسم الصورة، واعتداء على ممتلكات مالك اللوحة الفنية. اعتداء على ممتلكات خاصة أو رؤية خاصة، لكنه ليس اعتداءً على مُقدسات جماعية، تمامًا كما أن تمزيق صورة أبيك أو جدك أو تنينك المُجنّح أو منظر طبيعي للنيل أو إحدى الفلاحات اللاتي “يملأن القلل” المعلقة في صالون منزلك، هو بالتأكيد ليس اعتداءً على اﻹنسانية!
بعد التوكيد على كل النِّقَاط السابقة، فاﻷمر واضح في كون اﻷيقونات “ثقافة عالم” استخدمتها الكنيسة، وليس العكس. الكنيسة هي التي تذهب إلى ثقافات البشر وثقافة العالم “وتُعمّدها”، وليس العكس! خاصةً أن مُعظم اﻷيقونات التاريخية لها مسار تاريخي أوروبي يعود لعصر النهضة، ويحمل بصمات فنانين معروفين بإبداعاتهم وخيالهم المتحرر، في مقابل جمود وانغلاق المؤسسة الكهنوتية. فلوحة العشاء اﻷخير مثلًا، رسمها ليوناردو دافنشي، وسقف كنيسة السيستين الذي يمثل بداية الخلق وسقوط آدم من الجنة، هو لمايكل أنجلو. أفخر أيقونات العذراء ويسوع هي لرافاييل سانزيو. هذا الثلاثي، ورابعهم دوناتيللو، ليسوا مجرد مسميات لسلاحف النينچا، بل هم رباعي الفنانين الخالد اﻷشهر واﻷشرس لكنيسة روما، ونقطة التحول الفارقة من العصور الوسطى إلى عصر النهضة.
ﻻ يوجد بين الفنانين النهضويين اﻷربعة وكنيسة العصر الوسيط إﻻ كل اختلاف، كما يختلف اﻹبداع ذاته عن الثقافة الجمودية، فقد أصر دوناتيللو على أن ينحت تمثال داود بأعضائه التناسلية ومؤخرته عارية، وأصر ليوناردو على رسم الذات اﻹلهية في جدارية “خلق آدم” على سقف كنيسة السيستين. لكن في هذا العصر، النهضوي بامتياز، كانت الكلمة العليا للتخصص الفني وليس للكهنة أو الرهبان أو جماعة دينية منغلقة، بعد أن قال الوباء اﻷسود كلمته وراح ضحيته ثُلث سكان أوروبا!
عن "سلاحف النينجا" التي صنعت عصر النهضةما الذي يتبادر إلى ذهنك فور سماعك كلمة "مادونا"؟ هل صورة للسيدة مريم العذراء، محيطة السيد المسيح رضيعا بذراعيها؟ أم أن أول ما يقفز في ذهن شخص عاش في أوائل الثمانينيات وحتى وقتنا هذا في أي مكان في العالم هو نجمة البوب الأميركية "مادونا"؟ يرجع الإدراك الجماعي للأسماء ومدلولاتها إلى التأثير الكبير الذي تمارسه وسائل […]
لنختلف ثانيًا:
منذ تسعة عشر جيلاً والبشر يعبدون الضعف بشخص يسوع… ويسوع كان قويّاً ولكنّهم لا يفهمون معنى القوّة الحقيقيّة… ما عاش يسوع مسكيناً خائفاً، ولم يمت شاكياً متوجّعاً، بل عاش ثائراً، وصُلِبَ متمرّداً، ومات جبّاراً.
(جبران خليل جبران: “يسوع المصلوب”، صفحة من كتاب: “العواصف”)
عندما يقول الكتاب المقدس بكى يسوع فهو تعبير عن اﻷلم في موقف عصيب ومحدد، وليس تعبيرًا عن حالة من التعاسة الدائمة وعبوس الوجه أو الكآبة التي يجب أن تقترن بالمسيح طيلة حياته (وربما يطلبون العبوس والكآبة في كل من تبعه أيضًا، وإﻻ اتهموهم بعدم الإيمان!)
خطورة هذا الطرح من اﻷب يحنس ليست فقط في الطرح ذاته، بل في شخص صاحبه. هو ببساطة راهب وكاهن رهبان يتحدث في شؤون عالم يتخاصم معه ومع لُغته، وقد يختلط اﻷمر على العامة فيظنون رأيه رأي الكنيسة والمؤسسة والدين ورأي المسيح شخصيًا. وكل هذا محض افتراء يجب أن يُردع بحسم في مجال الرأي الشخصي. يفضّل العلمانيون منع اﻹكليروس تمامًا عن التعقيب بآرائهم الشخصية حتى ﻻ يسيء العوام فهم “صراعاتهم” ونزعاتهم المعادية للفن (الذي ﻻ يفقهونه، ومع ذلك يستخدمونه في جمع النقود!)، بينما يتفضّل الليبراليون باﻹصغاء للطرح بشكل ذاتي، بغض النظر عن شخص صاحبه، قبل الاشتباك والتفاعل بالتأييد أو النقدـ وأيضًا بغض النظر عن شخص صاحبه لإيمانهم بأﻻ مقدّس فوق النقد. وهو ما سأجتهد فيه في السطور المتبقية.
لم يهبط يسوع من دائرة النور الأعلى ليهدم المنازل ويبني من حجارتها الأديرة والصوامع، ويستهوي الرجال الأشداء ليقودهم قسوساً ورهباناً… بل جاء ليبث في فضاء هذا العالم روحاً، جديدة، قويّة، تقوّض قوائم العروش المرفوعة على الجماجم، وتهدم القصور المتعالية فوق القبور، وتسحق الأصنام المنصوبة على أجساد الضعفاء المساكين… لم يجئ يسوع ليعلّم الناس بناء الكنائس الشاهقة، والمعابد الضخمة، في جوار الأكواخ الحقيرة، والمنازل الباردة المظلمة… بل جاء ليجعلَ قلبَ الإنسانِ هيكلاً، ونفسَه مذبحاً، وعقلَه كاهناً.
(جبران خليل جبران: “يسوع المصلوب”، صفحة من كتاب: “العواصف”)
تجزئة المسيح مخلّة به
التركيز على “المسيح الباكي” هو عقائديا تركيز على “الموت” دون “القيامة”، أما ﻻهوتيا فهو تركيز قصير النظر يخلو من الإسخاتولوچي [علم الآخرة، وهو أحد علوم اللاهوت المسيحي] وكأنما قيمة المسيح لديك انحصرت في يوم الجمعة دون سبت، دون أحد، دون استقراء لما بعد الموت… تركيز انتقائي على ساعات و أيام، مع إهمال لثلاثة وثلاثين عاما من “حياة يسوع” اﻷرضية، بل وألفي عام بعدها من حياة يسوع وحركته الفنية في خيال البشر من عشاقه بمختلف الشعوب والعصور.
يسوع يتحرك في فن اﻷيقونات… هو حيّ فيها… هذه حقيقة وليست جملة أدبية شعرية! فهو أشقر ذو عيون زرقاء عند الرسام اﻷوربي، وأسمر ذو عيون سوداء عند اﻷقباط، مجعّد الشعر عند الأفارقة، ومسحوب العينين عند الفلبينيين، باسم الثغر عند الباسمين، وعابس الوجه عند العابسين والنكديين… من ذا المجنون الذي يريد حبس تصورات العالم في تصوّره الشخصي؟
فإن كان بولس الرسول يقول كل الكتاب صالح للتعليم، فنحن من بعده نقول: كل المسيح بكل حالاته صالحة للتعليم أيضا! ومن السخف حقيقة فرض “المسيح الباكي” المجزأ المخل، على المسيح الذي ظل طيلة حياته يجول بين الناس مبتسمًا للجميع يمسح دموع الحزانى وصانعا للحالمين أملا بحياة أفضل.
للكنيسة كل الحق في انتخاب “المسيح المحايد الوجه” في أيقوناتها الطقسية. هذا بخلاف كونه حقها فهو حكمة مفهومة للجميع تسمح بتأويل “حياد الوجه” إلى مختلف الحالات المتعددة في خيال المؤمنين… لكن وبالتوازي، للفنان المسيحي الحق -والحرية أيضا – في التعبير عن مسيحه كما يراه، بعيدًا عن أي طقس مرتب ومهندم، دون أن يجبر على التوافق مع القناعات الاجتماعية لغيره… بل ومن حقه أيضا -إن أتقن لغة الفن- التحاور مع الفنان الأقدم بلسان الفن وإضافة التراكمات التعديلية على من سبقه… مثل إضافة ابتسامة الفرح على وجه صانع الفرح، ونقطة ارتكازنا فيما أسماه أبائنا الرسل وكتبة اﻷناجيل: “البشارة المفرحة”.
بالنهاية، أقول لهذه الفنان الفيسبوكي المجهول، واضع البسمة على وجه رموز الفرح المسيحي: ﻻ تبتئس وﻻ تحزن لجهلهم وﻻ عددهم، بل اغفر لهم لأنهم ﻻ يعلمون ماذا يفعلون. قم واحمل إضافتك التراكمية ودافع بكل قوة عن حقك ورؤيتك ولغتك المتفردة التي ﻻ يشوبها عوار اﻹساءة… هي لغة مفهومة لي، ولغيري من حماة الحياة ومحبي الجمال، ولقد أرسلت إليك لتحيتك عليها وعلى روعتها…
فسامح هؤلاء الضعفاء الذين ينوحون عليك لأنّهم لا يدرون كيف ينوحون على نفوسِهم،
واغفر لهم لأنّهم لا يعلمون بأنّك صرعت الموتَ بالموتِ ووهبتَ الحياةَ لمن في القبور.
(جبران خليل جبران: “يسوع المصلوب”، صفحة من كتاب: “العواصف”)
واﻵن، يا أيتها النسخ الرهبانية الكريمة… أما آن الوقت لنصير أفرادًا؟
مورنينج من ده يا وﻻد الكئيبة!
---
## الجلد الذي أعيش بداخله
URL: https://tabcm.net/54534/
Type: post
Modified: 2026-03-31
فيلم The Skin I Live In هو فيلم إسباني صدر عام 2011، من إخراج پيدرو ألمودوڤار وبطولة أنطونيو بانديراس. الفيلم مستوحى من رواية Tarantula للكاتب تيري چونكيه.
تدور أحداث الفيلم حول الدكتور روبرت، وهو جراح تجميل عبقري ومضطرب، بعد وفاة زوجته التي انتحرت لفقدان جمالها نتيجة حريق في حادث سيارة. يكرس روبرت حياته لابتكار نوع جديد من الجلد الاصطناعي المقاوم للحروق ولسعات الحشرات. يعيش روبرت في ڤيلا منعزلة، ويحتجز فيها امرأة غامضة تُدعى ڤيرا، حيث يجري عليها تجاربه العلمية والطبية غير القانونية بعيدًا عن أعين العالم.
مع تقدم الأحداث عبر “فلاش باك”، يتضح أن احتجاز ڤيرا ليس مجرد تجربة علمية، بل هو جزء من خطة انتقامية معقدة وصادمة تتعلق بمأساة شخصية أصابت ابنته. ڤيرا كانت ڤنسنت، نعم، كانت ذكرًا تحرش بابنته وأدى ذلك إلى انتحارها. لذلك، خطف روبرت ڤنسنت وقام بتحويله قسرًا إلى ڤيرا.
يستعرض الفيلم موضوعات عميقة مثل الهوية، الهوس، وتجاوز حدود العلم والأخلاق، حيث يقدم حبكة مليئة بالتحولات (Twists) التي تغير نظرة المشاهد للشخصيات تماماً.
بعيدًا عن الدراما.. هل تأملت يومًا كيف هي الحياة من منظور امرأة؟
عزيزي المتحرش
في كل مرة يعم فيها الفضاء الرقمي بقصص التحرش، تتكرر نفس القصة مع توجيه أصابع الاتهام نحو ملابس النساء، في تبرير اجتماعي وديني أصبح معتادًا ومتكررًا.
عزيزي المتحرش.. اسمح لي أناديك هكذا، فربما هي حيلة دفاعية أخرى أضفتُها إلى قاموس صمودي اليومي في شوارع القاهرة.. هل جربت أن تعيش -يومًا واحدًا فقط- بجلد امرأة؟
دعني أصحبك معي في يوم عادي..
يبدأ الصباح بماراثون ذهني مُرهق، أقف فيه أمام خزانة ملابسي لأختار منها ما لا يشبهني أو يعجبني بالضرورة، بل ما يخضع لمعاييرك أنت، علّني أنجو من بذاءة قولك -وهي أفضل الأحوال- مقارنة بالتطاول الجسدي. هذه بلوزة تكشف جانبًا من رقبتي، لا ضرورة لها، سأبدلها بأخرى تسمح فقط بتسرب بعض نسائم الهواء أسفل ذقني، والباقي يُغطى بياقة. هذا البنطال ضاق قليلًا بعد اكتسابي بضعة جرامات زائدة، قد يكون ملفتًا للآخرين، أبدله بآخر كتان فضفاض يناسب حرارة الصيف وبشاعة المتلصصين.
أما صيحات “الكت”، و”الميني”، و”الميكرو جيب” – إن صمدت في خزانتي – فهي تنضم إلى عالم الحفريات التي تعثر طريقها نحو التطور والاستمرارية. هي أزياء أنظر إليها من آن لآخر، وأعيد طيّها قبيل اتخاذ قرار نهائي بتوزيعها، أو ربما بقائها ذكرى، أو كنوع من جلد الذات على شرائها عساني أحتاجها في يومٍ ما لا أعرفه بالضبط؛ ربما تناسب نزهة بحرية أو مناسبة احتفالية في مخيلتي.
وعلى ذكر المناسبات والاحتفالات، دعني أطلعك عزيزي المتحرش على استراتيجية الترتيب لها..
من الأزياء للمواصلات
بادئ ذي بدء، نحتاج كنساء سيارة نتأكد من استقرارها أسفل البيت مباشرة، لا خطوة واحدة أبعد من باب العمارة، لأن أي مسافة تعني احتمالية أن يلمحنا أحدهم ويُسمعنا وابلًا من البذاءات، أو يفحصنا بنظرة نعرفها جيدًا ونحاول تجنبها.
يُفضل أن يتولى قيادة السيارة رجل، سواء كان صديقًا أو زوجًا أو أخًا. المهم أن يكون رجلًا، كي تنصرف “هي” إلى مهمة أخرى، مثل الإمساك بوشاح يغطي ذراعيها أو ساقيها، اتقاءً لـ “بحلقة” ركاب الحافلات المجاورة. على أن تُؤخذ في الحسبان مناورات سائقي سيارات الأجرة ومطاردتهم عمدًا إذا لمحوا أنثى بمكياچ مُلفت أو ملابس سهرة تقود سيارة، فبالنسبة إليهم تصبح هذه فرصة ثمينة لفرض السيطرة والتفنن في مضايقة امرأة ووضع أمانها الشخصي، بل حياتها كاملة، على المحك.
لذا، السيارة بالنسبة إلينا ليست رفاهية كما يظن البعض، بل ضرورة تفرضها اعتبارات الأمان، وإن لم تكن متاحة، فلا مفر من الاتفاق مسبقًا مع وسيلة انتقال خاصة، وتحمل تكلفة الطريق ماديًا؛ علينا توفير ذلك على كل حال.
قدرات القِطة
صار التحرش جزءًا من روتيني وروتين الفتيات والنساء، ضريبة ندفعها وكأننا نُعاقب على خروجنا للتعلم والعمل والمجال العام، أو ندفع ثمن الانتقال من مكان لآخر. ثمة تكتيكات نتعلمها ذاتيًا لتجنب تلك الظاهرة التي تجمع بين كراهية النساء ومحاولة إخضاعهن، جنبًا إلى جنب مع السوقية والبلطجة.
دعني أخبرك عن تكتيك دفاعي آخر: نفس عميق وسماعة أذن كوسيط ينقل الأغاني المسجلة على هاتفي، ومعها أدرب حواسي على مراوغة التعرجات الأرضية مع التقاط الأصوات التحذيرية الصادرة عن عربة مسرعة، أو “توك توك” أو دراجة طائشة لا يلتزم أصحابها بالطريق ولا يكترثون للمارة المترجلين.
قدرات خارقة تحتاجها المرأة في أثناء السير لاستنشاق القليل من الهواء، فشوارع القاهرة -حتى الراقية منها- لا تخلو من إحدى هذه المظاهر، مضافًا إليها مضايقات ذات طابع جنسي تأتينا على لسان أحدهم قرر فجأة قول: “يا أبيض.. إيه يا قطة..” لأنثى تسير في الشارع.
لا ذباب في البرتغال
ولأن لي تجربة مع التسكع في شوارع البرتغال ليلًا، أقارن الصورة السابقة بها.. البرتغال بلدٌ يعد نصيب الفرد فيه من الناتج المحلي الإجمالي أقل من معظم دول أوروبا الغربية، بما يفرض مستوى معيشة عامًا أقل من المتوسط الأوروبي، ومع ذلك، يندر أن تخلو أركانها من مظاهر الحبور والانفتاح.
على مرمى النظر تجتمع تكتلات من البشر، كبار وصغار، نساء ورجال، أطفال بصحبة كلابهم الأليفة، الكل ملتف حول عازف جيتار أو مغنية شابة، يصفق البعض لهم، ويكتفي آخرون بالمرور السريع ملوحين بإشارة تحية، وبصوت عالٍ يقترح شباب وفتيات على عازفي الشارع غناء “ديسباسيتو” أو “بيلا تشاو”، ومن الجيل الأكبر قليلًا “ماكارينا”، أغنيات محلية وجدت شهرتها نحو العالمية، ولكل منها رقصات خاصة.
فرحة تعم الوجوه، واستمتاع للجميع لا يحده وطن أو معتقد أو فكر. خليط من الأجواء الإسبانية والإيطالية يسري في عروق هذه المدينة وأهلها وفنها الذي يعد مكونًا لا غنى عنه حتى في قاعات السياسة والبرلمان. “قصر ساو بينتو” في لشبونة متخم بلوحات زيتية عائدة لعصور كان فيها المبنى مقرًا لدير الرهبنة البينديكتينية، أقدم الرهبانيات الدينية للكنيسة اللاتينية.
ألوان تسري في حياة الأفراد اليومية لا يحتاجون معها إلى سماعة تُحشر في أذنهم وتعيقهم عن الانغماس في الواقع الأكثر جمالًا من النغمات الرقمية، ولا ملابس فضفاضة تعمل كدرع واقٍ ضد المضايقات، فلا ذباب في هذه المدينة يلتف حول حلوى، أو أصابع تشير إلى خزائن النساء. لا ذباب يلتف حول حلوى في مدينة تحترم إنسانية سكانها، وفي وطن يرى النساء شريكات ولسن فتنة.
لماذا خلق الله المواصلات؟
أتذكر تلك الأغنيات وتلك الشوارع السعيدة، وأقارنها بشوارعنا كلما مشيت مترًا واحدًا في الطريق لعملي أو لأي مكان آخر. لكن قبل الوصول للعمل، دعني أخبرك عن وسيلة التنقل التي اخترتها بناءً على تلك الظاهرة الممتدة منذ التسعينيات، تلك المرحلة الزمنية الحاضنة لطفولتي.
“المواصلات” كلمة تعني لي عربة السيدات بمترو الأنفاق، أو السيارات الأجرة محكمة الأبواب، لا أذهب إلى مكان لا تصل إليه محطة مترو. آخر مرة ركبت فيها الأوتوبيس كانت من أمام مدرستي، في ميدان صلاح الدين بمصر الجديدة إلى بيتنا، كنت في الصف الثالث الابتدائي، طفلة في مرحلة عمرية وزمنية لم تُصغ فيها بعد كلمة “تحرش”، لكن الفعل نفسه كان موجودًا بكثرة.
كان الأتوبيس بلونيه البيج المائل إلى البني يخترقه خط أحمر داكن، التفاصيل كلها ما زالت حاضرة في ذاكرتي: رجل مسن يرتدي جلبابًا رماديًا، وقف خلفي ثلاث محطات كاملة، يقترب مني بطريقة لا أفهمها، لكن جسدي فهمها جيدًا، كلما حاولت الابتعاد اقترب أكثر.
لم أكن أملك مفردات أشرح بها ما حدث، فقط أخبرت أمي أنني شعرت بشيء يشبه التحجر في مكاني، بصعوبة في الحركة، باختناق لا أعرف سببه، كنت أقسم لها أن شيئًا ما حدث، رغم أنني لا أعرف اسمه.
ما زال حاضرًا أمامي رد فعلها بوضوح، كانت هادئة، منصتة، متفهمة، ثم حاسمة. لم تصرخ ولم تُشكك، ولم تُحملني ذنبًا. عرفت لاحقًا أن رد فعلها كان مثاليًا بنفس المعنى الذي يُدرس اليوم في ورش التوعية للأمهات -كان من حُسن حظي- فكم من فتيات أُجبرن على ابتلاع قصصهن خوفًا من حديث مع أب أو أم ينتهي باللوم وإلقاء الذنب على أكتافهن.
قالت بحسم: لن تركبي أي أتوبيس مرة أخرى، فالأتوبيسات لم تعد كما كانت على أيامي، سأشترك لكِ في تاكسي يوصلك مع مجموعة من البنات في الأيام التي لا أستطيع مرافقتك فيها، وإن تكرر الموقف يومًا لأي سبب، اصرخي أو اطلبي المساعدة ممن يقف بجوارك. وتحملنا كلفة مادية مضاعفة، هي الكلفة نفسها التي تدفعها كل امرأة تريد أن تعيش بعيدًا عن المضايقات.
لا أعرف ما الحل بالتحديد لتلك الظاهرة التي تسحق نصف المجتمع، وتُربك نصفه الآخر، ولا أبحث هنا عن تكرار طلبات سبقني غيري في طلبها من ضرورة إيجاد عقوبات رادعة، فالسجون قد تحبس الأجساد لكنها لا تزرع الأمان في الشوارع.. ما أفكر فيه حقًا وأنا أعدو في ماراثوني اليومي، هو مفهوم السياسة العاطفية أو سياسة الحب.
من الرومانسية للخطاب السياسي
قد يبدو حديثي رومانسيًا، لكنه في الحقيقة فعل مقاومة صلب؛ لقد أقنعونا طويلاً بأن العقل “ذكر” يقرر، والعاطفة “أنثى” تخيب الظنون، ففصلوا السياسة عن شعورنا بالخوف، واعتبروا غضب امرأة في شارع عام مجرد حادث عابر لا يستحق أن توضع لأجله الميزانيات، وتنظم لأجله اجتماعات عاجلة لصناع القرار.
أحتاج إلى خطاب سياسي يجعل من "أماني الشخصي" قضية كبرى، لا تقل أهمية عن أرقام النمو الاقتصادي.
وكما تقول بيل هوكس، الكاتبة النسوية الأمريكية: الحب هو التزام أخلاقي؛ يعيد صياغة علاقتنا ببعضنا البعض، وهو أن يدرك صانع القرار، والمواطن الذي يشاركني الطريق، أن لي الحق الكامل في حياة كريمة.. حياة لستُ فيها فتنة يجب مداراتها، ولا جسدًا لتفريغ غضب أحدهم.
أتأمل الشوارع وأتمنى لو أن الذين يضعون القوانين يقرأون مارثا نوسباوم؛ وهي تخبرنا أن الدول التي تطمح للعدالة لا يكفيها وضع الدساتير، بل عليها أن تزرع عاطفة المساواة في نفوس مواطنيها، تمامًا كما نُجيّش المشاعر لحب الأوطان بالأغاني والاحتفالات، نحن بحاجة إلى تجييش المشاعر لاحترام إنسانية الآخر.
محاربة التحرش تبدأ من سياسة تملك قلبًا، سياسة يدرك فيها صانع القرار أن الحق في التمشية واستنشاق الهواء دون خوف، والحق في السير في مساحات تحترم جسد النساء وخصوصيتها، ليست حقوقًا نتخيلها في أحلامنا أو ثانوية على الهامش، بل هي أساسيات يحتاجها الإنسان لكي يحب نفسه وبيئته ووطنه. كم من حلول جربناها لمحاربة التحرش، إلا سياسة تملك قلبًا، ترفض بشكل قاطع دون مواربة أن يكون جسد النساء خارطة للمخاوف، وتؤمن بأن أمان امرأة واحدة تسير في ليل القاهرة، هو المقياس الحقيقي لنجاح أي نظام سياسي أو رقي أي مجتمع.
ففي الوطن الذي يرى في الرحمة أساسًا لقراراته، لن تشير الأصابع لخزائن النساء، بل ستُمد الأيدي لنبني معًا شوارع متسعة للجميع.. دون خوف، ودون سماعات أذن تعزلنا عن واقع نتمناه أكثر جمالاً.
---
## السبت ٥ فبراير
URL: https://tabcm.net/54392/
Type: post
Modified: 2026-03-30
استتب الأمر وبات تحديًا، وأصبح الفريقان يراهنان كل منهم على طول أنفاس الآخر، المتظاهرون من ناحية ومبارك ونظامه من ناحية، والجميع يلعب بوجه مكشوف.
زال الخوف من المصريين ولم يعد الميدان مكانًا خطرًا، حتى أنه أصبح أقرب إلى كرنفال شعبي وسط الأغاني الثورية والفقرات المضحكة التي ابتكرها المصريون للسخرية من مبارك ونظامه، بينما كان مبارك وإعلامه مستمران في إرسال رسالة محددة ومنتظمة، وهي أن ربان السفينة موجود، يواجه بعض الأخطار لكنه لا يزال مسيطرًا على الدفة، واثقًا من نفسه، يتصنع الضحكات ويوزع الابتسامات.
تلك الصورة التي حرص الإعلام على نقلها أولًا بأول للمصريين، هكذا أراد النظام أن يؤكد أن مبارك في الواجهة وأن الثورة إلى زوال.
في هذا اليوم، عقد مبارك اجتماعًا وزاريًا مصغرًا فقط ليقول: “أنا موجود”، وليقنع ثوار التحرير أنه لا يزال رئيسًا يمارس مهامه الرئاسية بكامل صلاحياته، وأن كل صيحات الجماهير في الشارع لا تعنيه ولا تهمه. لكن هذا لم يصب في صالحه، بل ضده بالتأكيد. فقد أعطى مبارك انطباعًا أن الحوار الذي بدأه عمر سليمان مع المعارضة، ووعوده بتخلي مبارك عن السلطة، هي مجرد حوارات ووعود كاذبة. المتمرسون فقط في السياسة فهموا أن هذا كله دليل على ضعفه وقلة حيلته، وأن تلك اللقاءات لا تعدو إلا محاولات يائسة بائسة لإثبات قدرته على الإمساك بزمام الأمور.
وسط تلك الأجواء، نشرت صحيفة الجارديان البريطانية خبرًا مُربكًا تناولته كل وسائل الإعلام. خبرًا يقول إن ابن الفلاح (إشارة إلى مبارك ذي الأصول الريفية البسيطة) قد جعل نفسه رجلًا شديد الثراء. وإن ثروته وثروة عائلته تقدر بما يتراوح بين 40 إلى 70 مليار دولار! هذا الخبر جعل الكثير من الفقراء يدعمون الثورة، ربما حرصًا على نصيبهم من الثروة. فقد شعروا أنهم قد خُدعوا؛ فهذا الرجل الذي سلبهم خطابه العاطفي عقولهم، يمتلك الكثير والكثير، بينما أكثر من نصف الشعب لا يجد قوت يومه.
وانتشرت هتافات تقول: يا مبارك يا طيَّار، جبت منين سبعين مليار. لاحقًا، وفي مارس 2011، قال رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي، چون كيري: لقد جمدنا أصول الرئيس مبارك التي تقدر بنحو 31.5 مليار دولار أسوة بما جرى في أماكن أخرى من العالم، ولكن قيمة ما قمنا نحن بتجميده هو 31.5 مليار دولار. وبعد تنحي مبارك ومرور شهور كثيرة، فشلت كل مساعي الدولة في استعادة دولار واحد من ثروة مبارك. ثم تم تكذيب الخبر في وسائل الإعلام المتعددة للتغطية على فشل اللجان المنوط بها استعادة ثروات مصر المنهوبة في الخارج.
عصر هذا اليوم، ظهر اللواء حسن الرويني، قائد المنطقة المركزية بالجيش المصري، في قلب الميدان، يتقدمه حمدي بدين، قائد قوات الشرطة العسكرية. فالتف حوله المعتصمون في التحرير في محاولة لتلمس موقف الجيش الذي لم يتضح بعد. وبالرغم من حديث الرويني، الذي بذل صاحبه جهدًا ليبدو مطمئنًا، كان له وجه آخر مشوش ومضطرب أثار ريبة البعض حول موقف الجيش.
شكك الرويني في أحداث قتل المتظاهرين وقال: إن ما حدث يوم موقعة الجمل ليس معركة، وإنما تمثيلية. فاستوقفه أحد الأطباء الشبان بالميدان، مرتديًا معطفه الأبيض، وتحدث معه بكل هدوء قائلًا: أنا بس ليا طلب واحد من حضرتك، احترامًا منا كلنا لدماء الناس اللي قتلت واستشهدت هنا، حضرتك متقولش تمثيلية.. دي مش تمثيلية.. إحنا جالنا ناس هنا بضرب رصاص في راسها وحاولنا نسعفهم.
قاطعه الرويني قائلًا: ديه تمثيلية عشان اللي فوق اللي بيصور.. هاتلي اسم أي واحد مات كدا؟ فانفجر أحد المتظاهرين بعصبية قائلًا: المؤامرة إبتدت تبان، المؤامرة إبتدت تبان.. حسبنا الله ونعم الوكيل.. الناس ماتت في أيدينا.. عيب… يعني تقولوا علينا بناخد فلوس والناس مماتتش، وهو [يقصد مبارك] لسه القائد الأعلى للقوات المسلحة وكل حاجة في إيده.. المؤامرة إبتدت تبان والله.
لم يعره الرويني انتباهًا، ودعا المتظاهرين إلى الرحيل، وقال نصًا: مفيش حد يقدر يضغط على الحكومة، وأنتم مش هاتقدروا تضغطوا عليها بشوية الكلام ده. وبدأ الرويني يحدث الناس قائلًا: البلد حالها واقف، والراجل [مبارك] قال إنه مش هايترشح مرة أخرى.. يبقى ليه الإصرار على الاعتصام؟ ثم أنب الرويني المتظاهرين بسبب اختناق المرور الناتج من غلق الميدان، ووجه اللوم إلى المعتصمين بالحديث عن الناس الغلابة اللي مش لاقية قوت يومها بسبب متظاهري التحرير. ولم ينس الرويني أن يعانق بعض المعتصمين ويقبلهم تعبيرًا عن دعم الجيش للشعب، قبل أن يهمس في أذن أحدهم وهو يبتسم ابتسامته العريضة ويقول: أوعى تعمل نفسك بطل من ورق. والمعنى واضح بالطبع.
عندما حاول بعض المتظاهرين عمل كردون حوله لتأمين دخوله الميدان، عنّفهم الرويني قائلًا: أنا مش عايز حد يحرسني، أنا اللي أحرسكم كلكم. فعاجله متظاهر كبير السن قائلًا: الحارس هو الله. فأجابه الرويني قائلًا: ومن يتق الله يجعل له مخرجًا، اتقوا الله. في الوقت ذاته، كان بقية المتظاهرين الذين تملكتهم الحماسة لرؤية اللواء الرويني في الميدان ولم تصلهم كلماته العدوانية يهتفون بكل حماس وسذاجة: الجيش والشعب إيد واحدة.
استوقفت صحفية مصرية اللواء الرويني وحاولت أن تحصل منه على تصريح لأحد الصحف الأجنبية على ما يبدو، فقال لها: عايزين يوقعوها [يقصد مصر]، عايزين يعملوها…. فقاطعته: قولي بالإنجليزي الكلام اللي إنت بتقوله ده. فأجابها: I Can’t.. لو قولتهالك بالإنجليزي يبقى أنا بعمل معاكي حديث. ثم أشار لها على بعض المتظاهرين الذين يتولون حماية الميدان، متسائلًا بالإنجليزية بما معناه: ماذا يفعل هؤلاء؟، فأجابته الصحفية بعصبية وإنجليزية سليمة قائلة: أنهم يحمون ذويهم من البنادق التي أطلقت عليهم. فسألها أن تهدأ، فأجابته أنها هادئة، وأنه هو الذي بادر بسؤالها، فأمرها أن تصمت قائلًا: Be Quiet. فأجابته: أن هؤلاء هم شعبنا.. أليس هذا صحيح؟. فأجابها أنه لم يسألها: I Don’t Ask You. فأجابته أنه هو الذي بادر بسؤالها عما يفعله هؤلاء المتظاهرون، وأنها آسفة لذلك.
استوقفه مذيع آخر وسأله بالإنجليزية عن المدة التي سيقضيها الثوار في الميدان، فأجابه الرويني بالإنجليزية أيضًا: إنهم لا يستطيعون البقاء للأبد، وأننا لا يوجد لدينا أي مشاكل. فوقف أمامه ملتحٍ مسن، فسأله الرويني في اتهام واضح: مين اللي بعتك؟ مين اللي بعتك؟ بص يا سيدي، الرسول (ص) بيقول: أتقِ شر من أحسنت إليه. قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: بزيادة الإحسان.. احنا لغاية دلوقتِ عربياتنا اتحرقت و… بص، أنا الطيارة بتجيبلي كل حاجة، والواقف فوق على العمارة ديه واللي فوق العمارة ديه ومعاه قزايز المولوتوف… اطلعوا نزلوهم… الموجودين دلوقتي. فقاطعه المتظاهر الملتحي: طيب ما تطلع أنت تنزلهم؟ دول مش منا والله. فأجابه الرويني: أنا أقول رأيي وأنت تقول رأيك.. البلطجية اللي هنا.. اسأل البلتاجي.. وأنا قولته نزلهم ولا أطلع أنزلهم أنا؟
ثم تركه ووجه حديثه للصحفية المصرية التي تحدثت معه بالإنجليزية في السابق قائلًا: أنا عايز أقولك حاجة ليكي أنتِ بس. إمبارح استغاثات من الناس اللي هنا عشان يروحوا، ومش عايزنهم يروحوا. أقسم بالله. فردت الصحفية مُكذبة ادعاءه قائلة: طيب أقسم أنا بالله إن أنا كنت هنا امبارح بالليل، ومصورة فيديو لحد الساعة 3 الصبح وحاطاه أونلاين. فسألها: يعني واقفة في أي حتة؟ في كل الميدان؟ فأجابته بتحدٍ: في كل الميدان.. من أول الليل بلف لحد الساعة 3 الصبح، ولا حد منعني أدخل، ولا حد منعني أخرج. فأستشعر الرويني هشاشة ادعائه وحاول تلطيف الموقف قائلًا: مش أنتِ، أنتِ Press، أنتِ صحافة، هما مش عايزين الصحافة. فأجابته بعصبية: أنا شاهد عيان. ولما لم يجد بدًا من إقناعها، تركها وأنصرف.
سأل الرويني أحد المتظاهرين عما يريد من تواجده بالميدان، فأجابه: عايز مبارك يمشي. فأجابه الرويني: روّح يا عم الحاج، هتفضل قاعد كده؟ طيب خليك قاعد، بس حافظ على بيتك وأولادك، بس شوف مين هيقبضك مرتبك أول الشهر عشان أنت مروحتش الشغل. ثم وجه حديثه لإحدى المتظاهرات قائلًا: بيفتشوا اللي بره وهو داخل.. طيب ما الطوب أهو؟. فأجابته بانفعال: مفيش طوبة اتحدفت إلا لما البلطجية هجموا عليهم.. صح ولا لأ يا فندم؟ فضلت سلمية لحد ما هجموا ولا لأ؟. فأجابها: خليكي fair.. بصي هما.. ده زيطة كده منظر وبتاع، عشان ضغط على الحكومة.. مفيش حد يقدر يضغط على الحكومة.. حكومة حرة.. ومحدش هيقدر يغيرها بشوية الكلام دا.. ده مش هيضغط على الحكومة ويحقق مطالب فئة معينة.. إطلاقًا.
عندما لم يجد الرويني أي تجاوب من جهة المتظاهرين، استشاط غضبًا وأشاح بيده وهو يصيح في الشعب الملتف حوله بحدة وغضب: انصراف!، ناسيًا أنهم أفراد مدنيون وليسوا جنودًا في الجيش يأتمِرون بأوامره.
بين الرويني وحجازي والبلتاجي
هناك رواية على لسان المهندس ممدوح حمزة؛ مفادها أن اللواء حسن الرويني أخبره في نفس الزيارة إلى الميدان، عن أشخاص ملتحين، يعتلون أسطح المنازل في ميدان التحرير، ويقومون بقذف الحجارة على المتظاهرين، حتى يظنوا أن من يقوم بذلك هم بلطجية تابعون لمبارك. وأن الرويني ذهب إلى صفوت حجازي والبلتاجي اللذين كانا متواجدين بالتحرير، وقال لهما: أنا هدي تعليمات بضرب الناس اللي بدقن اللي فوق دي. فأجاب حجازي: لا، أنا هنزلهم. وتدعم تلك الرواية بعض الصور التي اُلتقطت عن قرب لأسطح بعض العمارات في ميدان التحرير، وظهر فيها بالفعل ملتحون يلقون بكسر الطوب والرخام على الميدان.
على الناحية الأخرى، نفى صفوت حجازي في لقاء له مع رانيا بدوي على قناة التحرير أن تكون تلك الوقائع قد حدثت من الأساس، وقال نصًا: مستحيل اللواء الرويني يكون قال الكلام ده لأنه لم يحدث إطلاقًا. وأكد صفوت حجازي أن اللواء الرويني قد طلب من البلتاجي أنهم ينزلوا الناس اللي فوق، وأكد أن شباب الثوار قد قاموا باعتلاء أسطح المنازل في ميدان التحرير لإلقاء الطوب على البلطجية المرابضين فوق كوبري 6 أكتوبر، ولمنع البلطجية من اعتلاء أسطح تلك المنازل مجددًا منذ منتصف الليلة السابقة!!
اللواء الرويني قد جاء برسالة مطمئنة: أن الجيش مع الشعب، وأنه طالما المتظاهرون يملؤن الميدان فالجيش باقٍ لحمايتهم، وأنه إن رحلتم فالجيش سيرحل، والقرار لكم.
ما حدث بين الرويني وبعض المعتصمين لم تكن مشادة وإنما مجرد سوء فهم: المتظاهرين ظنوا خطأ أن الرويني جاء ضد الثوار.
(صفوت حجازي، في لقاءه مع رانيا بدوي، قناة التحرير)
إن لم يكن صفوت حجازي يكذب بناءً على اتفاق بين الإخوان والعسكريين، فعلى الأقل هو يكذب انحيازًا ونفاقًا لهم، فالمقاطع المنتشرة على موقع اليوتيوب تُظهر الرويني بالصوت والصورة وأدق الانفعالات وهو يحث المتظاهرين على فض الميدان ويتوعدهم ويخون الموجودين في الميدان ويتهمهم بالعمالة. واللواء حسن الرويني نفسه لم ينف ذلك على أي حال، بل افتخر به.
لاحقًا، روى اللواء الرويني بفخر في مداخلة هاتفية مع المذيعة دينا عبد الرحمن على قناة دريم 2 يوم السبت 23 يوليو 2011، أنه كان يتعمد نشر إشاعات بميدان التحرير في أثناء الثورة قائلًا: إحنا في الميدان من يوم 28 يناير.. لما كنت بأحب أهدّي الميدان كنت أطلع إشاعة.. مثلًا قبضوا على أحمد عز وحوّلوه لمحكمة الجنايات، الميدان يهدا.. قبضوا على وزير الداخلية فالميدان يهدا.. أنا عارف مدى تأثير الإشاعات في جموع ثورية، وأنا عارف إزاي أهدّي الميدان، وإزاي أهيّجه. فسألته المذيعة للتأكيد إن كان هو مصدر تلك الإشاعات فأجاب بالإيجاب.
المجلس العسكري والممارسة السياسية
في مساء هذا اليوم المتخم بالمناورات السياسية، ألقت سفينة النظام ببعض من حمولتها الزائدة وقررت التضحية بقرابين جديدة لعل النار تهدأ. ولم يدرك النظام أن تلك القرابين تزيد الثورة اشتعالًا، وأن نهاية الديكتاتور تبدأ مع أول استحقاق متأخر يُصاغ على أنه تنازل وكرم غير مُستحق. فقرر أعضاء هيئة مكتب الأمانة العامة للحزب الوطني الديمقراطي، بمن فيهم الوريث؛ جمال مبارك، وصفوت الشريف، وآخرون، تقديم استقالتهم لمبارك، الذي بدوره قبلها على الفور.
وتم استدعاء د. حسام بدراوي، مالك مستشفى النيل الدولي والقيادي بالحزب الوطني، ليتولى منصب أمين عام الحزب بدلًا من صفوت الشريف. ثم أذاعت بعض قنوات الدولة أن مبارك نفسه قد استقال من رئاسة الحزب، إلا أن أنس الفقي، وزير الإعلام، عاد وأكد شخصيًا أن الخبر عارٍ من الصحة في مداخلته على قناة العربية، وأن مبارك لا يزال وسيظل رئيسًا للحزب.
بدا أن النظام الحديدي يتهاوى على مهل، وشعر المعتصمون أن اعتصامهم يؤتى ثماره، وأن كل يوم من الصمود يؤتي بمكاسب جديدة، لكن كان ردهم واضحًا وصريحًا: أن الترقيع لن يفيد، والثوب العتيق كله يجب أن يتغير.
---
## لوحة الشرف
URL: https://tabcm.net/leaderboards/
Type: page
Modified: 2026-03-29
كاتبًا
مقالًا
فريق العمل
من نحن؟
اكتب مقالك معنا
دليل الكاتب
---
## من نحن؟
URL: https://tabcm.net/who-we-are/
Type: page
Modified: 2026-03-29
«( من نحن؟ )»
نحن مجموعة علمانية من المسيحيين على مُختلف الخلفيات المهنية والثقافية، ممن أبت ضمائرهم أن يقفوا صامتين أمام بعض المتغيرات في كنيسة ‘مصر’؛ من الفكرة الباهتة للمواطنة وقيمة الإنسان المُفرد، من سيادة للصوت الرجعيّ واحتلاله لمساحاتنا العامة والخاصة، من اختلال لمعايير النظرة الموضوعية، وتفاقم النعرات الطائفية، والدعوات القبلية، وموجات المد الأصولية، والضغوط الخارجية.
نحن أبناء هذا الجيل والمقيم على حدود المهزلة. ونحن أبناء هذه الكنيسة من الذين تعبت أقدامهم في مزالق التجمعات المتناقضة والتي ترفع الشعارات المتباينة، فاجتمعنا من كل الألوان المتصارعة لكى نُقسم على السعي نحو إصلاح كنسيّ غير مزيّف ولا يكتفي بترديد الشعارات.
لسنا تنظيمًا مغلقًا سريًا، ولا حركة سياسية أو اجتماعية، ولا ننتمي لأية منظّمات أو أحزاب أو تكتلات في داخل مصر أو خارجها، ولا نُلزم أو ندعو لاتجاه فكري معيّن، بل نُنادي بحرية إطلاق التعددية الفكرية ونُدين الوصاية على العقول وتتشابك أيدينا معلنين أن اختلافنا هو ثروتنا.
لا ندّعي تمثيل الأقباط، ولا حتى نرى أننا نمثل مُجتمع الشباب، إنما نُعبّر عن آرائنا الفردية المختلفة والمتعارضة أحيانًا بكل حرية في شتى المجالات مؤمنين بأنه لا مُقدس فوق النقد. بل نحاول تخطي مرحلة النقد إلى مرحلة الاقتراح ووضع الحلول، علنا نفيد من يتابعنا ويملك صناعة القرار.
نحاول أن نُنشئ تجمعًا كنسيًا مستنيرًا في عالم افتراضي من الأفكار ودون حدود جغرافية، يمكن للجميع أن يدخلوه بلا ميزة وبلا حكم مسبق.نحاول أن نخلق عالمًا يمكن فيه لأيٍّ كان في أي مكان التعبير عن رأيه أو رأيها بغض النظر عن قدر تَفَرُدِ هذا الرأي، بلا خوف من أن يُكره على الصمت أو يُجبر على التوافق مع غيره.
ولا نملك من أدوات سوى أفكار وأوراق وأقلام.
كاتبًا
مقالًا
فريق العمل
لوحة الشرف
اكتب مقالك معنا
دليل الكاتب
---
## أين إله العدل؟
URL: https://tabcm.net/51707/
Type: post
Modified: 2026-03-29
أين إلهُ العدل؟
(ملاخي ٢: ١٧)
وبعد أن ارتفعت صرخاتُ الأنبياء، ووقف الله قاضيًا في مشهدِ المحكمة الإلهيّة، يصل صوتُ العهد القديم إلى لحظته الأخيرة في سفر ملاخي.
هنا لا يتكلّم النبيّ وحده، بل يتكلّم الشعبُ نفسه؛ شعبٌ تباينت أحواله: فيهم مَن أنهكه طولُ الانتظار فصار سؤالُه تنهيدةَ مظلوم، وفيهم مَن غلّفته المرارة حتى انقلب سؤالُه إلى عِتابٍ مُرّ، وفيهم أيضًا مَن تسرّب إليه الشكّ عمليًّا لا فلسفيًّا، حين رأى الشرَّ يزدهر والباطلَ يعلو، فصار يميل إلى تفسيرٍ خطيرٍ يخلط بين صلاح الله ومحاباة الأشرار.
ومن هذه الحالة المركّبة يخرج السؤالُ مُثقَلًا بالمشاعر لا بالكلمات فقط: «أين إلهُ العدل؟».
ولذلك لا ينبغي أن يُفهم هذا السؤال على أنّه استفسارٌ ذهنيّ مجرّد، بل هو علامةٌ على أزمةٍ روحيّة وأخلاقيّة في آنٍ معًا.
فالنصّ نفسه يكشف أنّ بعض القائلين لم يكتفوا بالأنين من الظلم، بل ذهبوا إلى حدّ تزييف ميزان الحقّ في قلوبهم، كأنّهم يقولون: إن كان الشريرُ ناجحًا، فلابد أنّه “صالح” في نظر الرب، وإن كان الظلمُ مستقرًّا، فمعنى ذلك أنّ العدل غائب.
هكذا صار السؤال -عند البعض- ليس صرخةَ ألمٍ فقط، بل احتجاجًا مُختلطًا باتّهامٍ مُضمَر، وبإرهاقٍ روحيّ جعلهم يقرأون صبر الله بوصفه غيابًا، وطول أناته بوصفه إهمالًا.
ومن هنا جاء الردّ الإلهيّ لافتًا: لم يأتِ في صورة جدالٍ يبرّر الله أمام الإنسان، ولا في شرحٍ يرضي فضول العقل، بل في إعلانٍ حاسمٍ يقطع الطريق على الالتباس: «هأنذا أُرسل ملاكي فيُهيّئ الطريق أمامي، ويأتي بغتةً إلى هيكله السيّد الذي تطلبونه… هوذا يأتي، قال ربّ الجنود».
كأنّ الله يقول: العدل ليس فكرةً تُناقَش، بل مجيءٌ إلهيّ سيقع في التاريخ، وحضورٌ لا يُمكِن تجاوزه.
الجوابُ كان واضحًا: إلهُ العدل لم يغب، بل آتٍ بنفسه. غير أنّ مجيئه -وهنا تكمن هيبة النصّ- لن يكون مجرّد “انتقام” للمتألّمين على خصومهم، بل سيكون قضاءً يبدأ بالتنقية. فالربّ لا يجيء ليُجيب سؤال الناس فحسب، بل ليكشف القلوب ويُطهّر الفساد الذي تسلّل إلى الداخل.
لذلك يصوّره السفر كالمنقّي والممحِّص: تنقيةٌ ليست مجرّد “تأديب” خارجيّ، بل تطهيرٌ يُعيد تشكيل العبادة والضمير، ويُقيم ما اعوجّ في بيت الله قبل أن يمتدّ الحكم إلى ما اعوجّ في المدينة. وكأنّ المبدأ المعلن هنا: الله يبدأ قضاؤه من هيكله، من مسكن اسمه، من موضع العبادة والخدمة، لأنّ فساد الداخل هو الذي يفتح الباب لخراب الخارج.
ثم يعلن الربّ بوضوح أنّه سيقترب للحُكم، لا كشاهدٍ صامت، بل كديّانٍ حاضرٍ يُسمّي الأشياء بأسمائها، فيفضح ما تجاهله البشر: ظلمَ الأجير في أجرته، وقهرَ الأرملة واليتيم، وصدَّ الغريب، وكلَّ مَن لا يخشون اسمه.
وهكذا يضع ملاخي السؤال في نصابه الصحيح: المشكلة ليست أن العدل غير موجود، بل أن الناس -حين طال بهم الزمن- إمّا ضاقوا عن احتمال صبر الله، أو حاولوا التعايش مع الشرّ بتغيير تعريف “الخير” نفسه. أمّا الله فيُعلن أن عدله ليس وعدًا غامضًا، بل موعد، وليس فكرةً معلّقة، بل مجيئًا إلهيًّا حتميًّا.
وبذلك يُغلق العهدُ القديم صفحته الأخيرة على سؤالٍ مفتوح، لكنّه مشحون بالترقّب والرهبة معًا: إلهُ العدل قادم. والصمت الذي يلي ليس غيابًا، بل انتظارٌ ثقيل للحظة أن يحضر الله بنفسه -لا ليُدلي برأيٍ من بعيد- بل ليضع الأمور في نصابها، ويجعل للحقّ كلمته الأخيرة.
---
## الحادي والعشرين من مارس
URL: https://tabcm.net/54507/
Type: post
Modified: 2026-03-28
كل عام وأنتم بخير! الحادي والعشرين من مارس له خصوصية فريدة بين أيام السنة الميلادية، وأكاد أقول إنه أهم أيام هذه السنة! ففي التقويم الذي نتناوله نحن بالفحص نعلم أنه يأتي في أيام شهر نيسان بحسب التقويم العبري.
ففي سفر الخروج نقرأ: هذا الشهر يكون لكم أول الشهور [أهم شهور السنة] ((سفر الخروج 12: 2 ))، إذ يكون فيه فصح للرب ((سفر الخروج 12: 11 )). كما أنه يوم لا تبقى فيه الذبائح إلى الغد ((سفر الخروج 34: 25 ))، أي إنه يوم خاص جدًا.
لذلك فقد دأبت المجتمعات اليهودية في كل بلاد العالم على أن يتوافق عيد الفصح اليهودي، الذي تحتم أن يكون الاحتفال به موافقًا للقمر الكامل الذي يحلُّ بعد الاعتدال الربيعي، أي تساوي ساعات الليل مع ساعات النهار، وهذا ينتج عن تعامد الشمس على محيط خط الاستواء الذي يقسم الكرة الأرضية إلى قسمين: شمالي وجنوبي، وهو إما في الربيع فيسمى الاعتدال الربيعي [21 مارس]، أو في الخريف (أي في شهر سبتمبر)، فيسمى الاعتدال الخريفي.
لذلك، تم تعديل التقويم الشمسي وتصحيحه عدة مرات على مدى الزمن، منذ أن بدأه أحد العلماء الفراعنة، وكل ذلك التعديل والتصحيح لكي يكون يوم 21 مارس أقرب ما يكون إلى تساوي ساعات الليل مع ساعات النهار.
ولكن يأتي سؤال آخر: وما سبب ضبط التقويم على يوم 21 مارس في حد ذاته؟
الإجابة باختصار، لأن عيد الفصح الذي يحلُّ في 14 نيسان حسب التقويم العبري يأتي بعد هذا اليوم!
وهكذا لن يأتي عيد الفصح (14 نيسان) في الشتاء أو في أي فصل آخر غير الربيع.
ونضيف إن عيد الفصح يقدَّم فيه خروف حولي [عمره سنة واحدة]، كذبيحة تحفظ في البيت ابتداء من العاشر من نيسان وحتى الرابع عشر منه، وذلك كإعداد جيد للخروف للذبح، لكي يطمئن صاحب البيت إن الخروف جيد للذبح، فليس فيه عيب ما.
وخروج بني إسرائيل من أرض مصر في فصل الربيع هو رمز للتحرر من أرض العبودية (مصر الفرعونية)، ونجاة من أيدي مستعبديهم. كما أن الربيع رمز لبداية حياة جديدة حيث تزهر الورود والثمار، فتمتلئ الأرض فرحًا بالحصاد المرتقب.
وهكذا، كان تحديد يوم 21 مارس كبداية لفصل الربيع تحديدًا صحيحًا ومتقنًا، سنرى نتائجه في الفقرات القادمة.
يوم الفصح: بيساح Pesah
يوم خروج بني إسرائيل من أرض مصر، بعد 430 سنة من تواجدهم فيها:
الله هو الذي أمر بالفصح، فلم يقترحه هارون الكاهن أو موسى النبي، بل كل الطقس جاء بإعلان إلهي.
كل بيت كان عليه علامة الدم، عبر عنه الملاك المهلك!
هكذا بدأ استعلان يوم الصليب؛ وهكذا تصورت أفكار الخلاص بدم المسيح في فكر الله، مبكرة جدًا هناك في مصر: مصر حيث صُلِب ربنا أيضًا ((سفر الرؤيا 11: 8 )).
نعم، هكذا يقول سفر الرؤيا مشيرًا بالروح إلى الفصح الذي تم في مصر كأول إعلان عما أضمره الله القدير، والذي حققه أخيرًا في ملء الزمان خارج أبواب أورشليم.
عجيب حقًا أن يرى يوحنا الرسول بالروح وهو في عمق استعلان أسرار الله، إن الفصح الذي تم في مصر يحمل صورة نافذة لصلب المسيح كأمر مقضي به على الأرض!
إن هذه الرؤيا النافذة العجيبة تجعلنا نرتفع بالرمز بل وبحوادث الماضي البعيد كله منذ أول كلمة وأول عمل تم على الأرض بيد الله لنرى فيه مشورات القدير، حينئذ حينما نسمو بالروح وندخل في عمق استعلان أسرار الله نتحقق كيف تمت وكيف تتم أعمال الله ومشوراته من يوم إلى يوم!، كما رأى يوحنا لا بالفكر المجرد وإنما برؤيا الذهن المفتوح!!
خروف صحيح يُذبح ويُؤكل مشويًّا بالنار على أعشاب مرة ودمه يكون علامة على الأبواب للخلاص! فأرى الدم وأعبر [بيسح = فصح] عنكم فلا يكون عليكم ضربة للهلاك ((سفر الخروج 12: 13 )). لقد اشتهى المسيح أن يكون هذا الحمل فكان، والعالم كله لا يزال يأكله ويخلُص بدمه!!
إن تصاوير الله مهما بدت بسيطة غاية البساطة كقصة خروف الفصح التي تصلح أن تبهج قلب الأطفال، فهي لا تزال تحوي رمزًا لأقوى عمل إلهي تم على وجه الأرض وأعظم مأساة سمعتها أذن إنسان!!
وطول السنين الذي يُفني الأجيال ويمسح من قلب التاريخ أعظم الحوادث وأشدها هولًا، ظل أمينًا على قصة فصح الله البسيطة يحفظها بوعي أبدي، نعم، ظل ساهرًا عليها ألفًا وخمسمائة عام حتى أجراها بكل دقائقها لما تم ملء الزمان!
في كل بلاد المشرق كان يعتبر مجيء الربيع عيدًا حيث كانت تقدم تقدمات للآلهة. وكانت تصحب هذه الاحتفالات أيضًا أعياد الزهور فتقدم فيها باكورات الأرض وغلاتها تطوف في عربات مكشوفة وسط تهليل الجماهير، وكانت تُقدَّم هذه الثمار في المعبد أمام الآلهة وكان يُحتفَل بهذا العيد سنويًّا في مصر.
ولو لم يُحضِر بنو إسرائيل من كنعان تقليدات الآباء معهم لكان هناك احتمال أن يشتركوا في مثل هذه الأعياد الصاخبة، إذ أصبح بعضهم يعمل في الزراعة بجانب تربية المواشي ((راجع سفر التثنية 10:11 )).
في هذه الأيام كانت تجري الإنذارات تباعًا ليطلق الشعب المستعبد المظلوم، وكانت الإنذارات مصحوبة بضربات!! ولما كان الله على وشك أن يضرب أبكار المصريين، إعلانًا لغضبه ورفضه النهائي للشعب الظالم ولفرعون المستبد؛ في هذا الجو الصاخب الذي يشبه ضغطة العالم على نفس الإنسان واستبداد ناموس الخطية على الجسد؛ سلم الله لموسى سر الفصح (أي سر العبور).
فكان على كل بيت أن يختار حملًا في اليوم العاشر من الشهر، ويحفظه منفصلًا عن سائر القطيع حتى اليوم الرابع عشر حيث يذبحه ويغمس الدم بزوفا ((سفر العدد 22 ))، ويرش به القائمتين والعتبة العليا، وبذلك تترك على البيت علامة الدم. ثم يشوون الخروف بالنار ويأكلونه مع فطير على أعشاب مرة.
ويفعلون ذلك وهم وقوفٌ، مُرتَدين ملابسهم في حالة استعداد، وكذلك عصيهم في أيديهم. فإذا مر الملاك ليضرب الأبكار فإنه “يعبر” على البيوت التي عليها الدم فلا يمسها، ومن هنا جاءت التسمية حيث أطلقت بعد ذلك على العيد نفسه “البصخة” من “بيساخ” أي عبر.
أول الشهور
هذا الشهر يكون لكم رأس الشهور. هو لكم أول شهور السنة
(سفر الخروج ١٢: ٢)
كانت السنة اليهودية تبتدئ مع اعتدال الخريف في شهر تشري الذي يقابل أكتوبر. ولكن منذ يوم الفصح أصبح لهم تاريخان، أحدهما ديني والآخر مدني، وأصبح شهر أبيب (أبريل الحالي) وهو السابع من السنة المدنية، أول شهور السنة الدينية عندهم. والملاحظ أن السنة المصرية والبابلية لا تتفقان مع السنة المدنية اليهودية.
ومع وضعهم الجديد كأمة حرة وامتيازهم بأنهم شعب الله المخلص ((سفر الخروج 6:6 ))؛ أخذ بنو إسرائيل عطية هي سنة جديدة في تاريخهم. بقيت سنتهم المدنية كما هي تبدأ في الخريف ومعها اهتماماتها العالمية التي تشغل الذهن وتحصر الأفكار في العالم، حيث تسدد ديون أو تدفع كمبيالات أو تبدأ المخازن السنوية نشاطها. فتكون النتيجة أن عقول البشر تصبح مشغولة بأشياء أرضية بحيث لا يجد الإنسان فرصة للتأمل في الأمور الروحية.
لهذا أصبح من المهم أن يكون للدين سنة مستقلة تبدأ بذكريات روحية تجد النفس فيها فرصة للتأمل في إحسانات الله وبركاته فتقدم له الشكر والتسبيح على مراحمه. وكما كان مجيء المسيح هو نقطة التحول في تاريخ العالم، إذ هكذا تبدأ السنة المسيحية بالشهر الذي ولد فيه المسيح، حتى يتعلم المسيحيون أن الجذر والأساس الذي تنبع منه كل بركاتهم الروحية هو التجسد؛ كذلك بالنسبة للأمة اليهودية كان محورهم الحيوي هو الخروج من العبودية في أرض مصر.
الخلاص من مصر كان فداء من العبودية وبداية حياة حرة، لذلك كانت ذبيحة الفصح هي الطقس المعين لحفظ عهد الخلاص من العبودية؛ وبُدأ بتحديده بواسطة الختان، لذلك فالختان مع ذبيحة الفصح هما معًا يمثلان حفظ العهد.
ظل الفصح ذكرى دائمة على مدى السنين لمراحم الله ونزوله لمعونة شعبه. فقد أقيم بمناسبة الضربة العاشرة على مصر ونجاة أبكار إسرائيل من هذه الضربة، وكان الطقس مصحوبًا بخروج كل الشعب من أرض مصر. فالإنسان معرض لأن ينسى إحسانات الله عليه حتى إن نفس الدول تفرض أحيانًا أعيادًا لكي تذكِّر الشعب بواقعة وطنية معينة. فالفصح كان ذكرى فرضها الرب على الشعب قديمًا ليذكر بها أعظم حوادث حياته.
وهكذا أصبح الفصح فرصة للشكر فذبائح الفصح طوال السبعة أيام في عيد الفطير الذي يصحبه (باستثناء خروف الفصح والتيس الذي يقدم يوميًا) يجب اعتبارها تقدمات شكر. وبجانب هذا كان الأفراد يقدمون ذبائح شكر خاصة. وهكذا كان القصد الرئيسي من الشكر هو تذكار ذلك الخلاص العظيم مصحوبًا بذكرى مراحم الله مع الأمة كلها.
كان الخروج من مصر ميلادًا لإسرائيل، لأن التاريخ الذي يأتي فيه الخلاص إلى بيت الإنسان ((إنجيل لوقا 19: 9؛ سفر أعمال الرسل 16: 24 )) هو “بداية الأيام” بالحقيقة لهذا الإنسان أو بداية الحياة الجديدة: مولودًا ثانية ((إنجيل يوحنا 3: 3 ))، انتقل من الموت إلى الحياة ((إنجيل يوحنا 5: 24 ))، إنه خليقة جديدة ((رسالة بولس الثانية إلى كورنثوس 5: 17 )). كما أن الزمان الذي نقضيه بعيدًا قبل أن نعود إلى حضن الله لا يُحسب من عداد حياتنا؛ إنه عمر ميت وأيام مفقودة، إنه زمان الشهوة وتزيين القبور!
يظن البعض إن بني إسرائيل استخدموا السنة المصرية التي كانت تبدأ في الصيف، ولكن الحقيقة خلاف ذلك لأنه منذ تكلم الله مع موسى أصبح كل ما يتصل بمصر التي كانت رمز للعبودية قد انتهى. أما بداية العام الجديد فهو يوم الفصح، يوم تتميم مشورة العلي والانسحاب من أرض الخطيئة، يوم البدء برحلة الله الطويلة…
إن وضع طقس الفصح كان الأساس الذي وُهب لهم عليه الخلاص في مضمونه العلني والسري. ومع أن الخلاص كان واضحًا لأن عمل الله كان بالعيان المنظور، فبني إسرائيل أنقذوا بمجد عظيم، إلا أنه كان خلاص الجسد فقط. أما طريق الخلاص الروحي فلم يكن قد أعلن بعد.
بدأ الفصح والخروج معًا ومن هنا يتضح لنا أكثر أنها كانت ذبيحة تطهيرية بجوار أنها ذبيحة خلاص ونجاة. لأنها أقيمت في ليلة الخروج باعتبار أن حياة أولاد الله وسط الخطيئة والإثم تحتاج إلى تطهير ساعة العبور من مصر الشهوة إلى برية الحياة والروح.
كان البكر يمثل العائلة، لذلك ففداء أبكار بني إسرائيل كان رمزًا لفداء الأمة كلها. وهكذا لم يكن الفصح من أجل البكر فقط، لأن كل البيت كان ممثلًا فيه، ولذلك أيضًا موت أبكار المصريين كان يرمز بالضرورة إلى غضب الله المعلن على الأمة كلها. بعكس الضربات الأخرى التي كانت تحذيرية؛ فالله يحذر كثيرًا ولكنه إذا لم يُسمع له يُميت!!
هكذا بدأ تاريخ الأمة كشعب الله بالإحسانات والمراحم، كللت السنة بجودك ((مزمور 65: 11 )). لقد أخبروا قبلًا عن إحسانات الله مع آبائهم، ولكنهم الآن قد عرفوا إحسان الله وعاشوه. إننا لسنا بعد بسبب كلامك نؤمن، لأننا نحن قد سمعنا ونعلم أن هذا هو بالحقيقة المسيح مخلص العالم ((إنجيل يوحنا 4: 42 )).
إن خلاص الله لشعبه بدأ عهدًا جديدًا لهم: ها أنا أصنع كل شيء جديدًا» ((سفر الرؤيا 21: 5 )). حياة الإنسان تبدأ منذ اللحظة التي يُنقذ فيها من عبودية الخطية، إذ يعتبر هذا إعلانًا إلهيًا بقبوله كابن بكر لله، فالله لا يفدي إلا لأولاده. إذًا، إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة. الأشياء العتيقة قد مضت، هوذا الكل قد صار جديدًا» ((رسالة بولس الثانية إلى كورنثوس 5: 17 )).
---
## واتحرشاه
URL: https://tabcm.net/52501/
Type: post
Modified: 2026-03-27
بمناسبة حادثة التحرش اﻷخيرة في الأوتوبيس بالقاهرة، تعالوا أحكي لكم قصة كنت إتكلمت عنها من كم سنة، حدثت في الغرب الكـ!فر (أستراليا) لما كنت قاعد في ستاربكس بشرب المشروب الشرعي “حلبهتشينو”، وبسمع أحد المحطات الإذاعية الناطقة بالعربية والموجهة للجاليات العربية والإسلامية، وسؤال الحلقة: من هو المسؤول الأول عن التحرش؟ الفتاة أم الرجل المتحرش؟
اللي صدمني بجد وإحنا هنا أهو في الغرب الكـ!فر، غير المتحضر، إن قطاع كبير من المتصلين من كافة الجنسيات العربية، قالوا وأجمعوا إن السبب الرئيسي في التحرش هي الفتاة نفسها!! لأنه من وجهة نظر المواطن الإعرابي المتحرش المؤمن بالفطرة السليمة إن لبس البنت وطريقة مشيها وسلوكها (بحسب مازورة الإعرابي والفلاحوسرسج) بتبقى مستفزة جدًا لرجولته، وهي السبب في رفع هرمون التوستستيرون عنده!!! وهو راجل صاحب أمراض وعاهات وبلاوي، والدكتور كاتب له على كورس تحرش فوري أول ما يشوف الحلوى المكشوفة.
خلي بالكم، نفس عينة الأشخاص اللي عملوا مداخلات وتعليقات مع القناة ومؤمنين بإن البنت هي السبب هم ناس عايشين في الغرب حيث البنات والستات بتلبس هدوم براحتها (أو بالأصح بالكاد بتلبس هدوم!!) وهي طبعًا حرة في اختياراتها، لكن في نفس الوقت ميقدروش يهوبوا ناحية أي بنت في الغرب الكافر بكلمة ولا حتى ببصة زيادة عن اللزوم ولا حتى بتعليق أو معاكسة أو حتى الاقتراب غير المبرر منهم وصولًا إلى اللمس أو التحرش وميقدروش يقربوا من المراهقين أو الصغار لأن دي بلوة ومصيبة تاني خالص هتوديهم ورا الشمس حرفيًا.
لأن من الآخر المتحرش أو المغتصب في الغرب يعلم تمامًا أن حياته هتتدمر كليًا، لا شغل هيقبله ولا جيران هتحبه ولا مجتمع هيسامحه، بالتالي مفيش شغل يعني مفيش دخل يعني مفيش بيت أو سكن أو حياة حتى لو المجتمع ساعات بيعيد تأهيل الشخص مرة أخرى للعودة للمجتمع كشخص سوي لكن بياخد وقت كبير جدًا.
فمن الغريب جدًا إن الشخص اللي بيرمي كل اللوم على البنت بسبب التحرش ومبيقدرش يهوب ناحيتها في الغرب وماشي جنب الحيط وبيعرف يمسك نفسه كويس ورجولته بتعمل نفسها من بنها ومحدش بيستفزها! أول ما يرجع بلده الأم، فجأة الكبت والقهر والاستثارة بتطفح عليه ويبتدي يتحرش بأي حاجة تقابله، ويستقوى على واحدة ضعيفة وحيدة ويا سلام بقى لو كانت متبرجة كاشفة شعرها نامصة متنمصة، كده يبقى فُرجت، عنده كل الحيثيات النفسية والنوازع الفقهية كما، حلوى مكشوفة يابا، فرح بقى.. أومال!
فيمارس إيمان أهله الطبيعي بكل أريحية وسهولة، والمجتمع والقانون وبعض متطرفي الدين هيصقفوا ويقفوا جنبه كمان ويبرروا له -ويديلوه بوسه من بؤه- ويقولوا له عاش يا بطل.
فا متستغربوش إن الناس عندهم بلادة ولامبالاة في مواجهة المتحرش، دول كلهم مؤمنين بنفس اللي بيؤمن به بس ما أخدوش فرصتهم لسه!
أخيرًا الفرق بين السلوكين المتناقضين للمتحرش (غض الطرف وعدم الاقتراب من أي واحدة في الغرب- هيا بنا نتحمرش ونمرح في البلد الأم) هو إن في قانون محترم وصارم جدًا في الغرب أمام هذا النوع من الجرائم، رغم أنه مؤمن ومقتنع تمامًا في الموقفين أن البنت هي السبب في التحرش وأنه لازم يثأر لذكوريته اللي استثارت.
فلما يكون فيه قانون، التور الهايج المتحرش بيلم نفسه، وبيعمل ألف حساب، ولو مفيش قانون.. مفيش عقاب رادع.. يبقي.. وااااتحرشاااااه.
---
## الثلاثاء ١ فبراير
URL: https://tabcm.net/48563/
Type: post
Modified: 2026-03-27
في هذا اليوم شهد الميدان زحامًا غير مسبوق نتيجة للدعوات السابقة لمظاهرة مليونية في الميدان. وقد شهدت الدعوة استجابة غير مسبوقة، ربما بسبب استتباب الأمن داخل الميدان، مما شجع الكثيرين للذهاب هناك للمشاركة ولو كانت رمزية.
كان الثوار قد شكلوا نقاط تفتيش على أطراف الميدان حرصًا منهم على عدم دخول بلطجية أو مؤيدين لمبارك، وذلك تجنبًا لحدوث اشتباكات. وكانت هذه أول مرة يُشاهد فيها طوابير طويلة في انتظار عبور نقاط التفتيش على أطراف الميدان. ولُقبت المظاهرة بالمليونية، لكن لا يمكن بأي حال من الأحوال تقدير العدد الحقيقي للمتواجدين داخل الميدان. أما الحقيقة الواحدة الثابتة فهي أن الميدان والشوارع المحيطة به في هذا اليوم لم يكن فيهما فراغ يتسع لقدم من شدة الزحام.
في الإسكندرية، الوضع لم يختلف عن ميدان التحرير؛ نفس الزخم والعدد تقريبًا. وفي نفس الوقت الذي كان فيه متظاهرو التحرير يهتفون بسقوط مبارك، خرجت مظاهرات أخرى من ميدان مصطفى محمود في حي المهندسين. أعدادها لا تزيد عن العشرات تهتف بحياة مبارك وبقائه، وكانوا يعدون أفضال مبارك على الشعب المصري، بينما يقف على مقربة منهم الآلاف من المواطنين يعدون ذنوبه في حق الشعب ويهتفون برحيله ومحاكمته.
في الساعة الرابعة إلا الربع بعد الظهر، ظهر الداعية السلفي محمد حسانمع ثلاثة رجال بزي مدني، أحدهم ملتحٍ، قادمين باتجاه مبنى التليفزيون ماسبيرو في شارع كورنيش النيل. وقد أحاط بهم جنود الجيش الذين يؤمنون مبنى التليفزيون. والتقطت إحدى كاميرات المراقبة في مبنى التليفزيون المصري زيارة حسان المبهمة، حتى دخل مع رفاقه من بوابة المبنى. ثم تتبعتهم كاميرات المراقبة الداخلية وهم يتجولون بحرية داخل المبنى من دور إلى دور، يتبعهم بعض المدنيين، حتى خرجوا مرة أخرى إلى الشارع. ثم لحقت بهم حشود المعجبين لتحيته، فاستعان بجنود الجيش لإنقاذه من معجبيه، حتى أخرجوه من محيط المبنى المحاط بالدبابات. وحتى الآن لم يُعرف ماذا كان يفعل محمد حسان داخل مبنى الإذاعة والتليفزيون؟ ولماذا غادر بتلك السرعة؟ ومن هم المدنيون الذين كانوا بصحبته؟ ولماذا كان في حماية جنود الجيش؟ كلها أسئلة حائرة ظلت بلا إجابة حتى الآن.
ثم صدر بيان آخر من الجيش يؤكد أن القوات المسلحة تدرك مطالب الشعب المشروعة، وأنها لن تمتد يدها بالعنف ناحية المتظاهرين السلميين. بعد ذلك، أصدر محمود وجدي، وزير الداخلية، قرارًا بتعديل شعار الشرطة من الشرطة والشعب في خدمة القانون إلى الشرطة في خدمة الشعب، إمعانًا في التأثير الإيجابي على الشعب الثائر. تفقد وزير الداخلية قسمي شرطة النزهة ومصر الجديدة، اللذين نجيا من الاقتحام والحريق. ولوحظ في ذلك اليوم عودة وتواجد ملحوظ لرجال الشرطة في بعض شوارع القاهرة. كان غريبًا جدًا التعامل المثالي، الذي تعامل به رجال الشرطة مع الشعب، بطريقة أقرب للاستكانة والمهادنة.
في تلك الليلة، أعلنت القنوات الفضائية عن خطاب مرتقب لمبارك بعد قليل. راود الكثيرين الأمل في أن يعلن مبارك تنحيه، لكنهم كانوا متفائلين أكثر من اللازم. مر الكثير من الوقت دون أن يأتي هذا الخطاب المرجو. لعل تأخير خطابات مبارك بالساعات أتت عليه وعلى نظامه بنتائج عكسية. كان الانتظار يرفع سقف الطموحات ثم يأتي الخطاب مخيباً للآمال، فيؤدي إلى مزيد من السخط والضيق، بالتالي مزيد من الإصرار على فكرة الرحيل.
في وسط هذا الانتظار والترقب والأمل في تحقيق المطالب، خرج رئيس الوزراء الجديد أحمد شفيق مرتديًا بلوفرة الأنيق الذي سيشتهر به بعد ذلك، في أول لقاء تلفزيوني على قناة الحياة المصرية مع المذيعة لبنى عسل والمذيع شريف عامر، عصبيًا متأففًا، ليعلن رأيه الحقيقي في ثورة الشعب. فعندما سأله المذيع عن طلب المتظاهرين بتأسيس جمعية وطنية لصياغة الدستور، أجاب شفيق بكل تأفف وترفع: أنا بسأل سؤال.. إيه الحاجات الثورية ديه؟ طيب ما ينادوا بقى بثورة؟ إشمعنى بيزعلوا من المناداة بالثورة؟ أجابه المذيع: هو حضرتك ماذا تسمي ما يحدث في ميدان التحرير وباقي محافظات مصر الآن؟ رد شفيق: … تعبير حاد عن الرأي العام في شكل جماعي. أنت عايز تسميتها ثورة؟ مش ثورة طبعًا. فعاجلته المذيعة محاولة استدراك الأمر وتهذيب الرد قائلة: سُميّت أيضًا انتفاضة. لكن شفيق ظل مصممًا على رأيه وقال: المسميات كتير… لكن مش ١٠٠ ألف و٢٠٠ ألف، مش ممكن نسميهم ثورة، مش ثورة طبعًا.
كان ذلك أكبر خطأ ارتكبه شفيق في حياته السياسية قاطبة، عندما أنكر على المصريين ثورتهم، وفقد بعدها أي مصداقية وأي فرصة في الحوار معهم. لذا لم يكن غريبًا أن يلفظه الشعب قبل أن تكمل حكومته يومها الأول، وفي لقاء تالٍ بعد لقائه الأول بأقل من ساعة في برنامج 90 دقيقة على قناة المحور، شعر شفيق بمقدار الخطأ الذي ارتكبه في لقائه الأول، وربما لفت أحدهم نظره لذلك، لكنه لم يتراجع عن تصريحاته السابقة. ومع ذلك، قدم وعودًا صريحة بحماية المتظاهرين في التحرير وعدم التعرض لهم، وأقر بمسؤوليته المباشرة إن حدثت أي اعتداءات عليهم، وكرر نفس الكلام تقريبًا في لقائه الثالث في تلك الليلة في برنامج العاشرة مساءً على قناة دريم.
على الجانب الآخر، زاد سخط المتظاهرين على النظام، الذي لم يهتم بتنفيذ مطالبهم ولم يقدر ثورتهم حق تقدير. وكعادته، في محاولة للتأثير على الرأي العام في اتجاه مضاد للثورة، حاول التلفزيون المصري استخدام الفنانين والرياضيين ورجال الدين والمشاهير من خلال مداخلات هاتفية ومقابلات تلفزيونية في محاولة للتأثير ضد الثورة، خصوصًا قبل خطاب مبارك المرتقب وللتمهيد لتقبله. فاتهم الممثل الكوميدي طلعت زكريا المتظاهرين بالعمالة قائلًا: خلاص اللي قبض يمشي وكفاية كده. ثم خرج في إحدى اللقاءات التلفزيونية بعد ذلك وقال إن الشباب الذين بدأوا التظاهر، الذين لقبهم بـ شباب ٢٥ يناير، وهم الذين نزلوا إلى الميدان منذ يوم 25 وحتى يوم 27، وكانوا وطنيين ومخلصين، وقد أعلن تضامنه معهم ومع طلباتهم، ثم رحل هؤلاء حسبما يدعي، وأتى مكانهم آخرون عملاء. وما يحدث في الميدان الآن هو: طبل وزمر ورقص، وبنات وشباب ومخدرات… وعلاقات جنسية كاملة في قلب الميدان.
وقد كرر العديد من الفنانين هذا السيناريو، مثل الفنان حسن يوسف من خلال اتصالاته التي وزعها على القنوات المختلفة. أما الفنانة آثار الحكيم، فقد اتهمت شباب الثوار بأنهم متواجدون في الميدان لمجرد اللقاءات العاطفية. وقالت الفنانة إلهام شاهين للمتظاهرين: خلاص كفاية بقى، روحوا بيوتكوا، منظرنا بقى وحش أمام العالم. وتواصلت الإشاعات حول إلقاء القبض على عدد من العناصر الأجنبية في التحرير وفي ميادين القاهرة المختلفة في محاولة لإثبات نظرية المؤامرة المسيطرة على الأحداث.
وفي مداخلة على قناة النيل المملوكة للدولة، وصف الملحن عمرو مصطفى المعارضين والثوار بـالكلاب. وحاول مصطفى إشاعة نظرية المؤامرة الأجنبية بأحداث خيالية مثيرة للضحك. وحرض على إيقاف أي أجنبي يسير في الشارع والقبض عليه فورًا. وأكد أنه شخصيًا قد ألقى القبض على اثنين من الأجانب، سويسريين الجنسية وإسلاميين في نفس الوقت، يحملان منشورات ضد التغيير؟!. الأغرب كان رد مذيع التليفزيون المصري الذي أجابه بتلقائية: يا عمرو دول جواسيس طبعًا.. حاجة واضحة.. دول اتقبض عليهم؟ ثم انفعل عمرو مصطفى على الهواء وبكى، واصفًا أن ما يحدث في مصر هو مؤامرة، وأن هناك عملية غسيل مخ تحدث للشباب بهدف إسقاط الدولة.
ثم جاءت أخبار من مراسلي التليفزيون المصري، أن هناك منشورات بعدة لغات يتم توزيعها في الشارع تدعو الجماهير للتظاهر. وبالطبع ثبت كذب هذه الادعاءات فيما بعد. وفي اتصال من أحد المواطنين الشرفاء بمذيعة التليفزيون المصري، سألها المواطن الشريف: أجانب واقفين في ميدان التحرير، بيعملوا إيه في ميدان التحرير؟. فأجابته المذيعة على الفور، دون تردد: طبعًا، عشان يشوفوا الناس الموجودة في ميدان التحرير بتنفذ الخطة المتفق عليها ولا لاء.
أما اللقاء الأكثر كوميدية على الإطلاق، فكان مع الفنانة عفاف شعيب على قناة الحياة، التي قالت بعصبية شديدة: إحنا منهارين.. بنت أخويا بتقولي يا عمتو نفسي آكل بيتزا. وابن أخويا بيقولي نفسي آكل كباب.. طفل عمره سنتين نفسه يأكل ريش وكباب.. متعودين إننا نجيب عشاء كل يوم وكده.. مفيش.. كله قافل.. هاتأكليهم إيه؟ أطفال دول. ثم عادت وروت قصة خرافية: واحد جابوه ماسك فرخ ورق أبيض، بيقول إن فيه ناس أدوني قلم فلوماستر وإكتب: ‘نو مبارك’.
لندن بتحاول تدرب ولاد على اللهجة المصرية، وتجيبهم كلهم لون بشرتنا، مش اللون الأبيض بتاعهم، بتجيبهم من كل الجنسيات، وبتدربهم إزاي يركبوا دبابة، وإزاي يشيلوا العسكري المصري من الدبابة ويركبها هوه، عشان فيه حرب قادمة.
(عفاف شعيب، قناة الحياة، ١ فبراير ٢٠١١)
تحدثت الممثلة المعتزلة عن الظلم الاجتماعي والبطالة والفقر، وفي نفس الوقت الذي كانت تنكر فيه على المصريين حقهم في الثورة على تلك الأوضاع الفاسدة، أكدت دعمها لمبارك قائلة: إحنا مشفناش منه إلا كل خير يا جماعة. أما نجم كرة القدم حسام حسن، فطالب الشعب بالكف عن المظاهرات قائلًا: أعتبره أبوك يا أخي.. حد يعمل كدا في أبوه؟، وفي مداخلة على شاشة التلفزيون المصري، سألت المذيعة أحد المشايخ عن حكم الدين في سماح الآباء والأمهات لأبنائهم بالمشاركة في تلك الاحتجاجات، التي اندس فيها غير المصريين، فأجابها الشيخ: إنّ تلك فتنة، وأن هؤلاء الشبان في التهلكة.
خطاب الأشهر السبعة
أخيرًا وبعد طول انتظار، ظهر مبارك على الشاشة. بدا مبارك في تلك اللحظة رجلًا بلا أي مشاعر، ربما بسبب وجهه المتصلب نتيجة المكياج الثقيل ليبدو أكثر شبابًا. بدأ مبارك خطابه بالديباجة المتكررة متحدثًا عن الأخطار والمؤامرات التي يواجهها الوطن، ثم أخذ خطابه بعدًا عاطفيًا، وشدد على أنه لم يكن ينتوي الترشح للرئاسة مرة أخرى، فقد قضى أكثر من نصف عمره في خدمة مصر وشعبها، وأنه سيعمل خلال الأشهر المتبقية من فترته الرئاسية التي ستنتهي في سبتمبر 2011، كي يتم اتخاذ التدابير والإجراءات المحققة للانتقال السلمي للسلطة بموجب صلاحياته، وأنه سيدعو البرلمان إلى مناقشة تعديل المادتين 76 و77 المتعلقتين بانتخاب رئيس الجمهورية.
إنّ حسني مبارك الذي يتحدث إليكم اليوم يعتز بما قضاه من سنين طويلة في خدمة مصر وشعبها. إن هذا الوطن هو وطني… فيه عشت وحاربت من أجله ودافعت عن أرضه وسيادته ومصالحه، وعلى أرضه سأموت وسيحكم التاريخ عليّ وعلى غيري بما لنا أو علينا.
(حسني مبارك، خطاب ١ فبراير ٢٠١١)
كان خطاب مبارك هو خطاب مقاتل مهزوم لكنه يملك الكثير من الكبرياء، فأتى الخطاب ممتلئًا بأفعال المستقبل وليس بينها فعل واحد ينوي تحقيقه في الوقت الحالي، وبدون أي ضمانات حقيقية على تنفيذ تلك الوعود في المستقبل. لكن بمجرد أن تحدث مبارك بانكسار عن أمنيته أن يموت في هذا البلد، حتى انقلبت الطاولة رأسًا على عقب، وبدأ قلب الشعب الطيب يلين لمبارك الذي جعلهم يشعرون ولو حتى مجرد شعور أنهم قد انتصروا عليه بالفعل، وأنه هو الآن مهزوم، ويطلب منهم السماح فقط بالاستمرار أشهر بسيطة حتى يسلم السلطة للشعب.
وقد صفق أكثرية متظاهري التحرير لمبارك بمجرد انتهاء الخطاب الذي أتى بهدفه، وشق الصف ما بين مؤيد ومعارض للاستمرار، وبدأ الجدال قويًا في الميدان، وتدفقت المكالمات من الأهالي تدعو أبناءهم إلى الكف عن التظاهر والعودة للبيوت، فقد أتى الأمر بثماره. هذا الخطاب لم يحدث شرخًا بين ثوار الميدان فحسب، بل أحدث شرخًا بين الثوار وباقي المصريين الذين كانوا منذ ساعات قليلة متعاطفين معهم. الآن أصبحوا ساخطين عليهم ومُتعاطفين مع مبارك، واستغل التليفزيون المصري وبعض القنوات الفضائية حالة التعاطف التي بدأت تنمو بين الشعب، وبدأ يحشد التأييد لمبارك ويهاجم الثوار.
فظهر الفنان الكوميدي أحمد بدير يذرف الدمع مطالبًا المصريين أن يرحموا أباهم مبارك، وظهرت منى الشاذلي وهي تحاول أن تتمالك أعصابها وتحبس دموعها من شدة التأثر بخطاب مبارك، ولم يتمالك معتز الدمرداش في برنامجه 90 دقيقة على قناة المحور مع ضيوفه: الصحفي نصر القفاص، نائب تحرير جريدة الأهرام القومية، والإعلامي محمد صلاح، رئيس مكتب الحياة اللندنية في القاهرة، والصحفي مصطفى بكري، رئيس تحرير جريدة الأسبوع، ود. سوزان القليني، رئيس قسم الإعلام بكلية آداب عين شمس، لم يتمالكوا أنفسهم من الحزن والتأثر بعد خطاب مبارك العاطفي، وبينما اتكأ القفاص رأسه إلى الخلف ونظر إلى السقف، جز معتز على شفتيه حزنًا وكمدًا على الأب والزعيم الذي انكسر.
شكرًا للرئيس أنه استجاب لمطالب كل الشعب المصري.. إحنا بنقدر الريس، ونحترمه، ونحترم خطابه، ونحترم استجابته للجماهير، وأنا مع أنه يبقى لغاية البتاع ده، وبقول لشبابنا إنه لازم يفض المسيرة.
طلب جماعي لكل المتظاهرين في ميدان التحرير أن يفضوا اعتصامهم الآن، فعلًا ما طرحه الرئيس في النقاط الخمس هي جدول العمل الذي طالب به المصريين… المطالب الأساسية للمصريين… النهاردة خطاب الرئيس عمل مُتغيّر… المطالب الأساسية اللي إحنا عايزينها لُبِّيَت [تم تلبيتها]، مسألة إن أنا أسقط النظام من أساسه تدخلني في الفوضى بقى.
وجود الرئيس لغاية ما يتم مُدته ضرورة دستورية حتى لا يحدث فراغ دستوري الآن… سيبنا من العواطف… الشباب ده هو اللي حقق الإنجاز، هو اللي جاب أحمد شفيق، هو اللي جاب الراجل المحترم عمر سليمان، اللي البعض دلوقتي بيقولله إمشي. لو تعرفوا تاريخ عمر سليمان عمل إيه للبلد دي، لو تعرفوا تاريخ أحمد شفيق، هذا الفريق… هوّه عمل إيه لمصر؟
(مصطفى بكري، برنامج ٩٠ دقيقة، ١ فبراير ٢٠١١)
لم ينس مصطفى بكري في نهاية اللقاء أن يكرر التقدم بالشكر للرئيس لأنه استجاب لمطالب كل الشعب المصري، فرد عليه معتز الدمرداش قائلًا: أنت عليك دور كبير قوي، لازم تنزل الصبح تروح تتفاوض مع هؤلاء الشباب العظيم. لاحقًا، تحدث مصطفى بكري على قناة التحرير، عن ذكرياته أيام الثورة، ساخرًا من أولئك السذج الذين صدقوا خطاب مبارك العاطفي الدراماتيكي كما وصفهم قائلًا: في مساء هذا اليوم بالليل، ١ فبراير، كان الخطاب الدراماتيكي للرئيس مبارك، اللي اتكلم فيه بقى عن أن أنا أريد أن أموت في مصر، وأنا كذا، وأديت دوري و و … ظل الناس.. الدموع تنهمر، كما رأينا على شاشات التلفاز، وكثيرون يعني بقوا يوجهوا كلام حاد جدًا للثوار والثوريين، وأُسر بأكملها ذهبت إلى ميدان التحرير في هذا اليوم لتقنع أبناءها أنّهم يرجعوا.
الجدير بالذكر أنّه بعد تنحي مبارك، وبالتحديد في مارس 2011، شطب بكري جميع أعداد جريدة الأسبوع من موقع الجريدة الإلكتروني، وأبقى فقط على الأعداد التي تلت ثورة 25 يناير كمحاولة للتخلص من إثبات صلته القوية بنظام مبارك ونجله جمال ورجاله صفوت الشريف وزكريا عزمي وحبيب العادلي وأحمد عز وفتحي سرور، بالإضافة إلى أنّه أزال أيضًا اللوحة التذكارية لتأسيس جريدة الأسبوع، التي كان مُدون بها قيام صفوت الشريف بافتتاح الجريدة، ووضع بدلًا منها لوحة مكتوب عليها لفظ الجلالة، وعندما نشر صحفيو جريدة الأسبوع تفاصيل ما جرى مع لجنة التفاوض المُشكلة من نقابة الصحفيين في المواقع الإلكترونية، قام بكري باستبعاد الصحفيين أحمد أبو صالح وسيد أمين مديري تحرير الموقع الإلكتروني لجريدة الأسبوع أون لاين، ووضع بدلًا منهما اسمه، واسم شقيقه محمود بكري، كرئيسين لمجلس الإدارة والتحرير.
وصلت المداهنة بالمطرب محمد نور إلى أن أصدر أغنية ركيكة، سريعة الإعداد تدعو لتأييد الرئيس وللاعتذار لمبارك عما بدر من المتظاهرين في حقه، تحمل عنوان: حقّك علينا كلنا. والطريف أنه بعد تنحّي مبارك تحولت نفس الأغنية باللحن ذاته والكلمات ذاتها بعد إعادة تشكيل كلمة حقِك لتصبح موجهة لمصر، ولتصير الأغنية بالكامل وكأنها تهاجم نظام مبارك، وتدعو للاعتذار لمصر.
تكالب المتصلون في تلك الليلة على برامج التوك شو في البكاء واستدرار عطف المشاهدين، وظهرت رولا خرسا وعمرو أديب على شاشة قناة الحياة مطالبين ضيوفهم في الاستوديو أن “يصفقوا” لمبارك على خطابه، وأخذ عمرو أديب يبالغ في وصف حكمة الرئيس وأمانته في حماية الوطن وكشف الفاسدين. واستمرت حالة الشحن العاطفي إلى أن تحدث المحامي الإسلامي المُعارض عصام سلطان في مداخلة هاتفية، وهاجم كل من صدق مبارك وخطابه، وشبه هذا الخطاب بخطاب مبارك في مدرسة المساعي المشكورة عام 2005، هذا الخطاب الذي أنعم فيه على المصريين بتحويل الاستفتاء الرئاسي إلى انتخابات رئاسية والنتيجة ظلت واحدة في كلتا الحالتين.
حاول عمرو أديب مقاطعة كلمات سلطان كي لا تُفسِد مداخلته التأثير الذي أحدثه خطاب مبارك على المتفرجين، الذي يحاول أديب وخرسا مستميتين تعميق أثره على المشاهدين. فقاطعته رولا بقولها إنَّ هناك مواطنًا من ضيوفها في الاستوديو من المشاركين السابقين في المظاهرات، وقد غير رأيه الآن ويريد أن يحادث سلطان، إلا أن سلطان أصر على إكمال حديثه واستدرك قائلًا: الرئيس عايز الناس تروّح بيتها وينفرد بهؤلاء الشباب حتى نهاية فترة رئاسته معاقبًا إياهم بنفس الوسائل البشعة التي اعتادت داخلية مبارك على ممارستها.
قاطعته رولا خرسا مُجددًا بقولها مرفوض..مرفوض، فسألها عصام سلطان بحزم: مرفوض كلامي، ولا ده اللي كان بيحصل خلال ثلاثين سنة؟، فعاد عمرو أديب مذكرًا عصام سلطان أنَّ مبارك قد وعد بعدم ترشيح نفسه وانتهى الأمر، فعاجله سلطان مذكرًا إياه أنَّ مبارك قد وعد مثل هذا الوعد في السابق في 2005 ولم ينفذ وعده، فلم يجد أديب ما يرد به سوى الديباجة المتكررة انتوا عايزين البلد تقع والناس تفضل في الميدان، ثم أشار إلى هذا ضيفه في الاستوديو الذي قالت عنه رولا أنَّه متظاهر سابق وقد اقتنع بكلام مبارك وأتى مسرعًا للاستوديو لتأكيد تغيير موقفه، فأجابه سلطان: انتوا جايبين الجماعة بتوع وزير البترول، (يقصد أنَّ ضيوف البرنامج هم مجرد ممثلين مأجورين لا أكثر، مثلما حدث في موقف سابق كان تم الاستعانة بموظفين في وزارة البترول لأداء مشهد مشابه)، وأكد سلطان أنَّ مبارك لن يفي بوعوده ويترك كرسي الرئاسة لغيره مع نهاية فترته الرئاسية مثلما وعد في خطابه إن تراجع الضغط عليه وتخلى المعتصمون عن مطلب التنحي الفوري قائلًا: هوه مش هيمشي.. هوه بيمهّد أنَّه يدوّر على الأولاد اللي واقفين في التحرير، ومحمود وجدي موجود في الداخلية.
لا يمكن هيجي أسوأ من اللي كنا فيه.. لا يمكن هايجي ذلّ ومهانة قد اللي كنا فيها.. كانت الناس بتتضرب في الأقسام قدام مراتاتهم وأمهاتهم بالجزم وبالبراطيش.. كانوا بيتخوزقوا.. كانوا بيطلّعوا دين أمهم.. كانوا بيعملوا فيهم كل حاجة.. إحنا كنا في عصر أسود ومهبب.. خلوني أتكلم بقى وأقول.. أنا كنت بقول للناس والله العظيم تلاتة ربنا هايحلها […] العيال [يقصد شباب الثورة] طلعوا أحسن مننا.. إحنا جبناء.. رغم إن إحنا اتكلمنا وقلنا كل حاجة!
(عمرو أديب لاحقًا، على قناة أون تي في، مع يسري فودة)
أيضًا في هذا اليوم، الأول من فبراير، ظهرت نوارة نجم على قناة الجزيرة لتعبر في مداخلتها عما كان يجيش بصدور الثوار بكل وضوح، وأعلن محمد البرادعي أن خطاب مبارك يزيد فترة الاحتقان والغضب، بينما أعلن حمدين صباحي أنه التفاف على مطالب الحركة الوطنية.
---
## مقاربات عن أرض لادان
URL: https://tabcm.net/52387/
Type: post
Modified: 2026-03-27
لنقترب من الأحداث التي تكلمنا عنها في قصة بلاد مي وسو وثالثتهما نو، يجدر بنا أن نلقي نظرة بعيدة في التاريخ عن هذه االمناطق التي نحكي عنها، لأن جزء منها من واقع الحياة، ولكننا نحتاج أن نتكلم عن طبيعة هذه الأراضي، لنأخذ من هذه القصص عبرة أو عبر نستفيد منها ونُفيد القارىء.
كانت منطقة الشرق الأوسط جزء من بحر متسع يصل إلى وسط الجزيرة العربية، ثم تطور الأمر حتى جف جزء كبير من هذا البحر ونشأت اليابسة التي نعيش فيها، مع كثير من الأشجار والأعشاب التي تملأ الأرض، غذاءً للكائنات التي خلقها الله في هذه الربوع الواسعة. فمع جفاف هذا المحيط الواسع، ماتت الحيتان الضخمة التي كانت فيه، وأصبح هناك نظاماً بيئيًّا متنوع يحتضن كل أشكال الحياة.
وهكذا نبتت أنواع ضخمة من النباتات والأشجار لتكفي الكائنات التي على الأرض، أشجار عملاقة سريعة النمو، وأعشاب في أحجامها تقترب من الأشجار الحالية، وكلها حيوية تكفي الكائنات التي خلقت على اليابسة، يكفي أن تنظر إلى أعماق البحار فتعرف أشكال هذا العالم النابض بالحياة، البديع في أشكاله وألوانه وطرق نموه وازدهاره.
لنقترب أكثر لنرى ماذا حدث في هذه اليابسة. فهناك وادي اسمه “وادي الحيتان”، حيث بقيت العظام الضخمة لهذه الحيتان الفقارية، منذ ملايين السنين. وفي منطقة أخرى، الآن هي على خط الحدود الفاصلة بين مصر والسودان وليبيا، جبل مكون من أكوام من الزلط الكبير الحجم، أصغرها طولها متر ونصف وأكبرها يصل إلى ثلاثة أمتار، متراكمة كلها فوق بعضها، وبين هذه الأحجار تخرج ينابيع صغيرة من المياه. لذلك سمي هذا الجبل باسم “جبل العوينات”.
نيزك جبل كامل
وفي الزمن القريب نوعًا ما، منذ خمسة آلاف سنة، وقع نيزك عملاق في منطقة مسماة الآن جبل كامل، نتج عن هذا الارتطام فوهة كبيرة، قطرها 45 متر وعمقها 16 متر. وقصتها تقول إن مجموعة من الباحثين كانوا يتابعون صور أقمار صناعية، فوجدوا فوهة في قلب الصحراء على الحدود المصرية السودانية، شمال الخط الحدودي بحوالي 600 متر. فقرروا القيام برحلة استكشافية، فوجدوا الفوهة التي قطرها 45 متر وعمقها 16 متر وحولها آلاف من الشظايا النيزكية. وأكبر عينة من هذا النيزك وزنها 83 كجم، وحاليًا موجودة في المتحف الجيولوجي المصري. ووزن الصخور المكتشفة حوالي طن ونصف. وبذلك تكون هذه الفوهة، فوهة جبل كامل، من أندر الفوهات النيزكية على سطح الأرض.
أكدت الدراسات الجيولوجية إن النيزك المكتشف كان وزنه 10 طن، ومكون من 90% حديد و10% نيكل. وهو من منطقة حزام الكويكبات بين المريخ والمشترى، وسرعته قبل ارتطامه بالأرض كانت حوالي 12000 كيلومتر/ الساعة. وهذا الارتطام نتج عنه آثار موجية على شكل شعاعي للمقذوفات النيزكية، وهذا أمر نادر. ووقت اصطدامه بالأرض تكونت هذه الخطوط الشعاعية وهي مماثلة لما وُجد على القمر وعطارد والمريخ. والغريب إن هذا الشكل ظل بشكله دون تغيير على مدى خمسة آلاف سنة، خاصة إن هذا الموقع ليس به أمطار أو نباتات أو عوامل طبيعية تمحو تلك الآثار.
وفي عام 2012 أعتبرت تلك المنطقة [منطقة نيزك جبل كامل بمحافظة الوادي الجديد] محمية طبيعية حسب قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 271 لسنة 2012م.
محمية وادي الحيتان
هناك محمية طبيعية تبعد عن القاهرة بحوالي 92 كيلومتر اسمها “وادي الريان”، مساحتها 1759 كم مربع، تتميز ببحيرات كبيرة وفي نهايتها شلالات وادي الريان الشهيرة. هناك تجد منطقة تراث عالمي تسمى “وادي الحيتان”. مساحته حوالي 400 كيلومتر مربع. وجد العلماء هناك أكبر حفرية لحوت عملاق اسمه “باسيلوسورس ايزيس Basilosaurus Whale”، طوله 18 مترًا ويعتبر أول الحفريات التي كشف النقاب عنها العالم “بيد نيل” عام 1903. حينئذ أعتبرت هيئة اليونسكو “وادي الحيتان” من أندر الأماكن في العالم لأنه يضم أكثر من 400 حفرية كاملة لحيتان بدائية عاشت في بيئة الأرض من حوالي 37 – 40 مليون سنة في موقع محمي بشكل كامل. لذلك تم تسجيله عام 2005م في هيئة اليونسكو كموقع تراث عالمي، وكأفضل وأكبر مناطق التراث العالمي للهياكل العظمية للحيتان والبقايا الأحفورية.
هذا الموقع كان في الأزمنة القديمة منذ حوالي 34 – 56 مليون سنة (=العصر الإيوسيني)، كان يسمى بحر تيثيس (Tethys havet)، وكان يغطي شمال إفريقيا ومصر وممتد حتى وسط الجزيرة العربية والمحيط الهندي.
في ذلك الزمان، كان جو الأرض دافىء بحيث لم يكن يسمح بتكوُّن الجليد في القطبين. وهكذا كان مستوى المياه في المحيطات عالٍ ويغطي مساحات كبيرة من الأراضي مثل شمال إفريقيا ومصر وشرق إفريقيا حتى وسط الجزيرة العربية، كما سبق القول. وكانت حركة الصفائح التكتونية (أي مساحات اليابسة) نشطة بشكل كبير. وتحركت الصفيحة الإفريقية إلى الشمال الشرقي في اتجاه الصفيحة اليوروآسية. وبذلك انحسر بحر تيثيس وحدثت تغيرات مناخية كبيرة، مما جعل هذا البحر يجف نسبيًا حتى أصبح هناك ما يسمى “البحر المتوسط”، وتكونت قارة إفريقيا بما يشبه الشكل الذي نراه حاليًّا.
والخلاصة، إن وادي الحيتان كان منخفض عميق مغمور بمياه بحر تيثيس، وقد انحسرت مياهه بسبب ظاهرة الانجراف القاري. أما الكائنات التي كانت تعيش فيه منذ العصر الإيوسيني منذ 40 مليون سنة فقد تحجرت وآثارها موجودة حتى اليوم (2026م).
وفي عام 2001م اكتشف فريق من الباحثين بقيادة عالم الحفريات الأمريكي جشوا سميث، بقايا ديناصور ضخم في الواحات البحرية بين جبلين معروفين باسم الدست والمغرفة. وسُمي هذا الديناصور باسم باراليتيتان ستروميري، والمعروف بديناصور المد والجذر أو عملاق الموج. وقد قدر العلماء طوله بحوالي 26 متر ووزنه يتجاوز ال 60 طن. وبذلك يكون هو ثاني أضخم حفرية يتم اكتشافها لديناصور عشبي على الإطلاق. وقد تم اكتشاف هذه الحفرية في رواسب قديمة عمرها 94 مليون سنة، ويُعتقد إنه كان على شواطىء بحر تيثيس.
وفي عام 1911م قام العالم الألماني أرنست سترومر برحلته الاستكشافية الثالثة لمصر، مع مساعده مارك جراف، وكانت النتيجة هي اكتشاف هياكل شبه كاملة للديناصورات، وكان عددهم 4 هياكل عظمية، وأسماؤهم هي:
(1) اسبينوسورس الضخم؛
(2) كركرو دونتسورس آكل اللحوم وأسنانه شبيهة بأسنان سمك القرش. وقد عاش هذا الديناصور في شمال إفريقيا في كل من مصر وتونس والجزائر، من 94 – 100 مليون سنة. وقد سُمى أيضًا باسم “السحلية الشوكية”.
(3) وبهاريا، الذي عاش من 95 مليون سنة.
(4) والإيجيبتور أو السحلية المصرية القديمة Aegyptosaurus.
نُقلت هذه الحفريات إلى متحف ميونيخ قبل الحرب العالمية الثانية، لكنها للأسف دُمرت في تلك الحرب حين تم قصف المتحف بما فيه.
وجدير بالذكر إن تسمية الباراليتيتيان كانت تيمنًا بالعالم أرنست سترومر (1871-1952)، حيث كان له السبق في اكتشاف الحفريات في بداية القرن العشرين، حيث سمي هو باسم “أبو الحفريات المصرية”.
هذه الاكتشافات في الواحات البحرية تكشف عن تنوع كبير في الديناصورات التي عاشت في شمال إفريقيا، وتُظهر مقدار غنى هذه القارة بالحياة منذ ملايين السنين.
الصحراء السوداء
هذه المنطقة عبارة عن 30 كيلو متر مربع موزع فيها تلال بركانية ارتفاعها من 20 إلى 50 متر في الأرض الصحراوية، وهي عبارة عن مزيج من الرمال الصفراء الفاتحة المغطاة بطبقة سوداء من الصخور البازلتية، وكأنها بقع سوداء متناثرة على أرض ذهبية، ويُعرف هذا المكان باسم “الصحراء السوداء”، وموقعها بين الواحات البحرية والواحات الداخلة، على بعد 50 كم من الواحات البحرية، وحوالي 370 كم جنوب غرب القاهرة.
هذه التلال البركانية نتجت عن انفجارات بركانية في أزمنة سحيقة، في أثناء العصر الجيوراسي Jurasic era منذ أكثر من 180 مليون سنة.
وفي عام 2010م تم الإعلان إن مناطق جبل الإنجليز والصحراء السوداء وجبل الديست والمغرفة بأنها محمية طبيعية، وأطلق عليها اسم “محمية الواحات البحرية”. هذا يرجع إلى أهميتها كمنطقة أبحاث خاصة بالحفريات الفقارية، ولدراسة ظواهرها الجيولوجية الفريدة ولصون الثروات الطبيعية والحضرية المكتشفة، مع وضع تلك المنطقة على خريطة السياحة العالمية.
الصحراء الغربية والأحداث التاريخية
ترجع أهمية هذه المنطقة أيضًا إلى زمن تواجد القوات البريطانية في هذه الصحراء. مثلًا: هناك جبل اسمه “جبل الإنجليز”، كما سبق وذكرنا؛ ويبلغ ارتفاعه حوالي 100 متر، وهو أعلى نقطة في الصحراء السوداء، وسمِّي هكذا لتواجد القوات البريطانية هناك خلال فترة تواجدها لحماية هذه المنطقة من الهجوم المضاد من الجهة الغربية.
وجنوبًا على بعد حوالي 80 كم تظهر الصحراء البيضاء في واحة الفرافرة بمساحة حوالي 3000 كم مربع، وأرضها مغطاة بصخور طباشيرية بيضاء، وصخور من الحجر الجيري، والرياح والعواصف نحتتها بأشكال عجيبة، فمنها ما يشبه الفطر وبعضها يشبه بعض الحيوانات مثل شكل أرنب أو أسد مثلًا. وقد تسجلت هذه المنطقة كمحمية طبيعية عام 2002م.
بحر الرمال الأعظم
هو عبارة عن منطقة ضخمة مليئة بالكثبان الرملية، وهي ما بين هضبة الجلف الكبير (= الخليج الكبير) في أقصى جنوب غرب مصر، وواحة سيوة في شمال الصحراء الغربية. وهذا المكان مقسم إلى 3 بحار رملية كبيرة وتمتد على طول الحدود المصرية الليبية، طولها يتراوح ما بين 500 إلى 650 كيلومتر، وعرضها حوالي 160 – 350 كيلومتر، ومساحتها حوالي 72000 كم مربع، أي حوالي 36% من مساحة الصحراء الغربية كلها التي تصل إلى ما يقرب من 150 ألف كيلومتر مربع. ويحوي هذا البحر أكبر تجمعات للكثبان الرملية في العالم، والكثيب الواحد يمكن أن يصل ارتفاعه إلى 140 متر، معظمها متوازٍ بشكل الأمواج المتجمدة من الرمال، قليل منها من الرمال المتحركة وهي فقط في الأماكن المنخفضة أو الأماكن القريبة من المياه الجوفية.
وتشتهر المنطقة بوجود زجاج الصحراء الليبي، وهو يعتبر من أنقى أنواع الزجاج الطبيعي في العالم. وهو زجاج طبيعي من السيليكا، وقد تكون من حوالي 29 مليون سنة بسبب اصطدام نيزكي، والمصريين القدماء استفادوا من ألوانه الزاهية وجماله، واستخدموه في صناعة الحُلي والمجوهرات [مثل صدرية الملك توت عنخ آمون – وهو جعران منحوت من زجاج الصحراء الليبية].
ويجدر القول إن بحر الرمال الأعظم كان له دور استراتيجي في الحرب العالمية الثانية، لأن جيش الحلفاء بقيادة مونتجمري وقوات المحور بقيادة إيروين روميل، أعتبروه حاجزًا طبيعيًّا يستحيل عبوره، وكان له تأثير ملحوظ على خطط المعارك وتحركات القوات (مثلًا: في معركة العلمين). وهذه المنطقة حاليًّا غير مأهولة، ويتم بها رحلات استكشافية محدودة وأبحاث جيولوجية، وجزء كبير من هذه المنطقة داخل ضمن نطاق محمية “الجلف الكبير”. وهذه الهضبة مشهورة بالكهوف مثل كهف السباحين الذي يحوي رسومات ترجع إلى آلاف السنين.
وبعد، أيها القارىء العزيز، أردنا أن نطوف معك في المناطق التي سبقت قصتنا التي نرويها، لكي تعرف خلفية هذه القصص، وكيف كانت تتشكل كل المجتمعات القديمة. فبالتأكيد إن اكتشاف “النار” كان حدث جلل أثار الخوف عند كثير من البشر، وأخذ وقتًا ليس بقليل حتى تآلف معه الناس.
واكتشاف المعادن بالطبع كان بعد زمن آخر، فالحديد كان سلاح يستطيعون به صنع الرماح والسيوف، بالتالي الصيد وقتل الطيور وأكل لحومها بعد تسويتها على النار (أي شيِّها). واكتشاف النحاس أدى إلى تصنيع أدوات منزلية ضرورية، مثل الحلل والأطباق والصواني؛ وأيضًا المرايا والحُلي وأدوات الزينة، كما سبق القول. وهكذا تقدمت البشرية خطوات عدة في الفكر والرقي وصنع المستقبل.
---
## داخل ميدان التحرير
URL: https://tabcm.net/51451/
Type: post
Modified: 2026-03-27
هذا كمين منصوب لهم. هذا النظام المتمثل في شخص الرئيس محمد حسني مبارك ينصب لنا كمينًا كي يكون له مهلة وفرصة كي ينتقم من الشعب المصري جميعًا. هذا الرئيس يريد بعد كل هذا، بعد أن قتل منا مئتي شهيد، وبعد أن أطلق علينا بلطجية الشرطة لتسرق وتنهب، ثم يتهمونا نحن بأننا نحن السراقون ونحن النهابون، ويدعي بأن هناك مواجهات بين الشرطة والشعب، وهذا لم يحدث وهو يعلم ذلك، وهو الذي سحب قوات الشرطة من الشوارع. هذا الرجل يريد مهلة لكي ينتقم من هذا الشعب الذي أعلن كراهيته بشكل صريح له. يريد ستة أشهر. نحن لا نثق به. الخطاب يهين الملايين التي نزلت إلى الشارع ويتهمها بالسلب والنهب، وبعدم التحضر وبالاستغلال، وبأنها ألعوبة في أيدٍ خفية وقوى سياسية وأيدٍ خارجية. الخطاب مليء بالكذب والادعاء. يدعي أنه لم يرغب في الترشّح وهو قد أعلن أنه يرغب في الترشّح. كيف نصدقه حين يقول إنه لن يترشح مرة أخرى؟ من يضمن لنا أنه في خلال هذه الستة أشهر القادمة أننا لن نُذبح من الوريد للوريد، فيستمر في السلطة ويسلمها لابنه؟… هذا الرجل غير مأمون الجانب. هذا كمين لسرقة الثورة. هذا الرجل لا يكف عن إهانتنا والاستهانة بنا. هذا الخطاب نقطة تحول في الثورة المصرية لأنه مُفجر، لقد وضع الزيت على النار. سبحان الله… كلما تكلم، كلما أثار غضبنا. لو سكت لكان أكرم له. حسنًا، نحن لن نطالب برحيل الرئيس، بل سيبقى ويُحاكم. سيحاكم على تفكيك القطاع العام وبيعه لرجال الأعمال. سيحاكم على تخريب الزراعة، وسرطنة المواد الغذائية. سيحاكم على التعذيب وقتل الناس في الشوارع والاعتقالات بالجملة. سيحاكم على بيع ثروات البلد وبيع غازنا لإسرائيل. سيحاكم على إثارة الفتنة الطائفية والتكريس لها طوال ٣٠ سنة كي يفرق بين أبناء الوطن الواحد. سيحاكم على خدمة مصالح الاحتلال الأمريكي والاحتلال الإسرائيلي على حسابنا. سيحاكم على كل الجرائم التي ارتكبها في حقنا. نحن كنا كرماء وكنا طيبين جدًا حين طلبنا منه أن يرحل على الفور. حسنًا، لن نكون كرماء ولن نتسم بالطيبة ولن يرحل. سيحاكم فورًا ونحن سننزل الشارع حالًا بالملايين، لا لنطالب برحيله وإنما لنطالب بمحاكمته.
(نوارة نجم، قناة الجزيرة، ١ فبراير ٢٠١١)
عبرت مداخلة نوارة نجم على قناة الجزيرة بما كان يجيش في صدور الثوار بكل وضوح، وأعلن محمد البرادعي أن خطاب مبارك يزيد فترة الاحتقان والغضب، بينما أعلن حمدين صباحي أنه التفاف على مطالب الحركة الوطنية.
في ميدان التحرير، لم يستغرق الأمر طويلًا حتى حدث احتواء لحالة التعاطف التي سرت بعد خطاب مبارك لدقائق بسيطة. فلم يستغرق الثوار كثيرًا حتى اكتشفوا أن مبارك يتحايل عليهم بخطابه المعسول ووعوده الكاذبة. وعلى الفور، أعلن الثوار رأيهم وردهم على الخطاب برفع أحذيتهم في مواجهة مبارك الذي يظهر على الشاشة الكبيرة في الميدان. لكن ذلك لم يمنع أن عددًا كبيرًا من المعتصمين قد انسحب بالفعل من الميدان وعادوا إلى منازلهم. وانتشرت المظاهرات المؤيدة، المدفوع أغلبها من قبل السلطة ومن قبل عناصر نظام مبارك. فتجمع المؤيدون لمبارك على مقربة من ميدان التحرير أمام مبنى ماسبيرو بعد انتهاء الخطاب بقليل، وكأنهم كانوا مستعدين لذلك، معلنين تأييدهم لمبارك هاتين بحياته.
وبالطبع، فإن التلفزيون المصري، الذي ظل يتجاهل ما يحدث في ميدان التحرير لمدة خمسة أيام منذ بداية الثورة، كان سريع الاستجابة لتجمع العشرات المؤيدين لمبارك وهم يهتفون “مش هايمشي… مش هايمشي”، ردًا على شعار التحرير الشهير: مش هانمشي… هو يمشي. والتقط التلفزيون مشاهد قريبة لتلك المظاهرات المؤيدة ليوحي بضخامة الأعداد المشاركة. ودعم التلفزيون المصري تلك المشاهد بالعديد من المكالمات الهاتفية من مواطنين بسطاء عبروا فيها عن تأييدهم الكامل للرئيس، ومهاجمين فيها ثوار التحرير لأنهم يهينون رمزًا من رموز مصر على حد تعبيرهم. ولم تخلو بعض المكالمات من البكاء والنحيب على مبارك والاعتذارات المتتالية له ولفخامته، بل إن البعض تمادى في إعلان تأييده له متمنيًا تقبيل التراب الذي يسير عليه مبارك.
كان التفسير المنطقي لما يحدث للشعب هو حالة نفسية شهيرة تسمى “متلازمة ستوكهولم”، وهو مصطلح يطلق على الحالة النفسية التي تصيب الفرد عندما يتعاطف أو يتعاون مع عدوه أو من أساء إليه بشكل من الأشكال، أو يظهر بعض علامات الولاء له، مثل أن يتعاطف المخطوف مع الخاطف. وأُطلق اسم “متلازمة ستوكهولم” نسبة إلى حادثة شهيرة حدثت في ستوكهولم في السويد، حيث سطا مجموعة من اللصوص على بنك كريديت بانكين (Kreditbanken) في عام 1973. واتخذوا بعض موظفي البنك رهائن لمدة ستة أيام. خلال تلك الفترة، بدأ الرهائن يرتبطون عاطفيًا بالجناة، وقاموا بالدفاع عنهم بعد إطلاق سراحهم. فعندما تكون الضحية تحت ضغط نفسي كبير، تبدأ لا إراديًا بصنع آلية نفسية للدفاع عن النفس، وذلك من خلال الاطمئنان للجاني، خاصة إذا أبدى الجاني حركة تنم عن الحنان أو الاهتمام، حتى لو كانت صغيرة جدًا. فإن الضحية يقوم بتضخيمها وتبدو له كالشيء الكبير جدًا. وفي بعض الأحيان يفكر الضحية في خطورة إنقاذه، وأنه من الممكن أن يتأذى إذا حاول أحد مساعدته أو إنقاذه، لذا يتعلق بالجاني.
استمرارًا لتلك الحالة، بدأ المشاهير هجومهم من خلال شاشات التليفزيون على ثوار التحرير ورموز المعارضة المصريين، وظهر اللاعب حسام حسن موجهًا الاتهامات إلى البرادعي، متسائلًا: مين البرادعي ده؟ البرادعي ده ميعرفش حاجة عن مصر، ده يادوب بقاله 3 ساعات في مصر، بيجي ترانزيت. ثم ظهر المطرب تامر حسني ليعلن تأييده لمبارك بقوله: هتفضل أبونا كلنا، وهنفضل نحبك مهما كانت الأحوال. ثم انزوى تامر باكيًا لإظهار مزيد من التأثر. وظهرت لأول مرة لافتات اعتذار تحمل عبارة إحنا آسفين يا ريس ليوحي حاملها أنه كان من ثوار التحرير ثم أعلن ندمه واعتذاره للرئيس، مطالبين ثوار التحرير بفض اعتصامهم من أجل الاستقرار الذي ظل مبارك يحافظ عليه لأكثر من ثلاثة عقود!
ما هو قادم أخطر بكثير، ما هو قادم القتل في البيوت، وعلى نواصي الطرق والشوارع. ما هو قادم تدمير اقتصاد البلاد، هنبقى صومال جديدة، هيصوملوا مصر يا جماعة. والله اللي حققناه ده يستحق أن نضع هؤلاء الأولاد على رؤوسنا أبد الدهر. ٧٦ و٧٧، ورئيس جمهورية مش هيترشح تاني وابنه مفيهوش ترشيح، وفسدة ارتكبوا جرايم في حق البلد ديه هايتسجنوا. خلينا نسجن الناس ديه، أدونا فرصة نسجنهم، أدونا فرصة نفضحهم ونكشفهم، أدونا فرصة نستعيد ونلتقط أنفاسنا، أدونا فرصة ٨٥ مليون يحسوا بالأمن والاستقرار. لكن لو بقت المسائل بالشكل ده، لو وصلنا لمرحلة الخراب والفوضى، سيتحمل الجميع المسؤولية أمام التاريخ، كلنا.
خلونا نتحاور مع رجل محترم اسمه عمر سليمان.. نتحاور معه ونوصل لنتيجة معينة..
(مصطفى بكري، قناة المحور، ١ فبراير ٢٠١١)
وحكى بكري -في حواره مع سيد علي وهناء سمري في برنامج “48 ساعة” على قناة المحور- عن لقائه بعمر سليمان، وأنه قد أخبر سليمان بتخوف الشعب من عودة الأوضاع كعهدها إن رحل المتظاهرون من أرض الميدان، فقال له سليمان: إن هذا تعهد علانية وواضح ومحدد.. الرئيس غير راغب الآن، وإذا تم الضغط بطريقة أكبر، لن يكون أمام الرئيس إلا خيار أن يسلم البلد للجيش. وأكمل بكري قائلًا: معنى تسليم البلاد للجيش أننا يمكن أن نبقى خمسة أو ست سنوات بلا دستور.. وارد.. وارد. فطلب منه سيد علي أن يكرر كلامه كنوع من التحذير للناس، فكرر بكري كلامه نصًا: إنه إذا ما استمرت الضغوط، وقال لي بالضبط: نحن في نصف منطقة الفوضى الخلاقة.. دخلنا الفوضى.. في النص.. إذا ما تعدت الأمور أكثر من ذلك، لن يكون أمام الرئيس من خيار إلا أن يسلم البلد للقوات المسلحة، وساعتها علينا أن ننتظر طويلًا لحين وجود دستور وإصلاحات.
لاحقًا، بعد تنحي مبارك، وفي برنامج العاصمة مع تامر عبد المنعم في 4 ديسمبر 2011، صرح بكري بكلام مغاير تمامًا لما قاله في تلك الليلة، وأكد بأنه قد قال لسليمان أن ينصح مبارك بضرورة الرحيل قائلًا: قولتله قدام الناس وقدام كل رؤساء التحرير، ويمكن وائل الإبراشي طلع قالها، قولتله يا سيادة النائب أنصح رئيس الدولة أنه يخرج من مصر ويطلع على ألمانيا أو على أي مكان آخر.
الإسلام السياسي وميدان التحرير
لم يكن ممكنًا أن تمر تلك الليلة دون أن يكون لتيار الإسلام السياسي دور في نفاق مبارك، ففي تلك الليلة زار مذيع قناة الناس خالد عبد الله ميدان التحرير محاولًا إقناع الثوار والمعتصمين بالصبر على مبارك وإعطائه فرصة لإصلاح ما أفسده في مصر، وأوصاهم ألا يتبعوا البرادعي وأمثاله. فسأله أحد المعتصمين: أنت كنت فين من ست شهور يا أستاذ وأنت تدافع عن النظام؟ كلكم كنتم بتدافعوا عن النظام ومحدش فيكم قال له لاء. فأجابه خالد عبد الله: هل إحنا في مرحلة دلوقتي تحتمل أن نختلف مع بعض؟ يعني على الأقل لازم نقول إن رأي الأغلبية هو المُتبع في هذه الفترة الحاسمة، ما مش ممكن كل 13 واحد عايزين حاجة هانعملها. فقاطعه أحدهم: طيب مهو رأي الأكثرية يا شيخ بيقول إنه يرحل وهو مش عايز يرحل. فأجابه خالد عبد الله: إيه البدايل اللي ممكن نوصل لها؟. فقاطعه معتصم آخر: إحنا نمشيها بطريقة من أفسد شيئًا فعليه إصلاحه.. هو اللي أفسد وهو اللي يصلّح!. ثم طرده المتظاهرون من الميدان.
أما الداعية السلفي الشهير؛ محمود المصري، فتحدث في لقاء على قناة النيل التابعة للتلفزيون المصري، داعيًا إلى وقف التظاهرات وعودة الحياة إلى البلاد درءًا للمفاسد، على حسب قوله، ودعا إلى العفو عن رموز النظام حتى قبل تنحي مبارك، واستشهد في سبيل ذلك بآيات العفو والمسامحة في القرآن الكريم والسيرة النبوية. واستنكر أن يُقال عن الشعب المصري إنه قد أهان حاكمه، ودعا المتظاهرين للصبر على مبارك ليتم فترته الرئاسية حتى نهايتها. وقد حاول الشيخ المصري قبل ذلك مخاطبة جموع الثوار في ميدان التحرير محاولًا حثهم على العودة إلى ديارهم وترك الاعتصام، لكنه طُرد من ساحة الميدان ولم يسمح له المتظاهرون بنصحهم في هذا الأمر.
أما الشيخ مصطفى العدوي فقد تحدث بدوره في مداخلة للقناة الأولى بالتلفزيون المصري، رافضًا ما يحدث من ثورة. ودعا الشباب إلى العودة إلى ديارهم درءًا للفتن والمفاسد الناجمة عن خروجهم. وشدد على حرمة الدماء والتقاتل بين المسلمين. وتوعد الثوار في ميدان التحرير بالعذاب العظيم في الآخرة أن حدث اقتتال فيما بينهم. ووصف ما يحدث بالفتنة، نافيًا صفة الشهادة عن ضحايا الثورة، لأنه على حد قوله، الشهيد هو قتيل المعركة في حرب الكفار فقط، فهذه ليست شهادة في سبيل الله.
أما الشيخ محمد جبريل، القارئ الشهير، فقد أقر في مداخلة تالية بموافقته التامة لكل ما قاله الرئيس في خطابه، كي ينتقل الحكم بسلاسة ويسر، وحت لا تخرب البلد أكثر وأكثر. واتهم من لا يريد الحوار بأنه لا يستحق أن يكون من بين المصريين. وأكد على ضرورة تكاتف الجيش والشرطة معًا. واتهم ما يحدث في مصر بأنه “شغل يهود”، وأنهم “مفسدون في الأرض” و”يسعون في الأرض فسادًا”. ودعا الله، بصوت تعمد أن يكون أقرب للبكاء، “ألا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا”، لكنه لم يحدد من هم السفهاء الذين قصدهم في دعائه. واتفق المذيع مع المشايخ على توجههم للميدان لمخاطبة الشباب على الأرض لحثهم على الرحيل.
---
## متى المسكين مشروع روحي للكنيسة القبطية
URL: https://tabcm.net/52156/
Type: post
Modified: 2026-03-27
يصعب تناول شخصيّة الأب متّى المسكين من دون الوقوع في أحد فخَّين شائعين: إمّا تحويله إلى رمزٍ صراعيّ داخل التاريخ الكنسيّ الحديث، أو تقديمه بوصفه قدّيسًا معاصرًا منزّهًا عن أيّ إشكال.
غير أنّ القراءة الهادئة لسيرته وكتاباته، تكشف أنّه لا ينتمي حقًّا إلى منطق الاصطفاف، بل إلى مسارٍ أعمق: مشروع روحيّ نشأ في قلب الكنيسة القبطيّة، لا على هامشها، لكنّه بسبب ظروفٍ سياسيّة وإداريّة ظلّتْ صورته، وليس هو، في حالة توتّر دائم مع منطق المؤسّسة (أو بالأحرى شخصٍ مثَّل المؤسّسة).
لم يكن الأب متّى المسكين محض رجل إدارة، ولا منظّرًا كنسيًّا بالمعنى التنظيميّ، لكن راهبًا تشكّل وعيه الروحي واللاهوتي من الكتاب المقدّس بوصفه الكلمة الحيّة، ومن الخبرة النسكيّة بوصفها مكان التحوّل الحقيقي للإنسان. لهذا السبب بالذات، جاءت كتاباته في معظمها قراءةً وجوديّة للنصّ الكتابيّ، لا شرحًا أكاديميًّا تقنيًّا صارمًا، ولا خطابًا وعظيًّا تقليديًّا. فالتفسير عنده ليس نقل معنى، بل “مواجهة بين النصّ والإنسان”، حيث يُعرَّى القلبُ قبل أن يُقنَع العقل.
في هذا الإطار، لا يمكن فصل لاهوته عن رؤيته للرهبنة. فالرهبنة عند الأب متّى ليست انسحابًا من العالم ولا ملاذًا نفسيًّا، بل فعل مواجهة جذريّة مع الذات ومع الله. لذلك عاد مرارًا إلى أنطونيوس الكبير والأنبا مقار لا بوصفهما رمزين تاريخيّين، بل شاهدين على نمط حياةٍ يُعيد ترتيب الأولويّات، ويضع الله في مركز الوجود الإنسانيّ والحياة المسيحيّة. الرهبنة، بهذا المعنى، ليست حالةً كنسيّة خاصّة، بل “اختبارٌ كنسيّ كاشف”: ما يحدث في البرّيّة يكشف ما يحدث في الكنيسة كلّها.
من هنا نفهم تركيزه اللافت على شخص المسيح. فمشروعه اللاهوتي لم يكن بناء منظومة فكريّة متكاملة، بل “إعادة توجيه النظر إلى المسيح نفسه”: المسيح المقروء في الإنجيل، والمُختبَر في الصلاة، والمَعيش في التوبة. لهذا بدت كتاباته الكريستولوجيّة ولا سيّما سلسلة ألقاب المسيح كأنّها محاولةٌ دائمة لإنقاذ الإيمان من التحوّل إلى أفكارٍ مجرّدة أو شعارات ترفع من شأن الهويّة.
لكن هذا العمق الروحي نفسه هو ما وضعه في حالة احتكاكٍ مع الواقع الكنسيّ المعاصر. فالمؤسّسة، في عصره، بظروفها التاريخيّة والسياسيّة، احتاجت إلى وضوحٍ إداريّ وحدود وتعريفات، بينما كان الأب متّى يكتب ويتكلّم من منطق الخبرة، لا من منطق الضبط ولا السلطة. لم يسعَ إلى هدم المؤسّسة، ولا إلا الصدام معها، ولا إلى مصارعتها على السلطة، لكنّه لم يقبل أيضًا أن يُختزل الإيمان في آليّاتها وانغلاقها. لذلك بدا صوته مزعجًا أحيانًا، لا لأنّه تصادميّ، بل لأنّه يذكّر الكنيسة بما لا يمكن تنظيمه وحصره في بعض الأشخاص: سرّ اللقاء بالله.
ولعلّ هذا ما يفسّر حضوره المسكونيّ الضمني بالمعنى الشامل. فخطابه لم يكن مسكونيًّا بالمعنى الدبلوماسيّ أو الحواريّ الرسميّ، لكن مسكونيًّا من حيث الجوهر: العودة إلى الجذور، إلى الإنجيل، إلى الآباء، إلى الخبرة المشتركة التي تسبق الانقسامات، إلى ما عند الآخر المختلف من صدقٍ وخبرة. لقد كتب من داخل التقليد القبطيّ، لكن من دون انغلاق، لأنّ العمق الروحيّ بطبيعته لا يعرف الحدود الصلبة، ولا القوميّة والمسمّيات المصنِّفة.
لا يمكن اختزال الأب متّى المسكين في صراعٍ كنسيّ أو خلافٍ إداريّ. إنّه مشروعٌ روحيّ كامل، نابع من قراءة كتابيّة وجوديّة ومن اختبار نسكيّ عميق وفريد. قوّته كانت في عمقه، وضعفه كان في أنّ العمق لا يُترجم دائمًا بسهولة إلى مؤسّسة. لذلك ظلّ صوته مُقلِقًا لأنّه لم يقبل التبسيط.
---
## مأزق كتلة الماجا
URL: https://tabcm.net/53049/
Type: post
Modified: 2026-03-27
علشان نفهم ما يجري حاليًا في السياسة الأمريكية، لازم نفهم كويس مأزق الحزب الجمهوري وتحديدًا مأزق نخبة الحزب الجمهوري، وهي فعليًا معضلة كبيرة في الكتلة الانتخابية الجمهورية اللي نتجت عن صعود دونالد ترامب لمدة ١٢ سنة داخل الحزب.
من ضمن طبائع السياسة الأمريكية هي الكتل الصامتة، وبتبان تحديدًا داخل الحزب الجمهوري. الكتل الصامتة عادة هي كتل بتتعمد الاختفاء عن الظهور لو توجه الحزب العام مش عاجبها، لا بتعترض ولا بتعمل أي موقف احتجاجي، هي فقط بتتوقف عن التصويت.
الحزب الجمهوري عانى من المشكلة دي طوال سنوات التيه اللي أصابت الحزب من بعد رونالد ريجان نجم الحزب الجمهوري، واللي معاه تم إعادة صياغة كل الحياة السياسية الأمريكية وتبادل كتير من المواقف بين الحزبين، حتى مع انتخاب بوش الابن والأب، كان صعود الاتنين هو فعليًا نتيجة صمت مشابه على الجانب الديمقراطي أكتر منه نجاح على الجانب الجمهوري.
نجاح ترامب في تحريك كتلة صامتة كبيرة داخل المعسكر الجمهوري في ٢٠١٦، أثار شكوك عند النخبة الجمهورية، لكن بعد هزيمته في ٢٠٢٠ والنتائج الهزيلة للجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي ٢٠٢٢، اعتقد الجميع أن الترامبية انتهت، ليفاجئ الجميع بعودة كاسحة لترامب في ٢٠٢٤.
وهي عودة استعاد بيها الحزب الجمهوري كل المؤسسات المنتخبة على المستوى الفيدرالي لدرجة إن جزء غير بسيط من الديمقراطيين كان بيصوت ديمقراطي في الكونجرس وجمهوري في الرئاسة، وهنا بدأت المعضلة.
المعضلة تتلخص أن هناك كتلة انتخابية لا تقل عن ثلث الحزب الجمهوري أصبحت “ترامبية”، هذه الكتلة قادرة على حسم أي انتخابات تمهيدية داخلية، وقادرة على هزيمة أي جمهوري تقليدي مؤسسي مهما كان تاريخه ومهما كانت بطولاته، وكانت الإطاحة بـ”ليز تشيني” ابنة أحد أهم صقور الحزب الجمهوري؛ ديك تشيني، نائب الرئيس السابق، جرس إنذار لكل النخبة الجمهورية، بأن معارضة الكتلة الترامبية ثمنه فادح، فادح لدرجة أن قد تحتاج إلى دعم ديمقراطي في صورة عفو رئاسي من چو بايدن!
كمان تصعيد چي دي ڤانس المتزوج من امرأة ملونة ذات أصول هندية، من ناشط سياسي ومعلق إخباري تلفزيوني إلى سيناتور ثم إلى نائب رئيس خلال أقل من ٣٠ شهرًا، كان مرعب لكل صقور الحزب الجمهوري، لأن ظهر جدًا قدرة ترامب ليس فقط على هزيمة خصومه بل قدرته المخيفة على استبدالهم تمامًا وإنهاء مستقبلهم السياسي.
البعض بيحاول السيطرة على الأثر الفردي لترامب، عبر تسمية كتلة ترامب بكتلة “الماجا”، على أمل تحجيم نفوذ ترامب في المستقبل بعد تقاعده المجبر عليه دستوريًا في ٢٠٢٨، ومحاولة وراثة الكتلة اللي ظهر قدرتها فعلًا على التأثير داخل الحزب وعلى مستوى كل السياسة الأمريكية.
لما تدرك معضلة كتلة الماجا، هتقدر تستوعب مستويات التحول اللي بتحصل في خطاب اتنين تحديدًا في الإدارة الحالية: ماركو روپيو؛ وزير الخارجية، وچي دي ڤانس؛ نائب الرئيس، ولهذا عدة أسباب لكن أهمها هو رغبة الاتنين في الترشح للرئاسة في ٢٠٢٨.
ماركو روپيو تحديدًا بيعتبرها الفرصة الأخيرة له، لأنه لو فشل ده معناه أنه هيتنسى تمامًا بعد خروجه من السلطة في ٢٠٢٨.
چي دي ڤانس ولصغر سنه لسه قدامه فرص، لكنه عايز يستفيد من الزخم الترامبي الحالي على أمل أنه يكمل مساره لمنصب الرئيس ليصبح واحدًا من أصغر الرؤساء في تاريخ أمريكا وأسرعهم صعودًا في التاريخ، ليصبح “أوباما” الحزب الجمهوري.
لكن هناك فارق بين الاتنين، ڤانس وروپيو،
ڤانس ملوش رصيد إلا عند كتلة الماجا، وده بيخليه أكثر حدة وفظاظة من ترامب شخصيًا، ظهر ده جليًا في أول ظهور دولي له في مؤتمر ميونخ ٢٠٢٥ لما كان شديد النقد للأوربيين لدرجة الوقاحة، ثم سلوكه الأكثر وقاحة وتنمر في اجتماع المكتب البيضاوي الشهير مع زيلنيسكي، ثم مواقفه الداخلية التي يحاول فيها دائمًا المزايدة على ترامب شخصيًا في قضايا الهجرة والاختلافات مع الديمقراطيين، ڤانس ولأنه قليل الخبرة ومن خلفية ناشطية، فضلًا عن زواجه من امرأة ملونة، متخيل أنه بالوقاحة والخطاب الذي يمكن تأويله عنصريًا ممكن يستعمل كتلة الماجا للصعود والفوز بترشيح الحزب في ٢٠٢٨.
ماركو روپيو مختلف تمامًا، سيناتور قديم، لحد ١٨ شهر كانت كل مواقفه تقريبًا مغايرة لمواقف ترامب، كان جمهوري تقليدي بكل ما تحمل الكلمة من معنى، لكن بمجرد تكليفه بمنصب وزير الخارجية، ولأنه سياسي قديم، فاهم كويس إن عك ترامب في قضايا الأمن والتحالفات الاستراتيجية ضد المصلحة الأمريكية، صمت تمامًا في اجتماع زيلنسكي، ملوش تصريحات حادة ضد الناتو أو أوروبا، ولم يعلق أو ينظر أبدًا لهراء مبدأ “دونرو” واستراتيجية الأمن القومي البلهاء التي اعتمدتها إدارة ترامب ومجموعة المخابيل اللي حواليه زي ستيڤين ميلر ولورا لومر والتافه هيجسيث، روپيو بيحاول بقدر الإمكان مجاراة كتلة الماجا في قضايا الهجرة علشان يتقي شرها كأمريكي كاثوليكي من أصل كوبي، وعلشان يضمن حيادها على الأقل في معركته المستقبلية من أجل الحصول على ترشيح الحزب في ٢٠٢٨.
من هنا نقدر نفهم خطاب ماركو روپيو في مؤتمر ميونخ للأمن، روپيو بيحاول يحافظ على جمهوريته التقليدية ويعمل توازن دون استفزاز ترامب ومن حوله، وكمان بيحاول يغازل كتلة الماجا بفكرة الحضارة الغربية المسيحية اللي روپيو نفسه عمره ما كان من مُنظّريها.
بالمناسبة ده كمان تقدر تسحبه على الديمقراطيين، وده اللي يفسر التحركات الدولية الكثيرة اللي بيعملها جافين نيوسوم؛ حاكم كاليفورنيا، علشان يمهد لنفسه الفوز بترشيح الحزب الديمقراطي في ٢٠٢٨، بالتالي كتير من السياسة الأمريكية حاليًا هي حملات انتخابية رئاسية مبكرة لـ ٢٠٢٨.
فمتاخدوش الكلام اللي جاي من أمريكا جد أوي الفترة الحالية!
---
## الأربعاء ٢ فبراير
URL: https://tabcm.net/51466/
Type: post
Modified: 2026-03-27
يوم جديد في ميدان التحرير، وأعداد المعتصمين أقل بكثير من اليوم السابق. هناك العديد من الشد والجذب والمشاحنات نتيجة اختلاف البعض حول إصرار الثوار على اعتصامهم رغم التنازلات التي أعلنها مبارك في خطابه ليلة أمس. والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة، لماذا يتكبد أحدهم مشقة الوصول إلى ميدان التحرير لمجرد التحاور والنقاش والتجاذب والتشاحن مع مؤيدي الاعتصام لإقناعهم بضرورة إخلاء الميدان؟
الإجابة كانت واضحة، فمعظم من أتى إلى الميدان هذا الصباح كانوا تابعين للنظام أو مأجورين من أتباعه، ومهمتهم إيهام الجميع أنهم من الثوار الذين اقتنعوا بخطاب مبارك وضرورة تركه حتى يكمل فترته الرئاسية، وضرورة إقناع الآخرين أن يحذوا حذوهم. وإن لم ينفذ مبارك ما وعد به، فالميدان مفتوح ويمكنهم معاودة الاعتصام مرة أخرى. كانت فكرة بسيطة ومقنعة وخبيثة للغاية، فبمجرد أن يُفض الميدان ستُغلق جميع أبواب العودة وستصبح الثورة كأنها لم تكن.
أما إعلام الدولة فقد لعب دوره ببراعة في إيهام الجميع أن الميدان قد انفض بالفعل، فلم ترد أي أخبار عن الميدان على شاشات الفضائيات التي بدأت في إذاعة برامجها الدورية المعتادة مع شريط أخبار مستمر لا ينقطع في أسفل الشاشة يحمل خبرًا واحدًا رحيل المتظاهرين من ميدان التحرير لبث فكرة أن الميدان قد أصبح خاويًا وأن الثورة قد انتهت تمامًا.
على الجانب الآخر، برع التليفزيون في نقل المظاهرات المؤيدة لمبارك، أو كما وصفها بـالمظاهرات المؤيدة للشرعية والاستقرار السلمي للسلطة، بينما ألقى اللواء عثمان خطابًا آخر لا يحمل أي معلومة ويمكن تفسيره على كل الأوجه. وتسابقت أحزاب المعارضة الكارتونية التي طالما أيدت مبارك، مثل حزب الغد جبهة موسى مصطفى موسى، في إعلان تأييدهم لمبارك، وألقى السيد البدوي، رئيس حزب الوفد، خطابًا مماثلًا مؤيدًا للتفاوض مع مبارك ونظامه، وتنافس يحيى الجمل ومصطفى بكري المحيطين بالبدوي في مدح مبارك.
وتماشيًا مع موجة التأييد، خرج حسين مجاور، رئيس اتحاد نقابات عمال مصر، بجانب عائشة عبد الهادي، وزيرة القوى العاملة، معلنين تأييد عمال مصر لمبارك، متناسين أن جميع فئات الشعب تعرف انتمائهم للحزب الوطني. وانتُخبت عائشة عبد الهادي، وتهدجت أنفاسها وهي توصل رسالة حب عمال مصر لمبارك، إلا أن هذا النحيب المفتعل كان ينقصه الدموع.
خرجت مظاهرات تأييد لمبارك من عدة ميادين في مصر، أشهرها ميدان مصطفى محمود بالمهندسين، تدعو لاعتبار مبارك أبًا للمصريين. وصفه العديدون بالأب الذي لا يجب إذلاله أو إهانته في نهاية عمره، وهتفوا: مش هايمشي... وهاجموا البرادعي وطالبوه بمغادرة مصر إلى إسرائيل، والمعنى مفهوم بالطبع.
خرج على رأس تلك المظاهرات المؤيدة لمبارك العديد من الكهنة التابعين للكنيسة القبطية، يقودهم القس صليب متى ساويرس، العضو البارز في الحزب الوطني الملقب بعمدة شبرا، وأدلى بحديث للتليفزيون المصري.
إحنا كلنا بنتجمع كمصريين، مش هأقول أقباط ومسلمين لأن دي نغمة مرفوضة، لكن أنا بقول إن المصريين كلهم خرجوا للاستقرار، خرجوا للأمان، خرجوا لمصر كلها، أن يكون الزعيم مبارك هو القائد الذي يقود مسيرة مصر لبر الأمان.
(صليب متى ساويرس، كاهن مار جرجس الجيوشي بشبرا)
وكالمعتاد وبعد تنحي مبارك تحول صليب من مؤيد للنظام إلى مؤيد للثورة تماشيًا مع الموجة السائدة، ولاحقًا في لقائه مع الإعلامي حافظ الميرازي على قناة العربية، استفاض القس في توجيه التحية لشباب الثورة.
أولًا أنا بحيي هذا الشباب، شباب ٢٥ يناير ده أنا بحييه، لأنه كان نقطة فارقة بين تاريخ مصر قبل ٢٥ يناير، والتاريخ هايكتب كده، أن مصر ما قبل ٢٥ يناير تختلف تمامًا عن مصر بعد ٢٥ يناير، وأنا كراجل عشت في العمل السياسي من سنة ١٩٦٣، بقول إن هذا الشباب الحقيقة مكونتش أتصور أبدًا في حياتي أن هذا ممكن أن يحدث في جيلنا، ولا أجيال تانية، لكن هما سبقوا هذه الخطوة، إنهم عملوا هذا العمل البطولي اللي أنا حاليًا أنا بحييه وبشكر هذا الشباب.
(صليب متى ساويرس، كاهن مار جرجس الجيوشي بشبرا)
إلا أن الميرازي عاجله بالفيديو المسجل له أثناء مشاركته في مظاهرات مصطفى محمود المؤيدة لمبارك، مما جعله يرتبك ويتلعثم ويعجز عن الرد.
في تلك اللحظة صار رحيل مبارك بعيدًا جدًا، وشعر الجميع أن الثورة تنزلق من بين أيديهم، إلا أن اليوم كان لا يزال يحمل الكثير من المفاجآت.
موقعة الجمل
قبل منتصف النهار، بدأت خدمة الإنترنت تعود جزئيًا، مما ساعد على نشر الدعوة للحضور مرة أخرى وللحد من تأثير خطاب مبارك. بدأ الميدان يزداد تدريجيًا مرة أخرى. في ظهيرة ذلك اليوم، شوهدت مجموعة ضخمة من البلطجية يركبون الخيول والجمال والبغال، من قاطني منطقة نزلة السمان، تجوب شارع الهرم في مظاهرة غريبة لدعم الرئيس تتجه إلى ميدان التحرير. وردت أنباء عن تحرك تلك المظاهرات إلى ميدان التحرير لإخلائه بالقوة، مما ينذر بعنف مرتقب لا يعلم أحد مداه.
قوات الجيش التي ادعت حماية المتظاهرين لم تحرك ساكناً لمنع الكارثة المرتقبة من الحدوث، والغريب أن هناك لقطات حية صورتها كاميرات المراقبة في مبنى ماسبيرو أظهرت قوات الشرطة العسكرية وجنود الجيش وهم يفسحون الطريق لراكبي الخيول والجمال بالمرور إلى ميدان التحرير دون أن يتعرضوا لهم.
في ظهر هذا اليوم، التقت الكاتبة آمال عويضة، الصحفية بالأهرام، مع عائشة عبدالهادي، وزيرة القوى العاملة، ومعهما حسين مجاور، رئيس اتحاد عمال مصر، في مدخل مبنى جريدة الأهرام الرئيسي. كانت الوزيرة قد دخلت مقر الجريدة لتستريح من قيادة مظاهرة عمال مصر، ودار بينهم حوار قصير في حضور رجال العلاقات العامة بالأهرام، فضلًا عن بعض الصحفيين. قالت آمال عويضة: يا سعادة الوزيرة عاجبك عمال مصر رايحين يضربوا شباب مصر؟، فأجابت عائشة عبد الهادي: يستاهلوا .. يعني إنتي عاجبك اللي بيعملوه فينا؟، فعنفتها آمال عويضة قائلة: حضرتك تقصدي النظام، هنقتل بعض عشان النظام؟، وانتهى الحوار بينهما.
وما هي إلا لحظات حتى بدأ الاحتكاك المباشر بين مؤيدي مبارك على طرف الميدان من مدخله بجوار المتحف المصري والمعارضين المرابطين في الميدان، ولم تمر دقائق حتى بدأت المواجهة والتراشق بالحجارة، وبدا المشهد وكأنه عودة إلى أحد العصور الوسطى، وبدأ سقوط مصابين بجروح في الوجه نتيجة التراشق بالطوب والحجارة.
صنع المتظاهرون أغطية لحماية الوجوه والرؤوس بخامات بسيطة للوقاية، لكن المعركة لم تقف عند حد التراشق بالطوب، فقد هاجم ركاب الخيول والجمال المتظاهرين العزل بسيوفهم وعصيانهم وكرابيجهم، وسحقوا عدداً من المتظاهرين تحت سنابك خيولهم بلا رحمة، وقاوم الثائرون ببسالة، وبعد الكثير من الدماء تمكنوا من صد الهجوم على الميدان، بل إنهم أوقعوا ببعض الخيول وراكبيها وعادوا بهم كأسرى حرب إلى قلب الميدان، وأُطلقت على هذه المعركة: موقعة الجمل.
إلا أن المعركة لم تنته، فلم تمر دقائق حتى أمطرت السماء حجارة وطوب وكسر الرخام من قبل مؤيدي مبارك مرة أخرى. ويظل السؤال الحائر هنا: كيف تمكن مؤيدو مبارك من الحصول على تلك الكميات المهولة من كسر الرخام في تلك المنطقة؟ فهل كانت النية مبيتة من قبل للهجوم على الميدان بهذه الطريقة البربرية؟ ولماذا وقفت قوات الجيش على الحياد، غير عابئة بما يحدث؟ وكيف عبرت تلك الكميات من كسر الرخام تحت سمع وبصر قوات الجيش المخصصة لحماية الميدان؟
لم يقف المتظاهرون ساكنين؛ فانقسموا إلى فرق. فالبعض ينتزع بلاط الأرصفة من قلب الميدان، وآخرون يكسرونها إلى قطع أصغر. ويتولى البعض الآخر نقلها إلى أطراف الميدان، بينما يقوم آخرون بصد الهجوم عن الميدان. وينقل البعض الجرحى إلى المستشفيات الميدانية لإسعافهم، في حين يفكك آخرون السور المعدني المحيط بأرصفة الميدان لبناء المتاريس. وتحولت ساحة ميدان التحرير إلى معركة حقيقية بين المؤيدين والثوار.
أما التليفزيون المصري فقد تمادى في التلاعب الإعلامي، ففي الوقت الذي تذيع فيه كل القنوات الفضائية، وعلى رأسها الجزيرة، ما يحدث على الهواء مباشرة، كان التليفزيون المصري يبث رسالة متكررة أسفل الشاشة تقول: لا صحة لما أذاعته قناة الجزيرة من استخدام خيول وجمال لتفريق المحتجين. ونفى مذيع بالتليفزيون المصري صحة استخدام الخيول والجمال لتفريق المتظاهرين، وقال إن تلك الخيول والجمال استخدمها أهالي نزلة السمان، الذين يعملون في مجال السياحة، ليوجهوا رسالة سلمية للمحتجين مفادها أن هناك أضرارًا بالغة حلت بأرزاقهم، لكن المحتجين اعتدوا عليهم وضربوهم!
وفي مداخلة هاتفية على قناة الجزيرة في هذا الوقت، كان مصطفى بكري يحاول ادعاء الثورية وهو يهاجم البرادعي كالمعتاد، ويدعو الناس بأسلوب ملتوٍ إلى تقبل بقاء مبارك في السلطة كما اقترح في خطابه الأخير، ويوهم الجميع بأن النخبة الثورية تقف معه.
الحقيقة أن ما سمعته الآن من الدكتور محمد البرادعي الحقيقة صادم. فيبدو أن الدكتور البرادعي يدير معركته الداخلية في مصر بالاستعانة بالقوى الأجنبية للاسف.. بالأمس اجتمع مع مارجريت سكوبي السفيرة الأمريكية في القاهرة، واليوم يؤكد بلا جدال أنه يحرض المجتمع الدولي ضد مصر، نحن ضد النظام في مصر، وأنا خرجت في مظاهرات تطالب بتنحي الرئيس مبارك، ولكن ليس على أرضية البرادعي ولا على أرضية أوباما، وأوباما أو الإدارة الأمريكية أخر من يتحدث عن حقوق الإنسان، وأخر من يتحدث عن الديموقراطية، أولى بهم أن يشاهدوا المنظر والمشهد في العراق أو فلسطين، أو في أي مكان آخر تتدخل فيه الولايات المتحدة الأمريكية، ما حدث اليوم جريمة حقيقية في ميدان التحرير، اعتداء سافر، محاولة لتقويض حتى الحوار بين المعارضة ونائب رئيس الجمهورية، اليوم كنا مجتمعين في حزب الوفد، وكان معنا شخصيات لها مواقفها المعروفة.. كان معنا الدكتور يحيى الجمل، محمد أبو الغار المتحدث باسم الجمعية الوطنية للتغيير، سامح عاشور عن الحزب الناصري، السيد البدوي الوفد، حزب التجمع، اتحاد النقابات المهنية، جميعنا أصدرنا بيانًا وكان لنا موقفًا من الوضع، ولكن ليس معقولًا أن تقاد البلد إلى حرب أهلية، إذا خيرنا بين أن ننتظر أربعة أشهر فقط لأن الرئيس مفترض في يوليو أن يتوقف ويفتح باب الترشح، لو خيرنا بين أربعة أشهر يبقى فيها مبارك، وبين حرب أهلية تدمر مصر وفوضى خلاقة لصالح إسرائيل ولصالح أمريكا، فنحن نختار أن يبقى الرئيس أربعة أشهر، ثم بعد ذلك لا يقدم أي ترشيح، وقد وعد بذلك بالأمس.. وعد بذلك، لدينا مطالب.. سنجلس على مائدة التفاوض مع السيد عمر سليمان ونصل إلى نتيجة، لكن تخريب مصر وتدمير مصر والتأمر على مصر من الخارج ومن الداخل، وقتل هؤلاء الشرفاء الشباب الوطني المحترم الذي قاد ثورة دفاعًا عن المصريين جميعًا، هذا أمر مرفوض ويجب أن يحاكم القتلة الآن قبل الغد، الذين دفعوا بأتون حرب أهلية الآن، نراه في ميدان التحرير هؤلاء مجرمون، هؤلاء يريدون تقويض الدولة المصرية ويريدون سحق كل من يكون له صوت على أرض هذا الوطن.
(مصطفى بكري على قناة الجزيرة، ٢ فبراير ٢٠١١)
---
## فحص كتب صلوات القسم
URL: https://tabcm.net/53447/
Type: post
Modified: 2026-03-27
أبينا صاحب الغبطة والقداسة البابا المعظم الأنبا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية،
أبينا صاحب النيافة الحبر الجليل الأنبا يوأنس، مطران أسيوط وسكرتير المجمع المقدس،
آبائي أصحاب النيافة أعضاء اللجنة الطقسية بالمجمع المقدس،
آبائي أصحاب النيافة أعضاء المجمع المقدس،
بعد تقبيل أياديكم الطاهرة وطلب الحل والبركة.
رجاء والتماس
أتقدم لقدستكم ولنيافتكم كأحد أبناء الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، معبرًا عن نفسي فقط، بطلب ورجاء بل توسل، بمراجعة وتحقيق بعض الكتب الطقسية التي تحوي صلوات ليتورجية لا توجد في الخوالجيات والكتب الطقسية القديمة.
إن الصلوات الليتورجية، وخاصة صلوات القسمة، هي عصارة وتلخيص لإيماننا الحي والحق الإنجيلي. وعليه، فإنه من الخطورة إدخال بعض الصلوات الليتورجية بشكل شخصي بعيدًا عن سلطة المجمع المقدس.
فقد يقوم أحد الأشخاص بإدخال فكره الخاص، كما أن إدخال تغييرات في النصوص الليتورجية سيثير الشكوك في كل النصوص وسيصعب تمييز الأصيل من المدسوس مستقبلًا، مما يعطي فرصة لأعداء المسيحية أن يهاجموها بادعاءات التحريف.
لاحظت وجود كتاب صادر عن دير راهبات السيدة العذراء مريم للأقباط الأرثوذكس بزويله والنوبارية، ولا نعرف تمامًا من قام بإعداده، باسم صلوات القِسَم الذي أورد بعض صلوات القسمة مثل “قسمة عيد الختان” و”دخول المسيح إلى الهيكل”، والتي لا توجد في كثير من المراجع الليتورجية القديمة، وعلى رأسها خولاجي دير المحرق وخولاجي القمص إيسيذروس البراموسي ((The Prayers of The Fractions, Edited and revised by: Fr. Tadros Y. Malaty, Mary Rose Halim, St. Marina’s Coptic Orthodox Church, Lake Forest, 1997 )).
كما توجد اختلافات كبيرة، وإضافات على نص القسمة، بالمقارنة ببعض المراجع الطقسية الأحدث، مثل كتاب صلوات القسمة المقدسة، الصادر عن لجنة التأليف والنشر بدير مواس ودلجا، إصدار سنة ١٩٩٧ ((صلوات القسمة المقدسة، إعداد: لجنة التأليف والنشر بمطرانية دير مواس ودلجا للأقباط الأرثوذكس، دار نوبار للطباعة، ٩٦٢٥ / ١٩٩٧. ))، وكذلك كتاب صلوات القسم الذي نشره القس مينا يوسف ميخائيل، برقم الإيداع الدولي : 9 – 03 – 6138 – 977 :ISBN ((صلوات القسم، إعداد: القس مينا يوسف ميخائيل، مطبعة دير الشهيد العظيم مار مينا العجائبي بمريوط، ١٥٧٠٦ / ٢٠٠٧. )).
وهذه القسمة مقتبسة في عصر حديث مع تغيير النص من قسمة “نسبح ونمجد إله الآلهة” قسمة للابن تقال في الأعياد السيدية الواردة في خوالجي دير المحرق.
ومن خلال البحث على محركات البحث المُتاحة، لم أستطع العثور على أي معلومات عن هذه القسمة مثل:
من وضعها؟ من هو شخصه وما هي رتبته؟
في أي زمن؟
في أي مخطوطة كُتبت هذه القسمة؟
هل تم الاعتراف بها والموافقة عليها من المجمع المقدس؟
مما جعل هناك تضاربًا بين الصلوات الطقسية في الكنيسة القبطية الواحدة. فأغلب الآباء يصلون القسمة كما وردت في كتاب صلوات القسمة المقدسة الصادر عن لجنة التأليف والنشر بدير مواس، وقِلة من الآباء يصلون بالنص الموجود في كتاب دير العذراء مريم بزويلة والنوبارية.
برجاء مراجعة الفيديوهات المرفقة لهذه القسمة بصوت العديد من آباء الكنيسة.
ملحوظة طقسية ولاهوتية:
من المعروف أن صلاة القسمة هي الإعداد الأخير للمؤمنين للمشاركة في الجسد والدم، وذلك من خلال اشتراكنا واتحادنا بالابن الوحيد الرب يسوع المسيح، ومن خلاله ننال نعمة التبني.
وفي كل صلوات القسم القبطية، بالاستثناء، نطلب من الله أن يعطينا إيمان القلب وحياة القداسة لنكون مستأهلين أن ندعو الله أبانا الذي في السماوات.
لكن تنفرد هذه القسمة الشاذة بطلب شفاعة العذراء والقديسين لنكون مستحقين أن نقول أبانا الذي في السماوات. وهذا انحراف كبير عن مفهوم التبني في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية القائم على النعمة والاتحاد بالابن يسوع المسيح من خلال الإيمان والمعمودية والإفخارستيا. بل إن هذا انحرافٌ أيضًا عن مفهوم وفاعلية الشفاعة في كنيستنا القبطية، فنحن لا ننال التبني بشفاعة القديسين.
ها ميطانية احترام وخضوع،
حاللوني يا آبائي.
---
## موقعة الجمل
URL: https://tabcm.net/53465/
Type: post
Modified: 2026-03-27
تتابعت الهجمات على ميدان التحرير من كافة المداخل المؤدية إليه. وكانت الهجمة الأولى والأكثر عنفًا من كل ما سبق نحو شارع طلعت حرب. وطيس المعركة العنيفة دفع أحد ضباط الجيش، النقيب ماجد بولس، إلى التحرك بشكل فردي لصد الهجوم على الميدان وحماية المتظاهرين العزل. فأطلق طلقات مسدسه في الهواء لترهيب المهاجمين على الميدان. وانطلقت الهتافات عليه مدوية الجيش والشعب إيد واحدة تقديرًا لبطولته.
ومثلما اشتدت المعركة في مدخل طلعت حرب، ظلت المداخل الأخرى المؤدية للميدان تحظى بمعارك عنيفة مشابهة. مدخل عبد المنعم رياض كان هو الأكثر هجومًا بالإضافة إلى مدخل كوبري قصر النيل. كان الهجوم منظمًا ومدبرًا على كافة مداخل الميدان. تصرف ماجد بولس الفردي سيتخذه الجيش فيما بعد دليلًا على حماية الثوار، في حين أنه لم يتحرك فرد واحد من أفراد الجيش لحماية المتظاهرين باستثناء ماجد بولس وجنود كتيبته فقط.
مع اقتراب صلاة العصر، وبعد ساعات من الدماء، بدأ المهاجمون بالانسحاب، وعاد الهدوء الحذر إلى أرض الميدان. تمكن ثوار التحرير من السيطرة على الهجوم والقبض على عدد من المهاجمين. بتفتيشهم، وُجد مع عدد منهم بطاقات تفيد عضويتهم في الحزب الوطني، وآخرون ينتمون لوزارة الداخلية.
عرضت قناة الجزيرة مشاهد لتلك البطاقات، ومرة أخرى تجاهل التلفزيون المصري تلك الحقائق، وأذاع بيانًا لوزارة الداخلية نفى فيه ما أذاعته قناة الجزيرة من تورط عناصر أمن بزي مدني في مهاجمة الميدان، وأدان محمد البرادعي المعركة قائلًا: هذا العمل الإجرامي الذي ارتكبه نظام إجرامي!.
في لقائه مع منى الشاذلي على قناة دريم بتاريخ 10 يونيو 2012، أكد القيادي الإخواني محمد البلتاجي أن لواءً من المخابرات الحربية يدعى اللواء “عبد الفتاح” حذره من إراقة الدماء التي ستحدث في ذلك اليوم.
حوالي الساعة ٢ الضهر، وأنا كنت بتجوّل في الميدان.. وبعدين لقيت حد من الزملاء جاي يقولي فيه حد عايزك ضروري. فرجعت للمكان اللي كنا بنقعد فيه، مع القوى السياسية الموجودة، وكنا بنتابع تطورات المشهد. فلقيت حد قدملي نفسه وقال: “أنا اللواء عبد الفتاح.. مخابرات”، إتفضل.. هو كان دار حوار بينه وبين الزملاء اللي كانوا حاضرين، وهما من تيارات سياسية مختلفة، قبل ما أنا آجي، بس قال لهم: “أنا عايز البلتاجي”. فقولت له: “اتفضل”.. فقالي: “يا دكتور بلتاجي.. وفّروا إراقة الدماء اللي هتحصل النهاردة”. فأنا استغربت وقولتله: “ليه؟ ليه إراقة دماء؟” فقالي: “لأ ما هما أنصار حسني مبارك جايين الميدان النهاردة، وهاتحصل مقتلة بينكم وبينهم… أنصار حسني مبارك هاييجو الميدان دلوقتي، وليهم حق في الميدان زيكم”. فقولتله: “ليه؟ ما عندهم مصطفى محمود؟ ضاق بيهم واتملئ؟ ما تفتحولهم الإستاد يا سعادة اللواء؟ وعندكم ملاعب مصر كلها إذا كانوا عددهم ضخم قوي كده، بحيث إن إحنا نشوف هما قد إيه اللي واقفين ضد الثورة ومع حسني مبارك لغاية دلوقتي”. فقالي: “لاء، هما بيقولوا إن ميدان التحرير ملك للكل، وهاييجوا يعبروا عن تأييدهم لحسني مبارك هنا في الميدان، فهتحصل إراقة دماء. فيعني رجاءًا إن أنتو توفّروا إراقة الدماء وتروّحوا دلوقتي وتنهوا الاعتصام والثورة، وتروحوا.” ف يمين شمال في الآخر قولتله: “سعادة اللواء، فرضًا أنا اقتنعت برأيك، وفرضًا إن أنا أملك إني أوجّه الناس وأقولهم نخرج من الميدان.. إيه الضمانات إننا نروّح بيوتنا سالمين، طالما أنت بتقول إنهم في الطريق الآن؟” هوّه قال كدا بالحرف.. “إلى الميدان”.. “إيه الضمان إن إحنا ميُعتداش علينا وإحنا حتى خارجين مروّحين؟ إحنا قاعدين مُسالمين بقالنا خمس ست أيام، الورقة اللي بتضيع من واحد مننا، الشباب بينادوا عليها وبيلاقوها. مسلمين ومسيحيين بيوضوا بعض في جو ملهوش مثيل.. ليه تسمح إنت بدخول دول؟” فقالي: “لاء.. إحنا مسؤولين عن وصولكم إلى بيوتكم سالمين”، رحت قايم واقف وقولتله: “سعادة اللواء.. اللقاء انتهى.”.. والله العظيم، حصل هذا بالحرف.. فبصلي كدة، فقولتله: “إذا كنتم تستطيعوا أن تؤمنوا خروجنا من الميدان، فأنت تستطيع، وأنتم مسؤولين عن تأمين بقائنا في الميدان، وإحنا مسالمين لا نعتدي على أحد. أنتم اللي يجب أن تمنعوا اللي أنتم عارفين إنهم هاييجوا الميدان دلوقتي”. ده يوم الأربعاء الساعة ٢ الضهر.
(محمد البلتاجي، قناة دريم، ١٠ يونيو ٢٠١٢)
قاطعته الإعلامية منى الشاذلي قائلة: لا أسمحلي.. بالتأكيد هيُسأل الدكتور البلتاجي عن الشخص ده، لأن الاتهام اللي حضرتك بتقوله ده مش بتوجهه لشخص، أنت بتوجهه لجهاز. فبدأ البلتاجي يتنصل من كلامه ويتراجع قائلًا: لا لا، هو شخص.. أنا معرفش، أنا مش مسؤول. فعاجلته مرة أخرى قائلة: الحكايات دلوقتي مبقتش حكايات.. الحكاية ديّه إما دلائل تُدين.. أو ترتد على قائلها. فقاطعها متنصلًا: لاء، أنا مش مسؤول عنها.. أنا بحكي الواقعة اللي هأقولها بعد بكرة وأنا مطلوب للشهادة أمام النيابة.. أمام محكمة الجنايات يوم التلات.. اللي بقوله لحضرتك هو اللي هأقوله بالحرف، وده اللي أنا كتبته قبل كدا من شهور طويلة، وقولته قبل كدا في حوارات، بس محدش كان واخد باله. ف دلوقتي بقي الكلام مهم يعني...
في الكثير من المقالات والتحليلات التي كُتبت بعد الثورة عن هذا اليوم، أكد العديد من الكتاب والمحللين السياسيين أن موقعة الجمل كانت الحد الفاصل في الثورة، ولولاها ربما كان مبارك لا يزال يحكم مصر حتى يومنا هذا. كانت تلك المعركة هي الحد الفاصل بين إمكانية رحيل الثوار عن الميدان وإمكانية رحيل مبارك عن حكم مصر. لكن بسبب رعونة مؤيدي مبارك، انقلبت الكفة وانقلب الرأي العام على مبارك مرة أخرى بعدما كاد أن ينجو من الإطاحة به. وزاد المحتجون إصرارًا فوق إصرارهم على مواصلة الاعتصام بالميدان إلى أن يرحل. فأقنعت موقعة الجمل قطاعات عريضة من الشعب بأن نظام مبارك ليس ضحية أو مجنيًا عليه، وإنما جانٍ متورط في قتل المعتصمين بميدان التحرير، ولا معنى لمنحه مهلة لخروج مشرف من السلطة.
في مساء هذا اليوم على شاشة قناة النيل الفضائية المملوكة للدولة، تحدث المطرب محمد فؤاد في مداخلة هاتفية، وبدأ يبكي وينتحب بشكل هستيري ليجذب تعاطف الشعب. وقال مستدراً العواطف: يمكن ده يكون أخر كلام لمحمد فؤاد تسمعوه.
وعلى نفس القناة، تلقى المذيع اتصالًا باكيًا لشخص عرّف نفسه أن اسمه تامر، على أنه أحد متظاهري التحرير النادمين العائدين من الميدان. وقال بصوت متهدجٍ باكٍ إنه الآن يتحدث من غمرة بعد خروجه بصعوبة من قلب ميدان التحرير، لأن المتظاهرين يقومون بمنع الخروج من الميدان بالقوة. فحاول المذيع تهدئته، ثم سأله عن انتماءات المتظاهرين في الميدان، فأجاب تامر إنهم أجانب: بيتكلموا English Language كويس جدًا، ومفيش حد بيتكلم غير الإنجليزية داخل ميدان التحرير، وإنه بكرة اتحطله Solgan (شعار) إنه يوم الخلاص.. يوم الخلاص من مين؟. ثم عاود البكاء مرة أخرى، وقال بصوت مبحوح إنه نجح بعد جهد في الاتصال بالتليفزيون المصري بينما الأغلبية لا تستطيع. فطلب منه المذيع أن يأتي للتليفزيون حتى يخرج ويتحدث على الهواء مباشرة، فعاود مرة أخرى البكاء بشكل هستيري بدون سبب واضح، وانقطعت المكالمة.
لاحقاً، كشفت المذيعة بثينة كامل في لقائها مع منى الشاذلي على فضائية دريم بتاريخ 10 يونيو 2012، أن القيادي الإخواني محمد البلتاجي أكد أن لواءً من المخابرات الحربية، يدعى اللواء عبد الفتاح، قد حذره من إراقة الدماء التي ستحدث في ذلك اليوم. وقال البلتاجي نصًا أنّ هذا المتحدث المدعو تامر هو أحد محرري البرامج بقناة النيل للأخبار المملوكة للتلفزيون المصري، وكان يتحدث من داخل مبنى التلفزيون نفسه، وأن المكالمة برمتها كانت تمثيلية مُعدة مسبقًا لتضليل المصريين عما يحدث في ميدان التحرير. وتوالت المداخلات الهاتفية التي تحمل نفس السيناريو، فأقر أحد المتصلين أنه عائد لتوه من الميدان، وقال أن: المتواجدين الآن في التحرير: أنصاف رجال، وأنصاف نساء، وشواذ جنسيًا، وإخوان مسلمين!.
---
## مصنع الرجال
URL: https://tabcm.net/53521/
Type: post
Modified: 2026-03-27
هذه الرواية عمل خيالي، وأي تشابه بينها وبين الواقع، فذلك لأن الواقع أحيانًا يفتقر للخيال.
الوفاة
مصنع الرجال مكنش مصنع بالمعنى اللي الناس فاكرينه. مكنش شوية عنابر وماكينات وخلاص.. ده كان مدينة إنتاج كاملة، خطوط الشغل فيها زي الشوارع، والعمال فيها عايشين مع بعض زي عيال حي قديم. كل واحد عارف التاني، والكل مربوط بالمكان أكتر ما هو مربوط بالبيت.
على رأس المدينة دي، كان واقف عم جمال.. عدى التمانين، بس صوته لسه مسموع، ونظرته أول ما تقع على حد تحس أنها ماسكاه من قلبه. البدلة السودة، الجزمة اللامعة، المنديل الأبيض اللي دايمًا في إيده… علامات محفوظة، أي عامل يقدر يعرفه من على بعد ميل.
عم جمال مكنش رئيس عمال عادي، ولا حتى رئيس تنفيذي بس.. كان الأب الروحي، وكان السلطة اللي مش الكل شايفها بس الكل حاسسها. عشان كده، محدش كان بيناديه باسمه. الكل كان بيقول: بابا جمال.
المصنع عمره ما عرف يعني إيه استقرار غير وهو موجود. عشرات المناطق الصناعية وكلها مربوطة في بعض بشخص واحد بس. حتى القرارات اللي كانت تبان متناقضة كانت بتمشي… مش عشان هي صح لكن عشان اللي قالها هو بابا جمال.
اتحكت عنه حكايات كتير. حكايات محدش عارف فين الحقيقة وفين الأسطورة. اللي مالوش مكان في المصنع كان يكذبها. واللي عايز يفضل جوه، كان يصدقها.. أو يتظاهر أنه مصدق.
من الحكايات دي إن بابا جمال اختار إتنين في يوم واحد، راجل كبير في منطقة كمساعد رئيس عمال وشاب صغير في منطقة تانية كمساعد رئيس برضو، وأقنع العمال بالاختيارين بحجتين عكس بعض، هنا بيتكلم عن حكمة الشيوخ، وهنا بيتكلم عن حيوية الشباب، وبنفس الثقة وبنفس الكاريزما..
المهم مكنش القرار، المهم إن القرار طالع منه..
بس مفيش حاجة بتفضل على حالها..
في صباح هادي، مساعده عم أحمد مسك التليفون وكلم عم يحيى اللي كان يكلم إبليس ولا يكلمه. العداوة اللي بينهم دي حكاية لوحدها، هنرجعلها بعدين. المهم دلوقتي المكالمة اللي حصلت، واللي كانت كفيلة تغير مصنع الرجال كله.
لا مقدمة، ولا تمهيد، ولا لف ودوران. يحيى قال: ألو؟
وأحمد رد على طول من غير نفس: بابا جمال مات.
ثواني عدت ويحيى ما نطقش.. مش عشان الخبر مفاجئ، لا… هو كان متوقعه مع تدهور صحة بابا جمال. بس في لحظة زي دي، العقل بيرفض يستوعب.
أحمد مستناهوش يلم نفسه، وكمل بسرعة: حيلك، حيلك.. مش وقت تفكر في الكرسي اللي عينك عليه من قبل ما الراجل يموت. خلينا نشوف هنتصرف إزاي في ترتيبات الجنازة.
الكلمة دخلت في صدر يحيى زي السكينة.. كان هيولع من الغيظ، بس اللي اتقال ماكانش في دماغه أصلًا في اللحظة دي. فبلع الإهانة، وقال بهدوء مصطنع: أنا جاي في السكة وهكلم عم صخر ونشوف هنعمل إيه.
الدنيا سكتت.. مش عشان الخبر صادم قد ما هو عامل فراغ فجأة.. فراغ ما يتسدش باسم، ولا بمنصب، ولا بكاريزما مستعارة. ومن اللحظة دي، مصنع الرجال عمره ما رجع زي ما كان.
ترتيبات الجنازة
أحمد ويحيى كانوا الاتنين مساعدين بابا جمال. ومع كبر سنه، احتياجاته زادت والعمال اللي عايزين يقابلوه زادوا أكتر، فبقى عنده اتنين مساعدين. وزي ما المركب اللي ليها ريسين بتغرق، الراجل اللي ليه اتنين مساعدين… مستحيل يكونوا طايقين بعض.
يحيى قوته كانت مع العمال. في وسطهم، بيضحك، بيهزر، بيحضن، بيسمع. شعبي بطبعه والناس حاسه إنه واحد منهم.
أحمد بقا قوته في حتة تانية خالص: العلاقات العامة. تليفون من أحمد، وبعد ساعة تلاقيه قاعد في مكتب وزير العمال نفسه.
الموضوع ده خلى ناس كتير تشك: هو ولاء عم أحمد لـ”مصانع الرجال”؟ ولا للوزارة؟ خصوصًا أن عم أحمد وعم يحيى مكانوش على وفاق.. حبايب عم يحيى بدأوا يلسنوا على حبايب عم أحمد ويقولوا عليه لواء، وعميل، ومراقب لبابا جمال من الوزارة… مش مساعده بحق وحقيقي.
الناس حبت يحيى أكتر.. لحد ما في يوم، يحيى فلت منه الكلام وسط العمال وقال إن جاله في المنام راجل لابس أبيض في أبيض، وبيقوله: إنت خليفة بابا جمال.
اللي سمعوه انقسموا فريقين؛ فريق صدق وقال: خلاص، الرئيس التنفيذي الجاي راجل شعبي ومن وسطنا وأهو أي حاجة أحسن من عم أحمد. وفريق تاني شافه راجل طماع في كرسي محدش يقدر يملاه.. ومن ساعتها، الناس يا تقرب منه تطمع في رضاه لما المنام يتحقق، يا تبعد عنه وهي شايفاه بيهذي.
الحاجة المشتركة الوحيدة بين أحمد ويحيى… إن مكنش في بينهم وبين عم صخر عمار..
صخر شاهين كان مسؤول المنطقة رقم اتنين لإنتاج العطور. وبسبب ثقة بابا جمال فيه، خلاه رئيس الموارد البشرية، غير شغله كسكرتير لجلسات المصنع كله، وأحيانًا كمان يمثل مصنع الرجال قدام باقي المصانع.
كتير كانوا بيقولوا إنهم ولاد بابا جمال، بس علاقة صخر بيه كانت حاجة تانية خالص.. مرة صخر خالف أمر مباشر، وبابا جمال غضب عليه. الزعل كان تقيل لدرجة إن صخر دخل المستشفى.
السر إن بابا جمال كان متبنيه كابن روحي. وصخر، اللي كان يتيم أب، وأمه سابت الشغل، وأخته راحت تشتغل في مصنع منافس، وعمه اللي رباه مكنش أحن حاجة عليه… فكان محتاج أب.
قدراته الاجتماعية كانت محدودة، وقاسية شوية، وناشفة. بس مع كاريزما بابا جمال، ومع حبه له بقى صخر ابنه… ابن بس مش ابن مدلل، ابن شايل مسؤوليات تهد جبل… أو صخر.. وبسبب شغله في الموارد البشرية، كان دايمًا في وش المدفع: جزاءات، محاسبة، قرارات صعبة.. عشان كده ناس كتير مبتحبوش، أو على الأقل بتخاف منه.. بس اللي كان بيحبه، صخر كان يفتح له الأبواب كلها، حتى باب بابا جمال نفسه.. على عكس أحمد ويحيى… اللي لو قدروا، كانوا حطوا بابا جمال في برج عالي ومحدش يوصل له غيرهم.
لما صخر عرف خبر وفاة بابا جمال من يحيى، تقدر تقول الصخر داب. قعد يعيط زي العيال: بابا مات؟ إزاي؟
معداش وقت طويل، إلا وكان أحمد ويحيى وصخر في أوضة واحدة، بيرتبوا النعي، والصندوق، والمدفن، وكل اللي لازم يتعمل.
وساعتها طلع السؤال التقيل: مين اللي هيبلغ العمال؟
قرروا يكلموا أكبر العمال سنًا، عم عبد الملاك، بس لما لقى نفسه كبر ومعدش فيه صحة، رشح لهم تاني أكبر واحد؛
عم معين، الابن الروحي لعبد السميع.
---
## قائم مقام بابا
URL: https://tabcm.net/53529/
Type: post
Modified: 2026-03-27
معين.. الابن الروحي لعبد السميع
عم معين كان راجل في حاله. مبيحبش اللقطة، ولا داخل في المناوشات اللي دايره بين أحمد ويحيى وصخر.
كان ماسك منطقة صناعية رقم عشرة وبيعمرها بهدوء، منطقة اشتهرت بالكليم والسجاد اليدوي، شغل تقيل وصبور زيه بالظبط.
الحاجة الوحيدة اللي كان معين متأكد منها، ومن غير أي تردد، أن مفيش ولا واحد من التلاتة دول ينفع يملى مكان بابا جمال.
القناعة دي مجاتش من فراغ. دي جاية من المدرسة اللي اتربي فيها… مدرسة عم عبد السميع.
عم عبد السميع كان رئيس عمال قديم تقيل، مسك دورين من أخطر الأدوار في السلسلة: كان رئيس هيئة إعانات العمال محدودي الدخل، وكان في نفس الوقت واجهة المصنع قدام باقي المصانع، وأحيانًا قدام الوزارة… زي ما أحمد بيعمل دلوقتي.
مدرسة عبد السميع كانت على اسمه:
يسمع من الكل، يحلل بهدوء، ويدي العيش لخبازه. حتى لو شاف الفرن مولع، ما يطفيش النار بإيده، يستنى رجل المطافئ اللي دوره يجي.
من سنين طويلة، عبد السميع كان واقف مع رئيس الوزارة وعمال مصنع منافس كانوا شايلين من الوزير. ضربوا نار… رصاصة طايشة جابت أجله.
بس خلينا نرجع لابنه الأمين: عم معين..
معين عرف خبر وفاة بابا جمال وزعل بجد. رغم إنه من نفس جيل بابا جمال، ورغم إنه كان عارف كويس اللي لبابا جمال واللي عليه.
ومن اللي كان عليه، إن مكانش بينه وبين عم عبد السميع عمار.
من يوم ما الاتنين وقفوا قصاد بعض في انتخابات الرئاسة التنفيذية بعد وفاة عم حكيم الرئيس التنفيذي السابق لبابا جمال، وبابا جمال ماكنش طايق حتى يسمع اسم عبد السميع.
ومع ذلك، عم معين قال لنفسه: مافيش وقت حسابات قديمة.
قالها واضحة: نرتب الدنيا.
أولًا: نبلغ العمال بوفاة بابا جمال.
ثانيًا: أمسك الرئاسة التنفيذية مؤقتًا. لحد ما تتعمل انتخابات نضيفة، تطلع رئيس جديد.
وبعدها… أنا راجع منطقتي زي ما كنت.
أحمد ويحي وصخر اتصدموا. راجل بالتاريخ ده ومش عايز أكتر من منطقة بتطلع كليم وسجاجيد؟ بس هو ده عم معين، فوافقوا.
معين كلم رؤساء العمال في كل المناطق وأمرهم يسيبوا الشغل فورًا، والكل يتجمع في المقر الرئيسي لسلسلة مصانع الرجال من أكبر عامل لأصغر عامل.
أول ما الناس اتلمت، عم معين طلع وقعد على كرسي بابا جمال. واللقطة دي لخبطت ناس كتير عمرها ما شافت في حياتها حد غير بابا جمال على الكرسي ده.
عم معين بدأ كلامه، وصوته هادي بس ثابت: الراجل اللي اتربينا على أيده أكتر من نص قرن، ساب أثر كبير في سلسلة مصانع الرجال، وكان ربان شاطر، حكيم، حفظ تاريخ السلسلة، وعلم وربى عامل عامل. وعمرنا ما هننساه.
قبل ما يكمل، الدنيا كانت مولعة، عياط، لطم، صريخ. بابا مات اللي قالها صخر أول مرة بقت على كل لسان.
بس عم معين كمل: الكلام يعجز عن وصف بابا جمال، قائد وحبيب، وساب لنا مثال في القدوة، تأثيره ما وقفش عندنا وبس… وده وصل بره كمان. والكلام مهما كتر، مش هيجيب حق الراجل ده.
التصفيق علي. الهتاف زاد. بس مع كل ده، عين عم معين مكانتش على الصوت العالي.
كانت على الصفوف، على العمال اللي تم إقصائهم زمان، على ولاد عم عبد السميع، ولاد عم ليڤي الصوفي، وعلى ولاد عم لبيب الغلبان.
كان عارف إن اللي جاي أصعب من اللي فات.
ليڤي ولبيب
ليفي ولبيب ماتوا قبل بابا جمال بسنين، وجنازاتهم ما حضرهاش غير كام عامل وخلاص. وبرغم كل اللي كان بينهم، الحق يتقال إن بابا جمال عمل الواجب في جنازة عم لبيب.
علاقة بابا جمال بعم ليفي وعم لبيب كانت غريبة فعلًا. مش “ما محبة إلا بعد عداوة”… دي كانت عداوة بعد محبة.
عم لبيب كان أكتر واحد متعلم وسط العمال. كانوا بيقولوا عليه “راجل متنور”. يعلم ده، ويشرح لده، ويصحح لده. لما كان يتبعت مأمورية بره سلسلة المصانع، كان بيتعمل له ألف حساب.
أول ما عم جمال دخل مصنع الرجال، دخل من بوابة عم لبيب. عم لبيب ساعتها ماكنش رئيس عمال رسمي، بس كان يخش أي منطقة صناعية، يدي رأيه، ويصلح، ويعمل دور شبه مراقب الجودة. الموضوع ده عجب عم جمال، اللي كان من صغره حابب يعرف كل المناطق، ويتعرف على رجالتها. اشتغل مع عم لبيب، والاتنين قربوا من بعض وبقوا صحاب.
بس مع الوقت، عم جمال حب يبقى له صورة لوحده، مش صورة تابع لحد.
ساعتها بدأ يدور على حد تاني يشرب منه الصنعة، ولقى ضالته في رئيس عمال مختلف: عم ليڤي.
عم ليڤي كان شغال في حاجتين: تجارب على الفاكهة، وكتابة بامفليتات وكتب تشرح للعمال إزاي يشتغلوا صح.
اسمه كان يهودي، بس هو ماكنش يهودي. أبوه سماه على اسم صديق له. من يومه، عم ليڤي كان غاوي هدوء وتأمل، لحد ما العمال سموه ليڤي الصوفي. تصوفه ماكانش بس في العبادة، ده كان في الشغل كمان. يمسك الحاجة، يفكها، يركبها، يفهمها، وبعدين يشرحها للعمال واحدة واحدة.
عم جمال اتعلم منه كتير. بس أول ما عم ليڤي اختار مساعد تاني غيره، عم جمال زعل. وساب الشغل معاه، وقرر يكمل لوحده. الدنيا فضلت ماشية كده، لحد ما عم حكيم الرئيس التنفيذي وقتها عين عم جمال رئيس منطقة صناعية جديدة مسؤولة عن تعليب الحمضيات. عم جمال استغل الفرصة صح. مع كل علبه، يحط كلمة حلوة عن نفسه: “عم جمال بيحب العمال”. ومن وقت للتاني، يرمي كلمة ناشفة أو حمضانة، عن عم حكيم.
بالتدريج، العمال عشقوا عم جمال، ونسوا عم حكيم.
بس عم حكيم رغم هدوءه كان يعرف يغضب. قرر يمنع عم جمال من ممارسة دوره. ولما شاف إن الموضوع مش نافع، جاب عم لبيب وسلمه منطقة إنتاج علب البرتقال اللي هي أساسا شغل عم جمال باعتبارها من الحمضيات.
ساعتها عم جمال شاط. حس إن البساط بيتسحب من تحت رجليه. فقلب العمال على عم لبيب الغلبان. ويوم ما عم جمال مسك الرئاسة التنفيذية بعد ما كسب قدام عم عبد السميع، بقى أهم دور في حياته إنه يضيق على عم لبيب اللي كان في يوم من الأيام هو اللي سلمه أصول الشغلانة. الموضوع وصل لأن رجالة عم جمال قفلوا مرة المنطقة الصناعية على عم لبيب من بره عشان ميعرفش يخرج وفي أوقات في جلسات الغرف المغلقة كان عم جمال يمنع رجالته من التعامل مع عم لبيب ورجالته.
الحقيقة المرة إن ولا مرة حد كان يعلم عم جمال حاجة إلا وفي الأخر العلاقة بيه اتوترت. لأنه مكنش بيحب يبقاله كبير. لازم هو يبقى الكبير دايمًا.
مرت السنين وحصلت أزمة كبيرة بين وزير العمال وبابا جمال. أتوقف بسببها عن الشغل خمس سنين بقرار وزاري، واتعملت لجنة من خمس رؤساء عمال تدير السلسلة.
الوزير كان ناوي يفصله تمامًا من أي عمل أيًا كان، لكن مقدرش، مش بس عشان حب العمال له، لكن كمان علشان أتوسط له عم ليڤي عند الوزير.
العقوبة اتخففت. وبعدها الوزير مات وعم عبد السميع مات. والدنيا رجعت تاني.
بابا جمال رجع بكامل صلاحياته، ومتربع أكتر على قلوب العمال. ناس كتير شافت في موت الوزير إن السماء بتاخد بثأره.
بس من يوم رجوعه، بقى أهم دور لبابا جمال هو… الانتقام.
ضيق على عم لبيب وعم ليڤي وكل اللي اشتغلوا تحت ايديهم. في الأخر، منطقة عم لبيب مفضلش فيها غير عامل واحد بيسجل كلامه وتعليماته.
عمال ليڤي كملوا شغلهم بس فضلوا موصومين بوصمة إنهم ولاد الراجل اللي خان بابا جمال. مع إن الحقيقة عم ليڤي هو اللي أنقذه من الرفد النهائي وهو اللي اقترح فكرة لجنة الخمس رؤساء عمال.
وعشان كده مع وفاة بابا جمال، عم معين كان مصمم إن ولاد عم ليڤي وولاد عم لبيب يرجعوا الصفوف معززين مكرمين.
مش ثأر… لكن عدل اتأخر قوي.
---
## الخميس ٣ فبراير
URL: https://tabcm.net/53476/
Type: post
Modified: 2026-03-27
أشرقت شمس الثالث من فبراير باردة على عكس الليلة الملتهبة التي عاشها الثوار، لا أحد يبدو أنه قد استوعب بعد ما حدث في “الأربعاء الدامي”، إلا أن الجروح ما زالت دافئة، والدماء التي لم تجف، والإصابات التي لم تلتئم، كل هذا كان يقول بوضوح إن الثورة قد تلقت ضربة قاسية موجعة، إن لم تكن قاصمة، ضربة أزهقت ثماني أرواح وخلفت ما يقارب 900 مصاب.
بتاريخ ظهر يوم الخميس، وعلى شاشة BBC العربية، خرج الفريق أحمد شفيق، رئيس الوزراء، ليتربع على عرش المشهد الإعلامي، بعد أن تم إقصاء رموز النظام منتهية الصلاحية جانبًا، ليعتذر عما حدث في ميدان التحرير من هجوم على الشباب المعتصمين فيه، نافيًا علمه بمن المسؤول عن تنظيم المظاهرات المؤيدة، وما تبعها من أحداث، محاولًا تجميل الصورة الدموية، ووعد بفتح تحقيق موسع، وتقديم الجناة إلى العدالة.
في هذه الأثناء، تضامنت الصحف المستقلة مع أحداث الميدان، وجاء عنوان صحيفة الشروق اليومية: ثلاثة شهداء و1500 جريح في مذبحة بميدان التحرير. أما عنوان صحيفة الوفد فكان صيحة: “الحرب الأهلية”. وعلى صعيد آخر، لم تتضمن الصحافة الحكومية أيًا من هذه التطورات. فكان عنوان صحيفة الأهرام، الذي لخص أحداث الليلة السابقة، هو: ملايين من المصريين يتظاهرون تأييدًا لمبارك. أما صحيفة الأخبار فقد كشفت النقاب عن: مؤامرة مدبرة ضد مصر من قبل بعض الأطراف الأجنبية!.
يوم الخميس بدأت مرحلة هيكلة الميدان، بعدما حدث في الليلة الماضية، فبدأت تتكون حواجز بشكل منظم، ولجان لتفتيش الدخول منه حرصًا على سلامة المعتصمين، وبدأ تأمين حقيقي لمداخله جميعًا بشكل جاد بنظام الورديات. بدأت المنصة تأخذ دور الإدارة لتنظيم العمل داخل الميدان. كان القلق يستبد بالجميع، فهل سيخشى المتظاهرون تكرار ما حدث ويتركون الميدان، أم سيستطيعون الصمود في وجه النظام وبلطجيته؟
جاءت الإجابة سريعة، فبعد ساعات قليلة من بداية اليوم، وكرد فعل لليلة الخميس الدامية، كان الميدان ممتلئًا حتى آخره بالثوار. كان هناك شعور عام بأن التحرير هو ميدان هذا الوطن وأن المعركة هناك. حمل المصريون أغذية وغطاءً ودواءً لقاطني الميدان، وبدأت الأغاني الوطنية تصدح بأعلى صوت من مكبرات الصوت الضخمة، التي تبرعت بها كنيسة قصر الدوبارة القريبة من الميدان للثورة وللثوار. بينما بدأت منصة جانبية أقامها الإخوان المسلمون في إذاعة الأناشيد الإسلامية التي تنادي برفعة الإسلام والمسلمين، متناسين ميثاق الميدان بعدم إذاعة أي شعارات طائفية أو حزبية أو دينية.
في هذا اليوم، تلقى ملايين المصريين رسائل نصية على هواتفهم المحمولة نصها: تدعو القوات المسلحة مواطني مصر الشرفاء لمواجهة الخونة والمجرمين، وحماية شعبنا ومصرنا الغالية. كما تلقى البعض رسائل أخرى تحدد مكانًا وموعدًا لمظاهرات مؤيدة لمبارك. لاحقًا، اعترفت شركتا الهاتف المحمول في مصر، موبينيل وڤودافون، بأن السلطات الأمنية أجبرتهما على إرسال تلك الرسائل القصيرة إلى عملائهما. وأكدت الشركتان أنهما استجابتا كي لا تتعرضا للمنع أو تعرضا موظفيهما للخطر.
في منتصف اليوم أدلى نائب رئيس الجمهورية، عمر سليمان، بتصريحات عن الوضع السياسي وضرورة الحوار مع القوى الوطنية، وبعدها بقليل صرح محمد مرسي، المتحدث الإعلامي باسم الجماعة، تعقيبًا على تلك التصريحات، أن حديث عمر سليمان خالف الواقع والدستور. وشدد مرسي على أن الإخوان يرفضون الحوار مع النظام بشكل قاطع، ولا يجدون أي جدوى من حوار مع نظام غير شرعي مخالف للدستور. وأضاف مرسي أن جماعة الإخوان قد أعلنتها صراحة أنه لا تفاوض مع النظام، مبررًا ذلك بأنهم لا يستطيعون أن يضعوا أيديهم كإخوان مسلمين في يد نظام أيديه ملطخة بدماء المصريين.
بعد قليل من تصريحات سليمان، اتخذ النائب العام قرارات مباغتة بتوقيف كل من أحمد عز، رجل الأعمال وأمين التنظيم بالحزب الحاكم، وحبيب العادلي، وزير الداخلية، وزهير جرانة، وزير السياحة، وابن خالته أحمد المغربي، وزير الإسكان، ومنعهم من السفر والتحفظ على أموالهم. هؤلاء كانوا كباش الفداء الذين قرر النظام التضحية بهم لإرضاء الشعب. ربما كان هذا القرار ليؤتي ثماره لو تم اتخاذه مبكرًا قليلًا، لكن بعد نهار الأربعاء وليلاه الدامية، لم يعد لمثل هذه القرارات أي تأثير يذكر على الميدان وسكانه. فالهدف الآن أصبح تنحي مبارك، ولا تنازل عنه.
في نفس الوقت تقريبًا، اقتحمت وحدة من الشرطة العسكرية مركز هشام مبارك للقانون، النشط في مجال حقوق الإنسان، وقامت بتفتيشه بدون إذن نيابة بحثًا عن أي مواد فيلمية توثق لموقعة الجمل. صادرت الشرطة العسكرية كل أجهزة الحاسوب في المكان، وألقت القبض على المحامين ونشطاء حقوق الإنسان المتواجدين. وقاموا بالمثل مع منظمة العفو الدولية وغيرها من المنظمات الحقوقية الدولية، وصادروا أوراقهم وقبضوا على قياداتهم.
في هذا اليوم، حصلت الصحفية التلفزيونية الأمريكية الشهيرة كريستين أمان پور على فرصة ذهبية لإجراء حديث شخصي مع عمر سليمان. بينما كانت كريستين في القصر الرئاسي تستعد لإجراء الحوار المنتظر، سألت إن كانت هناك إمكانية لمقابلة الرئيس مبارك، فتمت الموافقة على الفور. وفي غضون دقائق، كانت كريستين تقف أمام مبارك وجهًا لوجه في غرفة الاستقبال.
سألته كيف يشعر؟ فأجاب مبارك: أنا قوي.. أنا لست من النوع الذي يهرب (كان يلمح إلى زين العابدين بن علي رئيس تونس اﻷسبق)، قال أيضًا أنا سوف أموت على الأراضي المصرية، فعادت وسالته: هل ستتنحى الآن؟، فأجابها: يا كريستين لقد خدمت في الحياة العامة لمدة 62 عامًا، وقد فاض بي الكيل وأريد الاستقالة، لكن في حالة استقالتي الآن ستعم الفوضى وسيسيطر الإخوان المسلمون على الحكم، عادت وسألته إذا كان يشعر بأنه تم خيانته أو أن هناك يدًا خارجية تدخلت (كانت تلمح لوجود أي ضغوط خارجية من أمريكا)، ففهم مبارك تلميحها وأجاب: إن أوباما رجل ممتاز، ولم يطالبني بالتنحي، وأنني أجبت على أوباما وقلت له إنك لا تفهم ثقافة الشعب المصري.
انتهت كريستين من حوارها المختصر مع مبارك، الذي لم يكن معدًا له ولم يُصوَّر، وبدأت حوارها الذي جاءت لأجله مع سليمان. سألت كريستين سليمان، الذي بدا مقتضبًا وهادئًا كالصخر كعادته، إن كانت دعوته للمعارضة قد شملت البرادعي. فنفى سليمان، معللًا أن البرادعي ليس جزءًا من المعارضة، ولكنه له مجموعته الخاصة المتصلة بجماعة الإخوان. وقال إنه رغم ذلك، فإن جماعة الإخوان قد طلبت الحوار معه بدون حضور البرادعي.
تسألت كريستيان عن المخاوف المتعلقة برحيل الرئيس فورًا استنادًا على تعليق مبارك شخصيًا برغبته في الاستقالة بعد 62 عامًا من الخدمة، فأجاب سليمان: إننا لا نريد اضطرابات في بلدنا، فإن رحل مبارك من سيتولى السلطة بدلًا منه؟، سألته إن كان سيتقدم للترشيح على مقعد رئيس الجمهورية؟ أجاب أنه طبقًا للدستور الحالي هو لا يستطيع أصلًا الترشح لأنه غير منتمي إلى أي حزب، وحتى أن تغيرت الظروف وسمحت له القوانين، فلا يعتقد أنه سيرشح نفسه، فمن ناحية ليس لديه أي طموح في ذلك، ومن ناحية أخرى فهو قد تقدم في السن كثيرًا.
سألته عن الأسباب التي تدفع بهؤلاء الشباب إلى التظاهر؟ هل هي الرغبة في الحرية؟ أجابها مندفعًا وبدون تردد ولا تفكير: أن التيار الإسلامي هو الذي يدفعهم إلى ذلك، بدا واضحًا أن سليمان لم يفهم السؤال، فعادت مرة أخرى تسأله إن كان لا يعتقد أنهم شباب يطالبون بحقوقهم وحريتهم، فأجاب مرة أخرى أنه لا يعتقد أن ذلك هو ما يحرك الشباب، لكن هناك آخرين يحركونهم، ضغطت عليه أكثر قائلة: إن الديموقراطية منعدمة في أجزاء كثيرة من الوطن العربي، ألا تعتقد أن اتصال هؤلاء الشباب بالإنترنت ورؤيتهم للديموقراطية في باقي أنحاء العالم هو ما يحركهم للتظاهر؟
أجابها أن الإنترنت يُسهّل فقط تواصلهم مع بعضهم البعض، لكن تلك ليست أفكارهم لكنها أفكار واردة من الخارج، هنا بدت كريستيان مستَفَزَة من إجابات سليمان غير المنطقية، التي يبدو فيها واضحًا معاداته للديموقراطية، فسألته بوضوح: سيد سليمان.. هل تؤمن بالديموقراطية؟، فأجاب بنفس هدوئه: مؤكد بالطبع، كلنا نؤمن بالديموقراطية، لكن متى؟ متى نطبق تلك الديموقراطية؟ في الوقت الذي يمتلك فيه الناس ثقافة الديموقراطية.
سألته قائلة: إن وزارة الخارجية المصرية اتهمت المظاهرات بأنها مجرد مؤامرة أجنبية، أجاب أنه يؤمن أن من في التحرير هم مصريين لكنهم مدعمون من الخارج، ونفى سليمان وجود أي قناصة لقتل المتظاهرين، سألته أنها تتفهم ما تريده قوى المعارضة لكن ماذا يريد هو من المعارضة؟ وما هي الرسالة التي يريد إيصالها للشباب الذي لا يزال متواجدًا في ميدان التحرير؟ أجابها إنه يريد أن يقول لهم ارجعوا منازلكم… فهم -أي النظام- لن يفضوا التظاهر بالقوة، لكنهم لا يستطيعون فعل المزيد، وعلى الجميع الرحيل لمنزلهم، فهو لا يريد أي أحد في الشارع، وعلى الشباب أن يتفهموا أنه في هذا الوقت الضيق لن يستطيعوا -أي النظام- فعل أقصى مما وعد به مبارك ولا يستطيعوا فعل المزيد، وعندما يأتي رئيس جديد سيكمل باقي الإصلاحات التي يريدونها، وطلب في النهاية من الشباب أن يرحلوا إلى منازلهم حرصًا على عودة الحياة الطبيعية وعودة السياحة والاقتصاد.
جاء الحوار مستفزاً للجماهير الغاضبة، نجح فيه سليمان على مضاعفة غضب المصريين من النظام المصري، حوارًا اكتشف فيه المصريون أن نائب رئيسهم قد أعلنها بكل صراحة أن الشعب غير مؤهل للديمقراطية، لذا فالنظام عازم على عدم تطبيقها والاستمرار في نفس سياسته القديمة.
---
## رحيل اﻷنبا مكسيموس
URL: https://tabcm.net/54285/
Type: post
Modified: 2026-03-27
بصفتي مسيحيًّا، يؤلمني كثيرًا أن أرى بعض كلمات الشماتة والكراهية التي ظهرت في بعض التعليقات عقب خبر رحيل الأنبا مكسيموس ميشيل، رئيس أساقفة مجمع كنائس القديس أثناسيوس الرسولي.
قد يختلف كثيرون مع مسيرته أو مواقفه أو تاريخه الكنسي، وهذا أمر طبيعي في حياة الكنائس وتاريخها. لكن الموت لحظة تختلف عن كل لحظات الجدل. فالموت يضع الإنسان أمام الله، لا أمام خصومه.
الإنجيل والتقليد المسيحي في كل الكنائس يعلّمنا أن الموت ليس مناسبة للشماتة، بل للصلاة. فالإنجيل يطلب ليس فقط الصلاة والمحبة للقريب ولكن حتّى للأعداء أحبّوا أعداءكم وباركوا لاعنيكم ((إنجيل متّى 5: 44 )). لعلّ مَن شمت في وفاته عليه أن يراجع مسيحيّته نفسه قبل اتّهام الراحل بالهرطقة.
لذلك فإن أي خطاب كراهية أو تشفٍّ في موت إنسان، أيًّا كان موقعه أو تاريخه، لا يعبّر عن روح المسيح ولا عن أخلاق المسيحيّة والكنيسة.
لقد كانت حياة الأنبا مكسيموس مثار جدل وصراعات كنسيّة معروفة، لكن أمام الموت ما يبقى ليس الصراع، بل الإنسان الذي يعود الآن إلى رحمة الله.
الموقف المسيحي الحقيقي ليس الشماتة، بل ما تعلّمه الكنيسة منذ قرون: الصلاة من أجل الراقدين وترك الحكم لله وحده. ومن بعده التاريخ الحقيقيّ الحرّ يقول كلمته.
في زمن يحتاج فيه المسيحيون في منطقتنا إلى مزيد من المحبّة والوحدة، من المؤلم أن تتحوّل وفاة إنسان إلى مناسبة لتبادل الإهانات بدل أن تكون فرصة للتأمّل في إنسانيتنا المشتركة.
فليتغمّده الله برحمته الواسعة، وليستقبله في ملكوته، وليعزِّ قلوب أسرته وكل أحبّائه.
ردود فعل الكنيسة
في تاريخ الكنيسة المعاصر ظهرت أحيانًا شخصيّات كنسيّة دخلتْ في صراع أو قطيعة مع كنيستها الأم، لكن طريقة تعامل الكنيسة مع هذه الحالات لم تكن دائمًا واحدة. ويمكن أن تساعد مقارنة حالتين معروفتين: حالة الأنبا مكسيموس في السياق القبطي، وحالة المطران مارسيل لوفيڤر في الكنيسة الكاثوليكية، على فهم اختلاف ردود الفعل الكنسيّة وإبراز أسئلة أعمق تتعلّق بالوحدة والسلطة والمصالحة.
المطران مارسيل لوفيڤر
كان لوفيڤر رئيس أساقفة فرنسيًّا ومعارضًا لبعض الإصلاحات الليتورجيّة واللاهوتيّة المرتبطة بالمجمع الڤاتيكاني الثاني. وفي عام 1970 أسّس جماعة كهنوتيّة عُرفت باسم جماعة القديس پيوس العاشر.
بلغ الخلاف ذروته عام 1988 عندما رسم أربعة أساقفة من دون تفويض من البابا، وهو أمر يُعدّ في القانون الكنسي تمرّدًا خطيرًا على سلطة الكنيسة. فأُعلن الحرمان الكنسي عليه وعلى الأساقفة الذين رُسموا معه.
ومع ذلك، لم يُغلق الملف نهائيًا. فقد ظلّت قنوات الحوار مفتوحة، لدرجة أنّه في عام 2009 رفع البابا بندكتوس السادس عشر الحرمان عن الأساقفة الأربعة في خطوة تهدف إلى تهيئة الطريق للمصالحة، مع استمرار الحوار اللاهوتي حول قضايا المجمع الڤاتيكاني الثاني.
واستمرّ البابا فرنسيس في إبقاء الحوار معهم مفتوحًا. وحتى في فبراير 2026 كان البابا لاون الرابع عشر محافظًا على فتح قنوات الحوار بشأن رسامات أسقفية تنوي جماعة پيّوس العاشر إتمامها. ولم تزل المسألة إلى اليوم موضوع نقاش وحوار بين الطرفين.
حالة الأنبا مكسيموس ميشيل
في السياق القبطيّ، ارتبط اسم الأنبا مكسيموس ميشيل بانفصاله عن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في الثمانينيات وتأسيسه كيانًا كنسيًا مستقلًا. وقد أثارت مواقفه وتصريحاته جدلًا واسعًا، خصوصًا في الإعلام، كما قوبلت بردود فعل حادّة داخل الوسط الكنسي والشعبي.
لكنّ رحيله أعاد فتح سؤالٍ أعمق: كيف ينبغي أن تتعامل الكنيسة مع حالات الانقسام؟ هل تبقى القطيعة هي الكلمة الأخيرة؟ هل نظلّ ككنيسة نطلق الحرمانات ونغلق الأبواب ونهرطق الآخر؟ أم يمكن أن تُفتح مساراتٌ للحوار والمصالحة، كما حدث في حالات أخرى في تاريخ الكنيسة؟
تأمّل في الفرق بين التجربتين
لا يمكن مساواة الحالتين تمامًا، فالسياق الكنسي والتاريخي والقانوني مختلف. ومع ذلك، تكشف المقارنة عن أمر مهم:
فالكنيسة الكاثوليكية، رغم شدّة الخلاف مع لوفيڤر، أبقت الباب مفتوحًا للحوار طيلة عقودٍ طويلة، حاسبةً أن الهدف النهائي ليس تثبيت الانقسام بل البحث عن طريق إلى استعادة الشركة الكنسية. هذا يذكّر بأن تاريخ الكنيسة أوسع من لحظة الصراع. فالكنيسة، في رؤيتها اللاهوتية لذاتها، تُدعى دائمًا إلى أن تكون مكانًا للوحدة والمصالحة، حتى عندما تمرّ بتجارب الانقسام والألم.
إنّ التأمّل في هذه التجارب يهدف إلى طرح سؤالٍ روحيّ وكنسيّ في آنٍ واحد:
كيف يمكن للكنيسة أن تحافظ على الحقيقة والإيمان، وفي الوقت نفسه تبقى أمًّا تسعى دائمًا إلى استعادة أبنائها وإعادة بناء الشركة بينهم؟ فقبل اتّهام الآخر بالهرطقة يجب أن نسأل: هل أدّت الكنيسة واجبها للمّ الشمل والإصغاء والحوار؟
ربما يكون الجواب في الجمع بين أمرين: الوضوح في الإيمان، والرجاء الدائم في إمكانيّة المصالحة والاحتواء والوحدة.
---
## الآباء والكرازة في الجحيم [٢]
URL: https://tabcm.net/54103/
Type: post
Modified: 2026-03-27
نكمل مع آباء الكنيسة الجامعة حول كرازة المسيح في الجحيم.
إيرينيؤس أسقف ليون
يتحدث ق. إيرينيؤس عن نزول المسيح إلى الجحيم لخلاص الأموات كالتالي: ((إيرينيؤس، الكرازة الرسولية، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد ود. جورج عوض، القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2009، الفصل 78، ص 138، 139. ))
نجد في إرميا التنبؤ بموته ونزوله إلى الجحيم [الهاوية]، إذ يقول: الرب قدوس إسرائيل تذكر أمواته الراقدين في التراب، ونزل إليهم مبشرًا إياهم بخلاصه. يبين هنا بوضوح سبب موته، وأن نزوله إلى الجحيم هو لخلاص الأموات.
(إيرينيؤس، الكرازة الرسولية)
ويتحدث ق. إيرينيؤس عن كرازة المسيح بمجيئه في الجحيم من أجل مغفرة الخطايا للذين يؤمنون به هناك كالتالي: ((إيرينيؤس، ضد الهرطقات ج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2019، 4: 24: 2، ص 210. ))
ولهذا السبب أيضًا، فإن الرب نزل إلى المناطق التي تحت الأرض، كارزًا بمجيئه هناك أيضًا، ومُعلنًا غفران الخطايا الذي يناله أولئك الذين آمنوا به ((انظر رسالة بطرس اﻷولى 2: 19، 20 )). والآن، فكل الذين آمنوا به لهم رجاء فيه، أي أولئك الذين كرزوا بمجيئه.
(إيرينيؤس، ضد الهرطقات ج2)
ويتحدث ق. إيرينيؤس في موضع آخر عن نزول المسيح إلى أقسام الأرض السفلى وكرازته في الجحيم كالتالي: ((إيرينيؤس، ضد الهرطقات ج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2019، 5: 31: 2، ص 349، 350. ))
فإن كان الرب قد حفظ ناموس الموت، لكي يصير البكر من الأموات، ومكث حتى اليوم الثالث: في أقسام الأرض السفلى، ثم بعد ذلك قام بالمجد وأرى التلاميذ آثار المسامير ((إنجيل يوحنا 20: 20، 27 ))، ثم صعد إلى الآب، [إن كانت كل هذه الأمور قد حدثت]، فكيف لا تُغلَق أفواه هؤلاء الرجال، الذين يدَّعون أن ’الأقسام السفلى‘ تشير إلى عالمنا هذا، أما إنسانهم الداخلي فيترك الجسد هنا، ويصعد إلى الأماكن الفوق سمائية؟ لأنه كما أن الرب ذهب إلى وادي ظل الموت ((مزمور 23: 4 ))، وحيث كانت نفوس الأموات، إلا أنه بعد ذلك قام بالجسد، وأُصعِدَ بعد القيامة إلى السماء، فهو أمر ظاهر تمامًا، أن نفوس تلاميذه أيضًا، الذين من أجلهم احتمل كل هذه الأمور، ستذهب أيضًا إلى الأماكن غير المنظورة، المخصَّصة لهم من الله، ويظلون هناك حتى القيامة، مُنتظرين ذلك الحدث، ثم يأخذون أجسادهم ويقومون بكاملهم، أي جسديًا كما قال الرب، وسيأتون بعد ذلك إلى حضرة الله. لأنه ليس التلميذ أفضل من معلمه، بل كل مَنْ صار كاملاً يصير مثل معلمه ((إنجيل لوقا 6: 40 )). لذلك، فكما أن معلمنا لم يرحل في الحال هاربًا إلى السماء، بل انتظر ميعاد قيامته المعيَّن من الآب، الذي أوضَّحه أيضًا بواسطة يونان، وقام بعد ثلاثة أيام، وأُصعِدَ إلى السماء، هكذا يجب أن ننتظر نحن أيضًا ميعاد قيامتنا المعيَّن من الله، الذي سبق الإنباء عنه بواسطة الأنبياء، وهكذا إذ نقوم، نُصعَد أيضًا كل مَن يحتسبهم الرب مُستحقين لهذا الامتياز.
(إيرينيؤس، ضد الهرطقات ج2)
ويشير ق. إيرينيؤس إلى ادعاء ماركيون الهرطوقي الغريب جدًا بأن نزول المسيح كان لخلاص الأشرار مثل قايين والسدوميين فقط دون الأبرار أمثال هابيل، وأخنوخ، ونوح؛ لأنهم تشككوا فيه ولم يؤمنوا به كالتالي: ((إيرينيؤس، ضد الهرطقات ج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2019، 1: 27: 3، ص 115، 116. ))
إن النفوس التي تبلغ إلى الخلاص هي تلك التي تعلَّمت عقيدته فقط [أي عقيدة ماركيون]. أما الجسد، فلأنه أُخِذَ من الأرض، فلا يمكنه أن يشترك في الخلاص. وبالإضافة إلى تجديفه على الله نفسه، فهو يقول هذا أيضًا كما لو كان يتكلم بفم الشيطان، ويقول كل شيء ضد الحق تمامًا، أما قايين والذين مثله السدوميين، والمصريين، والآخرين المماثلين لهم، وبالاختصار، كل الشعوب التي سلكت في كل أنواع الأمور الممقوتة، قد خلُصوا بواسطة المخلص عند نزوله إلى الجحيم، وعند إسراعهم إليه، وأنهم رحَّبوا به في مملكتهم. أما الحية [الشيطان] التي كانت في ماركيون، أعلنت أن هابيل، وأخنوخ، ونوح، والرجال الأبرار الآخرين الذين انحدروا من البطريرك إبراهيم، مع كل الأنبياء، وكل الذين أرضوا الله، لم ينالوا الخلاص. فهول يقول إن هؤلاء الرجال إذ عرفوا إن إلههم يحررهم باستمرار، هكذا فإنهم يتشككون الآن إنه يُجرِّبهم، ولم يسرعوا إلى يسوع، ولم يؤمنوا بكلامه، ولهذا السبب، فقد أعلن أن نفوسهم ظلت في الجحيم.
(إيرينيؤس، ضد الهرطقات ج2)
ويشير ق. إيرينيؤس أيضًا إلى نبوة العهد القديم عن نزول المسيح إلى الجحيم من الكرازة بالخلاص هناك كالتالي: ((إيرينيؤس، ضد الهرطقات ج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2019، 3: 20: 4، ص 101. ))
وأما إن مَن مات لأجلنا لم يكن مجرد إنسان، فهذا يقوله إشعياء: والرب الإله ذكر إسرائيل الميت، الذي رقد في القبر، ونزل ليُبشِّرهم بخلاصه لكي يخلصهم.
(إيرينيؤس، ضد الهرطقات ج2)
ويستخدم ق. إيرينيؤس نفس النبوة السابقة التي تشير إلى كرازة المسيح في الجحيم بالخلاص للذين لم يعاينوا الرب بالجسد في أيامهم، أي كل الذين لم يروه ولم يسمعوه كالتالي: ((إيرينيؤس، ضد الهرطقات ج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2019، 4: 22: 1، ص 197، 198. ))
ولهذا السبب أيضًا، أعطاهم طعامًا وهو متكئ، مشيرًا إلى أولئك الذين كانوا مضطجعين في الأرض، هم الذين جاء لكي يمنحهم الحياة. كما يقول إرميا: الرب القدوس ذكر إسرائيل الميت، الذين يرقدون في أرض القبور، ونزل إليهم ليعرفهم بخلاصه لكي يخلُصوا. ولهذا السبب أيضًا، تثقلت عيون التلاميذ، حينما كانت آلامه تقترب، وحينما وجدهم الرب في المرة الأولى نيامًا، فإنه تجاوز عن الأمر -مشيرًا بهذا إلى صبر الله- من جهة حالة السبات التي يرقد فيها الناس، ولكن لما جاء في المرة الثانية أيقظهم، وجعلهم يقفون، رمزًا إلى أن آلامه تُوقِظ تلاميذه النائمين، الذين من أجلهم نزل أيضًا إلى أقسام الأرض السفلى ((رسالة بولس إلى أفسس 4: 9))، لكي يرى بعينيه حالة أولئك الذين كانوا يستريحون من أتعابهم، الذين قال التلاميذ عنهم: أبرار كثيرون، وأنبياء اشتهوا أن يروا وأن يسمعوا ما أنتم ترون وتسمعون ((إنجيل متى 13: 17 )). فالرب لم يأت فقط للذين آمنوا به في أيام طيباريوس قيصر، ولا الآب ظلَّل بعنايته الناس الذين هم أحياء الآن فقط، بل كل الناس الذين من البداية، حسب طاقتهم، وفي جيلهم، قد خافوا الله وأحبوه معًا، وتصرفوا بعدلٍ وتقوى مع أقربائهم، واشتهوا جديًا أن يروا المسيح، وأن يسمعوا صوته. لذلك، ففي مجيئه الثاني، سوف يُوقِظ من النوم أولاً الأشخاص الذين لهم هذا الوصف، وسيقيمهم هم وكل الباقين الذين سيدانون، ويعطيهم مكانًا في ملكوته.
(إيرينيؤس، ضد الهرطقات ج2)
العلامة كليمندس السكندري
يتحدث العلامة كليمندس السكندري عن كرازة المسيح للأرواح التي في الجحيم بالإنجيل، وأنه كرز للجميع دون استثناء يهودًا وأممًا، وإنهم سيخلصون في حالة قبولهم الكرازة بالإنجيل كالتالي: ((كليمندس السكندري، المتفرقات، نسخة إليكترونية، ترجمة: الأب د. بولا ساويروس، القاهرة: موقع الكنوز القبطية، 6: 6: 6، ص 1044. ))
إذًا، إذَا كان الرب نزل إلى الجحيم لا لغرض آخر سوى أن يكرز بالإنجيل كما نزل. فإنه إمَّا كرز بالإنجيل للكل، أو كرز للعبرانيين فقط. بالتالي، إذَّا كان للكل؛ فإن كل مَنْ يؤمن إذًا سيخلُص. على الرغم من أنهم قد يكونوا من الأمم وذلك عند إقرارهم، حيث أن عقوبات الله هي للخلاص والتهذيب، وتقود إلى الهداية واختيار التوبة بدلًا من موت الخاطئ ((سفر حزقيال 18: 23 )) وخاصةً لأن النفوس على الرغم من أنها أظلمت بالأهواء، عندما تحرَّرت من أجسادها، تكون قادرة على الإدراك بأكثر وضوحًا بسبب أنها لم تعُد محصورة بالجسد التافه.
(كليمندس السكندري، المتفرقات)
ويتحدث العلامة كليمندس عن كرازة الرسل -مثلما رأينا في كتاب الراعي لهرماس- في الجحيم للجميع يهودًا وأممًا مقتفيين أثر الرب كالتالي: ((كليمندس السكندري، المتفرقات، نسخة إليكترونية، ترجمة: الأب د. بولا ساويروس، القاهرة: موقع الكنوز القبطية، 6: 6: 6، ص 1054. ))
وقد بيَّنا أيضًا في الكتاب الثاني من المتفرقات أن الرسل، مقتفيين أثر الرب، بشروا بالإنجيل لأولئك الذين في الهاوية. لأنه كان من المطلوب في رأييّ، أنه كما هنا، كذلك أيضًا هناك، أن يحاكي أفضل التلاميذ معلمهم، لكي ما تُقدَّم التوبة للعبرانيين وللأمميين. أي لأولئك الذين عاشوا في البر وفقًا للناموس، وأولئك الذين عاشوا في صلاح وفقًا للفلسفة، الذين لم ينهوا حياتهم في كمال، بل كخطأة.
(كليمندس السكندري، المتفرقات)
---
## آباء الكنيسة والكرازة في الجحيم
URL: https://tabcm.net/54098/
Type: post
Modified: 2026-03-26
كتاب الراعي لهرماس
يتحدث كتاب ”الراعي هرماس“ -الذي كان أحد الأسفار القانونية في العهد الجديد- عن كرازة الرسل للراقدين من قبلهم، ويعطونهم ختم الكرازة، ويقومون بتعميدهم كالتالي: ((الآباء الرسوليون، ترجمة: القس لوقا يوسف وآخرون، القاهرة: باناريون للتراث الآبائي، 2019، الراعي هرماس، المثل 9: 16: 3-7، ص 291، 292. ))
وأيضًا أولئك الراقدون الذين أخذوا ختم ابن الله، ودخلوا ملكوت الله. لأنه قبل أن يأخذ الإنسان اسم ابن الله يكون ميتًا، ولكن عندما يأخذ الختم يتخلص من الطبيعة المائتة وينال الحياة. الختم إذًا هو الماء، ينزل الموتى إلى الماء فيخرجوا منه أحياء، وهكذا يُعلَن لهم هذا الختم فيتزودون به ليدخلوا ملكوت الله. فقلتُ: ’لماذا، يا سيدي، صعد الأربعون حجرًا معهم من العمق، ما دام لهم الختم بالفعل؟‘ فأجاب: لأن الرسل والمعلِّمين الذين يكرزون باسم ابن الله بعدما رقدوا في القوة والإيمان بابن الله، كرزوا أيضًا للذين رقدوا قبلهم، وأعطوهم ختم الكرازة. وهكذا نزل [الرسل] معهم إلى الماء وصعدوا مرةً ثانيةً. ولكن هؤلاء [الرسل] نزلوا وهم أحياء، وصعدوا وهم أحياء، أما أولئك الذين كانوا قد رقدوا من قبل، فقد نزلوا وهم أموات وصعدوا وهم أحياء، وبمساعدة [الرسل] استطاعوا أن يحيوا وعرفوا اسم ابن الله.
(الآباء الرسوليون، ترجمة: القس لوقا يوسف وآخرون)
تعاليم سيلفانوس
وهو نص مسيحي تم اكتشافه في مكتبة نجع حمادي بمصر، ولم يكن نصًا غنوسيًا في الأساس، كُتِبَ أصلًا باليونانية، وحُفِظَ في ترجمة قبطية. يؤرخ الباحثون تركيب هذه التعاليم أنها من القرن الثاني إلى نهاية العقد الثاني أو الثالث من القرن الرابع. يتحدث النص عن كرازة المسيح في الجحيم وتحريره للأموات من الجحيم في صورة حوار يخاطب فيه النفس البشرية قائلًا: (( Silvanus’s Teachings, Trans. by Malcolm Lee Peel & Jan Zandee, Account A 103. 28- 4. 14. ))
يا أيتها النفس، المثابرة، في أيّ جهل تقبعين؟! لأنه مَن هو مرشِدك إلى الظلمة؟! وكم عدد الصور التي لبسها المسيح من أجلك؟ فبالرغم من أنه كان الإله، إلا أنه وُجِدَ بين البشر كإنسان. نزل إلى الجحيم. وحرَّر بني الموت. لقد كانوا في ضيقةٍ، كما قال الكتاب الإلهي. وختم [الجحيم] قلبه. ولكنه كسَّر مصارعيه القوية تمامًا. وعندما رأته جميع القوات هربوا، وهكذا ينتشلك من البائس، ويُصعِدك من الجحيم، ويموت من أجلك فديةً عن خطيتك. خلَّصكِ من اليد القوية للعالم السفلي.
(Silvanus’s Teachings)
ميليتوس أسقف ساردس
يتحدث ق. ميليتوس عن نزول المسيح إلى الجحيم وانتصاره على إبليس وتحريره لجميع أسرى البشر المعجونين بالخطايا كالتالي: ((ميلتيوس أسقف ساردس، رسالته الفصحية، ترجمة: الأب صبحي حموي اليسوعي، لبنان: دار المشرق، 2001، الفصل 103، 104، ص 58، 59. ))
قال: أنا هو المسيح، أنا الذي دمَّرت الموت، وانتصر على العدو، ووطئ جهنم، وربط القوي، وخطف الإنسان إلى أعالي السماوات، أنا هو المسيح تعالوا، إذًا، يا جميع أسرى البشر المعجونة بالخطايا، ونالوا غفران الخطايا، لأني أنا هو غفرانكم، أنا فصح الخلاص، أنا الحمل المذبوح من أجلكم، أنا فديتكم، أنا قيامتكم، أنا نوركم، أنا خلاصكم، أنا ملككم، أنا الذي يرشدكم إلى أعالي السماوات، أنا الذي سيُقيمكم، أنا الذي سيريكم الآب الذي هو قبل الدهور“.
(ميلتيوس أسقف ساردس، رسالته الفصحية)
ويشهد ق. ميلتيوس أن المسيح: ظهر إلى الأموات في الجحيم وللموتى في العالم. (( .On Baptism, fragment 8b, 4 (SC 123, 232-233) ))
أناشيد سليمان
يتحدث كاتب أناشيد سليمان [نص شهير من القرن الأول أو الثاني] عن كرازة المسيح في الجحيم والانجماع الكلي في المسيح قائلًا: ((الآباء الرسوليون، ترجمة: أحد رهبان دير أبو مقار، القاهرة: باناريون للتراث الآبائي، 2019، النشيد 17، ص 476. ))
فذهبتُ أكرز للمأسورين بالعتق من الإذلال، فحللتُ قيودهم، وما تركت أحدهم مربوطًا بأغلال. وأعطيتهم معرفتي، وأريتهم محبتي وقيامتي بجلال. قد زرعت ثماري في القلوب، فتغيَّرت فيَّ للتجديد، وأخذوا نعمتي فأحيتهم، وانجمعوا فيَّ لخلاص أكيد، وصاروا أعضاء جسدي، وأنا صرت رأسهم الجديد، المجد لك يا رأسنا، أيها المسيح الرب المجيد، هللويا!.
(الآباء الرسوليون، ترجمة: أحد رهبان دير أبو مقار)
ويشير كاتب أناشيد سليمان في موضع آخر إلى نزول المسيح إلى الجحيم، وكرازته للموجودين هناك، وهكذا آمن به مَن كانوا هناك، وأسرعوا إليه، وصاروا من خاصته لأنه حرَّرهم كالتالي: ((الآباء الرسوليون، ترجمة: أحد رهبان دير أبو مقار، القاهرة: باناريون للتراث الآبائي، 2019، النشيد 42، ص 508، 509. ))
كنت للموت خلًا ممزوجًا بمرارةٍ؛ فنزلت معه للجحيم السفلي بجسارةٍ حتى وصلت […] فكرزت لهم بشفاهٍ حيةٍ كلها حرارة، حتى لا ترجع كلمتي فارغةً بخسارةٍ، قد أسرع نحوي أولئك […] وصاروا من خاصتي لأني حرَّرتهم هللويا!.
(الآباء الرسوليون، ترجمة: أحد رهبان دير أبو مقار)
يوستينوس الشهيد
يتحدث ق. يوستينوس عن نبوة إرميا التي حذفها اليهود، والتي تتحدث عن كرازة المسيح للموتى في الجحيم كالتالي: ((يوستينوس، الحوار مع تريفون اليهودي، ترجمة: أ. آمال فؤاد، القاهرة: باناريون للتراث الآبائي، 2012، الفصل 72، ص 232. ))
وحذفوا أيضًا هذه الكلمات من سفر إرميا: ’الرب الإله تذكر موتاه من بني إسرائيل، الراقدين في القبور، ونزل إليهم ليبشرهم بخلاصه‘.
(يوستينوس، الحوار مع تريفون اليهودي)
هيبوليتوس الروماني
يُعتبر ق. هيبوليتوس الروماني أول مَن تحدث عن كرازة يوحنا المعمدان في الجحيم قبل نزول المسيح إليه ليكرز للأرواح التي في الجحيم دون تمييز كالتالي: (( On Christ and Anti-Christ, 45 PG 10: 764b. ))
لقد كرز [يوحنا المعمدان] أولاً أيضًا لأولئك الذين في الجحيم، صائرًا المتقدم هناك، عندما قتله هيرودس، وذلك ليعلن هناك أيضًا عن نزول المخلص ليفدي أرواح القديسين من قبضة الموت.
(On Christ and Anti-Christ)
ويثير هيبوليتوس السؤال حول نزول نفس المسيح إلى الجحيم، بينما ظلَّ جسده في القبر في نصٍ باقٍ في اليونانية إلى الآن باسم ”هيبوليتوس“ كالتالي: ((Hippolytus of Rome, Fragment III cited by Nicetas the Deacon in Hippolytus Werke/ GCS1, Leipzig, 1897, p. 268. ))
ولهذا السبب، انزعج حراس الجحيم عندما رأوه؛ وتكسرت البوابات النحاسية والمصاريع الحديدية. لأن الابن الوحيد دخل بنفسٍ وسط أنفس، الله الكلمة بنفسٍ بشريةٍ. فجسده ملقى في القبر، ولكنه لم يكن خاليًا من اللاهوت، ولكن، بينما كان في الجحيم، كان مساويًا في الجوهر مع أبيه، وهكذا كان في الجسد أيضًا وفي الجحيم. لأن الابن مثل الآب تمامًا، لا يحويه مكان، ويعرف كل الأشياء في ذاته. ولكنه حلَّ بإرادته في جسد بنفسٍ حيةٍ لكي ما يمكنه بنفسه دخول الجحيم، وليس بمحض لاهوته.
(Hippolytus of Rome)
ترتليان الإفريقي
يتحدث العلامة ترتليان عن نزول المسيح إلى الجحيم ليكرز بمهمته الخلاصية للآباء البطاركة والأنبياء كالتالي: ((ترتليانوس الإفريقي، عن النفس، ترجمة: عادل ذكري، القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2021، 55: 1-5، ص 133- 135. ))
لأننا نقرأ أن المسيح قضى ثلاثة أيام في قلب الأرض ((إنجيل متى 12: 40 ))، بمعنى في التجويف المختفي في الجزء الداخلي من الأرض، والمحاط كله بالأرض، والمبني على الهاوية التي لا تزال تقع في مستوى أسفل ((مزمور 85: 13 ))، بالتالي، المسيح لكونه إلهًا وإنسانًا بحسب الكتب مات ودُفِنَ. لذا أختار أن يخضع لشريعة الموت التي تخص الطبيعة البشرية، نازلًا إلى الجحيم في شكل إنسان ميت. ولم يصعد إلى أعالي السماوات ((رسالة بولس إلى أفسس 4: 9؛ إنجيل يوحنا 3: 13 )) قبل أن ينزل إلى المناطق السفلية من الأرض، لكي ما يخبر الآباء البطاركة والأنبياء بمهمته الخلاصية ((رسالة بطرس اﻷولى 3: 19 )). […] وسيخبروننا الآتي: لكن لهذا السبب عينه، نزل المسيح إلى الجحيم حتى لا نذهب إل هناك. فضلُا عن ذلك، أي فرق بين الوثني والمسيحي؟ إذا كان نفس السجن مفتوحًا لكل منهما بعد الموت؟
(ترتليانوس الإفريقي، عن النفس)
---
## سيرتي الرقمية
URL: https://tabcm.net/54280/
Type: post
Modified: 2026-03-26
مشيناها خُطىً كُتِبَت علينا.. ومن كُتِبَت عليه خُطىً مشاها..
ومن كانت مَنِيَّتهُ بأرضٍ.. فليس يموت في أرضٍ سواها..
(تُنسب لأبي العلاء المعري، وصحيحها: عبد العزيز الدريني)
في حين أن الكتابة العلانية عن شؤونك الذاتية هو قرار يغامر بخصوصيتك، إلا أن الكتابة العلانية عن شؤون الجماعة التي تنتمي إليها هو مغامرة أكبر. ففي حين تملك الحق في المغامرة بخصوصيتك كفرد، فهي شؤونك لطالما كنت مستعدًا لتتحمّل كلفة التبعات بشكل مسؤول، إلا أنك لا تملك نفس الحق في المُقامرة حينما يتعلق ذلك بغيرك. الكتابة العلانية عن الأقباط هي قرار صعب، وينطوي على كلفة أكبر.
قرار الكتابة -دون قرار العلانية- بدأ منذ طفولتي، ورغبتي الذاتية في تفريغ ما بداخلي على أوراق المذكرات اليومية. وقبل أن يتكوّن الفيسبوك، كنتُ كائنًا يكتب ولا يطلع أحدًا على كتاباته. أما قرار العلانية، فقد كان القرار الأصعب، الذي ما زلت أشعر حتى الآن وكأني أغادر دائرة أماني وراحتي كلما دخلت دائرة الضوء والعلن.
لطالما تغنّى حكماء الآباء بفضائل الصمت، ولطالما تغنّى حكماء غيرهم بفضائل الاعتراف والبوح ودور “الحكي” في غسل الروح. وبين زعومات الفضائل المحيّرة، كنت -على عكس المألوف- أختار البوح للغرباء الذين لا نعرفهم. ربما نحن نثق فيمن لا نعرفهم لأنهم لم يخدعوننا من قبل. لكن الأهم هو خط العودة، فنحن دائمًا للغرباء غرباء أيضًا، وإنهاء التواصل مع الغرباء ينهي كل شيء دون تبعيات. ولطالما تمنيتُ أن تكون لي شرفة خاصة أطل بها على العالم، ولا يراني منها أحد؛ أن أتحدث فيسمعني الكون كله، ولا يعي منّي سوى ما تسرب عبر أناملي من كلمات. وربما لذلك صار العالم الافتراضي لي وطنًا، حين كنتُ -مع رفاق الحلم- كالسكان الأصليين في عالم سيظل الآخرون فيه مجرد مهاجرين..
يا إلهي.. كيف بدأ كل هذا؟
أظنها قصة جيدة.. ستكون مفيدة، لكنها لن تكون قصيرة.
في البدء..
بدأ التشبيك السيبراني بين الكتّاب من منازلهم بابتكار تقنية IRC ((IRC: هي الأحرف الأولى للتعبير Internet Relay Chat، وتعتبر أول تقنية اتصال (دردشة) باستخدام النصوص عبر الاتصال بخادم، تجمعت هذه الخوادم فيما بعد لتكون مجتمعة أول تطبيقات لشبكة الإنترنت. ))، وتعتمد ببساطة على امتلاك برنامج اتصال مجاني (بالأغلب mIRC، وتُنطق “ميرك”، لمُصممه الإسرائيلي من عرب 48: خالد ميردمباي). ولأن هذه التقنية لم تكن تسمح في تسعينيات القرن العشرين بالكتابة باللغة العربية، فقد ظلت محصورة في متناول طبقة المثقفين والتعليم العالي والمبرمجين، الذين بدورهم ابتكروا “الفرانكو-آراب”، أو كتابة النطق العربي بأحرف لاتينية، لتوسيع دائرة الانتشار للدردشات الجماعية دون التزام بالقيود المعرفية الإنجليزية، الأمر الذي أدى إلى ظهور الجيل الثاني وبرنامج الدردشة ICQ (يُنطق كأحرف منفردة، آي-سي-كيو، وصوتيًا تعطي التعبير الإنجليزي I Seek You، أو أبحث عنك).
على الرغم من موت هذه التقنيات حاليًا، إلا أن هذا العصر قد أثر بشكل كبير على لغة المصريين وثقافتهم. فقد نشأت لغة موازية من الاختصارات والتعبيرات الحركية ((التعبيرات الحركية: هي أن يظهر سطر يبدو وكأنه من الخادم ليقول أن فلان دخل غرفة المحادثة وهو يترنح، أو يحملق في الوجوه بحثًا عن علان، أو أي “تعبير نصوصي” يصف “حركة” غير صوتية لفرد محدد. وفي الحقيقة فأن هذا الفرد هو كاتب هذه “الحركة” عن نفسه، لكنه كتبها كأمر للخادم أن يتكلم هو نيابة عنه ويقول النص المٌراد. وكانت تستخدم هذه الحيلة في هذا العصر بما يُعادل الإيموجي الآن، لكن بشكل يحتوي على مساحة مفتوحة من الخيال. ))، فمثلًا “القهقهة” لا تُكتب “ها ها ها” وإنما LOL ((LOL: الأحرف الأولى من جملة Laugh Out Loudly. ))، أما لو أردت تعبيرًا أعلى من مجرد قهقهة فسيكون ROFL ((ROFL: الأحرف الأولى من Rolling On Floor Laughing. )). وليست هذه نهاية التعبير عن القهقهات، فهناك LMAO ((LMAO: الأحرف الأولى من Laughing My Ass Out. )) والأعلى على الإطلاق ROFLMAO ((ROFLMAO: الأحرف الأولى من Rolling On Floor Laughing My Ass Out. )). هذه اللغة الموازية تبدو مُشفرة تمامًا لجيل الآباء والأمهات الناطقين بالعربية، وما زالت تُستخدم في تعليقات بعضهم للدلالة على الأصالة في العالم الافتراضي، حتى ولو بحروف عربية مثل لول، أو برب، أو وب ((برب = Be Right Back – وب = Welcome Back. )).
الكتابة في هذا العصر كانتْ مجرد “شات” أو دردشة، وتعتمد بشكل أو بآخر على ترك تقنيات Peer-to-Peer (الكتابة بين مُتناظرين) إلى الخوادم (Servers)، ثم تطورت طبوغرافية التشبيك بين الخوادم، وظهرت نظم التشبيك النجمي (Star Network). تطور بروتوكول الاتصال ذاته (TCP/IP) وأصبح جزءًا من نظام التشغيل ما نسميه الآن “مُتصفّح الإنترنت”. وظهرت لغات متخصصة في الإنترنت، وهيئات لتوحيد المقاييس بين اللغات والأكواد على المتصفحات المختلفة. كل هذه التطورات المعقدة تقنيًا كانت تتحرك باتجاه الإنترنت كما نعرفه الآن: عمل جماعي عملاق يحتوي تجمعات بشرية أبسط، ونظم ومستويات صلاحيات إدارية مختلفة، ومستويات معلومات مختلفة بحسب صاحب الحساب وسلطاته.
الهويّة الرقمية
الأمر بدأ مع IRC فضفاضًا وبلا قواعد سوى التراضي. يمكنك أن تتخذ اسمًا كما تشاء، وتضايق من تشاء، وإن أُغلق الاتصال يمكنك صناعة حساب جديد باسم جديد ومواصلة مضايقة نفس الشخص إلى أن يترك الإنترنت ويهجره. كانت هناك هويّات، لكني أسميها “هويّات مرنة”، وخاصة بالصفوة التقنية لحماية النفس والآخرين من المضايقات. لكن ظهر الاحتياج الحاسم للهوية الرقمية للجميع مع عصر المنتديات العظيم.
المنتدى هو تجمّع بشري تفاعلي نصوصي أيضًا، لكن لا يُشترط أن يكون الجميع فيه أونلاين في نفس الوقت كما سبق، وفكرته قائمة على أن يطرح أحد الأعضاء موضوعًا للنقاش، ويستطيع بقية الأعضاء الإدلاء بمداخلاتهم وآرائهم في هذا الموضوع مُكَوِّنين شريطًا من الأفكار التي تتم مناقشتها بين أعضاء متكافئين في الصلاحيات. وكل مداخلة مرتبطة بهوية صاحبها، التي تتكون من اسم المعرّف وصورته الرمزية، وتوقيع خاص يذيّل مداخلاته ويميزها عن مداخلات الآخرين.
المنتديات لا تسمح بالكتابة إلا للأعضاء المسجلين، وللحصول على العضوية (الهوية)، فأنت هنا من يختار كل شيء وفق ما تشاء وتشتهي. يمكنك أن تكون سبارتاكوس، أو شكسبير، أو الموناليزا إن رغبت في ذلك، وبعد أن تشكّل هويتك الخاصة والفريدة، ستربط كل هذا بكلمة مرور، وبريد إلكتروني يكون وسيلة إنقاذ إضافية لو نسيت كلمة مرورك. الأمر يبدو مشابهًا لحساب فيسبوك، لكن الأهم أن هذه كانت أول لبنة لصناعة “هوية رقمية” ثابتة داخل المنتدى.
الهويّة هنا احتياج تنظيمي للتجمعات الكبيرة، إذ بهذه الطريقة يستطيع المشرفون على المنتدى معاقبة هذه الهوية لو ضايقت غيرها. أيضًا، يمكن المكافأة والترقيات، فالهوية لا تعني مقدار تفردك عن غيرك فيما تكتب، بل أيضًا قد تعني مستوى صلاحياتك، ومدى المسموح لك بمشاهدته من الأقسام السرية، أو مدى سلطتك في هرم سلطة الإشراف. إذن، مع نظم المنتديات أصبح لدينا لأوّل مرة تجمعات بشرية منظمة في هرمية (تراتبية)، ولها قواعد مشهرة تشكل تعاقدها الاجتماعي، هذا يعني أن ما تكتبه لن ينتهي بقطع الاتصال، بل سيكون جزءًا من “سمعتك الرقمية” الدائمة، وهو وضع أقرب ما يكون للتنظيم الواقعي.
التجارب الاجتماعية الرقمية
عند الناطقين بالعربية، كانت هناك محطات شهيرة: منتدى مصراوي، ثم الانشقاق العربي/الديني إلى منتدى أربياتا، ثم الانشقاق اللا ديني إلى نادي الفكر العربي. أما عند الأقباط، فقد كانت التجربة الموازية تبدأ من منتدى أقباط الولايات المتحدة، ثم الانشقاق إلى منتدى الأقباط الأحرار. وتتقاطع تجربتي الشخصية مع المسارين (أقباط الولايات المتحدة، ثم نادي الفكر العربي، ثم المساعدة في تأسيس الأقباط الأحرار، ثم الاكتئاب نتيجة أحداث الأقباط الأحرار، ثم تأسيس دولة افتراضية تُعرف باسم “دولة أبناء مصر”).
أن تتقابل مع تجمّعات بشرية وتساهم معهم على المستوى المعرفي هو أمر لا يخلو من تباين وتمايز، ويُعتبر تجربة حقيقية في التفاعل مع فنون الاختلاف على مستويات أكبر. دخلت منتدى أقباط أمريكا ببساطة لأتشاجر معهم. لم تكن فوضاهم لتُعجبني كشاب مسيحي تربى في الكنيسة بطريقة شبه عسكرية، وفي المنزل بطريقة منغلقة مُحافظة، بالتالي لم أكن لأسمح برفاهية التعبير عن الذات، أو التنفيس عن الكبت، إذا ما اقترن بالإساءة تجاه الآخرين. وفي الحقيقة، فإن هذا المنتدى كان مرتعًا للصراخ واللطميات والكربلائيات المسيحية، وكل هذا معتاد، لكن كل ما سبق كان مخلوطًا ومدموجًا بشعار كبير مفاده أن الإسلام هو المشكلة ورأس البلايا والمحرض الأول على كل ما يحيق بنا من كوارث اقتصادية واجتماعية، حتى وإن كانت ضياع سلسلة مفاتيحك. تشاجرت معهم بأدبيات مسيحية بدائية، مثل أن أُذكّرهم بآيات الكتاب المقدس التي تحض على اللا عنف والتعايش السلمي، فما كان منهم إلا اتهامي بأني مسلم. تصاعد الغضب بداخلي، فكتبت كل بياناتي الحقيقية: اسمي الكامل، عنواني، كنيستي، وحتى اسم أب اعترافي لمن أراد السؤال عني.
سكيزوفرينيا الرقمنة
تليفون برقم أمريكي اتصل بي. عضو بالمنتدى فَزِعَ من افتراشي بيانات هويتي الحقيقية على أرصفة منتديات دينية سيئة السمعة. وفي الوقت الذي كان كل ما يشغلني هو أنه يصدق أنني لستُ مسلمًا الآن، كان ما يشغله أنني متهور، وأن هذه البيانات، بطرحها للعامة، قد تعرضني لمخاطر جمة استفاض في ذكرها، ذاكرًا أنه راسل مُشرف المنتدى وأنه حذف فورًا كل بياناتي وجمّد حسابي إلى أن أعي ما أفعله.
والخلاصة أنه كان درسي الأول في الأمن السيبراني وإجراءات حماية الخصوصية، وعلمت حينها أن العالم السيبراني يجب أن تُصنع فيه هويات مغايرة، هويات بأسماء مُستعارة، دون وجه، بلا عنوان. لكني في ذلك الوقت لم أكن أنظر للكتابة على أنها شيء يستحق التقدير في مقابل قراءة الآخرين، ولا كنتُ أنظر للسياسة على أنها تستحق في مقابل خسارة الأشخاص، ولا كنتُ أنظر للجهد على أنه يستحق في مقابل المال، ذلك الأعلى بالمقارنة بكل ما سبق. هكذا كنتُ أفكّر في ذلك الوقت. أندهش الآن كيف كانت الحقائق ومحددات وأهداف الحياة واضحة إلى هذا الحد.
وبهوية مغايرة يتجلى اللاهوت الدفاعي في اسمها، سجّلت في نادي الفكر العربي، أرض اللا دينية المكتشفة حديثًا، التي تطارد الإسلاميين وتتعقبهم كتعقب الإنجليز لقبائل الهنود الحمر. أعوام من الانخراط في الساحة الدينية، حيث تتصارع ثقافات المستجدين وتُجلي معادنهم. وبطرف عيني، كنت أراقب الساحة السياسية حيث يجتمع العمالقة والمقاتلون القدامى. والكل يبحث عن سؤال واحد: ما هو النظام الأمثل والأسمى لإدارة الاختلافات بين البشر؟ وفي هذا الكولوسيوم، فليتصارع المتصارعون.
تقلص الزمن الرقمي
على الرغم من العناد الظاهر والإصرار الديني البنيوي في التكوين، فإنه لا أحد يدخل حوارًا حقيقيًا مع الآخر ويخرج منه كما كان قبل الحوار. قل لي كم حوارًا خضت، أخبرك بعمرك الحقيقي ومدى نموك المعرفي. أظن أن الزمن يتقلص عند السفر بالإنترنت، فهنا لديك كل الوقت اللازم للتفكير، والتخطيط، والمذاكرة، والغشّ، قبل أن تكتب شيئًا. والأهم أن المنتديات ليست حوارًا معلوماتيًا أحادي الاتجاه كالمدونات أو حتى المواقع الإخبارية، مثلًا، ولذلك، لها تكتيكات طويلة النظر، أيضًا نوعية الجدل الديني والسياسي، وربما الاجتماعي، يخلق بيئة مناظراتية بحتة قائمة على الإفحام أكثر من التقييم الموضوعي.
أزعم / أحسب / أظن، أن الخبرات في الإنترنت تحدث أسرع بكثير نتيجة التركيز بشكل مكثف على مسارات إبستمولوجية دون تشابك مع مصالح العالم الواقعي، ودون نفاقه، ودون مخاوفه، فلا اقتصاد هنا، فقط علم اجتماع يتحرك بسرعة الضوء في الألياف الزجاجية، لا عطلة في النقل لمسافات، لا جغرافيا ولا حدود طبيعية في هذا العالم.
استمر التطور في آليات الحوار لا يتوقف. فبدأ عصر المدونات ثم البالتوك واليوتيوب والفايسبوك وتويتر (إكس) وتيكتوك. في الحقيقة أنا لم أرتح في وسائل التواصل أكثر من المنتديات والمدونات النصوصية، ومازلت كلاسيكيًا عالقًا عند الكتابة، ولا أفضّل استخدام الصوت والصورة. فلأسباب نفسية وتكوينية بحتة، أنا من أكثر الناس خجلًا، والكتابة دواء لي، ربما لأن الخجولين هم الأكثر جرأة على الأوراق.
---
## معجزة إقامة لعازر
URL: https://tabcm.net/54447/
Type: post
Modified: 2026-03-26
في جماعاتنا المسيحيّة كثيرًا ما تتوقّف أذهاننا عند الدهشة والإعجاب بالمعجزة.
ولكن هل كان ذلك قصد يسوع؟ أو هل كان ذلك قصد الإنجيليّين من سرد هذه المعجزات؟
يستخدم يوحنّا في إنجيله تعبير «آيات» أو «علامات»، فالمعجزة هي لحظة كشفٍ وإعلان عن حقيقةٍ لاهوتيّة تأخذنا ممّا هو ملموس ومرئي نحو ما هو أعمق، وتكشف عمّن هو الله ومن هو الإنسان. إنّها دائمًا فعلٌ يكشف هذه العلاقة بين الاثنين.
في هذا الإطار، لا يمكن معجزة إقامة لعازر والتوقّف عند كونها تدخّلًا خارقًا يعيد الحياة إلى ميّت، فهذه المعجزة آية تكشف من هو يسوع، وما هو الموت، وكيف يعمل الله في تاريخ الإنسان.
يبدأ النصّ بمفارقةٍ لاهوتيّة حادّة: يسوع يحبّ لعازر ومرثا ومريم، ومع ذلك يتأخّر. لا يذهب فورًا، بل يمكث حيث هو، ويسمح للمرض أن يبلغ نهايته، أي الموت. هذا التأخّر هل يمكن فهمه تردّدًا أو عجزًا؟ يُظهِر النصّ أن هذا التأخير يدخل في منطق الإعلان: «هذا المرض لا ينتهي إلى الموت، بل إلى مجد الله». إذًا، التأخير يُقدّم هنا على أنّه تدبير الله وموضع ظهوره.
ما يبدو مأساةً يُستدرج إلى قصدٍ إلهيّ يتجاوز الفهم المباشر. تُترك الحالة لتبلغ أقصاها: أربع أيّام في القبر، حتى يظهر الموت في كامل لا رجوعيّته. عندئذٍ فقط يمكن أن ينكشف تجاوزه. هنا يتّضح مبدأٌ لاهوتيّ أساسي: الله لا يعمل ضمن حدود توقّعات الإنسان، ولكنّه يكشف مجده تحديدًا حيث تنهار هذه الحدود.
مع اقتراب يسوع من بيت عنيا، يتباطأ السرد عن قصد، وكأنّه يدفعنا إلى مواجهة الموت من دون تلطيف. مرثا تعبّر عن إيمانٍ صحيح، لكنّه غير مكتمل: أعلمُ أنّه سيقوم في اليوم الأخير. هذا إيمان بالقيامة، لكنّه مؤجّل. أمّا يسوع فينقلها إلى مستوى آخر: أنا القيامة والحياة.
يكشف كلام يسوع أنّ القيامة كفت عن كونها حدثًا مستقبليًّا فقط، إنّها واقعٌ حاضر في شخصه. لم تعد الحياة الأبديّة رجاءً مؤجّلًا، الحياة الأبديّة حاضرة الآن. يُستدعى المستقبل إلى الحاضر، ويُكشف العلاقة بين الله والإنسان انطلاقًا من شخص المسيح نفسه.
إلّا أنّ السرديّة لا تخفّف من وطأة الموت. فيسوع يضطرب، وينفعل، ويبكي. هذه ليست تفاصيل عاطفيّة ثانويّة، ولكنّها تكشف لنا أنّ يسوع يواجه الموت بوصفه عدوًّا. والموت حسب التقليد الكتابيّ مع كونه نهايةً طبيعيّة يبقى قوّةً تقف في وجه الحياة.
في هذا السياق، يكتسب تأمّل المعلّم إيكهارت عمقه: صرخةُ المسيح لا تعبّر فقط عن الألم، بل تكشف ثقل الخطيئة والموت بكونهما واقعًا يقيّد الإنسان. ومع ذلك، فإنّ يسوع، حتّى في ضعفه يواجه الموت بوصفه صاحب سلطان عليه. هذا السلطان يتجلّى في الكلمة الفاعلة: لعازر، هلمّ خارجًا. وهنا يقول المعلم إيكهارت: الصوت الذي نادى: آدم، آدم، أين أنتَ، هو الصوت نفسه الذي ينادي: لعازر، هلمّ خارجًا.
يعود الميّت إلى الحياة استجابةً لصوت واهب الحياة. وهي تتجلى هنا عطيّةً وليس قدرةً ذاتيّة. هذه الآية تكشف أنّ الابن يشترك في سلطان الله نفسه: إعطاء الحياة. والحياة والقيامة هي يسوع ذاته، أمر لا يمكن اختزاله إلى بساطة قيامة شخصٍ من الموت وسيعود إليه. القيامة متجسّدة في شخص يسوع المسيح ذاته. بالتقائنا به، نلتقي الحياة في ملئها.
غير أنّ النصّ يقدّم تمييزًا حاسمًا. يخرج لعازر من القبر، لكنّه يبقى مقيّدًا. يداه ورجلاه مربوطتان، ووجهه ملفوف. ما حدث ليس بعدُ القيامة في معناها النهائيّ، بل عودة إلى حياةٍ زمنيّة. فلعازر سيموت مرّةً أخرى. إذًا، الآية تشير إلى ما يتجاوزها: إلى قيامة المسيح التي لن يعود بعدها للموت سلطان.
لكن داخل هذا الحدث، يكشف الإنجيل بُعدًا لا يقلّ أهمّيّة: حلّوه ودعوه يذهب. هنا تتجلّى حقيقة أساسيّة: عطية الحياة لا تُلغي مسار التحرير. يمكن أن يُستدعى الإنسان إلى الحياة، ومع ذلك يبقى مقيّدًا. وهذا ما يمسّ واقعنا مباشرة.
توجد «حجارة» في حياتنا مثل الانغلاق، والرفض، واليأس، تغلق القبر وتمنع الخروج. وتوجد «قيود»: الخطيئة، والخوف، والذاكرة المجروحة، تجعل الإنسان، حتى بعد أن يُستدعى إلى الحياة، غير قادر على السير في حرّيّة.
المسيح يدعو إلى الخروج، لكنّه لا يرفع الحجر وحده، ولا يفكّ القيود وحده. يُشرك الآخرين في هذا العمل. هنا يظهر بُعدٌ جماعيّ وكنسيّ عميق: الجماعة ليست شاهدة على المعجزة فحسب لكنّها مدعوّة لتكون شريكةً في مسار التحرير.
بهذا المعنى، يقدّم الإنجيل بنيةً واضحة: المسيح يهب الحياة، والجماعة تساهم في الحرّيّة. كما يذكّر الرسول، روح الذي أقام يسوع من بين الأموات يسكن في المؤمنين. إذًا، قوّة القيامة لم تعد إسكاتولوجيّة بطريقة خالصة، فهي تعمل الآن، داخل التاريخ، وداخل الجماعة، وداخل علاقاتنا.
وهكذا يقودنا النصّ إلى خلاصة حاسمة: الإعلان الإلهيّ ليس تعليمًا خالصًا عن الحياة والموت، إنّه أيضًا فعل دخول الله إلى عمق موت الإنسان، وتركه يظهر في ثقله الكامل، ثم تجاوزه من الداخل في شخص الابن.
أتؤمنين بهذا؟
الإيمان الذي يظهره نصّ معجزة إقامة لعازر هو قبول..
أن نُستدعى إلى الخروج، وأن ندخل في مسار التحرير، وأن نصير نحن أيضًا شركاء في حرّيّة الآخرين.
---
## نحو رؤية مسيحية أرثوذكسية للزواج والجنس
URL: https://tabcm.net/45110/
Type: post
Modified: 2026-03-25
الجنس هو مطرح سجود العشاق بالروح (القدس) والحق (المسيح)
الزواج الطبيعي كما يقول ويل ديورانت، هو أخلاق ممارسة الجنس ((ويل ديورانت، قصة الحضارة، ج1، فصل: العناصر الخلقية في المدنية: أخلاق الجنس، ص 81. )). والجنس أحد أهم وأرقى العلاقات الإنسانية البشرية الطبيعية، وقد أضفت عليه المسيحية صبغة لاهوتية، فصار نوع خاص من العلاقات الـ”لاهوتو- ناسوتية” [الإلهية الإنسانية]، واستخدمته الكنيسة الأولى في تجسيد العلاقة بين المسيح والكنيسة، على إنها علاقة زيجية. لكن، للأسف، لأسبابٍ عديدة، أصبح ذكر الزواج، أو أخلاق الجنس، أمرًا مكروهًا. ونتيجة لذلك، تركنا مفاهيم الزواج والجنس والكلام والتعليم عنه، لمن لم يختبروه، ولأيدي أعدائه من مُرتزقة الغنوصية ((الغنوصية هي حزمة من الأفكار العرفانية عن الله، ظهرت قبل المسيحية. وعندما انتشرت المسيحية في القرون الأولى، قدموا تفسيرات غنوصية حول الثالوث، قائمة على احتقار الناسوت واعتباره هيوليًا خياليًا. أثاروا صراعات بين إله العهد القديم وإله العهد الجديد. كتاباتهم العامة تزكي الصراع بين الروح والجسد، وتنحاز لروحنة الجسدانيات، وتؤمن بتعذيب الجسد لتطهير الروح، وتنادي باحتقار الجنس والجسد وكل ما هو مادي. سيأتي الكلام عنها لاحقًا، لكن في الوقت الحالي يمكنك اعتبارها الأساس اللاهوتي للأناجيل غير القانونية (المنحولة، الأبوكريفا) )). بالإضافة إلى ذلك، تركناه للتجار والنصابين وأبناء إبليس ليتكلموا ويعلموا وينتجوا أفلامًا رخيصة عنه.
تركنا “قدس الأقداس” في أجسادنا إلى أيدٍ نجسة وضمائر شريرة، دَنَّسَتِ الأفكار والعلاقات الجنسية بما فيها داخل أطره الأخلاقية الزيجية، ناثرة القبح والقذارة والنجاسة على مذبح الجسد المقدس، ومُنكرة لوجود اللذة الإلهية التي بصم بها الله في خلايا وأعضاء جسم الإنسان. تركنا الكلام عن الجنس لمن تنجس ذهنهم وانحرفت شهواتهم نحو إلههم الشرير، وخاف الشباب وارتعبوا من أجسادهم. في أوروبا، علَّمت الكنيسة أن من يطيل النظر إلى جسده في المرآة ستسكنه الشياطين. في العصر الحديث، فأكثرية الشعوب الشرقية المشهورة بالفضيلة والتشدد والانغلاق هي الأعلى في طلب المحتوى الإباحي أو الجنسي. أما الشباب المراهق فقد هرب وتوارى وراء أفلام البورنو ليتعرفوا ويشتروا من بضاعة بابل الرخيصة، بدلًا من الروح القدس معلّم العشق الأول، والمُدرب الإلهي لأبوينا الأولين -آدم وحواء- للتعرّف على بعضهما البعض أول مرة، واكتشاف جسديهما والتمتع بالعشق الأول واللذة الأولى، “حركة الحب والعشق” التي وضعها الخالق فيهما منذ اللحظة الأولى لوجودهما ((چورچ عوض، الإنسان هو وهي، مركز دراسات الآباء، مؤسسة القديس أنطونيوس، ص 41. )).
هل ندفن رؤوسنا في الرمال؟ أم نواجه أنفسنا وحقيقة الخراب الذي دب كالنار في الهشيم في بيوتنا، وشبابنا، وعائلاتنا، وتعليمنا الغير مُتصالح مع الجسد؟ هذا في أقل وصف ممكن.
الزواج المسيحي هو قصة حب للبشرية جمعاء. قصة بين اثنين قررا أن يعيشا قصة حب أكبر من حجمهما، وبنعمة يسوع وصلاة الكنيسة يُصلحان ما فعله الزوجان الأولان آدم وحواء، فالزواج المسيحي مشروع إنساني لاهوتي كبير. لهذا، نحتاج أن نفهم هذه القصة ونخرجها من نطاقها الديني الضيق إلى ساحة الحياة والثقافة واللاهوت الحقيقي. فيجب تحرير المَخدع الزيجي من قبضة [طالبان] المسيحية و[دواعش] الثقافة الكونية! ونَرُدّه إلى رُتبته الأولى حيث يُعلَن الحب في كل حركة ولمسة وهمسة وهدية ومناسبة، وفي صمت المَخدع وصَخب الحياة اليومية ((المخدع: يعني الزواج المُكرّم والسرير غير الدنس حسب بولس الرسول لِـيَكُنِ الزّواجُ مُكَرّمًا عِندَ جميعِ النّاسِ، وليَكُنْ فِراشُ الزَوجِيّةِ طاهِرًا، لأنّ اللهَ سَيَدينُ الفاجِرينَ والزّناةَ (رسالة بولس إلى العبرانيين 4: 13 – الترجمة العربية المشتركة. ) )).
كيف نُدِنِّس المَخدع الذي قَدَّسَهُ روح الرب؟ جدير بالذكر أن ق. بولس قالها للعبرانيين أي المسيحيين المتهودين الذين كانوا ينظرون إلى الزواج نظرة متَدَنّية ودنسة! وللأسف ما زالت ظاهرة التهود تُطارد الكنيسة. وها نحن نقرأ على شوارع ونواصي الفيسبوك بل وأسميّها ليسَ صفحات بل [غُرز، عُرزة] يُكتَب فيها خُرافات وتعاليم مُضلله عن العلاقة -السرائرية/ المقدسة/ الحميمية التي من اللحظة الأولى للخلق، أرادَ الله الثالوث لآدم وحواء أن يستمتِعا بها، تلك العطية المقدسة -جسديهما الطاهرين- أراد لهما الله أن يكتشفا بعضهم البعض، بحب وعشق وغرام ورومانسية ويُمارسا لغة الحب والعشق من اللحظة الأولى، كما قال لهما من اللحظة الأولى -قبل السقوط – فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ.وَبَارَكَهُمُ اللهُ وَقَالَ لَهُمْ: “أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ ((سفر التكوين 1: 27، 28 )).
سيأتي الكلام بالتفصيل عن علاقة آدم وحواء قبل السقوط ((چورچ عوض، الإنسان هو وهي، مركز دراسات الآباء، مؤسسة القديس أنطونيوس، ص 35. )). وسنتناول أيضًا بالتفصيل سفر نشيد الأنشاد، وهو، حسب التاريخ الكتابي، ملحمة حب وعشق حقيقي بين رجل حقيقي وامرأة حقيقية! وقد حولها أغلب خدام الكنيسة والوعاظ الدينيين إلى رؤية روحية ودينية خوفًا على المؤمنين البسطاء من العثرات! وهم لا يعلمون ماذا يفعلون، وبذلك، فقد وقعوا في بدعتين من أشرس وأعنف ما جاء على تاريخ الإيمان المسيحي: الغنوصية والمانوية، وسنتناولهما لاحقًا.
أمومة العذراء في أيقونة المُرضعة
العداء للجسد لا يتوقف عند تنجيس مضجع العلاقة الحميمية بين المتزوجين، بل يتخطاه للعداء مع جسد العذراء كـ”أم” في أيقوناتها الفنّية. ففي حين “يهبد” البعض من غير الدارسين عن “لاهوت الأيقونة”، مضفيًا أبعادًا ثيولوچية [لاهوتية] على فنون بشرية -قد عادتها كنيسة يهوه لقرون، ومازلت آثار ذلك في الكنيسة البروتستانتية، أو المتطرفين في جبال آثوس- خالطين بين الترميز السريالي والميتافيزيقا. يظل المُجمع عليه بين العقلاء أن الأيقونة أداة توثيق للخيال البشري. وعبر تتبع أيقونة العذراء كمرضعة عارية الصدر، يمكننا رصد وتوثيق العداء لأجساد النساء، حتى في الأمومة، وحتى في أيقونات العذراء!
العذراء المرضعة، هي أيقونة تظهر فيها مريم العذراء ترضع يسوع الرضيع. البداية لتسجيل الأمومة بهذه الكيفية ذُكرت من قِبل البابا جريجوري الأول، وتصاوير الفسيفساء ربما من القرن الثاني عشر على واجهة كنيسة سانتا ماريا في عصر النهضة في تراستفري، روما. ويبدو أن استخدام هذا التصوير قد تم إحياؤه مع قانون السِسْترسيّن [القرن الثاني عشر]، كجزء من تصاعد الاهتمام في اللاهوت المريمي (ماريولوچيا). حيث تم اعتبار الحليب الأنثوي عمومًا: دمًا مُعالجًا، و حليب العذراء في هذا العصر كان يُنظر له بتقديس يوازي إلى حد ما، دور دم المسيح.
الطرح الرمزي ليس لاهوتًا وﻻ مُقدسًا، بل ببساطة فن وله توظيف في الحياة على الأرض..
من المهم معرفة أن الرضاعة الطبيعية في العصور الوسطى كانت مهنة تعطى عادةً إلى المرضعات الفقيرات لأطفال الطبقات العليا، لذا تم ربط صورة العذراء المُرضعة كمثال التواضع، فالصورة أظهرت العذراء في الملابس العادية وليس الرداء الملكي وصور تتويج العذراء، وغالبًا ما تجلس على الأرض. كان ظهور عدد كبير من مثل هذه الرسوم في توسكانا في أوائل القرن ال14 نوعًا من الثورة البصرية [وُصفت كثورة لاهوتية] في ذلك الوقت، بالمقارنة مع صورة ملكة السماء. كانت أيضًا ذات شعبية في أيبيريا. بعد مجمع ترنت في منتصف القرن 16، الذي منع العري في الموضوعات الدينية، فبدأ استخدام أيقونة العذراء المرضعة بالتلاشي.
ربما تظن أن الكاثوليك الغربيين هم من بدأ هذا الفسق والفجور الأمومي في القرن الـ12، وهم من أنهاه والحمد لله في القرن الـ16، لكن هذا غير صحيح على الإطلاق، فالفن لُغة عالميّة، وتوجد حتى الآن أيقونات للعذراء المُرضعة في الكنائس الأرثوذكسية ((ابحث عن أيقونة Galaktotrophousa في الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية، وأيقونة Mlekopitatelnitsa في الكنيسة الأرثوذكسية الروسية ))، وخاصةً في روسيا. هذا بالطبع غير أيقونة “عذراء الحليب” في بيت لحم.
العذراء تُرضع الآباء القديسين
رمزية الرضاعة تخطت مسألة التغذية البيولوچية للمسيح، إذ تم روحنة “لبن العذراء” إلى مُستوى يقترب من الإفخارستيا. أشهر اللوحات التي توثق هذه المعتقدات هي أيقونة القديس برنارد [برنارد من كليرڤو] يأخذ اللبن من ثدي العذراء مريم بمواجهة يسوع الطفل. المشهد الأيقوني موجود في كاتدرائية شباير، ألمانيا، واللوحة تعود لعام 1146.
الصورة المعروفة باسم رضاعة القديس برنارد، هي توثيق أيقوني لمعجزة أو رؤية متعلقة بالقديس برنارد من كليرفو حيث ترش العذراء الحليب على شفتيه (في بعض الإصدارات وهو مستيقظ في الصلاة، وفي حالات أخرى نائم مغمض العينين). وفي الأيقونة يجسد عادة وهو راكع أمام العذراء المرضعة، وكما يسوع يأخذ استراحة من الرضاعة، العذراء تعصر صدرها وترش اللبن للقديس، في كثير من الأحيان يطير اللبن مسافة كبيرة للدلالة على عدم التلامس. وقيل إن تعاطيه الحليب بأشكال مختلفة قد أعطاه الحكمة، وأظهرت أن العذراء كانت والدته بالتبني! (يُسقط هذا على البشرية عمومًا)، وفي روايات أخرى شفت التهاب العين الذي كان يشكو منه. في هذا النموذج وصلت العذراء المرضعة إلى الفن الباروكي ((فن الباروك: (1600-1750) أسلوب فني أوروبي تميز بالدراما، الحركة، التفاصيل الغنية، والتباين القوي بين الضوء والظلام (الكياروسكورو) لإثارة العواطف والرهبة. نشأ في روما (إيطاليا) كأداة للكنيسة الكاثوليكية والملوكية المطلقة لإظهار العظمة والقوة. ثم من إيطاليا انتشر في جميع أنحاء أوروبا، وخاصة في فرنسا وإسبانيا والنمسا، ثم انتقل إلى المستعمرات في العالم الجديد. تميز بالواقعية القاتمة والعاطفة الجياشة، ومن أبرز رواده كارافاجيو (إيطاليا)، بيتر بول روبنز (فلاندرز)، وڤيلاسكيز (إسبانيا). )).
هذا الجزء ليس على سبيل استعراض ممارسات فنّية للحكم بصحتها أو خطأها أرثوذكسيًا، إنما لاستعراض حركة التصورات الفنية البشرية عن الأجساد البشرية بما فيها جسد العذراء. إذ ربما ندرك وقتها أن العصور الوسطى المشهورة بالتخلف والتشدد، كانت تنظر للأجساد بنظرة أطهر وأنقى وأقدس من النظرة المنحطة التي تعادي البيولوجيا والجسد والجنس والرضاعة الطبيعية (ومن ثم الأمومة والمرأة في المُطلق).
عقب ممارسة الجنس مع زوجتي أشعر بانتعاش فريد كأنني قد امتلأت من الروح القدس.
(واعظ إنجيلي شهير، ينقل عبارة عن صديقه، في أحد عظاته بكنيسة قصر الدوبارة)
عبارة تبدو صادمة للبعض لكن أسرار الكنسية تتساوى في شَركة الروح القدس ((چون مايندروف، الزواج من منظور أرثوذكسي، ترجمة وتعريب د. جرجس كامل، الطبعة الاولى، 2010، ص 25. ))، فلا يوجد صراع أو خِلاف بين سِرّ التناول وسِرّ الزيجة، فكما نمتلئ بالروح القدس في قمة صلاة القداس وأثناء حلول الروح القدس على الخبز والخمر، هكذا نمتلئ بالروح القدس في قمّة الليتورچية السرائرية ((الليتورچية السرائرية: في التعليم الآبائي ليس اسمها العلاقة الجنسية، بل اسمها الليتورچية السرائرية. ))، ((القمص متياس نصر منقريوس، سر الاتحاد بالعريس: هل ثمة علاقة بين الخدر الطاهر والمذبح المقدس؟ الطبعة الأولى، 2025، وفيه تقرأ:
1. كيف شبَّه الآباء العلاقة بين فراش الزوجية والمذبح المقدس؟ (ص 10)
2. بم علم الآباء بشأن العلاقة بين السرير والمذبح؟ (السرير [المضجع] فى كتابات يوحنا ذهبى الفم) (ص 11)
3. ما وجه الشبه بين فراش الزوجية [السرير] والمذبح المقدس؟ (ص 17)
4. بم علم الآباء بشأن العلاقة بين سرَّى الزيجة [الاتحاد] والإفخارستيا [سر الخلاص بالصليب والقيامة]؟ (ص 19). )). فإن وحدانية الله، فى تعليم آبائنا، هى حركة المحبة القائمة بين الأقانيم الإلهية الثلاثة ((المطران چورچ خضر، سرّ الحب فى الزواج والعائلة، منشورات النور، 2014، فصل: الزواج تهليل لله، ص 351. )).
تتزوَّج إذا تهَلَّلتَ، ليسَ إذا عشقتَ. تتزوَّج إذا تهَلَّلتَ ، أى إذا قلتَ: هلِّلويا لله.
(المطران چورچ خضر، سر الحب في الزواج والعائلة)
ليتورچية القداس ((ليتورچية تعني صلاة جماعية يجتمع فيها الكاهن والشعب في حلول الروح القدس وحضور المسيح، رئيس الكهنة، مُقدِم وقائد الليتورچية )). هناك ليتورچية تُقام على سرير العشق والحب الإلهي بين الزوجين في حلول الروح القدس عليهما في الإكليل المقدس، وحضور المسيح، رئيس الكهنة، مُقدِم وقائد الليتورچية السرائرية. فكما يتقدمنا المسيح في الكنيسة على مذبح الحب الإلهي، يتقدمنا أيضًا على مذبح العشق الإلهي، وهو يوحدنا بجسده ودمه على مذبح الكنيسة ويوحد الزوجين في جسد واحد ودم واحد وروح واحدة ((كوستلي بندلي، الجنس ومعناه الإنساني، منشورات النور، فصل: الجنس في أصالته مكان حضور إلهي، ص 332. ))، وتذوق للشبق والـ orgasm الواحد ((الحب علاقة ثالوثية أو هو شَبق
المطران چورچ خضر، سر الحب في الزواج والعائلة، منشورات النور، 2014، فصل: الثالوث والعائلة، ص 145. ))، وهو أروع تعبير عن الاتحاد والوحدة والخروج من الذات.
ويلتصق بامرأته، ويكونان: جسدًا واحدًا.
(تكوين ٢: ٢٤)
علاقة مُشبعة، مبهجة، ممتعة، فالجسد أكثر الأشياء خصوصية لدى الإنسان، ففي الجنس يمنح كل طرف ذاته، كيانه، جسده الأكثر خصوصية للآخر ليصبح مِلكًا له ولسان حاله يقول له أنا هنا لأجلك بكل كياني وتفاصيل ذاتي وجسدي الذي يحمل كل معالم وجودي الخاص والفريد أمنحه هبة مجانية لك وأتشارك به معك لبلوغ أقصى معالم الاتحاد و تتويجًا لكل أشكال الوحدة والأُلفة والانسجام ((كوستلي بندلي، الجنس ومعناه الإنساني، منشورات النور، فصل: الجنس انتقال من عشق الذات إلى عشق الآخر، ص 130. ))، وهنا يتجلى معنى العبارة البديعة قالها أحد الوعاظ المشاهير على لسان زوج مختبر مُحب جدًا لزوجته: عقب ممارسة الجنس مع زوجتي أشعر بانتعاش فريد كأنني قد امتلأت من الروح القدس.
كيف يصيران جسدًا واحدًا؟ كأن قطعة من أنقى جزء من الذهب تمتزج بذهب آخر، هكذا بالحقيقة تتقبل المرأة أغنى جزء لتلتحم كما في بهجة فيحدث انتعاش وتدليل، وتقوم بالمشاركة معه لإنجاب كائن بشري. هكذا يكون الطفل جسرًا خلاله يصير الثلاثة واحدًا… أنا أعرف أن البعض يخجلون مما أقوله، ذلك بسبب نجاستهم ودنسهم، وإلاِّ فلماذا تخجلون مما هو مُكَرّمٌ، او تخجلون مِمَّا هو غير دنس؟! أريد ان اعيد الزواج إلى نُبله اللائق، وأن أُسكِت هؤلاء الهراطقة الذين يتَّهمونه بالشر. يَصِف بعضكم كلماتي بأنها غير محتشمة لأنني أتحدث عن طبيعه الزواج، التي هي شريفة. وبوصف كلماتي بأنها غير وقورة [غير محتشمة]… إنكم تدينون الله الذي سِنَّ هذه الأمور.
(يوحنا ذهبي الفم، العظة الثانية عشر)
---
## مصانع الوحدة والتشرذم
URL: https://tabcm.net/53535/
Type: post
Modified: 2026-03-25
أقرب مجموعة لسلسلة مصانع الرجال كانت مجموعة سلسلة مصانع الملوك وقائدهم الرئيس التنفيذي، آدم. على الرغم من أن السلسلتين بيقدموا خدمات ومنتجات شبه بعض، والاختلافات بينهم بسيطة، لكن مصانع الملوك كانت بتوصل خدماتها ومنتجاتها لمناطق سلسلة مصانع الرجال مش بتقدر توصلها بسهولة. والعكس صحيح. الوضع ده استمر سنين طويلة وكل سلسلة بتحاول ترفع قيمة نفسها على حساب التانية وتقلل من قيمتها.
في عهد عم حكيم، حاول يبعت عم لبيب كمندوب يشوف احتمالات تصالح بين السلسلتين، لكن وفاة عم حكيم وظروف وزارة العمال وقفت الطريق.
بعدها بابا جمال بعت عم صخر يكمل المهمة. عم صخر، رغم إنه مكنش متعلم زي عم لبيب، لكنه بالدهاء والاعتماد على العمال الشاطرين قدر يوصل لحلول واتفاقيات تسمح بتعاون مشترك بين مصانع الرجال ومصانع الملوك من غير ما كل واحد يسرق زباين التاني.
البعض شاف ده تفريط في إرث مصانع الرجال، خصوصًا إن في قصص متوارثة عن قتالات بين رؤساء العمال زمان. والناس التانية شافت ده إنجاز كبير لبابا جمال وعم صخر، قدروا يحققوا صلح محدش قبلهم قدر عليه، ويعززوا مكانة مصانع الرجال وسط باقي المصانع.
عم عطية ومصانع الملوك
الهدوء ده كان مناسب لعم عطية اللي يحب الأمان، فقرر يكمل على الخط ده. المشكلة كانت مع عم صخر، طريقته كانت صعبة شوية على عمال مصانع الرجال اللي هم رجالته، فما بالك برجالة مصانع الملوك؟ عشان كده بدأ عم عطية يشيل البساط من تحت رجليه شوية بشوية.
بس مين يتحط مكانه؟ عم عطية بدأ يشوف كل المناطق الصناعية، حتى المنطقة اللي كانت بتاعة عم ليڤي الله يرحمه. بعد وفاة عم ليڤي، العمال هناك كملوا من غير رئيس، وده كان مأثر على مكانتهم وسط باقي المناطق الصناعية المشابهة. داخليًا، العمال كانوا مقسمين نصين: ولاد عم ليڤي وولاد بابا جمال.
عم عطية خد قرار أنه يشوفهم ويختار ريس جديد، وهنا ظهر عم نور، راجل طيب، متعلم، في حاله، وعنده رغبة إنه ينهض بالمنطقة الصناعية بتاعته وبسلسلة مصانع الرجال ككل. مع الوقت عم عطية عرفه كويس وأداله ملف التعامل مع مصانع الملوك.
عم نور نجح على مستويات كتير، لكن الفكرة إنه ابن عم ليڤي اللي كان بينه وبين بابا جمال ما صنع الحداد، فضلت مأثرة على العقول. بقدرة قادر، الشغل اللي بين عم عطية وعم نور اللي ماشي في نفس خط بابا جمال وعم صخر، بقى فيه اتهام بالتهور وأنه بيفرط في تاريخ مصانع الرجال بدل ما يكون طريق صلح وتوسع.
الموضوع تعقد أكتر لما مصانع الملوك اتقسمت داخليًا: سلسلة بقيادة آدم وسلسلة بقيادة قيس. وهنا كانت المعضلة قدام مصانع الرجال، رئيسها التنفيذي عم عطية ونائبها عم نور: نكلم مين، آدم ولا قيس؟ بدل ما يعملوا دراسة وتحليل دقيق، عم عطية قرر يمسك العصاية من النص ويحاول يتعامل مع الاتنين، ودي حاجة غالبًا الاتنين، آدم وقيس، ما استوعبوهاش.
ومن هنا بدأت رغبة عم عطية إنه يعزز موقفه في التعاملات الخارجية تزيد، خصوصًا بعد فشل المحاولات مع مصانع الملوك، وبدأ يشتغل على فكرة سلسلة مصانع الرئيس، عشان يبقى له ثقل أكبر وسط كل اللي حواليه.
عم عطية ومصانع الرئيس
من حيث التوجه، المنتجات، وحتى المستهلكين، مصانع الرئيس كانت مختلفة عن مصانع الرجال ومصانع الملوك.
كل سلسلة ليها طابعها الخاص. ومع كده، فضل خيار مغري لعم عطية لأسباب كتير: القوة المالية الضخمة، والوحدة الكبيرة اللي ما كانش ليها مثيل وسط العمال تحت إيد رئيسهم التنفيذي فارس.
فارس كان شبه بابا جمال في حاجات معينة، زي الكاريزما وقدرته على أخد اللقطة الصح في الوقت الصح، لكن المختلف إنه كان بيلوش بالكلام. كل كلمة تتقال منه كانت ممكن تتفسر بأكتر من معنى، ودايمًا العمال واللي حواليه كانوا محتارين ياخدوا أي معنى.
عم عطية مكدبش خبر، وبعت عم نور يشوف إزاي يقربوا السلسلتين من بعض ضمن الحدود المسموح بيها. وأول ما الحبايب بتوع عم صخر شموا الخبر، الدنيا قامت وما قعدتش: أخبار، بيانات، مداخلات، مانشيتات… كل حاجة. الغريب إن عم صخر نفسه كان فاتح دواير النقاش معاهم، لكنه دايمًا كان مدي العمال في مصانع الرجال الانطباع إنهم وحشين وإنهم بنتعاون معاهم لأننا مضطرين.
عم نور كان مختلف. كان بيدي العمال انطباع إنهم ناس كويسة بس مش دايمًا صح، وإننا إحنا كويسين، بس مش دايمًا صح، بالتالي ممكن نلاقي حل في النص. أسلوبه خلى كتير يشوفوه متساهل في تاريخ السلسلة وتاريخ بابا جمال، مع إنه عَمل كل حاجة من غير ما يغير التاريخ اللي عَمله بابا جمال وعم صخر.
سياسات فارس ابتدت تبعد أكتر عن سياسيات مصانع الرجال، وبقى واضح إن مفيش طريقة غير إن المحاورات تتوقف مؤقتًا. من منظور العمال، عم عطية وعم نور بقوا متشافين كمفرطين في تاريخ السلسلة. الموضوع بدأ بشوية مشاكل صغيرة، شوية عيال بيدعوا على عم نور… لحد ما الموضوع تصاعد وانتهى بكارثة مدوية في سلسلة مصانع الرجال.
ليلة خسوف القمر
في يوم من الأيام، العمال كانوا رايحين للمنطقة الصناعية اللي ماسكها عم نور، المنطقة اللي قبل كده كانت تحت إدارة عم ليڤي الصوفي. وفي طريقهم لمركز التجمع، شافوا الفاجعة… وسط عتمة الليل، في ليلة ماكانش فيها قمر. عم نور سايح في دمه ومحدش فاهم إيه اللي حصل.
فتحوا كاميرات المراقبة وقدروا يحددوا مين الفاعل بسرعة. المفاجأة إن القاتل كان واحد من العمال في المنطقة… ومن غير ما حد يتوقع، كان من حبايب بابا جمال. الخبر وصل لعم عطية ونزل عليه زي الصاعقة. صاحبه الغالي وحبيبه في يوم وليلة اتقتل بدم بارد.
عم عطية مكدبش الخبر، وقرر يسافر بنفسه للمنطقة الصناعية ويحضر الجنازة. ودي حاجة قلما كان بيعملها، لكن المرة دي… عم عطية شاف نتيجة قلة الحسم بعينه. في الجنازة، قال كلمة رثاء كانت من أنضج ما قال في حياته. من ناحية، أشاد بجهود عم نور، ومن ناحية تانية، أكد على أهمية توحيد صفوف العمال. رسالته كانت واضحة:
الأحباء، عمال سلسلة مصانع الرجال، النهارده قلوبنا كلها مكسورة، لأننا فقدنا واحد من أحسن الرجال اللي شافتهم السلسلة… عم نور. الراجل اللي ما كانش بس رئيس عمال… ده كان قلب المنطقة النابض، وكان مثال للجدية والإخلاص، واهتمامه بكل واحد منكم ما يقدرش يتنسي.
عم نور ما كانش بيشتغل علشان الشهرة، ما كانش بيشتغل علشان مكاسب شخصية… كان بيشتغل علشان السلسلة، علشان كل واحد مننا يعرف قيمة شغله ويكون فخور بعمله. وبجهده، وبحكمته، وصبره… كل ده مش هيترمي في النسيان.
اللي حصل له النهارده… قتل بدم بارد… مش بس مأساة شخصية، ده تحذير لينا كلنا. احنا لازم نفكر، لازم نتوحد، لازم نعرف قيمة اللي حوالينا… وما نسيبش مكان للتفريط، ولا الغيرة، ولا الخصومات الشخصية تهدر دم رجاله زي عم نور.
خلونا نحتفظ بذكراه حيّة… مش بالكلام وبالدموع بس، لكن بالشغل الصح، بالالتزام، وبالوحدة. خلونا نكمل المسيرة اللي بدأها، ونأكد أن الوفاء لسلسلة مصانع الرجال مش لفرد، ولا لماضي… الوفاء للسلسلة نفسها.
ارقد بسلام يا عم نور… مجهودك، إخلاصك، وروحك الطيبة هيفضلوا نور في قلوبنا… وهيفضلوا مثال لكل واحد فينا.
بعد الجنازة، التحقيقات اكتملت، واكتشفوا إن العامل القاتل كان متأثر باتنين: الأول عم أحمد والتاني عم صخر. في الوقت ده، وزارة العمال بدأت تفهم قد إيه عم عطية فقد السيطرة، وقرروا يتدخلوا. الوزارة سلمت القاتل للقضاء، ورفضت ومنعت عم صخر من ممارسة أي عمل في أي سلسلة مصانع. أما عم أحمد… الوزارة مقدرتش تستغنى عنه، لأنه كان عينيهم جوه السلسلة، بالتالي ما دفعش تمن عمله قضائيًا.
على أرض الواقع، عم نور كان بقى القلب النابض لشباب العمال اللي حبوه واتعلقوا بيه… لكنه مات. الشباب لاموا القاتل، ولاموا كمان عم عطية وعم نور نفسه، اللي سابوا الدنيا سايبة تحت اسم الصبر والاحتمال.
بس، كلمة عم عطية في الجنازة، رغم كل شيء، كانت إشارة نمو ونضج في شخصيته، وادتهم بصيص أمل… إلا إن الأمل ده، للأسف، مفضلش موجود لمدة طويلة.
---
## المتربصون بالكتب ولجانهم
URL: https://tabcm.net/54383/
Type: post
Modified: 2026-03-24
لم يحدث أن تباينت المواقف، ومن ثم ردود الأفعال، مثلما حدث مع ظهور “العلمانيون” كتيار فكري في الشارع القبطي بل والمصري بالأساس، إذ تراوحت تلك المواقف وردود الأفعال بين اعتبارهم تيارًا إصلاحيًا طال غيابه، وبين اعتبارهم تيارًا هدامًا تم زرعه داخل الكنيسة من جهات “ما” لتقويض وهدم مسيرة النهضة التي يقودها قداسة البابا شنودة الثالث، ولم يتوقف واحد من الرافضين ليقرأ ما قدموه من رؤى ودراسات وأوراق أو لتحليل ما عقدوه من مؤتمرات وما خرجوا به من توصيات.
(كمال زاخر، العلمانيون والكنيسة)
كانت هذه كلمات السطور الأولى من تقديم أول كتاب صدر لي “العلمانيون والكنيسة” 2009، وحرصت على أن تكون النسخة الأولى منه على مكتب قداسة البابا شنودة الثالث فور صدوره، وهو تقليد بدأته مع صدور كتيب “الأب دانيال؛ المصداقية ـ الاختراق ـ النكوص” الذي أصدرته قبل نحو ثلاث عقود من الزمان نوفمبر 1991، عبر الأنبا موسى أسقف الشباب، في كليهما، واستمر هذا التقليد مع كل كتاب يصدر لي كنت أضعه بين يدي قداسة البابا تواضروس الثاني، وكانت البداية مع قداسته مبكرة، نوفمبر 2012، فور إعلان اسمه في القرعة الهيكلية، إذ حملت له، ذات الكتاب ومعه ملف يضم أوراق وتوصيات مؤتمرات التيار العلماني القبطي السنوية “2006 ـ 2010” وكلها كانت تتناول الإشكاليات الكنسية وقتها، وكانت جلساتها معلنة ومفتوحة للكافة.
وعلى فترات متباعدة، نسبيًا، أصدرت:
• كتاب: قراءة في واقعنا الكنسي
شهادة ورؤية، 2015
• كتاب: الكنيسة… صراع أم مخاض ميلاد
قراءة في مصادمات الفرقاء؛ الجذور والمستقبل، 2019
• كتاب: كنيستنا القبطية إلى أين؟
المسارات، الطموحات، المخاطر، 2026.
وكان حرصي الدائم فيما أصدرته أن تتضمن أطروحاتي عرض الإشكاليات التي تتعرض لها ومناخاتها الخاصة داخل الكنيسة والعامة خارجها، ثم تصورات حلها على أرض الواقع، سعيًا لكنيسة قادرة على أداء رسالتها.
وفي ختام تقديم الكتاب الأخير في هذه السلسلة جاءت هذه الكلمات:
كان حرصي أن أجرد قلمي من الانحيازات، إلا لما أحسبه حقًا، وحرصت على عدم توظيف كلماتي لتصفية حسابات معلقة، أو انتصاراً لتيار أو جانب من أطراف الأحداث التي أطرقها، وحاولت قدر الطاقة الإلتزام بالموضوعية، وأزعم إنني نجحت في ذلك.
ويلحظ القارئ حرصي على تقديم رؤيتي في تفكيك الإشكاليات التي أقتربت منها، وهي رؤية تشكلت بامتداد سنوات عمري التي طالت، لعلها تصادف من يفحصها ويحولها إلى واقع معيش، لهذا كنت أقول لمن يسألني لمن تكتب؟ أنني أكتب للأجيال الواعدة الأوفر حظًا في التعاطي مع المعرفة، وتتوق لأن تتعرف على كنيستها عن قرب، ولأجيال قادمة متحررة من الوشائج الشخصية الآنية مع الشخوص والأحداث. لهؤلاء أكتب.
(كمال زاخر، كنيستنا القبطية إلى أين؟
أما لماذا كان حرصي على أن أودع ما أكتبه بين يدي قداسة البابا سواء البابا شنودة ثم البابا تواضروس، فمرده أنني أطرق باب صاحب القرار والمسؤول الأول عن تدبير الكنيسة، وربما لاستيعابي أن الشماس حسب الدسقولية هو عين وأذن الأسقف، ينقل إليه نبض وأنين وإشكاليات الكنيسة.
وفي هذا السياق شَرُفت على المستوى الشخصي بلقاء خاص مع قداسة البابا شنودة ثلاث مرات، كان اللقاء الأول عقب صدور كتيب “الأب دانيال ـ المصداقية، الاختراق، النكوص” بحضور الراحل الأنبا بيسنتي سكرتيره الخاص وقتها وأسقف حلوان بالكاتدرائية المرقسية بالعباسية،
وجاء اللقاء الثاني على هامش مؤتمر تأسيس ملتقى ومؤسسة مستقبل الفكر العربي بفندق رويال نايل تاور بالقاهرة، الإثنين 27 أكتوبر 2002، الذي نظمته المملكة العربية السعودية، وكان موضوعه “الديانات السماوية والهوية العربية” عقب الانتهاء من كلمته فيه.
أما اللقاء الثالث فكان على هامش لقاء جماعة الليونز بعدها بثلاثة أيام في فندق سميراميس بالقاهرة.
وشهد اللقاءان الأخيران الأساقفة أنبا يؤانس (مطران أسيوط حاليًا وسكرتير المجمع المقدس الحالي) وأنبا بيسنتي، وأنبا إرميا سكرتير قداسته. واتسع صدر قداسته في اللقاءات الثلاثة لحوار لا تنقصه المصارحة، وامتد اللقاء الثاني لما يقرب من الساعة.
وشرُفت بلقاء قداسة البابا تواضروس لأربع مرات، الأول في رحاب دير الأنبا بيشوي لتهنئته بوقوع اختيار القرعة الهيكلية عليه، نوفمبر 2012، وإعطاءه نسخة من تقرير مَجَمَّع لأوراق وتوصيات مؤتمرات التيار العلماني أعوام 2006 ـ 2010، وكتابي “العلمانيون والكنيسة”، والثاني بمقره بدير الأنبا بيشوي لإهدائه كتابي “قراءة في واقعنا الكنسي” 2015، والثالث بالمقر البابوي بالأنبا رويس بالعباسية لإهدائه كتابي “الكنيسة صراع أم مخاض ميلاد؟” 2019، ثم الرابع بالمقر البابوي بالعباسية لإهدائه كتابي “كنيستنا القبطية إلى أين؟” 2026. واتسع صدر قداسته في اللقاءات الأربعة لحوار لا تنقصه المصارحة، وامتد اللقاء الرابع لما يقرب من الساعة والنصف.
وللكتابة معي حكاية موجزها أنها اقتحمتني بغير أن امتهنها، ولم تبرح حيز الهواية فيما كانت القراءة شغفي الاحتراقي الأول، لأسباب تتعلق بمناخات النشأة والتكوين حين كانت الكتب نافذتنا الأولى والأكبر للتعرف على العالم حولنا، ومنها وقر في ذهني أن لكل حكاية طرفان وربما أكثر، والموضوعية تقضي بأن أطرق أبواب أطرافها، حتى تكتمل أركانها عندي، فيأتي موقفي منها بغير انحيازات ذاتية، وبغير تأثر بضجيج طرف منها أو قدرته على الترويج لروايته وإقصاء وجهات نظر من يقفون على الشاطئ الآخر من الحكاية.
ولا أستطيع أن أنكر أن هذا النهج كاد أن يعصف بي، وكدت معه أن أفقد سلامي، لزمن ليس بقليل، في لحظات استدعيت فيها ما حدث مع الإنسان الأول حين أكل من شجرة معرفة الخير والشر، ربما بفعل فضوله ومحاولته فك أسرار حجبها عنه، حدث شيء من هذا عندما أفتربت من دوائر الكنيسة رغم تحذيرات والدي ونصيحته بأن أحتفظ بمسافة بيني وتلك الدوائر، فتوالى أمام عينيَّ سقوط أوراق التين عندها، ومعها اهتزت الصور الذهنية التي تشكلت عندي، وهالني مفارقات القول والفعل، لولا الأساسات التي ترسخت في روحي وقلبي في بيت أبي وفي كنيستي البعيدة عن الأضواء وذلك الشيخ الوقور كاهنها المستنير، وإليهم يعود الفضل في إدراكي لعمق الإيمان المسيحي وقامة كنيستي وقيمتها، لولاهم لكنت على قائمة الملحدين التي يغذيها أولئك الذين سقطت عنهم أوراق التين.
لم أقع يومًا في أسر معلم أوحد، بل كنت كنحلة لا تهدأ، تمتص رحيق التعليم من حقول أرثوذكسية عديدة، اقتربت منها بوعي شكلته تلمذتي على كتب الآباء وبوصلتها الكتاب المقدس، بإرشاد أبي الكاهن الشيخ وخبراته الحياتية والكتابية والآبائية بآن. في جلسات امتدت في بعضها إلى تباشير فجر اليوم التالي، حتى رحيله بشيبة صالحة وقلب مختبر للحياة في المسيح وحبه.
وسط ركام الصراعات عرفت قدماي الطريق إلى مختلف الاتجاهات، أتعرف عليها ولا تستغرقني، أنصت إليها بغير أن أتماهى فيها، أتفهم تباينات أطروحاتهم وأحسبها ثراءً طالما تأسست على القواعد الإيمانية السوية، في إيمانهم الثالوثي ولاهوت التجسد ومعطيات الفداء وامتداد أثاره وتداعياته للإنسان بانتقاله إلى دائرة البنوة، وصيرورته خليقة جديدة في المسيح، وتبقى مساحات مشروعة لتعدد القراءات، وهو أمر نشهده في آراء وتأويلات آباء الكنيسة المؤسسين، وقد فصَّلته في كتابي “الكنيسة صراع أم مخاض ميلاد؟”، تحت عنوان “اختلفوا في الرأي وبقوا قديسين” قلت فيه:
احتفظ لنا التاريخ بنماذج عديدة لمعلمين كنسيين ثقاة اختلفوا في قضايا كنسية وكتابية مهمة، إلى درجة التضاد، ولم يقل أحدهم بإن الآخر “هرطوقى”، لا في عصره ولا في العصور اللاحقة، لسلامة الأرضية الإيمانية التي يقفون عليها وينطلقون منها.
وذكرت أمثلة اختلف فيها القديس يوحنا ذهبي الفم مع العلامة أوريجانوس أبو التفسير الرمزي للكتاب، حول النجم الذي ظهر للمجوس: نجم حقيقى أم ملاك؟، واختلاف القديسون العلماء هيبوليتس وترتليانوس وباسيليوس الكبير، مع ما ذكره يشوع بن سيراخ في سفره حول روح صموئيل.
وثمة مثال آخر للاختلاف حول تناول يهوذا، إذ راح ذهبي الفم وأغسطينوس إلى تأكيد أنه تناول، وهو ما ذهب إليه قداس القديس باسيليوس عند البيزنطيين الذي يقول بأن يهوذا قد تناول إن يهوذا هو ابن الأفاعي الذين أكلوا المن في القفر وتذمروا على المغذى.. إذ كان الطعام بعد في أفواههم كانوا يتذمرون على الله في قلوبهم، وكذلك هذا الرديء العبادة المتسلسل منهم إذ كان الخبز السماوي بعد في فمه سلم المخلص. فيما يرى بعض من الآباء المحدثين أنه لم يتناول بل خرج قبل تأسيس سر الإفخارستيا. وفي كل هذا لم يُكِل أحد تهمة الهرطقة لأي منهم ولم يعتبروا خارجين عن الإيمان، آباء قالوا رأيًا وآباء قالوا عكسهم، وكلهم محسوبين من معلمي الكنيسة الجامعة.
ننتهي من هذا إلى أن الرأى يقبل الاختلاف ولا ينتهي بهرطقة قائله، طالما هو يؤمن بإيمان الكنيسة الذي قال به قانون الإيمان. ويبقى الاختلاف في الرأي محكومًا بعدم خروجه عن العقيدة العامة للكنيسة.
(كمال زاخر، الكنيسة صراع أم مخاض ميلاد؟)
تأسيسًا على هذا يأتي موقفي من ظاهرة اللجان الإلكترونية التي تترصد كتابات عديد من المفكرين والكتّاب الذين لا ينتهجون نهجهم، ويفكرون خارج سياقاتهم، التي تتعقب كتاباتي ومواقفي، ويأخذ عليَّ كثيرون أنني لا أعقب عليها أو أفندها، وقد ذهبتْ إلى وصفي بالمهرطق والمعادي للكنيسة (!!!)، مع قائمة اتهامات ساذجة ومتهافتة ممتدة.
أقول إن كتاباتي موثقة فيما أصدرته من كتب، التي حين انتقدوها لم يقتربوا مما طرحته فيها، وظني أنهم لم يقرأوها، فقط أثاروا حولها غبار أحاديث عن أنني قابلت فلان، وأقرأ لعلان، ومحسوب على هذا أو ذاك، بل من فرط سذاجتهم راحوا يروجون بأني أتخفى خلف أشخاص يناصبون أساقفة العداء، بالمخالفة لمنهجي في المواجهة، وما حاجتي لهذا وقلمي لم يجف مداده بعد، وأوراقي مازلت مطروحة، تحمل تفكيكًا لقضايا تؤرق الكنيسة وتعوق مسيرتها، ولا تكتفي بمجرد طرحها بل تقدم رؤى في حلولها بغية أن نصل إلى كنيسة قادرة على أن تصل برسالتها لمستحقيها.
إنهم يغازلون البسطاء بزعم دفاعهم عن الإيمان الذي لا يرونه إلا في شخوص بعينهم، في حين أن الكنيسة هي امتداد للتنوع الذي كانه تلاميذ الرب يسوع المسيح، بهدف إعلان المسيح ومجده.
---
## الجمعة ٤ فبراير
URL: https://tabcm.net/53934/
Type: post
Modified: 2026-03-23
كانت الدعوات قد انتشرت لمليونية أخرى في ذلك اليوم تحت اسم جمعة الرحيل، وكان الأمل يحدو الجميع في رحيل حسني مبارك في ذلك اليوم.
تدفق الآلاف على الميدان بكل أمان، وكان شيئًا عاديًا في ذلك اليوم أن ترى أسرة كاملة مكونة من أب وأم وأطفال في وسط الميدان يهتفون بسقوط مبارك.
في هذا اليوم، زار المشير محمد حسين طنطاوي أطراف الميدان من ناحية ميدان عبد المنعم رياض لتحية الجنود المرابطين. الزيارة كان غرضها الرئيسي تسجيل لقطات لطنطاوي وهو يربت على أكتافهم بصورة حرص على أن تبدو أبوية، مقلدًا مبارك.
ثم اتجه طنطاوي ناحية المتظاهرين، وبدأ بالحديث إلى بعضهم بأسلوب مبسط، قائلًا: “الراجل [يقصد مبارك] قال لكم إنه مش هيرشح نفسه، مش ده كفاية ولا إيه؟
وجملته البسيطة هذه وضعت ألف علامة استفهام أمام موقف المشير طنطاوي والجيش، كيف يدعي أنه يقف بجانب الثورة ثم يتدخل بشكل سافر في السياسة، ويحث المعتصمين على الاكتفاء بما أحرزوه وتصديق وعود مبارك؟
في منتصف اليوم، رُفعت صلاة الجمعة، وأحاط المسيحيون المتواجدون بالميدان بإخوانهم المسلمين على شكل كردون لحمايتهم حتى يفرغوا من الصلاة. وتبوأ الشيخ مظهر شاهين، شيخ مسجد عمر مكرم، منصة الميدان الرئيسية ليلقي خطبة الجمعة ويحث الثوار على الصمود والبقاء في الميدان حتى سقوط النظام.
نهار الجمعة بدأ بأمل في رحيل النظام، وأكدت هذه الآمال الحشود التي تدفقت على الميدان، لكن الشمس غابت وغاب معها الأمل، وجاء الليل وجاءت معه شحنة يأس جثمت على سماوات ميادين التحرير، ولم يعد أمام الثوار سوى انتظار الصبح ومواصلة النضال.
كان الرجل الثالث في النظام، الفريق أحمد شفيق، رئيس الوزراء. كان يسابق الزمن في محاولة تجميل وجه النظام، فأجرى عددًا هائلًا من اللقاءات التلفزيونية والصحفية، محاولًا إقناع الشعب بأن يثق في قدرته على الإصلاح. إلا أنه كان يقول شيئًا ويفعل شيئًا آخر، فبينما كان أحمد شفيق يتحدث عن الحريات، كان يتم القبض على قيادات الحركة الوطنية للتغيير في أثناء خروجهم من اجتماع مع البرادعي بمنزله.
في مساء الجمعة، وفي لقاء جمع أحمد شفيق بالمذيع خيري رمضان على القناة الثانية، سأل هذا الأخير أحمد شفيق عن سبب اعتقال ناشطين خرجوا من ميدان التحرير مخالفين لوعد شفيق السابق بعدم القبض على من يخرج من الميدان. دافع أحمد شفيق عن نفسه بقوله:
إن هؤلاء كانوا سابقًا في هذه الدائرة [يقصد الميدان]، ثم خرجوا وذهبوا إلى بيوتهم، ثم ذهبوا للجلوس عند بيت فلان [يقصد البرادعي] ذو النشاط المُتابع، فالتقطوا وهم يغادرون هذا البيت، إذن فهم ليسوا خارجين من الميدان، هم خارجون من بيت فلان الذي أصلًا عليه تركيز وشيء من التحفظ، لأنه يباشر عملًا ضد أمن الدولة في المرحلة الحالية.
(أحمد شفيق، ٤ فبراير ٢٠١١)
وأكد أحمد شفيق في حديثه أن الملاحقة الأمنية كانت ولا تزال مستمرة، وأن البرادعي يقوم بعمل ضد أمن الدولة، إذن فكل الموجودين في الميدان كذلك مشتركين في نفس العمل، وأن المراقبة على النشاط السياسي المعارض للنظام أصبحت أقوى مما سبق بالرغم من انهيار الشرطة!
هذا التصريح الذي أفلت منه، كان دليلًا على أن النظام لن يغفر ولن يتسامح إذا تُركت الأمور على هذا الوضع، وسيكون الانتقام رهيبًا لو ترك المتظاهرون الميدان وعادوا إلى منازلهم وصدقوا وعود مبارك.
هدم أحمد شفيق بحديثه أي أمل أو ثقة كانت يمكن أن تحدث بينه والشعب، لذا لم يكن غريبًا أن يقول البعض إن سبب سقوط مبارك لم يكن صمود الثوار، بل غباء مبارك ونظامه. كان النظام يتخبط ويستمر في السقوط بسبب حماقات القائمين عليه، مما ألهب حماسة الكثيرين للاستمرار والصمود. واستمرت مقابلات وتصريحات أحمد شفيق المثيرة لحنق المصريين وغيظهم.
كانت كل تصريحاته تؤكد أنه جزء من النظام ولن ينفصل عنه لحظة، وركزت تصريحاته على استحالة تنحي مبارك، وأن استمرار المتظاهرين في التحرير لن يجدي ولن يفيد، وأن مبارك لن يتنحى إن استمروا حتى قيام الساعة في اعتصامهم.
في تلك الليلة، زار الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى ميدان التحرير. كان موسى يحظى بشعبية كبيرة بين الشعب، فاستغل موسى تلك الشعبية ودعا المتظاهرين بشكل غير مباشر إلى العودة إلى بيوتهم والاكتفاء بما قدموه وما صنعوه. ووعدهم بطرح نفسه بديلًا لمبارك فور رحيله في الانتخابات الرئاسية القادمة.
---
## قم يا الله
URL: https://tabcm.net/51704/
Type: post
Modified: 2026-03-22
قُم يا الله، دِنِ الأرض، لأنّك أنتَ تمتلكُ كلَّ الأُمَمِ
(مزمور ٨٢: ٨)
وبعد صرخاتِ الاستغاثة، وإعلاناتِ الإدانة، ومشاهدِ المحاكمة التي كشفها الأنبياء، يرتفع الستار في مزمور ٨٢ عن مشهدٍ فريدٍ تتجلّى فيه العدالةُ الإلهيّة بصورةٍ علنيّة. فالله، الذي دُعي في المزامير أن يقوم، وأعلن في الأنبياء أنّه سيُحاسب الرعاة، يظهر هنا واقفًا بنفسه في ساحة القضاء، لا بوصفه شاهدًا، بل بوصفه قاضيَ القضاة.
في هذا المزمور يصوّر آساف مشهدًا قضائيًّا سماويًّا مهيبًا، حيث يقف الله في مجلس الحكم ليُحاسب «الآلهة»، وهي كلمةٌ قضائيّة لا تشير إلى آلهةٍ حقيقيّة، بل إلى القضاة والحكّام البشر الموكَلين بإجراء العدل على الأرض. فيقول: «اللهُ قائمٌ في مجمعِ الله، في وسطِ الآلهةِ يَقضي».
أي إنّ الله قد حضر بنفسه في وسط هيئة القضاة الأرضيّين، ليُعلن حكمه عليهم. وقد استُخدِمت كلمة «آلهة» (إلوهيم بالعبرية، بصيغة جمع المذكّر) للدلالة على أنّ هؤلاء الحكّام يحملون سلطانًا مُفوَّضًا من الله، إذ يُمثّلونه في إقامة العدل بين الناس، لكنّهم -في الوقت ذاته- خاضعون للمحاسبة أمامه.
وقد أكّد الربّ يسوع هذا الفهم في العهد الجديد، حين اقتبس من هذا المزمور قائلًا: «أنا قلتُ إنّكم آلهة»، موضّحًا أنّ المقصود ليس طبيعةً إلهيّة، بل وظيفةً قضائيّة مُعطاة للبشر ومسؤولة أمام الله.
ثم يواجههم الربّ بمساءلةٍ مباشرة تحمل نبرة الاتّهام: «إلى متى تَقضونَ جَوْرًا، وترفعونَ وُجوهَ الأشرار؟» وهو سؤالٌ يكشف جوهر الفساد: محاباة الأقوياء، وتبرير ظلمهم، مقابل سحق الضعفاء. فالقضاء لم يعُد ميزانَ حقّ، بل أداةً تخدم من يملكون النفوذ.
ويُعلن الله أمامهم ما كان ينبغي أن يكون عليه دورهم منذ البداية: اقضوا للذليلِ واليَتيم. أنصفوا المسكينَ والبائس. نَجّوا المسكينَ والفقير، من يدِ الأشرارِ أنقِذوا ((مزمور ٨٢ : ٣ – ٤ ))
تمثّل هذه الكلمات ميثاقًا إلهيًّا للعدل، يضعه الله أمام كلّ من يتسلّم سلطان الحكم، مؤكّدًا أنّ جوهر القضاء ليس حماية النظام، بل حماية الإنسان المظلوم. فالدفاع عن الضعفاء ليس عملًا جانبيًّا، بل هو المعيار الذي يُقاس به صدقُ أيّ سلطة. لكنّ واقع الحال أنّ أولئك القضاة لم يفعلوا ذلك؛ لذلك يستمرّ المزمور كاشفًا نتائجَ ظلمهم، قائلًا: «لا يَعلَمونَ ولا يَفهَمون. في الظُّلمةِ يَتمشَّون، تتزعزعُ كلُّ أُسُسِ الأرض».
لا يشير هذا الوصف إلى جهلٍ بسيط، بل إلى عَمًى روحيٍّ وإدراكيٍّ اختياريّ؛ إذ رفض القضاةُ نورَ الحقّ، فساروا في الظلمة بإرادتهم. ونتيجةُ هذا الانحراف لم تَقِف عند حدود أخطائهم الشخصيّة، بل امتدّت لتُصيب كيانَ المجتمع كلّه، حتّى تزعزعت «أُسُسُ الأرض»، أي المبادئ الأخلاقيّة والعدليّة التي يقوم عليها استقرار البشر وعلاقاتهم.
وعند هذه النقطة يصدر الحكمُ الإلهيّ الحاسم: «أنا قلتُ إنّكم آلهة، وبنو العليّ كلّكم، لكن مثلَ الناسِ تموتون، وكأحدِ الرؤساءِ تسقطون». أي إنّه رغم ما مُنِح لهم من سلطانٍ ومكانة، فإنّهم لن يُستثنَوا من الدينونة، بل سيُحاسَبون كأيّ بشرٍ خاطئ، ويسقطون من مواضعهم العالية سقوطًا مُهينًا. فالمقام لا يحمي من القضاء، والسلطة لا تُعفي من الحساب.
ويُختَتم المزمور بنداءٍ يبلغ ذروةَ الصرخة النبويّة، حين يشترك المرنّم مع الشعب قائلًا: «قُم يا اللهُ، دِنِ الأرض، لأنّك أنتَ تمتلكُ كلَّ الأُمَم». هنا يبلغ الاعتراف قمّتَه: لقد فشل الحكمُ البشريّ، وتعذّر إصلاحُه من الداخل، فلم يبقَ إلّا أن يتدخّل الله نفسه بوصفه القاضيَ النهائيّ. إنّها صرخةٌ تُسلِّم القضيّة كاملةً إلى السماء.
---
## موقف مصر من الحرب الإيرانية
URL: https://tabcm.net/54368/
Type: post
Modified: 2026-03-21
بين الاتهام والواقع: ماذا قالت مصر منذ اليوم الأول عن الحرب؟ ردًا على مجدي خليل.
يريد البعض من مصر أن تدخل الحرب فعليًا، أو على الأقل أن تعلنها صريحة بلا مواربة. ولأنها لم تفعلها، سارعوا إلى اتهامها بأنها -منذ اليوم الأول- وقفت إلى جانب إيران ضد دول الخليج. وهذا ليس مجرد خطًأ في التقدير، بل كذب صريح، أو جهل مُراد لغرض.
فبحسب ما نشرته سكاي نيوز عربية، ومنذ اليوم الأول، وتحديدًا في 28 فبراير الماضي، كان الموقف الرسمي المصري واضحًا لا لبس فيه. إذ نقرأ الآتي: ((بيان رسمي.. أول تعليق من مصر على “حرب إيران” ))
دانت مصر بشدة استهداف إيران وحدة وسلامة أراضي دول عربية شقيقة وانتهاك سيادتها، بما في ذلك قطر والإمارات والكويت والبحرين والأردن، وما ينطوي على ذلك من مخاطر جسيمة تهدد أمن واستقرار الدول العربية والمنطقة برمتها.
ولم يتوقف البيان عند الإدانة، بل شدد على:
ضرورة احترام سيادة هذه الدول ووحدة وسلامة أراضيها، واحترام مبدأ حسن الجوار، والتحلي بأقصى درجات ضبط النفس في هذه المرحلة الفارقة من تاريخ المنطقة، وتغليب لغة الحوار والدبلوماسية، تفاديا لتوسيع نطاق الصراع وانزلاق المنطقة إلى دوامة من التصعيد يصعب احتواؤها، وبما يهدد الأمن والسلم الإقليميين والدوليين.
انتبهوا جيدا: هذا قيل في 28 فبراير 2026، أي من اليوم الأول.
بعد ذلك، يمكن أن نسأل السؤال المنطقي: إذا كانت مصر قد أدانت إيران صراحة، وأكدت دعمها لسيادة الدول الخليجية، فكيف تحولت -في رواية البعض- إلى “طرف منحاز لإيران”؟
الإجابة ببساطة: لأن هؤلاء لا يريدون موقفًا سياسيًا متزنًا، بل يريدون حربًا. ولإثبات وجهة نظرهم انزلقوا إلى اعتبار الأصوات التي لا تذكر مصر أبدًا بالخير -لا داعي لذكر الإهانات- فلا يوجد شعب أو دولة ليس بها سفهاء -ولا استثني أحد لا دولة ولا شعب ولا حتى مدينة أو قرية- أقول اعتبروا هذه الأصوات الكارهة أنها هي الأصوات المتعلمة النقية، الواعية والعميقة…. واعتبارهم على حق في مقارنة معيبة بين شعوب -بلغة تصنع فتنة لا تسعى لعلاقات مصالح وحسن جوار- وكأن مصر عندهم هم ومن يستشهدون بهم من الشتامين السبابين لمصر، لا تستحق أكثر من هذه الإهانات حكومة وشعبًا وبالجملة، أما من وجهة النظر الصهيومسيحية فهي ساقطة، ساقطة في حضن الإخوان لا محالة، بل هي اليوم إسلامية “داعشية”.
ولا أعرف هل المنقذ من هذا المصير الحتمي، على افتراض أنه حتمي، هو فعلًا أمريكا وإسرائيل معا، ليتحقق قول الكتاب المقدس: وتكون يهوذا رعبًا لمصر ((سفر إشعياء 19 : 17 ))، وخمس مدن أو أقاليم تتكلم بلسان كنعان (العبري يعني) وتحلف باسم يهوه، ((سفر إشعياء 19 : 18 )) يوم يأتي هذا اليوم الموعود به، هو يعرف مع من سيكون بكل تأكيد.
يريدون من مصر أن تقفز إلى مواجهة مفتوحة، حتى لو لم تعلن دول الخليج نفسها حربا شاملة، ولم تطرد سفراء إيران عندها، على الأقل حتى هذه اللحظة، فهل مطلوب من مصر أن تطرد السفير الإيراني -اللي هو معندهاش أصلًا- وتعلن الحرب على إيران؟
إن الأمر كله ليس أكثر من مزايدات رخيصة ورغبة في توريط مصر، وحتى لو كان ذلك سيؤدي إلى توسيع دائرة النار بدل احتوائها. إنها وجهة النظر الأمريكية وكما قال وزير دفاعها پيت هيجسث إنها حرب هرمجدون، لقد لوثت تأويلاتهم التدبيرية الصهيومسيحية للكتاب المقدس عقولهم فعلًا- وصاروا أشد كراهية لبلادهم من أعدائها ومن يسعى لتخريبها والتسلط عليها.
لكن الواقع مختلف. والبشر الطبيعيين لا يريدون ذلك، والدول لا تدار بالشعارات، وبعقائد ما ورائية نبوية واسكاتولوجية أخروية، بل بالمصالح لخير الناس لا التضحية بهم على مذبح آلهة تحب رائحة الشواء.
ومصر، بحكم موقعها وحساسيتها الجيوسياسية، لا يمكن أن تتعامل مع صراع على الهيمنة الكاملة في حرب صفرية بين أمريكا وإسرائيل من جانب وإيران من جانب آخر بمنطق الاندفاع والخفة التي يتسم بها المدعين أنهم محللين سياسيين ومبشرين بالصهيومسيحية من أمريكا.
أي تصعيد واسع قد يمتد إلى ممرات حيوية مثل باب المندب، حيث يكفي مجرد التهديد لتعطيل حركة التجارة العالمية، فضلًا عن تأثيره المباشر على مصر. المفارقة أن بعض هذه الأصوات نفسها، التي تقلل من قدرات مصر وتهاجمها ليل نهار، هي أول من يطالبها بالدخول في الحرب. تناقض لا يحتاج إلى تفسير بقدر ما يكشف عن طبيعة الخطاب ذاته. في المقابل، الموقف المصري كان واضحًا منذ البداية: إدانة الاعتداءات، دعم الدول العربية، ورفض الانزلاق إلى حرب مفتوحة. ولا قياس على جعجعة البعض الذي لا يمثل إلا نفسه أو يعبر عن أيدلوجيته هو لا الدولة.
---
## كرازة المسيح في الجحيم
URL: https://tabcm.net/54095/
Type: post
Modified: 2026-03-20
موضوع ”كرازة المسيح في الجحيم“ هو موضوع في منتهى الأهمية، لذا نقلته الأسفار المقدسة في مواضع عدة سواء في العهد القديم أو الجديد، كما ذكره الآباء الرسل في كتاباتهم كتقليد رسولي مسلَّم من الرب يسوع نفسه، وهكذا نجد آباء الكنيسة الجامعة في شتى العصور ينقلون هذا التعليم المسيحي الرسولي المسلَّم من المسيح نفسه إلى الرسل، وهكذا تُسلِّمه الكنيسة عبر الأجيال والعصور، سواء في كتابات الآباء القديسين، معلمي الكنيسة الجامعة شرقًا وغربًا، أو في تقاليدها الليتورجية المختلفة. يُمثِّل التعليم عن ”كرازة المسيح في الجحيم“ رجاء المسيحية في خلاص جميع البشر، ودعوتها المستمرة إلى الخلاص سواء قبل الموت أو بعده، لأن هذه هي إرادة الله أن الجميع يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون.
قمت في هذا البحث بتتبع التعليم عن ”كرازة المسيح في الجحيم“ عبر الكتاب المقدس بعهديه، ثم إشارات الآباء القديسين المختلفة في كتاباتهم، ثم إشارات التقليد الليتورجي بالأخص التقليد الليتورجي القبطي إلى هذا التعليم الراسخ في الكنيسة منذ نشأتها. وهكذا ننتقل في هذا البحث بين دفتي الكتاب المقدس والتعاليم الآبائية والليتورجية المختلفة حول موضوع ”كرازة المسيح في الجحيم“. حيث سيجد القارئ العديد من الإشارات الكتابية والآبائية والليتورجية المختلفة إلى هذا التعليم الثابت في الكنيسة. ولقد اعتمدت في هذا البحث على العديد من مصادر التعليم الأرثوذكسي في الكنيسة.
كرازة المسيح في الجحيم تمت بعد موته على الصليب، حيث نزل المسيح إلى الجحيم، وكرز بالخلاص للأرواح التي كانت في الجحيم دون تمييز. ونتناول موضوع كرازة المسيح في الجحيم من خلال إشارات الكتاب المقدس إلى ذلك الحدث المهم، ومن خلال كتابات وشروحات آباء الكنيسة الأولى في القرون الخمسة الأولى من المسيحية، وأيضًا من خلال نصوص الليتورجية القبطية في مواضع ومناسبات احتفالية مختلفة. وسنرى أن موضوع كرازة المسيح في الجحيم بالخلاص هو موضوع متداول وأساسي في الكتاب المقدس وفي الكتابات الآبائية والنصوص الليتورجية.
الكتاب المقدس
يتنبأ هوشع النبي عن كرازة المسيح وخلاصه للذين في الجحيم قائلًا: مِنْ يَدِ الْهَاوِيَةِ أَفْدِيهِمْ. مِنَ الْمَوْتِ أُخَلِّصُهُمْ. أَيْنَ أَوْبَاؤُكَ يَا مَوْتُ؟ أَيْنَ شَوْكَتُكِ يَا هَاوِيَةُ؟ تَخْتَفِي النَّدَامَةُ عَنْ عَيْنَيَّ ((سفر هوشع 13: 14 )).
ويتنبأ سفر الحكمة عن نزول المسيح إلى الجحيم قائلًا: لأن لك سلطان الحياة والموت، فتحدر الى أبواب الجحيم وتصعد ((سفر الحكمة 16: 13 )).
ويتحدث متى الإنجيلي عن وجود المسيح في بطن الأرض (الجحيم) مثلما كان يونان في بطن الحوت لمدة ثلاثة أيام وثلاث ليال كالتالي: لأَنَّهُ كَمَا كَانَ يُونَانُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَال، هكَذَا يَكُونُ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي قَلْب الأَرْضِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَال ((إنجيل متى 12: 40 )).
ويتحدث متى الإنجيلي عن تفتح القبور، وقيامة أجساد الراقدين، وخروجها من القبور بعد قيامة المسيح كالتالي: وَالْقُبُورُ تَفَتَّحَتْ، وَقَامَ كَثِيرٌ مِنْ أَجْسَادِ الْقِدِّيسِينَ الرَّاقِدِينَ، وَخَرَجُوا مِنَ الْقُبُورِ بَعْدَ قِيَامَتِهِ، وَدَخَلُوا الْمَدِينَةَ الْمُقَدَّسَةَ، وَظَهَرُوا لِكَثِيرِينَ ((إنجيل متى27: 52- 53 )).
ويتحدث بطرس الرسول في عظته الشهيرة في يوم الخمسين عن نزول المسيح إلى الجحيم كالتالي: هذَا أَخَذْتُمُوهُ مُسَلَّمًا بِمَشُورَةِ اللهِ الْمَحْتُومَةِ وَعِلْمِهِ السَّابِقِ، وَبِأَيْدِي أَثَمَةٍ صَلَبْتُمُوهُ وَقَتَلْتُمُوهُ. اَلَّذِي أَقَامَهُ اللهُ نَاقِضًا أَوْجَاعَ الْمَوْتِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ مُمْكِنًا أَنْ يُمْسَكَ مِنْهُ. لأَنَّ دَاوُدَ يَقُولُ فِيهِ: كُنْتُ أَرَى الرَّبَّ أَمَامِي فِي كُلِّ حِينٍ، أَنَّهُ عَنْ يَمِينِي، لِكَيْ لاَ أَتَزَعْزَعَ. لِذلِكَ سُرَّ قَلْبِي وَتَهَلَّلَ لِسَانِي. حَتَّى جَسَدِي أَيْضًا سَيَسْكُنُ عَلَى رَجَاءٍ. لأَنَّكَ لَنْ تَتْرُكَ نَفْسِي فِي الْهَاوِيَةِ وَلاَ تَدَعَ قُدُّوسَكَ يَرَى فَسَادًا ((سفر أعمال الرسل 2: 23- 24 )).
ويتحدث بطرس الرسول عن نزول المسيح إلى الجحيم وقيامته مُستعينًا بنبوة داود عن قيامة المسيح قائلاً: سَبَقَ فَرَأَى وَتَكَلَّمَ عَنْ قِيَامَةِ الْمَسِيحِ، أَنَّهُ لَمْ تُتْرَكْ نَفْسُهُ فِي الْهَاوِيَةِ وَلاَ رَأَى جَسَدُهُ فَسَادًا ((سفر أعمال الرسل 2: 31 )).
يتحدث بطرس الرسول في موضع آخر عن كرازة المسيح للموتى في الجحيم قائلًا: فَإِنَّهُ لأَجْلِ هذَا بُشِّرَ الْمَوْتى أَيْضًا، لِكَيْ يُدَانُوا حَسَبَ النَّاسِ بِالْجَسَدِ، وَلكِنْ لِيَحْيَوْا حَسَبَ اللهِ بِالرُّوحِ ((رسالة بطرس اﻷولى 4: 6 )).
ويتحدث بطرس الرسول في نفس السياق عن كرازة المسيح للأرواح التي في الجحيم دون تمييز كالتالي: فَإِنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا تَأَلَّمَ مَرَّةً وَاحِدَةً مِنْ أَجْلِ الْخَطَايَا، الْبَارُّ مِنْ أَجْلِ الأَثَمَةِ، لِكَيْ يُقَرِّبَنَا إِلَى اللهِ، مُمَاتًا فِي الْجَسَدِ وَلكِنْ مُحْيىً فِي الرُّوحِ، الَّذِي فِيهِ أَيْضًا ذَهَبَ فَكَرَزَ لِلأَرْوَاحِ الَّتِي فِي السِّجْنِ، إِذْ عَصَتْ قَدِيمًا، حِينَ كَانَتْ أَنَاةُ اللهِ تَنْتَظِرُ مَرَّةً فِي أَيَّامِ نُوحٍ، إِذْ كَانَ الْفُلْكُ يُبْنَى، الَّذِي فِيهِ خَلَصَ قَلِيلُونَ، أَيْ ثَمَانِي أَنْفُسٍ بِالْمَاءِ. الَّذِي مِثَالُهُ يُخَلِّصُنَا نَحْنُ الآنَ، أَيِ الْمَعْمُودِيَّةُ ((رسالة بطرس اﻷولى 3: 18- 21 )).
ويتحدث بولس الرسول عن نزول المسيح إلى الجحيم وتحريره للأسرى من إبليس كالتالي: وَأَمَّا أَنَّهُ ’صَعِدَ‘، فَمَا هُوَ إِلاَّ إِنَّهُ نَزَلَ أَيْضًا أَوَّلاً إِلَى أَقْسَامِ الأَرْضِ السُّفْلَى. اَلَّذِي نَزَلَ هُوَ الَّذِي صَعِدَ أَيْضًا فَوْقَ جَمِيعِ السَّمَاوَاتِ، لِكَيْ يَمْلأَ الْكُلَّ ((رسالة بولس إلى أفسس 4: 9 )).
ويتحدث بولس الرسول في موضع آخر عن نزول المسيح إلى الجحيم قائلًا: فَيَقُولُ هكَذَا: ’لاَ تَقُلْ فِي قَلْبِكَ: مَنْ يَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ؟‘ أَيْ لِيُحْدِرَ الْمَسِيحَ، ’أَوْ: مَنْ يَهْبِطُ إِلَى الْهَاوِيَةِ؟‘ أَيْ لِيُصْعِدَ الْمَسِيحَ مِنَ الأَمْوَاتِ ((رسالة بولس إلى رومية 10: 6، 7 )).
ويستشهد بولس الرسول بنبوة هوشع عن انتصار المسيح على الهاوية والجحيم كالتالي: وَمَتَى لَبِسَ هذَا الْفَاسِدُ عَدَمَ فَسَادٍ، وَلَبِسَ هذَا الْمَائِتُ عَدَمَ مَوْتٍ، فَحِينَئِذٍ تَصِيرُ الْكَلِمَةُ الْمَكْتُوبَةُ: ’ابْتُلِعَ الْمَوْتُ إِلَى غَلَبَةٍ‘. ’أَيْنَ شَوْكَتُكَ يَا مَوْتُ؟ أَيْنَ غَلَبَتُكِ يَا هَاوِيَةُ؟‘ أَمَّا شَوْكَةُ الْمَوْتِ فَهِيَ الْخَطِيَّةُ، وَقُوَّةُ الْخَطِيَّةِ هِيَ النَّامُوسُ ((رسالة بولس اﻷولى إلى كورنثوس 15: 54- 56 )).
ويصور ق. بولس الرسول انتصار المسيح على الشيطان وملائكته قائلًا: وَإِذْ كُنْتُمْ أَمْوَاتًا فِي الْخَطَايَا وَغَلَفِ جَسَدِكُمْ، أَحْيَاكُمْ مَعَهُ، مُسَامِحًا لَكُمْ بِجَمِيعِ الْخَطَايَا، إِذْ مَحَا الصَّكَّ الَّذِي عَلَيْنَا فِي الْفَرَائِضِ، الَّذِي كَانَ ضِدًّا لَنَا، وَقَدْ رَفَعَهُ مِنَ الْوَسَطِ مُسَمِّرًا إِيَّاهُ بِالصَّلِيبِ، إِذْ جَرَّدَ الرِّيَاسَاتِ وَالسَّلاَطِينَ أَشْهَرَهُمْ جِهَارًا، ظَافِرًا بِهِمْ فِيهِ ((رسالة بولس إلى كولوسي 2: 13- 15 )).
ويشهد يوحنا الرسول عن أن المسيح يمتلك مفاتيح الموت والهاوية كعلامة انتصاره على الجحيم كالتالي: أَنَا هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ، وَالْحَيُّ. وَكُنْتُ مَيْتًا، وَهَا أَنَا حَيٌّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ! آمِينَ. وَلِي مَفَاتِيحُ الْهَاوِيَةِ وَالْمَوْتِ ((سفر الرؤيا 1: 17، 18 )).
كما يشهد يوحنا الرسول أيضًا عن طرح الموت والهاوية في بحيرة النار كعلامة لانتصار المسيح النهائي على الجحيم كالتالي: وَطُرِحَ الْمَوْتُ وَالْهَاوِيَةُ فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ ((سفر الرؤيا 20: 14 )).
---
## بابا جديد
URL: https://tabcm.net/53532/
Type: post
Modified: 2026-03-18
يوم الجنازة ميتوصفش.. عمال بالآلاف واقفين زي النمل، كلهم بيعيطوا وهم بيلقوا نظرة الوداع على أبوهم؛ بابا جمال، ما عدا شوية قلة… زي اللي كانوا عارفين اللي ليه واللي عليه، أو اللي شايلين منه زي ولاد عم ليڤي وعم لبيب. غير كده؟ الكل زعلان. الكل بيبكي. في ناس كانت بتعيط بشكل هيستيري. والحزن كان مسيطر على المكان.
سؤال واحد بيتكرر بأشكال مختلفة: “مين هيملى مكانك يا بابا جمال؟”
والمكان هنا مش كرسي الرئاسة التنفيذية وبس، ده المكان اللي في القلوب، وده أصعب بكتير إن حد تاني يملاه. نفس السؤال كان بيدور جوه دماغ عم معين، الرئيس التنفيذي المؤقت وقائم بأعمال بابا جمال. عم معين كان فاهم كويس إنه لو مسك ملف اختيار البديل لوحده الناس هتاكله حي. وهيقولوا بيختار ناس على مزاجه.
بلية وعطية
عشان كده قرر يشرك حد بيحب اللقطة: عم بلية، رئيس عمال منطقة رقم خمسة، بتاعة الحلويات.
بديات عم بلية كانت كمساعد رئيس عمال لعم صخر لغاية ما اختلفوا، وبابا جمال حطه رئيس على منطقة رقم خمسة. عم بلية تصريحاته كانت دايمًا ممكن تودي سلسلة مصنع الرجال في ستين داهية، بس في نفس الوقت كان مستعد يشتغل طول ما له دور باين.
وبكده الباب اتفتح، أي رئيس عمال، وأي مساعد، يقدم ملفه، والملفات تتدرس، وعم بلية يعمله مقابلة، ونقرر مين يترشح ومين لا.
أول ناس قدموا كانوا أقرب الناس لبابا جمال: عم أحمد، وعم يحيى، وعم صخر.
كل واحد فيهم كان شايف نفسه الامتداد الطبيعي لبابا جمال.
عم أحمد كان واخد من بابا جمال فن الكلام مع الوزارة بعد أزمة الإيقاف خمس سنين. بابا جمال اتعلم إمتى يتكلم، وإمتى يسكت، وإزاي يختار الكلمة الصح. وأحمد ورث الحتة دي.
عم يحيى كان واخد الشعبية. القرب من العمال، والضحك، والوجود وسطهم. بس ساعات كان بيزودها. مرة عامل سلم عليه، وهو بيتصور، راح ضاربه على دماغه. برغم كده كان أكترهم كاريزما.
عم صخر؟ كان شايف نفسه الابن الأقرب. مخزن أسرار بابا جمال. وأكتر واحد لف في كل حتة في السلسلة بسبب الثقة الكبيرة فيه.
بس من وجهة نظر العمال من الناس اللي مش عايزينهم:
عم أحمد = راجل الوزارة، يعني استقلال سلسلة مصنع الرجال في خطر.
عم يحيى = راجل طيب بس الوزارة عمرها ما تحترمه وهو بيحكي أحلامه لكل من هب ودب.
عم صخر = راجل قاسي، بيجازي على الصغيرة قبل الكبيرة، وده ممكن يبوظ العلاقة مع العمال ومع الوزارة كمان، ويحطنا في أزمة زي أزمة الإيقاف.
وغيرهم كتير قدموا. وناس اترشحت غصب عنها.
عم معين قعد يفرز ومعاه عم بلية، واستقروا إنهم يبعدوا أي اسم عليه علامة استفهام قد ما يقدروا.
الاختيار رسى على ثلاثة:
عم سرور، اللي دايمًا يتباهى بحبه لبابا جمال، ومحبوب نوعًا ما من العمال.
عم عطية، مساعد عم معين في المنطقة رقم عشرة.
عم أمين اللي كان في يوم مساعد عم حكيم.
في اليوم الحاسم، بدأ الانتخاب.
وعكس كل التوقعات… كسب عم عطية.
نجاح عم عطية كان في الحقيقة نجاح عم معين.
هو اللي علمه الشغلانة، وفن إدارة العمال، من أول يوم وهو اللي مسك الدفة بعد وفاة بابا جمال لحد ما سلمها له.
عم معين سلم الجمل بما حمل وساب الرئاسة التنفيذية ورجع لمنطقته الصناعية ولا كأن حاجة حصلت.
عم بلية عمل نفس الكلام، بس فضل يطلع من وقت للتاني بتصريحات تكسف سلسلة المصانع واسمها وتاريخها.
مرت سنين قليلةـ وبعدها عم معين حصل بابا جمال وتوفى.
أما عم عطية فلقى نفسه فجأة واقف وسط رؤساء عمال عمره ما اشتغل معاهم قبل كده. ناس من مدرسة عم لبيب الغلبان، وناس من مدرسة عم ليڤي الصوفي، وناس من ولاد بابا جمال. وهو من مدرسة عم عبد السميع واقف بينهم، المدرسة اللي الكل نسيها.
عم عطية كان محتاج يطلع شوية من جوه نفسه، تبقي صورة يبان بيها قدام العمال رئيس تنفيذي جديد كـ”بابا جمال”.
بس الحقيقة كانت واضحة من الأول: عم عطية… مش بابا جمال.
عهد عم عطية
من أول يوم، عم عطية كان فاهم إن الشيلة تقيلة… بس ماكنش متخيل الثقل ده كله. سقف طموحاته كان بسيط:
حاجة واحدة بدأها، إنه ينظم علاقات رؤساء العمال ومساعديهم ببعض زي ما شاف في مدرسة عم معين وعم عبد السميع عشان المركب تفضل ماشية لقدام. وحاجة تانية إن العمال يحبوه كفاية عشان في يوم يقولوا له “بابا عطية”.
أول خطوة، شكر عم سرور وأداله دور مهم عشان يرضيه مقابل إن الرئاسة التنفيذية مكنتش من نصيبه.
حاول يعمل نفس الموضوع مع عم أمين، بس عم أمين رفض وقال “أنا راجع منطقتي ومش عاوز دور إداري”.
عم عطية سابه على راحته.
كان عارف كويس إنه مساعد رئيس عمال أصبح في يوم وليلة رئيس تنفيذي،
وكان عارف إنه أقل خبرة من عم أحمد وعم يحيى وعم صخر.
أمل عم عطية كان على حاجة واحدة: يرتب البيت ويلم الشمل.
لكن النجاح كان مربوط بحاجتين: الحسم في الإدارة وقبول العمال له.
الحسم مكانش أقوى نقطة عنده. عم عطية كان ممكن يرجع في كلامه بسهولة أو يغير رأيه عند أول علامة خطر.
قبول العمال له؟ صعب جدًا. صورة بابا جمال كانت مسيطرة على القلوب. والعمال لسه بيقيموه. عم عطية بالنسبة لهم الرئيس التنفيذي لكن لسه مش بابا المسيطر على القلوب زي بابا جمال.
احتار عم عطية، وقرر يرجع للمدرسة اللي اتعلم فيها: مدرسة عم معين واللي بدوره اتعلم من عم عبد السميع.
من هنا، بدأ عم عطية يشتغل مشاريع تطوير، تعليم، ومشاريع كتير. وكل مشروع له رئيس، وكل رئيس له مساعد.
وبكده، اتوسعت قاعدة عم عطية في الإدارة.
بدأ يحط عمال ورؤساء عمال ومساعدين من تلامذة عم ليڤي وعم لبيب وطبعًا بابا جمال.
بس مرات اتسرع وحط ناس أقل ما يقال عنها إنها مش طايقاه.
وطبعًا، الصبر كان أهم ميزة عنده. فكان صعب جدًا يشد على رئيس عمال على عكس بابا جمال.
مرة شاف رئيس عمال بيغلط، شد عليه، فرئيس العمال قال له: “لو شديت علي كده تاني، هسيب السلسلة وأروح للمنافس”.
في اللحظة دي، عم عطية جاب ورا… ومن يومها، ماعرفش يتقدم خطوة لقدام خصوصًا بعد ما رؤساء العمال القدام عرفوا ايده اللي بتوجعه.
أصبح جوه قلب عطية خوفين: الأولاني أن رئيس العمال يمشي للمنافس، والتاني أن رئيس العمال يزعل منه.
بالتالي، محدش بقى خايف منه، على عكس بابا جمال، اللي حتى اللي كان مش بيحبه، بيخاف من غضبه.
في نفس الوقت، بدأ عم عطية يبقى موضع نقد من ولاد بابا جمال لما شافوه بيحط في الإدارة ولاد عم ليفي وولاد عم لبيب أو العمال المقتنعين بطرقهم في الشغل.
رد عم عطية؟ ولا حاجة.
الـ”ولا حاجة” دي بقت طريقة رده على أغلب المشاكل.
لدرجة أنه خلى واحد من مساعديه يكون المتحدث الرسمي باسم سلسلة مصانع الرجال، عشان يرفع عن نفسه الحرج قدر الإمكان.
بسرعة اتحولت مدرسة عم عطية من مدرسة عم عبد السميع لمدرسة خاصة بيه هدفها الأساسي: تقليل الخسائر على قد ما يقدر.
أي مشكلة تحصل بين العمال؟ دوره كان حاجة من اتنين: إما ميتدخلش ويبعتلهم حد ينوب عنه، يا إما يمشي مع رأي الأغلبية أو الصوت العالي عشان يتجنب أكبر قدر ممكن من الخسائر.
الطريقة دي… ممشتش مع العمال في السلسلة.
وبدل ما يوقفها، قرر يتعامل بنفس الطريقة مع المصانع المتحالفة مع سلسلة مصانع الرجال.
---
## كرات اللهب والقناصة
URL: https://tabcm.net/53471/
Type: post
Modified: 2026-03-15
على القنوات المملوكة للتلفزيون المصري، شهد معظم المتصلين أن المتواجدين داخل الميدان يحصلون على مبالغ نقدية نظير تواجدهم في الميدان، واختلف البعض في تقديرها. فالبعض أدعى أنها خمسون جنيهًا مصريًا، والبعض الآخر قدرها بمائتي يورو، وآخرون أقروا أنها بالدولار الأمريكي، لكن لم يحددوا الرقم على وجه التحديد. لكن الشيء الذي أكده الجميع هو أن هناك وجبات كنتاكي توزع على المتظاهرين. وفي اليوم التالي، نشرت إدارة مطاعم كنتاكي بيانًا رسميًا لها، يفيد بإغلاق كل فروعها في محيط ميدان التحرير والمناطق القريبة منه منذ ثاني أيام الثورة، وأن ما يشاع ما هو إلا نوع من الكذب الرخيص الرديء.
في نفس الوقت، على قناة المحور، تحدث الممثل الكوميدي طلعت زكريا، المعروف بولائه الشديد لشخص مبارك. الذي أصبح ضيفًا شبه دائم على البرامج الحوارية الموالية للنظام، ليقول بمنتهى الثقة: هناك فئة خاصة داخل ميدان التحرير، وعناصر خارجية تحرض على التظاهر. ثم هدد المتظاهرين باستخدام القوة قائلًا: لو دانة واحدة هتطلع من دبابة، كل الجبنا غير المصريين الموجودين في ميدان التحرير هايجروا ويسلموا نفسهم. ثم وجه حديثه للجيش المصري: طلّع دبابة، أضرب طلقة واحدة في السما، كل الجبنا دول هايجروا.
وفي اتصال من الكابتن إبراهيم حسن، اقترح فيه أن يتم: حصار الميدان، ومنع الدخول والخروج، والعمل على تجويع المتظاهرين ومنعهم حتى من المياه حتى يستسلموا، بينما حرضت الفنانة سماح أنور على حرق المتظاهرين قائلة: مفيش مشكلة إن أي حد يولّع فيهم الصراحة.
أما على قناة المحور، وفي برنامج “48 ساعة” مع سيد علي وهناء سمري، فقد فجّرت من أدعت نفسها ناشطة سياسية مصرية مفاجأة من العيار الثقيل، بعدما أدعت أنها تلقت تدريبًا مكثفًا مع شباب آخرين على يد إسرائيليين في الولايات المتحدة الأمريكية وقطر لقلب نظام الحكم وإسقاط النظام المصري.
رفضت الناشطة ذكر اسمها الحقيقي، واستخدمت اسمًا مستعارًا طوال الحلقة هو “شيماء”، وتم التشويش على ملامح وجهها. وقالت إنها تلقت تدريبًا ودعمًا ماليًا من منظمة فريدوم هاوس (Freedom House)، وهي منظمة غير حكومية مقرها العاصمة الأمريكية واشنطن، وتُجري أبحاث في مجال الديمقراطية. وأكدت أن من يقوم بالتدريب هم من اليهود الإسرائيليين، وكانوا يركزون على كيفية استقطاب شباب الجامعات لقلة خبرتهم وسهولة التأثير عليهم في أقل فترة زمنية.
قالت شيماء إنها تلقت دورة تدريبية مكثفة لمدة 4 أيام في الدوحة بقطر، وكان المُدربون من جنسيات مختلفة، أبرزهم الإسرائيليون، مؤكدة في الوقت ذاته أن فريدوم هاوس منظمة صهيونية ووصفتها بالمشبوهة، وأنها تابعة لجهاز الاستخبارات الإسرائيلي الموساد والمخابرات الأمريكية (CIA).
أوضحت شيماء أن منظمة فريدوم هاوس تكفلت بكامل المصاريف من إقامة وتنقلات، وأنها كانت تحصل في أثناء فترة التدريب على مصروف جيب يومي يبلغ 50 دولارًا، وعند عودتها إلى القاهرة أخذت ما يعد بمثابة مكافأة يقدر بـ 500 دولارًا، في حين أن رؤساء الجماعات السياسية النشطين مثل حركة كفاية وحركة 6 أبريل وشباب الإخوان المسلمين كانوا يحصلون على 50 ألف دولار مكافأة.
وعندما سألها سيد علي؛ مُقدم البرنامج، عن سبب الاعتراف في هذا الوقت بالتحديد، بكت بحرقة وقالت إنها عندما رأت أن الرئيس مبارك، الذي هو بمثابة أب لها، يُهان بهذا الشكل، قررت على الفور الاعتراف والتبرؤ مما حدث بعد أن حصلت على كامل المكافآت، وساهمت في تنظيم التظاهرات وتوزيع مليوني منشور من أموال المعونات. وأكدت أنها خافت مما قد تتلقاه من معاملة سيئة إذا ذهبت لجهات أمنية واعترفت بما فعلت، لأن من يدخل قسم شرطة للإبلاغ عن أمر ما لا يسلم، فما الحال بمن يبلغ عن قضية مثل هذه؟
وعبرت شيماء في الحوار الذي استمر لمدة 20 دقيقة عن قلقها وخوفها الشديد من زملائها في حركة شباب 6 أبريل، لأنها فضحت أجندتهم وتطلعاتهم في تخريب البلد. وقالت إن ما يحدث في ميدان التحرير، وما حدث من قبل في كنيسة القديسين بالإسكندرية، هو مخطط يهودي إسرائيلي يهدف إلى وتدمير البلاد.
أبرز المذيع؛ سيد علي، بعض الأوراق عن بعد، بحيث لا يظهر منها شيء، ولم تأت الكاميرا بأي صورة مقربة لتلك الأوراق. وقال إن تلك المستندات هي إثبات لما تقوله تلك الناشطة، بالإضافة إلى بعض الصور الفوتوغرافية لها ولزملائها في هذا التدريب المشبوه، وحتى صور للمدربين الصهاينة الذين قاموا بتدريبهم.
وكالعادة، انهالت على التلفزيون عشرات المكالمات الهاتفية ممن أدعوا أنهم شهود عيان قادمون من قلب الميدان، ليدلوا بشهادات تقول إن من هم بداخل الميدان ليسوا بمصريين، وأن الميدان ممتلئ بوجوه ليست مصرية على الإطلاق. قد تكون عناصر من حركة حماس، وأنهم يتحدثون بلهجات شامية وفلسطينية. حتى عندما تحدث حازم، أخو الناشط المصري وائل غنيم، الذي كان يقبع في ذلك الوقت في سجون أمن الدولة، أدعى أحد المتصلين التاليين أن حازم، أخو وائل غنيم، يتحدث العربية بلهجة عربية شامية غير مصرية، إمعانًا في نظرية المؤامرة.
بعد تلك الحلقة وفي نفس الليلة، خرج الكاتب المعارض بلال فضل على قناة دريم بصدمة موجعة للجميع، خاصة لقناة المحور، ليعلن أن تلك الناشطة هي صحفية تدعى نجاة عبد الرحمن، وتعمل في إحدى الصحف التي يرأس مجلس إدارتها الصحفي سمير رجب، رئيس تحرير جريدة الجمهورية الحكومية السابق، والمعروف بولائه الشديد وعلاقته الشخصية بمبارك. وأن زملاءها يشهدون لها بدوام فبركة التحقيقات الصحفية، وقد تمت محاسبتها من قبل على فبركة التحقيقات، وأن الأمر كله مختلق ولا صحة لتلك القصة المختلقة من أساسه.
لاحقًا وبعد تنحي مبارك، وفي 22 يونيو 2011، أصدرت لجنة التأديب بنقابة الصحفيين قرارًا بمنع الصحفية نجاة محمد عبد الرحمن من مزاولة المهنة لمدة 6 أشهر، لاختلاقها قصة السفر المفبركة وتلقيها تدريبات على يد إسرائيليين لإشعال الثورة وقلب نظام الحكم في مصر ونشر الفوضى بالبلاد.
في هذا المساء أدلى مبارك بحديث لشبكة ABC الأمريكية، أكد فيه أنه راغب في التنحي، ولكنه يخشى أن تغرق البلاد في الفوضى، وهو ما كرره نائب الرئيس عمر سليمان على التليفزيون الرسمي المصري قائلًا: إن الدعوة إلى رحيل الرئيس هي دعوة للفوضى، منددًا بـبعض الأشخاص المشبوهين الذين يعملون لصالح جهات أجنبية، وغالبًا كان يقصد البرادعي.
ثم مع حلول الليل، كان ميدان التحرير على موعد مع معركة أخرى تختلف عن معركة الجمال والخيول، كانت معركة مع النيران. فقد شهدت تلك الليلة هجومًا آخر من البلطجية ومؤيدي مبارك يحملون قذائف المولوتوف ويلقونها على داخل الميدان من ناحية عبد المنعم رياض، وآخرون يلقون بكرات من اللهب من فوق أسطح الأبنية العالية التي تطل على الميدان.
وكما حدث في موقعة الجمل، حدث مرة أخرى في معركة النيران. وتحول الميدان كله إلى خلية نحل تعمل بقوة لحمايته. نساء يعملن على تكسير قطع الحجارة، وآخرون يحملون الكسر في صناديق، وآخرون يعملون على توصيل المدد لخط الدفاع الرئيسي حتى يستلمه المدافعون عن الميدان على جبهة الحرب. كان الاستبسال والصمود عنوان المشهد، فبمجرد أن يُعالج أحدهم وتُخيط جروحه ويُوقف نزيفه، كان يهرول عائدًا مرة أخرى إلى جبهة القتال الأمامية.
والمشهد برمته كان عبارة عن حرب مصغرة. في نفس الوقت الذي يعمل فيه البعض على إقامة متاريس وحواجز لمنع اختراق الميدان وللحماية، وآخرون يتولون نقل المصابين إلى المستشفى الميداني لإسعافهم. بل إن بعض المتظاهرين كانت كل مهمتهم هي الطرق بقوة على السور الحديدي المحيط برصيف ميدان التحرير، مصدرين صوتًا عاليًا لإثارة الحماسة وترهيب المعتدين.
وفي ظل كل ما يحدث، كان التلفزيون المصري يذيع تحذيرًا متكررًا لساعات متواصلة نصه كالتالي: نظرًا لقيام عناصر إيثارية في طريقها إلى ميدان التحرير لإلقاء كرات اللهب، فإن على جميع المتظاهرين إخلاء الميدان على الفور، مما جعل الثوار يتأكدون أن النهاية أصبحت قريبة، وأن اعتصامهم أصبح يضغط بصورة أشد وأقوى مما سبق على مبارك. وكان الأمر فضيحة للتليفزيون المصري ولنظام مبارك، فكيف يعلم التليفزيون بوجود من سماهم مجموعات “إيثارية” تتجه إلى ميدان التحرير بنية إخلائه بالقوة ولا يحرك الأمن ولا الجيش ساكنًا؟ بل يعمل على ترهيب الضحايا وتحذيرهم لإجبارهم على الرحيل؟!
بعد ذلك، أصبح هذا البيان مادة دسمة للسخرية من التلفزيون المصري ومن باقي القنوات الفضائية الخاصة. وبمجرد خبو وهج النيران المشتعلة، بدأت أصوات إطلاق رصاص حي كثيف للغاية على قلب الميدان. وشوهد بعض القناصة على أسطح بعض المباني وأعلى كوبري 6 أكتوبر الذي يمر فوق ميدان عبد المنعم رياض المطل على التحرير، ثم بدأ تساقط المتظاهرين بنيران القناصة في مشهد مروع للغاية. وبدأت الإصابات بالجملة حتى مطلع الفجر، حتى بدأ الجيش أخيرًا في التحرك متأخرًا جدًا لإحكام سيطرته على مداخل التحرير، بعد يوم وليلة غاية في القسوة على التحرير وساكنيه.
---
## من أسفل القدم إلى الرأس ليس فيه صحة
URL: https://tabcm.net/51702/
Type: post
Modified: 2026-03-15
من أسفلِ القدمِ إلى الرأسِ ليس فيه صحّة.
(سفر إشعياء ١: ٦)
وبعد أن أعلن حزقيال تدخّلَ الله لرعاية قطيعه، يفتح سفرُ إشعياء زاويةً أعمقَ للنظر إلى الجُرح ذاته، كاشفًا أنّ أزمةَ القيادة لم تكن حادثًا منفصلًا، بل نتيجةَ مسارٍ روحيٍّ طويلٍ أصاب الجماعةَ كلَّها. ففسادُ الرؤساء لم ينشأ في فراغ، بل خرج من قلبٍ جماعيٍّ زاغت قلوبُه عن إلهه.
ويعبّر إشعياء عن هذا الواقع منذ مطلع سفره، حين يصوّر المرض وقد سرى في الجسد كلّه، قائلًا: «من أسفلِ القدمِ إلى الرأسِ ليس فيه صحّة»، في إشارةٍ إلى انهيارٍ شاملٍ لم يُصِب الرأسَ وحده ولا الجسدَ وحده، بل أصاب الكيانَ بأسره.
وهكذا تُرِك المجتمعُ لفراغٍ لم يملأه إلّا أسوأُ الاختيارات، كاشفًا عن اتّجاهاتِ القلوب التي اختارت، فتفكّكت العلاقات، واضطرب النظام، وتسارع طريقُ الانهيار، لا بوصفه عقابًا اعتباطيًّا، بل حصادًا طبيعيًّا لانفصال الإنسان عن مصدر النور والتمييز. وبذلك يكشف إشعياء أنّ ما جرى في يهوذا لم يكن سقوطًا مفاجئًا، بل انكشافًا لما كان يتآكل في الداخل منذ زمن.
ويُعلن إشعياء أنّ الربَّ سينزع من أورشليم ويهوذا مقوّماتِ الثبات التي كانت تحفظ توازن المجتمع، قائلًا: «هوذا السيّدُ ربُّ الجنود ينزعُ من أورشليم ويهوذا السَّندَ والرُّكن… القاضيَ والنبيَّ… والشيخَ، ورئيسَ الخمسين، والمُعتبر، والمشير».
ولا يشير هذا الإعلان إلى أنّ الله ألغى القادةَ الصالحين تعسّفًا، بل إلى رفع نعمته الحافظة التي كانت تُبقي في وسط الشعب رجالَ حكمةٍ واستقامة. فحين رفض الشعبُ الربَّ، وزاغ قلبُه عن الحقّ، لم يعُد يحتمل حضورَ الأمناء، ولا يُصغي لصوت المستقيمين، فانكفأ هؤلاء أو أُزيحوا أو أُبعدوا بطرقٍ مختلفة، حتّى خلت الساحة منهم.
وهكذا، لم يبقَ في الواجهة إلّا ما يُشبه اتّجاهاتِ القلوب السائدة. فحين يُرفَض النور، لا يبقى إلّا سواد الظلّ، وحين تُقصى الحكمة، يتقدّم الجهل، لا لأنّ الله أراده، بل لأنّ الإنسان اختاره. فكان نزعُ السَّند كشفًا للواقع، لا صناعةً له؛ إعلانًا لما صار إليه القلب، لا فرضًا لمسارٍ جديد.
ويصف النبيّ نتيجة هذا الفراغ قائلًا: «وأجعلُ صِبيانًا رؤساءَ لهم… فيَظلِمُ الشعبُ بعضُه بعضًا».
لا يتحدّث إشعياء هنا عن أعمارٍ بيولوجيّة، بل عن غياب النضج، وانعدام البصيرة، وتسلُّم القيادة بأيادٍ تفتقر إلى الحكمة والتمييز. وحين تُسلَّم المسؤوليّة لمن لا يدرك وزنها، لا تتوقّف الأزمة عند مستوى الحكم، بل تتسرّب سريعًا إلى نسيج المجتمع كلّه.
فتختلّ العلاقات، وتضيع الحدود، ويتحوّل الاضطراب من القمّة إلى القاعدة، حتّى يصير الظلم حالةً متبادلة لا استثناءً عارضًا. ولذلك يرسم النبيّ صورةَ انهيار القيم بقوله: «الصبيُّ يتمرّدُ على الشيخ، والدنيءُ على الشريف»، في مشهدٍ يعكس انقلابَ الموازين، لا بقوّة العنف وحده، بل بسقوط المعايير التي كانت تضبط الحياة المشتركة.
وهكذا يكشف إشعياء أنّ الخطر الحقيقي لم يكن في ضعف القيادة فحسب، بل في تفكّك المرجع الذي يُعرّف ما هو صواب وما هو باطل. فحين يُفقَد هذا الميزان، لا يعود المجتمع قادرًا على تصحيح نفسه، بل يدخل في دائرةٍ متسارعة من الانحدار.
وقد ظهرت نتائج هذا المسار بوضوح في التاريخ، حين سقطت يهوذا في يد بابل، وسُبي أصحاب الخبرة والحكمة، كما يذكر السفر أنّ «جميع الرؤساء وجبابرة البأس والصنّاع» أُخذوا إلى السبي، فخلا المشهد من القيادة الرشيدة، وانكشف المجتمع أمام الانهيار الكامل، حتّى انتهى الأمر بخراب أورشليم سنة ٥٨٦ قبل الميلاد.
لكنَّ إشعياء لا يكتفي بوصف الظاهرة اجتماعيًّا فحسب، بل ينتقل إلى مواجهةٍ مباشرة مع القادة بسبب تعدّياتهم العهديّة الجسيمة، إذ لم تكن أفعالهم مجرّد انحرافاتٍ سلوكيّة، بل خيانةً صريحة للوكالة التي أُقيموا فيها أمام الله. فالنصّ يتحوّل من توصيف العقاب إلى مشهدِ محاكمةٍ إلهيّةٍ صريحة، إذ يقول: «قدِ انتصبَ الرَّبُّ للمخاصمة، وهو قائمٌ لدينونةِ الشُّعوب. الرَّبُّ يدخلُ في المُحاكمةِ مع شيوخِ شعبِه ورؤسائِهم».
يظهر الله هنا قاضيًا ومُدَّعيًا في آنٍ معًا، لا بوصفه مراقبًا من بعيد، بل حاضرًا في قلب المشهد، يواجه المتّهمين بجرائم محدَّدة لا لَبْس فيها، قائلًا: وأنتم قد أكلتمِ الكَرْمَ؛ سَلَبُ البائسِ في بيوتِكم. ما لكم تسحقون شعبي وتطحنون وجوهَ البائسين؟ يقولُ السَّيِّدُ ربُّ الجنود ((سفر إشعياء 3: 14–15 )).
تُعدّ هذه الآيات من أقوى ما كُتب في الكتاب المقدّس عن استغلال القادة للأمّة؛ إذ يُشبّههم الربّ بمن يلتهمون كرمه الخاص، أي يستغلّون موارد البلاد -والكرم هنا رمزٌ لإسرائيل- لمنافعهم الذاتيّة. فبدل أن يحموا الفقراء، قاموا بسلبهم، وبدل أن يرعوا الشعب، سحقوه، حتّى صار وجودُ الضعفاء نفسه مادّةَ ربحٍ للمتسلّطين.
ولذلك يقف الربّ شخصيًّا ضدّ الشيوخ -أي القادة المدنيّين- وضدّ الرؤساء -أي أصحاب السلطان والحكم- ليُحاكمهم على هذا الظلم الصارخ. فالتهمة الموجَّهة إليهم لا تقتصر على إهمال مساعدة الفقراء، مع خطورة ذلك، بل تتجاوزها إلى ما هو أعمق وأقسى: أنّهم استغلّوا بؤسَ الفقراء ليُغنوا أنفسهم. إنّها صورةٌ لفسادٍ مُمنهَج، يتحوّل فيه أصحاب السلطة إلى طغاةٍ اقتصاديّين، يُراكمون الثروة من خلال إفقار الضعفاء.
---
## اﻹيمان الحقيقي وشك اﻷنبياء
URL: https://tabcm.net/54211/
Type: post
Modified: 2026-03-14
الإيمان الحقيقي لا يولد من الخوف، ولا ينمو تحت ضغط القوانين. فالإيمان في جوهره ليس نظامًا من الأوامر والنواهي، بل علاقة حيّة بين الإنسان والله. لذلك لا يمكن أن يكون الإيمان صادقًا إذا فُرض بقوة القانون أو بسلطة المجتمع.
القانون يستطيع أن يضبط السلوك الخارجي، فيمنع السرقة أو القتل أو الظلم، لكنه لا يستطيع أن يغيّر قلب الإنسان. قد يلتزم الإنسان بالقانون خوفًا من العقاب، لكنه لا يصبح بالضرورة إنسانًا صالحًا من الداخل. أما الإيمان الحقيقي فيبدأ من القلب، حين يكتشف الإنسان محبة الله، ويختار بحرية أن يعيش هذه العلاقة.
المؤسسات الدينية يمكن أن تعلّم وترشد وتضع قواعد تنظّم الحياة المشتركة، لكنها لا تستطيع أن تخلق الإيمان داخل الإنسان. فالإيمان لا يُفرض بقرار سياسي، ولا بضغط اجتماعي، ولا بسلطة دينية، بل يولد في الداخل عندما يفتح الإنسان قلبه لله.
المشكلة تبدأ حين يتحول الدين إلى مجموعة من القوانين الجامدة أو إلى أداة للسيطرة على الناس. عندها يفقد الإيمان روحه، ويتحوّل إلى مجرد طقوس أو ممارسات شكلية. بينما الإيمان الحقيقي يحرّر الإنسان، لا يقيّده؛ يفتح قلبه للمحبة والرحمة والغفران، ويدفعه إلى فعل الخير.
لهذا فالله لا ينظر أولًا إلى أفعال الإنسان الظاهرة، بل إلى قلبه. فالقانون قد يمنع الشر، لكن الإيمان هو الذي يصنع الخير. والإيمان الصادق لا يمكن أن يُفرض بالقوة، لأنه في النهاية دعوة إلى علاقة حرة بين الإنسان والله.
حين يشك الأنبياء.. ماذا نفعل نحن؟
هناك صورة مثالية يحب الناس أن يصنعوها عن الإيمان. صورة المؤمن الذي لا يهتز، ولا يسأل، ولا يتردد. إيمان صلب بلا شقوق، كأنه جدار حجري لا يعرف الريح ولا المطر. لكن عندما نقرأ بصدق في صفحات إنجيل متى نكتشف أن الحقيقة مختلفة تمامًا.
أحد أعظم الأنبياء في التاريخ، يوحنا المعمدان، الرجل الذي أعلن مجيء المسيح أمام الجموع وقال بثقة: «هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم»، يجد نفسه بعد فترة قصيرة في السجن، وتحت وطأة العزلة والتهديد بالموت، يرسل سؤالًا مذهلًا:
أأنت هو الآتي أم ننتظر آخر؟ ((متى ١١: ٣ ))
السؤال لا يصدر عن إنسان عادي. إنه يصدر عن نبي رأى بعينيه، وسمع بأذنيه، وشهد بنفسه. ومع ذلك، عندما ضاقت الجدران حوله، تسلل الشك إلى قلبه.
وهنا يجب أن نتوقف قليلًا.
إذا كان نبي بحجم يوحنا يمكن أن يتساءل في لحظة ضعف، فكم بالأحرى نحن؟
المشكلة ليست في وجود الأسئلة. المشكلة في الثقافة الدينية التي تخاف من الأسئلة. كثير من المؤسسات الدينية تفضل المؤمن الصامت، المطيع، الذي لا يسأل ولا يناقش. لكن الإيمان الحقيقي لا يولد من الصمت القسري، بل من الصراع الصادق مع الأسئلة.
في قصة يوحنا المعمدان نكتشف درسًا مهمًا: الشك ليس دائمًا علامة ضعف، بل قد يكون أحيانًا علامة صدق.
يوحنا لم يخفِ سؤاله. لم يتظاهر بالقوة. لم يرتدِ قناع اليقين. بل أرسل إلى المسيح يسأل بوضوح. هذا في حد ذاته فعل إيمان. لأنه عندما شك، لم يبتعد عن الله… بل اقترب أكثر.
الإيمان الحقيقي ليس إيمانًا بلا أسئلة. بل إيمان يعرف إلى أين يذهب بأسئلته.
وفي مشهد آخر من نفس الإنجيل، نجد تلميذًا آخر يمر بلحظة مشابهة. بطرس يطلب من يسوع أن يأتي إليه على الماء وسط العاصفة. والمثير أن بطرس نجح فعلًا. لقد مشى على الماء. لكنه عندما نظر إلى الريح واشتد خوفه، بدأ يغرق.
هذه القصة ليست عن فشل بطرس، بل عن طبيعة الإيمان البشري. الإيمان يبدأ قويًا عندما تكون أعيننا ثابتة على الله، لكنه يضعف عندما تتحول أعيننا إلى العاصفة.
كم مرة بدأنا الطريق بشجاعة ثم خفنا عندما اشتدت الرياح؟
كم مرة بدأنا نحلم بالتغيير ثم تراجعنا عندما واجهنا الواقع؟
الإيمان ليس حالة ثابتة من اليقين. هو رحلة بين الشجاعة والخوف، بين الثقة والتساؤل.
لكن ما يميز المؤمن الحقيقي ليس أنه لا يغرق، بل أنه عندما يغرق يصرخ: «يا رب نجني».
وهنا تكمن المفارقة الجميلة في الإيمان المسيحي. الله لا يبحث عن أبطال بلا ضعف، بل عن بشر يعرفون كيف يعودون إليه عندما يضعفون.
يسوع لم يوبخ يوحنا المعمدان رغم سؤاله. بل قال عنه إنه أعظم من وُلدوا من النساء. ولم يترك بطرس يغرق في البحر، بل مد يده وأمسكه.
في عالم يطالبنا دائمًا بأن نبدو أقوياء، يفتح الإيمان بابًا مختلفًا: باب الصدق.
الصدق مع الله. والصدق مع أنفسنا.
لذلك ربما يجب أن نعيد طرح السؤال بطريقة أخرى.
ليس: لماذا يشك المؤمن؟ بل: ماذا يفعل المؤمن عندما يشك؟
هل يهرب؟
أم يبحث أكثر؟
هل يغلق قلبه؟
أم يفتح عينيه من جديد؟
الأنبياء أنفسهم مرّوا بلحظات ظلام. لكنهم لم يسمحوا للظلام أن يكون النهاية.
ربما يكون هذا هو الدرس الحقيقي.
حين يشك الأنبياء، لا يسقط الإيمان… بل يصبح أكثر إنسانية.
والإيمان الذي لا يسمح للإنسان بأن يكون إنسانًا، ليس إيمانًا حيًا.
---
## حماة اﻻيمان والملفات الصفراء [٣]
URL: https://tabcm.net/54090/
Type: post
Modified: 2026-03-12
نستكمل اليوم مؤامرة جديدة ووشاية جديدة لكاهن النمسا، ضد واحد من خيرة شباب الكنيسة، الذي من المفترض أن تتشرف به الكنيسة أمام العالم، الأستاذ أمجد بشارة.
حكايتنا هنا ما بين عام 2018 و 2019 حين كان أمجد بشارة يقوم بتدريس مادة الفنون الكتابية (أدبيات الكتاب المقدس) في أحد معاهد الكتاب المقدس في إحدى مدن القليوبية. عمل سنة في المعهد، وفي نهاية العام، وضع امتحان للطلاب، وصحح لهم الامتحان، ثم كانت الوشاية من كاهن النمسا.
بدأت الوشاية بصورة ملف PDF عبر الواتساب، وطبعًا كالعادة، لقطات شاشة من فيسبوك كلها “هجايص”. وملف أمجد أصبح حوالي 200 إلى 300 صفحة “فراغ”، كما ذكرت سابقًا، وهو ما يجيب على سؤال من أين أتى بالوقت لكل هذا؟ لكن البعض يتعجب ويتساءل: من أين أتى بهذه الطاقة لإعداد ملف من 200 صفحة؟ ويتساءل البعض: من أين أتى بضمير ملوث ليفعل هذا بشاب؟ وحقًا ليس لدي إجابة.
تم إرسال الوشاية للكاهن مدير المعهد، الذي للأسف الشديد لم يقم بدوره كراعٍ ومسؤول أمين، واختار أن يُريح نفسه حتى لو على حساب أمانة التعليم وعلى حساب إنسان مظلوم، وبمنتهى البساطة أعطى أوامره للسكرتير يقول لأمجد: ما يجيش المعهد تاني. فطبعًا أمجد راح للكاهن وسأله: ماذا حدث؟ فكان الرد أنه وصله ملف عنه، وأنه لديه أخطاء. فكان رد أمجد: ما هي حتى أصلحها؟ فكان رد الكاهن: أنا ما بفهمش في العقيدة، نبقى نشوف حد يقعد معانا ونشوف، لكن ما تجيش المعهد تاني.
فماذا كان موقف أمجد؟ لم يهتم بصراحة لأنه كان يخدم في المعهد بدون أي مقابل، ويمنح من وقته وجهده، ويعتبره خدمة، حتى أنه لم يفكر أن يتقدم بشكوى للأسقف. تركهم في صمت. طبعًا نسخة من الملف تم إرسالها لوسط البلد، ونسخة أخرى وصلت لإحدى المكرسات بأسقفية الشباب. أما الكاهن “اللي مالوش في العقيدة” فلم يخسر شيئًا، ولكن من خسر كثيرًا هم طلبة المعهد والكنيسة كلها التي تم توزيع الوشاية عليها بدون أي تحقيق أو تصحيح أو عدل. فهل أصبحت كنيسة الإسكندرية تُدار بالوشايات؟
نجحت المؤامرة وتم استبعاد أمجد بشارة من أحَد الأماكن، فلا مانع من تكرارها أكثر من مرة. وفي النهاية، لا أحد يقرأ ولا يدقق، ولكن يكفي فقط أن إنسان واشٍ يقول “دا عنده أخطاء” أو “دا معمول فيه ملف”.
نصيحة للكاهن مدير المعهد: يا ريت تنصح الشباب عندك أن يقرأوا لأمجد بشارة في الدفاعيات المسيحية، حتى يكونوا مستعدين لو أتتهم اتصالات مثل شبهات معاذ عليان، فيستطيعوا الرد. ويا ريت لو اتصل بك معاذ عليان، ألا تجيب الاتصال، طالما “مالكش دعوة بالعقيدة”. لأن معاذ للأسف الشديد لن يتصل بالدارسين مثل أمجد بشارة.
أما أمجد بشارة، أقول له: أنت فخر لكنيسة المسيح. استمر في أبحاثك وترجماتك لأن كثيرين يستفيدون منها، أما وقت الوشايات فسوف يزول ويبقى الحق الذي هو المسيح.
طبعاً الأدلة موجودة والشهود موجودون، وفي حال فتح تحقيق كنسي رسمي في الموضوع، سنعرض كل الأدلة فقط على لجنة التحقيق.
قصة أخرى ضمن ملفات كاهن النمسا، مسؤول “جناح الملفات” في تنظيم حماة الإيمان، حاكها كوشاية ضد أحد الخدام من أبناء الكنيسة. سنلاحظ التدليس والتزوير ومحاولة الإيحاء بمعانٍ أخرى، واستخدام كلمات مثل “إصلاح الكنيسة” للتهييج ضد الخادم واتهامه وتصويره وكأنه ضد الكنيسة، وكأنه يقول إن الكنيسة فاسدة، رغم أن هذه الكلمة لم ترد نهائيًا في البوست.
والسكرين شوت من صفحة الخادم، “اللي مش على مزاج قدس أبونا”، موجودة أمامكم. البوست الذي أثار كاهن الملفات في النمسا عبارة عن اقتراحات وأشياء تحتاجها الكنيسة، ويطرح الكاتب البوست للنقاش والرأي.
والصراحة، لا أدري ما هو العيب في هذا المنشور؟ هل يعترض على أن يكون لنا كاتشيزم؟
لا أعتقد، لأنه هو نفسه -كاهن النمسا- نشر بوست لنيافة الأنبا رفائيل بهذا المعنى.
هل لا تعجبه التوصية بأن الأساقفة والكهنة المفروض يدرسوا اللاهوت ويعملوا دراسات عليا؟ لا أعتقد ذلك، لأن هذا الاتجاه أصبح منتشرًا، والدليل على ذلك أنه بعد تاريخ النشر الذي كان في 2019، سمعنا أن الأنبا رفائيل في 2022 عمل رسالة للحصول على درجة الماچستير.
هل مُعترض أن يكون هناك قانون كنسي في حالة النزاعات؟ طبعًا، أكيد هذا البند لم يعجبه لأنه سيكون فيه تحقيقات، لكنه يريد نظام الوشايات أحسن له “من تحت لتحت، وما حدش يحس بيه، ولا يعرف حاجة”. إلا إذا كان رقم 7؟ لأنه يتحدث في الأمور المالية وإدارتها، وأنها لا يجب أن تكون مسؤولية الكهنة حتى يتفرغوا للخدمة. نعم، رقم 7 ضايقته!
هذه أمور يضعها كاهن فيينا في ملف، ويقول لمن يرسل له الملف إن “فلان عنده أخطاء”،
ولا أحتاج أن أقول لكم إن الذي يصل له الملف، لا ينظر فيه، ويختار أن يريح نفسه ويستبعد الخادم المُحاك له الوشاية.
---
## كنيستنا القبطية إلى أين؟
ونقاشات مع البابا واﻷنبا أنجيلوس
URL: https://tabcm.net/54048/
Type: post
Modified: 2026-03-10
بمناسبة صدور كتاب “كنيستنا القبطية إلى أين؟” تشرفت بلقاء قداسة البابا تواضروس الثاني بالمقر البابوي بالقاهرة يوم السبت ٢٨ فبراير ٢٠٢٦، لأهديه نسخة من الكتاب برِفقة ابني م. مرقس كمال. أتمنى أن يُسهم هذا الكتاب، بما يحمله من عرض وتوصيات، في دعم الكنيسة ورسالتها لحساب الإنسان بحسب المسيح.
كان اللقاء مع قداسة البابا مفعمًا بالمحبة والأبوة، وقد اتسع صدره لحديث امتد لنحو الساعة والنصف، وأثلج صدري بتطمينات عميقة في مسيرة الكنيسة تؤسس لخدمة تتجاوز الصراعات والتجاذبات، ستجني الكنيسة ثمارها تباعًا، وتعمق خدمتها ورسالتها في إعلان الإيمان وتعميق المحبة والسلام والفرح وخدمة النفوس المتعطشة لحياة أفضل.
وبعد هذا اللقاء، كان هناك لقاء يوم الثلاثاء ٣ مارس ٢٠٢٦ في ضيافة الأب الأسقف الأنبا أنجيلوس، أسقف عام كنائس شبرا الشمالية، لإهدائه نسخة من الكتاب.
كانت الأبوة حاضرة، برؤية واعية ومختبرة لمفكر برتبة أسقف، يرى فيه نموذجًا للخادم المدرك لماهية رسالته، وتحديات اللحظة، ويقينية تفكيكها، على أرضية زخم ما تملكه الكنيسة من معطيات وخبرات تناقلتها أجيالها، لذا جاء الحوار معه موضوعيًا وإيجابيًا.
تطرق إلى وضعية كنيسة اليوم ومسؤوليتها في إيصال رسالتها لرعيتها وفق منظومة إيمانها وأدواتها، والتي تمثل الليتورجية عمودها الفقري الذي يعلن المسيح بقوة. كما تواجه إشكالياتها بوعي وموضوعية، تأسيًا بنهج الآباء الذين اختبروا الحياة في المسيح، في توافق بين الأصالة والمعاصرة.
تطرق الحوار إلى حاجتنا لتعميق وترسيخ مفهوم الجسد الواحد، والتنوع والتكامل، ومركزية لاهوت التجسد ومن ثم الفداء في التعليم والحياة، وإعادة التلمذة نسقًا معاشًا في البيت والكنيسة ومنظومات الرهبنة والخدمة، وتعميق الوعي بالأسرار الكنسية مفهومًا ودلالة وممارسة.
وتوقفنا مليًا عند “أنسنة الإكليروس” والتخلص من الصور الذهنية التي تعزلهم عن إنسانيتهم وتنكر عليهم حاجتهم للدعم النفسي والروحي ومخاطر اعتبارهم طبقة لا تئن ولا تعاني من ضغوط الحياة ولا تحتاج لمن ينصت إليها. والانتباه لتعرضهم لمخاطر الاكتئاب لما يحملونه من هموم على أصعدة متعددة، في دوائر الحياة الخاصة ودوائر الخدمة.
واحتل طرح المعوقات جانبًا غير قليل من اللقاء؛ الأسباب والمواجهات والمخارج، واقترب الحديث من القضايا التي طرحتها في كتابي، وشخوصه، وتشابكاته. وما يحمله من خارطة طريق للخروج من نفق طال.
كانت الرهبنة؛ المفهوم والكيان وإشكالياتها المعاصرة، والإكليريكية؛ الدور والمنهج والخبرة اللاهوتية والإنسانية، والتلمذة في كليهما، من القضايا التي اقتربنا منها، لأنهما يمثلان قاعدة ضبط وبناء الذهنية القبطية السوية.
كان من المنطقي أن تجد “الأحوال الشخصية” مكانًا في الحوار، وكانت جزئية الطلاق في مقدمتها، وخرجنا بأن الجدل يحسمه ضبط المصطلح وفهم ماهية الزواج وتطوره منذ أدم وبعد السقوط ثم إعادة المسيح الاعتبار له، والفرق بين الطلاق وبطلان الزواج أو فسخ العقد، وحاجتنا لدراسة لاهوتية قانونية موضوعية، تستوعب منهج المسيح في تجفيف المنابع، وهو ما أستوعبته ـ في تقديري الشخصي ـ لائحة 1938، التي يمكن تنقيحها وعصرنتها والبناء عليها.
خرجت من اللقاء بقدر وافر من يقينية أن الله أبقي له بقية، لم تنحن أمام موجات التشكيك والإحباط، والمعاول التي تسعي لقطع الطريق على مسارات الإصلاح وتنقية حقولنا مما زرع والناس نيام لعقود هذا عددها.
---
## الكورونا بين الكنيسة الأولى والكنيسة المعاصرة
URL: https://tabcm.net/2589/
Type: post
Modified: 2026-03-10
من أهم الدروس التي لقنتها جائحة كورونا للكنيسة، أنه من الحكمة ألا نتكلم في المواقف التي تحتاج إلى الصمت.
في بداية الجائحة، أسرع الكثير من الكهنة والخدام بالحديث باسم الله، لإعلان غضبه الساطع على البشرية الفاسدة، ولا أدرى كيف ينصّبون أنفسهم كمتحدثين رسميين باسم الله؟ هل الله غير قادر على التعبير عن ذاته؟ بالطبع لا، فالله يستطيع أن يعلن بطريقة لا تدع بها مجالًا للشك أنه غاضب، يستطيع إنزال نورًا من السماء، ورعدًا، وبرقًا! والأهم من ذلك، هل لنا الحق في أن نتكلم باسم الذات الإلهية، مبينين مشاعرها حين تغضب، وحين تسر؟ وكيف نتجرأ على تحديد نية الله وضميره من الأحداث بهذه السهولة والسرعة؟! فنحن نتعثر في فهم البشر المحدودين في كثير من الأحيان، فكيف نجزم أننا نفهم الله غير المحدود!
إِذًا لاَ تَحْكُمُوا فِي شَيْءٍ قَبْلَ الْوَقْتِ، حَتّى يَأْتِيَ الرّبّ الّذِي سَيُنِيرُ خَفَايَا الظّلاَمِ وَيُظْهِرُ آرَاءَ الْقُلُوبِ. وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْمَدْحُ لِكُلّ وَاحِدٍ مِنَ اللهِ
(كورنثوس الأولى ٤: ٥)
باسيلوس الكبير والكورونا
لننتقل الآن إلى تعاليم آباء الكنيسة الأوائل ورؤيتهم للأوبئة. يقول القديس باسيليوس الكبير:
“من ينسب الشر إلى الله يشبه الوثني. من يقول “ليس إله” هو الذي لا يملك عقلًا ولا حكمة، كذلك من يقول “الله مسبب الشرور” هو شبيه به، لأن الأول والثاني ينكران “الله الصالح”. فالأول يقول “لا يوجد إله”، والآخر يقول “إن الله ليس صالحًا”؛ لأنه لو أن الله هو مسبب الشرور فهذا يعني أن الله ليس صالحًا، إذًا هناك إنكار لله من كلا الجانبين.
يتساءلون من أين تأتي الأمراض؟ من أين هذه الميتات المبكرة؟ من أين الدمار العظيم الذي يلحق بالمدن؟ من أين العواصف؟ من أين الأوبئة؟ إن هذه الأمور تعتبر -في نظرهم-: بالطبع شرورًا وكلها من أعمال الله! ويتمادوا في ذلك بقولهم: “من هو الآخر الذي يمكننا أن نتهمه بارتكاب هذه الحوادث إلا الله.”
(القديس باسيليوس الكبير،الله ليس مسببا للشرور، ص ١٩)
هل تدرك خطورة هذه الفقرة؟ القديس باسيليوس الكبير يساوي بين من يقول إن الله يسبب الشر، وبين الوثني؛ لأن الاثنان لا يعرفان الله الصالح الحقيقي في نهاية الأمر! فما الفائدة من أن تعرف أن المسيح هو الله، وأنت لا تعرف من هو بالحقيقة؟ من ينسب لله الشرور يعبد صورة مشوهة لله وليس الله الحقيقي. هذا هو رأي أحد أهم آباء الكنيسة الأوائل في القرن الثالث.
رؤية كنيسة العصر الحديث لله والشرور
يجد الكثير من محبي تغذية الشعور بالذنب عند الموعوظين في كورونا فرصة هائلة لممارسة هوايتهم المفضلة، وخرجوا علينا ليصرحوا بأنه قد حان الوقت للثأر الإلهي بواسطة الغزوة الفيروسية للقضاء على الملحدين، والمثليين، والهراطقة. وبدلًا من أن يبكوا مع الباكيين، شاعرين بمخاض كوكبنا الشقي، شرعوا في الشماتة في الخطأة، قائلين: قد قلنا لكم ماذا سيفعل الله بكم لكنكم لم تسمعوا! انظروا كيف يحتار العلماء في فيروس شديد الصغر، لا يُرى بالعين المجردة! فالحديث قد انحدر وتدنى إلى مستوى طفولي، مثير للشفقة.
يقول الأب داود لمعي أن: الأهم من متابعة الأخبار والاهتمام بالإجراءات الاحترازية، هو معرفة الرسالة الإلهية، التي استلمها هو بنفسه من الله لكي يقصها علينا بالطبع. وأتعجب من ذلك الذي يظن نفسه من كوكب آخر؛ فهل تعتقد أن الله يسيج حولك بحماية خاصة دونًا عن باقي البشر، ويستثنيك من الألم، وهو لم يستثني ابنه الوحيد؟!
كما يقول القمص داود لمعي، أنه لو لم نركز على عقاب الله وسخطه، كيف سيتوب الشعب: “أمال الناس هتتوب إزاي؟” ولا أعلم هل يعتبر الله التوبة والصلاة، انطلاقًا من الخوف منه وتجنب عقابه، توبة حقيقية وصلاة فعلًا أم لا. فهل نظام الابتزاز بأن نصلي ونكف عن فعل الخطيئة في مقابل ألا يصيبنا الله بمكروه، فيه من التقوى في شيء؟
ولو كنت، كخادم، لا تستطيع مساعدة الناس على التوبة إلا بإرهابهم، فما هو الفرق بينك وبين داعش؟ وما هو التميز في أن تخرج على الشعب لتلقي في قلوبهم الرعب ليخروا ساجدين أمام الله، وحين ينتهي الخطر، يرجعون إلى حيث جاءوا؟ هل الخوف هو السبب الوحيد للتوبة حقًا؟ هل الله ليس به من الجمال ما يكفي ليحبه الناس طواعية؟
وعلى الرغم من الإيمان بأن الكورونا هي “غضب من الله على الأشرار بشكل واضح جدًا جدًا“، قد أصيب القمص وأسرته بها، بالإضافة إلى عدد مهول من الكهنة والشمامسة ممن فقدوا حياتهم. فحين أشار القمص إلى الكورونا قال: “كلمة وباء كانت مقترنة دايمًا بغضب الله في العهد القديم يا أحبائي.”
لكننا نعرف من العهد القديم كذلك أن الله “لا يهلك البار مع الأثيم“، فهل من تنيحوا من الكهنة، والخدام، والأطفال أشرار؟ فالعلامة الفاصلة أن الغضب مُنصب على الأشرار، هو نجاة الأبرار منه، كما رأينا في قصة الضربات العشر، وسدوم وعمورة.
فَتَقَدّمَ إِبْرَاهِيمُ وَقَالَ: «أَفَتُهْلِكُ الْبَارّ مَعَ الأَثِيمِ؟ عَسَى أَنْ يَكُونَ خَمْسُونَ بَارّا فِي الْمَدِينَةِ. أَفَتُهْلِكُ الْمَكَانَ وَلاَ تَصْفَحُ عَنْهُ مِنْ أَجْلِ الْخَمْسِينَ بَارّا الّذِينَ فِيهِ؟ حَاشَا لَكَ أَنْ تَفْعَلَ مِثْلَ هذَا الأَمْرِ، أَنْ تُمِيتَ الْبَارّ مَعَ الأَثِيمِ، فَيَكُونُ الْبَارُّ كَالأَثِيمِ
(تكوين ١٨)
فإذا هلك الأبرار، كيف سيعلم الأشرار أنهم المقصودين من الوباء؟ والمفارقة أن من يلعنون الغرب الملحد الكافر المثلي، قد هرعوا لتلقي اللقاح المصنوع بواسطة هؤلاء الكفرة!
وهل يعني نجاح اللقاح أن العلماء، والملاحدة قد غلبوا الغزوة الإلهية؟ فالصين هي أعلى دول العالم إلحادًا وقد نجحت في إنتاج لقاح فعال ضد الكورونا، وإنجلترا التي تضع صورة المثلي “آلان تورنج” على عملتها قد نجحت هي الأخرى، فهل قد فشلت الغزوة الفيروسية، وخطة الله؟
أترى كم هي خطرة تلك التصريحات، وكم هو سيء أن نتحدث باسم الله؟ وفي رأيك من جدير بالتصديق – رأي باسيليوس الكبير أم رأي القمص؟
الكنيسة الأولى والعهد القديم
ببساطة شديدة، لا يوجد سبب لنا، كمسيحيين، لقراءة العهد القديم سوى ما جاء فيه من نبوءات عن المسيح. فلا يوجد في صلوات الكنيسة (الليتورجيا) أي شيء من العهد القديم، سوى المزامير، وهي أيضًا تكون مرتبطة بإصحاح العهد الجديد المقرر قراءته في القداس، وبعص نصوص العهد القديم تُقرأ في أسبوع الآلام لأنها مرتبطة بالمسيح أيضًا.
لم تهتم الكنيسة الأولى بتاريخية نصوص العهد القديم، وتناولتها بقراءة رمزية؛ فالحروب، على سبيل المثال، ترمز إلى الحرب بين مملكتي الخير والشر. لذلك، لا توجد حروب العهد القديم في تاريخ الكنيسة، ولا حتى قصة عبور شعب إسرائيل لنهر الأردن. فهذه النصوص روحية، ولا نعلم أن كانت حدثت كذلك في الواقع أم لا. ونحن ككنيسة لا نستطيع أن نحارب حربًا باسم المسيح، كما حارب الشعب اليهودي.
الكنيسة الأولى لم تساو بين العهدين. نعم، وسيبدو الأمر صادمًا لك بعض الشيء حين تعرف أن أول من ساوى بين العهدين هو “چون كالڤن” في القرن ال17، وسُميت هذه العقيدة بوحدة العهد (أي أنه عهدًا واحدًا، لا اثنين) كما رفض “كالڤن” التفسير الرمزي للعهد القديم، ونادى بحرفيته التاريخية، وانتشر هذا المبدأ من الكنيسة الإنجيلية إلى الكنيسة الأرثوذكسية، والكاثوليكية.
قبل “چون كالڤن”، كانت الكنيسة تقدس العهد الجديد أكثر بكثير من العهد القديم، لأن الناموس كان خاصًا بشعب إسرائيل فقط، وجاء لهدف معين لهذه الأمة، ولم يعطه الله للبشر جميعهم: هل سمعنا أن الله أعطى الناموس لنينوى، أم أنه قبل توبتهم فقط؟
كان الهدف من العهد القديم هو تأديب البشرية لقبول النعمة بعد أن فشلت في الوصول إلى الله عن طريق الدين. ففشل الناموس في تقويم البشرية يعلمنا التجرد من الجمود إلى رحب العلاقة مع الله.
إِذًا قَدْ كَانَ النّامُوسُ مُؤَدّبَنَا إِلَى الْمَسِيحِ، لِكَيْ نَتَبَرّرَ بِالإِيمَانِ
(غلاطية 3: 24)
لا دينونة
يعلمنا العهد الجديد أن الدينونة قد انتهت بموت الابن عن البشرية؛ فلن يدين الله العالم مجددًا، وإلا فما فائدة التجسد، وما قيمته إذا كانت البشرية التي مات المسيح لأجلها ما زالت تحت الدينونة!
وسوف تسمعون..
وَسَوْفَ تَسْمَعُونَ بِحُرُوبٍ وَأَخْبَارِ حُرُوبٍ. اُنْظُرُوا، لاَ تَرْتَاعُوا. لأَنّهُ لاَ بُدّ أَنْ تَكُونَ هذِهِ كُلّهَا، وَلكِنْ لَيْسَ الْمُنْتَهَى بَعْدُ. لأَنّهُ تَقُومُ أُمّةٌ عَلَى أُمّةٍ وَمَمْلَكَةٌ عَلَى مَمْلَكَةٍ، وَتَكُونُ مَجَاعَاتٌ وَأَوْبِئَةٌ وَزَلاَزِلُ فِي أَمَاكِنَ
(الإنجيل بحسب متى، الإصحاح 24)
قال لنا أننا سنسمع عن أوبئة، وحروب، ومجاعات، واضطهادات، فبما أنك تؤمن أن الأوبئة من الله، فهل الحروب، والاضطهادات أيضًا من الله؟ هل الله يضع الشر في قلب الحكام، وينشف عشب الأرض، ويجفف مياه الأنهار حتى يتضور الناس جوعًا، بما فيهم الأطفال الأبرياء فقط ليؤمن الناس به؟ إذا قُلت إن داعش أكثر رحمة من هذا الإله الهش السادي الذي يتصوره البعض لما بالغت؛ فداعش تقطع رقبتك مرة واحدة، لكن المجاعات والحروب تقتلك ببطء رتيب!
اسمح لي، عزيزي القارئ، أن أقولها لك بصراحة، ولا تغضب مني: إن كنت تؤمن أن هذا هو الله الصالح، فأنت مريض نفسي، وتحتاج إلى علاج. ولذلك، أرجوك باسم الإنسانية -إن كنت تهتم بها أصلًا- أن تبتعد عن الناس قليلًا؛ فهم لديهم ما يكفيهم من أوجاع، ولا يجدون من يرفق بهم. وأنصحك بقضاء وقتلك مع إلهك السادي الذي تحبه، أغلق على نفسك باب الغرفة وتحدث معه في أي شيء تحبه، كإمكانية إنزال نيزك لدك المثليين مثلا، أو أعكف على تأليف ترتيلة ترجوه فيها أن يرسل الزومبي، أو يحي الديناصورات من جديد لتلتهم الملحدين، وأتمنى لك وقتًا سعيدًا.
---
## التمايز في شرح العقيدة المسيحية [٣]
URL: https://tabcm.net/2351/
Type: post
Modified: 2026-03-10
قلنا في المقالات السابقة إن لاهوت الغرب في العصر الوسيط شرَح فداء المسيح متأثرًا بالفكر السياسي و القانوني السائد. فقال بأن المسيح دفع الثمن واحتمل العقوبة ومات عن الخطاة وأرضَي مطالب العدل الإلهي.
إنَ تَوافق العقيدة والإيمان مع مصطلحات القانون الأرضي تَخلق سهولة ووضوحًا يقبله البسطاء وعامة الناس. يقول ق بولس: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَأَنّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيّةُ إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيّةِ الْمَوْتُ، وَهكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ ((رومية ٥: ١٢ )). فنجد أن خطية آدم نتج عنها دخول الموت الروحي إلى طبيعة الإنسان (وَبِالْخَطِيّةِ الْمَوْتُ).
لم يكن موت آدم هو انفصال النفس عن الجسد، وإنما انفصال الروح القدس عن النفس [بالخطية] هو الذي جلب الموت على النفس.
(القديس إيسيذوروس البيلوسي، معلّم ق. كيرلس السكندري)
وبوراثة موت آدم تفسد طبيعة نسله فيفعل الخطية وهكذا مات الجميع (اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ) و القديس بولس يصرخ باسم الإنسانية بسبب مصيبة الموت / الفساد التي أمسكت بطبيعتنا:
وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشّقِيُّ! مَنْ يُنْقِذُنِي مِنْ جَسَدِ هذَا الْمَوْتِ؟
( رومية ٧: ٢٤)
آباء الكنيسة في الشرق جميعهم فرأوا رومية هكذا: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَأَنّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيّةُ إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيّةِ الْمَوْتُ، وَهكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ ((رومية ٥: ١٢ ))، فيه، أو به، أي بالموت وليس بآدم أو في آدم.
هنا بداية تشعب طريق الشرق والغرب لاهوتيًا. فالوحيد الذي عدَل النص اليوناني -لأنه كان يجهل اليونانية- هو أوغسطينوس أبو اللاهوت الغربي، فقرأ النص (إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ – في آدم). وهنا أصبح الفرق الدقيق بين الشرق والغرب هو:
(١) إما أن يكون مصدر الخطية في الإنسان هو الموت الذي انتقل بالتناسل من طبيعة آدم بعد السقوط (لاهوت الشرق).
(٢) وإما أن خطية آدم الخاصة به هي مصدر الخطية في الإنسانية ككل (لاهوت الغرب).
آباء الشرق قالوا بوراثة البشر لطبيعة آدم المائتة، وليس وراثة الخطية التي فَعَلها لأن الفعل لا ُيوَرث. أما لاهوت الغرب فقال العكس، أننا نرث خطيئة آدم بالتناسل. وتأسيسًا على ذلك نجد لاهوت الشرق يركز على التجسد الإلهي كأساس لخلاص الإنسان لأنه يحتاج إلي تجديد طبيعته العتيقة الفاسدة المائتة إلي خليقة جديدة وهي التي أسسها إبن الله في ناسوته بالتجسد الإلهي. فصار من ألقاب المسيح اللاهوتية ”إبن الإنسان“ و”آدم الثاني“. ولتأكيد أهمية التجسد الإلهي في الخلاص نجد أن يوحنا الرسول يجعل منه أساس الإيمان المسيحي.
وَكُلّ رُوحٍ لاَ يَعْتَرِفُ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ أَنّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْجَسَدِ، فَلَيْسَ مِنَ اللهِ
(يوحنا الأولى ١: ٤)
. بينما ركز لاهوت الغرب على الصليب كأساس لخلاص الإنسان، لأن فكر العصر الوسيط و لاهوت حركة الإصلاح في شَرح موضوع الفداء يَعتبر أن تبرير الله للإنسان كان من خلال استيفاء أحكام شريعة موسي. لذلك فإن قادة حركة الإصلاح جميعًا وبدون استثناء درسوا رسالتي رومية وغلاطية على أساس أن المسيح قد نال عقاب الموت الذي ينص عليه الناموس بدلًا عن الإنسان الذي أخطأ . فنال المسيح كإنسان حكم البراءة و العفو من الآب ثم أَعطي لنا هذا التبرير. هذه هي فكرة البديل الُمعاقَب أو البديل الخلاصي ودفْع الثمن وتقديم الترضية للآب التي نشأت في العصر الوسيط منذ أن كتب أنسلم رئيس أساقفة كانتربري كتابه المشهور ”لماذا تجسد الله“.
ثم جاءت حركة الإصلاح في القرن ١٦ لكي تمسك بنفس الفكر، وتجعله المبدأ السائد الذي يشرح كل شيئ. إن لاهوت الغرب ينظر إلي تبرير الإنسان أنه نتيجة حِفظ المسيح للناموس وسلوك المسيح البار حسب الناموس ثم َقتْل البار ظلمًا على الصليب، أي أنه نتيجة استيفاء المسيح للعدل بمفهومه الأرضي. بينما نلاحظ أن ق. بولس في رسالة رومية وغلاطية يواجه تيار التهود والعودة إلى الناموس. ويقول إن العهد القديم الذي يمثله موسي قد أُبطل في المسيح ((كورنثوس الثانية ٣: ١٤ )) لأن شريعة موسي أتت بحكم الموت علي الخطاة، وأن نهاية خدمة الناموس هي الموت. ويقول بأن البر هو من الإيمان بالمسيح يسوع لا بأعمال الناموس: وَأَمّا الآنَ فَقَدْ ظَهَرَ بِرّ اللهِ بِدُونِ النّامُوسِ ((رومية ٣: ٢١ )). وأن تبرير الإنسان هو علي سبيل النعمة و الهبة المجانية ”مُتَبَرّرِينَ مَجّانًا بِنِعْمَتِهِ بِالْفِدَاءِ الّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ“ ((رومية ٣: ٢٤ )).
لذلك جدير بنا أن نتوقف لكي نسأل هل يمكن أن تكون النعمة هي ثمرة تطبيق الشريعة وحفظ الناموس؟ أو إن النعمة تنشأ بقانون أو تصدر من محكمة؟ لذلك ينتهي بولس إلي حقيقة التدبير الإلهي أن الوسيط الوحيد ربنا يسوع حلَّ محل التوراة والناموس وأن الله في المسيح كان مصالحًا العالم لنفسه ((كورنثوس الثانية ١٩: ٥ )). و أن العهد الجديد جاء بالحياة ليس كقرار عفو عن الخطاة أو كمبدأ قانوني ُيطبَق حسب قواعد الشريعة و لكن بالانضمام إلي شخص يسوع المسيح الذي هو الحياة نفسها. وأن التبرير هو التغيّر إلي مجد الرب. هذا المجد الذي لا يعرفه الناموس نَتَغَيّرُ إِلَى تِلْكَ الصّورَةِ عَيْنِهَا، مِنْ مَجْدٍ إِلَى مَجْدٍ ((كورنثوس الثانية ٣: ١٨ )).
لذلك فإن لاهوت الشرق يقول بأن تبرير المسيح للإنسان أُعلِن كنعمةٍ تُوهَب للإنسان بسبب صلاح الله. فهو إعلان محبة وليس إعلان شريعة لأَنّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيّةُ ((يوحنا ٣: ١٦ )). وأن الرب لم يمت على الصليب حسب الناموس، وإنما حسب النعمة (المقال القادم): وَلكِنَّ الّذِي وُضِعَ قَلِيلاً عَنِ الْمَلاَئِكَةِ، يَسُوعَ، نَرَاهُ مُكَلّلاً بِالْمَجْدِ وَالْكَرَامَةِ، مِنْ أَجْلِ أَلَمِ الْمَوْتِ، لِكَيْ يَذُوقَ بِنِعْمَةِ اللهِ الْمَوْتَ لأَجْلِ كُلِّ وَاحِدٍ ((عبرانيين ٢: ٩ )).
والسبح لله.
---
## التمايز في شرح العقيدة المسيحية [٢]
URL: https://tabcm.net/2350/
Type: post
Modified: 2026-03-10
اللاهوت المسيحي، بدايةً، شرَح عمل المسيح علي الصليب كما قال آباء الشرق بحسب ما جاء في الإنجيل من أن الصليب هو إعلان عن محبة الله: لأَنّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيّةُ. ((يوحنا ٣: ١٦ )).
وفي القرن السادس عشر لجأ قادة حركة الإصلاح في أوروبا إلي نظريات عقلية قانونية استحدثوها، تقول بأن الصليب كان لاستيفاء العدل الإلهي مستخدمين في ذلك نفس المصطلحات اللاهوتية المشترَكة التي وردت في الكتاب المقدس مثل : فداء – كفارة – بر .. إلخ، وذلك بهدف القضاء على انحرافات كنيسة العصر الوسيط والتي تمثلت في: المطهر – صكوك الغفران – المفهوم الخاص عن الإفخارستيا ((شرحت الكنيسة الرومانية في منشورها عام ١٠٥٩: الإفخارستيا بشكل منظور وليس بطريقة سرية نرى دم المسيح في يد الكهنة ويُمضَغ جسده بأسنان المؤمنين. ))، والفهم الخاص عن سلطان الكهنوت ((تقول صلاة التحليل اللاتينية القديمة: بموجب السلطان المعطى لي من الكنيسة؛ أنا أحللك من خطاياك باسم الآب والإبن والروح القدس. وهي تختلف عن الصيغة الأرثوذكسية: اللهم حاللنا وحالل كل شعبك. )).
و عن طريق استحداث نظرية ”عقيدة الكفارة“، استطاع قادة حركة الإصلاح هدم: المطهر، صكوك الغفران، سلطان الكهنوت في كنيسة العصر الوسيط:
إذا كان المطهر هو عبارة عن تكفير للخطايا أو أن يوفي الإنسان ديونه للعدل الإلهي، فما لزوم الكفارة وهي عمل المسيح وحده الذي وفَي كل مطالب العدل الإلهي؟
( مارتن لوثر)
و قد أدي هذا الاستحداث بقادة حركة الإصلاح إلي التساؤل: إذا كان الرب قد أكَمل و أتم الخلاص في الصليب يوم الجمعة، فما هي فائدة ودور الأسرار الكنسية مثل التناول؟
و بذلك وَ ضَع المذهب البروتستاني نهاية حاسمة لتعليم لاهوت العصر الوسيط، وذلك بالتأكيد علي نظرية لاهوتية قانونية بأن المسيح دفع ثمن خطايانا علي الصليب لله الآب ترضيةً له ولعدله ولغضبه علي خطية الإنسان، وذلك بأن تحمّل العقاب عوضًا أو كبديل عن الخطاة. وهكذا ظهرت النظرية اللاهوتية ”موت المسيح النيابي” أو “البدل العقابي“.
و استمر هذا الاستحداث اللاهوتي النظري الذي بدأ بفكرة أن الله دفع الغرامة إلى الله، أي أن العمل يبدأ بالله وينتهي بالله، وبالتالي ليس على الإنسان إلا أن يؤمن بما حدث على الصليب. وهكذا نشأ ”التبرير بالإيمان“ عند البروتستانت والذي أدي إلي اقتلاع الأسرار الكنسية من جذورها في تعليمهم. فالأسرار -وبشكل خاص الإفخارستيا- هي رموز و علامات فقط، ُتذَكِر المؤمنين بما فعله المسيح علي الصليب.
أما اللاهوت الشرقي فلا يَعرف على الإطلاق مفاهيم العصر الوسيط الخاصة بهذه الكلمات (فدية؛ كفارة..) ، و إنما انسجامًا ظاهرًا بين معاني هذه الكلمات ومعانيها في الكتاب المقدس. لذلك لم تذكر الصلوات الأرثوذكسية (الليتورجية) تلك المعاني التي استحدثتها تلك النظريات. فمن المعروف أن الليتورجية هي مرآة عِلم اللاهوت في الشرق. فالتعليم وشرح العقيدة الذي لا أساس له في الليتورجية لا أساس له في الأرثوذكسية، لأن الإيمان الذي لا يُعبَر عنه في صلاة إنما هو إيمان عقلي وفكر خاص. هذا على الرغم من إضافة صلاة قسمة كاثوليكية في الخولاجي المقدس المطبوع بمعرفة مكتبة المحبة بعد عام ١٩٧٠م. وهي ليست موجودة بالخولاجي المقدس المحَقَق بيد القمص عبد المسيح المسعودي في طبعته الأولي ١٩٠٢م. ومن بعده على نفقة القمص عطا الله أرسانيوس المحرقي ولا حتى طبعته الثانية ٢٠٠٢م. الصادرة من دير البراموس.
و كمثال لما سبق، نجد أن صلاة القداس الأرثوذكسي توضح أن الصليب جاء بعمل إيجابي و ذلك بتجديد و إحياء الخليقة، وردَّ الحياة لها بعد أن كانت مستعَبَدة للموت: والموت الذي دخل إلى العالم بحسد إبليس هدمته بالظهور المحيى الذي لابنك الوحيد ربنا و إلهنا و مخلصنا يسوع المسيح ((صلاة الصلح في القداس الباسيلي بالقبطية الأرثوذكسية. ))، ونجد أن إعلان العهد الجديد هو مصدر هذا الفهم الأرثوذكسي لعمل المسيح علي الصليب:
فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلاَدُ فِي اللّحْمِ وَالدّمِ اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضًا كَذلِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ، وَيُعْتِقَ أُولئِكَ الّذِينَ خَوْفًا مِنَ الْمَوْتِ كَانُوا جَمِيعًا كُلَّ حَيَاتِهِمْ تَحْتَ الْعُبُودِيّةِ.
(عبرانيين ٢: ١٤-١٥)
فبينما نرى مما سبق أن المسيح مات علي الصليب لكي يبيد الموت، فإن نظرية الكفارة حسب إخوتنا البروتستانت تقول بأن الابن قدَّم نفسه فدية للآب أو أرضَي مطالب العدل و قدَّم للآب فديةً هدَّأت غضبه و جعلته يرضى عن الإنسان. إن اللاهوت الأرثوذكسي يَفهم ”الفدية“ و”الكفارة“ التي قام بها المسيح – أقنوم الابن المتجسد- ليس علي أنه ثمن يدفعه الإبن للآب كعمل سلبي يعلو فوقه صلاح الله، لأنه يُحَوّل المسيح من الأقنوم المتجسد إلي ثمن -وهو مفهوم ساد في الفكر الغربي البروتستانتي أكثر من الكاثوليكي- ولكن يَفهم الفدية أنها عمل وقوة المسيح التي تحرر الإنسان وليست ثمنًا يُدفَع أو دَيناً يُرَّد. وأيضاً َيفهم ”الكفارة“ أنها تَعبير عن التطهير والغفران. فالله يكفر عن شعبه. أي يغفر ويستر الخطايا. وهو أيضًا يفتديه، أي يخلصه من يد الأعداء ومن السقوط في وهدة الهلاك.
فالمسيح أقنوم مساوي للآب و ليس ثمناً يُدفع للآب. و موت الرب على الصليب هَدَم الموت و أزال العداوة. هذا هو المسيح ”الفادي“ الذي يَفدي، يَفُك، يُخلّص قوتك فكَكَت بذراعك شعبك ((مزمور ٧٧: ١١ )). أو قل المسيح ”الفدية“ إن شئت، ولكن ليس بمفهوم الثمن بل بمفهوم عمله علي الصليب في عتق وتحرير واقتناء الإنسان. كلها معاني تُعَبّر عن الخلاص في معناه الشامل.
وللعلم فإن العهد القديم لم يستخدم الاسم ”فدية“ في الكلام عن خلاص وفداء الله بل استخدم دائمًا الفعل ”يَفدي“، وأطلق اسم الفاعل ”فادي“ علي الله نفسه. ولعل أول ما يخطر على فكر القارئ بخصوص الفدية هو مفهوم ذبائح العهد القديم. ولكن هذا يتطلب بعض الشرح فيما بعد لا يتسع له المقال الآن.
وكمثال آخر، يصلي الأرثوذكس في صلاة باكر: يا من سُمرت علي الصليب من أجل الخطية التي تجرأ عليها أبونا آدم في الفردوس، مزق صك خطايانا أيها المسيح إلهنا و نجنا.. قتلت الخطية بالخشبة، أحييت الميت [آدم] بموتك.. من أجل هذا نمجد المسيح إلهنا لأنه قوي ((صلوات قطعة الساعة السادسة (صلاة باكر) في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية. )). هنا أيضًا نري اللاهوت الشرقي مستمدًا من إعلان العهد الجديد:
وإِذْ مَحَا الصّكّ الّذِي عَلَيْنَا فِي الْفَرَائِضِ، الّذِي كَانَ ضِدّا لَنَا، وَقَدْ رَفَعَهُ مِنَ الْوَسَطِ مُسَمّرًا إِيّاهُ بِالصّلِيبِ
(كولوسي ٤: ٢)
وفي هذا كله يُظهِر اللاهوت الشرقي أن المسيح مزق (ليس دفع) الصك. أهمية هذا الفهم هو موضوعنا القادم.
والسُبح لله.
---
## التمايز في شرح العقيدة المسيحية [١]
URL: https://tabcm.net/2318/
Type: post
Modified: 2026-03-10
* الله كلم الآباء (بالأنبياء) بأنواع وطرق كثيرة (عب 1). فإن الإدراك الإنساني له مستويات مختلفة. ولا يمكن أن يتفق الكل على ما يدركه كل واحد على حدة، ولكن الكل يتفق على الهدف أو الغاية التي لأجلها وُضِعَت العقيدة.
إن الله الذي رسم نفسه في خليقته، هو الذي طبعها على التنوع لأنه مثلث الأقانيم. فتثليث الأقانيم هو مصدر التنوع: تنوع المواهب، تنوع الخليقة، وتنوع الوجود نفسه (مادي. روحي. وما نكتشفه في مستقبل الأيام). لذا فالتنوع ضرورة، وهو أساس الحرية في كيان الله و بالتالي حرية الإنسان لأن الله خلقه على صورته في الحرية.
الله هو جوهر واحدٍ مساويٍ وغير منقسمٍ بين أقانيم / أشخاص ثلاثة متمايزة. هذا الجوهر الإلهي الواحد هو الغِنَي المطلق الذي منه يأتي كل غِنَي. فأقانيم الله فيها تمايز، ولذلك اختلفت الأسماء الإلهية: الآب غير الابن غير الروح القدس. وصفات جوهر الله مُعلَنة بصورة مُطلقة في الأقانيم الثلاثة. والمحبة هي أهم صفات جوهر الله. و المحبة لها غاية تسعى إليها وهي الاتحاد بالآخر. والاتحاد الحقيقي هو بين من يتمايزون. لذلك بدون التنوع لا مكان للمحبة.
* إن شرح العقيدة الأرثوذكسية، هو شرح متعدد لحقيقة واحدة وتعليم واحد، صاغه قانون الإيمان واجتهد الآباء معلمو الكنيسة في شرحه بطرق متنوعة، من أجل الاحتفاظ بالفروق الفردية وخصائص حياة كل شخص. هذا نراه في الإنجيليين الأربعة؛ كتبوا أربع أناجيل متنوعة عن المسيح الواحد. ونجد أيضا أن الروح القدس يمنح مواهب متنوعة، مع أن الرب الواحد هو الذي يوزع هذه المواهب.
* و في النهاية نقول، إن التنوع هو مصدر الوحدة، فنحن نتحد بما نختلف عليه، و هذا مجال المحبة وغايتها. وما نختلف عليه هو ما يجعل تمايز كل شخص سببًا للوحدة؛ لأننا نتحد بمن هو مختلِف عنَّا في فهم وإدراك المعاني الكامنة في النصوص المقدسة. و هكذا تتحد الكنيسة في تنوع الشرح لأنها تسمح بالحرية وبتعدد الرؤى، لكي ينمو كل إنسان حسب فهمه وحسب الهدف الذي تحدده العقيدة.
* وما يلفت النظر هنا، هو اتفاق هذه الشروح المتنوعة وانسجامها مع ليتورجية (صلوات) الكنيسة. وهذا هو ما حفظ وحدتها، وأكد أن الإيمان واحد.
* و بالنسبة للعقيدة المسيحية عامةً فهي واحدة من حيث أن الأرثوذكس والكاثوليك والبروتستانت يؤمنون بالتثليث والتوحيد، وبالتجسد الإلهي، وبمسيح واحد هو إبن الله الظاهر في الجسد، و بالقيامة من الأموات وحياة الدهر الآتي.. إلخ؛ و لكن الشرح لها متعدد.
* لقد شرح الغرب العقيدة المسيحية شرحًا عقليًا مؤسسًا علي الفكر والفلسفة. أما الشرق الأرثوذكسي فقد ركَّز في شرحه للعقيدة المسيحية علي الممارسات الليتورجية (الصلوات و الطقوس الكنسية: قداس، معمودية، ميرون..) والحياة النسكية.
* إن شرح الغرب (الفكر الأوربي) للعقيدة المسيحية يعكس بالضرورة تطور الفكر الكاثوليكي في العصور الوسطى، والذي يعتبر المصدر التاريخي واللاهوتي للفكر البروتستانتي الذي جاء به عصر الإصلاح في القرن السادس عشر.
* ولما كان شرح الغرب للعقيدة قائمًا على الفلسفة والفكر الاجتماعي السائد آنذاك، لذلك تأثر أيضًا بالفكر السياسي؛ أما الشرق فقد فَصَل بين الفكر السياسي والإيمان المسيحي.
* لذلك نجد أن شرح آباء الشرق قد روحن المصطلحات التي كانت سائدة في عصرهم، بينما لاهوت الغرب سيَّس هذه المصطلحات و فسَّرها في إطار القانون.
* فبينما اهتم الشرق بالمحبة الإلهية وبالصلاح الإلهي الذي أُعِلن لنا من الآب بالابن في الروح القدس، لذلك حَفِظَ مفهوم العدل الإلهي كجزء من المحبة الإلهية، وفَهِمَ العدل الإلهي بشكل يختلف عن العدل الأرضي – عدل المحاكم والقانون؛ نجد أن الغرب حصر المحبة في إطار العدل لأن هذا يتفق مع النظام السياسي؛ فالإمبراطورية المسيحية التي أسسها شارلمان لا تقبل مجانية النعمة.
* إن الكنيسة القبطية و منذ القرن العاشر، وبسبب الغزو العربي لمصر في منتصف القرن السابع، انقطعت صلتها بفكر آبائها الذين كتبوا باليونانية والقبطية وبدأ التأليف باللغة العربية. هذه الفترة تكاد تكون خلت من نتاج فكري يضمن التواصل مع تسليم الآباء، مما سمح للفكر الكاثوليكي والبروتستانتي للتغلغل بالتدريج منذ مطلع القرن التاسع عشر مع الإرساليات. و لولا احتماء الكنيسة القبطية بصلواتها- والتي تُعتبر في حد ذاتها أدق صِيَغ تُعبر عن الإيمان، لضاعت إلي الأبد هوية الكنيسة القبطية، و لَفَقَد اللاهوت الأرثوذكسي أعمق مُعَبّر عنه.
والسُبح لله.
---
## ذبائح العهد القديم في اللاهوت الشرقي الأرثوذكسي
URL: https://tabcm.net/2356/
Type: post
Modified: 2026-03-10
لقد تجسد إبن الله الكلمة وصار رئيس كهنتنا الأبدي الذي قدَم جسده الذاتي بإرادته وحده ذبيحة أبدية أسس بها عهده الجديد مع الإنسان. لذلك هو الكاهن والذبيح معًا للعهد الجديد.
أما عن ذبائح العهد القديم تِلْكَ شَرِيعَةُ الْمُحْرَقَةِ، وَالتّقْدِمَةِ، وَذَبِيحَةِ الْخَطِيّةِ، وَذَبِيحَةِ الإِثْمِ، وَذَبِيحَةِ الْمِلْءِ، وَذَبِيحَةِ السّلاَمَةِ،الّتِي أَمَرَ الرّبّ بِهَا مُوسَى فِي جَبَلِ سِينَاءَ، يَوْمَ أَمْرِهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِتَقْرِيبِ قَرَابِينِهِمْ لِلرّبِّ فِي بَرِّيّةِ سِينَاءَ ((لاويين ٧: ٢٣ ))، فإن الليتورجيات (الصلوات) الأرثوذكسية لم تقدم أية إشارة إليها، أي ذبيحة الإثم، المحرقات بكل أنواعها، ذبيحة الخطية، ذبيحة السلامة، تقدمة خبز الوجوه.
إن غياب هذه الذبائح في الليتورجيات الأرثوذكسية ليس مجرد مصادفة. ذلك لأن قلب وجوهر الطقس والعقيدة الأرثوذكسية لا يمكن أن تشرحه ذبائح العهد القديم تلك. وقد أوضح القديس بولس الرسول والقديس أثناسيوس الرسولي هذه الحقيقة. فرسالة العبرانيين ١٠ تتكلم عن أن الله لَمْ يُسَرّ و لم يطلب أصلاً ذبائح الشريعة الموسوية لأَنّهُ لاَ يُمْكِنُ أَنّ دَمَ ثِيرَانٍ وَتُيُوسٍ يَرْفَعُ خَطَايَا، بِمُحْرَقَاتٍ وَذَبَائِحَ لِلْخَطِيّةِ لَمْ تُسَرَّ، ذَبِيحَةً وَقُرْبَانًا لَمْ تُرِدْ وَلكِنْ هَيّأْتَ لِي جَسَدً [تجسُد المسيح].
يشرح ق. أثناسيوس ((القديس أثناسيوس الرسولي، الرسالة ١٩من رسائل عيد القيامة، عام ٣٤٧م. )) كيف أن الشريعة لم تأمر أولًا وفي البداية بتقديم الذبائح، وأنه لم يكن هذا هو تدبير الله الذي أعطي الشريعة أن تُقَدَم له المحرقات: لأَنّي لَمْ أُكَلّمْ آبَاءَكُمْ وَلاَ أَوْصَيْتُهُمْ يَوْمَ أَخْرَجْتُهُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مِنْ جِهَةِ مُحْرَقَةٍ وَذَبِيحَةٍ ((إرميا ٧: ٢١ )).
ولكنه أوصي الشعب بأن يعرفوه أنه الإله الحقيقي وكلمته، وأن يحتقروا هؤلاء الآلهة الكاذبة التي تُدعَي كذبًا آلهة. وأظهر الله ذاته لشعبه بشكل ظاهر، وجعلهم يعرفون أنه هو الذي أخرجهم من أرض مصر.
ولكن عندما اختاروا أن يعبدوا البعل، وتجاسروا على أن يقدموا الذبائح لمن لا وجود لهم، ونسوا المعجزات التي تمَت في أرض مصر، وعوضًا عن الحَمَل (الفصح) الذي أُعطِيَ لهم أن يقدموه، تعلموا كيف يذبحون للبعل، بل وفكروا في العودة إلي مصر، هنا فقط جاء الناموس بالوصية الخاصة بالذبائح حتى يتعلموا كيف يعبدون الله حسب وصايا الناموس وبذلك يتركون الأوثان.
أما عن الحَمَل الذي أُعطِيَ لهم، والذبيحة الواحدة التي تَجُب كل الذبائح، فهي ذبيحة عيد الفصح، وهي المناسبة التي أسَس فيها ربنا يسوع المسيح سر تقديم جسده ودمه بخبز وخمر. لذلك فإن مركز وقلب التعليم الأرثوذكسي هو حَمَل الفصح؛ لأن حَمَل الفصح أَبعد ملاك الموت وحَوَل الُمهلك عن شعبٍ بأكمله، مثلما حَوَلت ذبيحة الرب على الصليب الموت والفساد عن الجنس البشري كله.
والعلاقة بين حَمَل الفصح وموت الرب تتلخص في أن ذبيحة حَمَل الفصح: أبادت الموت / كانت للخلاص من الموت والعبودية / هي الوحيدة التي يأكلها الشعب كلها / هي عن الشعب كله / يقدمها الشعب كله / لا يُقَدَم منها شيئ على المذبح ليُحرَق بالنار، لأنها لم تكن لمغفرة الخطايا.
فعلى خلاف رؤية اللاهوت الغربي لذبيحة المسيح على الصليب، نجد أن حَمَل الفصح لا علاقة له بما يمكن أن ُيقال عن حَمْل عقوبةٍ، أو موتٍ نيابي عن خطيئة آخر، أو استيفاءٍ لعدل الله أو ترضيةٍ لغضب الله مِن جهة ذنب إنسان. هذا الفكر هو مِن وَضْع مدارس لاهوت العصر الوسيط في أوروبا و بتأثير من الفكر القانوني السائد ذلك الوقت عن عدم وجود مغفرة مجانية.
وأيضًا بسبب تفسير الغرب أننا ورثنا خطية آدم وليس طبيعته المائتة، مما استوجب عقابَ شخصٍ بديلٍ عن البشر -وهو يسوع المسيح- يحمل العقوبة عنهم استيفاءاً لعدل الله الذي ظنوه عدلًا لا يختلف عن عدل محاكم البشر، وربما أقل لأن القانون البشري لا يعاقب بريء عوضًا عن المذنب.
أما اللاهوت الشرقي فبحسب الكتاب ((راجع المقال الثالث من نفس السلسلة. )) اعتقد بوراثة الطبيعة المائتة لآدم وليس خطيئته. لأن فعل الإنسان لا يُوَرّث بل نتائجه. أي فساد الطبيعة البشرية نتيجة خطية آدم، مما تطَلب شفاء الطبيعة البشرية بتجسد المسيح.
ولقد أُلصِقت فكرة موت البديل البريء عن المذنب بدايةً بالعهد القديم، ثم وصلت إلي المسيح نفسه و جَعلت منه خاطئ، حاشاً له. فهو قدوس القديسين، حتى يدفع ثمن خطايا البشرية موتًا على الصليب. مع أنه لا يوجد نص ٌواحدٌ في العهد القديم، ولا في المصادر اليهودية السابقة علي المسيحية، أو في المسيحية الشرقية، يقول إن الخطية تنتقل بوضع يد مُقرّب الذبيحة إلى الذبيحة.
أما بخصوص ما ُذكِر في سفر اللاويين عن ذبيحة المُحرَقة: وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِ الْمُحْرَقَةِ، فَيُرْضَى عَلَيْهِ لِلتّكْفِيرِ عَنْهُ ((لاويين ١: ٤ ))، فإن السفر لم يذكر أية علاقة بينها وبين الخطية بالمرة؛ بل إنها تقدمة اختيارية حيث يبدأ السفر بكلمة “إذا”: إِذَا قَرّبَ إِنْسَانٌ مِنْكُمْ قُرْبَانًا لِلرّبّ. كما أنها رَائِحَةِ سَرُورٍ لِلرّبّ ولا علاقة لها بالخطية. ولكن المُقرّب يضع يده علي رأس الذبيحة، لكي يؤكد فعل التقديم حسب شرح كل علماء المسيحية واليهودية.
إن خرافة انتقال خطية الإنسان إلى حيوان بريء لا يَعرف فكر الإنسان ولم يشاركه خطيته، حاول بها شيعة ”الإخوة“ وغيرهم، شرح ما جاء في رسالة بطرس: الّذِي حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي جَسَدِهِ عَلَى الْخَشَبَةِ ، لِكَيْ نَمُوتَ عَنِ الْخَطَايَا فَنَحْيَا لِلْبِرّ ((بطرس الأولى ٢: ٢٤ ))، في حين أنهم يجهلون الأصل اليوناني للفعل ”حَمَلَ“ وأنه بمعني”رفع“ أو ”أزال“ الخطية كعائق، وليس أضاف إلى نفسه ومَلَك ما لا يمكن امتلاكه، وهو الخطية.
الله لا يقبل موت إنسان عن إنسان وإلا كان استجاب لشفاعة موسي عن بني إسرائيل أن يموت بديلًا عنهم: وَالآنَ إِنْ غَفَرْتَ خَطِيّتَهُمْ، وَإِلاّ فَامْحُنِي مِنْ كِتَابِكَ الّذِي كَتَبْتَ. بينما كان رّد الله له: مَنْ أَخْطَأَ إِلَيّ أَمْحُوهُ مِنْ كِتَابِي ((خروج ٣٢: ٣٢ )). ويقول المزمور: الأَخُ لَنْ يَفْدِيَ الإِنْسَانَ فِدَاءً، وَلاَ يُعْطِيَ اللهَ كَفّارَةً عَنْهُ ((مزمور ٢٩: ٧ )). إن مصطلح أن ربنا يسوع المسيح قُدّمَ مُحرَقةً للآب لم يذكره أيٌ من الآباء، و هو مصطلح غائب عن العهد الجديد.
أما نص أفسس: وَاسْلُكُوا فِي الْمَحَبّةِ كَمَا أَحَبّنَا الْمَسِيحُ أَيْضًا وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا، قُرْبَانًا وَذَبِيحَةً للهِ رَائِحَةً طَيّبَةً ((أفسس ٥: ٢ ))، فقد فسره ق. كيرلس الكبير: صار المسيح رائحةً زكيةً، لأنه أعلن في ذاته الطبيعة الإنسانية التي صارت بلا خطية. فلا يجب أن يُشرَح النص علي أساس ما جاء في العهد القديم من الذبائح التي لم يُسَرّ بها الله، بل استنادًا إلي شرح الآباء واستنادًا إلي القاعدة اللاهوتية أن تفسير العهد القديم يجب أن يتم علي أساس إعلانات العهد الجديد وليس العكس: فَإِنّ شَهَادَةَ يَسُوعَ هِيَ رُوحُ النّبُوّة ((رؤيا ١٩: ١٠ )).
لذلك، كانت ذبيحة الفصح ويوم الكفارة وتقدمة إبراهيم لأسحق وتقدمة ملكي صادق من الخبز والخمر هي فقط التي ارتبط ذكرها بذبيحة المسيح في الليتورجيا الأرثوذكسية القبطية.
والسُبح لله.
---
## التبرير في المفهوم الأرثوذكسي
URL: https://tabcm.net/2355/
Type: post
Modified: 2026-03-09
قلنا في المقالات السابقة إن آباء الشرق جميعًا قرأوا رومية ((رومية ٥: ١٢ )) بأن موت وفساد الطبيعة الإنسانية انتقل من آدم إلى ذريته بالوراثة، وليس خطيئة آدم. وبالتالي، ركّزوا على سر تجسد المسيح ابن الله كأساس لخلاص الإنسان المحتاج لتجديد طبيعته، المحكوم عليها بالموت، إلى طبيعة جديدة أسسها ابن الله عندما تجسد.
بينما ركّز الغرب في العصر الوسيط في أوروبا، ثم حركة الإصلاح البروتستانتي في القرن السادس عشر، على صليب المسيح كأساس للخلاص. حيث جاء الغرب بنظرية “البديل المُعاقَب” أو “البديل الخلاصي” لتشرح كيف أن المسيح، وهو البار، حمل خطيئة الإنسان وصلب كفاعل شرٍ واحتمل عقوبة الموت بحسب الناموس. وبذلك قَدّم الترضية للآب ووفّى مطالب العدل الإلهي، فنال حكم البراءة والعفو من الآب كإنسان باستيفاء أحكام شريعة موسى، ثم أعطى لنا حكم البراءة والبر.
إن الغرب رأى أن تبرير الإنسان هو نتيجة لحفظ المسيح للناموس وسلوكه به، ثم قتله بارًا وظالمًا على الصليب. فتبرير المسيح للإنسان في اللاهوت الغربي هو نتيجة استيفاء المسيح للعدل بمفهومه الأرضي؛ سن بسن وعين بعين. بينما اللاهوت الشرقي، كما قلنا سابقًا، لم يضع نظريات لاهوتية بل اعتمد على ما هو مكتوب في الكتاب المقدس.
أولًا: من حيث أن المسيح لم يُصلَب كفاعل شرٍ، بل ظلمًا وحسدًا وبشهود زورٍ؛ وأن الموت لم يأتِ إلى المسيح على الصليب بسبب خطيئة صنعها، فهو البار، ولكن بسبب أنه وُلِدَ من امرأة تحت الناموس، أي كان يحمل طبيعة آدم بعد السقوط، والتي حَكَم الناموس عليها بالموت.
ولكن لما جاء ملء الزمان، أرسل الله ابنه مولودًا من امرأة، مولودًا تحت الناموس، ليفتدي الذين تحت الناموس، لننال التبني.
(غلاطية ٤: ٤-٥)
فالمسيح وُلِدَ في شبه جسد الخطيئة: فاللهُ إذْ أَرْسَلَ ابْنَهُ فِي شِبْهِ جَسَدِ الْخَطِيّةِ، وَلأَجْلِ الْخَطِيّةِ، دَانَ الْخَطِيّةَ فِي الْجَسَدِ ((رومية ٨: ٣ ))، بمعني أن يسوع البار الذي لم يصنع إثمًا، أخذ طبيعتنا التي عليها حُكم الموت بسبب خطية آدم. وأن المسيح صنع هذا بسبب محبته لنا: ابن اللهِ، الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِي ((غلاطية ٢: ٢٠ )). وأن المسيح لم يخضع للشيطان أو الموت: لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنّي، بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي. لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضًا ((يوحنا ١٠: ١٨ )). بل قَبِل أن يدخل بيت القوي (الموت) وينهب أمتعته (البشرية التي تحت سلطان موت الخطيئة) ((متى ١٢: ٢٩ )).
إن العدل الإلهي الذي يقضي بموت الخاطئ، ورحمة الله التي تقضي بخلاص الخاطئ، لا يمكن أن يكونا على طرفي نقيض، أو أن يعمل أحدهما ضد الآخر كما في الإنسان المنقسم على ذاته ((متى ١٢: ٢٥ )). فعمل الله كامل ومتكامل وليس فيه تناقض وانقسام. فالعدل الإلهي هو الجانب الآخر لرحمة الله، فهو عدل يُعيد ما ضاع ويجدد ما أصابه الموت. وقد ألمح الرب بنصيحته في إنجيل لوقا ((لوقا ١٢: ٥٧ )) بسمو عدله فوق عدل الإنسان وفوق الناموس.
ثانيًا: إن التعبير اللاهوتي في رسالة غلاطية يصبغ اللاهوت الشرقي الأرثوذكسي كله.
إذ نعلم أن الإنسان لا يتبرر بأعمال الناموس، بل بإيمان يسوع المسيح، آمنا نحن أيضا بيسوع المسيح، لنتبرر بإيمان يسوع لا بأعمال الناموس. لأنه بأعمال الناموس لا يتبرر جسد ما.
لست أبطل نعمة الله. لأنه إن كان بالناموس بر، فالمسيح إذا مات بلا سبب!
(غلاطية ٢: ١٦، ٢١)
لأنه يثير السؤال: هل بر المسيح الذي بَرَّرنا به، هو بره كإنسان نَفَّذ وقام بكل ما هو مطلوب منه كإنسان حسب الناموس والشريعة؟ الإجابة بكل يقين: لا. بالرغم أن المسيح تَمَّم كل بر ((متى ٣: ١٥ )). فالناموس أو الشريعة وُضِعَت للبشر، وهي لا تَخُصُّ واضع الشريعة لأنه لا يستمد برَّه من الشريعة، بل من كماله الإلهي. فلو كان بر المسيح الذاتي من الناموس، لَتَحَوَّل بر المسيح إلى قدرة إنسانية لا تكفي سوى الإنسان يسوع المسيح، ولا تكفي الإنسانية كلها من آدم إلى آخر الدهور.
إن ق. بولس في رسالة رومية ((رومية ٥: ٢١-٢٠ )) لا يقارن موت آدم بموت المسيح، بل يقارن بين موت آدم وبين النعمة التي بالمسيح كَمَا مَلَكَتِ الْخَطِيّةُ فِي الْمَوْتِ، هكَذَا تَمْلِكُ النّعْمَةُ. ولا يقارن بين خطية آدم وبين تنفيذ المسيح لوصايا الناموس، بل الهبة والنعمة وَلكِنْ لَيْسَ كَالْخَطِيّةِ هكَذَا أَيْضًا الْهِبَةُ … وَلكِنْ حَيْثُ كَثُرَتِ الْخَطِيّةُ ازْدَادَتِ النّعْمَةُ جِدّا.
فلا مجال هنا لعدالة الناموس سن بسن وعين بعين أو عدالة البشر في محاكمهم. فهي ليست مبادلة ولا موت نيابي يُدفَع فيه ثمن خطية. التبرير لم يكن قرارًا إلهيًا جاء نتيجة حفظ المسيح للناموس والشريعة اليهودية. بل أُعلن كنعمة تُوهَب للإنسان بسبب صلاح الله وليس صلاح الإنسان يسوع، بالرغم من أنه البار الّذِي لَمْ يَفْعَلْ خَطِيّةً، وَلاَ وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ ((بطرس الأولى ٢: ٢٢ )). لذلك فنحن أخذنا البر الإلهي كنعمة من الإله يسوع المسيح.
هنا نري معني ما قاله ق. أثناسيوس الرسولي: أعطانا الذي له، وأخذ الذي لنا.
المسيح لم يأت بقرار عفو عن الخطاة -فهذا لا يتطلب تجسد الله- بل جاء لتغيير الطبيعة الإنسانية إلي مجده و برّه علي سبيل النعمة وَنَحْنُ جَمِيعًا نَاظِرِينَ مَجْدَ الرّبّ بِوَجْهٍ مَكْشُوفٍ، كَمَا في مِرْآةٍ، نَتَغَيّرُ إِلَى تِلْكَ الصّورَةِ عَيْنِهَا، مِنْ مَجْدٍ إِلَى مَجْدٍ، كَمَا مِنَ الرّبّ الرّوحِ ((كورنثوس الثانية ٣: ١٨ )). هذا المجد لا يعرفه الناموس ولا علاقة له به.
وفي رسالة تيطس: حتى إذا تبررنا بنعمته، نصير ورثة ((تيطس ٣: ٧ ))، نرى أن التبرير بالمفهوم الإنجيلي الشرقي هو تغيير الطبيعة كضرورة لميراث الملكوت. كان بولس بحسب الشريعة و الناموس بلا لوم. ولكن اعتبر بره الذي بالناموس نفاية أمام البر الذي له من الله والذي ليس حسب الناموس.
من جهة البر الذي في الناموس بلا لوم. لكن ما كان لي ربحًا، فهذا قد حسبته من أجل المسيح خسارة. بل إني أحسب كل شيء أيضا خسارة من أجل فضل معرفة المسيح يسوع ربي، الذي من أجله خسرت كل الأشياء، وأنا أحسبها نفاية لكي أربح المسيح، وأوجد فيه، وليس لي بري الذي من الناموس، بل الذي بإيمان المسيح، البر الذي من الله بالإيمان. لأعرفه، وقوة قيامته، وشركة آلامه، متشبهًا بموته، لعلي أبلغ إلى قيامة الأموات.
(فيلبي ٣: ٦-١١)
إن عظمة بر المسيح أنه هو هو بر الله، برٌّ واحدٌ لا ينقسم، وهو يفوق كل ما يقرره الناموس كثمرة لإرضاء العدل الإلهي، وثبّته بعقوبات من أجل استقرار العلاقات الإنسانية. والدليل أن عيني بولس كانتا على القيامة والحياة الأبدية، أشياء لم يُرَد بخصوصها شيءٌ بالمرة في شريعة موسى ولا في نظام الذبائح.
فالتبرير بالروح في المسيح ليس إعلان براءة الخاطئ، ولكن هو الانضمام إلى المسيح أي الكنيسة لِكَيْ لاَ يَفْتَخِرَ كُلُّ ذِي جَسَدٍ أَمَامَهُ..وَمِنْهُ أَنْتُمْ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ، الّذِي صَارَ لَنَا حِكْمَةً مِنَ اللهِ وَبِرّا وَقَدَاسَةً وَفِدَاءً. حَتّى كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «مَنِ افْتَخَرَ فَلْيَفْتَخِرْ بِالرّبِّ ((كورنثوس الأولى ١: ٣٠ )). هنا يَظهر المسيح نفسه كأقنوم حيث تتوالى أسماؤه: الحكمة، القداسة، البر، الفداء، لتؤكد أننا إزاء علاقة شخصية تجعل عدل الله وبر الله هو شخص المسيح، وليس مبدأ قانوني يُطَبق حسب قواعد الشريعة.
والسُبح لله.
---
## جسد المسيح السري في المفهوم الأرثوذكسي
URL: https://tabcm.net/2354/
Type: post
Modified: 2026-03-09
• المسيحي هو من ينتسب إلي المسيح و يؤمن أن المسيح هو الله الذي ظهر في الجسد وأنه هو ابن الله الأزلي الذي أرسله الآب إلي العالم وحلَ بلاهوته في أحشاء العذراء القديسة مريم واتَخذ منها جسدًا بواسطة الروح القدس. ثم صُلب بإرادته وصعد بجسد القيامة المُمَجَد ليجلس به عن يمين الآب، وأنه أكمل ذلك كله لنا ومِن أجلنا وفينا نحن البشر ومن أجل خلاصنا.
• ولأن جسد المسيح كان فريدًا وليس من زرع بشر أي بدون تدخل رجل، بل من زرع الله أي بتدخل الروح القدس، لذلك اعتُبر جسد المسيح -كما كان جسد آدم الأول- أصلًا جديدًا في ذاته لكل بشر مولود منه: لأَنَنَا أَعْضَاءُ جِسْمِهِ ، مِنْ لَحْمِهِ وَمِنْ عِظَامِهِ ((أفسس ٥: ٣٠ )).
• وعلى مثال آدم الأول الذي أخذنا منه جسدنا الأول الذي نسميه الجسد العتيق، وأخذنا فيه الطبيعة الساقطة بسبب عصيانه الله وبالتالي الموت، كذلك المسيح -آدم الثاني- صار كل ما أكمله المسيح في جسده -الذي أخذه ِمن العذراء- محسوبًا لنا، لأنه أكمله من أجلنا وفي جسدنا. فقد صرنا شركاء في تجسده وموته وقيامته وميراثه في السماء.
إن كان واحد قد مات لأجل الجميع، فالجميع إذا ماتوا. وهو مات لأجل الجميع كي يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم، بل للذي مات لأجلهم وقام.
إذا إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة: الأشياء العتيقة قد مضت، هوذا الكل قد صار جديدًا.
(كورنثوس الثانية ٥: ١٤-١٥، ١٧)
فتجسُد المسيح وحلول الروح القدس علي جسد المسيح في نهر الأردن انتهاء بالقيامة والصعود كان تأسيسًا للإنسان الجديد فيه، عوضًا عن الإنسان العتيق نسل آدم الأول الذي أخذناه بالميلاد من الأب والأم.
والمسيح يعطينا الشركة في هذه الطبيعة الجديدة -جسده المقدس- علي مرحلتين: الأولي هي ما نسميها الولادة الروحية من جسد المسيح الروحي في سر المعمودية:
لأنه كما أن الجسد [جسد الإنسان] هو واحد وله أعضاء كثيرة، وكل أعضاء الجسد الواحد إذا كانت كثيرة هي جسد واحد، كذلك المسيح أيضا. لأننا جميعنا بروح واحد أيضا اعتمدنا إلى جسد واحد [جسد المسيح السري].
(كورنثوس الأولى ١٢: ١٢-١٣)
لذلك َيرجع الروح القدس بَعد أن فارق الإنسان بسقوط آدم الأول أبيه، ويعود ليسكن في الإنسان مرةً أخري بعد أن تَجدد في جسد المسيح أصله الجديد، وذلك يتم للمؤمن في سر مسحة زيت الميرون المقدس للطفل المُعَمَد، فيصبح جسده هيكلًا جديدًا للروح القدس. هذا هو معنى وحقيقة شركة المؤمنين في جسد المسيح: هكَذَا نَحْنُ الْكَثِيرِينَ: جَسَدٌ وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ ((رومية ١٢: ٥ ))، وهذا هو معنى وحقيقة أن الكنيسة هي جسد المسيح السري: وَأَخْضَعَ [الآب] كُلَّ شَيْءٍ تَحْتَ قَدَمَيْهِ [الابن]، وَإِيَاهُ جَعَلَ رَأْسًا فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ لِلْكَنِيسَةِ، الَتِي هِيَ جَسَدُهُ، مِلْءُ الَذِي يَمْلأُ الْكُلَّ فِي الْكُل ((أفسس ١: ١٨ )).
أما المرحلة الثانية فهي في اليوم الأخير حين تقوم أجساد المؤمنين بالمسيح على شبه جسد المسيح المُمَجَد وقت أن قام بعد الصليب الَذِي سَيُغَيِرُ شَكْلَ جَسَدِ تَوَاضُعِنَا لِيَكُونَ عَلَى صُورَةِ جَسَدِ مَجْدِهِ ((فيلبي ٣: ٢١ )).
• وقد استغرب أحدهم قائلًا: هل معنى هذا أن الكنيسة هي التي ُولِدَت في بيت لحم وهي التي صُلِبت على الصليب وليس المسيح، إذا كنتم تقولون إن الكنيسة هي جسد المسيح السري!؟ ومِن الواضح ممّا سبق أنه بعد قيامة الرب يسوع وصعوده إلي الآب في المجد، صرنا لا نعرف المسيح كظاهرة بيولوجية بل المسيح الروحي، فَإِنَّ الْمَسِيحَ […] أَيْضًا تَأَلَمَ مَرَةً وَاحِدَةً مِنْ أَجْلِ الْخَطَايَا، الْبَارُّ مِنْ أَجْلِ الأَثَمَةِ، لِكَيْ […] يُقَرِّبَنَا إِلَى اللهِ، مُمَاتًا فِي الْجَسَدِ وَلكِنْ مُحْيىً فِي الرُوحِ ((بطرس الأولى ٣: ١٨ )). ولذلك قلنا أعلاه إن ولادتنا من جسد المسيح في المعمودية هي روحية، ونسميها سر لأن الرب المتجسد يسوع المسيح هو الآن مستتر في مجد الله:
إذا نحن من الآن لا نعرف أحدا حسب الجسد [سواء نحن أم المسيح، لأن حياتنا الحقيقية مستترة في المسيح الروحي]. وإن كنا قد عرفنا المسيح حسب الجسد، لكن الآن لا نعرفه بعد.
(كورنثوس الثانية ٥: ١٦)
لذلك يعلن لنا الكتاب المقدس أن شركتنا في جسد المسيح الحي الآن هي على مستوى الروح و مستترة في الله بالسر: وَحَيَاتُكُمْ مُسْتَتِرَةٌ مَعَ الْمَسِيحِ فِي اللهِ ((كولوسي ٣: ٣ ))، إلي أن تُستَعلَن في القيامة في اليوم الأخير على مستوى المنظور الأخروي. ومنذ الآن فإن المسيح يُحَوُل طبيعتنا الروحية نحن إلي حياته هو في الأسرار المقدسة كما سبق وشرحنا بعاليه.
• وبنفس مفهوم الإيمان هذا، نتكلم عن سر التناول من جسد الرب ودمه (سر الإفخارستيا) أنه لا يندرج تحت المستوى البيولوجي حسب الجسد ولكن سريًا بحسب الروح. فالروح القدس الذي كوَن جسد المسيح في أحشاء العذراء القديسة مريم، هو ذاته بالتقديس ينقل الخبز والخمر -تقدمة الكنيسة في الإفخارستيا- ليوحِدها بالخبز السماوي، المسيح، المن العقلي، لتصبح تقدمة واحدة. ثم يَضُمُنا الروح القدس إلي ذات الجسد. ففي القداس يحل الروح القدس على القرابين والمصلين.
• فلننتبه يا أخوة إلي ما نتناوله في الإفخارستيا: هوذا كائنٌ معنا علي هذه المائدة الآن عمانوئيل إلهنا ((جزء من صلاة القسمة في القداس الإلهي بالكنيسة القبطية الأرثوذكسية. )). فإن المسيح منذ الآن يُحَوُل طبيعتنا الروحية نحن إلي حياته هو بتناولنا من ”خبز الحياة“ الإفخارستيا، وليس العكس بأن يتحول هو إلى جسدنا.
كان اعتراض التفكير العقلي المادي لأحدهم أنه إذا كانت الكنيسة هي جسد المسيح فإن الكنيسة تأكل نفسها في الإفخارستيا. وهو لا يختلف عن فهم الشيخ الشعراوي عن المسيحيين (أنهم يُحَضِرون جسد إلههم ثم يأكلونه). إن إيماننا الأرثوذكسي وبحسب الإنجيل يعلمنا أننا -الكنيسة- بالتناول نتثبت في أصلنا المسيح الذي هو أصل الكنيسة بحسب قوله: أنا الكرمة وأنتم الأغصان ((يوحنا ١٥: ٥ ))، اثبتوا في وأنا فيكم ((يوحنا ١٥: ٤ ))، فهو الأصل ونحن نتطعم فيه.
• إن تجسُد الله الكلمة وحلوله في أحشاء العذراء هو مقدمة لحلوله فينا. فاللاهوت لم يَحِل بالتجسد الإلهي لكي يبقي حلولًا قاصرًا على الرب يسوع وحده. فعندما يسكن ويحلّ اللاهوت فينا -في المسيح- نُعطَي ”التبني“ لله الآب في المسيح والقيامة من الأموات وشركة الحياة الأبدية.
إن علم لاهوت العصر الوسيط في أوربا -والذي أخذ عنه بعض الأقباط- يقول بأنه بمجرد سكني أو حلول اللاهوت في الإنسان يتحول إلى إله. ولا يعلمون أن اتحاد اللاهوت والناسوت في المسيح هو اتحادًا أقنوميًا، أما الإنسان فاللاهوت يَحِل فيه كنعمة على قدر استيعاب الطبيعة الإنسانية. وأن هناك فارق بين الاتحاد الأقنومي في المسيح وحلول النعمة الإلهية في الإنسان.
إن أفعال المسيح الإلهية تمَت إنسانيًا أي مِن خلال ناسوته. فالمعجزات التي صنعها الكلمة المتجسد هي عمل إلهي صادر من اللوغوس بوسيلة إنسانية من خلال الناسوت المتحد بلاهوته. أما في حالتنا فأفعالنا الإنسانية تأخذ معونة مِن النعمة الإلهية. إن بشريتنا قد تمتلئ منه، لكنه يبقى متفوقًا كرأس وينبوع، ويظل الابن خالق والبشر خليقته. هو واهب الحياة أما نحن فنأخذ نعمة الحياة والقيامة منه ولا نقدر أن نوهبها أو نعطيها إلا مِن خلاله، فهو الذي يعطي لأنه هو المصدر. هو وحده الواحد مع الآب والروح القدس في الجوهر أما نحن فنتشبه بتلك الوحدة على قدر ما تعطينا النعمة، ولكن يظل الفرق بين الأصل والصورة بين الطبيعة و النعمة الممنوحة ((في تقليدنا اللاهوتي الأرثوذكسي السكندري، العلاقة الطبيعية التي كانت قائمة بين العذراء وابنها الإله المتجسِد لم تُضيف على شخصية العذراء حالة اشتراك في طبيعة المسيح الإلهية، حتى بالرغم من حلول الروح القدس عليها أولًا، الذي أعدَها فقط لحَمل الإله، ولكن لم يهبها امتياز الشركة في طبيعة الله (بطرس الثانية 1: 4)، التي ظلَت تنقصها وتنتظرها بالصلاة، إلى أن نالتها مع الرسل يوم الخمسين بمعمودية الروح القدس ونار (أعمال الرسل 2: 4-3) حسب وعد الآب، ثم بالشركة في الجسد والدم وَكَانُوا يُواظِبُونَ عَلَى تَعْلِيمِ الرُسُلِ، وَالشَرِكَةِ، وَكَسْرِ الْخُبْزِ، وَالصَلَوَاتِ (أعمال الرسل 2: 42). وحينئذ فقط كَمُلت قامة العذراء مريم إلى قامة ملء المسيح إلى إنسان كامل في المسيح يسوع. )).
• ثم يعترضون بتعليم لا يَمُت للمسيحية بِصلة قائلين بأن الله لا يسكن ولا يحل فينا ولا يمكن أن نشترك فيه لأننا خطاة. فاخترعوا ما أسموه ”حلول الثبات“. لذلك تجد الأفعال اليونانية والقبطية الخاصة بالسكنى والحلول في العهد الجديد والتي تفيد كينونة الرب يسوع (أي وجوده الذي نحن نثبت فيه) قد تحولت إلي فعل آخر في الترجمة البيروتية يختص بالثبات:
من يأكل جسدي ويشرب دمي يكون فيَ وأنا أكون فيه [ترجمة يونانية/ قبطية] ((يوحنا ٦: ٥٦ [ترجمة يونانية/ قبطية]. )).
من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيَ وأنا أثبت فيه [ترجمة بيروتية] ((يوحنا ٦: ٥٦ [ترجمة بيروتية]. )).
وليست لكم كلمته كائنة فيكم [ترجمة يونانية/ قبطية] ((يوحنا ٥: ٣٨ [ترجمة يونانية/ قبطية]. )).
وليست لكم كلمته ثابتة فيكم [ترجمة بيروتية] ((يوحنا ٥: ٣٨ [ترجمة بيروتية]. )).
ولما أُسقط في يدهم لجأوا إلى اختراع آخر هو” الحلول المواهبي“. أي أن الأقنوم الإلهي للابن أو أقنوم الروح القدس لا يحل فينا بل فقط مواهبه.
وأما أنتم فلستم في الجسد بل في الروح، إن كان روح الله ساكنا فيكم. ولكن إن كان أحد ليس له روح المسيح، فذلك ليس له.
وإن كان روح الذي أقام يسوع من الأموات ساكنا فيكم، فالذي أقام المسيح من الأموات سيحيي أجسادكم المائتة أيضا بروحه الساكن فيكم.
(رومية ٨: ٩، ١١)
تشير الآيات إلي أن دليل سكني الروح القدس فينا هو قيامتنا. ونعرف أن قيامة المسيح من الأموات وبالتالي قيامتنا (فيه)، أنها ليست نتيجة عمل مواهبي بل نتيجة سكني وحلول أقنوم مَن هو الحياة ذاتها.
المسيح لا يمكن أن يُعطِي للمؤمنين أكثر ممّا أَعطَي، لأن كل مَن هو في المسيح فهو مملوءٌ من فيض ألوهيته
(قول مأثور منسوب إلي ق.أمبروسيوس، أسقف ميلان)
والسُبح لله.
---
## الموت كحالة، لا عقوبة، في فكر أثناسيوس الرسولي
URL: https://tabcm.net/2353/
Type: post
Modified: 2026-03-09
الله خلق الجنس البشري على صورته ومثاله، وخصّ نصيبًا في قوته، فصاروا يتبعونه مثل تبعية الظل للنور […] وعند ظهور المخلص بيننا، يتحتم علينا التحدث عن أصل البشر [المخلص ذاته صار الأصل الجديد للبشرية، عوضًا عن آدم].
(أثناسيوس الرسولي، تجسد الكلمة)
فالمسيح كلمة الله هو صورة الله التي خُلِقَ عليها الإنسان . و يُعرِف أثناسيوس الصورة الإلهية في الإنسان أنها الشركة في قوة الكلمة… حياة منسجمة مع الله … أن يعيش الإنسان كالله.
ويقول أيضًا أنه بحسب خطة الله كان الإنسان قبل السقوط، وهو في جنة عدن في حالة شركة مع الله وعلي صورة لله، كان مُقَدَّراً له -إذا استمر صالحًا- أن ينتقل من الفردوس في الأرض إلي السماء. وذلك عن طريق “الموت الطبيعي”، الذي به يتم انحلال الوجود الإنساني (الفساد الطبيعي).
فالموت كان نتيجة طبيعية لخلق الإنسان من العدم لينتقل بعدها إلي حالة عدم الفساد والخلود في السماء. ولكن الإنسان تعدَّي بالخروج علي نعمة الله وبدَدَ الصورة الإلهية فيه، فحَرَم الإنسان نفسَه من نعمة الشركة في الكلمة ابن الآب. وصار مديونًا بضياع وزنة الصورة الإلهية وتبديد النعمة الإلهية. وبالتالي جَلبَ علي نفسه الموت، والذي بسبب خطية الإنسان صار كقانون له سيادة وسلطان علي الإنسان إلي الأبد (موت الخطية).
وهكذا لم يكن حكم الموت إلاَ نهايةً لخليقةٍ لم تصل بعد إلي غاية خَلقها. ولذلك دُعي موت الخطية بأنه موت بُطلٍ ((رومية ١٢: ٢٠ )) لا موت ”انتقال“. وهذا يفسر كلمات الصلاة على الراقدين : إنه ليس موتٌ [موت الخطية وموت البُطلٍ] لعبيدك، بل هو انتقال [الموت الطبيعي].
فبحسب شرح ق. أثناسيوس فإن فقدان نعمة الشركة مع الله هو الدَين الذي ينبغي سداده . و بوفاء هذا الدَين ترجع صورة الآب إلي الإنسان. والمسيح هو صورة الله لأنه بهاء مجد الله و رسم جوهره.
وبناءً على تعليم اللاهوت الشرقي عن طبيعة الإنسان من حيث أنه مخلوق علي صورة الله ومثاله، تكون الخطية قد مسَت أدَق نقطة في كيان الإنسان وهي مماثلة الإنسان لصورة الله. و بعبارة أخرى، لم تكن الخطية اعتداء علي ناموس موسى، لأنه لم يكن قد أُعطِي بعد. و لكن الخطية كانت تفريطًا في النعمة وخروجًا على غاية الخَلق و علاجها هو رَد النعمة وتجديد خليقة الإنسان.
لذلك كان تجسد الكلمة صورة الله، ضرورة لرَد الصورة الإلهية في الإنسان يسوع المسيح. القديس أثناسيوس لم يذكر أن الموت كان ”عقوبة“ من الله للإنسان بل ”حُكم“ صدر قَبل سقوط الإنسان كإنذار، في حالة تخلي الإنسان عن غاية خَلقه في أن يحيا حسب الصورة الإلهية ورَفَضَ الشركة مع الله. عندئذ سيعود الإنسان إلى حالته الأولى مِن موت و فساد [عدم] للأبد كما ذكرنا. فعدم البقاء في النعمة يؤدي بالضرورة (يَحكُم) تحوّل حالة الطبيعة الإنسانية.
وبهذا وَضع ق. أثناسيوس التعليم الرسولي السليم المختلِف تمامًا عن مؤلفات اللاهوت الغربي في العصر الوسيط. فعندما فقد العصر الوسيط موضوع خلقْ الإنسان على صورة الله، سقط في براثن الشرح القانوني للخلاص. فشرْحْ اللاهوت في الشرق يختلف عن الغرب في أن جوهره ليس هو علاج مشكلة أسمها ”الخطية“، بل ”تجديد الطبيعة الإنسانية“.
لذلك لا يذكر أثناسيوس كلمة ”الخطية“ بكثرة كما في مؤلفات العصر الوسيط. ولا يذكر أن المسيح أباد الخطية، بل أباد الموت وحرَر الطبيعة الإنسانية من الفساد. و كذلك غاب موضوع الخطية الأصلية، ليس عن كتابات أثناسيوس فقط، ولكن عن كل مؤلفات الآباء الشرقيين. فالقديس أثناسيوس يؤكد أن البشر ورثوا الفساد والموت من آدم و لم يرثوا خطية آدم (الخطية الأصلية) ((أثناسيوس الرسولي، تجسد الكلمة ٧: ٢ )).
وبينما اللاهوت الشرقي يهتم بكيان الإنسان الداخلي وأنه مخلوق علي صورة الله، فإن الغرب اهتم بالخطية كفعل عصيان وتعدي علي حقوق الله. وبالتالي اعتبر الغربُ الموتَ عقوبة للعصيان كما تقضي عدالة قوانين البشر، التي فيها العقوبة لا تُحدِد الخطأ علي أساس تَغيُر و تَحوّل في طبيعة الإنسان بل علي أساس مسئولية الفعل والإرادة أمام الواجبات المفروضة، وبالتالي لا مجال فيها لغفران أو شفاء أو تجديد للطبيعة.
وبذلك اشتبك العدل بمفهومه الأرضي مع رحمة الله ولم يكن مِن حلٍ لمغفرة الخطية سوى تجسُد ابن الله للقصاص من الخطية بموته كفدية بدلًا عن الإنسان (نظرية البديل العقابي) ليوفي عدل الله (حسب مفهوم البشر للعدل).
وهكذا تغَرَب هذا الفهم للخلاص عن تجديد الطبيعة الإنسانية بالتجسد الإلهي، ليشتبك في حل مشكلة عدل بشري أسقطها علي الله. لذلك لا تجد هذا المفهوم في شرح ق. أثناسيوس أو في اللاهوت الشرقي للخلاص.
والسُبح لله.
---
## كيف دخل مفهوم العدل الإلهي في لاهوت الغرب
URL: https://tabcm.net/2352/
Type: post
Modified: 2026-03-09
تمخض الصراع السياسي بين روما وبيزنطة باستقلال سياسي شجعه وباركه أساقفة روما للانفصال عن الشرق البيزنطي لتعود روما إلي مجدها القديم. ونجح هذا المسعى بمسح شارلمان إمبراطورًا علي الإمبراطورية الرومانية سنة ٧٦٨م. وحظي هذا المسعى بموافقة الكنيسة الرومانية التي كانت في حقيقة الأمر ذات صفة دينية و سياسية معًا، خلافًا لتعليم المسيح الذي جاء ليفصل بين الله وقيصر، ويفصل بين الشريعة الإلهية والقانون الوضعي.
وفي مقدمة الديانات التي جمعت الإثنين في كتاب واحد وأنشأت حكومة إلهية ثيوقراطية كانت الديانة اليهودية نفسها، الأم التي ولدت المسيحية. هذا الوضع جعل عقوبة الشر تُوقَّع على المذنب سواء تاب أم لم يتب (مثل: الارتداد عن الإيمان، الاعتداء على الوالدين، الزنا..). فجاء المسيح ليفصل بين الحُكم والعقوبة على الشر حسب الشريعة الموسوية، وبين علاج الخطية وغفرانها حسب شريعة الإنجيل. وبذلك تحول القصاص في المسيحية إلى جهة الاختصاص وهي المحكمة والقانون الوضعي. إن كافة القوانين الوضعية لا تعرف المغفرة بالمرَّة، ولا تعرف تجديد حياة المجرم، بل العقاب وحده. ولا تعيد المجرم إلي الوضع الذي كان عليه قبل الجريمة.
إن الإنسان في كل زمان ومكان عرف العدل بمعناه القانوني، أي رد حق المظلوم والقصاص من الظالم ومعاقبته. ولكن النقطة الجديرة بالبحث هي: هل عدل الله هو نفسه عدل المحاكم الأرضية؟ وهل يعاملنا الله حسب القانون الوضعي؟
إن الانفصال السياسي للغرب عن الشرق البيزنطي حرص على إنشاء حكم سياسي باسم المسيح والمسيحية بالعودة إلي تزاوج النظام القانوني / السياسي / الاجتماعي / الديني تحت سيادة الأساقفة والأمراء، وهو ما يُعرف سياسيًا بعصر الإقطاع. وفي هذه البيئة (العصر الوسيط) ُولِد اللاهوت المدرسي الذي كان من واجباته إعادة تفسير العقيدة المسيحية بشكل سياسي يخدم سيطرة الحاكم والكنيسة.
إن منطق وتعليم اللاهوت المدرسي للعصر الوسيط قام على الأركان التالية: الخطية هي اعتداء على الله / لا يمكن غفران هذا الاعتداء إلاَّ بترضية / قدَّم المسيح هذه الترضية وبذلك نال الاستحقاقات بسبب العذاب الذي تحمَّله على الصليب (مثل الترضية التي يدفعها المجرم عن جريمته بالسجن والتعذيب) / تملك الكنيسة حق توزيع استحقاقات المسيح في الأسرار، وسلطان الحل والربط، وصكوك الغفران.. إلخ.
ثم جاءت حركة الإصلاح واختزلت كل هذا في قضية واحدة: أن المسيح دفع كل شيئ وقدَّم الترضية الشاملة، والثمن كله، ودفع كل هذا بالعذاب والألم. واعتَبرت أن الخلاص كله حدثٌ قد تمَّ وانتهي يوم الجمعة العظيمة علي الصليب.
أما اللاهوت الشرقي الأرثوذكسي فقد استمر دون نظريات لاهوتية جديدة تفسر الإيمان -مثل نظرية الفداء والكفارة والبديل العقابي التي جاء بها اللاهوت المدرسي الكاثوليكي ثم تلقفته حركة الإصلاح البروتستانتي- مكتفيًا بما تسلَّمه من تعليم الآباء الذي يؤمن بالصليب ليس كذكري عقلية حدثت وانتهت، بل ذكرى حية ممتدة يشترك فيها المؤمنون في موت المسيح وقيامته (حياة الشركة مع المسيح)، وهو الدور الذي يقوم به الروح القدس في المؤمنين من خلال الأسرار، ليعيد تكوين الإنسان حسب صورة المسيح.
لقد غلب الربُ الموتَ في الآخرين مثل لعازر، وابن الأرملة قبل يوم الجمعة الكبير. ثم غلب الربُ الموتَ علانيةً في كيانه (أي كيان المسيح) و هو معلق علي الصليب في يوم الجمعة لكي ينقل إلينا الغلبة والانتصار. لقد سبقت غلبةُ الرب علي الموت يوم الجمعة لتستمر بعد يوم الجمعة وفوق الزمن. فالموت الذي ُغلِبَ في آخرين كان ولابد أن يُغلَب إلي الأبد في المسيح، وهو ما تعلنه القيامة المجيدة. وهكذا كل ما حدث سابقًا علي يوم الجمعة صار معلنًا للإنسانية كلها على الجلجثة ومن القبر بالموت والقيامة، ولكي يمتد في الحاضر والمستقبل في أسرار الكنيسة المقدسة بعمل الروح القدس.
لقد مات الرب علي الصليب لكي يُبيد الموت، هذا ما يعلنه العهد الجديد حسب الإيمان الأرثوذكسي ويُعبِّر عنه بكلمات مثل الفداء والكفارة والخلاص. وهي في المفهوم الشرقي الأرثوذكسي ليست مصطلحات نظرية بحسب القانون الوضعي الذي من صنع الإنسان والتي تمَّ تطبيقها على المسيح ليسهل فهمها للناس ولتبرر للحاكمين سلطانهم في الغرب المسيحي. بل هي حياة ممتدة في الحاضر والمستقبل.
إن ”الكفارة“ في المفهوم الشرقي الأرثوذكسي هي تطهير وغسل من الخطايا بدم المسيح وبالروح القدس. لذلك فالكفارة هي ”سكني الروح القدس فينا“ لأن الروح القدس يطهرنا. و”الفدية“ في المفهوم الشرقي الأرثوذكسي هي ”الإفخارستيا“ القوة التي تحرر الإنسان. [الفدية والكفارة في لاهوت الشرق والغرب المسيحي في مقالات قادمة].
أما حركة الإصلاح فقد فصلت الماضي (أي الصليب وموت الرب) عن الحاضر والمستقبل (أي القيامة وسكنى الروح القدس بالأسرار) نتيجة الفكرة القانونية التي جاءت بها لتشرح موت السيد المسيح له المجد علي الصليب. وذلك لتأثرها بالحضارات والفكر السياسي، والتي انتهت بها إلى القول: إذا كان الخلاص كله قد تمَّ يوم الجمعة الكبيرة، فما سبب وجود جسد الرب ودمه علي المذبح الآن؟
إن لاهوت حركة الإصلاح يَحصر تقديم الفدية للآب وحده و ينكر تقديم دم المسيح للمؤمنين (الإفخارستيا). ويَحصر الخلاص في علاقة الآب بالابن ويغفل دور الروح القدس (في الأسرار). ويعتبر أن الخلاص حدثٌ، قد تمَّ و انتهي يوم الجمعة العظيمة وبالتالي ينكر علاقة موت الرب وقيامته وسكنى الروح القدس بالأسرار.
يمكننا القول إن العصر الوسيط هو عصر ظهور نظرية عقيدة الفداء والكفارة بأقلام الكاثوليك والتي تحولت إلي سلاح في يد قادة حركة الإصلاح للقضاء على ذبيحة القداس والكهنوت نفسه في أوروبا ومهدت لتكوين كنائس أوروبية مستقلة عن روما.
والسبح لله.
---
## رويس عزيز: مجرم حولوه قديساً في ست ساعات
URL: https://tabcm.net/4639/
Type: post
Modified: 2026-03-08
في عام ٢٠٢٠، تابع العالم قضية الناجية سالي زخاري، فتاة مصرية مقيمة بالولايات المتحدة الأمريكية تعرضت للتحرش في سن الحادية عشرة على يد القمص رويس عزيز الذي كان يخدم بالمنيا وانتقل للخدمة في أمريكا.
تعرضت للتحرش من قبل القمص رويس عزيز، وكنت في سن الـ١١، في عام ١٩٩٧، وكانت تلك هي المرة الأولى التي أمارس فيها سر الاعتراف، وكنا في غرفتي في بيتنا، وقتها انقض عليَ القمص وأمسك بجسدي، ثم حذرني من إبلاغ الأهل بتفاصيل جلسة الاعتراف لأنه طقس سري، بالطبع كان يستغل صغر سني وعدم معرفتي بشيء.
(سالي زخاري)
ظلت سالي تخاطب البابا شنودة الثالث لسنوات عديدة، ولم يستجب لها. فالبطريرك الذي ألغى سلطة المجلس الملي حتى لا يجد الإكليروس من يحاسبهم من المدنيين، لم يكن يهتم بشيء سوى الرد على الهرطقات، وتجريد المهرطقين، ومنع أداء صلاة التجنيز عليهم. أما المتحرشون، فبإمكانهم أن يتوبوا. نعم، فالكنيسة يجب ألاّ تحرم المتحرشين من فرص التوبة، كما صرح المتحدث الرسمي باسم الكنيسة، وهو يوضح آلية التعامل الكنسي مع المتحرشين بصراحة وبلا أي محاولات لتجميل الصورة. (مقطع فيديو)
في فبراير عام ٢٠١٤، تم منع رويس من ممارسة الأعمال الكهنوتية بقرار بابوي كتابي بعد التنبيه عليه شفهيًا عام ٢٠١٣، لكنه ظل يعمل كاهنًا رغم قرار التجريد.
وفي عام ٢٠٢٠، بدأت سالي في تدشين حملة إلكترونية لمخاطبة باقي الفتيات اللاتي تعرضن للتحرش على يد رويس وحثهن على الظهور.
ونشرت سالي تقريراً يعود تاريخه لعام ٢٠١٩ يوضح أن رويس قد انتهك عددًا من الفتيات وتسبب لهن في تشوهات نفسية عديدة في ظل علم أساقفة وكهنة بذلك.
كيف لليد التي لمست جسدي وأنا صغيرة، أن تحمل جسد المسيح؟
(سالي زخاري)
وانتهى الأمر بمرسوم بابوي صدر في يوليو ٢٠٢٠ في اليوم التالي لقرار تجريده بواسطة اﻷنبا مكاريوس، أسقف المنيا، مرة أخرى في عام ٢٠٢٠ وتحويله بشكل نهائي لاسمه العلماني “يوسف عزيز”، ومخاطبة السلطات الدولية لاتخاذ ما يلزم من إجراءات بشأن التغير المترتب على زوال الشخصية الاعتبارية للكهنوت.
ورغم مطالبة الفتيات بمواجهة الجاني، لم تمكنهم الكنيسة من ذلك المطلب لأن المجرم رفض حضور المحاكمة.
في يوم ٢٣ مارس ٢٠٢٢، نشرت صفحة المركز الثقافي القبطي خبر نياحة كاهن فاضل ونعي رسمي لنفاجئ أن هذا الكاهن هو أبونا رويس المتحرش (نفعنا الله بصلواته). وبالطبع، انهالت تعليقات الغضب والسخرية على ذلك المنشور العبثي، لتزيله الصفحة في غضون ساعات قليلة.
ليس هذا وحسب، فالكاهن الفاضل سيحظي بجنازة لائقة بحضور الأنبا فيلوباتير، أسقف أبو قرقاص. أما النعي المنشور على إعلان الجناز، فبدأ ب”طوبي للرجل الذي يحتمل التجربة.” كما انتشرت بعض التعليقات المريضة التي تطالب بعدم إدانة القمص لأن حروب الشيطان تكون كثيرة لمن يعمل في هذا المجال المقدس!!
أقامت الكنيسة القبطية التقليدية المحافظة لأبينا المتحرش جنسيًا التقليدي المحافظ، صلوات تجنيز باسمه الكهنوتي السابق، ورتبته السابقة، لا في مسقط رأسه بمصر فقط، بل في كافة أرجاء المسكونة بما فيها مسقط رأس بعض ضحاياه في ولاية فلوريدا الأمريكية أيضًا، وكأنها تعمدت ضرب قرار تجريده من قبل أسقفه المباشر وقتئذ، نيافة اﻷنبا مكاريوس، والمرسوم البابوي من بطريرك الإسكندرية، عُرْضَ الحائط، وذلك بتكريمه عبر القارات!
ما كل هذا التضارب اﻷخلاقي؟ هل تدعم الكنيسة المغتصبين ومستبيحي اﻷعراض وتكرمهم طالما كانوا من المنضمين لحزب العباءات السوداء؟ أهو اتفاق بينهم أن يمتص النبلاء اﻷجلاء غضب الشعب المغرر به بفرارات وهمية، وهم -جميعا- متواطئين على عدم تطبيقها؟ هل هذا عصيان كهنوتي وكسر لعصا الطاعة مثلا؟
كيف نقرأ -نحن- هذا التضارب وهذه الازدواجية؟
إن أبينا المحبوب القمص رويس عزيز قد انتقل للفردوس فرحا اليوم.
(القس رفائيل حنا، كاهن كنيسة العذراء والأنبا إبرام بميسوري)
مشهد عبثي صادم يشير إلى استباحة أجساد الناس وكراماتهم لحساب أصحاب العباءات السوداء. فليس هناك اكتراث لمشاعر أهالي الضحايا، ولا لصورة الكنيسة أمام منظمات المجتمع الدولي، ولا حتى للقانون الذي يجرم التساهل مع انتهاك الأطفال أو الترويج له. ولا بأس أن نشعر ضحية مجروحة بالرخص. ماذا تفعلون؟ ولمصلحة من هذا الجنون؟ إن تكريم المجرمين بهذا الشكل ما هو إلا دعوة عامة للجميع على الاستباحة، وإساءة الأدب! (بالطبع، أعني جميع من لهم نفوذ وسلطة). فمن أمن العقوبة، ورأى بعينه تكريم المجرمين، لن يسئ الأدب فحسب، بل سيتمادى في الشر والانحطاط!
ألم يكن يكفي الصلاة عليه باسمه العلماني من أجل أن يرحمه الله باعتباره إنسان مات بعد ارتكاب فظائع غير إنسانية مثبتة وتنصل منها بكل برود واستهانة؟! لماذا أردتم التركيز على كهنوته؟ أهذا هو قدوتكم؟ وأين إيمان الكنيسة بإله “يجازي كل واحد كنحو أعماله”؟
معروف عن الكنيسة الأرثوذكسية صرامتها في منع صلوات التجنيز عن المنتحرين والملحدين، رغم أن الصلاة على مثل هؤلاء لن تؤذي أحد. وهناك من منعت الكنيسة صلاة التجنيز عليهم بلا أي سبب، فقط لأنهم لم ينالوا رضاء البابا البطريرك ال١١٧، مثل القس “إبراهيم عبد السيد”. ورغم كل ذلك، ستكرم الكنيسة “بيدوفيل” ثبت بالمستندات وشهادة الشهود أنه مجرم لأن له من النفوذ ما يكفي. ولأن العباءة السوداء، سوداء بما فيه الكفاية لتخفي قذارة الكثيرين. ومهما حاول البعض إصلاح الفساد، ستضيع كل محاولاتهم سدى، وسيلقب “يوسف” -المجرم- مجددًا بالقمص الفاضل، وربما نسمع عنه معجزات كونه شفيع المتحرشين ومستبيحي الأطفال.
وماذا عن تكريم مجرم تسبب في تدمير حياة الكثيرات؟ ماذا عن شعورهن أثناء تكريم قاتلهم؟ وكيف سيشعرن بالأمان في مجتمع يعامل المتحرش كقديس تائب؟ ولماذا لا نفرق بين الخطايا والسهو، وبين الجرائم في حق الآخرين؟ فالوقوع في الزنا دون إكراه الطرف الآخر مختلف تماماً عن الاغتصاب. فالأولى، خطية يمكن علاجها، أما الثانية جريمة يعاقب القانون فاعلها ومن يتستر عليه. ولا تمنع توبة المجرم القانون من أن يأخذ مجراه؛ لأن التوبة هي فعل شخصي تجاه الله، ولا يعطي المجتمع حقه في القصاص من المجرم. ولنا في فضائح التحرش الشهيرة بالكنيسة الكاثوليكية في الغرب عظة وعبرة.
يقول “سي. إس. لويس” إن توبة القاتل لا تعد توبة حقيقية إذا لم يسلم نفسه للشرطة؛ فكيف يزعم أنه تاب عن فعله وهو لا يريد أن يفي بدينه نحو المجتمع.
إن حبي لصديقي المخطئ يدفعني لأسلمه للشرطة لينال جزاءه العادل ويفي ما عليه من دين.
(سي. إس. لويس)
وفي ظل ما نراه من فساد وتستر على المجرمين، يصبح: الاعتراف لغير الله مذلة.
اقرأ أيضا:
مجاملات "ميِّتِين أَبُوكُم" تؤذي أطفالناسنة 2001 لما اتعرض الجزء الأول من فيلم “هاري بوتر”، النجم “مايكل جاكسون” وقع في غرام بطلتة “إيما واتسون” وقرر إنه يتجوزها.. لو أنت ما تعرفش”هاري بوتر” هاتقول جاكسون داخل البيت من بابه، فين المشكلة؟! هاقولك المشكلة بسيطة أوي، عمر العروسة وقتها كان 11 سنة، ومايكل جاكسون كان عمره 43 سنة. […]
---
## أزمة الإنتماء والتشجيع على الحرب
URL: https://tabcm.net/53682/
Type: post
Modified: 2026-03-07
تعيش البقعة التي تقع فيها بلدنا مصر، المسماة الشرق الأوسط، وضعًا حرجًا باندلاع الحرب مجددًا بين أمريكا وإسرائيل من جانب، وإيران من جانب آخر. وهذه المرة اتسعت رقعة الحرب لتمتد إلى دول الخليج العربية، والعراق، والأردن، وأذربيجان، وقبرص، وجميعهم تعرضوا لرشقات صاروخية وهجمات طائرات مسيرة، يشار إلى أنها من إيران خلال المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
ولأننا في مصر لسنا بعيدين عن الأحداث، إضافة إلى وجود مصريين عاملين في أغلب دول الخليج، فإننا نتفاعل مع أخبار الحرب. لكن أسوأ ما أشاهده عبر مواقع التواصل الاجتماعي هو تحول نسبة معتبرة من المصريين إلى مشجعين لأحد الخصمين في المعركة، وكأنهم مشجعون لفريقي كرة قدم متنافسين مثل ريال مدريد وبرشلونة، وهذا لا يستقيم مع السياسة.
الحرب ليست نزهة
الحرب ليست نزهة، بل مؤلمة ومرعبة والشعور السوي تجاه الحروب هو تجنبها، خاصة مع اتساع دائرة الخطر باستهداف بعض دول الخليج التي يعيش ويعمل بها قطاع كبير من المصريين. وفي هذه الظروف، يتمنى الإنسان العاقل أن تتوقف الحرب، لأن أثرها ليس فقط على الدول المتحاربة وشعوبها، بل على كل شعوب العالم.
والدليل على ذلك هو وقف إنتاج النفط ومشتقاته من دول الخليج، وتوقف الملاحة البحرية في مضيق هرمز وتأثر بقية خطوط الملاحة في العالم، إضافة لتوقف رحلات الطيران لمطارات الخليج وبيروت وعمان وغيرها من المدن. وأكبر أثر مباشر للحرب هو ارتفاع نسبة التضخم على مستوى العالم، بالتالي ارتفاع الأسعار بشكل كبير، وسنلمس جانبًا معتبرًا منه في مصر، فلم نتخط بعد موجات تعويم العملة وارتفاع الأسعار منذ منتصف عام 2022، فتأتي هذه الحرب لندخل موجة جديدة.
خلال كل هذه التداعيات ينقسم المصريون لثلاثة فرق رئيسية: فريق كارِه لإسرائيل ومحب لإيران، باعتبارها مقاومة لإسرائيل، ويبذل كل طاقته في تشجيع إيران في هذه الحرب، ويروج لقوتها وقرب انتصارها، بل ويهللون لاعتداءات إيران على دول الخليج التي يعيش بها مصريون بدعوى أنها تمثل “الرأسمالية الشريرة”. وهناك فريق آخر كاره للحكم الديني لملالي إيران -ومعه كل الحق- لتشابهه مع حركة الإخوان الإرهابية التي أرادت في 2012/ 2013 تحويل مصر إلى إيران جديدة بحكم ديني إرهابي، يشجع إسرائيل وأمريكا ضد إيران. وهناك فريق ثالث يرى في إيران خصمًا كما في إسرائيل، ويدرك جيدًا أن انتصار أحدهما على الآخر بشكل كامل سيغير موازين القوى في المنطقة ويفكر في مصر ومصالح مصر، ويرغب في توقف الحرب وعدم استمرارها لتأثيرها السلبي على الشرق الأوسط والعالم كله.
مصالح الوطن أولًا
والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا يستنزف مواطن مصري طاقته في تشجيع طرف على الآخر في الحرب؟ أليس من الأجدى أن ننظر لمصالح مصر وأمنها، وهو ما يمس حياتنا بشكل مباشر كمصريين؟ فجميع الدول هم “ند” و”خصوم”، قد تتحالف مصر معهم في وقت ثم ينتهي هذا التحالف في وقت لاحق، ويبدأ تحالف جديد مع خصم الأمس. فهكذا السياسة؛ لا تدار بمنطق الأصدقاء والأصحاب والشللية، بل بمنطق المصلحة. وكلما تلاقت المصالح حدثت التحالفات، وكلما قلت زادت الخصومة. بل لا يتوقف الأمر عند هذا، فبعض الدول (الصديقة) تكون خصمًا في بعض الملفات، وبعض الدول (غير الصديقة) قد تكون حليفة في ملف آخر في ظروف معينة.
للأسف، لدينا أزمة انتماء وطني، تظهر مع الأحداث المتلاحقة بوجود مجموعات ولاءاتها ليست لمصر بل لدول وهويات خارج مصر، مرة بداعي الدين واللغة، ومرة بالرغبة في البقاء في المعسكر الغربي بشكل مطلق. وكل من يعتنق فكرة يريد أن يجر البلد كلها لاعتناقها معه، ويهاجم من لا يوافقه الرأي. إذا كان هناك إنسان طبيعي سيفكر كمصري في مصالحه ومصالح وطنه. والإنسان السوي والطبيعي يتمنى تسلح بلده بالعلم والحداثة، والتواجد ضمن النظام العالمي، ولكن باستقلالية وحفظ علاقات متوازنة مع كافة الدول، لا كدولة تابعة، ليس لها صوت ولا رأي نابع من حرصها على مصالحها.
الأحداث الحالية والمتلاحقة تستدعي ارتباطًا أكثر بهوية وطنية مصرية، لأنها ركن أساسي في الحفاظ على مستقبل هذا البلد في ظل الضغوط والأحداث التي تدور بشكل سريع ومتلاحق. وهذا أمر يحتاج إرادة سياسية لتغيير بنية الخطاب الديني ومناهج التعليم والخطاب الإعلامي والحالة الثقافية، الذين جعلوا المصريين في حالة اغتراب وكره لكونهم مصريين، والانتماء لهويات إقليمية خارجية يبدو أنه لا يؤمن بها سوى المصريين فقط. فليس مطلوب من المصري أن يحب أو يكره دولًا أخرى، بل مطلوب منه أن يحب بلده ويفكر في مصالحها التي هي مصلحته وفقط.
---
## طقوس تحرير الروح: من المصرية القديمة إلى المسيحية القبطية
URL: https://tabcm.net/48238/
Type: post
Modified: 2026-03-07
منذ أيام، انتقلت إلى السماء السيدة الفاضلة مارجريت الوحش. والدة الفنان هاني رمزي، والمستشار أمير رمزي، والمحامي والنائب السابق إيهاب رمزي. أعانهم الله على ألم فراق الأم. المستشار أمير رمزي كان يشارك عبر صفحته صورًا لكل شيء في مراسم تجنيز السيدة والدته، ومن ضمنها الصورة المرفقة، التي لفتت انتباه باحثة الإيچيبتولوچي المؤثرة؛ نيرڤانا حسن، وبالأخص محتويات الطاولة التي يقف أمامها نيافة الأنبا إنيانوس، أسقف بني مزار والبهنسا.
مدعاة الدهشة أن ما نراه هو رئيس كهنة مصري معاصر، يقوم بطقوس تشابه كهنة قدماء المصريين، ومتشابكة بعمق مع معتقداتهم الدينية. ولذلك، سألت الباحثة أصدقائها الأقباط على الفور.
صلاة صرف الروح
ما نراه هو تجهيزات صلاة اليوم الثالث من الوفاة، وقديمًا كانت تُسمى صراحة بصلاة صرف الروح، وهي مراسم تعود لأجدادنا، قدماء المصريين. تمسك المصريون بها بعد اعتناقهم المسيحية، فتم تمصيرها في النسخة القبطية. طقس لا يوجد مثله عند أي كنيسة مسيحية في العالم إلا عند أقباط مصر فقط، وممارسته سائدة في الصعيد أكثر من وجه بحري.
ستجد على الطاولة أمامك عناصر أساسية قمّة في الترميز: خبز، خُضرة، سنابل قمح ذهبية، ماء النيل، ملح ناعم، وشموع..
القربانة في أصلها المادي “خبز” (عيش)، مصنوع من دقيق القمح.
المصري القديم كان يعتبر “سنابل القمح” رمزًا لدورة الحياة والموت معًا. فلو كانت لا تزال خضراء، تكون رمزًا للحياة، ولو جفت وصارت صفراء، تكون رمزًا للموت. وهذا الموت يحمل بداخله حبوبًا ذهبية، وعندما تُزرع تعطي حياة وخُضرة مرة أخرى، فالقمح هنا رمز مهم لدورات الانتقال بين الحياة والموت.
الرمزية الأعمق ليست في الألوان بين الأخضر واليابس، ففي الحقيقة السنابل الصفراء الذهبية ليست علامة على الموت تمامًا، وإنما هي مرحلة انتقالية (برزخ). أما الموت الكامل فهو الحبوب الذهبية خارج السنبلة؛ الحبوب الفرط.
القربانة هنا، هي تطور الحبوب الذهبية للقمح الفرط (الموت الكامل) بعد أن تحول إلى دقيق مُستخدم في عمل القربانة.
والقربانة في الليتورچيا، هي جسد المسيح المصلوب -الموت الذي أعطانا حياة أبدية- فالقربانة إذن برزخ مسيحي موازي.
تلك عبقرية في مسحنة الترميز المصري القديم، وتضفير طقس جديد مُتصالح مع كلا الاعتقادين.
في مراعٍ خُضر يربضني
الخُضرة: ربما هي تحول من سنابل القمح الخضراء المصرية القديمة، إلى رمزية الحياة بعد الموت في الحضارات الزراعية عمومًا. لكنها حاليًا أي نبات ورقي أخضر، ولسبب غير معروف فهناك تركيز في صعيد مصر على أوراق البقدونس.
الخُضرة، وبالأخص الخس والبقدونس، كانت رمزًا للخصوبة، وتجدد الحياة، والولادة الجسدية، لارتباطها بالمعبود مِن Min، وبشكل عام، كان البقدونس جزءًا من طقوس الاحتفال بالربيع وخصوبة الأرض، ورمزًا لاستمرارية الحياة. أما في المسيحية فالخضرة تذكر المؤمنين بالراحة في سياق المزمور 23 ((في مراع خضر يربضني (مزمور 23: 2) )).
الشموع: من الفردوس إلى نور العالم
المصريون القدماء كانوا من أوائل من استخدم أشكالًا بدائية للشموع، وأسموها “المشاعل المشعة”. وكانوا يصنعونها من لب القصب المجفف المنقوع في دهن الحيوانات المذاب، ولم تكن تحتوي على فتيل، واستخدمت للإضاءة في الطقوس والمنازل، قبل أن يطورها الرومان لاحقًا بإضافة الفتيل ((أشرقت هشام، بوابة الأهرام: من وهج النور إلى لمسة الدفء.. رحلة الشموع منذ عصر القدماء المصريين. بتاريخ 30 أكتوبر 2025. )).
من المهم هنا التركيز على القصب، فهو المادة التي كانت تُصنع منها شموع المصري القديم. لكن الأهم هو ديني اعتقادي، بأن مفاز الحياة الأخرى (الفردوس) هي: حقول القصب. ترمز حقول القصب [سخيت آرو – Sekhet-Aaru] عند المصري القديم إلى الفردوس الأبدي. الجنة التي تنتقل إليها الروح الصالحة، حيث تقضي “حياة ثانية” تعيشها مُخلّدة بعد اكتمال رحلة العبور واجتياز قاعة “الحقيقتان” بمنزل عوزيريس (عوزير، وعزرائيل في ثقافات وأديان أخرى) ((ويكيبديا: صفحة sekhet-aaru [حقول القصب] باللغة الإنجليزية. )).
المُدهش أن التوراة ذكرت قصب الذريرة (العطر) في سفر الخروج، وكان يدخل في تركيب الدهن المقدس لدهن خيمة الاجتماع والكهنة ((تأخذ لك أفخر الأطياب: مرًا قاطرًا خمسمئة شاقل، وقرفة عطرة نصف ذلك؛ مئتين وخمسين، وقصب الذريرة مئتين وخمسين (خروج 30: 23) )). كما ورد ذكر قصب الذريرة مقرونًا بالفردوس والجنة في سفر نشيد الإنشاد ((أغراسك فردوس رمان مع أثمار نفيسة، فاغية وناردين. ناردين وكركم. قصب الذريرة وقرفة، مع كل عود اللبان. مر وعود مع كل أنفس الأطياب. ينبوع جنات، بئر مياه حية، وسيول من لبنان. استيقظي يا ريح الشمال، وتعالي يا ريح الجنوب! هبي على جنتي فتقطر أطيابها. ليأت حبيبي إلى جنته ويأكل ثمره النفيس (نشيد الإنشاد 4: 13-16) )).
الدهشة تزيد إن علمت أن مشاعل القصب المنقوع في الدهن [شموع قدماء المصريين]، أو فردوس القصب [سخيت آرو]، أو قصب الذريرة كعطور وأطياب “خيمة الاجتماع”، أو طقوس دهن الكهنة، أو أطياب الجنة والفردوس في نشيد الإنشاد، كل هذه المواد مرتبطة ارتباطًا وثيقًا لا يمكن فصمه عن المعتقدات المصرية القديمة في العبور للحياة الأخرى، ومواد وتجهيزات التحنيط عند المصري القديم. بل لن نبالغ إن قلنا أن فكرة القيامة من بعد الموت، أو البعث، أو الحياة الأخرى، كلها فكرة مصرية قديمة خالصة ((تخلو كتب وأسفار العهد القديم من أي ذكر للحياة الأبدية، أو فكرة “يوم القيامة”، أو الحساب الأخروي في المطلق. وجميع الوعود والعقوبات الإلهية في العهد القديم هي وعود وتوعدات “أرضية” دنيوية طبيعية خالية من الميتافيزيقا. قد تكون هناك بعض أفكار الراباي الحديثة عن “الأبدية” والملائكة والشياطين والروح، قد انتقلت من الثقافات المجاورة إلى الثقافة اليهودية، لكن دون نصوص كتابية أو نبوية، وظل ذلك حتى عصر يسوع المسيح، إذ يشير كتبة العهد الجديد مرارًا إلى جماعة الصدوقيون الذين يقولون ليس قيامة ولا ملائكة ولا أرواح: لأن الصدوقيين يقولون إنه ليس قيامة ولا ملاك ولا روح، وأما الفريسيون فيقرون بكل ذلك. (أعمال 23: 8) ))، ومقترنة بنباتات وأطياب ومواد تحنيط ليست مُتاحة في البيئة الجغرافية لأنبياء العهد القديم، والأكثر عجبًا أن النبي إرميا يقول صراحة أنها تأتي من بلاد بعيدة وأن الرب غاضب لعدم زراعتها محليًا وأنه لم يعد يقبل القرابين الحيوانية (الذبح) منهم ((لماذا يأتي لي اللبان من شبا، وقصب الذريرة من أرض بعيدة؟ محرقاتكم غير مقبولة، وذبائحكم لا تلذ لي (إرميا 6: 20) )).
في المسيحية، فالتصاهر مع المعتقدات المصرية القديمة أكثر عمقًا وسلاسة، إذ يستخدم قصب الذريرة كأحد مكونات زيت الميرون، ويدخل في تطييب (تحنيط) أجساد القديسين، ويسمونها في مصر؛ حنوط، هكذا بشكل واضح وجليّ.
أما في النسخة المصرية من المسيحية، فالتصاهر ظاهر شكلانيًا بشكلٍ لا تخطئه عين، وغائب سرائريًا ومعنويًا ورمزيًا. على سبيل المثال لا الحصر؛ مشاعل الشموع ومظاهر أكل القصب جزء رئيسي من احتفالات الأقباط بالثيؤفانيا؛ عيد الغطاس أو عيد الأنوار ((ثيؤفانيا [Theophania]: مصطلح يوناني يعني “الظهور الإلهي”، ويُطلق على ثالوث أعياد: البشارة – العماد – الغطاس، في الكنيسة المصرية القديمة، أما حاليًا، وبعد فصل هذه الأعياد عن بعضها البعض، تحرك معناه ليعني عيد الغطاس، ويُحتفل فيه بذكرى معمودية السيد المسيح في نهر الأردن، مؤسسًا بذلك سر المعمودية، ويُعرف أيضًا بعيد الدنح أو عيد الأنوار. يُحتفل به عند الأقباط في 19 يناير، ويسبقه “قداس الماء” لتبريك المياه، وتستخدم فيه الشموع كرمز للاستنارة، ويؤكل فيه القصب شعبيًا. ))، لكن لا يستطيع قبطي واحد تفسير العلاقة بين مواد الاحتفال الشعبي (الشموع والقصب) وبين “الظهور الإلهي” من خلال الأكاديميا المسيحية، لأن فردوس القصب [سخيت آرو] هو اعتقاد مصري قديم وليس عبراني (ليس اعتقادًا يهوديًا).
أنتم ملح الأرض
الملح: خاصة ملح النطرون [الملح الإلهي] ((وادي النطرون: هو الاسم الحديث لمنطقة نتريا في التاريخ الكنسي، والاسم نتريا، من النترات، أي الملح. استخرج المصريون القدماء نوعًا خاصًا من الملح من قاع نهر جاف بهذه المنطقة، وأطلقوا عليه اسم الملح الإلهي، وأطلقوا على المنطقة اسم وادي الملح. )) هو عنصر أساسي في التحنيط المصري القديم، حيث يعمل على تجفيف الجسد وسحب الرطوبة منه بشكل كامل لمنع تحلله، وكان يُغمر فيه الجثمان لأسابيع لضمان تجفيف الأنسجة والدهون، مما يجعله أساسيًا في الحفاظ على الجسد للحياة الأخرى، وفي المسيحية، يذكّر المؤمنين بأنهم؛ “ملح الأرض” ((أنتم ملح الأرض، ولكن إن فسد الملح فبماذا يملح؟ لا يصلح بعد لشيء، إلا لأن يطرح خارجًا ويداس من الناس. (متى 5: 13) )).
عند قدماء المصريين، كان الجثمان ذاته كسفينة العبور نحو العالم الآخر. وكانوا يضعون بجواره بعض الأطعمة لرحلة ما بعد الموت، منها الأسماك واللحوم والخضار والفواكه، ولأن رحلة العبور طويلة، فكان على هذه الأطعمة أن تفسد سريعًا، والملح وحده جعل الحفاظ عليها أمرًا ممكنًا. فهم المصريون قيمته الغالية فكانت الحضارة المصرية القديمة هي الأولي التي استطاعت الحفاظ على الأسماك واللحوم بالملح الإلهي، ومن حفظ الأطعمة والسمك المُملح استطاعوا التحول إلى التجارة، فكانوا ينقلونه بسهولة دون أن يفسد ((تهاني عبد السلام: “الملح الإلهي”.. سر المصريين في علوم التحنيط وكنز الرومان الأغلى من الذهب. EgyptianGeographic بتاريخ 17 مارس 2020. )).
إلى مياه الراحة يوردني. يرد نفسي
ماء النيل: يصلي الكاهن المصري عليه، ومن بعدها يُعد؛ ماء مُبارك ((يسمى الماء المُبارك بعد تبريكة ماء اللقان، واللقان كلمة يونانية تعني “الإناء” أو الوعاء الذي يُوضع فيه الماء للصلاة عليه. يُصبح ماء اللقان مقدسًا من خلال الصلوات والترانيم ورشم الصليب، ليكون طاردًا للأمراض والشرور. ودرجة قدسيته ليست عالية لأنه سيتم رشه في الهواء بعد قليل. لنقل أنها قدسية تعادل “ماء زمزم” عند المسلم. ))، ((محمد الأحمدي، اليوم السابع: ما هو طقس اللقان فى الكنيسة الأرثوذكسية؟ بتاريخ 19 ديسمبر 2022. )).
هذه المياه، بعد تبريكها، تُرش في كل البيت، وبالأخص غرفة نوم المتوفي ومتعلقاته وأشياؤه بما فيهم أطفاله وأقاربه، كل هذا يُرش بماء النيل المبرّك لان “روح المتوفى” من الممكن أن تكون متعلقة أو مرتبطة بهم، بشكل يمنع أو يعيق انطلاقها ((إلى مياه الراحة يوردني. يرد نفسي. (مزمور 23: 2-3) )).
كل العناصر السابقة برموزها وطقوس صلواتها، اسمها الموروث: صلاة صرف الروح. نحن فعليًا أمام طقوس مصرية قديمة لـتحرير الروح المتوفاة من ارتباطاتها الأرضية، الأشخاص، الأشياء، وكل ما يمكن أن يعطّل الروح عن العبور للعالم الآخر.
والملح هنا لا يُرش كما الماء مثلًا، البعض يتركه كما هو إلى يوم الأربعين، والبعض الأخر يستخدمه مع الكاهن المصري في تمليح الخبز وأكل النذر اليسير منه (عيش وملح).
فكرة “رش الملح” تحمل مُعاداة للروح، تستخدم لجحد أو طرد للأرواح الشريرة، لذا لا يُمارس مع الروح المتعلقة بك أو تحبك. وربما من هنا جاء “رش الملح” الشعبي لطرد الأرواح الشريرة والحقودة والحاسدة (أغنية يا أم المطاهر رشي الملح 7 مرات – عين الحسود فيها عود – والـ عود تحول إلى إبرة لوخز عروسة ورق للوقاية من الحسد). كلها طقوس وثقافات شعبية مُهددة، غير موجود في أي دين معروف، إلا عند أديان المصريين.
تصاهر وانتقال المعتقدات
الناقد والكاتب والممثل والساخر؛ چورچ كارلن ((ويكيبيديا: صفحة George Carlin باللغة الإنجليزية. ))، كان قد قدم حلقة ساخرة شهيرة، قال فيها: في كل ثقافة دائمًا يوجد اعتقاد غريب ينتاب عائلة المتوفى عقب الوفاة. أن الروح لا تزال موجودة. قد تكون بعد قليل في الأعلى (السماء)، لكن الروح تراقب أسرتها، وتبتسم إن فعلوا شيئًا يدعو للفخر، وتحزن إن فعلوا شيئًا خاطئًا. في ثقافات أخرى، قد تنزعج الروح لو فعل ذويها شيئًا كارثيًا، وقد تحاول التواصل سواء بالرؤيا أو بالزيارة في الأحلام لطمأنة الأسرة.
كل هذه المعتقدات غير الدينية، أصلها بشكل أو بآخر هو معتقدات قدماء المصريين، الذين كانوا يعتقدون أن “الروح” تظل متعلقة بالأرض حول المتوفى مدة 40 يومًا، هي نفس فترة طقوس ومراسم التحنيط لجثمان المتوفى.
خلال فترة الأربعين يومًا، يبدو أن هناك طقوسًا مصرية لدفع الروح لمغادرة الأرض. ويبدو أنها كانت تتم برفق شديد جدًا وعلى مراحل، أي كانوا يقومون بإخراجها من أشياء المتوفى ومتعلقاته، مثل غرفته، وأدواته، بحيث تبقى حول الجثمان [سفينة العبور] الذي يتم تحنيطه كعملية تجهيز وإعداد لمستلزمات الانتقال ومغادرة العالم الأرضي، ثم بعد ذلك في اليوم الأربعين يُنقل الجثمان المحنط والملفوف بالكتان إلى المدافن، والتي يمكن تمثيلها بمواني العبور للسفينة، وتُتلى صلوات جنائزية أخرى لقيادة الروح إلى حقول القصب (العالم الآخر).
هذان الطقسان تحولا عند الأقباط (و بالأخص في جنوب مصر أكثر من القاهرة والإسكندرية) إلى صلاتين، يُحسب كلاهما من يوم وفاة المتوفى بحيث تُجرى إحداهما في اليوم الثالث، والأخرى في اليوم الأربعين.
الفزع من معتقدات قدماء المصريين
يظهر المصريون القدماء في كل الأديان التوحيدية على أنهم وثنيين. ولربما تظن الوثني [Pagan] هو عابد الأوثان [الأصنام]. حسنًا، لا تندهش إن قلت لك أن هذا محل نظر. الوثني [Pagan] هو لفظ مشتق من الكلمة اللاتينية المتأخرة pāgānus، وأول استخدام لها بمعنى ديني كان خلال عصر النهضة. أما في الأصل اللغوي فهي تعني «سمات قروية» بمعني «الريفي» أو «القروي الساذج» أو بالعامية المصرية؛ «فلاح». في المصطلحات العسكرية الرومانية السابقة على المسيحية فكانت تعني «غير مسلح»، «مدني أعزل»، «جندي غير ماهر»، وربما لهذا تم وصف المسيحيين بأنهم “وثنيين” في عدة مكاتبات رومانية في الفترة من عصر ترتليان [202م] إلى ما قبل عصر أوغسطين بقليل ((Douglas Harper Dictionary, Origin and history of pagan, The Online Etymology Dictionary )).
وعلى هذا، أيها المصري، فإن أجدادنا الأقباط في فترة الاحتلال الروماني مثلًا كانوا وثنيين بكلا المعنيين؛ كانوا وثنيين في نظر العسكرية الرومانية لأنهم مسيحيون غير مسلحين وعُزَّل ((باسم الجنوبي، مدرسة تيرانس، والمراجعات الفكرية، بتاريخ 15 أغسطس 2025. )). وكانوا وثنيين أيضًا لأنهم شعوب زراعية، فلاحين! ربما من هنا يمكنك النظر بشكل مختلف لأصحاب الحضارات الزراعية عمومًا، مثل حضارات وادي النيل وحضارات بلاد الرافدين، إذا ما تم تقييمهم من قِبل القوم الرعاة والقبائل التي تفضل الرعي ولحم الحيوان على أكل النباتات. أتحدث هنا عن جيراننا البدو من العرب والعبرانيين، والذين كان يجمعهم قدماء المصريين في مصطلح واحد: عابيرو ((ويكيبيديا، صفحة ʿApiru باللغة الإنجليزية. )).
إحقاقًا للحق، هذا المستوى البحثي الأكاديمي لم يكن متاحًا للمصريين الناطقين بالعربية قبل الثورة الرقمية منذ عقدين أو ثلاث عقود على أقصى تقدير، فكيف كان يتعامل آبائنا المحدثين في الخمسين عامًا الأخيرة مثلا؟ ببساطة كانوا يتعاملون بفزع كمعنفين مُصابين بالرُهاب من الوثنية، ويهربون من أيّ تشابه مع المعتقدات المصرية القديمة خشية أن يتم استخدام التشابه على شاكلة: “عاجل: الجذور الوثنية للمسيحية القبطية” في مُناظرات الغلمان والصبيان.
كنوع من التخفيف حتى لا يتصادم المعتقد المصري القديم مع المسيحي، قام البابا شنودة الثالث بتسمية صلاة صرف الروح إلى صرف روح الحزن. وظلّت الصلاة تُقام في اليوم الثالث للوفاة وفي منزل المتوفى وبحضور أسرته، مع تغيير معتقداتها المصرية إلى اعتقادات أكثر أرثوذكسية ((البابا شنودة الثالث، الأرواح: بين الدين وعلماء اللاهوت، 4- صلاة اليوم الثالث | ما يقولونه، نسخة إلكترونية على موقع سانت تكلا هيمانوت. )).
والمشكلة أن البعض يسمي هذه الصلاة “صلاة صَرْف الروح”. ويبدأ الجدل حول هذه التسمية والمقصود منها: هل هو صرف روح الحزن، أو صرف روح الميت، كما يدعى المشتغلون بعلم الأرواح… والواقع أنه يريحنا كثيرًا أن نسميها “صلاة اليوم الثالث” ونكتفي بهذا.
(البابا شنودة الثالث، الأرواح: بين الدين وعلماء اللاهوت)
يقول البابا شنودة بنفس الكتاب، إن العلّة من اختيار الثالث كيوم لهذه الطقوس، هي علّة مسيحية، أصلها الإيمان المسيحي بأن المسيح قام من الموت في اليوم الثالث، وأحال القارئ لقوانين الآباء الرسل، دون ذكر مرجع كعادته ((البابا شنودة الثالث، الأرواح: بين الدين وعلماء اللاهوت، 7- إذن لماذا نصلي صلاة اليوم الثالث؟ نسخة إلكترونية على موقع سانت تكلا هيمانوت. )).
إذن لماذا نصلي صلاة اليوم الثالث؟ نصليها لعزاء أهل الميت. وكما نقول قوانين الآباء الرسل: واذكروا الميت في اليوم الثالث، لأن السيد المسيح قام من الأموات في اليوم الثالث.. فكأننا نذهب إلى بيت أهل الميت الحزانى على وفاته ونقول لهم [في اليوم الثالث] “لا تحزنوا كالباقين الذين لا رجاء لهم. إن ميتكم سيقوم كما قام المسيح”.
(البابا شنودة الثالث، الأرواح: بين الدين وعلماء اللاهوت)
وفي الحقيقة، ينطوي هذا التأويل على مغالطة لاهوتية وإسخاتولجية. ففي حين يؤمن المسيحي بأن المسيح قام في اليوم الثالث فعلًا، لكنه يؤمن أيضًا أن ذلك حدث معجزِيّ ماضويّ مُختلف عن “قيامة الأموات”، أو “يوم القيامة” المُستقبليّ الذي لم يحدث بعد. أيضًا، هذه الصلاة لا تُصلى على الموتى أو جثامينهم في الكنائس، بل تتم بعد دفن الجسد، ومكانها المنزل، لا القبر! ولم يحدث للآباء الرسل أن قام أحدهم من الموت، سواء للذين لم تُصلَّ عليهم صلاة الثالث لكونهم غير أقباط، أو حتى للذين صُليَّ عليهم. فما علاقة صرف الروح بالقيامة إذن؟
قيامة المسيح، أو حتى يوم القيامة، لا علاقة لهما بصلوات قدماء المصريين التي تقام منذ عشرات الآلاف السنين في اليوم الثالث من الموت، وقبل مجيء المسيح أو قيامته في اليوم الثالث، وسيظل الأقباط يقيمونها لآبائهم حتى تقوم القيامة. والجدل -الذي يتهرب منه البابا شنودة دائمًا- حول معتقدات قدماء المصريين، لا ولن يُحل بالعودة إلى نصوص الكتاب المقدس والأناجيل وقوانين الآباء الرسل. في الحقيقة، لن أبالغ إن قلت إن الأمر يزداد تعقيدًا حين يتطابق الكتاب المقدس بعهديه، بما في ذلك الإيمان بقيامة المسيح في اليوم الثالث، وصعوده في اليوم الأربعين ((عيد الصعود: عيد مسيحي يُحتفل فيه بذكرى صعود المسيح بالجسد إلى السماء بعد عيد القيامة بأربعين يومًا بحسب الرواية الإنجيلية. يذكر سفر أعمال الرسل أن يسوع قد مكث على الأرض 40 يومًا قبل صعوده: الذين أراهم أيضًا نفسه حيًا ببراهين كثيرة، بعد ما تألم، وهو يظهر لهم أربعين يومًا، ويتكلم عن الأمور المختصة بملكوت الله. (أعمال الرسل 1: 3) ))، مع معتقدات آبائنا وأجدادنا وسلفنا الصالح؛ قدماء المصريين.
في اليوم الثالث كما في الكتب
العنوان السابق هو جزء من قانون الإيمان المسيحي حول قيامة المسيح، يكرره المؤمنون في صلواتهم قائلين: قام من الأموات في اليوم الثالث كما في الكتب، والنص بدوره مأخوذ عن الكتاب المقدس: وأنه دفن، وأنه قام في اليوم الثالث حسب الكتب ((كورنثوس الأولى 15: 4. )).
يتعامل المسيحي المعاصر مع التعبير في اليوم الثالث كما في الكتب كموروث لفظي تلقنه منذ حفظ قانون الإيمان في مصغره. ولذلك، لا يفتش أغلبنا في ماهيّة هذه الكتب؟ وماذا قالت بدقّة؟ ويتصورها نبؤه من أنبياء العهد القديم، عن المسيح المُخلص أنه سيقوم من الموت في اليوم الثالث. إنه “قالب نبوي” منتشر في طول الكتاب المقدس وعرضه على كل حال.
ببعض التساؤل، سيخبرك مسيحيون أن الكتب هنا، يُقصد بها كُتب العهد القديم فعلًا.. ما هي هذه الكتب؟
ستجد مطلعون يخبرونك بثقة: هوشع تنبأ بأن المسيح سيقوم في اليوم الثالث، بل ذكر بدقة متناهية أنه سيقوم بعد اكتمال يومين كاملين، وفي بداية اليوم الثالث سيقوم ((الأنبا بيشوي، مطران دمياط وكفر الشيخ والبراري، المسيح مشتهى الأجيال: منظور أرثوذكسي، الباب العاشر: قيامة السيد المسيح، فصل: في اليوم الثالث، تحت التبويب: أولًا: تحقيق النبوات، الناشر: دير القديسة دميانة بالبراري، الطبعة الثانية، 2007، ص.724. )).
نفتح سفر هوشع، ونفتش الكتب، فنجد أن النصّ يقول التالي ((سفر هوشع 6: 1-2 )):
هلم نرجع إلى الرب لأنه هو افترس فيشفينا، ضَرب فيجبرنا. يُحيينا بعد يومين. في اليوم الثالث يُقيمنا فنحيا أمامه.
(سفر هوشع ٦: ١-٢)
هل رأيت أن الأمر حُل بنصوص الكتاب المقدس أم زاد تعقيدًا؟
نص سفر هوشع لا يتكلم عن المسيح منفردًا، بل يتكلم عنا نحن البشر الخطاة بصيغة الجمع فيقول: نرجع إلى الرب، يشفينا، يجبرنا، يحيينا بعد يومين. في اليوم الثالث يقيمنا! النص إذن يتحدث عنا، عن الإنسانية جمعاء وليس نبوءة خاصة بالمسيح وحده.
قد يقول قائل إن النص نفسه بالمعنى اللاهوتي يتحدث عن قيامتنا نحن في قيامة المسيح، باعتبار المسيح ناسوتًا كاملًا وإنسانًا كاملًا وممثلًا للإنسانية جمعاء. وهذا صحيح، ويظل النص في كل أحواله عن المسيح يشكّل نبوءة. ولكن من ناحية أخرى، فإن استخدام صيغة الجمع بالمعنى الحرفي النصي الأصولي يعني أن البشر جميعًا، يموت، والمؤمنون منهم يشفون ويجبرون ويعودون للحياة بعد يومين، وفي الثالث يقومون أمام الله.
هل أيًا من هذا يبدو لك متشابهًا مع معتقدات قدماء المصريين؟ وهل نستطيع النظر حقًا لمعتقدات المصريين القدماء على أنها كانت مصدرًا لأنبياء العهد القديم؟ أم سنظل محكومين بأفكار نمطية أنها مجرد أديان وثنية أرضية لا حق فيها؟
النص في قانون الإيمان وفي الكتاب المقدس يشير لـ كتب (بصيغة الجمع) وليس كتاب واحد كما سفر هوشع. فما هي هذه الكتب الأخرى التي تتكلم عن الموت وتتكلم عما هو كائنٌ في العالم الآخر؟ وكيف يمكن أن تعني كتب وأسفار أنبياء العهد القديم في ظل خلو العهد القديم كله من فكرة الحياة الأبدية، أو الحياة بعد الموت؟
هل يعلم المصريون المعاصرون أن “كتاب الموتى” هي تسمية رديئة لمسمى كتاب الخروج للنهار أو ما هو كائن في العالم الآخر، وأنها مجموعة كتب ذات نصوص وطرائق متعددة وليس “كتاب الموتى” واحد كما كنا نظن ونعتقد؟
لا أهدف هنا لتقديم أجوبة، بل طرح رؤوس أسئلة اعلم يقينًا استحالة الوصول فيها لإجاباتٍ مُرضية، لكن بالنهاية، أود أن أقول صراحة إن أيّ دين وأي متدين وأي نبيّ لكان يشعر بالرهبة والقداسة أمام أديان مصر القديمة.
المصريون القدماء هم أول من نظر للموت على أنه "عبور" للعالم الآخر، وأول من اعتقد بوجود "الكا" و"البا" وخلود الروح. احترم المصري الأرواح التي تمر، وقدم لها التبجيل والإرشاد والراحة في رحلتها نحو الأبدية. المصري القديم حول الدين من مجرد "قانون إلهي" نزل من السماء، إلى إيمان بالخلود وصعد به إلى السماء. تراثهم الأقوى نعرفه من الموت وكيف كانوا يتعاملون معه، عرفناه من مقابرهم، من نقوشهم على معابدهم الجنائزية. وجدناهم تحدوا الفناء ببناء أهرامات معجزية نراها نحن "مقابر موتى"، وهم يرونها كموانئ عبور ونقطة انتقال لدورات الحياة. محطات نحو الحياة الأخرى. إنهم أجدادنا الذين سبقونا لا في الوصول للعالم الآخر وحسب، بل سبقونا أيضًا في معرفة مشاعر الأحياء وتعلقهم بأجدادهم.. مشاعرنا الآن مع موتانا والراحلين عنا.
أي دين، لم تكن أمامه فرص كثيرة للتصادم مع الموروث المصري المترسخ في وجدان المصريين. أحيانًا تتصالح المؤسسات الدينية وتحوله لعادات اجتماعية (مثل شم النسيم)، وأحيانًا أخرى تستغله لصالحها بشكل مادي (مثل مزارات القديسين) ((باسم الجنوبي، المتاجرة بأجساد القديسين. بتاريخ 22 يوليو 2021. )). وفي أحيان قليلة تستغله بشكل سياسي لتجاوز الاحتقان بعد المحن الطائفية (مثل شهداء دير الجرنوس).
لكن الطقس ده في حتة تانية خالص.. أغلب الأحاسيس التي تنتابني تجاهه نتيجة تجربة شخصية اختبرتها في انتقال والدتي (والتي كانت بالنسبة لي كل شيء). وكثير من المعلومات التي كتبتها هنا عن طقس “تحرير الروح” مستلمة شفاهة من كاهن كنيسة في مسقط رأسي بالصعيد، في صلاة اليوم الثالث لوفاة أمي، والذي أولاني عناية خاصة عن باقي أسرتي وشرح لي كل شيء قبل بدء مراسم التحرير. لذلك، ليس غريبًا أن أشعر الآن أن محاولة الاحتفاء به، وتدوين أفكاري كتابة عنه؛ واجب مُقدّس.
اهتموا بالطقس ده، وانشروه، وحبوه، وافخروا بيه يا مصريين..
وشكرًا لكل شخص فكرنا بيه..
---
## إقرار إيمان أوجسبرج
URL: https://tabcm.net/53573/
Type: post
Modified: 2026-03-06
نكمل حول الطوائف الألفية، ومقاومة رجالات الإصلاح البروتستانتيّ لهذه الحركات والطوائف المتطرفة والمبتدعة. فقد أفرز الإصلاح البروتستانتيّ المتطرف أكثر الحركات الألفية وضوحًا. هذه الحركات والجماعات رفضت كلاً من السلطة الكاثوليكية والبروتستانتية الرسمية، وفسَّرت سفر الرؤيا والنصوص النبوية تفسيرًا حرفيًا كخريطةٍ زمنيةٍ للتغيير المرتقب.
إقرار إيمان أوجسبرج ١٥٣١
رفض الحكم الزمنيّ بعد القيامة
يتحدَّث إقرار إيمان أوجسبرج، الذي يُعتبر إقرار الإيمان المعبِّر عن تعليم وعقيدة الكنيسة اللوثرية، في المادة السابعة عشر عن عودة المسيح للدينونة. فهو سيأتي ليقيم الأموات، ويعطي حياةً أبديةً للمؤمنين، ويطرح الأشرار مع الشياطين إلى جَهنَّم قصاصًا أبديًا. ويرفض القول بأن الأبرار بعد القيامة سيحكمون العالم حكمًا زمنيًا، وذلك في إشارة لرفض التعليم بالمُلك الألفيّ الحرفيّ للمسيح والأبرار ((القس عبد المسيح استفانوس، قوانين الإيمان وإقراراته: دورها وتأثيرها في الكنيسة، القاهرة: دار الثقافة، 2017، ص 112. )).
جماعات الألفيين في القرن التاسع عشر
يُشِير مايكل باركر إلى الفكر ما بعد الألفيّ Post-millenialism الذي كان موضوعًا كبيرًا من موضوعات الصحوة البروتستانتية العُظمى الثانية في القرن 19. فقد آمن الكثيرون أن النهضة سوف تنتشر عبر العالم، وتُصلِح الأفراد والمجتمعات. وستكون النتيجة عالمًا مسيحيًا يُرى على أنه بداية العصر الذهبيّ للبشرية، ألف عام من السلام، كما تنبأ سفر الرؤيا ((مايكل باركر، نظرة عامة على تاريخ المسيحية، ترجمة: ماريانا كتكوت، القاهرة: دار الثقافة، 2019، الفصل 47، ص 460. )).
ويستعرض مايكل باركر ظهور الحركة الإنجيلية المحافظة (الأصولية) التي ظهرت مثلها مثل الحداثة منذ عام 1870 حتى عام 1930، وإنْ كانت لم تُعرَف بهذا الاسم حتى أخر عقدين من هذه الفترة. لقد كانت رد فعل لكلٍّ من العلوم الحديثة واللاهوت الليبراليّ للحداثيين. وقد جمعت كل الإنجيليين المحافظين في كافة الطوائف الرئيسية. وتكوَّنت من ثلاثة مجموعات أساسية: التدبيريون ما قبل الألفييين Dispensational premillennialists، وأتباع حركة نهضة القداسة، والتقليديون الدينيون ((مايكل باركر، نظرة عامة على تاريخ المسيحية، ترجمة: ماريانا كتكوت، القاهرة: دار الثقافة، 2019، الفصل 49، ص 471. )).
ويُوضِّح مايكل باركر أنه في اجتماع ”الاتحاد الإنجيليّ“ (الذي تشكَّل عام 1846) سنة 1895 تمَّ تحديد خمس أسس يجب على المسيحيّ أن يقبلها، وإلا سقط في فخ الليبرالية، وقد كانت: عصمة الكتاب المقدَّس، وألوهية يسوع، والميلاد العذراويّ، وموت يسوع على الصليب عن خطايانا، وقيامة يسوع المادية وعودته الوشيكة. وأصدرت ”الجمعية المشيخية العامة“ عام 1910، كرد فعل على صعود الليبرالية في كلية لاهوت يونيون في نيويورك، تصريحًا من خمس نقاط للعقائد ”الجوهرية“ التي كانت مشابهةً لقائمة الاتحاد الإنجيليّ.
يمكن تلخيص هذه النقاط كما يلي: عصمة الكتاب المقدَّس، الميلاد العذراويّ للمسيح، كفارة المسيح النيابية، قيامته الجسدية، وصحة المعجزات الكتابية. وفي عشرينيات القرن العشرين، عُرِفت هذه القائمة باسم ”النقاط الخمس الأصولية“، وقد قَبلتها طوائف أخرى، بالرغم من أن بعضها استبدل المعجزات بفكر قبل الألفية ((مايكل باركر، نظرة عامة على تاريخ المسيحية، ترجمة: ماريانا كتكوت، القاهرة: دار الثقافة، 2019، الفصل 49، ص 474. )).
وهكذا يمكنك عن طريق فحص النقاط الخمس أن ترى موضع اختلاف الأصوليين عن الحداثيين. فنقاط الحداثة الخمس هي كالتالي: الحق الكتابيّ نسبيّ، لا يوجد ميلاد عذراويّ؛ لأن يسوع ليس إلهًا، […] الإيمان بفكر ما بعد الألفية (بالرغم من أننا قد لا نصل مطلقًا إلى هذا العصر الذهبيّ) ((مايكل باركر، نظرة عامة على تاريخ المسيحية، ترجمة: ماريانا كتكوت، القاهرة: دار الثقافة، 2019، الفصل 49، ص 474-475. )).
ويستعرض مايكل باركر تقسيم التعليم بالملك الألفيّ للمسيح بأنه عادةً ما يتمُّ تصنيف الألفية إلى ثلاثة أنماط سائدة:
ما قبل الألفية، واللا ألفية، وما بعد الألفية.
ما قبل الألفية: كان موقف المسيحيين في القرنين ونصف القرن قبل أن تصبح المسيحية الديانة الرسمية للإمبراطورية الرومانية. ويرى هذا الموقف أن العالم سيزداد في فساده، حتى فترة حدوث الضيقة العظيمة التي تمتد سبع سنوات، عندما يتعرَّض المسيحيون للاضطهاد على يد ”ضد المسيح“. وسوف تنتهي الضيقة العظيمة عندما يعود المسيح بالجسد ليُؤسِّس مُلكه المليء بالسلام الذي سوف يستمر لمدة ألف عام على الأرض.
اللا ألفية: هي وجهة النظر التي كوَّنتها الكنيسة الكاثوليكية في القرنين الرابع والخامس. فبينما كان الكاثوليك يقولون إن العالم يزداد سوءًا، توقف اضطهاد المسيحيين، وأصبحت الكنيسة الكاثوليكية هي ديانة الإمبراطور المعترَف بها والمفضَّلة. فبدلًا من ذلك، اعتقدوا أن الألفية قد بدأت بالفعل، لكنها في السماء. وعلامة بدايتها هو ارتقاء الكنيسة الكاثوليكية في الإمبراطورية. وبعد انتهاء فترة رمزية مدتها ألف عام، سيعود المسيح. لكنه لن يُؤسِّس ملكوتًا ماديًا على الأرض؛ لأن الملكوت موجودٌ بالفعل في السماء. ولكنه سيأتي ليدين الأحياء والأموات، وينهي التاريخ.
ما بعد الألفية: هو تفسيرٌ انتشر أولًا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. فنظرًا للتفاؤل الذي ميَّز فكرة التقدمية الإنسانية الذي صاحب التنوير، والصحوة العظمى الأولى، والثورة الأمريكية، والثورة الصناعية، وانتشار الحضارة الأوروبية بواسطة المستعمرات والتجارة، آمن الناس أنه يمكن للبشر من تلقاء أنفسهم أن يقودوا تأسيس ملكوت الله على الأرض. فالتقدُّم البشريّ في العلوم، والتكنولوچيا، وانتشار الديمقراطية، والمسيحية، كل ذلك سيجعل من العالم مكانًا أفضل إلى أن يبدأ العصر الذهبيّ ثم يظهر المسيح عند نهاية الألفية ((مايكل باركر، نظرة عامة على تاريخ المسيحية، ترجمة: ماريانا كتكوت، القاهرة: دار الثقافة، 2019، الفصل 50، ص 481-482. )).
وهكذا يرى رايموند براون أن مجيء البروتستانت المضطهدين إلى أمريكا الشمالية، كثيرًا ما كانوا يأتون ومعهم آمالهم في إقامة مملكة كاملة من الناحية الدينية في العهد الجديد. وفي الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر ازدهرت جماعات الألفيين، وكانت تتقوَّى أحيانًا بإعلانات إلهية فردية. وقد تمثَّل هذا في أتباع ويليام ميلر، وإيلين وايت (الأدفنتست – مجئي اليوم السابع)، وچوزيف سميث (المورمون)، وتشارلز راسل (شهود يهوه). وفي بعض الجماعات الإنجيلية حدثت انقسامات خطيرة بين جماعات ما قبل مُؤيِّدي الألفية، وجماعات ما بعد الألفيين. فالجماعات الأولى تقول إن العصر الذهبيّ لن يأتي إلا بعد أن تُدمَّر الحقبة البشرية الحالية على يد المجيء الثاني.
أمَّا الجماعات الأخيرة فإنها إذ تنظر متفائلةً، يرون أن الجيل الثاني سوف يتغيَّر بشكلٍ تدريجيّ إلى الألفية عن طريق تقدُّم طبيعيّ في المجتمع وفي الإصلاح الدينيّ. وثمة شكل من أشكال ما قبل حركة الألفية تمثَّلت في التدبيريين، بتعريف فترات زمنية في تاريخ العالم (على سبيل المثال، على نحو ما تجسَّد في نسخة Scofield Rference Bible). وكانت الفرضية عادةً هي أننا نعيش في حقبة التدبير السادس، والسابع على وشك أن يأتي.
أمَّا الكنائس المستقلة فتظلُّ على قناعةٍ بأنه على الرغم من أن المرحلة الأخيرة من الخطة الإلهية سوف تُنجَز من خلال يسوع المسيح، فإن الألف سنة أمرٌ رمزيٌّ، وما مِن أحد يعرف أين وكيف ستأتي نهاية العالم. وما جاء في (سفر أعمال الرسل 1: 7) يجسد الأمر بالقول: ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التي جعلها الآب في سلطانه. وفي سنة 1944، ولو أن الأمر كان مُتأخرًا، أدانت الكنيسة الكاثوليكية صيغة الألفية حتى لو كانت صيغةً مُخفَّفةً ((رايموند براون، مدخل إلى العهد الجديد، تعريب: نيكلس نسيم، سلسلة آفاق كتابية 5، القاهرة: دار لوغوس ودار الأكويني، 2021، ص 1073. )).
چون نلسون داربي أبو حركة ما قبل الألفية
يُشِير مايكل باركر إلى ظهور فكر ما قبل الألفية، كما استعرضنا في الفصل الخامس، من وقتٍ لآخر في العصور الوسطى، ووقت الإصلاح البروتستانتيّ، كما استعرضنا أعلاه، وأثناء الثورة التطهيرية في إنجلترا. لكنه عادةً ما كان يستمر إلا فترات قصيرة. أمَّا معتقد ما قبل الألفية في العصر الحديث، فقد ظهر في عصر نابليون الذي اعتبره العديد من المسيحيين ضد المسيح. ومنذ وقت نابليون وأفكار ما قبل الألفية تنمو وتتطوَّر، خصوصًا في إنجلترا وأمريكا.
ويُعتبر چون نلسون داربي (1800-1882) أبا حركة ما قبل الألفية المحدثين. وقد كان في الأصل عضوًا في كنيسة إيرلندا، وأصبح في وقتٍ لاحقٍ قائد طائفة الإخوة بليموث (الإخوة البلاميس) الانفصاليين. وداربي هو مَن لعب الدور الرئيسيّ في صياغة شكل جديد لفكر ما قبل الألفية في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، ويُطلَق عليه سبق الألفية التدبيريّ. وقد وضع مُؤلَّفات كبيرة في هذا الموضوع (الكثير منها عسرة الفهم)، وجاب أنحاء بريطانيا وأمريكا ينشر أفكاره. فقام بسبع رحلات في أمريكا من عام 1862 إلى عام 1877، لينشر فكره بخصوص الملك الألفيّ (الألفية). وتحمس له العديد من القسوس أتباع التقليد الكالفينيّ الذي تمثَّل في أمريكا أساسًا في المشيخيين ومعمدانيي الشمال.
وفي الغالب، يرجع انجذاب الكالفينين له إلى أن النبوة الكتابية عن نهاية العالم ركَّزت بشكلٍ أساسيّ على سيادة الله وعجز الإنسان. وانجذب للفكرة العديد من الإنجيليين المحافظين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. فقد بدا أنها تُؤكِّد أسوأ شكوكهم فيما يختص بثقافة الحداثة. وفي بريطانيا وأمريكا بشكلٍ خاصٍ آمن الإنجيليون أن العالم يزداد دنيويةً وماديةً. وقد آمنوا أيضًا أن نظرية داروين في التطوُّر، والنقد الأعلى يُضعِفان الديانة التقليدية. وآمنوا كذلك أن اللاهوت الليبراليّ في الكنائس ينبئ بارتداد الكنيسة العتيد الذي تنبأ عنه العهد الجديد على أنه علامةٌ على نهاية الزمان. بالإضافة إلى أن التدبيريين آمنوا بأن الكتاب المقدَّس موثوقٌ به بشكلٍ مطلقٍ ودقيقٍ فيما يختص بالحقائق، وأنه يجب أن يُفسَّر حرفيًا كلما أمكن. وهو ما شكَّل أهمية خاصة للإنجيليين المحافظين في وقتٍ تهدَّدت فيه سلطة الكتاب المقدَّس ((مايكل باركر، نظرة عامة على تاريخ المسيحية، ترجمة: ماريانا كتكوت، القاهرة: دار الثقافة، 2019، الفصل 50، ص 482-483. )).
الأفكار المحورية لفكر ما قبل الألفية
يقوم مايكل باركر بتلخيص أفكار چون داربي عن الألفية في ست نقاط:
توجد سبع حقب في التاريخ البشريّ مُسجَّلة في الكتاب المقدَّس. والله يتعامل مع شعبه في هذه الحقب المختلفة بطرقٍ مختلفةٍ: حقبة الجنة، وفيها تمَّ اختيار آدم وحواء. حقبة ما قبل الطوفان، عندما كان البشر قريبين من الله. حقبة ما بعد الطوفان، عندما اتَّحد المجتمع البشريّ. الحقبة التي تتبع بناء برج بابل، عندما كان هناك العديد من الحكومات. حقبة الناموس التي حكم فيها الله شعبه إسرائيل بالتوارة. حقبة النعمة وفيها يضمن الله النعمة لشعبه بيسوع المسيح. حقبة الألفية الأخيرة، العصر الذهبيّ حينما يحكم المسيح على الأرض.
المقطع الكتابي المحوريّ في العهد القديم الذي يستند عليه اللاهوت التدبيريّ هو من سفر دانيال 9 الذي يصف 70 أسبوعًا أو 490 يومًا. وهو ما يُفهَم على أنه 490 سنة. وتبدأ هذه الفترة مع إعادة بناء الهيكل في إسرائيل بعد السبي البابليّ، وبعد 483 سنة بالتحديد يُصلَب المسيح في إسرائيل. لكن تبقى سبع سنوات، وهي سبع سنوات الضيقة العظيمة المذكورة في رؤيا يوحنا.
سيأتي ”نبيّ كذَّاب“ وهو قائد دينيّ زائف (سفر الرؤيا 13). ومن المرجَّع أن يكون قائدًا كنسيًا مستبدًا تدعمه الكنائس المرتدة مُتَّحِدةً.
سيأتي قائد سياسيّ اسمه ”الوحش“ (سفر الرؤيا 13). ويُعرَف بشكلٍ عامٍ باسم ضد المسيح، وإنْ كان هذا التعبير لا يُذكَر في رؤيا يوحنا، بل في الرسائل. وسيجعل الوحش أو ضد المسيح عشر أمم تتَّحد مرةً أخرى، وهي الأمم التي كانت في الأصل من الإمبراطورية الرومانية (الأصابع العشرة المذكورة في سفر دانيال 2).
ستُردَّ دولة إسرائيل قبل نهاية الزمان، وفي الدولة الجديدة يُبنَى الهيكل من جديد.
سيُؤخَذ المسيحيون من على الأرض في ”اختطافٍ سريّ“، وذلك ”للقاء المسيح على السحاب“ (رسالة بولس اﻷولى إلى كورنثوس 15: 50-52).
نشر سابقو الألفية فكرهم في مؤتمرات الكتاب المقدَّس في القرن التاسع عشر، وكان يُدرَّس في المعاهد الكتابية في القرن العشرين. لكن هذه الأفكار لا تقتصر على طائفة مُحدَّدة. فهي ببساطةٍ حركةٌ داخل الطوائف، وداخل الأوساط الإنجيلية المحافظة ((مايكل باركر، نظرة عامة على تاريخ المسيحية، ترجمة: ماريانا كتكوت، القاهرة: دار الثقافة، 2019، الفصل 50، ص 483-484. )).
---
## حماة اﻹيمان والملفات الصفراء [٢]
URL: https://tabcm.net/53911/
Type: post
Modified: 2026-03-05
نستكمل رحلتنا مع تنظيم حماة الإيمان والدور الذي لعبه جناح الملفات ويؤديه ببراعة كاهن النمسا في تفريغ الكنيسة من أولادها و خدامها، في مؤامرة من أخبث المؤامرات من حيث النتائج.
منذ حوالي عامين، في إحدى كنائس القليوبية، كان هناك خادم شاب كنسي متعلم مثقف قارئ ودارس، يخدم في كل المجالات تقريبًا في خدمة الكلمة، خدمة الألحان، خدمة أخوة الرب، يكسي ويشبع جسد المسيح العريان والجائع والمنهك. دعوا هذا الخادم للكهنوت فاعتذر، فألحوا عليه فقبل على مضض وبالغصب. جمعوا له تزكيات من ألف رجل، ألف رجل تقف على شواربهم الصقور.
كان الشاب محبوبًا من جميع كهنة الكنيسة، الذين رشحوه أيضًا، ولم يعترض عليه أحد (طبعا دي حاجة نادرة إن كل الكهنة يتفقوا على شخص واحد) ونظرًا لاتفاق الإكليروس والشعب، استجاب نيافة المطران سريعًا وقرر وحدد يومًا لرسامته قسا وتم إعلان الخبر.
ثم جاءت الوشاية والافتراء من المكير في عاصمة ليالي الأنس. لكن ترتيب الملف وإرسالها بالبريد كما أعتاد أن يفعل يحتاج للوقت، وهنا الوقت مقصر جدًا، لأن الرسامة تحددت بعد عدة أيام.
قام كاهن النمسا بعمله سريعًا جدًا، وبذل مجهود جبار وبحث في صفحة الخادم المحبوب حتى عام ٢٠١٧ ليصطاده بكلمة، وأرسل مجهوده الجبار لأحد الكهنة وأيضا للمطران.
طبعًا هنا فيه نقطة مهمة جدًا وهي إن فيه واحد هايسأل ويقول: طيب ما هو من حقه أنه يكتب للمطران عن رأيه وخصوصًا فيما يختص بالعقيدة، يعني الموضوع ما فيهوش هزار.
طبعًا عندك حق، بس علشان انتقد إيمان وعقيدة شخص لازم يكون فيه شرطين:
الأول: أنه يكون كلام حقيقي مش كذب وتدليس وتزوير، ولوي الكلام.
الثاني: أن الشخص ده ياخد فرصة يدافع عن نفسه، مش يمكن البوست مزور؟ مش يمكن الكلام متغير؟ مش يمكن تم تغيير المعني؟ مش يمكن الشخص نفسه غلط في التعبير لكن ميقصدش كده وإيمانه سليم؟
طبعا الرد لازم يكون بالدليل، والدليل هنا هو نوعية البوستات اللي اختارها الكاهن واللي بصراحة كلها “هجايص” و علشان تصدقوا، أدي أحد البوستات التي تم الاستدلال بها.
الخادم بيقول ببساطة إن داود مش هو اللي كاتب كل المزامير، في ناس تاني كتبت المزامير. وهنا يأتي التكفير بسبب الجهل، أزاي يقول كده؟ أزاي ينكر أن المزامير بتاعة داود؟ طبعا الخادم هنا يهاجم حماة الإيمان بشدة لأنهم بصراحة جهلة ولا يدرون ماذا يقولون.
ما هو الدليل على ذلك؟ الصورة التانية من موقع سانت تكلا هيمانوت (لأن حماة اﻹيمان بيحبوه) وفيها نفس كلام الخادم، الذي حسب عليه أنه يتكلم خطأ. لكن هنا الكلام يبقي جميل وصح جدا. طيب هل الموضوع صعب أنه يتعرف؟ أبدا!
كل الاتهامات والتلفيقات بهذا الشكل علشان كده كان لازم يتجنبوا المواجهة. وجميع تهم الملف كله كلام تافه لا ترقى لأن يتم التحقيق فيها.
ولهذا السبب ولضيق الوقت سرب الكاهن هذا البوست لإحدى صفحات لجانهم الإلكترونية، علشان بس الصوت العالي بيجيب نتيجة ويتم الضغط على المطران. ويتم تسريع الموضوع جدًا علشان محدش يلحق يرد أو يفكر، أنا أتذكر اننا سمعنا عن خبر الرسامة اليوم، وتاني يوم أو بعد يومين تم إلغاء الرسامة. وطبعا حدثت في هذه الأثناء اتصالات من وسط البلد للمطران.
طيب كلمة في ودن الكاهن:
“يعني لو ما عملتش حساب للعشرة ولا للعيش والملح، طب يا أخي ما افتكرتش أمه وأبوه اللي خدمونا وخدموا الكنيسة طول عمرهم، وخدموها بصحتهم مش في الميكروفونات زيك. ما زلت أتذكرهم وهم يحملون البركة (المعونة الشهرية) لإخوة الرب على أكتافهم وعلى صدورهم”.
طبعا الأدلة موجودة والشهود موجودين، وفي حالة فتح تحقيق في الموضوع، سوف نعرض كل الأدلة فقط للجنة التحقيق، أما ما عدا ذلك، فسوف نستمر في كشف كل المؤامرات و الوشايات بالنشر عنها.
اجتمعوا على الشاب المرشح للكهنوت، ونشروا صورته وعليها علامة بالأحمر وهم لا يعلمون أنهم رسموا عليه صليب مخلصه، الذي فضٌَل أن يحمله عن أن يدافع عن نفسه.
طلبوا أن يفعل ما لم يستطيعوا هم فعله، وأن يَسب معلمه ويكتب هذا كتابة، فرفض المصلحة على حساب المبدأ، تصَرٌَف برجولة روحية، ليست بغريبة عنه.
تلقى اتصالات من كثيرين، دعنا ندافع عنك، لدينا ما نقوله وسنفند كل شيء، وكل خبيث سيُرَد عليه، لكنه رفض أن يدافع عنه أي شخص قائلًا سأشارك سيدي في الألم وسأعتبرها تجربة. صَمَت ولم ينبس بكلمة مثل سيده ولم يسمح لأحد بقول كلمة. فهو لا يريد شيئًا ولم يسع لشيء ولم يطلب كرامة. فتمادوا في قسوتهم ولم يكتفوا بالإهانة والتشويه.
أوقفوه عن خدمته، فوقف بجانب الأطفال وهو معلمهم، لكنهم رأوه لا يلبس التونية مثلهم، تعجب الصغار ، كيف و ماذا يحدث؟ ولكن ليس من مُجيب! لا تتعجب يا صغيري فالمسيح أيضا تركوه عريانًا مهانًا على الصليب.
هل كان هذا كافيًا؟ لا، ليس كافيًا، أوقفوا زوجته أيضًا عن خدمتها! وزادوا بأن شوهوا صورته عند أمه وإخوته وأسرته ومعارفه. وأجبروه أن يترك الكنيسة كلها هو وأسرته، وماذا عن الألف توقيع لترشيحه للكهنوت؟ ألقوا بهم في سلة المهملات، فلديهم وشاية أهم.
أسرة كاملة يتم التضحية بدمها لإرضاء المشتكين الفريسيين التكفيريين أعداء النور والحق. خرج وتركها لهم، خرج خارج المحلة، ترك أطفاله أصحابهم في كنيستهم القديمة، ووجدوا بيئة جديدة عليهم، نعم يجب أن يتعلموا مع أبيهم، كيف يتألمون ويتحملون الألم! لكنهم لم يكونوا وحدهم فالجميع يعلم من ينتظرهم خارج المحلة. لكن الله العادل عنده وقت لكل شيء، فلابد من وقت للحق. ولكل شيء تحت السماء وقت.
---
## “هابيل فهمي” يكتب و”المدافعون عن الإيمان” يردون
URL: https://tabcm.net/17354/
Type: post
Modified: 2026-03-05
بداية لا أعرف من هم المدافعون عن الإيمان بالمنوفية. ولكنهم أشاروا لشخصي دون ذكر الاسم. وكان الواجب عليهم الاتصال بي قبل النشر لتحري الدقة لأن معظم ما ذكروه عني عار تمامًا عن الصحة. ولذلك وجب الرد عليهم على الشِق الذي يخصني.
أولًا: أشرتم إلى أنه كان هناك خادم منذ ٣٥ عامًا نادى بأفكار مخالفة، والحقيقة لم أناد في تاريخ حياتي بأفكار مخالفة ولم أهاجم عقيدتي يومًا ما، فأنا أستاذ متخصص في التاريخ وأعرف عقيدتي جيدًا، لذلك أرفض ما جاء في بيانكم وكان الأولى أن تتواصلوا معي قبل كتابة هذا البيان إن كنتم تبتغون الحقيقة. يعني اللى وداكم الصعيد لتتحروا الدقة كما تقولون كان جابكم المنوفية لتتواصلوا معي أو تتواصلوا معي عبر التليفون إن كنتم تبتغون الدقة!!!!!! فأنا شخصية معروفة وممكن الوصول لي بسهولة.
ثانيًا: ثم تقولون: كان يعترض معارضة شديدة على الجرائد والسؤال: ما هي هذه الجرائد التي نشرت فيها معارضتي؟!
ثالثًا: ثم تقولون: وكان يعترض معارضة شديدة على وسائل التواصل الاجتماعي.
نعم كتبت كثيرًا ليس عن أشخاص بل عن سياسات وقرارات فحق النقد مكفول لي. النقد البناء لا النقد الهدام. فأنا لست ضد أشخاص وطول عمري بحب الأنبا بنيامين وهذا ليس معناه أن أوافق على كل ما يتخذه من قرارات أو سياسات فمن حقى كمفكر وكابن للكنيسة أن اعترض وأبدي رأيي ومن حق نيافته أن يصحح لي لو كنت مخطئًا.
رابعًا: وعلى فكرة طوال الـ37 سنة وليس 35 عامًا كما ذكرتم كانت يدي ممدودة للصلح مع نيافته ولم تنقطع محاولات الصلح معه، ونيافته يعرف ذلك.
خامسًا: ثم إن كل كتاباتي ليس بها خطأ واحد يدفع المطران لأخذ أي إجراء قانوني ضدي فلم أخوض في أعراض أحد ولم أهاجم عقيدتي أو أتنكر لها، ولم أتحرش بكنيستي يومًا ما.
سادسًا: وتقولون: كان من الأولى أن يرفع المطران قضية على الصحيفة التي تعمدت التشهير به وتلفيق أخبار كاذبة ضده. وسؤالي لكم: ما هي هذه الصحيفة التي نشرت فيها تشهيرًا أو تلفيقًا؟! أرجو ذكر اسمها وتاريخ النشر والصفحة إن كنتم صادقين.
سابعًا: أخيرًا: أشكركم على وصفي بالإنسان الفاضل الذي عاد إلى حضن أبيه وأنا بالفعل كذلك لم أبعد عن حضن الله ولا عن حضن الكنيسة ولا عن حضن المطران رغم الجفاء 37 عامًا.
ليتنا نصلي لأجل سلام الكنيسة ليعط الرب حكمة للجميع لرأب الصدع ولحل المشكلات في بداياتها قبل أن تتفاقم وتصل لما وصلت إليه.
ثامنًا: منتظر اتصالكم بي في أي وقت لتكون معلوماتكم دقيقة إن كنتم تحبون تحري الدقة.
تحياتي.
---
## الحق التاريخي.. من يختار نقطة البداية؟
URL: https://tabcm.net/53686/
Type: post
Modified: 2026-03-03
تعتبر فكرة «الحق التاريخي في الأرض» واحدة من أبشع المغالطات المنطقية التي يستخدمها البعض لتبرير أحقية مجموعة بشرية على حساب غيرها. ويردد المبشرون الصهيوـمسيحيون أن لإسرائيل حق تاريخي -مدعوم بالنصوص المقدسة والتاريخ العام- في الأرض بحكم ما هو ثابت تاريخيًا عن وجود ممالك يهودية قديمة: المملكة الموحدة، ثم مملكة إسرائيل ومملكة يهوذا. وهذا صحيح تاريخيًا -بل وتعالوا نكمل القصة في عجالة- لأن التاريخ فعلا لا يخلو من إفادة.
فبداية المملكة الموحدة -التي كانت صغيرة الشأن بلا قيمة تذكر أثريًا، عظيمة الشأن وبها جيش يتجاوز المليون ونصف عسكري- لا يوجد في التاريخ القديم ولا الحديث دولة أو إمبراطورية كان لها أكثر من مليون ونصف مقاتل حامل السلاح – 1570000 – (أخبار الأيام الأول 21 : 5 ) بقفزة 27000 جندي زيادة عن التعداد في (صموئيل الثاني 24 :9 ) الذي اكتفى بمليون و1300000 فقط لا غير، في حين الإمبراطورية الرومانية في أوج عظمتها زمن أغسطس قيصر كان عدد جنودها الأساسيين حولي 150 الف – وبالجنود المساعدين ما بين 250 ألف إلى 300 ألف في إجمالهم.. فلا تخرج قبل أن تقول سبحان الله!
ولكن بعد المملكة الموحدة المؤسطرة -جاءت ممالك لها شأنها خاصة مملكة الشمال وعاصمتها السامرة التي قبضت على محور تجاري واستراتيجي هام وهو وادي يزرعيل وأهم مواقعه مجدو حيث دارات المعارك الكبرى التي جعلت من مجدو جزء من اسم الحرب النهائية هرموجيدو أو هرمجيدون (سفر الرؤيا 16 : 16) ثم سقطت في 722 ق. م على يد الأشوريين، لتزدهر بدورها مملكة الجنوب التي كانت صغيرة محتقرة بالمقارنة نتيجة هجرة من الشمال من رجال وصناع، تجار ومفكرون… ثم سقطت بدورها في يد البابليين فكانت فترات الشتات الأول على يد الآشوريين ثم البابليين. ثم جاء الفرس، فأطلق “كورش العظيم” الذي دعي مسيح الرب في سفر إشعياء 45 : 1 – سراح من أراد العودة، فعاد بعضهم إلى الأرض.
لاحقا رحب اليهود بالإسكندر الأكبر باعتباره محررًا، بعد أن تقلبت سياسات الفرس تجاههم وحدثت مضايقات سياسية ودينية. لكن الأمور تغيرت مرة أخرى مع الحكم اليوناني، خاصة في زمن أنطيوخوس الرابع إبيفانيس Antiochus IV Epiphanes السلوقي، الذي أراد نشر الثقافة اليونانية على الجميع، وأعتبر الدين جزءًا أساسيًا من هذه الثقافة، ورأى أن اليهودية تمثل حجر عثرة أمام «تمدين» البلاد.
وتذكر الروايات أنه حاول إبطال عادة الختان بفرض عقوبات شديدة تصل للقتل، وتقديم ذبائح اعتبرت نجسة في هيكل يهوه، بل وإجبار اليهود على الذبح لآلهة اليونان. ومن هنا اندلعت ثورة يهوذا المكابي وأبنائه.
جاءت بعدها فترة تحرر وتأسيس لمملكة يهودية توسعت على حساب شعوب ومناطق أدومية وفينيقية في الشمال والجنوب. وكما ذكرت أسفار المكابيين المقدسة عند الكاثوليك والأرثوذكس، وكتابات يوسيفوس المؤرخ اليهودي المعروف، إلى أن هذه المرحلة شهدت ما يمكن وصفه بالتهوّد القسري: فإما الختان واتباع شريعة يهوه، أو القتل. ذلك لأن نص التوراة نفسه يمنع ممارسة أي ديانة غير يهودية في إسرائيل، ويُلزم مولود الأرض والغريب بحفظ الشريعة والفصح، وإلا تُقطع تلك النفس.
وبهذا المنطق التوراتي/ المسيحي لم يعد ممكنًا، في دولة مسيحية تعتبر نفسها الوريث الشرعي للتوراة، أن تُبقي على شخص غير مسيحي في أراضيها. وهذا يشرح لماذا لم يكن ممكنا في كل المناطق التي اعتبرت نفسها مسيحية، لا ديانة أخرى ممكنة، بل ولا حتى طائفة أخرى، الكل على عقيدة واحدة هي تلك التي للكنيسة.
بعد ذلك اندلعت “الفتنة الكبرى” المكابية، بين أبناء الأسرة الحشمونية حول من يكون الملك ومن يكون رئيس الكهنة، ومن الأحق بالمنصبين. هذا الصراع مهّد الطريق لتدخل الرومان. دخل الجنرال بومبي القدس سنة 63 قبل الميلاد، وانتهت فعليًا استقلالية الدولة.
وضع الرومان في البداية ملكًا تابعًا من أصول أدومية، هو هيرودس الكبير، الذي كانت عائلته قد تهودت قبل جيلين. ومن عجائب التاريخ أن يصير حفيد ذلك الرجل الذي تهود بالسيف هو ملك اليهود الذي فعل بهم الأفاعيل وأذلهم ذل جعلم يكرهونه مضاعفة خاصة وأنه يدعي أنه يهودي بل تزوج من أميرة من أميرات المكابيين: مريمنه، حفيدة رؤساء الكهنة والملوك الذين أذلوا شعبه سابقا وختنوهم جبرًا – وسبحان من له الدوام.
ثم ورث أبناء هيرودس -بقوة روما – الحكم في صورة إمارات أو ولايات. وبعد عزل أرخيلاوس، وتجبره أكثر من أبيه مع غباء وقلة حنكة حتى أدعى أنه ملك دون أن تقر روما له بلقب ملك كأبيه، صارت اليهودية منذ سنة 6 ميلادية تحت الحكم الروماني المباشر، وتعاقب عليها ولاة، أشهرهم بيلاطس البنطي، الذي ارتبط اسمه في الرواية المسيحية بصلب المسيح. انتهت تلك المراحل بثورات ضد الرومان، ثم شتات واسع، وإن ظل وجود يهودي مستمر في مناطق متعددة.
وطوال التاريخ ظهرت دعاوى مسيانية فاشلة. من أشهرها ثورة بار كوخبا (132–136م)، بقيادة شمعون بار كوخبا الذي عُد المسيح المنتظر. حاولت الثورة تحرير اليهودية من الحكم الروماني وإعادة بناء الهيكل، لكنها انتهت بهزيمة ساحقة وقمع شديد.
وفي القرن الثاني عشر ظهر داود الروحي (ديڤيد ألروي) في بلاد فارس مدعيًا أنه المسيح، وسعى لتنظيم حملة عسكرية لتحرير الأرض من الحكم الإسلامي، لكن محاولته فشلت.
وفي القرن السابع عشر أثار شبتاي تسڤي حماسًا ضخمًا بين اليهود في أوروبا والشرق الأوسط، وكان متوقعًا أن يقود العودة، لكنه وعند الجد استقبله السلطان العثماني محمد الرابع -جره من ودنه للقصر- فتحول صاحبنا للإسلام وسمى نفسه محمد عابدين، وأعطاه السلطان معاش ورتبة أفندي -فصار اسمه محمد أفندي- الأكثر سخرية أن الكثير من أتباعه استمر يؤمن به على أنه دهاء عظيم، أو خطة إلهية، من أجل جلب المسلمين لليهودية، ويجمع الاثنين في واحد. كما قالوا عن يسوع قبله ذلك.
ثم جاء يعقوب فرانك في القرن الثامن عشر، وأدعى أنه امتداد لتسفي، وانتهت حركته هو الآخر بالتحول إلى المسيحية. لأنه كان في بولندا، ولو كان في الصين لصار كنفوشوسيا -كفاية ضحك كدا- ما يصحش!
استمرت محاولات فردية وجماعية في العصور الوسطى، وكلها انتهت بالفشل. إلى أن ظهرت حركة سياسية علمانية هي الصهيونية، نجحت في تحقيق حلم العودة، رغم أنها قوبلت في البداية برفض ديني، قبل أن تصبح مع الوقت مقبولة لدى قطاعات أوسع، مع إعادة تفسير النبوات بشكل مختلف مش عند الجميع طبعًا.
كما ظهرت الصهيونية المسيحية، خاصة في إطار اللاهوت التدبيري، حيث أعتقد مؤمنون أنهم يعيشون الأيام الأخيرة، وأنه لابد من تحقيق نبوءات العهد القديم بعودة اليهود من الشتات، وتكوين مملكة، تمتد من نهر مصر إلى الفرات (سفر التكوين 15 : 18) ثم إعادة بناء الهيكل، فظهور “إنسان الإثم”، أو “الأثيم” (رسالة بولس الثانية إلى تسالونيكي 2 : 8)، الذي يجلس في هيكل الله كإله ، فيستعلن يسوع المسيح في مجيئه الثاني ويبيده بنفخة فمه، فيؤمن اليهود به، وتكون النهاية السعيدة.
هذا هو ملخص لتاريخ اليهود من زمن المملكة الموحدة إلى عودتهم. لكن هنا تبدأ التأويلات السياسية.
إذا قيل إن اليهود هم أصحاب الأرض بحكم الواقع التاريخي، الذي سردناه سابقا، ورغم الغيبة والشتات، لأن لهم ممالك قديمة ووجودًا طويلًا، قبل أن يتحولوا إلى أقلية بسبب الاضطهاد المسيحي ثم الغزو العربي/ الإسلامي، فالمعضلة أن هذا التاريخ نفسه يبدأ من نقطة تحتاج إلى سؤال: كيف جاءوا إلى الأرض من الأصل؟
الرواية التوراتية تقول إن إبراهيم جاء من أور الكلدانيين، أي أنه مهاجر، وأن الأرض كانت مأهولة بشعوب متعددة.
لماذا لا تصير هذه نقطة بداية التاريخ، وكل الشعوب التي وجدت قبل إبراهيم من كنعانيين وفينييقيين بل وحيثيين وسكان البحر من كريتيين ومصريين، ومن بقي من نسلهم كأصحاب حق أيضًا في الأرض- فلماذا تكون شريعة وخالصة فقط لليهود؟!
ثم نزل بنو إسرائيل إلى مصر قرونًا، تختلف التقديرات فيها بين نحو 250 و400 سنة، على اختلاف النصوص التوراتية في سفر التكوين، ما بين النسخة السامرية، والعبرية/المازورية، والترجمة السبعينية قبل أن يعودوا -بحسب الرواية الدينية- في صورة غزو، من أبشع ما يكون عليه الغزو والنهب والإجرام.
فإذا أخذنا النصوص حرفيًا، فنحن أمام أوامر بالقتل والحرق والإفناء وعدم الشفقة. ووفق الرواية التوراتية، شملت هذه الأوامر قتل البشر والحيوانات وحرق الممتلكات، وإفناء الزرع والنسل، بما يفوق خيال الشيطان نفسه في تصور الفعل—إذا صحت الرواية.
يقول يهوه في الوصية، بل بالأمر: لا تشفق عليهم ((سفر التثنية 7:2 )) ولا تشفق عينك عليهم ((سفر التثنية 7:16 )). وفي سفر صموئيل اﻷول 15، كانت الوصية، بل الأمر من يهوه ضد عماليق، لأنهم لم يستقبلوا شعب إسرائيل بالخبز والماء عند صعودهم من مصر قبل خمسة قرون: “وَحَرِّمُوا كُلَّ مَا لَهُ وَلاَ تَعْفُ عَنْهُمْ، بَلِ اقْتُلْ رَجُلًا وَامْرَأَةً، طِفْلًا وَرَضِيعًا، بَقَرًا وَغَنَمًا، جَمَلًا وَحِمَارًا…”.
لكن، حتى مع ذلك، تخبرنا أسفار لاحقة مثل القضاة وصموئيل أن شعوبا كثيرة بقيت في الأرض، وأن الإبادة الكاملة لم تحدث.
إذن، لماذا نختار لحظة المملكة الموحدة كتاريخ يثبت الحق وليس قبلها حين كانت السلطة لمصر، أو بعدها لأشور وبابل وحتى إيران إلى اليونان وروما، وحق موسوليني في إمبراطورية من فلسطين لإثيوبيا، وحين وجدت شعوب أخرى في نفس هذه المنطقة باقية إلى اليوم لم تنقرض، لماذا يبدأ الحق التاريخي هنا في هذه اللحظة تحديدًا : لحظة إبراهيم الأسطوري المهاجر، أو المملكة الموحدة -فقط – وما قبلها لا يُعتد به؟!
ولو قلنا إن الشرعية تُبنى على الغزو وإقامة الممالك، فالمصريون غزوا، والفرس غزوا، واليونان غزو، والرومان غزو، والعرب غزو، والتتار غزو، والسلاجقة غزو، والصليبيين غزو ، والعثمانلية غزو …. ليه نقف عند مرحلة معينة ونقول: دي هي البداية المقدسة والباقي لأ؟
التاريخ في المنطقة دي عمره ما كان ثابت. هو موجات من هجرة، واندماج، وغزو، وتحول. اختيار نقطة واحدة وتجميدها هو قرار أيديولوجي، مش حقيقة تاريخية أو موقف موضوعي.
ثم، لو قلنا إن ما قبل اليهود لا شيء ولا حق إلا لهم، ويبدأ التاريخ بهم، ويُمنح حق العودة لهم وحدهم باسم الحق التاريخي بوجود الممالك وشرعية الغزو، فإن العرب غزوا أيضًا بعدهم، نفس مناطفهم التاريخية، وقد وضع اليهود القاعدة بذلك.
بل، حتى للعرب الغزاة وورثتهم العثمانلية يجب أن نعترف لهم أيضًا بالحق التاريخي مع ميزة غير موجودة عند مؤسسين الدولة اليهودية الحديثة وهي واقع الوجود الفعلي.
ولا يستطيع يهود العيون الزرقاء أو البشرة السوداء الادعاء أنهم فعلًا النسل اليهودي، الكنعاني الشرق أوسطي، ولا الادعاء أن وجودهم منذ يشوع على هذه الأرض مستمر، كسلطة وإن وجدت لهم دائمًا بقية في كل الأرض شرقًا وغربًا بل في كل القارات أيضًا، ولكن العرب -والفلسطينيون اليوم- على فرض صحة ادعائهم بأنهم جاؤوا مع الغزو العربي، ولم يكونوا سكان الأرض الأصليين، وأغلبهم يهود تحولوا إلى الإسلام، ومنهم اليهود الذين أصبحوا مسيحيين قبل ذلك، فان لديهم ميزة الغزو والبقاء الدائم.
الخلاصة: إذا كان لليهود الحق في دولة وهذا ما حدث فعليًا بحكم مجريات الأمور في فترة تكوين الدول وهجرة اليهود، وأنا عن نفسي لا يمكن أن أنكر عليهم دولتهم فكل الشعوب والدول هي نتيجة هجرات، وانتقال، وغزو، واعتراف دولي، وأمر واقع. ولكن هل يأتي شخص اليوم لينكر على الفلسطينيين دولة في أرضهم التاريخية والحاضرة، التي لم ينقطعوا عنها؟ أي عقل أو ضمير أو قراءة منحطة للتاريخ يمكن أن تقول بذلك؟
---
## يا إله النقمات أشرق
URL: https://tabcm.net/51694/
Type: post
Modified: 2026-03-01
يتكرّر في الكتاب المقدّس مشهدُ الصراخ إلى الله طلبًا للعدالة في وجه ظلم القادة والرؤساء، سواء كانوا ملوكًا وحكّامًا سياسيين يدّعون الدرايةَ والحكمة، أو قادةً دينيّين يلبسون ثوبَ البرّ الذاتيّ والتقوى والقداسة الزائفة. ففي أزمنةٍ مختلفة، واجه الشعبُ فسادًا واستبدادًا من قادته، فعبّروا عن آلامهم بصلواتٍ ونبوّاتٍ صارخة، لا لأنهم لم يعرفوا إلى مَن يتّجهون، بل لأن الأبوابَ الأرضيّة أُغلِقت في وجوههم، فارتفعت الصرخةُ إلى السماء تستدعي تدخّلَ الله نفسه بوصفه الديّانَ العادل.
يمتدّ هذا الصوت عبر العهدين القديم والجديد؛ إذ تتردّد الصرخة في المزامير، وتتعالى في أسفار الأنبياء الكبار والصغار، وتظهر بوضوح في تعاليم المسيح، وفي رؤى العهد الجديد، كلّها تطلب أن يقضي الله في الرؤساء الظالمين قضاءً إلهيًّا قائمًا على الحقّ والسلطان والبرّ، وأن يُنصِفَ المظلومين الذين سُحِقَت نفوسُهم على الأرض.
وفي كلِّ هذه الصرخات يتكرّر المعنى ذاته: قد يطول زمنُ الظلم على الأرض، لكن العدل لا يغيب عن السماء؛ فهناك إلهٌ يرى ما يُخفى، ويسمع أنينَ المقهورين، ولا يسمح أن يستقرّ الفسادُ إلى الأبد. لذلك لا تنتهي هذه الصلوات عند حدود الألم، بل تتحوّل إلى رجاءٍ ثابت، وإيمانٍ راسخ في نفوس طالبيه ومنتظريه بإيمانٍ حيّ، بأنّ الربَّ — وإن أمهل وتأنّى — لا يُهمِل ولا ينسى، وأنّ يوم قيامه للقضاء هو وعدٌ لا يسقط، وكلمتُه لا ترجع فارغة.
يا إله النقمات أشرق
(مزمور ٩٤)
من بين الصرخات التي تردّدت عبر صفحات الكتاب المقدّس على امتداد الأجيال طلبًا للعدل في وجه الظلم، يبرز صوتٌ لا يكتفي بوصف الألم، ولا يطلب تعزيةً عابرة، بل يقف في حضرة الله مطالبًا بقيام العدالة ذاتها.
في مزمور ٩٤ نجد صلاةً إيمانيّةً جريئة يطلقها المرنّم في مواجهة ظلمٍ مُستعلَن، طالبًا من الربّ أن يظهر بوصفه ديّانَ الأرض العادل، وأن يتدخّل ضد المتجبّرين الذين استطال شرّهم. ويُفتتح المزمور بنداءٍ غير مألوف في لغة الصلاة: يا إله النقمات أشرق.
والمصطلحُ العبرانيّ هنا («إيل نِقَموت») يجمع بين اسم الجلالة «إيل» وكلمة «نِقمة» (جمعها «نِقَموت»)، وهي تدلّ في ثقافة العهد القديم على أعمال القصاص العادل وإعادة الحقوق، لا على انتقامٍ بشريّ. صيغةُ الجمع تُبرز كمالَ العدالة الإلهيّة وتنوّعَ صورها، وأن الجذر ن-ق-م يعبّر عن حماية المظلوم ومعاقبة المعتدي، وبالتالي يُنسَب القصاصُ لله وحده.
وهو نداءٌ لا يُراد به أن يصدر عن روحِ انتقامٍ بيدٍ بشريّة، بل عن إيمانٍ عميق بأنّ النقمة — أي القضاء العادل — هي حقٌّ إلهيّ خالص، لا يملكه الإنسان ولا يُسمح له أن يغتصبه. فالمرنّم لا يطلب أن ينتقم بنفسه، بل يسلّم القضيّة كاملةً إلى الله، معترفًا بأنّ الربّ يرى ظلمَ الأشرار، ولا يغيب عنه ما يُرتكَب في الخفاء، وأنّ تدخّله — وإن بدا متأخّرًا — سيأتي بسلطانٍ وفي الوقت المعيَّن.
ومن هذا الإدراك تنطلق الصرخةُ المركزيّة في المزمور: ارتفع يا ديّانَ الأرض، جازِ صنيعَ المستكبرين، وهي صرخةٌ تطلب قيامَ الله في موضعه السياديّ كالقاضي الأسمى، ليُعيد الأمور إلى ميزانها، ويُعلن أنّ العدل حيّ، حتّى حين يبدو أنّ الظلم قد صار هو النظام السائد.
يوضّح المزمور حالةَ شعبٍ واقعٍ تحت اضطهاد فئةٍ متغطرسة تمادت في الشرّ دون رادع. فيصرخ المرنّم متسائلًا: حتّى متى يفتخر الأشرار؟ وهو سؤالٌ لا يحمل استفسارًا زمنيًّا بقدر ما يعبّر عن ثِقَل الانتظار، حين يبدو وكأنّ الظلم ممتدّ بلا حساب.
ويرسم المزمور صورةً قاسية لما يفعله هؤلاء الرؤساء أو القضاة الفاسدون، فيقول: يسحقون شعبك يا ربّ، ويُذلّون ميراثك. يقتلون الأرملةَ والغريب، ويُميتون اليتيم، ويقولون: الربّ لا يُبصر. لا يتحدّث النصّ هنا عن اعتداءاتٍ عابرة، بل عن سحقٍ منهجيٍّ للحياة ذاتها؛ إذ يُسلَب الضعفاء أبسطُ مقوّمات يومهم العادي: الأمان، والكرامة، وحقّ البقاء. فالأرملةُ تُترك بلا مُعيل، والغريبُ بلا حماية، واليتيمُ بلا سند، وكأنّ وجودهم نفسه صار عبئًا في نظر المتسلّطين.
ويمتزج في هذا المشهد نوعان من الشرّ: عنفٌ اجتماعيٌّ مباشر يُمارَس على الأجساد والنفوس، وتجديفٌ روحيٌّ أخطر يُمارَس في الفكر، حين يقول الظالمون: «الربّ لا يُبصر». بعضهم يتوهّم أنّ الله غائب، وبعضهم -وهو الأخطر- يخدع نفسه بأنّه وكيلٌ عن الله، يتصرّف باسمه، ويبرّر ظلمه بسلطةٍ دينيّة أو شرعيّة زائفة. وهكذا يتحوّل الظلم من فعلٍ فرديّ إلى منظومةٍ كاملة تقتل باسم السلطة، وتُبرَّر باسم الله.
ومع ذلك، لا يكتفي المرنّم بوصف المأساة، ولا يسمح لغضبه أن يتحوّل إلى تمرّدٍ أو عنف، بل يصنع فعلًا روحيًّا عميقًا: يُحوّل شكواه إلى صلاة، وألمه إلى عبادة، وغضبه إلى تضرّعٍ أمام الله، طالبًا لا انتقامًا بشريًّا، بل قيامَ العدل الإلهيّ الذي وحده يقدر أن يُعيد الحياة إلى ميزانها الصحيح.
ورغم نبرة الشكوى التي تملأ المزمور، يتخلّل كلماته يقينٌ راسخ بعدالة الله، لا يسمح لليأس أن يستقرّ. فالمرنّم لا يرى صمتَ الله غيابًا، ولا طولَ أناته غفلة، بل يواجه فكرَ الأشرار مواجهةً مباشرة، قائلًا: أفهِموا أيّها البُلداء في الشعب، ويا جُهّال متى تعقلون؟ الغارسُ الأُذنَ ألا يسمع؟ الصانعُ العينَ ألا يُبصر؟.
بهذه الأسئلة الساخرة يهدم المرنّم أخطرَ كذبة يقوم عليها الظلم: وهمُ أنّ الله لا يرى ولا يسمع. فالله — الذي خلق أدوات السمع والبصر — لا يمكن أن يكون أعمى أو أصمّ عمّا يجري في الأرض. صمته ليس تجاهلًا، بل صبرٌ إلهيٌّ يحمل في داخله فرصًا للرجوع، وحُكمًا مؤجَّلًا لا مُلغى لمن يعاند.
ومن هذا اليقين ينتقل المزمور إلى إعلان رجاءٍ واضح، فيقول: لأنّ الربّ لا يرفض شعبه، ولا يترك ميراثه. لأن إلى العدلِ يرجعُ القضاء، وعلى إثره كلُّ مستقيمي القلوب. لا يَعِد النصّ بعدم الألم، لكنّه يعلن حقيقةً أعمق: أنّ القضاء، وإن انحرف زمنًا في أيدي البشر، لا يفقد جوهره، بل يرجع في النهاية إلى أصله، إلى العدل. وحين يعود العدل إلى مكانه، يسير مستقيمو القلوب في نوره، لا بقوّة أيديهم، بل بقوّة ثبات الحقّ نفسه فيهم.
ويختم المزمور هذا المسار برجاءٍ حاسم لا يحمل تردّدًا، قائلًا: ويردّ عليهم إثمهم، وبشرّهم يُفنيهم. يُفنيهم الربُّ إلهُنا. ونلاحظ أنّ المزمور يبدأ بنداء «إله النِّقَمات» وينتهي بتكرار فعل «يُفنيهم» مرّتين للتوكيد، في بناءٍ يُظهر أنّ العدالة الإلهيّة ليست فكرةً عابرة، بل الإطار الذي يحتضن المزمور من أوله إلى آخره. فالربُّ الذي يُدعى في البداية ليقوم، هو نفسه الذي يُعلَن في الختام أنّه سيتدخّل بالفعل.
وهكذا يتحوّل القلق داخل المزمور إلى تسبيحٍ مُطمئن في حضرة الله؛ فالألم الذي كاد أن يقود إلى اليأس، يصير فرصةً لإعلان الثقة، والشكوى تتحوّل إلى عبادة، لأنّ الإيمان الحقيقي لا يُنكر الظلم، لكنّه يرفض أن يكون الظلم هو الكلمة الأخيرة بل لإلهنا.
---
## حكاية كتاب “كنيستنا القبطية”
URL: https://tabcm.net/53614/
Type: post
Modified: 2026-02-28
لم يكن هذا الكتاب كنيستنا القبطية إلى أين؟ ابن الأمس أو أول أمس، لكنه يأتي تطوراً لرؤية شغلتني قبل نحو أربع عقود، مع إطلالة تسعينيات القرن العشرين. كنت وقتها أغادر للتو عامي الأربعين، متوزعًا بين عملي وبيتي والشأن العام وكنيستي، شأن غالبية جيلي الذي شهد تحولات حياتية متتالية وعاتية، لكنها لم تنجح في خلخلة إيماني وحبي لرباعية اهتماماتي. كان مناخ النشأة يحكم هواياتي التي يتصدرها شغف القراءة. وقتها كان الكتاب هو الباب الملكي للمعرفة واكتشاف العالم من حولي. لم يكن أمامه منافس يزاحمه، فقد كان “التلفزيون” يطرق أبواب بيوتنا على استحياء، والراديو توزيعه بين الأخبار والأغاني ومسلسل الظهيرة وبعض البرامج المتنوعة.
وحين دخل التلفزيون بيتنا، كان يخضع لرقابة صارمة من والدي. كونه عصاميًا، خاض معركة حياتية مع التحقق. مجيئه للقاهرة قادمًا في ثلاثينيات القرن، قادمًا من قريته “الغنايم” القابعة في حضن الجبل بأسيوط، كانت واحدة من محطات كفاحه. وقد حملت ملامحه صرامة عناء رحلته، فيما كان قلبه معجونًا بحب يفيض علينا ويحتوينا. كانت ملامحه تقترب كثيرًا من ملامح المصريين القدماء: الجبهة العريضة، والعيون الثاقبة، والكلام القليل. كنا نهابه ونحبه. انعكس ارتباطه بالكنيسة علينا، فارتبطنا بها وعاشت فينا. لا أتذكره يومًا موجهًا لنا بتعليمات تتعلق بالصلاة أو الصوم أو قراءة الكتاب المقدس. كانت حياته وتفاصيل يومه نموذجنا وقدوتنا. فاختبرنا في حياته الصلاة والصوم وقراءة الكتاب. وما زلت أتذكر جلسته الأثيرة مع شروق الشمس في شرفة حجرتِهِ وأمامه الإنجيل وجريدة الأهرام، كل صباح قبل أن يذهب إلى “محله” بوكالة البلح. كان قارئًا مدققًا ومحللًا واعيًا للأحداث، وقد أورثنا شيئًا من هذا. رغم أنه لم ينل كثيرًا من التعليم النظامي، الذي توقف عند باب كُتّاب القرية بالكنيسة، إلا أنه استطاع أن يفتح له نوافذ عديدة على المعرفة بمثابرة وهدوء وعمق.
١٩كان سور الأزبكية ومكتباته العتيقة ملاذنا والمرفأ الذي يتيح لنا الكتب والمجلات القديمة بما يتفق وقروشنا القليلة، وفيه ومن خلاله تعرفنا على العديد من المعارف المتنوعة، من أدب عالمي وإبداعات صانعي الثقافة في مصر، الذين تتلمذنا عليهم هناك، بتتابع أجيالهم وتنوع توجهاتهم، من د. طه حسين إلى د. يوسف إدريس، وبينهما العقاد وتوفيق الحكيم ودكتور لويس عوض، وأنيس منصور وألفريد فرج، والقائمة ممتدة.
في زمن الصبا وربما قبل مرحلة سور الأزبكية كانت مجلات سمير وميكي والسندباد رفقاء أسبوعنا، وقد أخذتنا إلى عالم الخيال عبر قصصها المرسومة وشخصياتها التي ارتبطنا بها في تتبع شغوف لمغامراتهم وحكاياتهم، ثم تلحقهم مجلة المختار وهي تصدر باللغة العربية مترجمة عن نسختها الأمريكية واسمها بالكامل “المختار من مجلة رايدرز دايجست”، وهي تقدم مقالات ثقافية وعلمية موجزة وتعرض كتب كبار الأدباء والمفكرين من مختلف الثقافات، ونبذات طريفة مختلفة، كانت تمثل وجبة شهرية دسمة، بطريقة سلسة في قراءتها وسهلة في فهمها. وفي مصر تولى الأخوين علي ومصطفى أمين إصدار النسخة العربية منها وصدر العدد الأول في سبتمبر 1943 وكان رئيس تحريرها الصحفي اللبناني فؤاد صروف واستمرت حتى عام 1947، لتتوقف ثم تصدر ثانية عام 1956 برئاسة تحرير الصحفي المصري محمد زكي عبد القادر. واستمر هذا الإصدار إلى يونيو عام 1967، تتوقف ثانية ثم تصدر مجددًا ولكن هذه المرة من لبنان عن دار النهار من عام 1979 وحتى 1993 ويرأس تحريرها الصحفي اللبناني إدموند صعب، وتتوقف نهائيًا، فيما تستمر النسخة الأمريكية في الصدور.
وفي عام 2022 تحتفل المجلة بمرور قرن على إصدارها، وفي هذا يكتب الصحفي المصري ـ من أصول أرمينية ـ توماس جورجيسيان، في مقال له بمجلة صباح الخير التي تصدر عن مؤسسة روزاليوسف يقول: المجلة الأمريكية الشهيرة تحتفل هذه الأيام بمرور قرن على ميلادها.. إنها مائة عام من التواجد المتميز والتواصل الإنساني والانتشار الجماهيري وبالطبع الاستمرار في الصدور.. وجذب انتباه واهتمام أجيال متوالية من القراء في أمريكا والعالم… ريدرز دايجست تبدأ قرنًا جديدًا وسط الصخب السائد والمتزايد من السوشيال ميديا وطوفان المعلومات وإعصار الآراء وتحاول أن تقدم المختار وما يتم غربلته واختياره مما هو معروض ومتوافر بكثرة من أجل تقديم ما هو مفيد وممتع. إنها سحر الطبخة.. وبهجة الحواديت الإنسانية.
في هذا المناخ تتسلل الكتب المسيحية إلينا، وتأتي نشأتنا ويتشكل وعينا والبابا كيرلس السادس يجلس لتوه على الكرسي المرقسي، وكما في الحياة العامة كذلك في الكنيسة تشهد سنواته نهضة معرفية روحية نغترف منها من عدة مصادر، ثم يرحل بشيبة صالحة ليخلفه البابا شنودة الثالث، ومعه تحدث طفرة توعوية كان هو أبرز أضلاعها، وهنا تبدأ حكاية كتابنا الذي نعرض له كنيستنا القبطية إلى أين؟.
كانت البداية مبكرة بشكل لافت، فنحن نقف عند نهايات عام 1991 فيما يصدر الكتاب مع إطلالة عام 2026، وقد تصيبك الدهشة حينما ترى هذه المساحة الزمنية الشاسعة الفارقة بين التاريخين، نحو 35 عامًا، ربما تتكشف لك الصورة عندما تعرف أنني لم أكن يومًا كاتبًا محترفًا، ولم أختر الكتابة للكتابة، ومازلت أعتبر نفسي “كاتبًا هاويًا وقارئًا محترفًا” حسب التوصيف الذي صكه عن نفسه الكاتب الكبير كامل زهيري، نقيب الصحفيين الأسبق.
تبدأ حكاية الكتابة مع إعلان في برواز نشر في اجتماعيات جريدة الأهرام، وفي مجلة الكرازة (20 سبتمبر 1991)، يحمل قرار الكنيسة تجريد الراهب القمص دانيال البرموسي من الكهنوت والرهبنة وعودته إلى اسمه المدني (العلماني)، وهو إجراء يتكرر بين الحين والآخر عندما يكسر الراهب التزاماته ونذوره الرهبانية أو يحيد عنها، لكننا هنا أمام شخصية مختلفة استطاع صاحبها أن يجد له مكانًا مؤثرًا في التواصل مع الشباب عبر ما يصدره من كتيبات صغيرة عن الإيمان والتوبة والطريق إلى الله، بلغة مختلفة وجدت قبولًا وتفاعلًا عند آلاف الشباب، انعكسا على كثافة الحضور في مؤتمراته الروحية التي شهدتها باحات دير العذراء ببياض، كان أحد التجليات المبكرة لعصر التحول الرقمي وتقنياته، تدعمت بخلفياته الثقافية والأدبية التي ترجمتها كتبه التي تنفذ فور صدورها.
ربما لهذا حاصرتني الأسئلة عنه وعن هذا الموقف الحاد معه، ومعها تبدأ رحلة البحث عن إجابات لها، التي أنتجت صفحات كتيب الأب دانيال [إدوارد اسحق]: “المصداقية، الاختراق، النكوص”، التي أحسبها تقريرًا استقصائيًا عن الحدث والقرار والشخص، وهو تقرير حمل في خاتمته محاولة لتحليل كل هذا ووضع تصور يحمل رؤيتي في الأسباب التي انتهت بنا إلى هذا وما أتصوره مخارج موضوعية منها. وكنت حريصًا على أن تكون النسخة الأولى من هذا الكتيب في يد قداسة البابا شنودة الثالث، وقد كان، وجاء رد فعل قداسته إيجابيًا، إذ نبه على طلبة الإكليريكية بقراءته، واستدعاني لمقابلته وكلف الآباء اﻷنبا بيسنتي سكرتيره وأسقف حلوان، والأنبا موسى أسقف الشباب بإبلاغي بهذا، وشرفت بلقائه بالكاتدرائية.
تجري في نهر الكنيسة مياه كثيرة، وتشهد تصاعد سطوة الإكليروس وإحكام قبضته على الحياة الكنسية، ومصادرة الحوار وإقصاء العلمانيين، وتشهد الكنيسة تحولًا دراماتيكيًا عقب عودة قداسة البابا إلى كرسيه 1985 بعد اعتقال خلف أسوار ديره نتيجة صدام السادات معه الذي أفضى إلى قرارات 5 سبتمبر 1981 الصادمة التي تضمنت قرار سحب اعتراف الدولة به كبطريرك والتحفظ عليه في الدير.
ومع عودة قداسته أسند سكرتارية مجمع الأساقفة للأنبا بيشوي أسقف دمياط، لتبدأ مرحلة ممتدة من ملاحقة المختلفين مع قداسة البابا، وحرمانهم من الكنيسة وتجريد الكهنة منهم من رتبهم الكهنوتية أو إيقافهم عن الخدمة، بالمخالفة لقوانين الكنيسة وبغير محاكمات قانونية، وإنما وفق التقدير الشخصي لمتخذي القرار.
تتناول مجلة مدارس الأحد هذا التحول وتكتب محذرة من استمراره، الأمر الذي يزعج القيادة الكنسية فتسحب اعترافها بالمجلة ومحرريها. عقب هذا تجد أزمات الكنيسة وإشكالياتها متسعًا للنشر في الصحافة العامة. سواء في الصحف القومية أو المعارضة.
اللافت أن تقرير خاتمة الكتيب كانت المحور الذي تشكلت حوله أطروحاتي اللاحقة فيما يتعلق بإشكاليات الخدمة الكنسية، الظواهر والأزمات والحلول، التي ترجمتها مؤتمرات التيار العلماني القبطي، 2006 / 2010، وما أصدرته من كتب:
الإشكالية القبطية: رؤية من الداخل، 1998.
العلمانيون والكنيسة: تحالفات وصراعات، 2009.
قراءة في واقعنا الكنسي: شهادة ورؤية، 2016.
الكنيسة.. صراع أم مخاض ميلاد، 2019.
ثم يتبلور كتاب “كنيستنا القبطية إلى أين؟ – المسارات، الطموحات، المخاطر” يناير 2026، كحلقة أخيرة في سلسلة ممتدة، عساها تجد من يترجم توصياتها إلى واقع معاش، وفي تقديري أن هذا الكتاب يحمل طرحًا عركته وكتبت سطوره خبرات وتراكمات كل هذه السنين، التي انعكست على منهج الطرح وعلى توصيات الخروج بالكنيسة من مأزق المواجهات الحادة، وهي مواجهات وصدامات كثيرها غائم ومرتبك ومشخصن، إلى براح رسالتها ودورها وأدواتها، وحتمية مواجهتها لواقعها وضبطه على ما تمتلكه من زخم لاهوتي وفكري وما تختزنه في ليتورجيتها من قواعد مؤسسة لإيمان وحياة مستنيرة في المسيح، تمتد خارج أسوارها لعالم ينتظرها أن تأخذ بيده لحياة أفضل.١٩
---
## الإصلاح البروتستانتي والملك الألفي
URL: https://tabcm.net/52668/
Type: post
Modified: 2026-02-27
خلال عصر الإصلاح الدينيّ، تقريبًا من أوائل القرن السادس عشر حتى منتصف القرن السابع عشر، شهدت أوروبا انفجارًا في التنوع الطائفيّ الدينيّ والاضطرابات السياسية، وظهرت بدعة الملك الألفيّ الحرفيّ للمسيح بين عدة طوائف. سوف نستعرض في هذا الفصل هذه الطوائف الألفية، ومقاومة رجالات الإصلاح البروتستانتيّ لهذه الحركات والطوائف المتطرفة والمبتدعة. فقد أفرز الإصلاح البروتستانتيّ المتطرف أكثر الحركات الألفية وضوحًا. هذه الحركات والجماعات رفضت كلاً من السلطة الكاثوليكية والبروتستانتية الرسمية، وفسَّرت سفر الرؤيا والنصوص النبوية تفسيرًا حرفيًا كخريطةٍ زمنيةٍ للتغيير المرتقب.
بدعة اللا معمدانيين الألفية
لقد كانت هذه الحركة المتطرفة من حركات الإصلاح البروتستانتيّ، بل من أشد الحركات المتطرفة في ألمانيا آنذاك، حيث أصرَّت على أن المعمودية، لو تلقاها المرء في طفولته، فيجب أن تُعَاد مراسيمها عند البلوغ، بل من الأفضل أن يتمَّ تأجيلها، كما فعل يوحنا المعمدان، إلى أن يتمكَّن المتلقي الراشد من اعتناق العقيدة المسيحية بعلمه واختياره ((ويل ديورانت، قصة الحضارة مج12 ج24 – الإصلاح الديني، ترجمة: د. عبد الحميد يونس، القاهرة: مكتبة الأسرة، 2001، الفصل 17، ص 96-97. )).
قادة هذه الحركة في مونستر بألمانيا هما: يان ماثيس (Jan Matthys) ويان ڤان ليدن (Jan van Leiden)، وهي عبارة عن نزعة مفرطة في التوقعات الرؤيوية؛ اعتبروا أنفسهم ”أورشليم الجديدة“ المذكورة في سفر الرؤيا ((سفر الرؤيا 21 )). وتوقعوا مجيء المسيح في حياتهم، وطبَّقوا نظام الملكية المشتركة للمال والممتلكات، وأقرُّوا تعدد الزوجات وحُكمًا ثيؤقراطيًا (حُكمًا إلهيًا) استعدادًا للملك الألفيّ الحرفيّ. تمَّ قمع هذه الحركة بعنفٍ على يد القوات الكاثوليكية واللوثرية.
وهناك لا معمدانيون آخرون كان من أبرزهم: ميلكيور هوفمان (Melchior Hoffman) ويان تريبماكر (Jan Trypmaker)، اللذان كانا يؤمنان بحرفية الألف سنة لملك المسيح، ووضعوا أحيانًا تواريخ مُحدَّدة لمجيء المسيح، وبعضهم دعا لإسقاط الحُكام الظالمين، وقد ألهموا حركات تقوية وانعزالية لاحقة بذات النزعة الألفية ((Norman Cohn, The Pursuit of the Millennium: Revolutionary Millenarians and Mystical Anarchists, Oxford University Press, 1970, pp. 201-220 )).
لقد استلهمت كل جماعات اللا معمدانيين من سفر الرؤيا عقيدتهم، وتوقع عودة المسيح المبكرة بصفةٍ يقينيةٍ إلى الأرض. وأكَّد كثيرٌ من المؤمنين أنهم يعرفون موعد مجيئه، وحدَّدوا الساعة واليوم. ومن هنا كان لا بد من القضاء على كل الهراطقة -وهم هنا جميع الناس ما عدا اللا معمدانيين- بحدّ سيف الربِّ، ولا بد أن يعيش الصفوة يحفهم المجد في فردوسٍ أرضيّ بلا قوانين، ولا زواج، وينعمون بفيضٍ زاخرٍ من أطايب كل شيء ((ويل ديورانت، قصة الحضارة مج12 ج24 – الإصلاح الديني، ترجمة: د. عبد الحميد يونس، القاهرة: مكتبة الأسرة، 2001، الفصل 17، ص 98. )).
بدعة أنبياء سڤيكاو الألفية
ظهر كلٌّ من نيكولاس ستورش (Nicholas Storch) وماركوس ستابنر (Markus Stubner) اللذين عُرِفَا باسم ”أنبياء مدينة سڤيكاو“، ظهرا في فتنبرج يعظان بأفكارٍ تشبه بعض أفكار اللا معمدانيين المنادين بإعادة المعمودية. كانا يُعلِّمان أن ملكوت الله سيظهر بعد قليل على الأرض، وأن أتباعهم سينالون إعلانًا خاصًا. فتأثَّر الشارع الألمانيّ بهذه التعاليم، مما دفع لوثر أن يخاطر بحياته، ويرجع إلى فتنبرج في عام 1522 لمواجهة هذه التعاليم. ونجح في دحر أنبياء سفيكاو بعد أن ألقى ثماني عظات نارية، أكَّد فيها سلطان الكتاب المقدَّس والحاجة إلى التغيير التدريجيّ في الكنيسة ((إيرل كيرنز، المسيحية عبر العصور، ترجمة: عاطف سامي برنابا، القاهرة: رسالتنا للنشر والتوزيع، 2021، الفصل 27، ص 299. )).
فلقد أعلن توماس مونتسر ونيكولاس ستورش وماركوس ستابنر أنهم وحدهم المؤهَّلين ليكونوا مُفسِّرين للكتاب المقدَّس، فقد أحسوا بأنه يُوحَى إليهم من الروح القدس. وصرَّحوا بأن هذا الروح القدس أمرهم بأن يُؤجِّلوا المعمودية إلى حين بلوغ سن الرشد لأن القربان المقدَّس لا يكون له أثر إلا بالإيمان، وهو أمرٌ لا يُنتظَر من الأطفال. وتنبؤوا بأن العالم سيتعرَّض عما قريب لخرابٍ شاملٍ يهلك فيه كل الفجار – بما فيهم جميع القساوسة الجامدين بصفةٍ خاصةٍ، ونبدأ بعد ذلك على الأرض مملكة الربِّ الشيوعية ((ويل ديورانت، قصة الحضارة مج12 ج24 – الإصلاح الديني، ترجمة: د. عبد الحميد يونس، القاهرة: مكتبة الأسرة، 2001، الفصل 16، ص 49. )).
رفض لوثر للملك الألفي
لا ينخرط مارتن لوثر في توقعات المُلك الألفيّ الحرفيّ. بالنسبة له، فإن الإشارات إلى المُلك الألفيّ في سفر الرؤيا لا تُشِير إلى نهاية العالم، بل إلى زمن الكنيسة ((Vor. N.T., WADB7: 416, 32/ LW35:409; cf. TR (1532), WATR1:136, 14; Matt.18-24, WA47:561, 14 )). يرفض لوثر الألفية [التنبوءات بنهايةٍ عنيفةٍ عندما يعود المسيح ثانيةً] ((Pred. (1535-1536), WA41I:120f., 18ff./ LW13:263f )). صحيحٌ أن لوثر تكهن بموعد نهاية العالم (( Supp.ann., WA53:22, 2 ))، وكان منفتحًا على استخدام الصور والاستعارات في وصف تجربة القيامة ((Pred. (1532), WA36:267f.,28ff./ LW51:253; Pred. (1533/1534), WA37:151, 8 )) عندما كان المصلح يُفسِّر النصوص فقط، يزعم أن اليوم الأخير سيكون غير متوقع ((Adv., WA10I/2:93, 24/ CSI/1:61. )). وفي بعض الأحيان، أدَّعى أن علامات النهاية لم تظهر بعد (( Ibid., WA10I/2:93,21/ CSI/1:61; Vor. N.T., WADB7:419, 19ff./ LW35:410 )). ينصحنا لوثر ألا نفرح بالواقع الحاضر، بل بالرجاء في الأمور الآتية ((Dict. Ps., WA4:380.35/ LW11:518-519 ))، ((Mark Ellingsen, Martin Luther’s Legacy: Reforming Reformation Theology for The 21st Century, Palgrave Macmillan, 2017, Ch. 14, Eschatology, pp. 299-303 ))، ((Bernard Lohse, Martin Luther’s Theology: Its Historical and Systematic Development, Trans. & Edit. by Roy A. Harrisville, Fortress Press Minneapolis, 2011, pp. 257-65) )).
بالتالي، لم يوافق لوثر ولم يشارك بشكلٍ واعٍ في الجهود المبذولة للتنبؤ بالنهاية، حتى عندما جرت هذه المحاولة بين أقرب رفاقه. حسابات لوثر بشأن ”الألف سنة“ في كتابه ”حساب سنوات العالم“ Supputatio annorum mundi (1541-1545) لا تتعارض مع هذا البيان ((WA 53, 152-54. See zur Muhlen, Luther, 560 )). لقد فسَّر لوثر النص القياسيّ للشيلية أو المُلك الألفيّ في (سفر الرؤيا 20: 3-7) بحديثه عن الألف سنة والقيامة الأولى، لا بالإشارة إلى نهاية الزمان، بل بالإشارة إلى تاريخ الكنيسة، كما يُشِير كتابه ”حساب سنوات العالم“. وهذا يستبعد أيّ أساس كتابيّ للتكهُّنات حول المُلك الألفيّ قبل الدينونة الأخيرة. ويتبع لوثر بهذا التفسير أوغسطينوس، الذي فسَّر أيضًا هذا النص عن زمن الكنيسة ((Augustine, De civitate Dei, 20.9 )).
رفض كالڤن للملك الألفي
يصف چون كالڤن التعليم بالملك الألفيّ الحرفيّ بأنه خرافة صبيانية لا تحتاج إلى تفنيد، ولا تستحق التفنيد، حيث يرى أن الإشارات الرؤيوية التي يستندون إليها لا تدعم ضلالتهم قائلًا: ((چون كالڤن، أسس الدين المسيحي مج2، ترجمة: مجموعة من المترجمين، لبنان: دار منهل الحياة، 2018، 3: 25: 5، ص 928. ))
وبعدئذٍ بقليل جاء الألفيون الذين وضعوا حدًا لمُلك المسيح مدة ألف عام. أمَّا تفاهة خرافتهم الصبيانية فلا تحتاج إلى تفنيد، بل لا تستحقه. فإن الإشارات الرؤيوية التي يستندون إليها من دون شك، لا تدعم ضلالتهم. هذا لأن عدد ’الألف‘ ((سفر الرؤيا 20: 4 )) لا ينطبق على السعادة الأبدية التي تتمتَّع بها الكنيسة، بل على الكروب المتنوعة فقط التي تعرَّضت لها في غضون جهادها الأرضيّ. على العكس، فإن الكتاب المقدَّس كله يعلن مُؤكِّدًا أن فلا نهاية لسعادة مختاري الله أو لشقاء الأشرار ((إنجيل متى 25: 41، 46 )).
(چون كالڤن، أسس الدين المسيحي مج2)
ويستطرد كالڤن في توبيخ القائلين بالملك الألفيّ الحرفيّ للمسيح، حيث يرى أنهم لا يدركون قدر العار الذي يجلبونه على المسيح وملكوته، ويصف هؤلاء الأشخاص بأنهم إما في غاية الجهل بالإلهيات، أو إنهم يحاولون بطريقةٍ خبيثةٍ طمس نعمة الله وقوة المسيح في محو الخطايا وابتلاع الموت واستعادة الحياة الأبدية استعادة كاملة كالتالي: ((چون كالفن، أسس الدين المسيحي مج2، ترجمة: مجموعة من المترجمين، لبنان: دار منهل الحياة، 2018، 3: 25: 5، ص 928. ))
ومَن يُحدِّدون مدة ألف عام يتمتَّع فيها أبناء الله بميراث الحياة العتيدة، لا يدركون قدر العار الذي يجلبونه على المسيح وملكوته. […] إنْ كانت لسعادتهم نهاية، إذًا ملكوت المسيح الذي هناؤهم على ثباته، مؤقتٌ وآيلٌ إلى الزوال. بالإيجاز، إمَّا أن يكون مثل هؤلاء الأشخاص في غاية الجهل بالأمور الإلهية، أو إنهم يحاولون -بحيلةٍ خبيثةٍ ومتمعجةٍ- طمس نعمة الله وقوة المسيح اللتين تتحقَّقان بمحو الخطايا فقط، وابتلاع الموت، واستعادة الحياة الأبدية استعادة كاملة!.
(چون كالڤن، أسس الدين المسيحي مج2)
ويُؤكِّد كالڤن أنه حتى الأعمى يستطيع أن يرى غباوة الهراء الذي يتكلَّم به هؤلاء الألفيون كالتالي: ((چون كالڤن، أسس الدين المسيحي مج2، ترجمة: مجموعة من المترجمين، لبنان: دار منهل الحياة، 2018، 3: 25: 5، ص 928-929. ))
فحتى الأعمى يستطيع أن يرى غباوة الهراء الذي يتكلَّم به هؤلاء الذين يخافون أن ينسبوا إلى الله القساوة المفرطة إذا حكم على الأشرار بالعقاب الأبديّ! إنْ كان الله يحرم من ملكوته مَن أثبتوا بجحودهم الزائد عدم جدارتهم به – بات ذلك، حقًا، ظلمًا مفرطًا! يقولون إن خطاياهم شيءٌ موقتٌ. فليكن. أمَّا عزة الله وعدالته اللتان انتهكتهما خطاياهم، فهما أبديتان.ولذا فإن ذاكرة آثامهم لا تزول. مع ذلك يقولون إن العقاب يفوق حدود التعدي. على أن هذا التجديف لا يُطَاق عندما يُحقِّر المخلوق جلالة الخالق، أو عندما يُفضِّل الازدراء بها على فقدان نفسٍ واحدةٍ. لكن دعونا نتجاوز هذا العبث وهذه التوافه لئلا، على عكس ما قُلنا سابقًا، يبدو أننا نحسب هذيانهم جديرًا بالتفنيد.)
(چون كالڤن، أسس الدين المسيحي مج2)
---
## البابا يوحنا الثالث والعشرون والحقوق اﻷساسية
URL: https://tabcm.net/53555/
Type: post
Modified: 2026-02-26
في هذا المقال نتعرف على جزء من أفكار البابا يوحنا الثالث والعشرون عن الحقوق اﻻقتصادية والثقافية والقيم اﻹخلاقية من خلال “رسالة السلام على اﻷرض” التي أصدرها في 1963.
الحقوق الاقتصاديّة
في المجال الاقتصاديّ: لكلّ إنسانٍ حقٌّ أصيل، لا في أن تتاح له فرصة العمل فحسب، بل أيضًا في أن يمارس مبادرته الشخصيّة في العمل الذي يقوم به.
والظروف التي يعمل فيها الإنسان هي نتيجةٌ لازمة لهذه الحقوق. فلا يجوز أن تكون مضرّة بصحّته الجسديّة أو الأخلاقيّة، ولا أن تعوق نموّ الشباب نموًّا سليمًا. كما يجب أن تُمنَح المرأةُ ظروفَ عمل تتوافق مع حاجاتها ومسؤوليّاتها بصفتها زوجة وأمًّا.
ومن كرامة الإنسان ينبع حقّه في ممارسة نشاطٍ اقتصاديّ يتناسب مع مسؤوليّته. وللعامل حقٌّ في أجر يُحدَّد وفقًا للعدل. ويجب أن يكون هذا الأجر كافيًا، حسبَ الإمكانات المتاحة، ليؤمِّن للعامل وأسرته مستوى معيشة يليق بالكرامة الإنسانيّة. وقد قال البابا بيّوس الثاني عشر: «تفرض الطبيعة على الإنسان العمل واجبًا، ويقابله حقٌّ طبيعيّ في أن يوفِّر عملُه وسائلَ العيش له ولأبنائه. فهذا ما يقتضيه حفظ حياة الإنسان».
ومن طبيعة الإنسان أيضًا حقّه في الملكيّة الخاصّة، بما في ذلك وسائل الإنتاج. وهذا الحقّ وسيلةٌ فعّالة للتعبير عن الشخصيّة ولممارسة المسؤوليّة في مختلف المجالات، وهو عنصر استقرارٍ وأمان للأسرة، ويسهم في تحقيق السلام والازدهار في المجتمع.
وأخيرًا، يجدر التذكير بأنّ حقّ الملكيّة الخاصّة يرتبط بوظيفةٍ اجتماعيّة أيضًا. ((Pacem in Terris [Peace on Earth]: Encyclical of Pope John XXIII, ON Establishing Universal Peace in Truth, Justice, Charity, and Liberty. 11 April 1963 ))
(البابا يوحنا الثالث والعشرون،السلام على الأرض، ١٩٦٣)
حقوق القيم الأخلاقيّة والثقافيّة
الفكرة التي يطرحها البابا يوحنّا الثالث والعشرون في رسالته “السلام في الأرض” تصبح أكثر وضوحًا حين نضعها في سياق المجتمعات التي تُضيَّق مساحات الحرّيّة، ويُنظر فيها إلى الاختلاف الفكريّ على أنّه تهديدٌ وليس ثراءً.
عندما لا يُحترم حقّ الإنسان في البحث عن الحقيقة والتعبير عنها، وعندما يُمارَس ضغطٌ اجتماعيّ أو مؤسّسيّ لإسكات الرأي المختلف، فإنّ الكرامة الشخصيّة تُصاب في جوهرها. فالعنف ليس جسديًّا فقط هو يمكن أن يكون فكريًّا وأخلاقيًّا. فحين يُشهَّر بالناس، أو يُخوَّنون، أو يُعزَلون اجتماعيًّا أو فكريًّا فقط لأنّهم يفكّرون بطريقة أخرى، هذا شكلٌ من أشكال العنف.
في مثل هذا المناخ، تختنق الثقافة، ويتحوّل التعليم إلى تكرار، ويتراجع الإبداع، لأنّ الخوف يحلّ محلّ الحرّيّة. وهنا يظهر عمق كلام البابا: الحرّيّة في البحث والتعبير، والحقّ في المعلومات الصحيحة، والحقّ في التعليم الحقيقيّ، ليست ترفًا أو رفاهية إنها شروطٌ أساسيّة لتحقيق السلام الاجتماعيّ الحقيقيّ، والرقي البشريّ.
إنّ السلام لا يقوم على الصمت المفروض، ولكنّه يُبنى على الحوار المبنيّ على الاحترام المتبادل. لا يمكن أن يُبنى السلام على تطابق الآراء، ولكن على احترام الضمير الحرّ غير الخائف. عندما تُقمع الكلمة، يتآكل النسيج الأخلاقيّ للمجتمع وتدريجيًّا يحلّ الشكّ محلّ الثقة، والخوف محلّ المشاركة، والولاء القسريّ محلّ القناعة الحرّة. هذا يمكن اختصاره بكلمة واحدة “مجتمع مزيّف” أو “مجتمع منافق”.
لذلك، الدفاع عن حرّيّة البحث والتعبير والتعليم هو دفاع عن إنسانيّة الإنسان نفسها، وعن إمكان قيام مجتمع عادل وحقيقيّ يستطيع أن يعيش اختلافه من دون أن يتحوّل إلى صراع أو إقصاء.
من نصّ رسالة البابا:
للإنسان حقٌّ طبيعيّ في أن يُعامَل باحترام، وله حقّ في سمعته الطيّبة. وله الحقّ في حرّيّة البحث عن الحقيقة -في حدود النظام الأخلاقيّ والصالح العامّ- في حرّيّة الكلام والنشر، وفي اختيار العمل الذي يريد أن يمارسه. كما أنّ له الحقّ في الحصول على معلومات صحيحة عن الشؤون العامّة.
وله أيضًا حقّ طبيعيّ في الاستفادة من ثمار الثقافة، ولذلك يحقّ له أن ينال تعليمًا عامًّا جيّدًا، وتدريبًا تقنيًّا أو مهنيًّا يتناسب مع مستوى التعليم في بلده. وينبغي كذلك وضع نظام يتيح لأصحاب المواهب في المجتمع فرصة متابعة دراسات أعلى، ليشغلوا -قدر الإمكان- مواقع مسؤوليّة تتوافق مع مواهبهم الطبيعيّة وما اكتسبوه من مهارات. ((John XXIII, Pacem in Terris: Encyclical Letter on Establishing Universal Peace in Truth, Justice, Charity, and Liberty. 11 April 1963, p.12-13 ))
(البابا يوحنا الثالث والعشرون، السلام على الأرض، ١٩٦٣)
---
## تنظيم حماة اﻹيمان والملفات الصفراء
URL: https://tabcm.net/53513/
Type: post
Modified: 2026-02-25
اثنى عشرة عامًا ما بين ” يوجد رأيين في الكنيسة”، إلى: ” يوجد رأي واحد، هو رأيي، وأنت كافر”.
تعودنا منذ صغرنا في كنيستنا، وتعلمنا من خدامنا في مدارس الأحد، وسمعناها كثيرًا منهم إن الموضوع الفلاني فيه رأيين وهذا في الأمور غير الخلاصية (التي لا تؤثر على خلاصنا) وممكن الكنيسة تقبلها، وهذا ما فعله المجمع حين قال رأيه في موضوع طهارة المرأة، فنجد الأنبا رفائيل يعلق على هذا القرار المجمعي، ويقول حرفيًا: إحنا ليه نعمل انشقاق في الكنيسة في موضوع مالوش لازمة؟.
وكان هذا هو نهج القديس أثناسيوس حين قبل بعض الاختلافات اللفظية، التي لا تؤثر على الإيمان، لأجل الحفاظ على وحدة الكنيسة.
لكن في السنوات القليلة الأخيرة لاحظت أمر غريب عن كنيستنا، وهو ما أن يكتب أحد رأيه، بخصوص موضوع جانبي جدًا، على سبيل المثال: هل وُلدت العذراء المسيح بألم أم بدون؟، وماذا تعني كلمة ألم عند الآباء (على فكرة فيه فيديو للأنبا رفائيل يقول إنه مع هذا الرأي)، بعدها بساعتين أجد أحد الكهنة يكتب بوست بالعكس تمامًا.
طبعًا من حقه أيضًا أن يقول رأيه وما هو مقتنع به، بل ويحاول أن يُعلِم به، ولكن هذا في حالة أنه فقط تعبير عن الرأي، ولكن هل الموضوع يتوقف عند هذا الحد؟ يعني هل كل واحد قال رأيه وانتهى اﻷمر؟
للأسف لا، بل يتحول إلى تكفير الآخر، وتشويهه بكل الصور، حتى آباؤنا الكهنة العظام المتنيحين لم يسلموا من تكفيرهم، ولتحقيق هذا الهدف تتكاتف كثير من القوى الغريبة على روح كنيستنا، لتحقيق هذه الأهداف المسمومة. وهنا يبرز دور التنظيم السري الذي يعمل في الخفاء.
طبعا الناس والخدام كبار السن، لا يهمهم على الإطلاق هذا الكلام الفارغ، ولكن من الذي يُعثر في كنيسته؟ الشباب المقبل على الحياة والخدمة والمتحمس لقراءة الآباء والبحث في تاريخ كنيستنا.
ولأننا رأينا أخوتنا الأصغر، يتم التنكيل بهم، وهذا يؤدي إلى أن يترك الكنيسة خيرة أبناؤها، لذلك قررنا أن نواجه ونكتب عن هذا التنظيم، وأجنحته المستترة، والأخرى الظاهرة، وكيف تحاك الوشايات والمؤامرات لإبعاد الشباب الصغير عن كنيسته، لضمان أن يصمت الباقين، ما يعني العمل بمبدأ: “لو تكلمت هايتعمل فيك زي أخوك، اللي سيبناه الخدمة!”.
لا أتكلم لتشويه صورة أحد أو لاتهام أحد ولكن حرصًا على الكنيسة القبطية بعد أن تواصل معي عدد من الشباب الذين تم استبعادهم من الخدمة، لأنهم يقرأون ويبحثون، وذلك من خلال أفراد داخل الكنيسة أشد فسادًا من الكتبة والفريسيين، وأساليبهم الدنيئة لا تقل عما قام به الكتبة والفريسيين في المسيح من مكر وغيرة، وغل وخيانة، وشهادة زور وكذب.
الجميع يعلم أن تنظيم حماة الإيمان له لجانه الإلكترونية التي يستخدمونها عند رغبتهم في الإطاحة بأحد الخدام، وفي حالات كثيرة يكون هذا كافيًا، ولكن في بعض الحالات التي يصعب عليهم مواجهتها، يحتاج الأمر لأكثر من مجرد بوست على جروباتهم، هنا يلجأون لعمل ملفات سرية ويقومون بإرسالها للأسقف أو الكاهن المسؤول.
يتولى هذه المسؤولية أحد الكهنة في إيبارشية النمسا، نظرا لإمتلاكه كثير من وقت الفراغ، فالخدمة هناك تكون يومي السبت والأحد فقط وبقية الأسبوع تقريبًا لا شيء، مثل كل الكنائس في أوروبا.
يبدأ الكاهن أولًا بتصفح صفحة الفيس للخادم المستهدف، ويحاول إيجاد أي شيء يمكن أن يستغله ضد الخادم، ولن تصدقوا أنه يبحث في الصفحة عن بوستات منذ عشر سنوات أو أكثر -مش بقول لكم “فراغ”- وإذا لم يجد ما يمكن إدانته، وهذا في أغلب الأحوال، فإنه يقوم بنقل البوست ووضع عنوان كاذب، يحمل معنى مغاير تمامًا لما يريده كاتب البوست، ولكن البوست يكون بالخط العادي الصغير أما العنوان فيضعه جناب القس بخط كبير وأحمر.
في أثناء عمل الملف يقوم جناب القس بعمل اتصالات تليفونية تدور حول الشخص المستهدف أو معه شخصيًا إن كان يعرفه، ويتطرق للحديث في أمور لاهوتية، دون أن يدري المتلقي أنه يتم التسجيل له في أثناء الحوار، حتى بكتمل الملف ويُدعم بتسجيلات صوتية، وهي أيضا يتم اجتزائها من سياق الكلام ويتم عنونتها بعناوين مختلفة.
يرسل الكاهن الملف المطبوع عن طريق البريد وليس بالإيميل أو التليفون، حتى لا يكون هناك أي دليل ضده أنه هو من كتب هذا الملف.
بالطبع يُرسل هذا الملف لأحد الكهنة لإيصاله للأسقف، ليبقي الموضوع سرًا لا يعلم به أحد، ويعامل كأنه من أسرار الكهنوت (للأسف حتي الوشاية يعتبرونها سر المهنة) وبهذا يضمن الكاهن أن الخادم المستهدف سيتم التعامل معه دون حتى أن تتم مواجهته أو يعلم بأي شيء أو يدافع عن نفسه.
نسخة من هذا الملف يتم إرسالها لأسقف وسط القاهرة، حتي يقوم بدوره في الضغط على أسقف الخادم المستهدف. وبهذا يكون الملف وصل، يا ترى ما هي محتويات الملفات؟ وماذا يحدث بعدها؟ سأتناول ذلك في مقال آخر.
طبعًا الأدلة موجودة والشهود موجودين، وفي حالة فتح تحقيق في الموضوع، سوف نعرض كل الأدلة فقط للجنة التحقيق، أما ما عدا ذلك، فسوف نستمر في كشف كل المؤامرات والوشايات.
---
## بين إپستين وسلڤانا
URL: https://tabcm.net/51727/
Type: post
Modified: 2026-02-22
في قصة چيفري إپستين، ناس كتير انشغلت بتفاصيل “الجزيرة” و“الحفلات” و“الأسماء الكبيرة”، واللي كانوا بيهبّبوه هناك. لكن من أولها لأخرها، القصة ببساطة متفرقش عن قصة سلڤانا عاطف سوي في حجمها: قاصِر عندها إعاقة ذِهنيّة تخليها -من حيث النُّضج- زي طفلة صغيرة. الشرّ سواء لبس بدلة أفرنجي شيك، أو حتى جَلابيّة بيضا، لكنه دايمًا يختار الفريسة الأكثر براءة، عشان مقاومتها تبقى أقل.
ومن هنا يبان إننا مش قدّام حكايتين… إحنا قدّام نفس الجُرم ونفس الجرح: خطف بالحيلة والمراوغة، واحتجاز، واستغلال، وأكاذيب وتضليل نِغلوش بيه على الحكاية، وتعطيل طريق الرجوع لحضن أهلها. مفيش فرق جوهري بين اللي كان بيتعمل هناك… واللي بيتحكي وبيتكشف إنه بيتعمل هنا. “الإيد الآثِمة” واحدة: إيد بتخطف، وبتستغل، وبتتاجر بالإنسان وهو في أضعف حالاته… للتلذّذ بيه، وتشويه نفسه، وسَحق وإهلاك روحه.
والصادم أكتر إن سِلفانا مش مجرد قاصِر وبس… دي كمان قاصِر “مستضعفة” بحكم حالتها الذهنية. وده بيخلّي الألم أتقل، والجريمة أخسّ: قدرتها على الفهم أقل، وعلى الدفاع أقل، وعلى الاعتراض أقل، وعلى النجاة وحدها أقل.
ومع ذلك، تلاقي ناس عندنا بتفتّش باجتهاد وبتتفرّج على “ملفات إبستين” كأنها فرصة تشتم “الغرب الكافر” وتاخد جرعة تفوّق أخلاقي رخيص… وتَقْوَى مُزيّفة… كأن مجرد إن الوساخة هناك يبقى إحنا تلقائيًا الأبرّ والأنقَى هنا. ووسط ما هو بيدين “إپستين” واللي معاه، بيسكت عن “سِلڤانا” لأنها بتكشَف اللي جوّه عنده… واللي مخبّيه. هنا الخدعة بتبان: لا هو أبرّ، ولا هو أنقَى… بل يمكن أشدّ قسوة وفُجورًا وشرًّا، وبقدرة أعلى على التبرير والتحوير واللفّ والدوران؛ يلعن الشرّ وهو بعيد… ويدفنه وهو قريب منه. نُفوس مَيّتة مش مريضة… تِنسى وتتناسى، وتكمّل خداع لنفسها.
والحقيقة المؤلمة إن قضية إپستين نفسها -بغضّ النظر عن تفاصيلها- مش بس “عار” هناك… دي كمان بتكشف حاجة تانية: إن فيه آليات بتخلّي الجريمة تطلع للنور بدل ما تتدفن. هناك فيه صحافة وإعلام عندها مساحة تسأل وتنبش، وقضاء يقدر يفتح ملفات حسّاسة، ويقدر يوقف قدّام القوي بدل ما يرفع وجه شرّه وهو دايس على الفقير.
لكن عندنا هنا… كتير من اللي بيتسمّى “سِتر” بيتحوّل لحاجة تانية خالص: دفن. والفرق بين الاتنين كبير جدًا. السِّتْر مش تواطؤ على الظلم، ولا حماية للمُجرم، ولا “تمرير” للجريمة من غير عقابٍ مناسب يوقّف اللي ارتكب الشرّ قدّام نفسه، ويخلّيه يِفكّر ويرجع لنفسه، معترف إنه أخطأ ومحتاج للي يِغفر له. السِّتْر الحقيقي بيبقى مساحة رحمة، بيشتغل فيها الله على القلب، وبيوجّه إنذارات، وبيفتح باب توبة، ويدي فرصة للرجوع… أمّا لما تبقى فيه ضحية… وقاصِر… ومستضعفة… هنا السِّتْر اللي يبقى “دفن” مايبقاش حكمة: يبقى خيانة للحقّ وظلم.
كم “إپستين” عايش بينّا بأسماء مشهورة، ولُحى وقورة، وخطاب ديني، أو ألقاب رسمية؟ ليه عندنا بيتعمل ألف مخرج عشان المستور يفضل مدفون، والضحية تفضل وحيدة، والأهل يفضلوا بين خوف وذُهول ووجع قلب بالباطل، والقانون يبقى عاجز أو مُعطَّل أو مُلتفّ عليه؟ وليه ناس كتير تتفنّن في “ستر المُجرم” باسم الحكمة… بدل ما تستر الضحية بالحماية والإنصاف؟!
الشرّ دايمًا بيشتغل على فكرتين: التغطية بهدف يفضل في الضلمة… وكتم صوت الضحية. ولو الصوت ما اتخرسش، ولو النداء ما سكتش… ساعتها الشرّ بيبدأ يتخنق. لأن الظلمة بتكره النور… وبتكره السؤال… وبتكره المُساءلة.
---
## عارض السلاسل
URL: https://tabcm.net/series-gallery/
Type: page
Modified: 2026-02-20
ملكوت الله سيمتد
التقويم القبطي بين الموروث والتصحيح
مونارخية الآب
كنيسة تبحث عن بوصلتها
تعاليم آباء الكنيسة ضد التهود
تاريخ الإخوان والسلطة
تناول يهوذا
هؤلاء علموني
معضلة الشر
الخبر كوسيلة معرفية
الخلاص بين الشرق والغرب
حراس الشريعة
المشكلة الإزائية
المسيحية والعنف
يوميات الأنبا ديميدوس الضرير
قراءات سكندرية لكتابات خلقيدونية
التأريخ في ضوء ما بعد الحداثة
مدائح كيهك: إعادة نظر
القداس الإلهي
أسطورة ١٦ فرقة مسيحية أنكرت الصّلب
الحالة المصرية
الإفخارستيا المسيحية
ليس رجلا من قش
بدعة الملك الألفي
المحاكمات الكنسية
الكنيسة والمسؤولية المجتمعية
حكايتي مع دير أنبا مقار
عن لا مؤاخذة الليبراليين
مفاهيم لاهوتية
بين الكلمة والكذبة وُلد الموت
مدينتا سو ومي
الرابع عشر من نيسان
التقويم المصري القديم
أقوال المؤرخين في صلب يسوع
كلمة أخيرة
الخطية الأصلية في فكر الآباء
مصر والنيل
خواطر في تفسير إنجيل يوحنا
مشاهدات إكليروسية
التطور: أزمة اﻻعتقاد والعلم
اﻷقباط والحداثة
تحرير اﻹيمان من سلطة الدين
القيم اﻷخلاقية
إطلاق سراح كلمة الله
الفعل الثقافي في سبيل الحرية
التفسير بين الحرفية والرمزية
مقدمات وتعليقات على العهد القديم
تعليقات على سفر ملاخي
نهاية العالم والمجئ الثاني
التمايز في شرح العقيدة المسيحية
أسطورة القرعة الهيكلية
عن المرأة في المسيحية
نصوص مغمورة
الله اﻷب أم الطبيعة اﻷم؟
تاريخية إعادة المعمودية
الكتاب المقدس والعلم
القديس بولس الرسول
تكوين التوراة
آيات ومحتاجات
لماذا يعادي العرب إسرائيل؟
دفتر تبرعات
ملحمة جلجامش
الإبرة المصدية في وخز الأصولية
مفيش فايدة
درب الصليب درب الحياة
الكنيسة.. صراع أم مخاض ميلاد؟
الانجماع الكلي واتحاد البشرية بالمسيح
كنيستنا وتدوير الهرطقات
أرثوذكسية تأليه اﻹنسان
أيها الأسقف.. من أنت؟
الإنجيل بعيون مصريّة
الفن القصصي في الأناجيل
امرأة تكتب
يهوة والشرق اﻷدنى
الكل
---
## الجماعات المسيحية الأولى والملك الألفي
URL: https://tabcm.net/48277/
Type: post
Modified: 2026-02-20
نفحص في هذا الفصل كيف تفشى التعليم الألفيّ الحرفيّ في الجماعات المسيحية الأولى، ونستعرض أهم ملامح هذا التعليم الألفيّ خلال فترة القرون الخمسة الأولى، وأبرز الجماعات المبتدعة التي تبنَّت هذا التعليم، وعملت على نشره في القرون الأولى للمسيحية.
بدع الملك الألفيّ في القرون الخمسة الأولى
البدعة الأبيونية الألفية
يذكر ق. إيرينيؤس الليونيّ عن أتباع البدعة الأبيونية أنهم كانوا يستخدمون إنجيل متى فقط، وكانوا يرفضون الرسول بولس، ويقولون عنه إنه مرتدٌ عن الناموس، وإنهم يمارسون الختان، ويثابرون على حفظ عادات الناموس، وإنهم متهودون جدًا في أسلوب حياتهم، لدرجة أنهم يُكرِّمون أورشليم كما لو كانت بيت الله. ((إيرينيؤس، ضد الهرطقات مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2013، 1: 26: 2، ص 114. ))
البدعة المونتانية الألفية
نشأت الحركة المونتانية في مقاطعة فريجية بآسيا الصغرى، ولذلك يُطلِقون عليها أحيانًا اسم ”هرطقة فريجية“ ((Louis Berkhof, The History of Christian Doctrines, Grand Rapids: Baker Book House, 1990, p. 54 )). ولكنها سُرعان ما انتشرت في مُختلف بلدان آسيا الصغرى، وامتدت إلى روما، ثم وصلت أيضًا إلى شمال إفريقيا، حيث أصبح أحد أتباعها ترتليان الذي يُعتبر من أهم مصادر المعلومات المتوفرة لدينا اليوم عن هذه الحركة ((Reinhold Seeberg, Textbook of the History of Doctrines Vol. 1, tr. by Charles E. Hay, Grand Rapids: Baker Book House, 1958, p. 105 )). وكانت المونتانية عمومًا ضد التوجهات العالمية التي سادت في الكنيسة ((Williston Walker, A History of the Christian Church, Rev. by C. Richardson, W. Pauk & R. T. Handy, New York: Charles Scribner’s Sons, 1959, p. 56 )). حيث نادى مونتانوس من البداية بأن المسيح سيأتي ثانيةً سريعًا جدًا، وسيُؤسِّس أورشليم الجديدة النازلة من السماء، وأعتبر مونتانوس أن ذلك سيحدث في قرية بيبوزا في مقاطعة فريجية. إلا أنه عندما انتشرت المونتانية وشملت كثيرًا من البلاد أعتبر أن أورشليم الجديدة ستكون حيث توجد أورشليم التي بفلسطين ((Reinhold Seeberg, Textbook of the History of Doctrines Vol. 1, tr. by Charles E. Hay, Grand Rapids: Baker Book House, 1958, p. 105 )). وبسبب تهديد المونتانية للسلطة الكنسية، عُقِدَت مجامع في آسيا الصغرى بعد عام 160، التي تُعد أول مجامع محلية معروفة في تاريخ الكنيسة أدانت الحركة المونتانية ((Williston Walker, A History of the Christian Church, Rev. by C. Richardson, W. Pauk & R. T. Handy, New York: Charles Scribner’s Sons, 1959, p. 56 )).
ويُشِير ق. إبيفانيوس السلاميسيّ، في سياقه إيضاحه لفكرة الملك الألفيّ الحرفيّ للمسيح على الأرض عندهم، إلى إكرام المونتانيين أو الفريجيين لمكانٍ مهجورٍ في فريجية، وهو عبارة عن بلدة كانت تُسمَّى في السابق ”بيبوزا“، على الرغم من أنها الآن سُويت بالأرض، ويقولون إن أورشليم السمائية ستنزل هناك، ولذلك يلجأون إلى هناك، ويحتفلون بأسرارٍ على الموقع ويُقدِّسون أنفسهم ((إبيفانيوس، أسقف سلاميس، باناريون ضد الهرطقات ج2، ترجمة: القس بولا رأفت، تقديم: الأنبا سيداروس الأسقف العام، القاهرة، 2024، 48: 14: 1-2، ص 43-44. )).
وقد أشار يوسابيوس القيصريّ إلى هذا الأمر، عندما كان ينقل شهادة أبولونيوس أسقف أفسس عن البدعة المونتانية أو الفريجية، حيث أطلق مونتانوس على بيبوزا وتيميون -وهما مدينتان صغيرتان في مقاطعة فريجية- اسم أورشليم، لرغبته في جمع الناس إليهما من كافة الأرجاء. ((يوسابيوس القيصري، تاريخ الكنيسة، ترجمة: القمص مرقس داود، القاهرة: مكتبة المحبة، 1998، 5: 18: 2، ص 227. ))
وهذا ما يُوضِّحه العلامة ترتليان القرطاچنيّ في شهادته عن الملك الألفيّ للمسيح، في أثناء انضمامه فكريًا للمونتانية، حيث يرى أن البشر موعودون بملكوتٍ على الأرض، وإنْ كان قبل السماء، إلا في حالة وجود أخرى؛ بقدر ما ستكون هذه الحالة بعد القيامة ألف سنة في مدينة أورشليم المبنية إلهيًا نازلةً من السماء ((سفر الرؤيا 21: 2 ))، التي يُسمِّيها الرسول: أمنا العليا ((رسالة بولس إلى غلاطية 4: 26 ))، وبينما أعلن الرسول إن وطننا هو في السماء ((رسالة بولس إلى فيلبي 3: 20 ))، تنبأ عنها إنها حقًا مدينةٌ في السماء. وأن حزقيال النبيّ على علمٍ بها، ورأرها يوحنا الرسول ((سفر حزقيال 48: 30-35، سفر الرؤيا 21: 10-23 )). وكلمة النبوة الجديدة التي هي جزء من إيمان ترتليان المونتانيّ آنذاك تشهد كيف تنبأ، على حد زعمه، بأن سيكون هناك كآيةٍ صورةً لهذه المدينة بالذات ظاهرةً لعرضها قبل ظهورها. لأنه يتضح من شهادة الشهود الوثنيين أنه في يهوذا كانت هناك مدينة معلَّقة في السماء، في الصباح الباكر، كل صباح لمدة أربعين يومًا. مع تقدم اليوم، يتلاشى شكل أسوارها تدريجيًا، وفي بعض الأحيان تختفي على الفور. ويقول ترتليان إن هذه المدينة قد زوَّدها الله لاستقبال القديسين عند قيامتهم، وإنعاشهم بوفرة كل البركات الروحية حقًا، كتقديرٍ للذين احتقرناهم أو فقدناهم في العالم. ويرى ترتليان أنه من العدل وجدير بالله أن يتمتَّع عبيده بفرحهم في المكان الذي عانوا فيه من البلاء لأجله. ويصف ترتليان أنه سيحدث من أجل هذه المملكة السماوية التالي: بعد مرور ألف عام، يتمُّ خلالها الانتهاء من قيامة القديسين، الذين سيقومون إنْ آجلًا أو عاجلًا وفقًا لاستحقاقهم، وسوف يترتب على ذلك تدمير العالم وحرق كل الأشياء عند الدينونة، وسوف يتغيَّر البشر بعد ذلك في لحظةٍ إلى جوهر الملائكة، أيّ إلى الطبيعة غير القابلة للفساد، بالتالي ينتقلون إلى تلك المملكة في السماء. ((ترتليان، ضد ماركيون، ترجمة: القس بولا رأفت، القاهرة، 2023، 3: 24، ص 182-183. ))
ق. يوستينوس الشهيد
خلاف بين المسيحيين حول الملك الألفيّ
يبدو أنه لم يكن هناك إجماع بين المسيحيين الأوائل حول أصالة التعليم بالملك الألفيّ الحرفيّ والماديّ للمسيح، وأكبر دليل على ذلك هو إشارة ق. يوستينوس الشهيد إلى وجود خلاف كبير بين المسيحيين حول حقيقة وأصالة التعليم بالملك الألفيّ الحرفيّ الماديّ للمسيح.
فعلى الرغم من أن ق. يوستينوس يشير إلى اعتقاده بالملك الألفيّ، حيث يرى أنه بعد قيامة الجسد يتبعها ألف سنة في مدينة أورشليم التي ستُبنى من جديد بشكلٍ أوسع وأجمل، إلا أنه يستعرض أن هناك خلاف حول تعليم الملك الألفيّ الحرفيّ والماديّ بين المسيحيين أنفسهم قائلًا: ((يوستينوس، القديس يوستينوس الفيلسوف والشهيد (الدفاعان والحوار مع تريڨون اليهودي ونصوص أخرى)، ترجمة: أ. آمال فؤاد، القاهرة: باناريون للتراث الآبائي، 2012، الحوار مع تريفون اليهودي : 80، ص 242، 243. ))
إنني وكثيرين معي نُؤمن أن هذا سيحدث وقد ذكرت أيضًا أن كثيرين من المسيحيين الأتقياء لا يُشارِكوننا هذا الرأي. وقد قلت إنَّ هناك مسيحيين بالاسم فقط وفي حقيقة الأمر هم هراطقة [يقصد الأبيونيين والغنوسيين] بعيدون عن الإيمان والتقوى يُنادون بتعاليم تجديف وإلحاد وحماقة. […] وإذَا قابلتم أيّ أحد يُدعَى مسيحيًا ولا يعترف بهذه العقيدة، بل يُجدِّف على إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب بإنكاره قيامة الأموات، ويقول إن النفس تُرفَع إلى السماء في لحظة الموت، فلا نَعتبر مثل هذا مسيحيًا حقيقيًا […] أمَّا أنا وكُل مسيحيّ قويم الاعتقاد فنُؤمن بقيامة الجسد يتبعها ألف سنة في مدينة أورشليم التي ستُبنَى من جديد بشكلٍ أوسع وأجمل، كما يُعلِن الأنبياء حزقيال وإشعياء وغيرهم.
(يوستينوس، الدفاعان والحوار مع تريفون اليهودي ونصوص أخرى)
بدعة أبوليناريوس الألفية
يبدو أن أبوليناريوس معروفٌ بالأساس في تاريخ الكنيسة بسبب آرائه الخريستولوجية المبتدعة. ولكن يجب أن نضع في الاعتبار أن هناك بعض الجوانب الأخرى من تعليمه شغلت أيضًا اهتمام مُعاصريه. حيث ذُكِرَت بالفعل المزاعم السابيلية عن لاهوته الثالوثيِّ، واتُهِمَ أيضًا بنزعات التهود، والاعتقاد بعودة ذبائح الهيكل الحيوانية في الملك الألفيِّ. ((In Basil’s ep. 263 & elsewhere ))
---
## العصور الوسطى والملك الألفي
URL: https://tabcm.net/52665/
Type: post
Modified: 2026-02-20
خلال فترة العصور الوسطى، ظلَّ الإيمان بالملك الألفيّ الحرفيّ للمسيح لمدة ألف سنة موجودًا بالأساس خارج التعليم الرسميّ للكنيسة. لأن معظم الكنيسة الكاثوليكية والكنيسة الأرثوذكسية الشرقية كانتا قد رفضتا هذا التعليم منذ بدايات العصور الوسطى، ولكن بعض الحركات غير الأرثوذكسية، والحركات النبوية والإصلاحية أحيَّت هذه الفكرة. وغالبًا ما كانت هذه التعاليم الألفية مرتبطةً باضطراباتٍ اجتماعيةٍ أو سياسيةٍ. وسوف نستعرض في هذا الفصل أهم الفرق والحركات الأوروبية في العصر الوسيط التي حملت أفكار التعليم الألفيّ الحرفيّ.
بدعة يواقيم من فلورا الألفية
مُؤسِّس هذه الحركة الألفية هو الراهب السيستريّ يواقيم الفلوريّ Joachim of Flora (1135-1202)، وهو راهبٌ متصوفٌ إيطاليّ الأصل. قسَّم التاريخ إلى ثلاثة عصور وهي: عصر الآب (العهد القديم)، وعصر الابن (العهد الجديد)، والعصر القادم هو عصر الروح القدس الذي سيكون عصر سلام وروحانية ويستمر لمدة ألف سنة حرفية. لقد أثَّر تعليم هذا الراهب الألفيّ على الرهبان الفرنسيسكان الروحيين، وعلى حركات نبوية لاحقة. تمَّت إدانة بعض التفاسير الخاصة بيواقيم الفلوريّ في مجمع لاتيران الرابع 1215 وتمَّت إدانته من قِبَل البابا الرومانيّ لاحقًا ((Marjorie Reeves, The Influence of Prophecy in the Later Middle Ages: A Study in Joachimism, (University of Notre Dame Press, 1993); Bernard McGinn, Apocalyptic Spirituality, (Paulist Press, 1979), pp. 137-180 )).
وقد أرسل يواقيم الفلوريّ بمجموعةٍ من مؤلفاته إلى البابا إنوسنت الثالث في عام 1200، قال إنه كتبها بوحي من عند الله، ولكنه رغم هذا يضعها بين يديّ البابا ليبحثها، ويبدي رأيه فيها. ثم مات بعد سنتين من ذلك الوقت.
وكان أساس كتابة يواقيم الفلوريّ هو النظرية الأوغسطينية -التي كانت تلقى قبولًا عظيمًا لدى جميع المتمسكين بالديانة القويمة- القائلة بأن هناك توافق رمزيّ بين الحوادث الواردة في العهد القديم وفي تاريخ العالم المسيحيّ من ميلاد المسيح إلى قيام مملكة السماء على الأرض. وقسَّم يواقيم تاريخ البشر إلى ثلاث مراحل: كانت أولاها تحت حُكم الله (الآب) وانتهت بميلاد المسيح، والثانية يحكمها الابن وتستمر وفقًا للحساب السريّ 1260 سنة، والثالثة تحت حُكم الروح القدس، ويسبقها عهدٌ من الاضطراب، والحرب، والفقر، وفساد الكنيسة، ويعلن عن حلولها قيام طائفة جديدة من الرهبان تُطهِّر الكنيسة، وتُحقِّق الغبطة العالية من السلام والعدالة والسعادة ((ويل ديورانت، قصة الحضارة مج8 ج16 – عصر الإيمان، ترجمة: محمد بدران، القاهرة: مكتبة الأسرة، 2001، الفصل 6، ص 153. )).
صدق آلاف من المسيحيين، ومنهم رجال ذوو مناصب عالية في الكنيسة ما قاله يواقيم عن الوحي الذي أُوحي إليه، وأخذوا يتطلعون والأمل يغمر قلوبهم إلى الميلاد الثاني في عام 1260. وبعثت تعاليم يواقيم الشجاعة في قلوب الفرنسيسكان الروحيين الذين كانوا يوقنون بأنهم هم الطائفة الرهبانية الجديدة، التي تحدَّث عنها يواقيم الفلوريّ، ولما أعلنت الكنيسة أنهم خارجون عن القانون الكنسيّ، واصلوا دعوتهم بما أذاعوه من الكتابات التي تحمل اسم يواقيم الفلوريّ. وظهرت في عام 1254 مجموعةٌ من أهم مؤلفات يواقيم بعنوان ”الإنجيل الخالد“، وعليها تعليق يقول: إن بابا من البابوات ملوثٌ ببيع المناصب الكهنوتية سيكون خاتم العهد الثاني، وإن الحاجة إلى العشاء الربانيّ والقساوسة تنتهي في العهد الثالث حين يسود الحب العالميّ. وقامت الكنيسة بتحريم قراءة هذا الكتاب، وحُكِمَ على راهب فرنسيسكانيّ يُدعَى چيرارد من بورچا ظُنَّ أنه هو مُؤلِّف الكتاب بالسجن مدى الحياة؛ ولكن الكتاب ظلَّ يتمُّ تداوله سرًا، وكان له أثر بالغ في التفكير الصوفيّ وفي تفكير الطوائف الضالة في إيطاليا وفرنسا ((ويل ديورانت، قصة الحضارة مج8 ج16 – عصر الإيمان، ترجمة: محمد بدران، القاهرة: مكتبة الأسرة، 2001، الفصل 6، ص 153-154. )).
وتأجَّجت حول بروصا في عام 1259 صورة جنونية من الندم والتوبة عن الذنوب، واكتسحت شمالي إيطاليا؛ ولعل الباعث عليها كان هو الحماسة الشديدة في ترقب مملكة السماء. وأخذ آلاف من القادمين من مُختلف الطبقات والأعمار يسيرون في مواكبٍ غير منتظمة وليس عليهم من الثياب إلا ما يستر حقويهم، ويبكون ويرجون من الله الرحمة، ويضربون أنفسهم بسياطٍ من الجلد. وانضم إلى هذه المواكب اللصوص والمرابون وردوا ما كسبوه من المال المسروق، مُتأثِّرين بعدوى الندم، فكانوا يركعون أمام ضحاياهم ويطلبون إليهم أن يقتلوهم؛ وأُطلِقَ سراح المسجونين، وطُلِبَ من المنفيين أن يعودوا إلى أوطانهم، وزالت العداوات بين الناس وصفت القلوب. وسارت هذه الحركة من ألمانيا إلى بوهيميا (التشيك حاليًا)، وخُيِّلَ إلى الناس وقتٌ ما أن إيمانًا جديدًا صوفيًا سيغمر أوروبا كلها متجاهلًا الكنيسة ((ويل ديورانت، قصة الحضارة مج8 ج16 – عصر الإيمان، ترجمة: محمد بدران، القاهرة: مكتبة الأسرة، 2001، الفصل 6، ص 154. )).
بدعة الفرنسيسكان الروحيين الألفية
مُؤسِّس هذه الحركة هو جناحٌ متطرفٌ (راديكاليّ) من الرهبنة الفرنسيسكانية. وقد جمعوا بين النبوات الخاصة بيواقيم الفلوريّ ومثالية الفقر المطلق، وتوقعوا اقتراب مُلك المسيح الألفيّ الحرفيّ على الأرض. ومن أهم قادة هذه الحركة الألفية: بيتر أوليفي (1248-1298) الذي حدَّد نهاية العالم ووضع مُخطَّطات مُعقَّدة لنهاية الزمان. تمَّ اعتبارهم هراطقة من قِبَل الكنيسة الكاثوليكية، وتمَّ إعدام بعضهم على يد محاكم التفتيش البابوية ((David Burr, The Spiritual Franciscans: From Protest to Persecution in the Century after Saint Francis, Pennsylvania University Press, 2001 ))، ((John Moorman, A History of the Franciscan Order from Its Origins to The Year 1517, Oxford University Press, 1968, pp. 253-280 )).
بدعة إخوة الرسل الألفية
مُؤسِّس هذه الحركة الألفية هو چيرارد سيجاريلي Gerard Segarelli في بارما بإيطاليا. وقد نادوا بالفقر التام والتوبة، وانتظروا الملك الألفيّ الوشيك شللمسيح على الأرض، فقد رأوا في أنفسهم الممهِّدين للعصر الألفيّ القادم. تمَّ قمع هذه الحركة، وإحراق سيجاريلي عام 1300، ولكن تلميذه؛ فرا دولتشينو، واصل الحركة ((Norman Cohn, The Pursuit of the Millennium: Revolutionary Millenarians and Mystical Anarchists of the Middle Ages, Oxford University Press, 1970, pp. 139-150 ))، ((Malcom Lambert, Medieval Heresy: Popular Movements from the Gregorian Reform to the Reformation, Blackwell, 2002, pp. 103-106 )).
بدعة الدولتشينيين الألفية
مُؤسِّسها هو فرا دولتشينو تلميذ چيرارد سيجاريلي. وقد تنبأوا بمجيء مملكة مسيحية ألفية بعد الإطاحة بالكنيسة والحُكام الفاسدين. وقد جمعوا بين المساواة الاجتماعية الراديكالية (المتطرفة) والمقاومة المسلَّحة. تمَّ قمع هذه الحركة بوحشيةٍ عام 1307 ((Antonio Gallenga, A historical memoir of Frà Dolcino and his times: being an account of a general struggle for ecclesiastical reform, Longman, 1853 ))، ((Norman Cohn, The Pursuit of the Millennium: Revolutionary Millenarians and Mystical Anarchists of the Middle Ages, Oxford University Press, 1970, pp. 150-167 )).
بدعة التابوريين الألفية
مُؤسِّس هذه الحركة هو جناحٌ متطرفٌ من حركة الهوسيين (أتباع چون هَس) في بوهيميا (التشيك حاليًا). وقد آمنت هذه الحركة بقُرب عودة المسيح لإقامة مُلكه الألفيّ، ودعوا إلى إسقاط السلطات الزمنية. تمَّت هزيمتهم على يد أتباع الحركة الهوسية المعتدلين والقوات الكاثوليكية ((Howard Kaminsky, A History of the Hussite Revolution, University of California, 1967, pp. 125-170 )).
ولقد استخلص مُعظم التابوريين الاتجاه الشيوعيّ من الاعتقاد بعودة المسيح وحُكمه لمدة ألف سنة. فإن المسيح سُرعان ما يأتي ويُوطِّد مملكته على الأرض، ولن تكون في هذه المملكة، ملكية، ولا كنيسة، ولا دولة، ولا تفرقة طبقية، ولا قوانين وضعية، ولا ضرائب، ولا زواج، ومن المؤكَّد أن المسيح، سيسره عند مجيئه أن يجد المؤمنين به قد أنشأوا مثل هذه المدينة الفاضلة السماوية، وتمَّ تطبيق مثل هذه المبادئ في مدينة تابور وبعض المدن الأخرى، وقال أستاذ معاصر من أساتذة جامعة براغ: كل شيء هناك على المشاع، لا يملك أحدٌ شيئًا لنفسه وحده، ولذلك عُد التملك دائمًا يستحق مقترفه الموت. وهم يرون أن الجميع يجب أن يكونوا إخوةً وأخوات متساويين ((ويل ديورانت، قصة الحضارة مج 12 ج23 – الإصلاح الديني، ترجمة: د. عبد الحميد يونس، القاهرة: مكتبة الأسرة، 2001، الفصل 9، ص 15-16. )).
بدعة الممهِّدين لتجديدية العماد الألفية
على الرغم من أن البعض منهم ينتمي بالفعل إلى ما بعد العصر الوسيط، إلا أن عدة حركات ما بين القرنين الخامس عشر والسادس عشر استمدت أفكارها من الفكر الألفيّ في العصر الوسيط، ومن أمثلة هذه الحركات: حركة إخوة الروح الحرة، وكانت عبارة عن نزعات متصوفة مضادة للشريعة، وكانت تؤمن بالملك الألفيّ الحرفيّ للمسيح على الأرض، وحركة الراين الأعلى، وكانوا عبارة عن وعاظ نهاية العالم الذين بشَّروا بعصرٍ ألفيّ جديد ((George H. Williams, The Radical Reformation, Truman State University Press, 1995, pp. 85-120 )).
بدعة الجلد الذاتيّ الألفية
كان وعاظ حركة الجلد الذاتيّ، خاصةً في القرنين الثالث عشر والرابع عشر، يعلنون أن توبتهم سوف تجلب العصر الألفيّ. وكان منهم حركة رعاة الغنم (1251-1320) التي أدَّعى قادتها رؤى نبوية عن الملك الألفيّ الوشيك ((Norman Cohn, The Pursuit of the Millennium: Revolutionary Millenarians and Mystical Anarchists of the Middle Ages, Oxford University Press, pp. 105-115 ))، ((Andre Vauchez, The Laity in the Middle Ages: Religious Beliefs and Devotional Practices, (University of Notre Dame Press, 1993), pp. 179-183 )).
---
## الآباء والملك الألفي [٣]
URL: https://tabcm.net/48429/
Type: post
Modified: 2026-02-20
نستمر في الكتابة عن موقف الكنيسة الرافض لتعليم الملك الألفيّ الحرفيّ للمسيح على الأرض، ومن خلال كتابات آباء الكنيسة المعلِّمين عبر العصور، وفي تقاليد كنسية مختلفة شرقًا وغربًا. كما نتناول البدع والهرطقات المختلفة التي تبنَّت تعليم الملك الألفيّ الماديّ للمسيح، وكيف تصدى آباء الكنيسة لهذا التعليم المتهود المنحرف عبر العصور.
أوغسطينوس أسقف هيبو
يرى أوغسطينوس أنه من الوقاحة السمجة الاعتقاد بأن مجيء المسيح الثاني في الدينونة الأخيرة والقيامة العامة هو تلك الحالة من المجد التي تخص زمن الألف سنة التي تملك خلاله الأجساد مع ملكها كالتالي: ((أوغسطينوس، مدينة الله مج3، الكتب 18-22، ترجمة: الخورأسقف يوحنا الحلو، لبنان: دار المشرق، 2015، 20: 17، ص 211. ))
ولكن في الدينونة الأخيرة، في دينونة الله بابنه، يسوع المسيح، ستنال من الجودة الإلهية، مجدًا بهيًا وجديدًا يزول به كل ما للشيخوخة من آثار؛ وتنتقل الأجساد المتجدِّدة من خراب الموت والفساد إلى الخلود الأبديّ. إن مَن يزعم أن تلك الحالة من المجد تختصُّ بزمن الألف سنة التي تملك خلاله مع ملكها، يرتكب نوعًا من الوقاحة السمجة.
(أوغسطينوس، مدينة الله مج3)
ويرفض أوغسطينوس بوضوحٍ تعليم الملك الألفيّ الحرفيّ، حيث يرى أن هذه الألف سنة هي سبت القديسين القائمين من الموت للاحتفال به، حيث يفيض حضور الربِّ عليهم بعض المسرات الروحية، فلا يمكن أن تصير تلك القيامة في موائد طويلة لا اعتدال فيها تفوق فجورًا أو عربدةً ما يجري على الموائد الوثنية، بل يجب التخلي عن تلك المعتقدات إلى النفوس الجسدية، الذين يُسمِّيهم الناس الروحانيون بـ”الألفيين“ كالتالي: ((أوغسطينوس، مدينة الله مج3، الكتب 18-22، ترجمة: الخورأسقف يوحنا الحلو، لبنان: دار المشرق، 2015، 20: 7، ص 185-186. ))
وإنْ كانت ستة آلاف سنة انقضت كما تنقضي ستة أيام فالألف سنة الباقية قد تكون اليوم السابع أو سبت القديسين القائمين من الموت للاحتفال به؛ إنه لرأي قد يكون مقبولًا، إنْ افترضنا أن حضور الربِّ قد يفيض على ذلك السبت بعض المسرات الروحية. وأنا شخصيًا، قد جاهرت في الماضي بهذا الشعور؛ ولكن بما أنهم يزعمون أن تلك القيامة تصير في موائد طويلة لا اعتدال فيها، فأقول إنها تفوق فجورًا أو عربدةً ما يجري على الموائد الوثنية، إذ ذاك يجب التخلي عن تلك المعتقدات إلى النفوس الجسدية. فالناس الروحانيون يُسمُّون مَن يتبنُّون تلك العقيدة ’ألفيين‘ نقلاً عن كلمة يونانية؛ إن دحض مزاعمهم بالتفصيل يتطلب وقتًا طويلًا؛ ومن الأفضل محاولة درس النص الكتابيّ.
(أوغسطينوس، مدينة الله مج3)
يوحنا ذهبيّ الفم
يُفسِّر ق. يوحنا ذهبيّ الفم آية إنجيل يوحنا ((إنجيل يوحنا 6: 15 ))، حيث حاول البعض أن يختطفوا المسيح لكي يجعلوه ملكًا أرضيًا عليهم، ولكن المسيح انصرف وحيدًا إلى الجبل، حيث يرى أن المسيح بهذا الموقف يُعلِّمنا احتقار الأمجاد الدنيوية، ولكي يثبت المسيح لهم أنه لم يكن بحاجة إلى شيء من الأرضيات، لأن السماويات أعظم من الأرضيات الوضيعة، ويرى ذهبيّ الفم أن المسيح بهذا الموقف أكَّد أن مملكته هي مملكةٌ سماويةٌ، وليست مملكةً أرضيةً، كما يزعم أصحاب بدعة الملك الألفيّ الحرفيّ كالتالي: ((يوحنا ذهبي الفم، شرح وعظات إنجيل يوحنا ج1، ترجمة: راهب من برية شيهيت، القاهرة: مكتبة المحبة، 2008، عظة 42، ص 420. ))
وهكذا كان هو نبيًا في وسطهم، وكانوا مزمعين أن يختاروه ملكًا، لكن المسيح أفلت منهم. لماذا كان ذلك؟ لكي يُعلِّمنا أن نحتقر الأمجاد الدنيوية، وحتى يُظهِر أنه لم يكن بحاجةٍ إلى شيءٍ من الأرضيات. إن ذاك الذي اختار لنفسه كل شيء بسيط [وضيع] -من أمٍ ومدينةٍ وملبسٍ- لم يكن مزمعًا أن يعمل لنفسه استعراضًا بالوسائل الدنيوية. إن السماويات التي له كانت جليلةً وعظيمةً: الملائكة، ونجم المجوس، الآب يشهد، الروح القدس يشهد، الأنبياء يُبشِّرون عن بعد، بينما الأرضيات التي له كانت وضيعةً، لكي بهذه الوسيلة أيضًا تظهر قوته في أجلى صورة لها. إنه بالتأكيد جاء ليُعلِّمنا أن نحتقر أمور هذا العالم، ولا نُبدِي أبدًا إعجابًا أو انبهارًا بالإغراءات البرَّاقة لهذه الحياة، بل لنحتقر كل هذه ونرغب في تلك التي للحياة الآتية. إن الذي يهتم اهتمامًا عظيمًا بأمور هذا العالم لن يعطي اعتبارًا عظيمًا للسماويات. لهذا السبب قال المسيح لبيلاطس: ليست مملكتي من هنا ((إنجيل يوحنا 18: 36 ))، لكي لا يبدو لأحدٍ فيما بعد كأنه يستخدم تهديدًا أو سلطانًا بشريًا محضًا ليُؤثِّر عليه. فكيف أن النبيّ قال: هوذا ملكك يأتي إليك وديعًا وراكبًا على حمار؟ ((سفر زكريا 9: 9 )). لأنه قصد أن يعلن أن المملكة الأخرى هي مملكةٌ سماويةٌ وليست أرضيةً. ولهذا السبب أيضًا قال المسيح في مناسبةٍ أخرى: مجدًا من الناس لست أقبل ((إنجيل يوحنا 5: 46 )).
(يوحنا ذهبي الفم، شرح وعظات إنجيل يوحنا ج1)
مملكة المسيح ليست بشرية أو مؤقتة
ويُفسِّر ق. يوحنا ذهبيّ الفم قول المسيح لبيلاطس البنطيّ عند محاكمته بأن مملكته ليست من هذا العالم، ويرى أن مملكة المسيح تشمل هذا العالم، ولكنه قصد أن مملكته هي أيضًا من فوق، وأن الأمر ليس مُجرَّد سلطان بشريّ، بل هو شيءٌ أعظم وأبهى من هذا، فمملكة المسيح ليست مملكةً بشريةً أو مؤقتةً، وأن المسيح بقوله هذا يشير إلى ضعف المملكة الأرضية لأن قوتها كامنةٌ في تابعيها من البشر كالتالي: ((يوحنا ذهبي الفم، شرح وعظات إنجيل يوحنا ج3، ترجمة: راهب من برية شيهيت، القاهرة: مكتبة المحبة، 2008، عظة 83، ص 167-168. ))
فهل مملكته ليست من هذا العالم؟ نعم هي بالطبع تشمل هذا العالم. إذًا، فلماذا قال إنها ليست من هذا العالم؟ هو لم يقصد أنه لن يملك في هذا العالم، بل قصد أن مملكته أيضًا من فوق، وأن الأمر ليس مُجرَّد سلطان بشريّ، بل هو شيءٌ أعظم وأبهى من هذا. […] وبهذه الكلمات كان يشير إلى ضعف مملكتنا الأرضية، لأن قوتها كامنةٌ في تابعيها، بينما الملكوت السماويّ مُكتفٍ بذاته، وليس له احتياجٌ إلى أحد. […] لذلك يقول إن مملكته ليست من هنا، ليس لكي يحرم العالم من عنايته وربوبيته، بل كما قُلتُ لكي يُبيِّن أن مملكته ليست بشريةً أو مؤقتةً.
(يوحنا ذهبي الفم، شرح وعظات إنجيل يوحنا ج3)
كيرلس السكندريّ
يُفسِّر ق. كيرلس السكندريّ آية (يو 6: 15)، عندما حاول البعض أن يختطفوا المسيح لكي يجعلوا منه ملكًا أرضيًا، مُؤكِّدًا على رفض المسيح للمُلك الأرضيّ الماديّ، الذي ينادي به أصحاب بدعة الملك الألفيّ الحرفيّ، ولكي يفهم الذين يترقبون المجد العتيد أن العظمة العالمية شيءٌ ضئيلٌ بالنسبة له كالتالي: ((كيرلس السكندري، شرح إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015، تعليق على (يوحنا 6: 15)، ص 333. ))
لأن المسيح صار مثالاً لنا في بغضه للمجد الباطل. إذ هرب من الذين أرادوا أن يعطوه الكرامة التي يستحقها، ورفض مملكةً تُعتبر أعلى جائزة أرضية، على الرغم من أنها بالنسبة له لم تكن في الحقيقة أمرًا يشتهيه، لأن له الملك مع الآب على كل الأشياء، ومع هذا فهو يعطي أيضًا لأولئك الذين يترقبون المجد العتيد، أن يفهموا أن العظمة العالمية شيءٌ ضئيلٌ بالنسبة له، وأنه ليس حسنًا أن يقبلوا الكرامات في هذه الحياة، أعني، في العالم، حتى لو كانوا يُقدِّمون أنفسهم لكي يرتقوا إلى الكرامة التي من الله. لأنه من غير اللائق في الحقيقة أن يرغبوا في أن يسطع نجمهم في الشهرة حيال تلك الأمور، وهم الذين يسعون باجتهادٍ إلى النعمة الإلهية، ويعطشون للمجد الأبديّ.
(كيرلس السكندري، شرح إنجيل يوحنا مج1)
مملكة المسيح فوق الطبيعة
ويُفسِّر ق. كيرلس السكندريّ قول المسيح لبيلاطس البنطيّ عند محاكمته بأن مملكته ليست من هذا العالم، داحضًا المزاعم الألفية بالمُلك الألفيّ الحرفيّ للمسيح، فيرى أن المسيح في إجابته على بيلاطس لم ينكر أنه ملكٌ، ولكنه يُبيِّن له أن مملكته ليست مملكةً أرضيةً، بل أنه يملك كإلهٍ على السماوات والأرض وما هو أعظم منهما، فمملكة المسيح هي مملكة فوق الطبيعة كالتالي: ((كيرلس السكندري، شرح إنجيل يوحنا مج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015، تعليق على (يوحنا 18: 36)، ص 447-448. ))
والمسيح في جوابه لم ينكر أنه ملكٌ، لأنه لا يتكلَّم إلا بالحق؛ ولكنه أوضَّح أنه ليس عدوًا لحكم قيصر، مُبيِّنًا أن مملكته ليست مملكةً أرضيةً، بل أنه يملك كإلهٍ على السماوات والأرض وما هو أعظم منهما. […] فإن المسيح حينما قال إن مملكته هي مملكةٌ فوق الطبيعة، لم يُحرِّر بيلاطس فقط من كل إنزعاج، ويطرد شكوكه من جهة وجود عصيان مُسلَّح، بل حرَّكه أيضًا ليكون له فكرٌ ساميّ عن المسيح، وبإجابته كأنه بنوعٍ ما كان يُعلِّمه.
(كيرلس السكندري، شرح إنجيل يوحنا مج2)
ثيؤدورت القورشي
يُوضِّح ثيؤدورت، أسقف قورش بسوريا، وأحد مُعلِّمي مدرسة أنطاكية اللاهوتية، أيضًا في فقرةٍ مُعارِضةٍ للملك الألفيّ الحرفيّ بشدةٍ أن الخيرات المنتظرة لورثة ملكوت الله لن تكون أشياءً قابلةً للفناء أو مؤقتةً، بل التمتُّع بالبركات الأبدية. ((Theodoret of Cyrus, Haereticarum Fabularum Compendium, 5: 21 ))، ((Brian E. Daley, The Hope of The Early Church: A Handbook of Patristic Eschatology, (Cambridge: Cambridge University Press, 1991), pp. 115-117 ))
يُعلِّق چوزيف تكسرون على التعليم الاسخاتولوچيّ بحسب آباء الكنيسة اليونانية وموقفهم من بدعة الملك الألفيّ الحرفيّ للمسيح قائلاً: إن تعليم المُلك الألفيّ لا وجود له في الكنيسة اليونانية في القرن الرابع. فقد أزالته سلطة أوريجينوس إلى الأبد. ((J. Tixeront, History of Dogmas, Vol. ii, From St. Athanasius To St. Augustine (318-430), Trans. by H. L. B, (USA: St. Louis, Mo., 1914), pp. 193 ))
ساويرس الأنطاكيّ
يُؤكِّد ق. ساويروس الأنطاكيّ في وصفه لمكافأة المباركين على الماهية الروحية للسعادة الأبدية. حيث يرفض آمال الملك الألفيّ الحرفيّ لبابياس وإيرينيؤس وأبوليناريوس باعتبارها حماقةً ((Severus of Antioch, Ep. 96: PO 14: 193; Cf. Ep. 72: PO 14: 118f ))، ويُصرُّ على أن ملكوت السماوات ليس حسيًا، ولا هو أكلٌ وشربٌ ((Severus of Antioch, Ep. 96: PO 14: 193; Cf. Ep. 72: PO 14: 182 )). على الرغم من أنه قد يشمل عودةً جديدةً إلى حالتنا الأصلية ((Severus of Antioch, Ep. 96: PO 14: 193; Cf. Ep. 72: PO 14: 190 ))، إلا أن السعادة الأبدية ليست مُجرَّد استرداد الفردوس المفقود ((Severus of Antioch, Ep. 96: PO 14: 193; Cf. Ep. 72: PO 14: 183 ))، ولكنها تقود أولئك الذين خُلِقوا من جديد إلى حالة أسمى وإلهية أكثر، إلى شبه أعظم بالله ((Severus of Antioch, Ep. 96: PO 14: 193; Cf. Ep. 72: PO 14: 183f ))، ((Brian E. Daley, The Hope of The Early Church: A Handbook of Patristic Eschatology, (Cambridge: Cambridge University Press, 1991), pp. 184-187 )).
أويكومينيوس
أويكومينيوس، المعاصر للقديس ساويروس الأنطاكيّ، وصاحب أقدم تفسير يونانيّ معروف لسفر الرؤيا. يرفض أويكومينيوس في تعليقه على سفر الرؤيا ((رؤيا يوحنا 20: 1-7 )) فكرة المُلك الألفيّ باعتبارها فكرة ”اليونانيين الملحدين“ التي تتعارض مع النظرية الأفلاطونية عن تناسُّخ الأرواح ((Oecumenius, Commentary on Apoclypse, Ed. H. C. Hoskier, (Ann Arbor, Mich., 1928), 213: 16-19 )). تفسيره للمقطع هو تفسيرٌ خريستولوچيٌّ. حيث يُؤكِّد، من خلال تحديد ”الألف سنة“ بيومٍ واحدٍ من خلال الطريقة الكتابية الكلاسيكية، واعتبار هذا ”اليوم“ أنه يرمز إلى وقت مجيء المسيح على الأرض، أنه في هذا اليوم، يوم تجسُّد الربِّ، تمَّ تقييد الشيطان العاجز عن التمرد ضد الإعلان الإلهيّ للمخلِّص ((Oecumenius, Commentary on Apoclypse, Ed. H. C. Hoskier, (Ann Arbor, Mich., 1928), 215: 6ff; Cf. 2-19 )).
لقد تمَّ بالفعل تنصيب الرسل أثناء حياة يسوع ”بطريقةٍ متواضعةٍ كقضاةٍ“ ((Oecumenius, Commentary on Apoclypse, Ed. H. C. Hoskier, (Ann Arbor, Mich., 1928), 217: 19-24 ))، وبعضهم ”ارتقى“ بالفعل إلى حياة الإيمان الجديدة ((Oecumenius, Commentary on Apoclypse, Ed. H. C. Hoskier, (Ann Arbor, Mich., 1928), 219: 1-15 )). تمَّ إطلاق سراح الشيطان مرةً أخرى للقيام بعمله أثناء الفترة القصيرة نسبيًا بين حياة يسوع ونهاية العالم ((Oecumenius, Commentary on Apoclypse, Ed. H. C. Hoskier, (Ann Arbor, Mich., 1928), 216: 10-21 )). ولكن سيقيم الروح القدس التلاميذ الجدد أثناء ذلك الوقت، كما يحيي البذار بالمطر والنور؛ هذه هي ”القيامة الأولى“ في (رؤيا يوحنا 20: 5) وما يليها ((Oecumenius, Commentary on Apoclypse, Ed. H. C. Hoskier, (Ann Arbor, Mich., 1928), 219: 13-19; 220: 19-27 )).
لم يتكهن أويكومينيوس بوقت النهاية؛ ولم يُلمِّح إلى أنه يشارك بعض معاصريه توقعاتهم بأن النهاية سوف تأتي قريبًا. تفسيره للمعركة الأخيرة، كما يُقدِّمه سفر الرؤيا، واضحٌ ومباشرٌ وتقليديٌّ: حيث يُشِير ”ياجوج وماجوج“ (رؤيا يوحنا 20: 8) إلى قبائل بربرية مجهولة ستنضم إلى الشيطان في اضطهاد المؤمنين ((Oecumenius, Commentary on Apoclypse, Ed. H. C. Hoskier, (Ann Arbor, Mich., 1928), 225: 14-20 ))؛ سيكون ضد المسيح إنسانًا يسيطر عليه الشيطان؛ وسيصبح ملكًا على اليهود، وسوف يقتل إيليا وأخنوخ، نبيا الأيام الأخيرة ((Oecumenius, Commentary on Apoclypse, Ed. H. C. Hoskier, (Ann Arbor, Mich., 1928), 131: 3-13; Cf. 128ff; 155.12ff ))، ((Brian E. Daley, The Hope of The Early Church: A Handbook of Patristic Eschatology, (Cambridge: Cambridge University Press, 1991), pp. 179-183 )).
أندراوس القيصريّ
أندرياس القيصريّ هو مُفسِّرٌ آخر لرؤيا يوحنا الرسول من القرن السادس، كان أندراوس متروبوليت قيصرية في إقليم كبادوكية في وقتٍ ما بين عام 563 وعام 614 ((See F. Diekamp, “Das Zeitalter des Erzbischofs Andreas von Casarea,” HJ 18, (1897), pp. 1-36 ))، ((J. Schmid, Studien zur Geschichte des griechischen Apokalypse-Textes, 1 Teil: Der Apokalypse-Kommentar des Andreas von Kaisareia, (Munich, 1955); Cf. PG 106: 207-486 )). يفهم أندراوس القيصريّ، مثل أوغسطينوس أسقف هيبو، مُلك القديسين الألفيّ في سفر الرؤيا ((راجع رؤيا يوحنا 20 )) بأنه يُشِير إلى زمن الكنيسة من المجيء الأول للمسيح حتى مجيء ضد المسيح ((J. Schmid, Studien zur Geschichte des griechischen Apokalypse-Textes, 1 Teil: Der Apokalypse-Kommentar des Andreas von Kaisareia, (Munich, 1955), 216: 13-18 ))؛ ويجادل بأن رقم ألف هو في المقام الأول رمز للكمال، وأن الله وحده يعلم عدد السنوات اللازمة لاكتمال الكنيسة ((J. Schmid, Studien zur Geschichte des griechischen Apokalypse-Textes, 1 Teil: Der Apokalypse-Kommentar des Andreas von Kaisareia, (Munich, 1955), 216: 13-18.Cf. 221: 15; 222: 6 ))، ((Brian E. Daley, The Hope of The Early Church: A Handbook of Patristic Eschatology, (Cambridge: Cambridge University Press, 1991), pp. 198-200 )).
---
## الآباء والملك الألفي [٢]
URL: https://tabcm.net/48426/
Type: post
Modified: 2026-02-20
نواصل الحديث عن موقف الكنيسة الرافض لتعليم الملك الألفيّ الحرفيّ للمسيح على الأرض، ومن خلال كتابات آباء الكنيسة المعلِّمين عبر العصور، وفي تقاليد كنسية مختلفة شرقًا وغربًا. كما نتناول البدع والهرطقات المختلفة التي تبنَّت تعليم الملك الألفيّ الماديّ للمسيح، وكيف تصدى آباء الكنيسة لهذا التعليم المتهود المنحرف عبر العصور.
إبيفانيوس السلاميسيّ
دحض بدعة الناصريين الألفية
يدحض ق. إبيفانيوس، أسقف سلاميس، بدعة الناصريين المتهودين، الذين نادوا بمُلك أرضيّ ماديّ للمسيح، حيث يؤكد ق. إبيفانيوس على أن كرسي داود وكرسي ملكه هو الكهنوت في الكنيسة المقدَّسة، وأن الربَّ يسوع جمع بين الرتبة الملوكية والرتبة الكهنوتية العليا، ومنحها لكنيسته المقدَّسة بنقل كرسي داود إليها دون انقطاع: ((إبيفانيوس أسقف سلاميس، باناريون ضد الهرطقات ج1، ترجمة: القس بولا رأفت، تقديم: الأنبا سيداروس الأسقف العام، القاهرة، 2024، 29: 3: 1-2، ص 178. ))
لأن كرسي داود وكرسي ملكه هو الكهنوت في الكنيسة المقدَّسة. وقد جمع الربُّ بين هذه الرتبة الملوكية والكهنوتية العليا، ومنحها لكنيسته المقدَّسة بنقل كرسي داود إليها، لا ينقطع أبدًا. استمر عرش داود في الماضي بالوراثة حتى المسيح نفسه، إذ لم يفشل رؤساء يهوذا حتى جاء ما وُضِعَ له، وهو انتظار الأمم ((سفر التكوين 49: 10 سبعينية )) كما يقول الكتاب.
(إبيفانيوس أسقف سلاميس، باناريون ضد الهرطقات ج1)
ويعود ويُؤكِّد ق. إبيفانيوس، في سياق دحضه لبدعة الناصريين الألفية، على انتقال العرش الملوكيّ، ورتبة الملك، في المسيح، من بيت داود وإسرائيل الماديّ إلى الكنيسة، لأن العرش تمَّ تأسيسه في كنيسة الله المقدَّسة إلى الأبد: ((إبيفانيوس أسقف سلاميس، باناريون ضد الهرطقات ج1، ترجمة: القس بولا رأفت، تقديم: الأنبا سيداروس الأسقف العام، القاهرة، 2024، 29: 3: 7، ص 179. ))
ولكن مع انتقال العرش الملوكيّ، انتقلت رتبة الملك، في المسيح، من بيت داود وإسرائيل الماديّ إلى الكنيسة. العرش تمَّ تأسيسه في كنيسة الله المقدَّسة إلى الأبد.
(إبيفانيوس أسقف سلاميس، باناريون ضد الهرطقات ج1)
ويرى ق. إبيفانيوس أن مملكة المسيح ليست مملكةً أرضيةً، كما اعترف بذلك لبيلاطس البنطيّ في الإنجيل بأن مملكته ليست من هذا العالم، لأن المسيح كرسيه ثابتٌ، ولن يكون لملكه نهاية، وهو جالس على كرسي داود، ونقل مُلك داود وأعطاه مع الكهنوت الأعظم لعبيده من كهنة الكنيسة الجامعة: ((إبيفانيوس أسقف سلاميس، باناريون ضد الهرطقات ج1، ترجمة: القس بولا رأفت، تقديم: الأنبا سيداروس الأسقف العام، القاهرة، 2024، 29: 4: 5-8، ص 180. ))
الآن ربنا يسوع المسيح، هو كاهنٌ إلى الأبد على رتبة ملكي صادق ((رسالة بولس إلى العبرانيين 5: 6 ))، وفي نفس الوقت هو ملكٌ بالوراثة، حتى ينقل الكهنوت مع وضع الناموس. وبما أن نسل داود، من خلال مريم، يجلس على العرش، فإن كرسيه يبقى إلى الأبد، ولن يكون لملكه نهاية. وعليه الآن أن ينقل ترتيب الملكية السابقة؛ فإن مملكته ليست أرضيةً، كما قال لبيلاطس البنطيّ في الإنجيل: مملكتي ليست من هذا العالم ((إنجيل يوحنا 18: 6 )). لأنه إذ كان المسيح يُتمِّم ((رسالة بولس إلى العبرانيين 3: 5 )) كل ما قيل بالألغاز، وصل القياس إلى الحد الأقصى. لأن الذي هو ملكٌ على الدوام لم يأت ليُحقِّق السيادة. لقد منح التاج لمَن عيَّنهم، لئلا يُظنّ أنه ارتقى من مرتبةٍ أدنى إلى مرتبةٍ أعلى. لأن كرسيه ثابتٌ، ولن يكون لملكه نهاية، وهو جالسٌ على كرسي داود، ونقل مُلك داود وأعطاه مع الكهنوت الأعظم لعبيده. كهنة الكنيسة الجامعة.
(إبيفانيوس أسقف سلاميس، باناريون ضد الهرطقات ج1)
دحض بدعة أبوليناريوس الألفية
يدحض ق. إبيفانيوس السلاميسيّ تعليم أبوليناريوس اللاوديكيّ المتهود عن الملك الألفيّ الحرفيّ، حيث يرى ق. إبيفانيوس أن الناموس الذي أعطاه الربُّ على يد موسى هو مُؤدِّبنا إلى المسيح بسبب دونيته عن الأشياء الكاملة، ولكن قد تمَّ إلغاؤه لأن المسيح الكامل والربَّ قد جاء واستقبل العروس المقدَّسة والكنيسة، أيّ المؤمنين، من مُرشِد المتدرِّبين، ويرى ق. إبيفانيوس أن الرسول بولس كان يقصد العهد القديم والناموس عندما قال إنه ما عتق وشاخ هو قريبٌ إلى الاضمحلال: ((إبيفانيوس أسقف سلاميس، باناريون ضد الهرطقات ج3، ترجمة: القس بولا رأفت، تقديم: الأنبا سيداروس الأسقف العام، القاهرة، 2024، 77: 38: 1-4، ص 269-270. ))
مع ذلك، يقول أبوليناريوس إننا نتناول الملذات المادية أولًا، في الألفية، دون تعب أو حزن، ولكن بعد الألفية، نشارك في الأشياء التي كما قيل: لم تر عينٌ ولم تسمع أذنٌ. ولكن هذا يخالف وجهة نظر الكتاب المقدَّس بأكمله. لأنه إنْ كان الناموس لم يُكمِّل شيئًا ((رسالة بولس إلى العبرانيين 7: 19 ))، لكننا أُوصِيَنا أن نحفظ الناموس بعد قيامتنا، فهذا تناقضٌ. وإذَا كان الناموس المُقدَّس الذي أعطاه الربُّ على يد موسى هو مُؤدِّبنا إلى المسيح ((رسالة بولس إلى رومية 7: 12 ))، ((رسالة بولس إلى غلاطية 3: 24 ))، بسبب دونيته عن الأشياء الكاملة ((رسالة بولس إلى العبرانيين 9: 11 ))، ولكنه تمَّ إلغاؤه لأن المسيح الكامل والربَّ قد جاء واستقبل العروس المقدَّسة والكنيسة من مُرشِد المتدرِّبين، أيّ المؤمنين – وإذَا كُنا قد تعرَّفنا على يسوع الأعظم والمُكمِّل ((رسالة بولس إلى العبرانيين 12: 2 )) من خلال ناموس المرشِد – كيف لا يمكن أن تكون حجتهم سوى علامةٌ على تفكير سطحيّ وسخافة، عندما يقولون مثل هذه الأشياء. هناك حاجةٌ إلى مُرشِد مرةً أخرى بعد كمال المسيح، حتى نتمكَّن من العودة إلى أركان بداءة التعليم، ووضع الأيدي ((رسالة بولس إلى العبرانيين 5: 12))، ((سفر أعمال الرسل 6: 6 ))، كما يقول الكتاب. لكن يُخبرنا الرسول بوضوحٍ، وكأنه يقصد العهد القديم والناموس، أن ما عتق وشاخ فهو قريبٌ من الاضمحلال ((رسالة بولس إلى العبرانيين 8: 13 )).
(إبيفانيوس أسقف سلاميس، باناريون ضد الهرطقات ج3)
إيرونيموس چيروم
كان تفسير ق. چيروم لتفاصيل الدهر الآتيّ حذرًا وتقليديًا. فقد رفض التفسير الحرفيّ للمُلك الألفيّ باعتباره من قبيل الأساطير، ((Jerome, In Dan. 2: 7-17f ))، ((Jerome, In Isa. 16: 14-59 )) وفضَّل في تفسيره لسفر حزقيال (بعد عام 411) أن يأخذ تفاصيل أورشليم الجديدة في سفر الرؤيا ((سفر الرؤيا 21 )) باعتبارها إشاراتٍ رمزيةً إلى الكنيسة التاريخية. ((Jerome, In Ezek. 11: 36 )) ومع ذلك، فقد حرص في نفس المقطع على ذكر التفسير الألفيّ لترتليانوس وفيكتورينوس وإيرينيؤس وأبوليناريوس باعتباره تقليدًا محترمًا، لا يتطابق على الإطلاق مع الآمال اليهودية ”المادية“. ((Jerome, In Dan. 4: 12: 12 ))، ((Jerome, In Matt. 4: 24: 37f. Cf. R. E. Lerner, “Refreshment of the Saints: The Time after Antichrist as a Station for Earthly Progress in Mediaeval Thought,” Tr 32 (1976), p. 101ff ))، ((Brian E. Daley, The Hope of The Early Church: A Handbook of Patristic Eschatology, Cambridge University Press, 1993, pp. 101-104 ))
ويصف ق. چيروم التعليم بالملك الألفيّ الحرفيّ بأنه خرافةٌ من نسج خيال اليهود: ((Jerome, Commentary on Isaiah, 18: 66; PL 24: 176-177 ))
لقد اكتملت ألف سنة من سفر الرؤيا، وتحرَّر الشيطان […] نحن الروحانيون نفهم الألف سنة على أنها مدة العصر الحاضر كاملة، ونرفض خرافة مملكة الألف سنة، فهي من نسج خيال اليهود.
(Jerome, Commentary on Isaiah)
تايكونيوس الدوناتيّ
يُفسِّر تايكونيوس الدوناتيّ، المفسِّر اللاتينيّ لسفر الرؤيا، والمؤثر في اسخاتولوچيّ أوغسطينوس أسقف هيبو، وعد المُلك الألفيّ في سفر الرؤيا ((سفر الرؤيا 20: 3-6 )) بأنه يُشِير إلى زمن الكنيسة من الآم الربِّ حتى مجيئه الثانيّ. ((Tyconius, Beatus’ Fragments of Commentary on Revelation 11: 5: 9 ))، ((Sanders’ Fragments, Beati in Apocalypsin libri duodecim, Rome, 1930, 604 )) القيامة الأولى، التي تفتتح ألف سنة من مُلك الكنيسة مع المسيح المنتصر، هي إعادة ميلاد المعمودية التي تؤدي إلى التحرُّر من موت الخطية: ((Tyconius, Beatus’ Fragments of Commentary on Revelation 11: 5: 15f ))، ((Sanders’ Fragments, Beati in Apocalypsin libri duodecim, Rome, 1930, 605 )) إنها الوعد المتاح في العصر الحاضر من خلال التوبة […] بداية اليوم الأبديّ ((Tyconius, Beatus’ Fragments of Commentary on Revelation 11: 5: 91 ))، ((Sanders’ Fragments, Beati in Apocalypsin libri duodecim, Rome, 1930, 99 )).
في العصر الحاضر، يُكلَّل القديسين بالفعل من المسيح المنتصر الذي يدين العالم ((سفر الرؤيا 20: 4 )). فإن عرش مجد الربِّ هو إنسانيته الممجَّدة: وينضم كل جيل القديسين إلى جسده باستمرارٍ، ويجلس بواسطة رأسه عن يمين القوة، ويدين بواسطة كهنته وجميع خدامه. إنه يدين الآن في الكنيسة، لأن كل [مسيحيّ] منشغلٌ بالتوبة، ويُشعِل الحب في الآخر، أيّ المحبة ((Tyconius, Beatus’ Fragments of Commentary on Revelation 11: 5: 3 ))، ((Sanders’ Fragments, Beati in Apocalypsin libri duodecim, Rome, 1930, 603 )).
كل البركات الموعودة للمؤمنين في الحياة الآتية –الصحة، والشباب، والغذاء الوفير– موجودةٌ بالفعل في الكنيسة روحيًا، لأننا لبسنا المسيح وامتلأنا من فرح الروح. ((Tyconius, Beatus’ Fragments of Commentary on Revelation 4: 6: 75-78 ))، ((Sanders’ Fragments, Beati in Apocalypsin libri duodecim, Rome, 1930, 404f )) إن خدام الله الذين يتخلون عن كل انشغال في العالم، يتوقعون بالفعل في تخليهم انتقال الكنيسة إلى رؤيا الله الطوباوية، وفي معاينتهم هنا يبدأون في التمتُّع بالحياة الأبدية. ((Tyconius, Beatus’ Fragments praef. 4: 22; Sandrs’ Fragments, 9; Cf. Beatus’ Fragments 6: 2: 34))، ((Sanders’ Fragments, 465 )) يتنبأ تايكونيوس في كثير من النواحي بكلٍّ من إكليسيولوچيّ واسخاتولوچيّ أوغسطينوس، الذي اعترف على مضض إلى حدٍّ ما بفضل الكاتب الدوناتيّ وإعجابه به (( See e.g., Augustine, De Doctrina Christina 3: 42; Ep. 93: 43 ))، ((T. Hahn, Tyconius-Studien. Ein Beitrag zur Kirchen- und Dogmengeschichte des 4. Jahrhunderts, (Leipzig, 1900: repr. Aalen, 1971), 10ff ))، ((Brian E. Daley, The Hope of The Early Church: A Handbook of Patristic Eschatology, Cambridge University Press, 1991, pp. 127-131 )).
يوحنا كاسيان
يُشِير ق. يوحنا كاسيان، نقلًا عن الأب إبراهيم، أحد آباء البرية المصرية، إلى قول البعض بفكرٍ أحمق أن هناك مكافأت سوف تُعطَى للقديسين بطريقةٍ جسديةٍ في الحكم الألفيّ، ويُسلِّمون بأن هذا العصر الذي سيحدث بعد القيامة لا يمكن مساواته بالعصر الحاليّ: ((يوحنا كاسيان، المحاورات، ترجمة: الأب الدكتور بولا ساويروس وأ. رمزي أرنست، القاهرة: باناريون للتراث الآبائي، 2023، المحاورة 24: 26: 1، ص 969. ))
ولكن كثيرون إذ انتهزوا فرصة هذا القول يُصرُّون بفكرٍ أحمق على أن هذه الأمور ستُعطَى للقديسين بطريقةٍ جسديةٍ في الحكم الألفيّ، على الرغم من أنهم يُسلِّمون بأن هذا العصر الذي يقولون إنه سيحدث بعد القيامة لا يمكن مساواته بالحاليّ.
(يوحنا كاسيان، المحاورات)
ثم ينقل ق. يوحنا كاسيان دحض الأب إبراهيم للمُلك الألفيّ الحرفيّ الماديّ والجسدانيّ، ويُوضِّح أن كثيرين أسأوا استغلال نص سفر الرؤيا عن الألف سنة كفرصةٍ لبلبلة مفاهيم البعض، ويدَّعون عن جهل أن الملك الألفيّ هو تحقيق للأمور الجسدية، ولكنه يرى أن هذا النص يشير إلى أن مَن يتبع المسيح تخفُّ عنه الآلام العالمية والملذات الأرضية، فالارتباط في الحياة هو شركةٌ وارتباطٌ روحيٌّ بإخوة وشركاء للإنسان في الحياة، وهكذا عوض الفرح الذي يختبره الإنسان بملكيته حقل أو منزل في الملك الألفيّ الحرفيّ، فإنه يتمتَّع ببهجة الغنيّ مئات المرات بكونه ابنًا لله يملك كل ما يخص الآب واضعًا في قلبه وروحه مثال الابن الحقيقيّ، وهكذا أيضًا عوض المباهج المزدرية والعواطف الأرضية يُوهَب للإنسان فرحٌ روحيٌّ، وسعادة الحب الثمين للغاية، ولو بنفس القدر، لكنه أفضل منها مائة ضعف أو أكثر: ((القمص تادرس يعقوب ملطي، القديس يوحنا كاسيان: حياته، كتاباته، أفكاره، القاهرة، 1997، مناظرة 24: 26، ص 420، 421. ))
يتحقَّق هذا بحقٍ وصدقٍ، ولا يضطرب إيماننا لأن كثيرين استغلوا هذا النص كفرصةٍ لبلبلة مفاهيم البعض قائلين بأن هذه الأمور [المائة ضعف] تتحقَّق جسديًا في الألف سنة، لكن الأمر المعقول جدًا والواضح وضوحًا تامًا أن مَن يتبع المسيح تخف عنه الآلام العالمية والملذات الأرضية، مُتقبِلًا إخوة وشركاء له في الحياة ارتبط بهم ارتباطًا روحيًا. فيقتني في هذه الحياة حبًا أفضل مائة مرة من الحب الناتج عن الرباط الدمويّ. […] وعوض الفرح الذي يختبره الإنسان بملكيته حقل أو منزل، يتمتَّع ببهجة الغنيّ مئات المرات بكونه ابنًا لله يملك كل ما يخص الآب واضعًا في قلبه وروحه مثال الابن الحقيقيّ القائل: كل ما للآب هو لي ((إنجيل يوحنا 16: 15 )). إنه يربح لنفسه كل شيء مُنصِتًا كل يوم لإعلان الرسول: كل ما لي هو لكم ((رسالة بولس اﻷولى إلى كورنثوس 3: 22 )). […] وهكذا عوض المباهج المزدرية والعواطف الأرضية يُوهَب لك فرح روحيّ، وسعادة الحب الثمين للغاية، ولو بنفس القدر، لكنه أفضل منها مائة ضعف أو أكثر.
(القمص تادرس يعقوب ملطي، القديس يوحنا كاسيان)
---
## الآباء والملك الألفي [١]
URL: https://tabcm.net/48423/
Type: post
Modified: 2026-02-20
نستمر في الحديث عن موقف الكنيسة الرافض لتعليم الملك الألفيّ الحرفيّ للمسيح على الأرض، ومن خلال كتابات آباء الكنيسة المعلِّمين عبر العصور، وفي تقاليد كنسية مختلفة شرقًا وغربًا. كما نتناول البدع والهرطقات المختلفة التي تبنَّت تعليم الملك الألفيّ الماديّ للمسيح، وكيف تصدى آباء الكنيسة لهذا التعليم المتهود المنحرف عبر العصور.
ديونيسيوس السكندريّ
يُوضِّح رايموند براون أنه في القرن الثالث ثمة دراسة واعية للغة الرسالة وأسلوبها وفكرها أقنعت، وعن صوابٍ، ديونيسيوس السكندريّ أن سفر الرؤيا لم يكتبه الشخص المسؤول عن إنجيل يوحنا، ورسائل يوحنا الأولى والثانية والثالثة، الذي افتُرض أن يكون يوحنا الرسول هو كاتبها. وبناءً على ذلك، قال ديونيسيوس إن كاتب سفر الرؤيا هو يوحنا الشيخ (القس)، وهذا فرقٌ يعكس إشارة إلى شخصين باسم ”يوحنا“، يوحنا واحدٌ من الأثنى عشر، ويوحنا الشيخ بحسب بابياس 125م.
على الرغم من ذلك، فبالنظر إلى أن ”يوحنا“ كان اسمًا شائعًا بين مسيحيي العهد الجديد، فإن الاستنتاج الذي ينصف الدليل بشكلٍ تامٍ هو أن الرائي في سفر الرؤيا كان شخصًا غير معروف، اسمه ”يوحنا“. وهذا ما يشير إليه ديفيد دي سيلفا الذي يرى أنه من الجدير بالذكر هو نقد النظرة التقليدية لسفر الرؤيا من قِبَل عالم القرن الثالث ديونيسيوس السكندريّ. فتحليله الدقيق للغة سفر الرؤيا وأسلوبه مقابل الإنجيل الرابع قاده ليستنتج أن المؤلِّف ذاته لا يمكن أن يكون قد كتب هذين السفرين. إن نهج ديونيسيوس في البحث استبق ظهور البحث النقديّ ((ديفيد دي سيلفا، مقدمة للعهد الجديد ج2: القرائن، المنهجيات، وتكوين الخدمة، ترجمة: القس الدكتور بيار فرنسيس، مراجعة: القس الدكتور حكمت قشوع، لبنان: دار منهل الحياة، 2014، ص 621. )).
دحض بدعة كيرنثوس الألفية
يرفض ق. ديونيسيوس السكندريّ تعليم كيرنثوس الهرطوقيّ بالملك الألفيّ الحرفيّ والأرضيّ للمسيح، حيث يرى أن كيرنثوس الشهوانيّ في ميوله توهم أن ملكوت الله هو ملكوت أرضيّ وماديّ سيتضمَّن كل أنواع الملذات الجسدية ((ديونيسيوس السكندري، ترجمة وتقديم: أمجد رفعت رشدي، القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2016، في المواعيد، الفصل 3، ص 157. )).
لأن عقيدة كيرنثوس هي: أن للمسيح مُلك أرضيّ، ولأنه [كيرنثوس] هو إنسانٌ عاكفٌ على مسرات الجسد، وهو شهوانيٌّ في كل ميوله، فقد توهم أن ملكوت الله سيتضمَّن كل أنواع الملذات التي يشتهيها قلبه، مثل ملذات البطن، وشهواته الدنيا، بالمأكل والمشرب والتزاوج، وبأشياءٍ أخرى اعتقد تحت ستار الكياسة أنها تمنحه مزيد من الملذات، مثل الأعياد، والتقدمات، وذبح الأضاحي.
(ديونيسيوس السكندري، ترجمة وتقديم: أمجد رفعت رشدي)
دحض بدعة نيبوس الألفية
يرفض ق. ديونيسيوس تعليم الأسقف نيبوس، أسقف أرسينوي (الفيوم حاليًا)، الذي علَّم بأن ملكوت المسيح سيكون على الأرض، وألَّف كتابًا في هذا الأمر يرفض فيه التفسير الروحيّ أو الأليجوريّ للمُلك الألفيّ، ويدعم فيه التفسير الحرفيّ للمُلك الألفيّ، وهذا ما يرفضه ق. ديونيسيوس ((ديونيسيوس السكندري، ترجمة وتقديم: أمجد رفعت رشدي، القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2016، في المواعيد، الفصل 3، ص 154. )).
إنهم ينتقلون إلى مؤلفات نيبوس، وفي ظنهم أنها لا تُدحَض، يُعوِّلون عليها كثيرًا في إيمانهم بأن ملكوت المسيح سيكون على الأرض، ورغم أنني أحب نيبوس من أجل أشياء أخرى كثيرة، مثل إيمانه وجهده ودراسته للأسفار، […] إلا أن الإيمان عزيزٌ جدًا عليَّ، وله عندي كل الأفضلية، فأعطي كل استحساني وقبولي للفكر السليم، ولذا علينا أن نختبر ونُصحِّح كل ما يظهر لكي يكون [الإيمان] مُحدَّدًا وبغير تشويش.
(ديونيسيوس السكندري، ترجمة وتقديم: أمجد رفعت رشدي)
ويتهم ق. ديونيسيوس أصحاب التعليم بالملك الألفيّ الحرفيّ للمسيح، بأنهم يحاولون إقناع البسطاء بأن الملذات الزمنية موجودةٌ في ملكوت الله، لذا يجب مناقشة وتفنيد آراء نيبوس وأتباعه حول الملك الألفيّ الحرفيّ ((ديونيسيوس السكندري، ترجمة وتقديم: أمجد رفعت رشدي، القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2016، في المواعيد، الفصل 3، ص 154-155. )).
ولكن الآن بعدما نُشِرَت كتاباته، التي يعتقد البعض أنها أكثر إقناعًا لهم، ووضع بعض المعلمين الناموس والأنبياء جانبًا، وابتعدوا عن أتباع البشائر، وازدروا الرسائل التي كتبها الرسل، في حين يستعرضون تعاليم هذا الكتاب على أنه سرٌ عظيمٌ وخفيٌّ، ويمنعون إخوتنا البسطاء من إدراك أيّ رأي ساميّ ونبيل، سواء كان عن الظهور الإلهيّ المجيد والحقيقيّ لربّنا، أو عن قيامتنا من الأموات وانضمامنا فيه لنكون على صورته، ويقنعونهم بالملذات الزمنية على أنها موجودةٌ في ملكوت الله، فوجب علينا أن نناقش الأمر مع أخينا نيبوس وكأنه مازال على قيد الحياة.
(ديونيسيوس السكندري، ترجمة وتقديم: أمجد رفعت رشدي)
ويرى ق. ديونيسيوس أن مُبتدع هذا التعليم الألفيّ الحرفيّ هو شخص يُدعَى ”كوراسيون“، ولكنه لم يعد يتمسَّك بهذا الفكر آنذاك ((ديونيسيوس السكندري، ترجمة وتقديم: أمجد رفعت رشدي، القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2016، في المواعيد، الفصل 3، ص 156. )).
إن مبتدع هذا الفكر شخص يُدعَى كوراسيون، ولقد شهد الإخوة كلهم -وهو ما تأكَّد لنا نحن أيضًا- أنهم قد سمعوا أن هذا الرجل لم يعد يتمسَّك بهذا الفكر، ولم يعد يتحدَّث عنه أو يذكره أو يُعلِّم به، لأنه قد اقتنع بالردود التي وُجِّهت لهذا الفكر.
(ديونيسيوس السكندري، ترجمة وتقديم: أمجد رفعت رشدي)
يشير رايموند براون إلى أنه في العصور القديمة كانت هناك مشاكل تتعلَّق بقانونية سفر الرؤيا، ذلك ضمن أمور أخرى، من ناحيةٍ ما إذا كان يوحنا (الرسول) هو الذي يُعتقَد أنه كاتبه. وكان السفر قد قُبِلَ وعلى نطاقٍ واسعٍ في الكنائس الغربية (لم يكن رفض غايس الكاهن الذي كان قد رفض إنجيل يوحنا أيضًا ذا أهمية). وفي آسيا الصغرى وقُرب نهاية القرن الثاني، أدت معارضة معتقدات المونتانين التي تقول بانسكاب الروح القدس، الأمر الذي أدى بالأولغيين إلى رفض سفر الرؤيا (كذلك إنجيل يوحنا). وفي مكانٍ آخر في الشرق، ما أن بيَّن ديونيسيوس الإسكندريّ (عام 250 تقريبًا) أن سفر الرؤيا لم يكتبه يوحنا الرسول، إلا ورُفِضَ هذا السفر، ولا سيما كردة فعل لاستخدام سفر الرؤيا لتدعيم عقيدة الحكم الألفيّ الأرضيّ.
على الرغم من ذلك، فقد قَبِلَ القديس أثناسيوس الرسولي سفر الرؤيا في القرن الرابع، وأخيرًا قبلته كنيسة الناطقين باللغة اليونانية. برغم ذلك، استمر رفض هذا السفر في سورية وكذلك كنيسة الناطقين باللغة السريانية. وفي أزمنة الإصلاح الدينيّ، وضع مارتن لوثر سفر الرؤيا في وضعٍ ثانويّ. وقد أنكر زوينجلي أنه من الأسفار المقدَّسة، وكان السفر الوحيد من أسفار العهد الجديد الذي لم يكتب له كالڤن تفسيرًا ((رايموند براون، مدخل إلى العهد الجديد، تعريب: نيكلس نسيم، سلسلة آفاق كتابية 5، القاهرة: دار لوغوس ودار الأكويني، 2021، ص 1082. )).
أمبروسيوس أسقف ميلان
أليجورية الملك الألفيّ
يرى ق. أمبروسيوس أسقف ميلان، مثل ق. غريغوريوس النيسيّ، أن هناك عملية تطهير يجب أن تتمَّ بعد الموت، إذَا لم تحدث في هذه الحياة. ويُشِير ق. أمبروسيوس إلى أن هذا التطهير بعد الموت والتحرُّر منه هو ما سوف يتمتَّع به القديسون، كما يقترح، ويُشِير سفر الرؤيا (20) إليه بالحديث عن القيامة ”الأولى“ و”الثانية“. أولئك الذين يشتركون في القيامة الأولى ((سفر الرؤيا 20: 6 )) هم أولئك الذين ”سوف يأتون إلى النعمة دون الحاجة إلى الدينونة. أمَّا أولئك الذين لم يأتوا إلى القيامة الأولى، ولكنهم محفوظون للقيامة الثانية، فسوف يحترقون، حتى مرور الوقت بين القيامتين الأولى والثانية – أو لو لم يُتمِّموا تطهيرهم، فسوف يبقون في العقاب طويلًا“. ((Ambrose of Milan, In Ps 1: 54 )) لذلك، فإن ق. أمبروسيوس يُحوِّل تقليد المُلك الألفيّ المعبَّر عنه في هذا المقطع إلى أليجورية أو مجازية الحالة ”المؤقتة“ بين الموت والقيامة العامة ((Ambrose of Milan, Exp. in Luc. 5: 61
J. Derambure, Le Millenarisme de S. Ambroise, REA 17, (1910), pp. 545-56 )).
غريغوريوس النزينزيّ
يُوجِّه ق. غريغوريوس النزينزيّ نقدًا لاذعًا إلى معتقدات الأبوليناريين المتهودة حول الملك الألفيّ الحرفيّ للمسيح، وتفسيرهم إياه بطريقةٍ فظةٍ وماديةٍ، وكيف أن البابا الرومانيّ داماسوس الأول حرمهم وحرم كتاباتهم وتعاليمهم المنحرفة ((غريغوريوس النزينزي، رسائل لاهوتية وفصلان من مسرحية المسيح المتألم، ترجمة: الأب حنا الفاخوري، سلسلة النصوص اللاهوتية 8، لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2000، الرسالة الثانية، ص 34. )).
إنهم [الأبوليناريون] أعداء أنفسهم إلى حدِّ أنهم بسبب الجسد يُفسِّرون كل ما سواه تفسيرًا فظًا وماديًا – من هنا تأتيهم اليهودية الثانية، والسعادة الألفية والحمقاء في الفردوس، وما يقرب من الاعتقاد بأننا نستعيد الأشياء نفسها بعد الأشياء نفسها […] ولهذا السبب، على ما يبدو لي، عندما ازداد داماسوس اطلاعًا، وعندما علم أنهم قائمون على تفسيراتهم الأولى، أعلن خروجهم من الكنيسة، وحرم كتاباتهم في موضوع الإيمان وأتلفها، واستنكر خداعهم الذي جرَّ براءته إلى ما لا تريد.
(غريغوريوس النزينزي، رسائل لاهوتية وفصلان من مسرحية المسيح المتألم)
غريغوريوس النيسيّ
يستنكر ق. غريغوريوس النيسيّ فكرة الملك الألفيّ الحرفيّ للمسيح، حيث يرى أن هذه الأمور عودةٌ إلى التهود والمعتقدات اليهودية حول الملك الألفيّ الحرفيّ للمسيح، وإلى ذبائح اليهود الحيوانية، وبالتالي يرفض فكرة الوعد بنهم المُلك الألفيّ، والرجاء في ملكوتٍ أرضيّ في مدينة أورشليم ((Gregory of Nyssa, Ep. 3: 23-24; Eng. Trans. Silvas, pp. 130-131 )).
إذ كنا نعلن ذلك […] ففيما نحن مذنبون، ولماذا نبعث على الحقد؟ وما معنى أن نُعارض بمذابحٍ جديدةٍ؟ هل نُبشِّر بيسوعٍ آخر ((رسالة بولس الثانية إلى كورنثوس 11: 4 ))؟ هل نُعلِّم بغير تعليمه؟ هل نضع أسفارًا مُقدَّسةً أخرى ((قارن مع رسالة بولس إلى غلاطية 1: 6-9 ))؟ هل تجرأ أحدٌ منَّا أن يدعو العذراء القديسة ’أمًا للإنسان‘ لا ’أمًا لله‘، كما نسمع ذلك عند بعضهم بكل وقاحة؟ هل نبتدع خرافة قياماتٍ ثلاث؟ هل نعدُ أنفسنا بنهم ألف سنة؟ هل نقول بالعودة إلى ذبائح اليهود الحيوانية؟ هل نتدنى بآمال البشر نحو أورشليم أرضية؛ نتخيّل إعادة بنائها بحجارةٍ جميلة المنظر؟ بأيٍّ من هذه الأمور نُتهَم لكي نُحاكَم ممَن يجب تجنبهم، ولماذا يقيم بعضهم ضدنا هيكلاً آخر، وكأننا ننتهك المقدَّسات؟ ((سفر اللاوين 19: 8؛ 22: 15، سفر العدد 18: 32 )).
(Gregory of Nyssa)
---
## يوسابيوس القيصريّ والملك الألفي
URL: https://tabcm.net/48421/
Type: post
Modified: 2026-02-20
نواصل الحديث عن موقف الكنيسة الرافض لتعليم الملك الألفيّ الحرفيّ للمسيح على الأرض، ومن خلال كتابات آباء الكنيسة المعلِّمين عبر العصور، وفي تقاليد كنسية مختلفة شرقًا وغربًا. كما نتناول البدع والهرطقات المختلفة التي تبنَّت تعليم الملك الألفيّ الماديّ للمسيح، وكيف تصدى آباء الكنيسة لهذا التعليم المتهود المنحرف عبر العصور.
مملكة المسيح ليست أرضية
ينقل المؤرخ يوسابيوس القيصريّ شهادة حفيدي يهوذا أخو الربِّ التي أدلا بها أمام الإمبراطور الرومانيّ دومتيانوس، عندما سُئلا عن طبيعة وماهية ملكوت المسيح، فأجابا بأن مملكته ليست زمنيةً أو أرضيةً، بل سماويةً ملائكيةً، وفي ذلك دحض لفكرة المُلك الألفيّ الحرفيّ للمسيح على الأرض كالتالي: ((يوسابيوس القيصري، تاريخ الكنيسة، ترجمة: القمص مرقس داود، القاهرة: مكتبة المحبة، 1998، 3: 20: 6، ص 119. ))
وعندما سُئلا عن المسيح ومملكته، ومن أيّ نوع هي، وأين ومتى يجب أن تظهر، أجابا بأنها ليست زمنيةً أو أرضيةً، بل سماويةً ملائكيةً، وسوف تظهر في نهاية العالم عندما يأتي في المجد ليدين الأحياء والأموات، ويعطي كل واحدٍ حسب أعماله.
(يوسابيوس القيصري، تاريخ الكنيسة)
الخلاف حول سفر الرؤيا
يُوضِّح يوسابيوس القيصريّ أنه كان هناك خلاف حول قانونية سفر الرؤيا في الكنيسة الأولى، وكيف كانت آراء أغلب الناس منقسمةً حول هذا السفر قائلًا: ((يوسابيوس القيصري، تاريخ الكنيسة، ترجمة: القمص مرقس داود، القاهرة: مكتبة المحبة، 1998، 3: 24: 18، ص 126. ))
وأمَّا عن سفر الرؤيا، فإن آراء أغلب الناس لا تزال منقسمةً. ولكننا في الوقت المناسب سنفصل في هذه المسألة أيضًا من شهادة الأقدمين.
(يوسابيوس القيصري، تاريخ الكنيسة)
ويُكرِّر يوسابيوس أيضًا حقيقة وجود خلاف حول قانونية سفر الرؤيا، مُوضِّحًا إنه لو كان من المناسب ضمه حقًا ضمن الأسفار المقبولة فسيكون في آخر قائمة أسفار العهد الجديد قائلًا: ((يوسابيوس القيصري، تاريخ الكنيسة، ترجمة: القمص مرقس داود، القاهرة: مكتبة المحبة، 1998، 3: 25: 2، ص 127. ))
بعد ذلك تُوضَع -إنْ كان مناسبًا حقًا- رؤيا يوحنا، التي سنبيِّن الآراء المختلفة عنها في الوقت المناسب.
(يوسابيوس القيصري، تاريخ الكنيسة)
ويعيد ويُكرِّر يوسابيوس أن هناك خلاف حول قانونية سفر الرؤيا داخل الكنيسة، حيث يرفض البعض قانونيته، بينما يضعه البعض الآخر ضمن الأسفار المقبولة قائلًا: ((يوسابيوس القيصري، تاريخ الكنيسة، ترجمة: القمص مرقس داود، القاهرة: مكتبة المحبة، 1998، 3: 25: 4، ص 127. ))
وإلى جانب هذه، كما قدَّمت، رؤيا يوحنا، إنْ كان ذلك مناسبًا، التي يرفضها البعض كما قدَّمت، ولكن الآخرين يضعونها ضمن الأسفار المقبولة.
(يوسابيوس القيصري، تاريخ الكنيسة)
وفي الأخير، ينقل يوسابيوس المؤرِّخ شهادة ق. ديونيسيوس السكندريّ حول سفر الرؤيا، حيث يرى ق. ديونيسيوس أن أسلوب إنجيل يوحنا ورسالته يختلفان عن أسلوب سفر الرؤيا، كما يرى أنهما لم يُكتبا فقط دون أيّ خطأ في اللغة اليونانية، بل وأيضًا بسموٍ في التعبير والمنطق وفي فحواهما بكليته، وإنهما أبعد ما يكون عن اعثار أيّ بربريّ أو عاميّ، لأن كاتب الإنجيل والرسالة كانت له على ما يبدو موهبتا الحديث، أيّ موهبة العلم وموهبة التعبير، اللتين وهبه الربُّ إياهما، وبينما لا ينكر ق. ديونيسيوس أن كاتب سفر الرؤيا قد رأى بالفعل رؤيا، وأنه نال علمًا ونبوةً، إلا أنه يرى أن لهجته ولغته لا تتفقان مع اللغة اليونانية الفُصحى، وإنه يستعمل اصطلاحات بربرية، وفي بعض المواضع يقع في أخطاء نحوية، لم يرد الإشارة إليها بل أراد فقط إظهار الخلاف بين الإنجيل والرسالة وبين سفر الرؤيا كالتالي: ((يوسابيوس القيصري، تاريخ الكنيسة، ترجمة: القمص مرقس داود، القاهرة: مكتبة المحبة، 1998، 7: 25: 24-27، ص 332. ))
وعلاوة على هذا، فإن أسلوب الإنجيل والرسالة يختلف عن أسلوب سفر الرؤيا. لأنهما لم يُكتبا فقط دون أيّ خطأ في اللغة اليونانية، بل أيضًا بسموٍ في التعبير والمنطق وفي فحواهما بكليته. إنهما أبعد ما يكون عن اعثار أيّ بربريّ أو عاميّ. لأن الكاتب كانت له على ما يظهر موهبتا الحديث، أيّ موهبة العلم وموهبة التعبير، اللتين وهبه الربُّ إياهما. وأنا لا أنكر أن الكاتب الآخر رأى رؤيا، ونال علمًا ونبوةً. ولكنني مع ذلك أعتقد أن لهجته ولغته لا تتفقان مع اللغة اليونانية الفُصحى، بل هو يستعمل اصطلاحات بربرية، وفي بعض المواضع أغلاطًا نحويةً. ولا يعنينا الإشارة إليها، لأنني لا أريد أن يظنَّ أيّ واحد أنني أذكر هذه الأمور بروح التهكم، إنما قُلتُ هذا بقصد إيضاح الخلاف بين الكتابات المختلفة.
(يوسابيوس القيصري، تاريخ الكنيسة)
ويُوضِّح مايكل باركر أن الكتب الرؤيوية لم تكن مقبولةً بشكلٍ عامٍ من قِبَل الكنيسة المبكرة. فقد مال المسيحيون في القرون الثلاثة الأولى نحو قراءة ثلاث كتب رؤيوية كانت شائعةً جدًا، لكن عندما بدأ المونتانيون في إصدار كتاباتهم الرؤيوية، فَقَدَ هذا النوع من الأدب مصداقيته. وفي النهاية، لم يُقبَل إلا سفر رؤيا يوحنا. وحتى هذا السفر كان موضع خلاف كبير، فقد رفضته الكنائس الشرقية لمدةٍ طويلةٍ من الزمن ((مايكل باركر، نظرة عامة على تاريخ المسيحية، ترجمة: ماريانا كتكوت، القاهرة: دار الثقافة، 2019، الفصل 5، ص 57. )). وهذا ما يُقرِّره أليستر ماجراث، فيشير إلى أن سفر الرؤيا قد اختتم قائمة الأسفار القانونية في كلٍّ من الشرق والغرب، مع أن مكانته ظلَّت مثار جدلٍ لبعض الوقت في الكنيسة الشرقية ((أليستر إي. ماجراث، اللاهوت التاريخي: مقدمة لتاريخ الفكر المسيحي، ترجمة: مجموعة من المترجمين، لبنان: دار منهل الحياة، 2022، المقدمة، ص 49. )).
ويُؤكِّده إيرل كيرنز في إشارته إلى أنه نحو عام 324 عبَّر يوسابيوس عن اعتقاده بأنه تمَّ قبول عشرين سفرًا على الأقل من أسفار العهد الجديد على نفس درجة قانونية أسفار العهد القديم. أمَّا بعض الأسفار مثل: رسالة يعقوب، وبطرس الثانية، ويوحنا الثانية والثالثة، ورسالة يهوذا، ورسالة العبرانيين، وسفر الرؤيا، فقد كانت قيد البحث. وكان السبب الأساسيّ وراء تأخير الاعتراف بقانونية هذه الأسفار هو عدم التأكُّد من جهة بعض الاسئلة حول نسبة هذه الأسفار إلى أصحابها ((إيريل كيرنز، المسيحية عبر العصور، ترجمة: عاطف سامي برنابا، القاهرة: رسالتنا للنشر والتوزيع، 2021، الفصل 10، ص 126. )).
كما يشير رايموند براون إلى نفس الأمر، فيرى أنه بالنسبة لسفر الرؤيا، والذي يتضمَّن رؤى نبيّ اسمه يوحنا ((سفر الرؤيا 1: 1-2، 22: 8 ))، فقد اكتسب قبولاً في الغرب بشكلٍ جزئيّ لأنه افتُرض أن هذا النبيّ هو يوحنا الرسول. وعندما جادل ديونيسيوس السكندريّ بوعي سنة 250 قائلاً بأنه لا يمكن أن يكون كاتب سفر الرؤيا هو نفسه كاتب الإنجيل الرابع والرسائل المنسوبة إلى يوحنا (والذي افتُرض أيضًا أنه يوحنا الرسول)، تضاءل قبول هذا السفر في الشرق ((رايموند براون، مدخل إلى العهد الجديد، تعريب: نيكلس نسيم، سلسلة آفاق كتابية 5، القاهرة: دار لوغوس ودار الأكويني، 2021، 1: 1، ص 52. )).
دحض بدعة كيرنثوس الألفية
يتحدَّث يوسابيوس عن غايوس الكاهن الذي قاوم بدعة كيرنثوس الألفية، والذي قال بأن المسيح بعد قيامة الأموات سيملك على الأرض، وأن الجسد المقيم في أورشليم سوف يخضع ثانيةً للرغبات والشهوات، وأكَّد أنه ستكون هنالك ألف سنة لحفلات الزواج كالتالي: ((يوسابيوس القيصري، تاريخ الكنيسة، ترجمة: القمص مرقس داود، القاهرة: مكتبة المحبة، 1998، 3: 28: 1-2، ص 129. ))
وقد علمنا أنه في هذا الوقت ظهر شخص يُدعَى كيرنثوس مبتدع شيعة أخرى. وقد كتب غايوس -الذي سبق أن اقتبسنا من كلماته- في المساجلة المنسوبة إليه، ما يلي عن هذا الرجل. ’ويقدم أمامنا كيرنثوس أيضًا -بواسطة الرؤى التي يدَّعي أن رسولاً عظيمًا كتبها- أمورًا عجيبةً يدَّعي زورًا أنها أُعلِنَت إليه بواسطة الملائكة. ثم يقول إنه بعد قيامة الأموات سوف يقوم ملكوت المسيح على الأرض، وأن الجسد المقيم في أورشليم سوف يخضع ثانيةً للرغبات والشهوات. وإذ كان عدوًا للأسفار الإلهية، فقد أكَّد -بقصد تضليل البشر- أنه ستكون هنالك فترة ألف سنة لحفلات الزواج‘.
(يوسابيوس القيصري، تاريخ الكنيسة)
وهذا ما يشير إليه ديفيد دى سيلفا أن غايس، الذي اعتقد أن سفر الرؤيا يقدم نظرات هرطوقية، حاجَّج قائلًا إن هذا السفر لا يمكن أن يكون قد كُتِبَ على يد رسول. بالأحرى، فإنه يقترح أن يكون هرطوقيّ القرن الأول كيرنثوس قد كتب هذا السفر، عازيًا إياه للرسول يوحنا ليُروِّج لبرنامجه الهرطوقيّ. ((ديفيد أ. ده سيلفا، مقدمة للعهد الجديد ج2: القرائن، المنهجيات، وتكوين الخدمة، ترجمة: القس الدكتور بيار فرنسيس، مراجعة: القس الدكتور حكمت قشوع، لبنان: دار منهل الحياة، 2014، ص 621. ))
كما ينقل يوسابيوس شهادة ق. ديونيسيوس السكندريّ بخصوص حديثه عن رؤيا يوحنا بأمورٍ استقاها من التقليد، ويذكر في كتابه ”المواعيد“ إدعاءات كيرنثوس وأتباعه من الكيرنثيين بأن ملكوت المسيح سيكون مملكةً أرضيةً، وكيف أنه هو نفسه كان منغمسًا في الملذات الجسدية، وشهوانيًا جدًا بطبيعته، وتوهم أن الملكوت سوف ينحصر في تلك الأمور التي أحبها كشهوة البطن والشهوة الجنسية كالتالي: ((يوسابيوس القيصري، تاريخ الكنيسة، ترجمة: القمص مرقس داود، القاهرة: مكتبة المحبة، 1998: 3: 28: 3-5، ص 129. ))
أمَّا ديونيسيوس، الذي كان أسقفًا لإبروشية الإسكندرية في أيامنا، فإنه في الكتاب الثاني من مؤلفه عن ’المواعيد‘ حيث يتحدَّث عن رؤيا يوحنا بأمورٍ استقاها من التقليد، يذكر نفس هذا الرجل في الكلمات الآتية: ’ويُقَال إن كيرنثوس مؤسس الشيعة المسماة باسمه [الكيرنثيون] إذ أراد أن يعطي قوةً لشيعته صدرها باسمه، وكانت التعاليم التي نادى بها تتلخص فيما يلي: أن ملكوت المسيح سيكون مملكةً أرضيةً‘. ’ولأنه هو نفسه كان منغمسًا في الملذات الجسدية، وشهوانيًا جدًا بطبيعته، توهم أن الملكوت سوف ينحصر في تلك الأمور التي أحبها، أيّ في شهوة البطن والشهوة الجنسية، أو بتعبيرٍ آخر في الأكل والشرب والتزاوج والولائم والذبائح وذبح الضحايا، وتحت ستارها ظنَّ أنه يستطيع الانغماس في شهواته بباعثٍ أفضل‘. هذه هي كلمات ديونيسيوس.
(يوسابيوس القيصري، تاريخ الكنيسة)
رفض تعليم بابياس الألفيّ
يرفض يوسابيوس القيصريّ تعليم بابياس أسقف هيرابوليس عن الملك الألفيّ الحرفيّ والماديّ للمسيح، حيث يرى أن هذا الكاتب كان يُدوِّن روايات أدَّعى أنها قد وصلته من تقليد شفاهيّ غير مكتوب، وأنه ذكر أمثال وتعاليم غريبة للمخلِّص، وأمور أخرى خرافية، منها أنه ستكون هناك فترة ألف سنة بعد قيامة الأموات، وأن ملكوت المسيح سوف يُؤسَّس على نفس هذه الأرض بكيفيةٍ ماديةٍ، وهكذا يُوضِّح يوسابيوس أن بابياس قد وصل إلى هذه الآراء بسبب اساءة فهمه للكتابات الرسولية، غير مدرك أن أقوالهم كانت مجازيةً كالتالي: ((يوسابيوس القيصري، تاريخ الكنيسة، ترجمة: القمص مرقس داود، القاهرة: مكتبة المحبة، 1998، 3: 39: 11-13، ص 145-146. ))
ويُدوِّن نفس الكاتب [بابياس] روايات أخرى يقول إنها وصلته من التقليد غير المكتوب وأمثال وتعاليم غريبة للمخلص، وأمور أخرى خرافية. ومن ضمن هذا قوله أن ستكون فترة ألف سنة بعد قيامة الأموات، وإن ملكوت المسيح سوف يُؤسَّس على نفس هذه الأرض بكيفيةٍ ماديةٍ. وأظنُّ أنه وصل إلى هذه الآراء بسبب اساءة فهمه للكتابات الرسولية، غير مدرك أن أقوالهم كانت مجازيةً. إذ يبدو أنه كان محدود الإدراك جدًا كما يتبيَّن من أبحاثه. وإليه يرجع السبب في أن الكثيرين من آباء الكنيسة من بعده اعتنقوا نفس الآراء مستندين في ذلك على أقدمية الزمن الذي عاش فيه، كإيرينيؤس مثلاً وغيره ممَن نادوا بآراءٍ مماثلةٍ.
(يوسابيوس القيصري، تاريخ الكنيسة)
دحض بدعة نيبوس الألفية
يصف المؤرِّخ يوسابيوس القيصريّ بدعة نيبوس أحد أساقفة مصر، الذي نادى بالملك الألفيّ الحرفيّ للمسيح، وأنه ينبغي تفسير الأسفار الإلهية بروحٍ يهوديةٍ، وألَّف كتابًا يرفض فيه التفسير المجازيّ لسفر الرؤيا، بينما يروي يوسابيوس عن كتابة ق. ديونيسيوس السكندريّ، بطريرك الإسكندرية الرابع عشر، لكتابين بعنوان ”عن المواعيد“ ضد هذه الهرطقة قائلًا: ((يوسابيوس القيصري، تاريخ الكنيسة، ترجمة: القمص مرقس داود، القاهرة: مكتبة المحبة، 1998، 7: 24: 1-3، ص 327. ))
وعلاوة على كل هذه، فإنه [ق. ديونيسوس] هو الذي كتب أيضًا الكتابين عن المواعيد. أمَّا سبب كتابتهما فهو إن نيبوس أحد أساقفة مصر نادى بأن المواعيد التي أُعطِيَت للأتقياء في الأسفار الإلهية يجب أن تُفهَم بروحٍ يهوديةٍ، وأنه سوف يكون هنالك ألف سنة تُقضَى في تمتُّع جسديّ على هذه الأرض. وإذ توهم بأنه يستطيع أن يدعم رأيه الشخصيّ من رؤيا يوحنا، كتب كتابًا عن هذا الموضوع عنوانه ’تفنيد الرأي القائل بتفسير الكتاب مجازيًا‘. ويقاوم ديونيسيوس هذا الكتاب في كتابيه ’عن المواعيد‘. ففي الأول يُبيِّن رأيه عن العقيدة، وفي الثاني يتحدَّث عن رؤيا يوحنا.
(يوسابيوس القيصري، تاريخ الكنيسة)
ويقتبس يوسابيوس فقرة من كتاب ق. ديونيسيوس السكندريّ ”عن المواعيد“ يرفض فيها ق. ديونيسيوس فكرة مادية ملكوت الله والملك الألفيّ الحرفيّ للمسيح قائلًا: ((يوسابيوس القيصري، تاريخ الكنيسة، ترجمة: القمص مرقس داود، القاهرة: مكتبة المحبة، 1998، 7: 24: 5، ص 327، 328. ))
ونظرًا لأن بعض المعلِّمين يَعتبرون أنه لا أهمية للناموس والأنبياء، ولا يتبعون الأناجيل، ويستخفون بالرسائل الرسولية، وينظرون إلى المواعيد -وفق تعليم هذا الكتاب [أيّ كتاب نيبوس]– كأنها أسرارٌ خفيةٌ، ولا يسمحون لإخوتنا البسطاء بتكوين آراء سامية رفيعة عن ظهور ربِّنا المجيد الإلهيّ، وقيامتنا من الأموات، واجتماعنا معًا إليه، وتغييرنا على صورته، بل بالعكس، يدفعونهم إلى أن يرجوا أمورًا تافهةً زمنيةً في ملكوت الله، أمورًا كالموجودة الآن – نظرًا لأنه هذا هو الموقف، فمن الضروريّ أن نُناقِش أخانا نيبوس كأنه موجودٌ.
(يوسابيوس القيصري، تاريخ الكنيسة)
---
## أوريجينوس السكندري والملك الألفي
URL: https://tabcm.net/48417/
Type: post
Modified: 2026-02-20
نستعرض في هذا الفصل موقف الكنيسة الرافض لتعليم الملك الألفيّ الحرفيّ للمسيح على الأرض، ومن خلال كتابات آباء الكنيسة المعلِّمين عبر العصور، وفي تقاليد كنسية مختلفة شرقًا وغربًا. كما نتناول البدع والهرطقات المختلفة التي تبنَّت تعليم الملك الألفيّ الماديّ للمسيح، وكيف تصدى آباء الكنيسة لهذا التعليم المتهود المنحرف عبر العصور.
رفض العلامة أوريجينوس تعليم الملك الألفيّ الحرفيّ للمسيح، حيث يرى أن البعض يُخيَّل له أنه حريٌّ بنا أن ننتظر في المستقبل تمام المواعيد في الملذة والشهوة الجسدية، هؤلاء هم القائلون بالملك الألفيّ الحرفيّ، الذين يتمسَّكون بمعنى الشريعة الحرفيّ على نحوٍ سطحيّ، فهم تلاميذ الحرف ليس إلا قائلًا: ((أوريجينوس، في المبادئ، ترجمة: الأب چورچ خوام البولسي، لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2002، 2: 11: 2، ص 246. ))
يُخيَّل للبعض [الألفيين] أنه حريٌّ بنا أن ننتظر تمام الموعود، في المستقبل، في الملذة والشهوة الجسدية، فيأبون إعمال الفكر على نحوٍ ما، متشبثين بمعنى الشريعة الحرفيّ على نحوٍ سطحيّ، وراغدين في ما يطيب لهم ويسرُّهم في وجهٍ من الوجوه، إذ هم تلامذة الحرف لا غير. لذلك، يتوقون إلى أن يجدوا لهم في القيامة جسدًا لحميًا ثانيةً، يجعل لهم من المأكل والمشرب والإقبال على كل فعلٍ يمتُّ بصلةٍ إلى اللحم والدم أمورًا ممكنةً.
(أوريجينوس، في المبادئ)
ويستطرد العلامة أوريجينوس في نقده لتعليم الألفيين حول الملك الألفيّ الماديّ والشهوانيّ، ويوضح أنهم لا يأخذون برأي بولس الرسول في قيامة الجسد الروحيّ، وأنهم يصورون لأنفسهم مدينة أورشليم على أنها مدينةٌ أرضيةٌ، ويحسبون أنهم سوف يتسلمون فيها خيرات الأمم طعامًا لهم، ويكونون أسيادًا على ثرواتهم، وإنهم يسعون بكل جهدهم لإثبات هذا الحرفيّ التعليم المتهود المنحرف عبر سلطان الأنبياء، عندما يتكلَّمون عن المواعيد المقطوعة في أورشليم، ويشير أوريجينوس إلى أنهم يأتون بنصوصٍ أخرى عديدة من الكتاب المقدَّس، دون أن يفقهوا أنه ينبغي فهمها بطريقةٍ مجازيةٍ وروحيةٍ كالتالي: ((أوريجينوس، في المبادئ، ترجمة: الأب چورچ خوام البولسي، لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2002، 2: 11: 2، ص 246-247. ))
فهم لا يأخذون برأي بولس الرسول في قيامة الجسد الروحيّ ((رسالة بولس اﻷولى إلى كورنثوس 15: 44 )). ويزيدون على هذا بشكلٍ منطقيّ الطاقة على عقد الزواج وولادة البنين، بعد القيامة أيضًا. ويُصوِّرون أورشليم لأنفسهم مدينةً أرضيةً، سوف يُعاد تشييدها على أحجارٍ كريمةٍ تُجعَل في أساسها ((سفر الرؤيا 21: 10 )) […] ولهم اعتقاد بأن لهم ثمة غرباء كخدامٍ، لأجل ملذاتهم، يعملون كأنهم فلاحون أو كأنهم كرَّامون، وبنَّائين لكي يبنوا لهم ثانيةً مدينتهم المهدَّمة والمتداعية ((سفر إشعياء 61: 5؛ 60: 10 )). ويحسبون أنهم سوف يتسلَّمون فيها خيرات الأمم طعامًا لهم، ويكونون أسيادًا على ثرواتهم حتى إن جمال مدين وعيفة تأتي لتحمل إليهم الذهب والبخور والحجارة الكريمة ((سفر إشعياء 61: 6؛ 60: 2 )). ويسعون جهدهم لإثبات هذا عبر سلطان الأنبياء، عندما يتكلَّمون على المواعيد المقطوعة في أورشليم. فقد جاء فيها قولهم بأن الذين يخدمون الله سيأكلون ويشربون، ويجوع الأثمة ويعطشون، ويبتهج الأبرار ويخزى الكفرة ((سفر إشعياء 65: 13 )). […] بل يأتون بنصوصٍ أخرى عديدة من الكتاب، دون أن يفقهوا أنه ينبغي فهمها بطريقةٍ مجازيةٍ وروحيةٍ. فيحسبون أنهم سيغدون ملوكًا وأمراءً، على شاكلة ملوك الدنيا وأمرائها، مدركين ذلك على حسب أنظمة هذه الحياة، وعلى حسب المراتب والمصاف المنشأة في هذا العالم، أو على حسب درجات التسلُّط […] وقُصارى القول أنهم يريدون كل أمر مما يرجونه من تمام المواعيد مطابقًا في شبهه لطريقة العيش في هذه الفانية، أيّ أن يرجع العالم الراهن فيشرع في الوجود. هذا ما يُفكِّر به أناسٌ يؤمنون، بلا ريبة، بالمسيح. ولكنهم إذ يفقهون الأسفار الإلهية على الطريقة اليهودية لا يستشرفون فيها شيئًا مما هو جديرٌ بالوعود الإلهية.
(أوريجينوس، في المبادئ)
يدحض العلامة أوريجينوس بدعة الملك الألفيّ الحرفيّ في عصره، ويعطي تفسيرًا روحيًا للمُلك الألفيّ للمسيح، حيث يرى أن القديسين سيأكلون في السماء خبز الحياة، الذي يُغذِّي النفس بأطعمة الحقيقة والحكمة، ويُنير الفهم ويُرِويه من كأس الحكمة الإلهية قائلًا: ((أوريجينوس، في المبادئ، ترجمة: الأب چورچ خوام البولسي، لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2002، 2: 11: 3، ص 247، 248. ))
أمَّا الذين يتلقون تفسير الكتب حسب معنى الرسل، فيرجون أن ما سيأكله القديسون هو خبز الحياة ((إنجيل يوحنا 6: 51 ))، الذي يُغذِّي النفس بأطعمة الحقيقة والحكمة، ويُنير الفهم ويُرِويه من كأس الحكمة الإلهية، كما يقول الكتاب: الحكمة أعدَّت مائدتها، وذبحت ذبائحها، ومزجت خمرها في القربة، وهي تُنادِي بأعلى صوتها: هيَّا إليَّ، كُلوا من الخبز الذي أعدَّدته لكم، واشربوا من الخمرة التي مزجتها لأجلكم ((سفر الأمثال 9: 1 )). فيأوي الإدراك وقد اغتذى من أطعمة الحكمة هذه إلى نصاعته وكماله، إلى الحالة التي خُلِقَ عليها الإنسان في البَدْء ((سفر التكوين 1: 26 ))، على صورة الله ومثاله. ومَن يُغادِر هذه الحياة بمعرفةٍ ناقصةٍ، لكنه قد أتى أعمالًا خليقةً بالاستحسان، يتهذَّب أيضًا في أورشليم هذه ((سفر الرؤيل 21: 2 ))، مدينة القديسين، وينل التعليم والتنشئة فيغدو حجرًا حيًا، حجرًا ثمينًا ومُصطفَى ((رسالة بطرس اﻷولى 2: 4)، إذ يكون قد قاسى منازلات هذه الحياة والمعارك من أجل تقواه، بجرأةٍ وثباتٍ، ويُصِيب في العلى معرفة أصدق وأصفى لما أُخبِرَ به على الفانية، لأن الإنسان لا يحيا من الخبز وحده، وإنما من كل كلمة تخرج من فم الله أيضًا ((إنجيل متى 4: 4 )). فالأمراء والرؤساء هم أولئك الذين يسوسون رعاياهم ويُهذِّبونهم، ويُعلِّمونهم، ويُنشَّئونهم على معرفة الحقائق الإلهية.
(أوريجينوس، في المبادئ)
يشرح الكاردينال چوزيف راتسنجر (البابا بنديكتوس 16 لاحقًا) ويُوضِّح لماذا رُفِضَت الألفية التي كان بإمكانها أن تجعل إنشاء أوضاع المجيء الثاني مهمة عملية؟
هذا الرفض للألفية يعني في الواقع أن الكنيسة لا تقبل فكرة اكتمال نهائيّ ضمن التاريخ، ولا أن يجد التاريخ كماله في ذاته. بالتالي، فإن رجاء المسيحيّ لا يتضمَّن أيّ تصوُّر لاكتمالٍ باطنٍ للتاريخ؛ بل بخلاف ذلك، يقول صراحةً إن مثل هذا الاكتمال الباطن للعالم أمرٌ مستحيلٌ.
إن ما يجمع بين العناصر المختلفة، في الكتاب المقدَّس، التي تتصوَّر نهاية العالم، إنما هو رفض ترقُّب حالةٍ من الخلاص النهائيّ ضمن التاريخ. هذا الموقف، من الناحية العقلانية، هو موضوعيٌّ جدًا، لأن فكرة الاكتمال النهائيّ ضمن التاريخ لا تأخذ بالاعتبار الانفتاح والحرية اللذين يُفسِحان في المجال لرفض الإنسان.
وبذلك تُعبِّر في نهاية الأمر عن تغيير أنثروبولوچيّ عميق: فلا يعود الإنسان من ثمَّ ينتظر خلاصه من قيمته الأخلاقية ولا في عمق أعماق شخصيته الأخلاقية، بل يرجوها من آلياتٍ يمكن التخطيط لها، ما يعني أن هذا الخلاص يُبنَى من دون الأخذ بالاعتبار ما هو حقًا إنسانيٌّ. وهكذا تنقلب رأسًا على عقب القيم التي تحمل العالم؛ إن خلاصًا يُخطَّط له هو خلاص معسكرات الاعتقال، وهو بالتالي نهاية الإنسانية.
هكذا، فإن الإيمان بعودة المسيح يعني أولًا إنكار إمكانية اكتمال العالم ضمن التاريخ؛ وهذا الموقف الرافض هو بالضبط ما يحمي الإنسان من فقدان إنسانيته من خلال ذاته. ((الكاردينال چوزيف راتسنجر، الاسخاتولوجيا: الموت والحياة الأبدية، ترجمة: المطران كيرلس سليم بسترس، الفكر المسيحي بين الأمس واليوم 37، لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2011، الفصل 3، ص 186. ))
---
## عصر المسيح والملك الألفي
URL: https://tabcm.net/47908/
Type: post
Modified: 2026-02-20
نستعرض في هذا الفصل موقف المسيح نفسه والرسل من بعده من فكرة مجيء المسيح مرةً أخرى لكي يملك ملكًا ألفيًا حرفيًا على الأرض، كما يزعم أصحاب بدعة الملك الألفيّ الحرفيّ، بأن المسيح سيأتي في الأيام الأخيرة ليملك ملكًا سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا على الأرض.
ونجد أول موقف للمسيح من فكرة الملك الأرضيّ الماديّ هو موقفه في التجربة على الجبل، حيث عرض عليه الشيطان ممالك العالم ومجدها لكي يملك عليها، وكان موقف المسيح موقفًا صريحًا، وهو رفضه التام لهذا الملك الأرضيّ الماديّ كالتالي: ثُمَّ أَخَذَهُ أَيْضًا إِبْلِيسُ إِلَى جَبَل عَال جِدًّا، وَأَرَاهُ جَمِيعَ مَمَالِكِ الْعَالَمِ وَمَجْدَهَا، وَقَالَ لَهُ: ’أُعْطِيكَ هذِهِ جَمِيعَهَا إِنْ خَرَرْتَ وَسَجَدْتَ لِي‘. حِينَئِذٍ قَالَ لَهُ يَسُوعُ: ’اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ! لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ‘ ((إنجيل متى 4: 8-10 )).
ويُعلِّق رايموند براون على تجربة المسيح على الجبل، حيث يرى أن التجارب الثلاث قد حاولت تحويل الإعلان الخاص بملكوت الله، ومن ثمَّ يصير ملكوتًا حسب معايير هذا العالم. حاول الشيطان إغراء يسوع أن يُحوِّل الحجارة إلى خبز ليسد رمقه، وسوف يجعل يسوع الخبز يتزايد بكمياتٍ وفيرةٍ، لا من أجل نفسه، بل من أجل الآخرين ((إنجيل متى 14: 13-21؛ إنجيل متى 15: 32-38 )). ثم جرَّب المجرِّب يسوع، وذلك بأن يمنحه كل ممالك الأرض، ولكن يسوع سوف يُعطَى كل سلطان في السماء وعلى الأرض ((إنجيل متى 28: 18 ))، ولكن ليس بأن يسعى وراءها، بل حين يمنحها له الله ((رايموند براون، مدخل إلى العهد الجديد، تعريب: نيكلس نسيم، سلسلة آفاق كتابية 5، القاهرة: دار لوغوس ودار الأكويني، 2021، ص 271. )).
ويرى نيكولاس توماس رايت أن الناس في زمن المسيح كانوا يتوقون أن يسمعوا عن ملكوت الله الذي يأتي بواسطة ثورةٍ سياسيةٍ واجتماعيةٍ. وقد حدث هذا النوع من الأحداث قبل ذلك بمئتي سنة. كما حدث في ما بعد: أول مرة في ستينيات القرن الأول، وأخر مرة نحو سنة 130م. وبين هذين الحدثين الكبيرين كانت هناك عدة ثوراتٍ صغيرةٍ. لقد كانت هذه الأمور البينة في ذلك الوقت. وكان هذا هو ما يريده الناس. لو أن يسوع أعطاهم كلمةً، لحوَّل آلافٌ منهم آلاتهم الزراعية إلى حرابٍ وسيوفٍ وانضموا إلى جيشه. كل ما نعرفه عن يسوع يشير بكل وضوح إلى أنه لم يردٍ السير في هذا الاتجاه، بل كان أيضًا يُحذِّر منه. لقد كان يحسب هذه الثورات القومية جزءًا من المشكلة وليس من الحل، حاسبًا إياها مؤشراتٍ على أن أقرانه اليهود أسأوا فهم إلههم ونياته بصورةٍ جذريةٍ. حتى أنه كان يحسب أن تمردهم المأمول في وجه روما يمكن أن يُعدَّ تمردًا على الله، وعلى دعوتهم أن يكونوا نورًا للأمم. لذا كان من أهداف عظته المشهورة على الجبل أن يُذكِّر العبرانيين بدعوتهم ودورهم ((إن. تي. رايت، الخبر السار، ترجمة: د. أوسم وصفي، الأردن: أوفير للطباعة والنشر، 2015، الفصل 3، ص 48-49. )).
ويُعلِّق رايموند براون على طلبة ”ليأت ملكوتك“ أن يأتي ملكوت الله، فهذا يتضمَّن المأدبة السماوية ((رايموند براون، مدخل إلى العهد الجديد، تعريب: نيكلس نسيم، سلسلة آفاق كتابية 5، القاهرة: دار لوغوس ودار الأكويني، 2021، ص 274. )). ويرى نيكولاس توماس رايت أن صلاة يسوع أن يأتي ملكوت الله ”على الأرض كما في السماء“، فهي صلاةٌ إمَّا أن تكون منسيةً، وإمَّا أُعِيد تفسيرها لتعني أمرًا آخر. وحيث إن إتيان ملكوت الله على الأرض كان عنصرًا أساسيًا من عناصر الخبر السار التي أعلنها يسوع، فيعني هذا التغيير أيضًا أن فهم هذه العبارة تغيَّر أيضًا. فحسب هذا، الأمر لا يعدو كونه تقوى شخصية في الحاضر، وحياة في السماء في المستقبل (إذا كنت محظوظًا، أو إذا كنت تؤمن بالعقيدة القويمة). هكذا صارت المسيحية، وهكذا صار الخبر السار. لم تعد له علاقة بما اعتاد الناس أن يسمُّوه الحياة الحقيقية.
في الواقع، يشعر كثيرون بالصدمة إذا ذكَّرتهم أن يسوع كان يعني ما يقوله عندما قال إن كل سلطان في السماء وعلى الأرض قد دُفِعَ إليه ((إنجيل متى 28: 18 ))، ويعني أيضًا أن علينا أن نفعل هذا السلطان في ممارسات حياتنا اليومية. لقد صار كثيرون لا يؤمنون ولا يعلمون أن يسوع وأتباعه الأوائل كانوا يقصدون، عندما تكلَّموا عن الخبر السار، أن شيئًا ما حدث (أو كان يحدث)، ومن نتائجه أن العالم صار مكانًا مختلفًا، وعليهم أن يعملوا لكي يُحقِّقوا هذا على أرض الواقع الذي يعيشون فيه. لكن الحقيقة هي أن هذا بالفعل هو ما كان يعنيه يسوع وأتباعه الأوائل ((إن. تي. رايت، الخبر السار، ترجمة: د. أوسم وصفي، الأردن: أوفير للطباعة والنشر، 2015، الفصل 4، ص 87-88. )).
ويرى رايموند براون أن موضوع ملكوت السماوات أصبح في غاية التعقيد حيث أصبح يتضمَّن فيضًا من تاريخ الخلاص إلى جانب تحقُّق الكثير من الأمور الاسخاتولوچية. والكنيسة ليست متاخمةً لملكوت السماوات، بل لها دور تؤديه باعتبارها المكان الذي تمَّ فيه الاعتراف بأنه الربُّ. وفي (إنجيل متى 21: 43) أُخِذَ الملكوت من رجال السلطة اليهودية غير المؤمنين إلى شعبٍ جديرٍ يُعطِي ثمره، وهم الذين يُشكِّلون الكنيسة ((رايموند براون، مدخل إلى العهد الجديد، تعريب: نيكلس نسيم، سلسلة آفاق كتابية 5، القاهرة: دار لوغوس ودار الأكويني، 2021، ص 322. )). ويشير إن. تي. رايت إلى أن المسيحيين الأوائل، الذين تبعوا يسوع وأمنوا بالخبر السار الذي أعلنه يسوع، أعلنوا هم أيضًا أن بموت يسوع وقيامته، أُطلِقَ ملكوت الله. وكانت هذه هي نقطة التحوُّل الوحيدة والنهائية في التاريخ البشريّ على وجه الإطلاق ((إن. تي. رايت، الخبر السار، ترجمة: د. أوسم وصفي، الأردن: أوفير للطباعة والنشر، 2015، الفصل 4، ص 98. )).
ويُؤكِّد ديڤيد دي سيلفا أنه من المهم أن نُدرِك أن خدمة يسوع لم تساو أيًّا من التوقعات المسيحانية المتنوعة التي تبنَّتها مجموعات يهودية مختلفة. فأكثر اليهود توافقوا على أن الله كان سيعمل شيئًا رائعًا ونافعًا جدًا لأجل شعب الله الأمناء في مرحلةٍ مُعيَّنةٍ في المستقبل، من خلال وريث لمواعيد داود. ولكن على أية حال، لم يتوقع أحدٌ مسيَّا يأتي بوداعةٍ ليتألَّم ويموت ميتةً مشينةً. التوقع الذي كان أكثر شعبيةً هو توقع مسيَّا بطل عسكريّ يُبشِّر بقدوم ملكوت الله، الذي سيحلُّ محل ممالك العالم مع مُلك الله. ولقد شحن هذا التوقع الكثير من الثورات الفاشلة في فلسطين ((أنظر مثلاً الرؤى المسيحانية في مزامير 17 و 18 )).
كانت الكنيسة الأولى مُنخرطةً بشكلٍ خلاَّقٍ منذ أيامها الأولى (حتى خلال خدمة يسوع) في اكتشاف نموذج مسياويّ جديد من الأسفار المقدَّسة الذي سيلائم حقائق حياة المسيح، الذي كان يُحرِّكه اقتناع المؤمنين بأن الله أقام يسوع كمسيح الله. بدأ المسيحيون يتكلَّمون عن مجيئين للمسيَّا بدل من مجيءٍ واحدٍ. من السهل أن نبرهن من كلمة الله مجيئًا نهائيًا في أخر الأزمنة، عندما ستزول ممالك العالم لتُفسِح مجالاً لمُلك الله. كان من الأصعب جدًا أن نُظهِر الجدوى الكتابية لمجيء أبكر، مجيءٍ أول ”بوداعةٍ“. على أية حالٍ، هذا ما حقَّقه مرقس بالتحديد، وهذا ما حقَّقه متى أيضًا، ولكن إلى حدٍّ أبعد. وهكذا يُشدِّد دي سيلفا، حسب حقيقة الإنجيل، على مجيئين للمسيح الأول لتتميم الخلاص والثاني النهائيّ في أخر الأزمنة، ولم يتحدَّث عن مجيء ثالث للمُلك الألفيّ الحرفيّ للمسيح على الأرض ((ديڤيد دي سيلفا، مقدمة للعهد الجديد ج1: القرائن، المنهجيات، وتكوين الخدمة، ترجمة: القس الدكتور بيار فرنسيس، مراجعة: القس الدكتور حكمت قشوع، لبنان: دار منهل الحياة، 2014، ص 335-336. )).
لذا يرى رايموند براون أن مرقس الرسول يبدأ قصته بعبارة بدء إنجيل يسوع المسيح. إن الأخبار السارة الخاصة بما عمله الله، التي أُعلِنَت لإسرائيل، ستُعلَن الآن في يسوع المسيح وبواسطته لجميع الأمم ((إنجيل مرقس 13: 10 )). وهي تتضمَّن ملكوت أو حُكم الله الذي أصبح موجودًا من خلال غفران يسوع للخطايا وشفاء المرضى وإطعام الجوعى وإقامة الموتى وتهدئة الرياح. وهو ملكوتٌ أو حُكمٌ أُعلِنَ في تعاليمه وأمثاله، التي ترمي إلى الإشارة إلى العقبات التي تواجه الإنسان ومواجهتها. ويسوع هو ملكٌ جعله الله مُنتصرًا حتى عندما صلبه الأعداء ((رايموند براون، مدخل إلى العهد الجديد، تعريب: نيكلس نسيم، سلسلة آفاق كتابية 5، القاهرة: دار لوغوس ودار الأكويني، 2021، ص 172. )).
ويرى إن. تي. رايت أن يسوع قد جاء لينقل خبرًا أن الله يتحرك، وسيملك، ويُخطِّط لخروجٍ جديدٍ. كان هذا الخبر السار الذي طال انتظاره، الذي من شأنه أن يُغيِّر كل شيء. ودون شك، لا يستطيع أحدٌ أن يصمت أو يهدأ ولديه خبرٌ سارٌ كهذا. لذلك لم يهدأ يسوع، حيث كان يحكي باستمرارٍ القصص (الأمثال) ليشرح -قدر ما تستطيع القصص غير المباشرة أن تشرح- أن الطريقة التي سيعلن الله بها مملكته طريقة مختلفة. وعلى القدر ذاته من الأهمية، كان يفعل أمورًا للإشارة إلى الشكل الذي سيكون عليه ملكوت الله الجديد. لقد كان الناس يُشفون، علامة على أن الخليقة الجديدة تُقبِل لتحتضن الخليقة القديمة بتلامس المسيح مع أجساد البشر وحياتهم الحقيقية، ومن ثمَّ تشفيها جسديًا ونفسيًا. لقد نال الناس الغفران عندما تلامست الخليقة الجديدة مع المسيح في حياتهم الروحية والأخلاقية، ونقلت إليهم دفء التيقن من محبة الله ((إن. تي. رايت، الخبر السار، ترجمة: د. أوسم وصفي، الأردن: أوفير للطباعة والنشر، 2015، الفصل 3، ص 49. )).
وينفي رايموند براون فكرة أن ملكوت المسيح ملكوتٌ أرضيٌّ حرفيٌّ، حيث يُعلِّق على (إنجيل مرقس 10: 35-45) أنه على الرغم من وجود أماكن مُميَّزة أعدَّها الله لتلاميذه، فإنه يجب على التلاميذ أن يعرفوا أن النموذج الأمميّ الذي يتسيَّد فيه الملك على الشعب لا يُتبَع في الملكوت الذي يكرز به يسوع، والحرية هي التي تجعل المرء عظيمًا، وعبارة لأن ابن الإنسان لم يأت ليُخدَم، بل ليخدم ويفدي بنفسه جماعة الناس ((إنجيل مرقس 10: 45 )) تُعدُّ موجزًا مناسبًا لروح هذا الملكوت، وهو روحٌ كان متوقعًا في (سفر إشعياء 53: 10-12) ((رايموند براون، مدخل إلى العهد الجديد، تعريب: نيكلس نسيم، سلسلة آفاق كتابية 5، القاهرة: دار لوغوس ودار الأكويني، 2021، ص 226. )).
ويُوضِّح إن. تي. رايت أن يسوع كان يدفع الناس بصورةٍ مقصودةٍ لأن ينظروا من زوايا جديدة ومختلفة تمامًا إلى أمورٍ كانوا يعتقدون أنهم يعرفونها جيدًا. لم تكن نماذج الملكية الموجودة في عصر يسوع أمرًا مُشجِّعًا بتاتًا؛ إذ لم يكن القيصر في روما ولا هيرودس في الجليل نموذجين إيجابيين يمكن أن يتمثَّل السامعون بهما وهم يستمعون إلى يسوع وهو يتكلَّم عن مملكة الله. وفي الواقع، كثيرًا ما أشار يسوع إلى الاختلافات والتناقضات ما بين مملكة الله وممالك البشر. وقد رأينا سابقًا كيف أوضَّح يسوع ذلك في كلامه مع يعقوب ويوحنا عندما قال إن حُكام البشر يفعلون الأمور بطريقةٍ، أمَّا نحن فسنفعلها بطريقةٍ أخرى؛ فالسلطة تأتي عندنا من الخدمة، والخدمة المضحية أيضًا. والسبب الذي جعل يسوع يستمر في الكلام عن الملكوت، رغم مخاطر سوء الفهم، هو أنه أراد أن يستبدل ملكوت الله بالمفهوم السائد عن الملك والملكوت ((إن. تي. رايت، الخبر السار، ترجمة: د. أوسم وصفي، الأردن: أوفير للطباعة والنشر، 2015، الفصل 4، ص 72-73. )).
ويرى رايموند براون أن صيحات الجماهير عن مجيء الملكوت ”أبينا داود“، أثناء دخول المسيح إلى أورشليم. وهنا، أُعلِنَ يسوع كمَلكٍ يستعيد مملكة داود الأرضية، ولكن هذا سوء فهم آخر منهم ((رايموند براون، مدخل إلى العهد الجديد، تعريب: نيكلس نسيم، سلسلة آفاق كتابية 5، القاهرة: دار لوغوس ودار الأكويني، 2021، ص 226. )).
ويتكرَّر نفس المشهد مرةً أخرى في إنجيل لوقا، وروايته عن التجربة على الجبل، حين رفض المسيح الملك الأرضيّ الماديّ على كل ممالك المسكونة، بعدما أراها له الشيطان في لحظةٍ من الزمان، ووعده أن يعطيها له لو سجد المسيح له، وكان رد المسيح هو رفض هذا الملك الأرضيّ الفانيّ كالتالي: ثُمَّ أَصْعَدَهُ إِبْلِيسُ إِلَى جَبَل عَال وَأَرَاهُ جَمِيعَ مَمَالِكِ الْمَسْكُونَةِ فِي لَحْظَةٍ مِنَ الزَّمَانِ. وَقَالَ لَهُ إِبْلِيسُ: ’لَكَ أُعْطِي هذَا السُّلْطَانَ كُلَّهُ وَمَجْدَهُنَّ، لأَنَّهُ إِلَيَّ قَدْ دُفِعَ، وَأَنَا أُعْطِيهِ لِمَنْ أُرِيدُ. فَإِنْ سَجَدْتَ أَمَامِي يَكُونُ لَكَ الْجَمِيعُ‘. فَأَجَابَهُ يَسُوعُ وَقَالَ: ’اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ! إِنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ‘ ((إنجيل لوقا 4: 5-8 )).
يرى إن. تي. رايت أن يسوع لم يكن راضيًا أن يترك الكيانات الموجودة كما هي ويبدأ في صُنع حركةٍ أخرى غير متحدِّية في مكانٍ آخر. ولم يكن يريد أن يستمر العالم في فكرته عن الملك، وفي الوقت نفسه، يبدأ هو حركته الانفصالية التي لا تتحدَّى النظام القائم. ربما كان هذا ما سيحدث لو كان ترك كلمة مَلك لهم واختار هو كلمةً أخرى، وتبنَّى شعارًا مختلفًا. لم يفعل يسوع هذا، بل ما فعله كان أكثر ثوريةً وأشد تحديًا. كان يسوع يُقدِّم ليس فقط تعليمًا مرتبطًا بالوعود الكتابية القديمة التي كانت تتكلَّم عن مجيء الملك في النهاية إلى شعبه وإلى العالم بأسره، بل كان أيضًا يُؤكِّد أن ملكوت الله، ذلك الواقع الجديد وقلب الخبر السار، هو نوعٌ مختلفٌ تمامًا من الحُكم والسيادة مبنيٌّ على نوعٍ آخر تمامًا من القوة والسلطان، وهو يقصد أن يتحدَّى القوى الكائنة في العالم بملكوتٍ جديدٍ سيقلب الطاولة تمامًا على أنظمة الحُكم الحالية ((إن. تي. رايت، الخبر السار، ترجمة: د. أوسم وصفي، الأردن: أوفير للطباعة والنشر، 2015، الفصل 4، ص 73. )).
ويشهد الملاك جبرائيل في بشارته إلى العذراء مريم بميلاد يسوع المسيح الجسديّ منها بأنه يأخذ كرسي داود الملك، ويملك على بيت يعقوب (إسرائيل) إلى الأبد، ولن يكون لملكه نهاية، فهو بذلك يدحض آراء الألفيين الذين ينادون بمُلك ألفيّ حرفيّ للمسيح على الأرض لمدة ألف سنة مُحدَّدة المدة، فالملاك هنا لم يُحدِّد مدة مُلك المسيح، بل شهد بأن مُلك المسيح مُلكٌ أبديٌّ لا نهاية له كالتالي: وَهَا أَنْتِ سَتَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْنًا وَتُسَمِّينَهُ يَسُوعَ. هذَا يَكُونُ عَظِيمًا، وَابْنَ الْعَلِيِّ يُدْعَى، وَيُعْطِيهِ الرَّبُّ الإِلهُ كُرْسِيَّ دَاوُدَ أَبِيهِ، وَيَمْلِكُ عَلَى بَيْتِ يَعْقُوبَ إِلَى الأَبَدِ، وَلاَ يَكُونُ لِمُلْكِهِ نِهَايَةٌ ((إنجيل لوقا 1: 31-33 )).
وهكذا لما سأل الفريسيون المسيح عن موعد ملكوت الله، أعلن إن ملكوت الله لا يأتي بمراقبةٍ، أيّ لا يأتي بجداول وحسابات زمنية مُحدَّدة المدة، فلا يخضع ملكوت الله لتحديدات زمنية مُحدَّدة، كما يدَّعي المنادون بالمُلك الألفيّ الحرفيّ للمسيح لمدة ألف سنة مُحدَّدة على الأرض كالتالي: وَلَمَّا سَأَلَهُ الْفَرِّيسِيُّونَ: ’مَتَى يَأْتِي مَلَكُوتُ اللهِ؟‘ أَجَابَهُمْ وَقَالَ: ’لاَ يَأْتِي مَلَكُوتُ اللهِ بِمُرَاقَبَةٍ‘ ((إنجيل لوقا 17: 20 )). ويستطرد المسيح، ردًا على سؤال الفريسيين، ليدحض فكرة مادية أو مكانية أو زمانية ملكوت الله، بل ويعلن صراحةً أن ملكوت الله قائمٌ وموجودٌ داخل البشر كالتالي: وَلاَ يَقُولُونَ: هُوَذَا ههُنَا، أَوْ: هُوَذَا هُنَاكَ! لأَنْ هَا مَلَكُوتُ اللهِ دَاخِلَكُمْ“ ((إنجيل لوقا 17: 21 )). فنحن لا نتنظر ملكًا أرضيًا زمنيًا مُحدَّد المدة، بل ملكوت الله مُستعلَن ومُتحقِّق فينا وفي داخلنا بالفعل الآن وإلى الأبد.
ويستعرض رايموند براون ما يتضمَّنه إنجيل لوقا من نصوص تُوضِّح تعقيد فكرة ”ملكوت الله“. ويرى أنه يوجد تساؤل من ناحية ما إذا كان هذا المفهوم يتضمَّن ملكية (منصب الملك) أو ملكوتًا، وما إذا كان قد أتى وإلى أيّ مدى و/أو أنه مازال آتيًا، وما إذا كان بشكلٍ مرئيّ. وقد استُخدِمَت صور صريحة مثل: باب ومائدة وطرد من الملكوت، وذلك في (إنجيل لوقا 13: 24، 28، 29)، وفي (إنجيل لوقا 9: 27) نقرأ: إن من القيام ههنا قومًا لا يذوقون الموت حتى يروا ملكوت الله، برغم ذلك، فإن يسوع في (إنجيل لوقا 17: 20-21) يقول إن ملكوت الله لا يأتي بمراقبةٍ، حتى لا يُقَال هوذا ههنا أو هوذا هناك. وفي (إنجيل لوقا 11: 2) عُلِّمَ التلاميذ كيف يصلون من أجل إتيان الملكوت، وفي (إنجيل لوقا 10: 9) طُلِبَ من التلاميذ أن يعلنوا للمدينة التي يزورونها: قد اقترب منكم ملكوت الله. وقال يسوع في (إنجيل لوقا 11: 20): وأمَّا إذا كنتُ بإصبع الله أخرج الشياطين فقد أقبل ملكوت الله داخلكم“، وفي (إنجيل لوقا 21: 31-32) (المحادثات الإسخاتولوچية) عند رؤية علامات الأزمنة الأخيرة بوسعه أن يقول: ”ملكوت الله قريبٌ“. وهذا كله سيحدث ”قبل أن يمضي هذا الجيل“، وهذا الرأي المختلف إنما هو انعكاس لمشكلة الاسخاتولوچيات المستقبلية، التي تحقَّقت ونجدها في مواضع أخرى في العهد الجديد ((رايموند براون، مدخل إلى العهد الجديد، تعريب: نيكلس نسيم، سلسلة آفاق كتابية 5، القاهرة: دار لوغوس ودار الأكويني، 2021، ص 393. )).
ويُورِد سفر الأعمال قول المسيح لتلاميذه أنه ليس لهم أن يعرفوا الأزمنة والأوقات التي جعلها الآب في سلطانه، مما يُوضِّح أنه لا يمكن تحديد جداول زمنية أو مدد زمنية مُحدَّدة لملكوت المسيح ومجيئه الثاني كالتالي: فَقَالَ لَهُمْ: لَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا الأَزْمِنَةَ وَالأَوْقَاتَ الَّتِي جَعَلَهَا الآبُ فِي سُلْطَانِهِ ((سفر أعمال الرسل 1: 7 )).
وفي ردٍ قويّ، يرى رايموند براون أنه من ناحية إقامة الله الملكوت أخيرًا والمجيء الثاني ليسوع، أصبح ما جاء في (سفر أعمال الرسل 1: 7) ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التي جعلها الآب في سلطانه يُشكِّل ردّ الكنيسة الكبرى: الإيمان بأن هذه التي سيتمُّ بها ذلك. وفي صراعٍ حادٍ مع هذا الوضع كثيرًا ما يبذل الرؤيويون جهودًا كثيرةً في حساب نهاية الزمان والتنبؤ بها. وحتى الآن كانوا دائمًا مخطئين بالنسبة للتورايخ الخاصة بهذا الأمر. لذلك فإن مسيحيي الكنيسة الأكبر تراهم ينظرون لمَن يدَّعون أنهم يتنبؤن بالمستقبل ويَعتبرونهم منافقين. وبرغم ذلك، تُقدِّم المسيحية الرؤيوية القوية فرصةً، فإذا كان الذين يدَّعون أنهم لا يعرفون الأزمن والأوقات، وشرعوا يتجاهلون العقيدة التي تقول إن يسوع سيأتي ثانيةً ليدين الأحياء والأموات، فإنهم قد يشرعون في الاعتقاد بأن بمقدورهم أن يبنوا ملكوت الله. والرؤيويون على يقينٍ تامٍ بأن نهاية الأزمنة تعتمد على إقامة الله للملكوت، لأن البشر إذا اعتمدوا على أنفسهم دائمًا فلن يبنوا سوى برج بابل. ولعل المسيحيين في حاجةٍ إلى الاعتراف وبالحماسة نفسها، أنه ليس باستطاعتهم معرفة الأزمنة والأوقات، وأنه في يومٍ ما، وبطريقةٍ قد تكون مفاجأةً للجميع سيُقيم الله الملكوت ((رايموند براون، مدخل إلى العهد الجديد، تعريب: نيكلس نسيم، سلسلة آفاق كتابية 5، القاهرة: دار لوغوس ودار الأكويني، 2021، ص 460. )).
ويُوضِّح المسيح لنيقوديموس شرط رؤية الملكوت، وهو الولادة العلوية السماوية من فوق، فالملكوت ليس ملكوتًا ماديًا خاضعًا للحواس، بل ملكوتًا روحيًا علويًا وحقيقيًا كالتالي: أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: ’الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنْ فَوْقُ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَى مَلَكُوتَ اللهِ‘ ((إنجيل يوحنا 3: 3 )). ويستطرد المسيح في نفس السياق مُؤكِّدًا على ضرورة الولادة الروحية في المعمودية لكي يستطيع الإنسان أن يدخل ملكوت الله الروحيّ وليس الماديّ كالتالي: أَجَابَ يَسُوعُ: ’الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ‘ ((إنجيل يوحنا 3: 5 )).
وهناك موقفٌ واضحٌ وصريحٌ للمسيح من فكرة الملك الأرضيّ الحرفيّ يأتي في إنجيل يوحنا، حينما جاء البعض لكي يختطفوه ويجعلوه ملكًا أرضيًا، وهنا انصرف عنهم المسيح إلى الجبل وحده، مُعلِنًا بذلك رفضه التام لأيّ مُلك ماديّ حرفيّ على الأرض كالتالي: وَأَمَّا يَسُوعُ فَإِذْ عَلِمَ أَنَّهُمْ مُزْمِعُونَ أَنْ يَأْتُوا وَيَخْتَطِفُوهُ لِيَجْعَلُوهُ مَلِكًا، انْصَرَفَ أَيْضًا إِلَى الْجَبَلِ وَحْدَهُ ((إنجيل يوحنا 6: 15 )).
وكان جواب المسيح الواضح والصريح على بيلاطس البنطيّ وقت محاكمته، حين سأله بيلاطس عن كونه ملكًا أرضيًا، فأجاب المسيح صراحةً أن مملكته ليست من هذا العالم الأرضيّ الماديّ الفانيّ، وبذلك أعلن المسيح رفضه التام لفكرة الملك الماديّ الحرفيّ على الأرض، داحضًا بذلك المزاعم الألفية بمُلك ماديّ أرضيّ كالتالي: مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ. لَوْ كَانَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هذَا الْعَالَمِ، لَكَانَ خُدَّامِي يُجَاهِدُونَ لِكَيْ لاَ أُسَلَّمَ إِلَى الْيَهُودِ. وَلكِنِ الآنَ لَيْسَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هُنَا ((إنجيل يوحنا 18: 36 )). وكان هذا هو موقف المسيح في الأناجيل من فكرة الملك الأرضيّ الحرفيّ، الذي رفضه تمامًا.
لذا يرى تشارلز هارولد دود أن رسالة يسوع تتلخَّص في عبارة الاسخاتولوجيا المحقَّقة ((C. H. Dodd, The Parables of the Kingdom, London, 1935, p. 198 ))، حيث يرى أن عمل الله، بفضل ما قام به يسوع، قد تدخَّل في التاريخ، الآن وهنا: لقد أعلن أن النظام الأبديّ قد حضر في الوضع الواقعيّ، وأن هذا الوضع هو حصاد التاريخ الذي سبق ((C. H. Dodd, The Parables of the Kingdom, London, 1935, p. 207 )). أمَّا طابع كرازة يسوع الشديد فلا يتأتى من انتظار قريب يتَّسم بتوترٍ خاصٍ، بل من المطالبة بأنه تجسيد حضور الله. ويربط دود هذا التفسير لرسالة يسوع عن الملكوت بمفهومٍ خريستولوچيّ وأسراريّ مُتعلِّق بتطوُّرٍ باطنٍ للمسيحية التي كانت في طور التأليف: إن يسوع، في أمثاله، يكرز بالتيقظ بالنسبة إلى أمرٍ غير منتظر لن يُعتِّم أن يحدث، وفي هذا الموضع يسقط الستار على مشهد تضيئه الأمثال. وفجاءة يبدأ المشهد، ويسوع لا يعود يتكلَّم، بل يعمل ويتألَّم. والتلاميذ، بإزاء القيامة، وقد فاجأتهم هذه البداية وأذهلتهم، يدركون أن سرَّ ملكوت الله قد تجلَّى أخيرًا في موته وقيامته ((C. H. Dodd, The Parables of the Kingdom, London, 1935, p. 202 )).
والكنيسة ترجع بنظرها إلى هذه اللحظة التي فيها حصل الحدث الحاسم. وتعيده في علامة الإفخارستيا، تلك العلامة الفعَّالة التي يمكن نعتها بـ”الاسخاتولوجيا المحقَّقة“ ((C. H. Dodd, The Parables of the Kingdom, London, 1935, p. 203 )). إن حضور الحدث في سرِّ الكنيسة يفتح الوقت عينه وفي الارتباط بالربِّ الممجَّد، الباب على نظام الأبد الذي هو مصيرنا، الذي لم تره عين، ولم تسمع به أذن، ولا خطر على قلب بشر ما أعدَّه الله للذين يحبونه. وبذلك رسم دود في الواقع، انطلاقًا من التفسير الكتابيّ الحديث، الرؤية الكنسية التي فيها فسَّر إيمان الأجيال تداخُّل الماضي والحاضر والمستقبل في رسالة العهد الجديد الاسخاتولوجية. بالتالي ينصب تركيز دود على أن ملكوت الله قد تحقَّق الآن بصورةٍ نهائيةٍ في مجيء يسوع وعمله، وهذا يدحض أيّ آراء ألفية حول مُلك ألفيّ مُنتظَر ((C. H. Dodd, The Parables of the Kingdom, London, 1935, p. 210 )).
يتفق أوسكار كولمان مع دود في أن الملكوت قد بدأ، ولكنه شدَّد على أنه لم يكتمل بعد. ولتفسير هذا التصوُّر يختار كولمان، في كتابه الذي ظهر في نهاية الحرب العالمية الثانية، تشبيه الحرب، حيث يمكن أن يقوم فاصل زمنيّ بين المعركة الحاسمة ويوم النصر، في حين أن النقطة المركزية هي المعركة الحاسمة مهما طال انتظار نتيجتها النهائية. لقد حدث أمرٌ شبيه بالنسبة إلى مجيء المسيح. فمجيئه هو نقطة التحوُّل واللحظة الحاسمة، لكن هذه اللحظة لا تتطابق مع نهاية تاريخ العالم الفعلية، التي يمكن أن يطول انتظارها طويلًا. إن المسيح نفسه، لوعيه بأنه هو الوسط، قد علَّم رؤيةً جديدةً لتاريخ الخلاص. فمع الفصل بين الوسط والنهاية ونقل الوسط إلى الماضي، أعلن زمنًا جديدًا، ”حقبة حصول ما لم يكتمل بعد“، زمن وسط قد تحقَّق ونهايةٍ لم نزل ننتظرها. هذا الفصل المبدئيّ هو جزءٌ من رسالة يسوع نفسه؛ مقابل هذه الرؤية الجديدة التي بها كوَّن يسوع مفهومًا جديدًا للتاريخ والإسخاتولوجيا، تبدو ثانويةً مسألة المدى الفعليّ لهذا الفاصل الزمنيّ. وبذلك تفقد مشكلة الانتظار القريب أهميتها ((Oscar Cullmann, Christ and Time: The Primitive Christian Conception of Time and History, tr. by Floyd V. Filson, London: SCM Press LTd, 1962, pp. 83-93 )).
إذ إن الأمر الأساسيّ في رسالة يسوع لم يعد معرفة مدى الفترة التي تفصلنا عن المجيء الثانيّ، بل الوسط الذي حدث. وبفعله هذا كوَّن فكرة وواقع ”الزمن الذي يقع بين زمنين“. هذه المرحلة الجديدة من تاريخ الخلاص، التي لم يستدركها الفكر اليهوديّ، لا تناقض رسالته، بل هي ثمرتها، وإنْ تجاوزت المدة ما كان مُنتظرًا. لأنه بخلاف فكرة الزمن الدائرية عند اليونانيين، ثمة مفهوم خطيّ عن الزمن في الكتاب المقدَّس. فيُنظَر إلى الزمن في علاقة تصاعدية بين البارحة واليوم والغد. والزمن، لكونه خطًا تصاعديًا، يعرض حيزًا يمكن أن يتحقَّق فيه كمال التصميم الإلهيّ؛ وبتعبيرٍ آخر: الخلاص يتحقَّق في الزمن؛ الزمن والخلاص مرتبطان أحدهما بالآخر. وهكذا هذه الرؤية الخطية لتاريخ الخلاص تنتقد الألفية من خلال رؤية الفترة بين المجيئين كفترة صراع روحيّ مستمرة، وليست انتظار مملكة حرفية مستقبلية ((Oscar Cullmann, Christ and Time: The Primitive Christian Conception of Time and History, tr. by Floyd V. Filson, London: SCM Press LTd, 1962, pp. 83-93 )).
ويشير الكاردينال چوزيف راتسنجر (البابا بنديكتوس السادس عشر) في نفس السياق إلى أن إنجيل متى عندما يتكلَّم عن ”ملكوت السماوات“، ومرقس ولوقا عن ”ملكوت الله“، فإن المعنى واحدٌ في كلتا العبارتين. طريقة كلام متى تشير إلى إطار يهوديّ، فاسم الله وحتى مفهوم ”الله“ لا يُستعمَلان في العالم اليهوديّ، وذلك احترامًا لعظمة الاسم؛ فالكلام عنه يجري من خلال لفظة ”السماوات“، التي هي مرادفٌ لكلمة ”الله“. هذا مهم لنفهم أن متى، على غرار مرقس ولوقا، لا يتكلَّم عن شخص يقيم وراء هذا الكون؛ فالموضوع لا يتعلَّق بما هو وراء هذا الكون، بل بالله، وبالله الذي يعمل شخصيًا.
هذه الملاحظة تكتسب وزنًا أكبر إذا أضفنا أن اللفظة التي نترجمها عادةً بكلمة ”ملكوت“ لا تعني، في البلدان الناطقة بالعبرية، المكان الذي تُمارَس فيه الملكية، بل تعني نشاطًا يمكن ترجمته بلفظة ”مُلك“ أو ”رئاسة“ أو ما شابه ذلك. ومن ثمَّ، فعبارة ”ملكوت الله“ تشير إلى ممارسة الله سيادته وسلطته الحية على العالم. بالتالي، فالإعلان بأن ”قد اقترب ملكوت الله“، بحسب إرميا، يجب أن يُترجَم بالضبط: ”قد اقترب الله“. فيسوع، باستعماله هذه العبارة، لا يتكلَّم عن أمرٍ قائمٍ في السماوات، بل عن أمرٍ يعمله الله، وسوف يعمله هنا على الأرض ((الكاردينال چوزيف راتسنجر، الإسختولوجيا: الموت والحياة الأبدية، ترجمة: المطران كيرلس سليم بسترس، سلسلة الفمر المسيحي بين الأمس واليوم 37، لبنان، منشورات المكتبة البولسية، 2011، الفصل 1، ص 34-35. )).
وهنا لا يوجد مكان لملكوت ألفيّ حرفيّ في المستقبل، بل ملكوت الله مُتحقِّق وحاضر بالفعل في العالم. وهذا ما يُؤكِّد راتسنجر في موضع آخر، حيث يرى أن يسوع في أمثاله المتعدِّدة قد كرز بملكوت الله على أنه حاضرٌ وفي الوقت عينه واقعٌ سوف يأتي. يبقى أن الكنيسة التي تكتمل مع الزمن قد أدركت أنها أمينةٌ لهذه الرسالة التي أُعلِنَت في البدء، وذلك بتبشيرها بأن يسوع هو المسيح الذي يعمل بواسطة الروح القدس، والذي هو بالتالي الوجه الحاليّ للملكوت. ويبقى أخيرًا أن المسيحية، بنظرها إلى القائم من بين الأموات، قد علَّمت بمجيءٍ قد حدث فعليًا؛ وأنها لم تعد تعظ بلاهوت رجاء محض، وأنها لم تعد تحيا وعيونها محدقةٌ فقط إلى المستقبل، بل أشارت إلى وقت حاليّ صار فيه الوعد حاضرًا. وهذا الحاضر هو بالضبط رجاءٌ، إنه يحمل في طياته المستقبل ((الكاردينال چوزيف راتسنجر، الإسختولوجيا: الموت والحياة الأبدية، ترجمة: المطران كيرلس سليم بسترس، سلسلة الفمر المسيحي بين الأمس واليوم 37، لبنان، منشورات المكتبة البولسية، 2011، الفصل 1، ص 49.)).
ويدحض بولس الرسول أفكار الألفيين عن مُلك ألفيّ ماديّ سياسيّ وعسكريّ واقتصاديّ، ويعلن بكل وضوح أن ملكوت الله ليس أكلاً وشربًا، أيّ أن ملكوت الله لا يوجد به الاحتياجات البشرية المادية والزمانية، بل هو برّ وفرح وسلام في الروح القدس، أيّ ملكوت روحيّ غير ماديّ كالتالي: لأَنْ لَيْسَ مَلَكُوتُ اللهِ أَكْلاً وَشُرْبًا، بَلْ هُوَ بِرٌّ وَسَلاَمٌ وَفَرَحٌ فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ ((رسالة بولس إلى رومية 14: 17 )).
يشير رايموند براون إلى الاسخاتولوچية المحقَّقة عند بولس الرسول الذي كان يفهم تمامًا ما عمله الله في المسيح من الناحية الرؤيوية أو الاسخاتولوچية، لقد كان موت يسوع وقيامته إيذانًا بتغيير الأزمنة، لذلك فإن الكل يعيش الآن في نهاية الزمان ((رايموند براون، مدخل إلى العهد الجديد، تعريب: نيكلس نسيم، سلسلة آفاق كتابية 5، القاهرة: دار لوغوس ودار الأكويني، 2021، )). وهذا ما يُؤكِّده براون في موضع آخر، في سياق حديثه عن الاسخاتولوچيّ البولسيّ، حيث يرى ق. بولس أن الوضع الحاليّ للمسيحيّ في غاية المجد، وبتعبيرٍ آخر، يبدو أن الأمور الاسخاتولوچية التي تحقَّقت تسمو على الاسخاتولوچيات المستقبلية. فالمسيحيون هم بالفعل في ملكوت ابن محبته ((رسالة بولس إلى كولوسي 1: 13 )). فهم في المعمودية قد أُقيموا مع المسيح ((رسالة بولس إلى كولوسي 2: 12؛ 3: 1 ))، وهذا أمرٌ لم تنكره إطلاقًا كتابات بولس التي لم تكن موضع جدل ((رايموند براون، مدخل إلى العهد الجديد، تعريب: نيكلس نسيم، سلسلة آفاق كتابية 5، القاهرة: دار لوغوس ودار الأكويني، 2021، ص 826-827. )).
ويوضح إن. تي. رايت الرجاء الذي نجده في فقراتٍ كثيرةٍ من العهد الجديد، ولكن بالأكثر في إسخاتولوچية بولس الرسول، ففي الرسالة إلى أهل أفسس، مثلًا، يعلن ق. بولس أن خطة الله النهائية كانت أن يجمع كل شيءٍ في المسيح [يسوع، المسيا، ابن داود]، ما في السماوات وما على الأرض ((رسالة بولس إلى أفسس 1: 10 )). ويشير هذا العدد إلى الشروح الأطول للنقطة نفسها في كورنثوس الأولى 15 وكذلك رومية 8. كما تظهر النقطة ذاتها في تلك القصيدة الرائعة التي نقرأها في الإصحاح الأول من رسالة كولوسي، التي تحتفل بأن كل العالم والخليقة قد خُلِقَت ”فيه […] وبه“ ((رسالة بولس إلى كولوسي 1: 16 )). ثم يستمر ليعلن أن ”فيه“ (أيّ في يسوع المسيح) كل شيء في الأرض والسماوات، سيتصالح مع الله. ويُذكَر هنا أن العهد الجديد لا يحسب الرجاء النهائيّ رجاءً يُهمِل الأرض. لذا فإن الكلام المعتاد ما بين الناس عن السماء يجعلنا نفقد الرؤية المحورية التي يُقدِّمها العهد الجديد. والمهم للعهد الجديد هو السماء الجديدة والأرض الجديدة. بالتالي لا يوجد مكان هنا للحديث عن مُلك ألفيّ حرفيّ للمسيح على الأرض، بل تجديد كونيّ شامل للخليقة كلها ((إن. تي. رايت، الخبر السار، ترجمة: د. أوسم وصفي، الأردن: أوفير للطباعة والنشر، 2015، الفصل 5، ص 104-105. )).
ويُؤكِّد بولس الرسول أن ملكوت الله لا يخضع للأمور المادية الحسية، لأنه لا يقدر أن يرثه لحم ودم، ولا يمكن أن يكون ملكوت الله ملكوتًا ماديًا قابلاً للفساد، بل ملكوت الله هو ملكوتٌ غير قابل للفساد بشتى أشكاله وصوره، فهو بذلك يدحض آراء الألفيين المادية والحسية عن الملكوت الإلهيّ كالتالي: إِنَّ لَحْمًا وَدَمًا لاَ يَقْدِرَانِ أَنْ يَرِثَا مَلَكُوتَ اللهِ، وَلاَ يَرِثُ الْفَسَادُ عَدَمَ الْفَسَادِ ((رسالة بولس اﻷولى إلى كورنثوس 15: 50 )).
ويُفسِّر إن. تي. رايت ما يقصده بولس الرسول في (رسالة كورنثوس اﻷولى 15: 20-28)، حيث يشرح بولس في هذه الأعداد أنه كما كانت حال أوكتافيوس/أوغسطوس بعد انتصاره الحاسم على مارك أنطونيوس، فكذلك يسوع المسيح الآن هو المنتصر الغالب، وهو الحاكم الفعليّ للعالم، لكنه حتى الآن لم يُخضِع كل قوى التمرد تحت سلطانه. وما يقوله الرسول بولس في باقي الاصحاح هو أن ما فعله الله ليسوع في القيامة، بأن أقامه من بين الأموات، سيفعله لكل خاصته في النهاية. ويدور أغلب ما تبقى من الإصحاح حول هذا الأمر تحديدًا. والمشكلات التي يواجهها بولس -مشكلات الأفكار الخاطئة في الكنيسة، ومشكلات الأخلاقيات الجنسية، ومشكلات الحياة في المجتمع الوثنيّ، ومشكلات تنظيم العبادة الجماعية- تتعلَّق أغلب هذه المشكلات بصورةٍ أو بأخرى بالخبر السار نفسه. فبمجرَّد أن يستوعب الناس أن الأحداث الخاصة بموت المسيح وقيامته غيَّرت كل شيء، وأنهم الآن يعيشون بين الحدث الأول الذي بدأ بالفعل بإطلاق الخطوة الأخيرة لإنقاذ البشرية والعالم، وقيام الله في النهاية بترتيب كل أوضاع العالم -عندما سيكون الله الكل في الكل- عندها سيتغيَّر كل شيء: الإيمان والتوجهات السلوكية، والتوقعات، وأخيرًا سينشأ حبٌّ جديدٌ وإحساسٌ جديدٌ بالانتماء، بين كل هؤلاء الذين يشتركون معًا في ذلك. هذا هو ما يتناوله أغلب ما كتبه ق. بولس في هذا الموضع ((إن. تي. رايت، الخبر السار، ترجمة: د. أوسم وصفي، الأردن: أوفير للطباعة والنشر، 2015، الفصل 5، ص 34-35. )).
ويُؤكِّد بطرس الرسول أن ملكوت ربِّنا ومُخلِّصنا يسوع المسيح هو ملكوتٌ أبديٌّ، وليس ملكوت مُحدَّد المدة، أيّ لمدة ألف سنة حرفية ثم ينتهي بعد ذلك، فملكوت المسيح ليس لها نهاية وليس له انقضاء، ولا يمكن حصره في مدة زمنية مُحدَّدة أو مكان ماديّ مُحدَّد كالتالي: لأَنَّهُ هكَذَا يُقَدَّمُ لَكُمْ بِسِعَةٍ دُخُولٌ إِلَى مَلَكُوتِ رَبِّنَا وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ الأَبَدِيِّ ((رسالة بطرس الثانية 1: 11 )).
---
## الصهيومسيحية والملك الألفي
URL: https://tabcm.net/47902/
Type: post
Modified: 2026-02-20
نناقش في هذا البحث كيف تعاملت الكنيسة مع أحد بدع المتهودين في العصر المسيحيّ الأول في القرون الخمسة الأولى المبكرة للمسيحية، حيث تفشى بين الجماعات المسيحية تعليمٌ متهودٌ له أصول في اليهودية عن مُلك المسيح لألف سنة على الأرض، وسوف يكون هذا المُلك مُلك أرضيّ ماديّ حرفيّ، وأن المسيح سيملك سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا على العالم، حسب تعليم هؤلاء المنحرفين.
نتتبع معًا في هذا البحث أصل هذا التعليم ووجوده من عدمه في التعليم اليهوديّ في فترة الهيكل الأول وما قبلها، ثم نتناول بداية ظهور هذا التعليم في كتابات يهودية الهيكل الثاني. ونستعرض بالتفصيل موقف المسيح والرسل من هذا التعليم، وكيف تفشى هذا التعليم بسبب التأثير اليهوديّ في الجماعات المسيحية الأولى وموقف الكنيسة منه خاصةً في فترة القرون الخمسة الأولى. كما نتناول موقف الكنيسة الرافض لهذا التعليم المتهود عبر العصور المختلفة، ورفض كنيسة العصور الوسطى لهذا التعليم المتهود المنحرف. ونستعرض أيضًا رفض حركة الإصلاح البروتستانتيّ في مهدها لهذا التعليم المنحرف. كما نتناول البدع المختلفة التي ارتبط اسمها بعقيدة المُلك الألفيّ الحرفيّ للمسيح منذ نشأة المسيحية وصولًا إلى جماعات الألفيين في القرن التاسع عشر.
ولكن يجب الإشارة في البداية إلى تفريق إيرل كيرنز بين طوائف الألفيين المختلفة إلى: ما قبل ألفيين، وما بعد ألفيين، ولا ألفيين، حيث يدفع ما قبل الألفيين PreMillennialists المتمسكون بمجيء المسيح العتيد على الأرض قبل الألف عام السعيدة، وكذلك باختلاف ”ملكوت الله“ عن ”ملكوت السماوات“، يدفعون بارتباط ملكوت السماوات وحُكم المسيح على أرضنا الحاضرة، كما يطابقون بين ملكوت الله وحكم الله الآب الأبديّ. وأنه في هذه الفترة الحاضرة من عمر الكنيسة يتساوى ملكوت السماوات مع العالم المسيحيّ، الذي يتكوَّن من خليط من المسيحيين، مؤمنين أعلنوا إيمانهم، وآخرين غير مؤمنين، ويهود. وهكذا عند رجوع المسيح سيُطهِّر ملكوت السماوات من اليهود غير المؤمنين والأمميين، ثم يشترك في حكم هذا الملكوت لمدة ألف سنة المسيح وكنيسته، وسيكون هذا الملكوت هو ما تنبأ عنه الأنبياء، الذي سيتبارك فيه إسرائيل في فلسطين. وبعد تمرد الشيطان فترة وجيزة بعد إطلاقه من السجن ألف عام في أثناء الملك الألفيّ، يقوم المسيح بتسليم سلطانه إلى الله، ويندمج الجزء الطاهر من ملكوت السماوات أخيرًا مع ملكوت الله بعد الدينونة الأخيرة. ((إيرل كيرنز، المسيحية عبر العصور، ترجمة: عاطف سامي برنابا، القاهرة: رسالتنا للنشر والتوزيع، 2021، الفصل 2، ص 59. ))
أمَّا الكثيرون ممَن يعتقدون في ترادف التعبيرين وتساويهما مع الكنيسة، فيقولون إن تحقيق الملكوت سيتمُّ بواسطة مراحل تطوُّر تاريخية، حيث تضطلع الكنيسة بدور إعداد الطريق لملكوتٍ يتسلَّمه المسيح عند عودته. ويُعد العمل الاجتماعيّ الذي يهدف إلى تحسين ظروف الناس، عملًا هامًا وجزءًا أساسيًا في تخطيطهم. وكثيرًا ما تُفهَم المسيحية كقيمٍ أخلاقيةٍ، وذلك على حساب العمل الكفاريّ على الصليب. وهذه هي عقيدة البعد ألفيين PostMillennialists المتحررة. البعد ألفيين هم المؤمنون بمجيء المسيح في نهاية الألف عام السعيدة.
تمسَّك بعض مُفكِّري القرن التاسع عشر من أمثال تشارلز فيني وهودج ورفيلد وسترونج بالبعد ألفية، ولكن على نحوٍ متحفظٍ وتقليديّ. لقد آمنوا أنه لابد للكنيسة بأعضائها المجدَّدين تحت قيادة وقوة الروح القدس أن تُؤثِّر بقوةٍ على مجتمعها، بحيث تعد في الناس نظامًا ألفيًا. وعندما يأتي المسيح في نهاية العصر الألفيّ سيجد مجتمعًا تقيًا. ولقد منحت مساواة أوغسطينوس بين العصر الألفيّ والكنيسة دعمًا قويًا لهذا الرأي. ((إيرل كيرنز، المسيحية عبر العصور، ترجمة: عاطف سامي برنابا، القاهرة: رسالتنا للنشر والتوزيع، 2021، الفصل 2، ص 59-60. ))
أمَّا بعض الذين لا يُحبِّذون هذه الفكرة، لكنهم يعتقدون بترادف التعبيرين، فيؤمنون بأن التحقُّق والظهور النهائيّ للملكوت هو حدثٌ مستقبليٌّ سيتمُّ بطريقةٍ معجزيةٍ مفاجئةٍ وعنيفةٍ عند رجوع المسيح. ويرفضون نظرية تطوُّر المجتمع وإعداده خلال العصر الألفيّ ليأتي المسيح في نهايته. عادةً يُميِّزهم الناس بلفظة اللا ألفيين AMillennialists لأنهم يرفضون فكرة ملكوت المسيح الألفيّ، كما يرفضون ربط اليهود بملكوت المسيح. ((إيرل كيرنز، المسيحية عبر العصور، ترجمة: عاطف سامي برنابا، القاهرة: رسالتنا للنشر والتوزيع، 2021، الفصل 2، ص 60. ))
وهذا ما يُؤكِّده ديفيد دي سيلفا على أن واحد من أكثر المواضيع عرضة للجدل في تفسير سفر الرؤيا، وفي الإسخاتولوچيا بشكلٍ عامٍ، هو ”الألف سنة“، أيّ مُلك بعض القديسين مع المسيح قبل الدينونة الأخيرة والخليقة الجديدة ((سفر الرؤيا 20: 4-6 )). تُعرَف المجادلة عادةً تحت ثلاث مواقف رئيسية:
(1) ما قبل الألفية: تُؤكِّد على مُلك حرفيّ لمدة ألف سنة للقديسين بعد أن يرجع المسيح ويُؤسِّس ملكوته.
(2) ما بعد الألفية: تتطلع إلى مُلك ألف سنة للقديسين قبل رجوع المسيح، وهي نتيجة التبشير الناجح للأمم وتأسيس الحكومة المسيحية.
(3) اللا ألفية: لا تُؤكِّد على مُلك حرفيّ لمدة ألف سنة؛ بالأحرى، تقييد الشيطان تحقَّق من قِبَل يسوع على الصليب، وعصر الكنيسة هو المدة الفاصلة بين المجيئين الأول والثاني للمسيح، وهو الوقت الذي يكون فيه المسيحيون ”أعظم من منتصرين“ ويجلسون ”مع المسيح في السماويات“ ((سفر الرؤيا 8: 37؛ رسالة بولس إلى أفسس 2: 6 )). ((ديفيد أ. ده سيلفا، مقدمة للعهد الجديد ج2: القرائن، المنهجيات، وتكوين الخدمة، ترجمة: القس الدكتور بيار فرنسيس، مراجعة: القس الدكتور حكمت قشوع، لبنان: دار منهل الحياة، 2014، ص 664-665. ))
---
## اليهودية والملك الألفي
URL: https://tabcm.net/47905/
Type: post
Modified: 2026-02-20
نستعرض في هذه الحلقة أصل التعليم بالملك الألفيّ الحرفيّ للمسيح على الأرض، ولكن قبل ذلك، سوف نفحص هل هذه الفكرة كانت موجودةً في فترة الهيكل الأول أو قبل ذلك في الكتابات التوراتية.
اليهودية في فترة الهيكل الأول وما قبلها
لم تنشأ فكرة عقيدة كاملة الملامح عن الملك الألفيّ الحرفيّ للمسيح على الأرض خلال فترة الهيكل الأول، وذلك من القرن العاشر إلى القرن السادس قبل الميلاد، أو قبل ذلك في الكتابات التوراتية، كما ظهرت فيما بعد في يهودية الهيكل الثاني أو في المسيحية المبكرة؛ لكن كان هناك تيارات نبوية وكهنوتية ورؤيوية مهَّدت الطريق لهذه الفكرة لاحقًا، حيث تتضمَّن أفكارًا أوليةً عن عهد ذهبيّ أو عصر ذهبيّ سيجلبه الله بعد التدخُّل الإلهيّ الحاسم (( Yehezkel Kaufmann, The Religion of Israel: From Its Beginnings to the Babylonian Exile, Trans. by Moshe Greenberg, (Chicago: University of Chicago Press, 1960), pp. 310-330 )).
تقليد العهد الموسوي
يمتد العهد الموسويّ من عصر موسى النبيّ وحتى بداية الملكية، وكانت طبيعة الفكر في هذا العصر عبارة عن وعود كتابية توراتية، كما في سفر التثنية (28-30)، تُصوِّر البركة الأرضية، والسلام، وصور لاحقة فُسِّرَت على أنها نهاية أوقات مثالية (( J. G. McConville, Deuteronomy: New International Biblical Commentary, (Grand Rapids: Eerdmans, 2002), pp. 267-285
Richard D. Nelson, Deuteronomy: A Commentary, Old Testament Library, (Louisville: Westminster John Knox, 2002), pp. 394-412 )).
حلقات الملكية الداودية والسليمانية
ويمتد الإطار الزمنيّ لهذه الحلَقات في مملكة داود وسليمان حوالي القرن العاشر قبل الميلاد، وكانت طبيعة الفكر آنذاك هي وعدٌ بعهدٍ داوديّ أبديّ ((سفر صموئيل الثاني 7 ))، حيث الوعد بملك عالميّ يجلب العدالة والسلام. وفي أطر لاحقة، وُضِعَ في سياق ”ملكية مسيانية“ في آخر الزمان (( Willem VanGemeren, The Progress of Redemption: A Narrative Commentary on the Bible Vol. 1: From Jacob to Eschaton, (Grand Rapids: Zondervan, 1988), pp. 217-230
R. W. L. Moberly, The Theology of the Book of Genesis, (Cambridge: Cambridge University Press, 2009), pp. 150-160 )).
دوائر الأنبياء
ويمتد الإطار الزمنيّ لهذه الدوائر ما بين القرن التاسع إلى القرن السابع قبل الميلاد، كما في أسفار إشعياء وميخا وغيرهم من الأنبياء، وتشير طبيعة الفكر آنذاك إلى ”يوم الربِّ“ كذورةٍ تاريخيةٍ تقود إلى عهد ذهبيّ من السلام العالميّ والعدالة كما جاء في سفر إشعياء 2، سفر ميخا 4 (( John J. Collins, The Apocalyptic Imagination: An Introduction to Jewish Apocalyptic Literature, (Grand Rapids: Eerdmans, 2016), pp. 50-70
John Barton, Article on prophetic schools and traditions in the Prophetic Imagination and Beyond, (Cambridge: Cambridge University Press, 2014), pp. 85-98 )).
دوائر نبوية رؤيوية
ويمتد الإطار الزمنيّ لها ما بين القرنين السابع والسادس قبل الميلاد، وقبل وأثناء السبي البابليّ. وملامح الفكر في ذلك الوقت، كما جاء في رؤى مثل حزقيال (40-48)، تُصوِّر هيكلًا مُقدَّسًا مبنيًا، وتوزيعًا جديدًا للأرض، وحضورًا إلهيًا دائمًا، ومُخطَّطات لعصرٍ جديدٍ على الأرض (( Daniel I. Block, The Book of Ezekiel (Ch 25-48): New International Commentary on the Old Testament Vol. 2, (Grand Rapids: Eerdmans, 1998), pp. 512-690 )).
تقليد الحكمة ما قبل السبي
ويمتد هذا التقليد في فترة حكم الملك سليمان وما بعدها، حيث يتضمَّن أدب الحكمة مثل المزامير والأمثال تلميحات إلى انتصار مستقبليّ للأبرار وهلاك الأشرار (( Michael V. Fox, Character and Ideology in the Book of Proverbs, (Grand Rapids: Eerdmans, 2004), pp. 120-142
Robert Alter, The Wisdom Books: Job, Proverbs, and Ecclesiastes, (New York: W. W. Norton, 2010), pp. 80-95 )).
تقاليد حرب يهوه
ويمتد الإطار الزمنيّ لها في الفترة ما قبل الملكية حتى الملكية، ويتجلَّى في هذا الفترة مفهوم حرب نهائية حيث يتدخل الله لهزيمة الأعداء نهائيًا، فتبدأ فترة سلام، ويمكن رؤية انعكاس هذا الفكر في نشيد دبورة (سفر القضاة 5) وفي سفر إشعياء (24-27) (( M. S. Smith, Cosmic Conflict in the Ancient Near East: Martyrodom, Apocalypticism, and the Dead Sea Scrolls, (Grand Rapids: Baker Academic, 2019), pp. 47-65 )).
اليهودية في فترة الهيكل الثاني
شهدت فترة الهيكل الثاني [حوالي 516 قبل الميلاد – 70 بعد الميلاد] تنوعًا واسعًا في المعتقدات والتيارات الفكرية داخل اليهودية، من بينها تيارات ذات طابع رؤيويّ حملت أفكارًا مُتعلِّقةً بالملك الألفيّ الحرفيّ للمسيح. تقوم هذه العقيدة على الإيمان بأن الله سيتدخل في التاريخ ليقيم ملكًا إلهيًا على الأرض يستمر لفترةٍ زمنيةٍ مُحدَّدةٍ (غالبًا ألف سنة أو مدة رمزية أخرى)، يسود فيها العدل والسلام قبل الدينونة الأخيرة.
وقد تفاعلت هذه الأفكار مع السياق التاريخيّ والسياسيّ المضطرب آنذاك، مثل الاحتلالات الأجنبية كالبابلية، والفارسية، واليونانية، والرومانية، وما صاحبها من أزمات قومية ودينية. وقد أدى ذلك إلى ظهور طوائف وحركات دينية مُتعدّدة، كان لبعضها مشاريع إصلاحية أو ثورية أو انعزالية، وجميعها تقرأ الأحداث من منظور نبويّ وإسخاتولوچيّ (( Lester L. Grabbe, A History of the Jews and Judaism in the Second Temple Period Vol. 2: The Coming of the Greeks: The Early Hellenistic Period (335-175BCE), (London: T&T Clark, 2008), pp. 1-18
Emil Schurer, The History of the Jewish People in the Age of Jesus Christ Vol. 1, Rev. & Ed. by Géza Vermes, Fergus Millar, and Matthew Black, (Edinburgh: T&T Clark, 1973), pp. 1-12 ))، وسوف نستعرض أبرز تلك الحركات والطوائف، ونُبيِّن موقفها من الفكر الألفيّ.
الإسينيون
كانوا يتوقعون معركة أخروية نهائية عبارة عن حرب بين بني النور وبني الظلام، وتنتهي بإعادة إسرائيل مُطهَّرةً تحت حكم المسيا أو المسيحيين: الكهنوتيّ والملوكيّ. تصوَّروا مملكة مشتركة على الأرض، يكون الهيكل المعَاد بناؤه أو المطهَّر مركزها. وتشير بعض المخطوطات إلى مدة زمنية مُحدَّدة مرتبطة غالبًا بأربعين سنة من الحرب أو أرقام رمزية قبل العصر الأبديّ. وهكذا رأى الإسينيون أنفسهم على أنهم البقية المختارة التي سترث هذا العصر الذهبيّ. كما نجد في مخطوطة الحرب أنها عبارة عن أربعين عامًا من الحرب تنتهي بانتصار الله (( John J. Collins, The Apocalyptic Imagination: An Introduction to Jewish Apocalyptic Literature, (Grand Rapids: Eerdmans, 2016), pp. 83-112
James C. VanderKam & Peter Flint, The Meaning of the Dead Sea Scrolls, (San Francisco: Harper San Francisco, 2002), pp. 321-334
Lawrence H. Schiffman, Reclaiming the Dead Sea Scrolls, (Philadelphia: Jewish Publication Society, 1994), pp. 236-250 )).
الغيورون
كان الغيورون قوميين مُتشدِّدين رأوا أن الثورة المسلَّحة هي الدافع لتدخل الله المباشر لإقامة ملكوته. واعتقدوا بأن الله سوف يُخلِّص إسرائيل بطريقةٍ معجزيةٍ من الاحتلال الرومانيّ ويُعيد الحكم الداوديّ. ورغم أن لاهوتهم أقل تطورًا من كتابات جماعة قمران، إلا أن فكرهم تضمَّن حكمًا أرضيًا بالبر تحت سلطة الله وتطبيق الشريعة بالكامل (( Josephus, The Jewish War, trans. by G. A. Williamson, rev. by E. Mary Smallwood, (London: Penguin Classics, 1981), pp. 132-133; 334-339
Richard A. Horsley, Bandits, Prophets, and Messiahs: Popular Movements in the Time of Jesus, (Minneapolis: Fortress Press, 1985), pp. 69-87 )).
التيارات الفريسية الرؤيوية
لم يكن جميع الفريسيين ذوي نزعة ألفية، لكن بعضهم ذا نزعة مسيانية ألفية واضحة. حيث كانوا يتوقعون مجيء المسيح الداوديّ الذي سيُطهِّر أورشليم، ويجمع الشتات، ويحكم بسلامٍ. وكانوا يؤمنون بقيامة الأبرار للمشاركة في الملكوت المسيانيّ قبل الدينونة الأخيرة. حيث تُصوِّر مزامير سليمان (17-18) مسيحًا يحكم جميع الأمم في أورشليم، وهي صورةٌ لملكوت ألفيّ واضح (( James H. Charlesworth, The Old Testament Pseudepigrapha Vol. 2, (New York: Doubleday, 1985), pp. 640-670
E. P. Sanders, Judaism: Practice and Belief, 63 BCE-66 CE, (London: SCM Press, 1992), pp. 299-310
Josephus, Antiquities of the Jews, trans. by William Whiston, (Peabody: Hendrickson, 1987), p. 477 )).
الحركات النبوية الرؤيوية
لم تكن هذه الحركات دائمًا طوائف مُنظَّمة، بل جماعات تتبع قادة كاريزماتيين. ومن أمثلة هذه الحركات: جماعة النبيّ ثوداس ((سفر أعمال الرسل 5: 36 ))، والنبيّ المصريّ ((سفر أعمال الرسل 21: 38 ))، حيث وعد هؤلاء القادة بإعادة تحقيق معجزات الخروج، واستحضار ملكوت الله فورًا. غالبًا ما تصوَّرت هذه الحركات تحوُّلاً سياسيًا وروحيًا مُباشرًا في يهوذا (( Josephus, Antiquities, pp. 535-536; 542-543
Martin Hengel, The Zealots: Investigations into the Jewish Freedom Movements in the Period from Herod I until 70 A.D, (Edinburgh: T&T Clark, 1989), pp. 199-212 )).
الحركات اليهودية-المسيحية المبكرة
وهي الحركة التي كانت في أواخر يهودية الهيكل الثاني، التي توقعت العودة القريبة للمسيح يسوع ليملك من أورشليم لفترةٍ، فسَّرها التقليد المسيحيّ اللاحق بأنها ألف سنة، واحتفظت بإطار الرؤيا أو الإعلان اليهوديّ: القيامة، ثم وليمة مسيانية، ثم استعادة إسرائيل (( N. T. Wright, Jesus and the Victory of God, (Minneapolis: Fortress Press, 1996), pp. 321-349
Richard Bauckham, The Theology of the Book of Revelation, (Cambridge: Cambridge University Press, 1993), pp. 100-118 )).
جماعات النصوص الرؤيوية الأخرى
وهي جماعات مثل جماعة أخنوخ الأول، خاصةً في كتاب ”الأمثال“ ((أخنوخ 37-71 ))، حيث تُصوِّر ”ابن الإنسان“ حاكمًا بالبرِّ على الأرض قبل الدينونة الأخيرة. وهناك أسفار عزرا الرابع [إسدراس الثاني] وباروخ الثاني التي كُتِبَت بعد خراب الهيكل مُباشرةً، لكنها حفظت فكر أواخر الهيكل الثاني، مثل حُكم المسيح لمدة 400 سنة قبل الملكوت الأبديّ (( Geroge W. E. Nickelsburg, 1 Enoch: A Commentary on the Book of 1 Enoch, Ch. 1-36; 81-108, (Minneapolis: Fortress Press, 2001), pp. 225-246
Michael E. Stone, Fourth Ezra, (Minneapolis: Fortress Press, 1990), pp. 213-214
R. H. Charles, The Apocalypse of Baruch, (London: A. & C. Black, 1896), pp. 82-89 )).
يستعرض رايموند براون تاريخ تطوُّر تعليم الملك الألفيّ الحرفيّ للمسيح، حيث يرى أن أصل هذا الاعتقاد موجودٌ في توترٍ مُعيَّنٍ بين التوقعات النبوية والتوقعات الرؤيوية. وإذا استعرضنا تاريخ المسيانية، فثمة توقع لم يُؤثِّر فيه السبي البابليّ وهو أنه سيأتي يوم يُعيد الله فيه مملكة داود ليحكمها ملك ممسوح نموذجيّ، وهو المسيا، والواقع أنه أُعِيدت قراءة الأسفار الأقدم عهدًا في إطار هذا المفهوم (على سبيل المثال عاموس 9: 11). وعلى الرغم من أن هذه المملكة، خُلِعَت عليها سمات مثالية وصُوِّرت على أنها مُميَّزةٌ إلا أنها ستكون مملكةً أرضيةً تاريخيةً، وفي كثير من الأحيان لا تكون علاقاتها بنهاية الزمان واضحةً. وعلى صعيدٍ آخر، وفي نظرة متشائمة للتاريخ، نجد أن بعض الكتابات الرؤيوية تذكر تدخُّل الله المباشر والأخير من دون أن تذكر بأيّ شكلٍ كان استعادة مملكة داود (إش 24-27، ودانيال، وكتاب صعود موسى، وكذلك كتاب رؤيا إبراهيم) ((رايموند براون، مدخل إلى العهد الجديد، تعريب: نيكلس نسيم، سلسلة آفاق كتابية 5، القاهرة: دار لوغوس ودار الأكويني، 2021، ص 1071. )).
يستطرد براون في نفس السياق ليُشِير أنه من بين طرق الجمع بين هذين التوقعين أن نضع تدخُّلين إلهيين: (1) استعادة مملكة أرضية، وفترة من الازدهار العظيم تعقبها. (2) انتصار الله في نهاية الزمان والدينونة. وحيث يكون هناك تأثير قويّ للفكر اليونانيّ-الرومانيّ، ربما تكون التوقعات التقليدية لعصرٍ ذهبيّ قد شكَّلت الوصف اليهوديّ للمملكة المسيانية. وقد استُخدِمَت أعداد مختلفة لترمز إلى مدة بقاء الفترة المتوقعة. وفي جزءٍ وصف أنها ”أسابيع رؤيوية“ ظهر مع القرنين الثالث والثاني قبل الميلاد. جاء في أخنوخ الأول أنه بعد انقضاء سبعة من الأسابيع العشرة، سيكون الأسبوع الثاني فترةً يسود فيها البرّ، أمَّا التاسع فهو الفترة التي سيتمُّ فيها الدمار، وفي العاشر تُحاكَم الملائكة، ويأخذنا هذا إلى الأبدية ((أخنوخ الأول 91: 12-17 )). وفي عزرا الرابع مع أواخر القرن الأول الميلاديّ، وُصف بانه بعد أن يضع الله نهايةً لجيل شرير، يحكم المسيا لمدة 400 سنة مع الأبرار على الأرض. ثم تأتي قيامة الأموات والدينونة ((عزرا الرابع 7: 28 )). وثمة تقليد مماثل عن إقامة طقوس الأبرار وقت ظهور المسيح نجده في باروخ الثاني مع أوائل القرن الثاني الميلاديّ ((باروخ الثاني 29-30 )).
وفي الكتابات الرؤيوية المسيحية يُقدِّم لنا ما جاء في كورنثوس الأولى ((كورنثوس الأولى 15: 23-28 )) هذا الترتيب: أولاً قيامة المسيح، ثم الذين ينتمون إليه، حيث يحكم حتى يضع أعداء تحت قدميه، ثم تأتي النهاية حين يُسلِّم المسيح الملكوت لله حيث يُحطِّم كل حُكم وسلطان وقوة. وبعد أن يكون بليعال قد حكم لمدة 1332 يومًا، يأتي الربُّ وملائكته وقديسوه ويُلقِي بليعال إلى جَهنَّم، تعقب ذلك فترة راحة لمَن هم في هذا العالم، وبعد ذلك سيُؤخَذون إلى السماء ((رايموند براون، مدخل إلى العهد الجديد، تعريب: نيكلس نسيم، سلسلة آفاق كتابية 5، القاهرة: دار لوغوس ودار الأكويني، 2021، ص 1071-1072. )).
ولكن يُعلِّق براون على نقطة اختلاف الأرقام في هذه التوقعات، الذي يجب أن يُحذِّرنا بأنه ليس أحد من هؤلاء الكتبة لديه معرفة حقيقية عن فترات الزمن المستقبلية، وفي الغالب الأعم ربما لم يقصدوا إطلاقًا أن تكون كتاباتهم دقيقةً. والواقع طبقًا للتحليل السابق ذكره آنفًا والخاص بالتوقعات الخاصة بالتدخُّل الإلهيّ الأول والخاص بإقامة مملكة، أو زمن مثاليّ في هذا العالم، وتدخُّل إلهيّ ثانٍ لاستبدال العالم الزمنيّ بالأبديّ، فبوسعنا أن ننظر إلى التدخُّلين على أنهما ببساطةٍ من الطرق الرمزية بالتنبؤ بانتصار إلهيّ على قوى الشرِّ والشيطان التي تُعد عائقًا أمام ملكوت الله أو الحكم على العالم بأسره. وعلى ذلك، فإن سفر الرؤيا لابد وأنه استخدم الحُكم الألفيّ ليسوع على الأرض، ليس لوصف مملكة تاريخية، بل كطريقةٍ للقول إن التوقعات الإسخاتولوجية سوف تتحقَّق ((رايموند براون، مدخل إلى العهد الجديد، تعريب: نيكلس نسيم، سلسلة آفاق كتابية 5، القاهرة: دار لوغوس ودار الأكويني، 2021، ص 1072. )).
ويستعرض ديفيد دي سيلفا جذور عقيدة الملك الألفيّ الحرفيّ للمسيح، حيث يتكلَّم سفر عزرا الرابع ((عزرا الرابع 7: 26-36 ))، الذي ربما كُتِبَ بعد بضع سنوات من كتابة سفر الرؤيا، عن مملكة مسياوية تدوم أربعمائة سنة، التي في نهايتها يموت المسيا وكل الذين معه. وسيرجع الكون إلى ”صمت بدائيّ لسبعة أيام“ (كما في بداية هذا الكون)، الأمر الذي تحدث بعده القيامة، والدينونة، والجزاء الأبدي ((ديفيد أ. ده سيلفا، مقدمة للعهد الجديد ج2: القرائن، المنهجيات، وتكوين الخدمة، ترجمة: القس الدكتور بيار فرنسيس، مراجعة: القس الدكتور حكمت قشوع، لبنان: دار منهل الحياة، 2014، ص 665. )).
ويستطرد دي سيلفا في نفس السياق مُتحدِّثًا عن سفر باروخ الثاني ((باروخ الثاني 29. ))، المعاصر لعزرا الرابع ولسفر الرؤيا، الذي يتكلَّم عن عصر مسياويّ ذي خصوبة مُميَّزة، حيث كل سنبلة قمح وكل عنقود عنب تُعطِي ما يكفي من الخبز والخمر لإشباع الكثير من الناس، قبل القيامة والدينونة. رؤيا مثل هذه غالبًا ما تتعرَّض للانتقاد كضربٍ من الخيال للانغماس والإشباع الدنيويّ، ولكن ربما ستكون رجاءً ملائمًا ومناسبًا لأولئك الذين عرفوا دائمًا الحاجة ليطلبوا ملكوتًا بينما يوجد في النهاية ما يكفي للجميع، حيث جميع الشعوب سيأخذون كفايتهم ((ديفيد أ. ده سيلفا، مقدمة للعهد الجديد ج2: القرائن، المنهجيات، وتكوين الخدمة، ترجمة: القس الدكتور بيار فرنسيس، مراجعة: القس الدكتور حكمت قشوع، لبنان: دار منهل الحياة، 2014، ص 665. )).
---
## الصدمة والحركة الطلابية
URL: https://tabcm.net/53045/
Type: post
Modified: 2026-02-18
رغم التناقضات التي حملتها حقبة سبعينيات القرن العشرين، لا يمكن أن نغفل أنها حققت نصرًا يحسب لجيش وشعب مصر ويسجل كأبرز تجليات الإرادة والعزيمة والمثابرة، وهو نصر لم يأت من فراغ، بل نتاج معاناة ممتدة، منذ لحظة الهزيمة ـ يونيو 1967ـ التي لم تكن مجرد هزيمة عسكرية، بل ضربة استفاقة نبهتنا إلى أمرين، أو لعلها طرحت سؤالين لماذا وقعت؟ وكيفية الخروج؟ لم تكن الهزيمة نتاج حرب عسكرية تواجهت فيها الجيوش، بل كانت نتيجة تداعيات الانفراد بالسلطة وتكريس حكم الفرد وقتل الديمقراطية، بعد قولبة الحياة السياسية وتبني انصهار التعددية السياسية لتنتج تنظيمًا أوحد طمس معالم التعددية فصارت مسخًا، يري كل من يخالفه عميلًا وخائنًا ورقمًا في ثورة مضادة.
أما سؤال الكيفية فيكشف عن حاجتنا للوقوف والبحث عن أسباب الهزيمة، وتحليلها، وإعادة الاعتبار للتخطيط والقراءة المتبصرة لواقعنا والبحث عما نملكه من أدوات وتوظيفها لاسترداد أرضنا وكرامتنا، كانت ثقة الشعب في جيشه نقطة الانطلاق والركيزة التي اعتمدت للسير في طريق إعادة هيكلة الرؤية السياسية والاقتصادية والعسكرية، وتجلى ذلك في تكافل كل محافظات ومدن الجمهورية مع “المهجرين” من محافظات ومدن “القنال”، استضافة وإقامة ومعيشة، وتبدأ مسيرة “حرب الاستنزاف” بكل تكلفتها البشرية والمادية، والتحول إلى اقتصاد الحرب، ومعها تختفي الصراعات والتحيزات تحت شعار “لا صوت يعلو على صوت المعركة”.
انتبهت القيادة السياسية لأهمية إعادة هيكلة القوات المسلحة، لوجستيًا وبشريًا، حتى وإن جاءت الانتباهة متأخرة، فأن تأتي متأخرة خير من أن لا تأتي، فعملت على إعادة تسليحها من عدة مصادر وابتعاث بعثات من رجالها للتدريب عليها في منابعها ومصادرها واستقدام خبراء لتدريب التشكيلات العسكرية عليها، وبالتوازي التوسع في تجنيد خريجي الجامعات ليمثلوا القاعدة الأساسية للجنود والضباط، وكان للتوجهان أثرهما الفاعل في استعادة بناء الجيش المصري، الذي يخوض حرب استنزاف مجيدة، عقب الهزيمة بشجاعة وفدائية، وكللت بنصر أكتوبر العظيم، وفي أثناءها يرحل الرئيس جمال عبد الناصر، 28 سبتمبر 1970، ويخلِّف رحيله صدمة عنيفة ترجمتها الحشود التي خرجت في وداعه، محملة بالكثير من علامات الاستفهام والقلق وتخوفات القادم وضبابيته.
ما بين الهزيمة والنصر سنوات لفتها صدمة مفارقة الصورة الذهنية التي كرسها ورسمها وروج لها إعلام المرحلة بريادتنا وقوتنا الضاربة وحلم الوحدة والقومية العربية والواقع الذي باغتنا، والذي كشف عن هشاشة هذه الصورة التي تبددت في ستة أيام، واللافت أن هذه المفارقة استمرت بصورة ذهنية مختلفة وواقع مفارق لها، وظني أننا بحاجة للإقرار بأن هذه الحالة المتجددة مع تعاقب الأنظمة لا يمكن تفكيكها وتصحيحها إلا بإعادة الاعتبار لمدنية الدولة بالمعايير التي استقرت في الدول المتقدمة، وتقوم على قواعد المواطنة والديمقراطية ومن ثم الحرية والعدالة والمساواة، وضمانتها تداول السلطة، بغير التفاف، وقطع كل رباطاتها بالأنظمة الفاشية الشمولية ذات الخلفيات والتوجهات الدينية والعسكرية. وفيها ـ الدولة المدنية ـ تتكامل وتتناغم كافة المؤسسات؛ السياسية والدينية والعسكرية والإبداعية، كتكامل وتناغم أجهزة وأعضاء الجسد الواحد.
قدر لي أن أعيش هذه السنوات وأنا أعبر المرحلة الجامعية، 1968 ـ 1972، التي تتفجر فيها الأسئلة ويتشكل فيها الوعي، تخايلها أحلام بلا سقف، يتربص بها واقع ما بعد سنوات الحلم محتشد بالتناقضات، والتقلبات المتسارعة.
كانت مرحلة مخملية، زهو مصري شكلته عوامل عدة وتنوع ثقافي وأقلام أدبية تغازل الوجدان بين تمرد يوسف أدريس، وقاهرة نجيب محفوظ الكاشفة لأسرار حواريها الشعبية، وإسقاطات إحسان عبد القدوس، ولغة د. طه حسين القشيبة، ومشاغبات محمود السعدني الولد الشقي، وتحليلات محمد حسنين هيكل السياسية المراوغة والمبحرة فيما يقصد نشره من دهاليز السياسة والرسائل التي تحملها، والصورة التي يسعى يوسف السباعي لرسمها عن مصر يوليو وتضاريسها، ومسرح سعد أردش وعبد الرحمن الشرقاوى.
وروايات توفيق الحكيم، التي قيل أنها كانت الملهمة لقادة يوليو 52، وتحديدًا روايته “عودة الروح”، الذي امتلك شجاعة مراجعة قناعاته والخروج عن النص، في موقفين حين كتب كتاب “عودة الوعي”، وحين كتب سلسلة مقالاته بالأهرام، تحت عنوان “حديث مع الله” ثم غيره إلى “حديث إلى الله”، وبين الكتاب والمقالات جمع بين عداوة الناصريين والإسلاميين.
والإسكندرية وريشة سيف وأدهم وانلي، وأسوان وخطوط بيكار الرشيقة، والدكتور لويس عوض وصدمة قراءاته المختلفة لتاريخ الفكر المصري في العصر الحديث، بين القرنين التاسع عشر والعشرين، ومعاركه الفكرية مع التراث وفقه اللغة، وحكايات أنيس منصور التي تخلط بين الواقع والتوهمات، وصحافة الأخوين مصطفى وعلي أمين المبتكرة والجريئة، والقائمة ممتدة بين الأدب والسياسة والمسرح وشتى صور الإبداع، بما لا يمكن حصره.
لكننا لم نلتفت وقتها أن جل هؤلاء كانوا نتاج مرحلة سابقة ليوليو، تسمى في الأدبيات السياسية “شبه الليبرالية وشبه الديمقراطية”، وهو وصف نحته الصديق والمحلل السياسي نبيل عبد الفتاح، أحد أقطاب مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بمؤسسة الأهرام الصحفية المصرية.
كانت سنوات “68 ـ 73″ كاشفة لمعدن المصريين، وأصالتهم، عندما اجتمعوا على قلب رجل واحد، في إصرار وجسارة، لينفضوا عن وطنهم عار الهزيمة، في تحمل لتكاليف اقتصاد الحرب وضبابية المشهد، ونزق المغامرات العسكرية، كان نبض الشارع يترجمه شباب المرحلة، والذي لم يقبل أن تمر الهزيمة دون مراجعة ومحاسبة، لتشهد الجامعات المصرية أول انتفاضة، في عصر الجمهورية، عقب صدور أحكام مخففة على قيادات الطيران في 20 فبراير 1968، وهي الانتفاضة التي أعلنت ولادة الحركة الطلابية الجسورة التي فرضت نفسها على المشهد السياسي فيما بعد، وشكلت جدارًا من المعارضة الواعية التي تجلت في الحراك السياسي في السبعينيات وحتى حراك يناير 2011.
وكانت أهم محطات الحركة الطلابية، إضرابات الطلاب عام 1968 التي أُغلقت بسببها الجامعات وتم تعطيل الدراسة بها ما يقرب من الشهرين، وعلى إثرها صدر ما عرف بـ”بيان 30 مارس” الذي ألقاه الرئيس جمال عبد الناصر في سعي لامتصاص غضب الشارع وحمل رؤية مفصلة لخطة العمل السياسي في المرحلة التالية، وقدم فيه خارطة طريق للحراك السياسي فيما بعد، وقد توقفت أمام بعض سطور البيان، أستأذن القارئ في نقلها هنا، ولعله يكتشف معي بعد مرور ما يزيد على النصف قرن أنها كانت رؤية متكاملة من جانب ورؤية تدرك مفاتيح مغازلة العقل الجمعي ومداخله، وأن مضمونها يتكرر في دورات بصيغ مختلفة، تقول تلك السطور:
• قبل الآن لم يكن في مقدورنا أن ننظر إلى أبعد من مواقع أقدامنا؛ فلقد كنا بعد النكسة مباشرةً على حافة جرف معرض للانهيار في أى وقت. وكان واجبنا في ذلك الظرف يحتم علينا – قبل أى شىء آخر- أن نتحسس طريقنا إلى أرض أصلب تتحمل وقفتنا، وأرض أرحب تتسع لحركتنا.
• بحيث يكون في مقدورنا اليوم أن نقول بأمل في الله عظيم: إنه الآن يصبح في إمكاننا أن نتطلع إلى المستقبل. ومن دلائل الخير أن يكون ذلك في مقدورنا اليوم في ذكرى عيد الهجرة بما تحمله إلى المؤمنين من معانى التضحية فداءً للمبدأ، والنضال المستمر من أجل الحق، والصبر على المشاق في سبيل نصر الله عزيزًا وصادقًا.
أولًا: إننا استطعنا إعادة بناء القوات المسلحة.
ثانيًا: إننا استطعنا تحقيق مطلب الصمود الاقتصادي.
ثالثًا: إننا استطعنا تصفية مراكز القوى التي ظهرت.
رابعًا: إننا استطعنا -وهذه مسألة أخلاقية ومعنوية أعلق عليها قيمة كبيرة- أن نضع أمام الجماهير -بواسطة المحاكمات العلنية- صورة كاملة لانحرافات وأخطاء مرحلة سابقة.
خامسًا: إننا استطعنا أن نقوم بجهد سياسي واسع على جبهات عريضة؛ جبهات عربية وجبهات دولية.
ويضيف أننا نسعى أن يكون في يدنا برنامج عمل محدد، ندرسه معًا، ونقره معًا، وتتفق عليه إرادتنا جميعًا.
(جمال عبد الناصر)
يرحل الرئيس جمال عبد الناصر 28 سبتمبر 1970، في لحظة غائمة ومرتبكة، ويخلفه الرئيس محمد أنور السادات، الذي يحمل رؤية مختلفة، وحنكة اختزنت كل موروث الفلاح المصري الذي استطاع أن يراوغ أطياف الحكم التي تداولت عليه، وبها استطاع الرئيس السادات أن يمتص تخوفات وقلق القوى السياسية، وقتها، ويكتسب ثقة الشارع الذي لم يكن لديه مساحة لأحد غير عبد الناصر في ذهنه ووجدانه.
لكن الحركة الطلابية لم تهدأ ومثلت واحدة من أدوات الضغط التي انفجرت مجددًا عام 1972، الذي عُرف بعام الضباب، مطالبة بالثأر واسترداد الأراضي المحتلة والكرامة المجروحة، وتتغطى جدران الجامعة بما عرف وقتها بـ”جرائد الحائط” التي تحمل غليان طلبة الكليات، ويتابعها آلاف الطلبة، وتنقل عنها وسائل الإعلام المحلية والعالمية، وكانت تتجدد على مدار الساعة، فيما يشبه حوائط العالم الافتراضي اليوم، حتى تأتي معركة السادس من أكتوبر 1973، لتصبح حدثًا فارقًا، ويعقبها معارك دبلوماسية وقانونية لاستكمال تحرير واسترداد بقية أراضينا المحتلة وأخرها “معركة استرداد طابا”. التي توجت باحتفال تاريخي برفع علم مصر معلنًا السيادة على طابا وإثبات حق مصر في أرضها في 19 مارس 1989.
قدمت الحركة الطلابية العديد من الرموز الشابة للحياة السياسية، اشتبكوا معها بغير توقف وكان لهم، بعد أن غادروا مرحلة الشباب، أدوارًا فاعلة في تشكيل الخريطة السياسية وكان أبرز تجلياتها في ثورة 25 يناير 2011 وفي تشكيل أبرز أحزاب تلك المرحلة.
بين هزيمة 67 وانتصارات أكتوبر وتوقيع معاهدة السلام تشهد مصر تحولات فارقة، كان بطلها الرئيس أنور السادات، على مستويات وأصعدة وفضاءات مختلفة كان أبرزها؛ الانقلاب على الخط الناصري، وإحياء التيار الإسلامي الراديكالي، الذي وضع نقطة النهاية في حياته باغتياله في 6 أكتوبر 1981، والتحولات الاقتصادية من النقيض للنقيض.
---
## أوهام أوروبا الموحدة
URL: https://tabcm.net/53036/
Type: post
Modified: 2026-02-17
الحقيقة أن الحديث عن كيان متكامل موحد، اسمه الاتحاد الأوروبي، قادر على التصدي للولايات المتحدة أو منافستها، ولو بعد حين، هو حديث غير واقعي وغير دقيق. فالتنافسية بين الدول الأعضاء ربما تكون أكثر حدة من التنافسية بين الكيان الأوروبي والولايات المتحدة.
ربما لا يعرف الكثيرون أن الحواجز الداخلية في أوروبا، تُعادل تعرفة جمركية بنسبة 45% على الصناعات التحويلية، و110% على الخدمات، وأن هذه الحواجز تُقلص فعليًا السوق التي تعمل فيها الشركات الأوروبية، فتجارة دول الاتحاد الأوروبي تقل عن نصف حجم تجارة الولايات الأمريكية.
حين تحدث المستشار الألماني فريدريش ميرتس في مايو 2025، عن تحديث الجيش الألماني ((المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات: هل تتحول ألمانيا إلى القوة العسكرية الأولى في أوروبا؟ بتاريخ 29 أكتوبر 2025. ))، وبعد التصفيق الحاد، عاد إلى أرض الواقع ليكتشف أنه يواجه معضلتين لتحقيق ما وعد به:
تقريبًا نصف حجم المعدات والأسلحة سيضطر إلى استيرادها من الولايات المتحدة، وعلى رأسها طائرات F35 وصواريخ توما هوك.
أنه لا يمتلك القوة البشرية اللازمة لزيادة عدد الجنود، بسبب التركيبة الديموغرافية، حسبما نقل الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون في أوائل 2026، أن غالبية المجندين قد يكونون من المسلمين، وهو ما يخشاه المسؤولون الألمان ((Serbian Times: CARLSON ON THE SITUATION IN GERMANY: They Are Hesitant to Introduce Mandatory Military Service Due to the Large Number of Muslims! (VIDEO) )).
كما استبعد المستشار الألماني؛ فريدريش ميرتس، أن يكون مقترح إنشاء جيش أوروبي مشترك أمرًا قابلًا للتحقيق، وذلك ردًا على دعوة أطلقها مانفريد ڤيبر، زعيم حزب الشعب الأوروبي((دويتش ڤيله: سياسي ألماني محافظ يدعو لتأسيس جيش أوروبي مشترك. بتاريخ 9 ديسمبر 2021. )).
وفقًا لمراكز الأبحاث الأوروبية، ينبغي على أوروبا، لمواكبة الولايات المتحدة والصين، أن تستثمر ما يصل إلى 800 مليار يورو (857 مليار دولار) في البحث والتطوير والبنية التحتية والدفاع. من شأن ذلك أن يرفع إجمالي الاستثمار من 22% إلى 27% من الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي. وهو أمر صعب الحدوث؛ حيث يتوقع صندوق النقد الدولي أن ينمو الاتحاد الأوروبي بنسبة 1.2% فقط في السنوات المقبلة، بينما يتوقع نموًا مضاعفًا للولايات المتحدة ((Carlos Carnicero Urabayen, Funcas Europe: Can Europe compete in a world dominated by the U.S. and China? 26 February 2025 )).
إحدى المشكلات الأساسية هي فشل أوروبا في تطوير صناعات التكنولوچيا المتقدمة التي تهيمن على الأسواق العالمية، الأمريكية والصينية أيضًا. فالقارة تضم شركات ناجحة في القطاعات التقليدية -كالتصنيع والسيارات والصناعات المتوسطة التقنية- لكنها تفتقر إلى عمالقة التكنولوچيا وقادة التكنولوچيا الحيوية الذين يقودون الابتكار في الولايات المتحدة والصين ((Bernd Riegert, Deutsche Welle: How can EU compete with US, China and others? 9 November 2024 )).
ومع سياسات الرئيس الأمريكي؛ دونالد ترامپ، من المتوقع أن تواجه الشركات الأوروبية المزيد من العقبات في التصدير إلى الولايات المتحدة، مما يضع مزيدًا من الضغوط على اقتصادياتها.
أيضًا، من أكبر عقبات الإنتاج والابتكار في أوروبا: البيروقراطية. يحتاج الاتحاد الأوروبي إلى تبسيط قنوات صنع القرار والحد من البيروقراطية المُفرطة والمُكلفة. يؤكد خبراء وحتى كثير من السياسيين أنه لا يوجد تنسيق في أوروبا في المجالات المُهمة، ولم تتطور قواعد صنع القرار الأوروبية بشكل جوهري مع توسع الاتحاد الأوروبي وازدياد تعقيد البيئة العالمية.
حتى القرارات السياسية المتعلقة بالأزمات العالمية، رأينا فيها مواقف متباينة من الأعضاء. ويحضرني هنا، فيما يخص منطقتنا العربية: احتلال العراق في 2003، الموقف من حرب غزة، وحتى التعامل مع الملف النووي الإيراني.
التشريعات الأوروبية تستغرق في المتوسط 19 شهرًا، وهي مدة طويلة للغاية. ومنذ عام 2019، أصدر الاتحاد الأوروبي 13 ألف قانون لتنظيم اقتصاده، مع ارتباك في تنفيذها، بينما لم تصدر الولايات المتحدة سوى 3 آلاف قانون فقط، ونفذتها جميعًا.
ويبقى العامل الأهم والأكبر، وهو التنافس السياسي على قيادة الاتحاد.
وبعيدًا عن المنافسة الإسبانية الفرنسية، حتى على مقرات المؤسسات الأوروبية، تأتي المنافسة التاريخية بين فرنسا وألمانيا.
استطاعت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل قيادة أوروبا لمدة تجاوزت العشرين عامًا، وعبرت بها أزمات سياسية واقتصادية عدة، واستطاعت إحداث توازن بين علاقة أوروبا مع روسيا والولايات المتحدة على حد سواء.
والآن مع ضعف القيادة الألمانية بعدها، برز الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، محاولًا ملء الفراغ الذي خلفته ميركل ورائها.
نجح ماكرون في بعض الملفات، لكنه كما يُقال، يقود أوروبا على الطريقة الفرنسية، وهو ما صرحت به بعض چيزين ويپر، زميلة في صندوق مارشال الألماني، ومتخصصة في الأمن الأوروبي:
في مجالات من السياسة الخارجية، كان ماكرون يحاول تعزيز المصالح الأوروپية على غرار الخطوط الفرنسية: لقد أصبحت أوروپا فرنسية للغاية خلال السنوات الخمس الماضية. ((Matthew Ward Agius, Deutsche Welle: Could France’s Macron be the new leader of Europe? 7 April 2025 ))
(Gesine Weber)
الرئيس ترامپ يعلم مدى الترهل في الجسد الأوروبي، واستقبال قادة أوروبا لخطاب ماركو روپيو، لم يكن استباقًا لهدنة يحتاجونها لترتيب أوضاعهم، فهي أعقد من أن تحل خلال 3 سنوات باقية لترامپ.
لذلك، الخطاب ظهر وكأنه طوق النجاة لهم؛ فهم لن يضطروا إلى تحديث جيوشهم وإعادة النظر في اقتصادهم، حتى لو كانت الشراكة “وهمية” مع واشنطن.
---
## بيان دعم وإدانة
URL: https://tabcm.net/48387/
Type: post
Modified: 2026-02-17
نحن، مجموعة من المثقفين والإعلاميين والسياسيين العرب والمصريين،
نُعرب عن إدانتنا الشديدة واستنكارنا القاطع لما يجري في سوريا من تصعيد دموي خطير، في ظل اللقاءات والاتفاقات التي عُقدت في باريس بين ما تُسمّى “الحكومة المؤقتة” والجانب الإسرائيلي، وبحضور رسمي تركي ممثل بوزير الخارجية؛ هاكان فيدان، بما يكشف بوضوح طبيعة المسار السياسي الجاري، ومآلاته الخطيرة على وحدة سوريا وشعبها.
لقد بات جليًا أن المشروع الذي يُراد فرضه على سوريا اليوم هو مشروع إقصائي أحادي، تقوده عقلية الإسلام السياسي، لا ترى في سوريا وطنًا متعددًا، بل ساحة إخضاع، ولا تعترف بتنوعها الديني والقومي والثقافي، بل تسعى إلى فرض نموذجها بالقوة والعنف والتطهير الرمزي والمادي.
وإذ ندين بأشد العبارات الهجمات التي تنفذها الفصائل المتطرفة وبقايا تنظيمات داعش والقاعدة، الموجودة عمليًا ضمن تشكيلات ما يُسمّى “جيش الحكومة المؤقتة”، فإننا نحمّل هذه الحكومة المسؤولية السياسية والقانونية والأخلاقية الكاملة عن الجرائم المرتكبة بحق المدنيين، من قتل وخطف وتهجير واستهداف مُمنهج.
لقد شهدنا في الأشهر الماضية جرائم مروعة بحق المدنيين في الساحل السوري والسويداء، من علويين ودروز ومسيحيين، وها نحن اليوم نشهد تكرار المشهد ذاته في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، وهما حيّان ذوا غالبية كردية، في استكمال واضح لمسار استهداف المكونات السورية واحدًا تلو الآخر.
إن قتل المدنيين بسبب انتمائهم الديني أو القومي، أيًا كان هذا الانتماء، هو جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية، لا يمكن تبريرها ولا التغطية عليها ولا القفز فوقها سياسيًا أو إعلاميًا.
كما ندين بشدة استهداف المستشفيات ودور العبادة، بما فيها:
مستشفى خالد فجر، مستشفى عثمان، ومستشفى ياسين،
إضافة إلى استهداف المساجد والكنائس، وقتل الأطباء والممرضين والمسعفين، في انتهاك صارخ لكل القوانين الدولية والإنسانية، ولكل ما تبقى من معنى للمدنية والإنسان.
وندين كذلك الدور الذي تلعبه بعض وسائل الإعلام التي تضلل الرأي العام، وتحجب الحقيقة، وتسوّغ الجريمة، وتساند القاتل بدل أن تقف مع الضحايا والمدنيين الأبرياء.
ونُذكّر بأن ما يجري اليوم هو أيضًا نتيجة مباشرة لتهرّب الحكومة المؤقتة من الالتزام باتفاقي 1 أبريل و10 مارس، وعدم احترامها لمسار الحوار والتفاهم، واختيارها طريق القوة بدل السياسة، والعنف بدل الشراكة الوطنية.
إن ما عبّر عنه أهل الشيخ مقصود والأشرفية، كما عبّر عنه أهل السويداء والساحل وغيرهم، ليس تمرّدًا، بل إرادة سورية حرة، ترفض الخضوع لمشروع هيئة تحرير الشام، وترفض اختزال سوريا في هوية واحدة، أو إخضاعها لمنطق الميلشيا والوصاية والتكفير السياسي.
وعليه، فإننا نطالب بـ:
الوقف الفوري لكل العمليات العسكرية ضد المدنيين في جميع المناطق السورية.
العودة إلى الاتفاقات الموقعة، والالتزام بمسار الحوار السياسي الشامل.
فتح تحقيقات دولية مستقلة في الجرائم المرتكبة بحق المدنيين والطواقم الطبية.
دعوة الدول العربية، والجامعة العربية، والمجتمع الدولي، لتحمّل مسؤولياتهم القانونية والأخلاقية، والعمل الجاد لوقف المجازر وحماية المدنيين، والدفع نحو حل سياسي عادل يضمن وحدة سوريا وتنوعها وكرامة شعبها.
إن سوريا لن تُبنى بالإقصاء، ولا تُحكم بالسلاح، ولا تُوحَّد بالعنف، بل بالاعتراف بتنوعها، وبالعدالة، وبالشراكة، وبالسياسة، لا بالقتل.
المجد للضحايا الأبرياء،
والحرية لسوريا،
والعدالة لكل أبنائها.
---
## چيفري إدوارد إپستين
URL: https://tabcm.net/51732/
Type: post
Modified: 2026-02-16
في جملة بتتكرر كل ما حد يقرأ حكاية جيفري إبستين: إزَّاي واحد بدأ مُدرِّس رياضيات/فيزياء، وخرج من التدريس، يبقى بعد كام سنة واقف جوه قلب دوائر المال والسلطة، ويبان كأنه ماسك خيوط ناس “كبار”؟
واللي نعرفه من الوقائع ببساطة إن قصته كانت ماشية كده:
مُدرّس في مدرسة ولاد ناس مؤثرة (مدرسة غالية بتجمع ناس ليهم نفوذ) والغِنى هنا مش هو المشكلة.
علاقات مع أولياء أمور أغنياء، والغِنى برضه مش المشكلة.
وول ستريت (قلب أسواق المال في مانهاتن: بنوك استثمار، بورصة، وشركات بتدير فلوس الدنيا) هنا يبدأ يبان اتجاه القلب: طموح بيجري ورا “ممالك العالم” أكتر ما هو بيدوّر على حياة سليمة.
بير ستيرنز (دخل عالم البنوك والاستثمار من أوسع أبوابه) وهنا فكرة “الصيد” بتبدأ: لما الشهوة تبان، الطُعم يبقى جاهز.
إدارة ثروات (شركة خاصة تشتغل مع ناس معاهم مليارات) هنا الطُعم اتقدَّم: نفوذ أسرع، باب أوسع، وسُلّم أقصر.
ملياردير “فاتح له الأبواب” (ليزلي وكسنر، العميل الأكبر والبوابة الأهم) وهنا الصيد اكتمل: ظهر الراعي، واتفتحت أبواب ما بتتفتحش لأي حد.
نفوذ وممتلكات (بيت فخم في مانهاتن، ثم توسّع في الملكيات) وهنا “ممالك العالم” بقت حقيقة في إيده أكتر وأكتر.
شبكات علاقات (سياسة، بيزنس، مشاهير، ودوائر مغلقة) وهنا طريق الهلاك بقى “عادي”، لأن اللي حواليه ساكتين أو مستفيدين.
طيّارة وجزيرة (حياة فوق الطبيعي لواحد “بدأ من تدريس”).
شبكة بتستدرج بنات قاصرات بحجج “شغل/فلوس/وغيره”، وبعدين الموضوع يتدرّج في البشاعة: استغلال، تعدّي، إكراه، اعتداء، ثم اتجار وإدارة شبكة. ومع التدرّج ده: رشوة، وسكوت، وخداع، وهنا يبان أوجه الشر وأجندته، سفك دم الأبرياء واستغلال الضعفاء.
صفقة قضائية مُخفَّفة بشكل صادم: بدل ما يتحاكم على تهم تقيلة تفضي لسنين طويلة، اتعملت له تسوية خففت التهم والنتايج، وخد عقوبة أقل بكتير من اللي تخليه يقف وقفه شديده مع نفسه.
رجع يعيش كأن مفيش حاجة: سهرات، علاقات، سفر، نفوذ، رغم إنه اتسجّل رسميًا كمعتدٍ جنسي، وهنا كعادته بدأ ينسج “حبل التبريرات” اللي مع الوقت هيتحول لحبل معقود بعناية على مدار حياته كلها، يستخدمه قرب النهاية.
الملف اتفتح من جديد: تحقيقات وضغط عام رجّعوا القضية للواجهة، والكشف بدأ يزيد، والضغط علي،عشان يواجه الحقيقة بدل ما يهرب منها.
اعتقال تاني: قبضوا عليه بتهم اتجار جنسي/استغلال قاصرات.
نهاية قبل المحكمة: مات في السجن قبل ما يتحاكم، والناس ما بين “انتحار” و”شكوك إن حدّ قتله”.
هنا يجي السؤال النفسي/الروحي: هو الصعود ده كان مجرد “ذكاء و علاقات”؟ ولا فيه بُعد أعمق…؟
فيه آه. إبليس رئيس هذا العالم ساعات يبني “سُلّم سريع” للي عنده قابلية، ويغريه بطُعم يناسب شهوته: نفوذ، لذّة، حصانة، وإحساس إنك فوق القانون. لحد ما الإنسان يتحوّل لأداة في إيد الشر تنفّذ رغبته، وتضرب أضعف مكان في الإنسانية: وأهمهم الأطفال.
وأنا بقرأ المعنى ده، جه في ذهني مشهد تجربة المسيح على الجبل:
ثم أخذه أيضا إبليس إلى جبل عال جدا، وأراه جميع ممالك العالم ومجدها، وقال له: «أعطيك هذه جميعها إن خررت وسجدت لي». حينئذ قال له يسوع: «اذهب يا شيطان! لأنه مكتوب: للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد».
(إنجيل متى 4: 8-10)
ثم أصعده إبليس إلى جبل عال وأراه جميع ممالك المسكونة في لحظة من الزمان. وقال له إبليس: «لك أعطي هذا السلطان كله ومجدهن، لأنه إلي قد دفع، وأنا أعطيه لمن أريد. فإن سجدت أمامي يكون لك الجميع». فأجابه يسوع وقال: «اذهب يا شيطان! إنه مكتوب: للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد».
(إنجيل لوقا 4: 5-8)
التجربة دي مش مجرد “إغراء لحظي” لسقوط وقتي. دي كشف لطريقة الحيّة القديمة كمنهج حياة: تعدك بسلطان وغِنى داخل نظام العالم،بس بثمن واحد: السجود. يعني طاعة، وتنازل داخلي، وتسليم القيادة لرئيس العالم، وروح ضد المسيح.
إبليس لما عرض على المسيح “الممالك”، ماكنش بيرمي كلام في الهوا ولا “فلوسه على الأرض”. كان بيقدّم صفقة: [تملِك، مقابل خضوع]. لكن المسيح حسم الصفقة من جذرها وردّ ردّ قاطع: «اذهب يا شيطان… للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد.»
وإبليس ماكنش “كذّاب” في حتّة” هتِملِك” من منظور شهوة قلبة. يعني يفتح لك فعلًا باب نفوذ وسلطان. بس قدّام ده هيستنزفك، ويستعبدك، ويستخدمك لهلاك أكبر عدد ممكن من اللي حواليك. وفي الآخر هتخسر نفسك اللي كنت فاكر إنك بتربحها.
وعشان كده المسيح كان حاسم، لأنه عارف طبيعة إبليس زي ما قال الكتاب: …كَذَّابٌ وَأَبُو الْكَذَّابِ، وَكَانَ قَاتِلًا لِلنَّاسِ مِنَ الْبَدْءِ…
ونفس النهج أتكرر مع إبستين، وبيتكرر معانا كلنا بدرجات مختلفة. يكفي إبليس يشم خيط صغير جوّه النفس: طموح بلا ضمير على حساب الآخرين، حب سيطرة، شهوة، أنانية، فيرمي الطُعم. ولو الإنسان شبك بالطُعم، يبدأ يطلع بسرعة، وبعدين يفضل يخدع نفسه بحيل بتتعقّد مع الوقت، ويبرّر لنفسه، لحد ما “ينكشف”. ولحد ما العَفَن اللي جوّه الميّت اللي ساكن في الإنسان تطلع ريحته، وساعتها مايبقاش قدّام الناس غير إنهم “يطلبوا الحكومة” على رأي أطاطة.
والمرعب إن السقوط والدينونة بييجوا فجأة، على عكس ما الشرير المتكبر متخيل. يصحى يلاقي الأبواب اتقفلت، والحصانة اتكسرت، والدوائر اللي كانت حواليه بدأت تتخلى عنه. ثم نهاية: موت، وفي الأغلب “انتحار”. وكأن الخيوط اللي حبكها سنين في تبريراته لنفسه اتحولت في الآخر للحبل اللي خنق بيه نفسه.
المخيف إن في طرق بتبان “نجاح” وهي في الحقيقة صفقة مهلكة. والأمين مع نفسه فقط، اللي بيرفض الطُعم والسجود لشهوة وغرور قلبه، هو اللي يقدر ينجو منها.
لأنه ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟
(إنجيل متى 16: 26)
---
## أزمة كنيسة حلوان بين المواطنة والقانون
URL: https://tabcm.net/52396/
Type: post
Modified: 2026-02-14
هدأ الحديث عن أزمة كنيسة السيدة العذراء والبابا كيرلس بمنطقة الزهور في مدينة 15 مايو جنوب القاهرة، بعدما لفتت مشكلات جديدة انتباه المواطنين لمتابعتها، وهي فرصة للحديث عن الأزمة بهدوء، وبحث عدم تكرارها مجددًا، في أماكن أخرى سواء من قبل الكنيسة أو المواطنين، أو جهات إنفاذ القانون في القطاعات المختلفة من الدولة، وحتى كتابة هذه السطور لا يزال 13 مسيحيًا محبوسين وقيد التحقيق من قبل النيابة العامة، بعدما تم رفض الاستئناف المقدم من قبل الدفاع عنهم في 11 فبراير الجاري.
بغض النظر عن واقعة كنيسة 15 مايو، فهناك ميراث طويل من عدم الثقة بين الدولة والكنيسة. تاريخيًا، عانى المسيحيون في بناء الكنائس. وكان النمط السائد في الفترة بين 1981 و2011، وهي فترة حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، هو عدم وجود قانون لبناء وترميم الكنائس. وكان دخول الجنة أسهل من الحصول على تصريح لترميم دورة مياه في كنيسة قائمة. وكان بناء الكنائس يتم بالتحايل، حيث يحصل المسيحيون على قطعة أرض يتم الإعلان أنها ستُبنى كمصنع أو عمارة سكنية، ثم بعد إقامتها يتم الإعلان أنها كنيسة، فيتفجر الوضع مجتمعيًا باعتراض المسلمين على بناء كنيسة وتتدخل الجهات الأمنية ويتم وضع تسويات تكرس لوضع غير دستوري وغير قانوني وضد مفهوم المواطنة، في بقاء الكنيسة دون تراخيص، مع استمرار حالة من الاحتقان بين المواطنين المسلمين والمسيحيين، وتدخل التكتلات والجماعات لممارسة دور الدولة، وغياب أجهزة الدولة عن تأدية دورها بمهنية، وبدلًا من ذلك، تُدار بتسويات لا تصح وفق مفهوم الدولة والقانون.
رغم صدور قانون بناء وترميم الكنائس رقم 80 لعام 2016، وتقنين أوضاع كنائس قائمة منذ صدور القانون، إلا أن أزمة عدم الثقة لا تزال قائمة بين أجهزة الدولة والمسؤولين في الكنيسة. وتجلى هذا في قصة كنيسة 15 مايو، فقد حصلت الكنيسة على قطعة أرض مساحتها 1950 مترًا مربعًا. تم بناء سور حول القطعة، لكن كما تم الإعلان في بيان إيبارشية حلوان والمعصرة التابعة لها الكنيسة، فقد تم التوسع عن مساحة الأرض المخصصة وبناء سور حولها. وجاءت جهات إنفاذ القانون من أجل هدمه، فتجمع المسيحيين الرافضين لهدم السور المبني حول قطعة الأرض، وقامت أجهزة الشرطة بالاستعانة بفرق الأمن المركزي لتفريق التجمع، وتم إلقاء قنابل مسيّلة للدموع، والقبض على 58 شخصًا من الموجودين بمحيط الاشتباكات، منهم كاهن الكنيسة.
بالتأكيد تقع مسؤولية على الكنيسة كمؤسسة في عدم الالتزام بقطعة الأرض المخصصة من قبل جهاز مدينة 15 مايو، ولكن كذلك تقع مسؤولية على جهات إنفاذ القانون التي وجدت نفسها في اشتباك شعبي كان يمكن تجنبه بطرق أكثر سلمية وقانونية وأقل عنفًا. وبدلًا من مواجهة المواطنين بفرق مكافحة الشغب، كان يمكن إيجاد وسائل سياسية مع قيادات الكنيسة، وأقصد هنا أسقف الإيبارشية أو البابا، من أجل إنفاذ القانون وإزالة التعديات.
الحكومة لا تسير على خطى الرئيس
اللافت للنظر هنا هو حدوث أزمة بدأت تختفي بشكل كبير من الفضاء العام خلال السنوات الأخيرة، وهي الاعتراض على بناء كنيسة كما كان يحدث في الماضي. فمنذ بدأ رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي تقليد زيارة الكاتدرائية في قداس عيد الميلاد منذ 6 يناير 2015، وتكفل الدولة ببناء كاتدرائية ميلاد المسيح في العاصمة الإدارية، ثم قانون بناء وتقنين الكنائس في 2016. وفي ديسمبر 2018، خلال افتتاح مشروع أهالينا 1 لتطوير منطقة عشوائية في شرق القاهرة، انتشرت عبارة فين الكنيسة يا عماد؟ للرئيس عبد الفتاح السيسي، حينما كان يتم عرض المنطقة التي تم تطويرها وذكر المنشآت الخدمية (المسجد والمدرسة والوحدة الصحية) ولم توجد كنيسة. وأمر الرئيس ببناء الكنيسة في مشروع أهالينا 2 المواجه لأهالينا 1، وهو ما تم بالفعل وبنت الدولة الكنيسة ودشنها البابا تواضروس في وقت سابق.
لكن هذا النهج المتسامح والداعم لحرية الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية، والداعم للمواطنة وحق كل مجموعة دينية في ممارسة شعائرها، والقادم من أعلى هرم السلطة في الدولة، ربما لا يجد طريقه في النزول ليشمل بقية قاعدة هرم السلطة بالنسبة للموظفين الأصغر. فنجد مجلس الوزراء يصدر تهنئة للإخوة الأقباط/المسيحيين، بدلًا من استخدام خطاب “يهنئ المواطنين المسيحيين/المصريين المحتفلين بعيد الميلاد”، أو كما فعل وزير العمل السابق محمد جبران قبل عيد الميلاد 2026، بتقسيم إجازات أعياد المسيحيين حسب الطائفة، وهو نهج مخالف لمفهوم المواطنة ((نادية هنري، ضبط الخطاب الرسمي التزام دستوري لا خيار سياسي. )).
موقف آخر يوضح عدم الثقة لدى قيادات الكنيسة من الأساقفة والكهنة في المسؤولين الحكوميين في الدرجات الأدنى من الوزراء. أنقله كما حكاه القمص روفائيل الأنبا بيشوي، النائب البابوي في مدينة العبور التي تتبع إيبارشية البابا بالقاهرة، ففي قداس تدشين كنيسة السيدة العذراء والأرشيدياكون حبيب جرجس في 22 أغسطس 2024، وفي حضور البابا تواضروس، حكى القمص روفائيل أن أرض هذه الكنيسة خُصصت بأمر مباشر من الرئيس عبد الفتاح السيسي عام 2018، عندما كان يفتتح مجموعة مشروعات للمدن الجديدة بمدينة العلمين. وخلال شرح المشروعات المنجزة، سأل الرئيس عن الكنيسة، وقيل له إنه لم يطلب أحد أرضًا لبناء كنيسة، فقرر الرئيس أن يتم تخصيص قطعة أرض لبناء كنيسة في كل مدينة جديدة، وفقًا لرواية النائب البابوي.
وقال القمص روفائيل إن رئيس الجهاز وقتها طلب منه العمل دون انتظار التراخيص، وبعدما بدأ في وضع الأساسات، أرسل رئيس الجهاز لوادر لهدم ما تم إنجازه، مشيرًا إلى أن من طلب منه العمل هو رئيس الجهاز، كما أشار إلى أنه حصل على أرض كنيسة في الحي الترفيهي الذي تعيش فيه ألف أسرة وتحتاج لكنيسة، لكن ليس عن طريق الجهاز بل عن طريق مسؤول في مجلس الوزراء.
يتضح مما رواه القمص روفائيل بخصوص كنيسة العبور الجديدة، وما حدث في كنيسة 15 مايو، أن هناك أزمة ثقة لدى قيادات الكنيسة في المسؤولين في الدرجات الأدنى من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والوزراء. ويبدو أن النهج الذي أقره رئيس الجمهورية لمواجهة التمييز وترسيخ التسامح الديني لا يستجيب له المسؤولون الحكوميون في الدرجات الأدنى.
العمل الاجتماعي بدلًا من الرعوي
بالعودة لكنيسة 15 مايو وما حدث من محاولة الكاهن المسؤول عن بناء الكنيسة زيادة مساحتها، فهذا يعود لأزمة كبيرة تطغى على الكنيسة، وهي تغوّل الدور الاجتماعي على الدور الروحي والرعوي. فأصبح أهم ما يشغل قادة الكنائس هو بناء الحجارة لا بناء الإنسان، فالمهم هو الحصول على قطعة أرض كبيرة وبناء كنيسة كبيرة ومبنى خدمات للأنشطة ومستشفى، ومدرسة وملعب، وغيرها من المباني التي لا تخص دور الكنيسة الرئيسي.
وفي ميزان دولة المواطنة، فأغلب أدوار الكنيسة الاجتماعية لا تُقدم خدماتها للمسيحيين فقط، بل لكل المجتمع سواء في المستشفيات أو المدارس، لكن هناك أنشطة أخرى سواء فنية أو رياضية لا تقدم إلا لأبناء الكنيسة القبطية الأرثوذكسية فقط وتساهم في عزلة المسيحيين عن المشاركة بفاعلية في المجتمع في تلك المجالات.
مقترحات لتحسين اﻷوضاع
لا يجب أن تستمر حالة الارتياب والشك بين قادة الكنيسة والمسؤولين في الحكومة، ولابد أن تكون هناك قنوات للحوار والتفاهم، بل والعمل المشترك بين الكنيسة والحكومة. فالكنيسة، بجانب دورها الروحي، لها دور اجتماعي يجب أن يتطور ليكون لكل المصريين في كافة المجالات وليس للمسيحيين فقط. وهذا يحتاج للتعاون مع الحكومة وتنظيم أنشطة مشتركة تسمح بتفاعل المواطنين المصريين بمختلف خلفياتهم الدينية لتحسين حياتهم وأوضاعهم للأفضل، بدلًا من العيش في جزر منفصلة ومنعزلة.
وإذا كانت الكنيسة تريد مساحة أكبر، فالأكثر أهمية هو فتح حوار مع المسؤولين وتحديد الاحتياجات، واتباع سلوك القمص روفائيل في العبور الذي يتحرك بشكل قانوني، وإذا واجه مشكلة مع مسؤول يذهب إلى من هو أعلى منه في هرم السلطة لحل المشاكل، بدلًا من وضع اليد أو اللجوء إلى تصرف غير قانوني وغير مقبول.
أيضًا يجب أن يكون هناك دور لرئيس الوزراء في تطبيق منهج وسياسات الرئيس في دعم خطاب التسامح والمحبة تجاه المواطنين المصريين بمختلف إيمانهم، ليكون نهجًا حكوميًا يُنفذ في كل الوزارات والهيئات. وأن تساهم مؤسسات الدولة المختلفة في خلق حالة من التعاون مع المؤسسات الدينية الإسلامية والمسيحية من أجل دعم مبادئ المواطنة وفتح باب الحوار ليتعرف كل مجموعة من المواطنين على الآخرين المختلفين عنهم، ويجمعهم تحسين أوضاعهم والمشاركة في جعل البيئة والمناخ الذين نعيش فيهم أفضل.
---
## أسئلة مشروعة حول أسلمة سلڤانا عاطف
URL: https://tabcm.net/48271/
Type: post
Modified: 2026-02-13
يتردد اسم سيلڤانا عاطف كثيرًا هذه الأيام على وسائل التواصل الاجتماعي في مصر وبين دوائر أقباط المهجر، لما تحمله قضيتها من ألمٍ وحزنٍ عميقين، وإحساسٍ صارخ بعدم العدل والانحياز ضد المواطنين الأقباط في وطنهم.
ليست حالة فردية، بل واحدة من مئات حالات الفتيات القبطيات اللاتي يختفين سنويًا في مصر، حيث تكتشف أسرهن لاحقًا إنهن وقعن ضحايا شبكات منظمة تستدرجهن عبر وسائل مختلفة.
هذه الشبكات انتشرت منذ ثمانينيات القرن الماضي، وغالبًا ما تُنسب إلى تيارات سلفية إسلامية، بعضها ممول من دول الخليج العربي، وتحظى بتغاضٍ أو دعم من بعض أجهزة الدولة المصرية، بل وأحيانًا من القضاء المصري، الذي يعتمد في مثل هذه القضايا على الشريعة الإسلامية، استنادًا إلى المادة الثانية من الدستور المصري التي تنص على أن “مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع”.
الفتاة المعنية قاصر، وتعاني من فرط الحركة وتشتت الانتباه وتأخر ذهني وضعف في التركيز. ووفقًا لتقارير الأطباء -نقلًا عن والدتها- يجب معاملتها ذهنيًا كطفلة في الثامنة من عمرها.
⏺ اختفت البنت من وسط عائلتها يوم ٢٨ أكتوبر ٢٠٢٥.
⏺ تم عمل محضر من الأم بقسم الشرطة بعد مرور ٢٤ ساعة على اختفائها، يوم ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٥.
⏺ يوم ١ نوفمبر ٢٠٢٥ تلقت اﻷم اتصال من قسم الشرطة، يخبرها أن ابنتها أشهرت إسلامها.
⏺ أوضحت الأم أن ابنتها قاصر وغير مسؤولة عن تصرفاتها وأن هذا شيء غير قانوني ولن يتم قبوله.
عندما ذهبت الأم لقسم الشرطة لتري ابنتها، فوجئت أن ابنتها ترتدي النقاب، كما تم سلبها من حليتها الذهبية وتليفونها المحمول، وعند سؤال البنت كيف ومن ألبسها هذا؟ قالت فقط إنهم نزعوا عنها ملابسها وألبسوها هكذا في إحدى الغرف. ثم خرجت وهي مرتعبة ومسرعة بعد هذه المواجهة.
هنا تم أخذها من أفراد الأمن ولم يتم تسليمها لأسرتها، حسب وعد الشرطة.
في نفس اليوم أخذت الشرطة بطاقات الهُوِيَّة للأم، والابنة التي كانت بحوزة الأم، ولم يتم إرجاعها لها، وتم صرف الأسرة دون ابنتهم ودون أوراق ثبوتية.
يوم ٢ نوفمبر ٢٠٢٥ ذهبت الأم مرة أخرى لقسم الشرطة. هناك تم تقديم أوراق لها لتوقيعها. و بعد رفضها التوقيع لأنها لا تعلم ما هو مكتوب فيها، تم توجيهها للنيابة حيث من المفترض أن تتسلم ابنتها.
عند خروج الأسرة من قسم الشرطة، تم تحضير تجمهر كبير من الملتحين، لترهيب الأسرة على مرأى ومسمع من الأمن، مما اضطر الأسرة لطلب التأمين حتى مبنى النيابة، وهو ما حدث، حيث تم إيصالهم بعربات الشرطة لتأمينهم من الملتحين المتجمهرين.
في النيابة كانت المفاجأة المذهلة حيث أخبر رئيس النيابة الأم أن ابنتها تم “طردها”، في تصرف ليس فقط غير مسؤول وإنما يستهين بعقلية الناس، فقط لأنهم بسطاء.
يوجد شهود عيان أن البنت تم إخراجها من مبنى النيابة في سيارة أحد ضباط المباحث، وعلمت الأسرة أنه تم تسليمها لأسرة الخاطفين، التي يعمل أحد الأشخاص بها “أمين شرطة”.
أمام ما حدث ولا يمكن وصفه سوى بـ”التواطؤ الواضح والصريح” من الأمن مع المجرمين، والمصيبة الأكبر من النيابة أيضًا، أتوجه ببعض الأسئلة المشروعة:
أولًا: كيف تقول الشرطة إن سيلڤانا عاطف فانوس عبد الله فانوس، قد أشهرت إسلامها وهي قاصر؟
ثانيًا: لماذا لم يتم تسليم سيلڤانا عاطف يوم ٢ نوفمبر مباشرة لأهلها؟
ثالثًا: لماذا تم أخذ بطاقات الهُوِيَّة من الأم، و لماذا لم يتم إرجاعها؟
رابعًا: أين أقامت سيلڤانا منذ معرفة الشرطة بمكانها وحتى تاريخه؟ هل بمنزل أسرة مسلمة، لا تربطها بها أي علاقة شرعية؟
خامسًا: ماذا فعلت الشرطة ضد التجمهر للترهيب الذي حدث؟
سادسًا: لماذا التباطؤ في الحل؟ هل تريدون أخذ فرصة حتى تتم البنت السن القانوني؟ مع العلم أن هذا غير قانوني في كل الأحوال.
سابعًا: هل طلبت النيابة توقيع كشف طبيب شرعي علي سيلڤانا لمعرفة ما إذا كانت هناك جريمة اغتصاب قاصر أم لا؟ أم تنتظرون حتى تتم السن القانوني؟ بالتالي يصبح الأمر كأنه بالتراضي وليس اغتصاب قاصر دون السن؟
وحتى كتابة هذه السطور لم يتم إرجاع الفتاة لأسرتها، و لم يتم معاقبة أي من المجرمين!
---
## الإفخارستيا بين الخصوصية والوحدة [٣]
URL: https://tabcm.net/51321/
Type: post
Modified: 2026-02-13
في إنجيل يوحنا عقب معجزة إشباع الجموع بالخمسة أرغفة والسمكتين، جاءت الجموع إلى كفر ناحوم تطلب يسوع، ودار حوار بين يسوع وبينهم حيث طلبوا فيه آية ليروا ويؤمنوا به ((راجع إنجيل يوحنا 6: 26-30. ))، على مثال ما أعطى الله آباءهم خبزًا من السماء ليأكلوا ((آباؤنا أكلوا المن في البرية، كما هو مكتوب: أنه أعطاهم خبزًا من السماء ليأكلوا (يوحنا 6: 31). )). فدار حوار حول الخبز جذب فيه يسوع إدراكهم إلى خبز الله النازل من السماء الواهب حياة للعالم: فقال لهم يسوع: أنا هو خبز الحياة. من يقبل إلي فلا يجوع، ومن يؤمن بي فلا يعطش أبدًا ((يوحنا 6: 35. ))، ثم قال لهم يسوع: أنا هو الخبز الحي الذي نزل من السماء. إن أكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد. والخبز الذي أنا أعطي هو جسدي الذي أبذله من أجل حياة العالم ((يوحنا 6: 51. )).
ثم يستكمل يوحنا: فخاصم اليهود بعضهم بعضا قائلين: «كيف يقدر هذا أن يعطينا جسده لنأكل؟» فقال لهم يسوع: «الحق الحق أقول لكم: إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه، فليس لكم حياة فيكم. من يأكل جسدي ويشرب دمي فله حياة أبدية، وأنا أقيمه في اليوم الأخير، لأن جسدي مأكل حق ودمي مشرب حق. من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت في وأنا فيه. كما أرسلني الآب الحي، وأنا حي بالآب، فمن يأكلني فهو يحيا بي. هذا هو الخبز الذي نزل من السماء. ليس كما أكل آباؤكم المن وماتوا. من يأكل هذا الخبز فإنه يحيا إلى الأبد» ((يوحنا 6: 52-58 )). ثم أردف يسوع لتلاميذه: الروح هو الذي يحيي. أما الجسد فلا يفيد شيئا. الكلام الذي أكلمكم به هو روح وحياة ((يوحنا 6: 63 )).
نحن هنا في مواجهة مع الأركان الرئيسية للإيمان المسيحي:
أولًا: هذا الحديث الذي كشف فيه المسيح عن عطية جسده ودمه لم يكن في موقف الإفخارستيا الذي قدم فيه بالفعل لتلاميذه الخبز والخمر ودعاهما جسده ودمه. نحن إذن لسنا في مقام الإفخارستيا مطلقًا، وكلام السيد هنا لا يرتبط بتقدمة الخبز والخمر، ولكننا في مقام التعقيب على معجزة إشباع الجموع، حيث المدلولات الروحية الكثيفة التي أعلن عنها يسوع.
ثانيًا: أهم المدلولات الروحية التي أعلنها يسوع قوله عن نفسه إنه خبز الحياة، المرموز له بالمن في البرية القديمة بعهد موسى، مؤكدًا بذلك أنه هو الحياة ذاتها: أنا هو القيامة والحياة ((يوحنا 11: 25 ))، شارحًا وموضحًا أنه الخبز النازل من السماء.. الخبز الحي الذي يُحيى كل من يأكل منه.. والخبز هو جسده.. وجسده يبذله من أجل حياة العالم. هذا التدرج في الدلالة الروحية من الخبز إلى الجسد إلى البذل والفداء من أجل أن يحيا العالم ينتهى بنا إلى معنى دقيق محدد هو الاتحاد بيسوع لنوال الفداء والحياة الأبدية.
فالخبز الذي يؤكل هو يسوع، وعملية الأكل هنا تعني الاتحاد بالخبز الذي يتمثل في الأحشاء عصارة حية تسري في دم الإنسان إلى كل خلية في جسده، بما يعني اتحادًا كاملًا بموضوع الخبز والشبع به إلى حد امتناع الجوع: فلا يجوع، وليس فقط الامتلاء بالخبز بل: ومن يؤمن بي لا يعطش أبدًا، أي الامتلاء بالمشرب كذلك، فالخبز ليس للإشباع فقط بل للارتواء أيضًا، أي بتعبيرات الجسد والدم: يحمل اللحم في داخله دمه بوصفه جسدًا، وهو الجسد الذي: “أبذله من أجل حياة العالم”، أي الذي يصنع به الفداء للعالم، والخبز – الجسد – الفداء هو الموصل هكذا إلى خلاص العالم بذبيحة جسده ودمه على الصليب.
ثالثًا: هكذا يتضح المدلول الروحي القوى للحياة الأبدية في المسيح يسوع.. فالإيمان بيسوع هو المدخل الوحيد للحياة الأبدية والقيامة في اليوم الأخير.. ذلك هو التفسير الحقيقي لمقولة يسوع الخالدة: لأن جسدي مأكل حق ودمى مشرب حق.
حق.. أي حقيقي.. أي مقصود لذاته وبذاته، فالإيمان بيسوع حق، أي الإيمان بتجسده حق، فجسده حق، وجسده لنا خبز الحياة، أي نعيش به، فالحياة فيه وبه ومعه حق، ودمه كذلك حق، أي نخلص به، والخلاص به حق، والجسد بذلك حق، والدم بذلك حق، أي الاتحاد بالجسد كله لحمًا ودمًا هو اتحاد حق، والشركة به هي شركة حقيقية، ويكون العيش به – أي الحياة به وفيه ومعه – هي حق وحقيقية، وهى بذلك الحقيقة الوحيدة المدركة بالاتحاد به والشركة فيه.
رابعًا: كل هذا المدلول الروحي يأتي في سياق لا توجد فيه الإفخارستيا البتة، أي يحدث بعيدًا تمامًا عن الممارسة الإفخارستية والهيئة الليتورجية.
وقول يسوع: لأن جسدي مأكل حق ودمي مشرب حق ليس له هنا أي ارتباط مادي، لأنه يأتي في سياق روحي بحت. وليس المقصود به هنا – لابتعاده تمامًا عن مقام الإفخارستيا – تحولًا حقيقيًا للخبز إلى جسده والخمر إلى دمه. ذلك لأنه لم يكن في مقام إشباع الجموع يقدم تقدمة مادية كخبز وكأس العشاء الرباني، بل على مستوى روحي بحت يؤكد أن الاتحاد به والشركة فيه هما حق، ويرمز لذلك على نحو تشكيلي بحت بجسده كخبز حقيقي ودمه كمشرب حق.
إذن قول يسوع هنا: لأن جسدي مأكل حق ودمي مشرب حق مرادف تمامًا لقوله: أنا هو الحق. وقوله هذا ليس له علاقة مطلقًا بتحوّل حقيقي لخبز إلى لحمه، وتحوّل حقيقي لخمر إلى دمه، لأنه ببساطة قاله في مقام روحي بحت، هو مقام فتح أذهان وأعين الجموع خلال معجزة إشباعهم إلى حقيقة تجسده وفدائه وصنعه الخلاص وثباته فيهم وثباتهم فيه، وليس في مقام الإفخارستيا، أي أنه لم يكن وهو يقول بهذا يكسر خبزًا يقول عنه جسده فنفهم أن الخبز قد تحول إلى “لحمه” هو، ولم يكن يقدم كأسًا يقول عنها دمه فنفهم أن الخمر قد تحولت إلى دمه هو، لا.. ليس كذلك، لقد قال بهكذا القول بعيدًا تمامًا عن مقام الإفخارستيا، أي بعيدًا تمامًا عن مقام مناولة الخبز والخمر.
فإذا سألنا بعد : ماذا نُفِيد من الاستعراض والتحليل السابق؟
نجيب : بأن كل اعتقادات الكنائس في الإفخارستينا صحيحة.
كل اعتقاد صحيح لكنيسته بحسب فهم كل كنيسة لأقوال السيد المسيح فى الإنجيل مع بقية نصوص الكتاب المقدس.
ويجمل بي أن أكرر هذه الحقيقة المفصلية:
كل اعتقاد صحيح لكنيسته بحسب فهم كل كنيسة لأقوال السيد المسيح في الإنجيل مع بقية نصوص الكتاب المقدس.
فالكنيسة الكاثوليكية صحيحة في اعتقادها بتحوّل الخبز والخمر في الجوهر وليس المظهر، بطريقة لا يدركها البشر، إلى جسدٍ حقيقي ودمٍ حقيقي. فيبقى ظاهر الخبز والخمر محتفظًا بالصفات الفيزيائية والخصائص الكيميائية للخبز والخمر، بينما هما استحالا في الجوهر إلى جسدٍ حقيقي ودمٍ حقيقي.
والكنائس الأرثوذكسية الشرقية صحيحة في اعتقادها بالتغيير في مكونات الخبز والخمر إلى الجسد والدم، بعد تكريس الخبز والنبيذ اللذين لا يعود لهما وجود، بل يتغيران إلى جسد الرب ودمه المرئيين في شكل الخبز والنبيذ.
والكنيسة القبطية الأرثوذكسية صحيحة في اعتقادها بأن التحول الإفخارستي هو تحول سري حقيقي بعمل الروح القدس في صلوات القداس إلى جسد المسيح الحاضر على المذبح. فالجسد المقدس الكائن على المذبح هو جسد عمانوئيل الإله الحقيقي الذي له قوة محيية بلاهوت الله الكلمة، فلم يعد الخبز والخمر مجرد رمز لجسد المسيح، بل حضور حقيقي للمسيح في المحفل الإفخارستي.
فالقربان ليس خبزًا سكب الله فيه قوته المحيية، بل قد تغيّر تغيّرًا حقيقيًا إلى جسد المسيح نفسه بطريقة سرية لا يدركها العقل، لكنها تُدرك بالإيمان. فوجود المسيح على المذبح هنا هو وجود واقعي، موضوعي، وحقيقي، حيث يقدم الروح القدس جسد المسيح المصلوب القائم من الأموات ودمه الكريم لثبات المؤمنين فيه. والله الحال بروحه القدوس في كل مكان يكون حاضرًا بحسده على المذبح، وذلك بحسب فهم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية لأقوال السيد المسيح في الإنجيل مع بقية نصوص الكتاب المقدس، وبحسب اعتقادها في تقليدها المستمر منذ كنيسة عصر الرسل بالإيمان المسلم مرة للقديسين ((يهوذا 1: 3 )).
والكنيسة اللوثرية البروتستانتية صحيحة في اعتقادها بالاتحاد الإلهي بين جسد السيد المسيح ودمه مع الخبز والخمر من خلال التقديسات التي تتم بالصلوات.
والكنيسة البروتستانية الإصلاحية الكالڤينية صحيحة في اعتقادها بأن المؤمن ينال شخص المسيح – بما في ذلك جسده ودمه – روحيًا بالتحول السرائري للخبز والخمر من خلال شركة الكنيسة لكل من يؤمن.
والكنيسة المعمدانية صحيحة في اعتقادها بالخبز والخمر رمزًا لجسد ودم يسوع إحياءً لذكرى موت المسيح على الصليب من أجل الخلاص ((اصنعوا هذا لذكري (لوقا 22: 19)، (کورنثوس الأولى 11: 24-25). ))، وذلك بحضور المسيح في القربان وعصير الكرمة حضورًا روحيًا وذهنيًا في عقول وقلوب المؤمنين.
كل كنيسة فهمت كلمات يسوع وبقية نصوص الكتاب المقدس في العشاء الأخير بحسب استعدادها الطقسي التعبدي، وإدراكها الإيماني الكلى في المسيح يسوع.
وكل كنيسة صحيحة في إطار فهمها الخاص وإدراكها الإيماني.
ويجب ألا تصنع هذه الفروق في فهم الإنجيل، وفهم كل نصوص الكتاب المقدس، افتراقًا بين كنائس الله. فلا يمكن أن يقصي اختلاف الفهم للنص المقدس، واختلاف الاعتقاد المترتب على الفهم للنص المقدس، واختلاف الممارسة – أي الممارسة الطقسية – المترتبة على الاعتقاد المترتب على الفهم للنص المقدس، أقول لا يمكن أن يقصي الاختلاف في الفهم أيَّ كنيسة عن الحضور الإلهي بالروح القدس في الممارسة الليتورجية.
والجميع – هكذا – مباركون في الله، مُوَحَّدُون في الله، نائلون في ذواتهم الفعل العميق للإفخارستيا في حقيقتين جوهريتين:
1- في الاتحاد بالمسيح وشركة الكنيسة.
2- في الثبات الأبدي في المسيح يسوع.
فالجوهر الإيماني الواحد بين جميع الكنائس هو الأساس الذي تبنى عليه وحدتها.
هذا الجوهر الإيماني يربط الجميع برباط واحد في المسيح القائم من الأموات، الذي بذل نفسه على الصليب لخلاص الجميع.
وهذا الجوهر الإيماني الواحد قد تأسس على المقولات التالية:
1- الله موجود.
2- الله واحد أحد لا شريك له.
3- الله الواحد الأحد الذي لا شريك له مثلث الهيبوستاسيس [الأقانيم]:
الآب (موجود بذاته)، والابن (ناطق بكلمته)، والروح القدس (حي بروحه)، وهؤلاء الثلاثة هم واحد.
4- الله الواحد الذي لا شريك له ظهر في الجسد في المسيح يسوع [ الابن ]، وصنع الفداء على الصليب لخلاص البشرية كلها، وقُبِرَ وقام من بين الأموات، وصعد إلى السموات، وأيضًا يأتي في مجده ليدين الأحياء والأموات كل واحد كما يكون عمله.
جسد واحد، وروح واحد، كما دعيتم أيضا في رجاء دعوتكم الواحد. رب واحد، إيمان واحد، معمودية واحدة. إله وآب واحد للكل، الذي على الكل وبالكل وفي كلكم.
(رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس ٤: ٤-٦)
فإذا كانت كنائس الله كلها على هذا الإيمان الواحد، فإن اختلافاتها في فهم الإفخارستيا لا تصنع افتراقًا بينها، ولا تصنع الافتراق كذلك أية اختلافات طقسية أو تعبدية، فهذه كلها متغيرات بحسب الفهم الخاص لكل كنيسة لآيات الكتاب المقدس، وبحسب استعدادها الطقسي التعبدي، لا تنتقص من الثابت الإيماني المشترك بينها جميعًا.
الكنائس كلها صحيحة في الاعتقاد بحضور الرب يسوع المسيح في الإفخارستيا على واحدة من الصورتين الآتيتين:
1- التحول السري الحقيقي للخبز والخمر إلى جسد ودم يسوع سواء جوهريًا، أو بالتغيُّر الفعلي، أو سرائريًا بسكب الله فيهما قوته المحيية داخل الإنسان مع بقاء الجسد والدم في هيئة الخبز والخمر، وذلك كما في الكنائس الكاثوليكية، والأرثوذكسية الشرقية، والقبطية الأرثوذكسية، والبروتستانتية الإصلاحية الكالڤينية، مع تأكيد القبطية الأرثوذكسية بأن الجسد والدم على المذبح بعد التَّغَيُّر ليسا خبزًا وخمرًا في الهيئة بل جسدًا حقيقيًا ودما حقيقيًا.
2- رمزية الخبز والخمر للجسد والدم إحياءً لذكرى موت المسيح على الصليب من أجل الخلاص كما في الكنيسة المعمدانية.
وهكذا يلتزم شعب كل كنيسة باعتقادها الخاص في الإفخارستيا.
لكن تحفظًا واحدًا واجبًا يجعلنا ننبه إلى وجوب محاربة ما يروى من أساطير وخزعبلات خرافية حول الإفخارستيا – التي تشيع غالبًا في التراث القبطي الأرثوذكسي، للضغط الهائل في مواجهة الكنائس الأخرى، على توكيد الاعتقاد بأن التغير الحادث في الخبز والخمر هو تَغَيُّر إلى جسد حقيقي ودم حقيقي ليسوع المسيح على المذبح _ وهى الأساطير والخزعبلات الخرافية التي جعلت كهنة يؤكدون أن سيدة أو سيدًا قد أسرَّ لهم عند تناول الخبز أنه قد مضغ قطعة لحم بأسنانه، وأنه قد شرب دم اللحم على لسانه بمجرد تناوله الخمر بالماستير من يدهم. هذه الأساطير والخزعبلات الخرافية لا تمجد الإفخارستيا بقدر ما تتسبب في إهانتها والعبث بتقديسها.
فالسيد المسيح قدم جسده ودمه لتلاميذه ليلة العشاء الأخير في هيئة الخبز والخمر وليس بهيئة اللحم والدم، ومستحيل مستحيل – أو يمتنع امتناعًا إلى المستحيل – أن يتحول الخبز في فم أحدهم أو إحداهن إلى لحم كلحم بقر أو أي حيوان أو طير، وأن يتحول عصير الكرمة في فم أحدهم أو إحداهن إلى دم كدم بقر أو أي حيوان أو طير، ويتعين سحق هذه الأساطير والخرافات والخزعبلات سحقًا في التراث.
إن عقيدة التحول الإفخارستي السرى الحقيقي لدى كنيسة من الكنائس – وفق فهمها الخاص لآيات الكتاب المقدس، ووفق استعدادها الطقسي التعبدي – تبقى هكذا صحيحة دون الحاجة إلى ترويج الخرافات والخزعبلات كأساطير على ألسنة العامة.
أخيرًا وليس آخرًا.. فإن كل جهد فكرى عميق يتناول الإفخارستيا بالفهم، والتمكين للفهم، هو جهد ننحني له احترامًا وتقديرًا.
---
## الإفخارستيا بين الخصوصية والوحدة [٢]
URL: https://tabcm.net/51310/
Type: post
Modified: 2026-02-13
يعود بنا رودولف پيش في كتابه المعنون: العشاء الأخير وفهم يسوع للموت، ليس فقط إلى شخصية يسوع التاريخي وقت العشاء الأخير، لكن أيضًا إلى فهم يسوع ذاته عن معنى هذا العشاء.
يرى پيش أن قصة العشاء الأخير في إنجيل مرقس تحتوى على إعلان عن فهم ربنا يسوع لمعنى موته. فبالحديث عن دم العهد الجديد الذي يسفك من أجل كثيرين يعبر يسوع عن قناعته بأن موته سيكون كفارة من أجل العالم أجمع (مثل العبد المتألم المذكور في إشعياء). وبذلك فإن موته هو تتويج وكمال لحياته وإعلان وإيذان بعهد جديد ((Rudolf Johannes Pesch, Das Abendmahl und Jesu Todesverständnis, Quaestiones Disputatae Bd. 80, Herder, 1978 )).
وفي الفصل الأخير من كتابه: العشاء الأخير وعشاء الرب، استعرض هوارد مارشال جوانب في معنى عشاء الرب في قصص العشاء الأخير، وفي التلميحات إليه في مواضع أخرى من العهد الجديد، ثم خرج من هذه التأملات المتنوعة بخمسة معانٍ لاهوتية:
1- إن عشاء الرب هو استمرار لأفعال الرب في العهد القديم.
2- وهو التحقيق للأهمية الخلاصية لموت الرب.
3- وهو المناسبة التي ندخل فيها في شركة مع الرب القائم.
4- وهو عربون للوليمة السمائية.
5- وهو تعبير عن الترابط داخل شخص المسيح.
وبحسب مارشال، فإن كلمات يسوع عن تقدمة الخبز بجسده، والكأس بدمه، كانت تأكيدًا وتجسيدًا للترابط داخل شخص المسيح، دون أن يكون في ذلك ثمة أهمية سرائرية ديناميكية لكلمات يسوع وأفعاله ((I. Howard Marshal, Last Supper and Lord’s Supper, Paternoster, 1980 )).
لكن كزاڤييه نشر عام 1982 دراسة مطولة، من خلال تجميعه لنتائج أبحاث عديدة، بعنوان: شركة خبز الإفخارستيا بحسب العهد الجديد، واستطاع أن يعرض ما أسماه وصفًا تزامنيًا (Synchronic) لروايات العشاء الأخير، وخلُص أنها تدور حول ثلاث محاور ((Xavier Léon-Dufour, Le Partage du pain eucharistique selon le Nouveau Testament, SEUIL, 1982 )):
1- الرب يسوع وخليقة الله.
2- الرب يسوع وعلاقته بتلاميذه.
3- الماضي والحاضر والمستقبل.
وفي الجزء الثاني من كتابه، تعقب كزاڤييه آثار تطور النص عبر أربع مراحل من تأثير الجماعة المسيحية:
المرحلة الأولى: مفهوم الوليمة الجماعية: ويتضمن تقديم شكر على تقدمة من الخبز، ومعه سرد لتدخل الرب جالبًا النجاة، يتخلله تذكار العهد ليُعَد نوعًا من تجديد العهد.
المرحلة الثانية: ازدياد تأثير الجماعة المسيحية عمقًا: ويتضمن موضوع العهد الجديد على ضوء ما جاء في سفر إرميا ((سفر إرميا 31: 31-34. )).
المرحلة الثالثة: معنى أكثر تحديدًا للعشاء الأخير وللعبادة المؤسسة عليه: ويتضمن عهد الكفارة المبنى على نشيد العبد المتألم في سفر إشعياء ((راجع سفر إشعياء، الإصحاح 53 )).
المرحلة الرابعة: وتُظهر النصوص تركيزًا على الرب القائم في الوليمة ((Xavier Léon-Dufour, Le Partage du pain eucharistique selon le Nouveau Testament, SEUIL, 1982 )).
وبحسب كزاڤييه، تكشف قصص العشاء الأخير عن تقليدين متكاملين:
1- تقليد مبني على العبادة الجماعية.
2- وتقليد العهد الجديد.
ويخلص كزاڤييه أن الرب يسوع قد أضفى مفهوم السر على طقس كسر الخبز وشركة الكأس ((Xavier Léon-Dufour, Le Partage du pain eucharistique selon le Nouveau Testament, SEUIL, 1982 )).
لقد ركز كل الكُتَّاب على العناصر المتعلّقة بالعبادة، وبالأخص تقليد مرقس/ متى، الذي أظهر التّقابل بين الخبز والكأس. وهذا واضحٌ في لوقا وكورنثوس الأولى: اصنعوا هذا لذكري ((وصيّة البطل الرّاحل هي أمرٌ معروفٌ في الأدب اليهوديّ المتأخّر، وهي تُشدّد على دور الرّب يسوع كقدوةٍ ونموذج. )).
لقد حفظت لنا التقاليد توزيع الخبز والخمر في أثناء قول يسوع : هذا هو جسدي – هذا هو دمي على أنه لُب ما قاله يسوع وفعله في العشاء الأخير، ويمكننا تقديم عدد من التفسيرات لهذه الأفعال والأقوال، حيث إن معناها هو إحدى المسائل المختلفة التفسير بين الطوائف المسيحية، ويجب أن تُفهم بوضعها مقابل الرموز النبوية اليهودية.
إن تعبير “رمز” هو عادة تعبير مضاد لـ”حقيقة”. ونفهم “الرمز” على أنه فعل أو شيء يشير مجازيًا لشيء آخر، أما في الفكر اليهودي فالرموز هي حقائق في حد ذاتها، وتكون الحقائق ملموسة بفضل الكلمة النبوية؛ بمعنى أن الفعل الرمزي يستحضر بشكل ما الحدث الحقيقي إلى الوجود. وذلك يدعم في آراء عديدة أن الخبز والخمر وهما رمز للجسد والدم يستحضران بشكل سرائري الجسد والدم الحقيقيين إلى الوجود.
لقد كان يسوع يريد أن يقول “هذه هي نفسى”، أو “هذا هو شخصي”، وبمشاركة هذه الوليمة معكم أنا أُدْخِلُكم في علاقة لصيقة معي، أي في اتحاد حقيقي معي. ووجود اصنعوا هذا لذكري هو تأكيد على الوصية بالاستمرار في صنع ما فعله يسوع، وهو الاعتقاد الراسخ والمبكر الذي تدل عليه ممارسة الكنيسة منذ البدء.
وتكرار هذه الممارسة بعد العشاء الأخير مبنى دائمًا على الإيمان بالقيامة، فتوحدنا الشركة في الخبز والخمر مع يسوع القائم في المجد كما هو الآن. وفكرة تكرار العشاء في حياة الكنيسة متضمنة أيضًا في الوعد المذكور في لوقا ((لأني أقول لكم: إني لا آكل منه بعد حتى يكمل في ملكوت الله (إنجيل لوقا 22: 16). ))، ((لأني أقول لكم: إني لا أشرب من نتاج الكرمة حتى يأتي ملكوت الله (إنجيل لوقا 22: 18). )).
إن معنى كلمات يسوع وأفعاله، نجدها واضحة في بقية إشارات العهد الجديد. فنجد بولس يسأل سؤالًا استفهاميًا مجازيًا تقريريًا لأهل كورنثوس: كأس البركة التي نباركها، أليست هي شركة دم المسيح؟ الخبز الذي نكسره، أليس هو شركة جسد المسيح؟ ((رسالة بولس اﻷولى إلى كورنثوس 10: 16. ))، فتلك هي الشركة التي نتحد بها اتحادًا وثيقًا بالمسيح، وفي حياة المسيح نصير إلى واحد ((فإننا نحن الكثيرين خبز واحد، جسد واحد، لأننا جميعنا نشترك في الخبز الواحد ((رسالة بولس اﻷولى إلى كورنثوس 10: 17). )). لكن أكل هذا الخبز وشرب هذه الكأس من دون استحقاق يجعل المرء مجرمًا في جسد الرب ودمه ((من أكل هذا الخبز، أو شرب كأس الرب، بدون استحقاق، يكون مجرمًا في جسد الرب ودمه (رسالة بولس اﻷولى إلى كورنثوس 11: 27). )).
وهنا يفسر فريق كلمات بولس بوصفها مجازًا تقريريًا يؤكد قدسية الرمز كالحقيقة تمامًا، بينما يفسرها فريق آخر بوصفها الكرامة التي للحقيقة ذاتها في التحول السرائري للخبز إلى جسد ربنا يسوع والكأس إلى دمه.
وربما تكون كلمات يسوع عن خبز الحياة في الإنجيل الرابع هي صيغة خاصة بيوحنا عن كلمات التأسيس: والخبز الذي أنا أعطي هو جسدي الذي أبذله من أجل حياة العالم ((إنجيل يوحنا 6: 51. ))، ولكنه لا يقولها في مقام الإفخارستيا بل في مقام إشباع الجموع، ما يؤكد استخدامه الخبز للرمز إلى جسده في نظره للفداء المزمع أن يصنعه عن حياة العالم، وليس للدلالة على استحالة سرائرية في مقام الإفخارستيا، رغم لغة التساوي الكامل بين الخبز والجسد، في مقابلة كاملة الأركان في الخبز (للجموع كلها) والجسد المبذول (عن العالم أجمع).
لقد تعرف تلميذا عمواس على يسوع عند كسر الخبز ((فلما اتكأ معهما، أخذ خبزا وبارك وكسر وناولهما، فانفتحت أعينهما وعرفاه ثم اختفى عنهما (إنجيل لوقا 24: 30-31). ))، وتُظهر هذه النصوص فهم الجماعة أن كلمات يسوع في العشاء الأخير كانت معنية بتحقيق الرمز النبوي، وأنه سوف يثبتها بحضوره في كل مرة يصنعون فيها عشاء الرب لذكره. وقد أدركت بعض جماعات المؤمنين أن عشاء الرب هو موضع لحضور يسوع دون الحاجة إلى التحول السرائري، مما يؤكد المهابة التي يتحدث بها الرسول بولس، واصفًا الإفخارستيا بأنها موضع حضور الرب يسوع في كل مرة يصنع فيها عشاء الرب لذكره.
إن مشهد العشاء الأخير ليس من صنع الجماعة المسيحية، وتعكس الروايات فهم يسوع لموته، والمعنى والقصد من العشاء الأخير. فبواسطة فعل رمزي نبوي دعا يسوع تلاميذه إلى علاقة وثيقة بالشركة في الخبز والخمر. وشركة الحياة هذه يجب أن تكرر بعد ذلك في ولائم الجماعة في حضرة الرب. وبالتلميح إلى العهد القديم، عرّف يسوع نفسه بأنه عبد الرب المذكور في إشعياء الذي يبذل نفسه كفارة، وفسّر أفعاله على أنها بداية العهد الجديد الذي تنبأ به إرميا.
---
## الإفخارستيا بين الخصوصية والوحدة [١]
URL: https://tabcm.net/51013/
Type: post
Modified: 2026-02-13
الإفخارستيا جوهر المسيحية وسرّها الفائق للتصور، وهذه السلسة محاولة جادة للبحث في العهد الجديد باقتفاء أثر الآيات في موضوع الإفخارستيا، ذلك أن الإفخارستيا حجر الزاوية في العبادة المسيحية الذي تركه السيد المسيح لأجيال المؤمنين به، جوهرًا للصلاة في مقدسه العظيم. “الإفخارستيا” هي مفتتح عهد النعمة بيد يسوع المسيح، وكلماته خلالها هي المدخل الحقيقي للحياة المسيحية في العهد الجديد.
العشاء الوداعي الذي تشارك فيه الرب يسوع المسيح مع تلاميذه عشية موته هو الحدث المُلهم للطقوس الإفخارستية المسيحية. وتنظر الكنائس التي تحرص على إقامة الإفخارستيا بانتظام أنها المصدر الرئيسي للتأمل في مغزى إيمانها، وأنها وسيلة لتجديد رباطها بالمسيح، وببعضها البعض في المسيح. وكما يتبين من وصف كتبة الأناجيل، تعامل يسوع مع هذا العشاء باهتمام بالغ، فتجشّم عناء إعداده، وقدّم فيه تعاليمه الأخيرة التي تبقى على الزمان بمعانٍ عميقة، وتحفظ للأجيال القادمة كلها وصيته الخالدة: اصنعوا هذا لذكري ((إنجيل لوقا 22: 19 )).
التعبير إفخارستيا كان مستخدمًا كمسمى لـعشاء الرب كما نعلم من الديداكية [الديداخي]، التى يرجع تاريخها إلى نهاية القرن الأول، وبعدها بقليل نجده في كتابات أغناطيوس الأنطاكي (110 ميلادية)، ويوستينوس الشهيد (150 ميلادية). ولأجل ذلك تتبوأ “الإفخارستيا” مكانة عظمى في حياة الكنائس قاطبة، وفى حياة المسيحيين. ولقد كانت “الإفخارستيا” لذلك أيضًا محلًا لبحوث عميقة متواصلة بأيدى باحثين لاهوتيين أمثال : هانز ليتزمان، يواقيم جيريمياس، إرنست لومير، رودولف بولتمان، هاينز شورمان، چوزيف فيتزمير، إدوارد شويزر، هوارد مارشال، هربرت براون، چيمس دان، روبرت كاريس، وچون رومان.
الحق أنه لم يوجد خلاف في فهم مقاصد كلمات يسوع، وكلمات ما ساقه روح الله القدوس لبولس الرسول لنا، مثلما وُجد في آيات الإفخارستيا؛ بل يتفاقم الخلاف أكثر حين يثور السؤال حول الآيات التي أوردها الرسول بولس: هل هو مُساق فيها من الروح القدس؟ أم هو يجتهد فيها من وحي ذاته وفكره الخاص كما اجتهد في مواضع مختلفة مقرًا باجتهاده؟
إن التعبير “إفخارستيا”، بمعنى “الشكر”، والذي يُطلق على هذا الطقس، لم يرد في العهد الجديد. لكنه يأتي بصيغة الفعل “يشكر”، وله مكانة رئيسية في التأسيس المسيحي ((ثم أخذ الكأس وشكر وأعطاهم، فشربوا منها كلهم (مرقس 14: 23). ))، ((وأخذ الكأس وشكر وأعطاهم قائلا: اشربوا منها كلكم (متى 26: 27). ))، ((ثم تناول كأسًا وشكر وقال: خذوا هذه واقتسموها بينكم (لوقا 22: 17). ))، ((وشكر فكسر، وقال: «خذوا كلوا هذا هو جسدي المكسور لأجلكم. اصنعوا هذا لذكري» (كورنثوس الأولى 11: 24). )). والقديس بولس هو المصدر لثلاثة تعبيرات كتابية لهذا الطقس: (1) الشركة المقدسة ((كأس البركة التي نباركها، أليست هي شركة دم المسيح؟ الخبز الذي نكسره، أليس هو شركة جسد المسيح؟ (كورنثوس الأولى 10: 16). ))، (2) مائدة الرب ((لا تقدرون أن تشربوا كأس الرب وكأس شياطين. لا تقدرون أن تشتركوا في مائدة الرب وفي مائدة شياطين. (كورنثوس الأولى 10: 21). ))، (3) عشاء الرب ((فحين تجتمعون معًا ليس هو لأكل عشاء الرب. (كورنثوس الأولى 11: 20). ))، ويوجد كذلك تعبير مبكر آخر سجله لوقا هو كسر الخبز ((وأما هما فكانا يخبران بما حدث في الطريق، وكيف عرفاه عند كسر الخبز. (لوقا 24: 35). ))، ((وكانوا يواظبون على تعليم الرسل، والشركة، وكسر الخبز، والصلوات. (أعمال 2: 42). )).
على أنه توجد سبل عديدة مختلفة لتناول “الإفخارستيا” لدى المسيحيين؛ ففي العبادة لدى البعض ليس للإفخارستيا وجود على الإطلاق؛ ولدى البعض نادراً ما تتم إقامتها؛ لكن على الجانب الآخر توجد الكنائس التي تقيم الإفخارستيا كل أحد أو كل قداس عدة مرات خلال الأسبوع، أو كل يوم، أو أكثر من مرة في اليوم الواحد.
كذلك يختلف مفهوم الطقس الإفخارستي من جماعة مسيحية لأخرى؛ فالإفخارستيا عند البعض هو مجرد تذكار ((اصنعوا هذا لذكري (لوقا 22 : 19). ))، لكنه عند البعض الآخر إعادة إحياء “للعشاء الأخير”، الذي يكون فيه الرب يسوع حاضرًا، رمزيًا عند البعض، وفعليًا عند البعض الآخر؛ ففي جماعة يأخذ الخبز والخمر معنى جديدًا، وفي جماعة ثانية يتحول فعليًا إلى “جسد الرب” و”دمه”؛ والطقس نفسه لدى البعض مجرد “وليمة جماعية”، ولدى البعض الآخر “مائدة ذبائحية”؛ وكل جماعة مسيحية تنظر إلى “العهد الجديد” بوصفه المصدر لعقائدها وعبادتها وطريقة حياتها.
وهذا التنوع في ممارسة طقس “الإفخارستيا” ومفهومه يؤكد على وجود طرق متعددة لقراءة محتوى “العهد الجديد”، كما يُظهر أن التقليد الكنسي له تأثير قوي في تشكيل موقف المسيحي تجاه الحقائق الجوهرية للإيمان. ولكي نتمكن من الوصول إلى المفهوم الحقيقي لآيات الإنجيل بخصوص الإفخارستيا، يتعين علينا أن نجري فهمًا واسعًا للآيات على ثلاثة مستويات:
أولها: مستوى الأناجيل الإزائية.
ثانيها: مستوى إنجيل يوحنا.
ثالثها: مستوى رسائل بولس الرسول.
وعلى ذلك يمضى التحليل التالي محاولاً الفهم العميق على نحو متصاعد مع أقوال يسوع في الإفخارستيا، وكل نصوص الكتاب المقدس التي ارتبطت بها.
الشركة على المائدة مع شخص هي قُربى خاصة يجب صونها. لكنها مع المسيح ليست شركة طعام فحسب، بل شركة حياة يقدم فيها يسوع ذاته للجميع. عشاء الرب يسوع الأخير مع تلاميذه أظهر هذه القُربى، كما أظهر الانفتاح والخدمة بطريقة عملية. يركز لوقا ويوحنا في إنجيليهما على الخدمة، حتى أن لوقا يضع نزاع من هو الأعظم ضمن أحداث العشاء، بينما يكشف يوحنا عن الخدمة في مشهد غسل الأرجل. ثم أخيرًا تبلغ الخدمة والقُربى والانفتاح على الآخر ذروتها في شركة الخبز والخمر بتقديم يسوع لهما “جسده” و”دمه”.
لقد استخدم يسوع “الوليمة” في تعاليمه، مما يجلب أهمية إسخاتولوجية لولائمه، فحضر وسط تلاميذه “وليمة عرس” ((مرقس 2: 19. ))، ومن يُضيف الجميع على مائدته سيكافأ في قيامة الأبرار ((لوقا 14: 13-14. ))، ومن يحذو حذوه في الخدمة على المائدة يأكل ويشرب معه في الملكوت ((لوقا 22: 30. )). وهذا التركيز الإسخاتولوجي تم تضمينه في العشاء الأخير من خلال وعد يسوع بأنه لن يأكل أو يشرب منه حتى يأتي ملكوت الله، ما يفسره بولس بأن عشاء الرب هو البشارة بموته إلى أن يجئ ((كورنثوس الأولى 11: 26. )). يمكننا كذلك أن نرى إشباع يسوع للجموع كمقدمة للعشاء الأخير وممارسة الكنيسة له من بعده، فالجميع شبع وفضل عنهم الطعام كرمز للامتلاء والوفرة الذي في الملكوت المسياني الذي بدأه يسوع، حيث في المعجزتين: بارك ثم كسر… وأعطى تلاميذه ((مرقس 6: 41. ))، وشكر وكسر، وأعطى تلاميذه ((مرقس 8: 6. )).
توجد أربع روايات للعشاء الأخير، ثلاث في الأناجيل الإزائية وواحدة في الرسالة الأولى إلى كورنثوس، تصف تأسيس الإفخارستيا، بينما لا يذكر إنجيل يوحنا شيئًا عن تأسيس الإفخارستيا عند العشاء، لكنه يسجل إجراء غسل الأرجل الذي لم يُذكر في أي موضع آخر. ورغم ذلك، فهنالك تعاليم إفخارستية جاءت في يوحنا ((يوحنا 6: 35-58. )) أثناء الحديث عن خبز الحياة ((أنا هو خبز الحياة. (يوحنا 6: 48). )). كل الروايات الأربع تتكلم عن “عهد” يرتبط بالكأس، حيث “العهد الجديد” هو عهد يسوع، الذي وعد به الرب على فم إرميا.
ها أيام تأتي، يقول الرب، وأقطع مع بيت إسرائيل ومع بيت يهوذا عهدًا جديدًا. ليس كالعهد الذي قطعته مع آبائهم يوم أمسكتهم بيدهم لأخرجهم من أرض مصر، حين نقضوا عهدي فرفضتهم، يقول الرب. بل هذا هو العهد الذي أقطعه مع بيت إسرائيل بعد تلك الأيام، يقول الرب: أجعل شريعتي في داخلهم وأكتبها على قلوبهم، وأكون لهم إلهًا وهم يكونون لي شعبًا. ولا يعلمون بعد كل واحد صاحبه، وكل واحد أخاه، قائلين: اعرفوا الرب، لأنهم كلهم سيعرفونني من صغيرهم إلى كبيرهم، يقول الرب، لأني أصفح عن إثمهم، ولا أذكر خطيتهم بعد. ((إرميا 31: 31-34. ))
(إرميا ٣١: ٣١-٣٤)
هناك بعض الاختلافات في القصص الأربع مابين تقليد “مرقس/متى” وتقليد “بولس/لوقا”، لكن الأحداث المتطابقة تتحد فيما يلي: أخذ خبزاً وكسره وقال “هذا هو جسدي”، وأخذ كأساً ثم فَسَّر معنى هذه الكأس، كما أن جميع الروايات تجعل لهذا العشاء مضامين إسخاتولوجية، فتتكلم الأناجيل الإزائية عن تحقيق حضور الملكوت، أما بولس فيتكلم عن مجيء الرب القائم.
كذلك كل القصص تذكر أن العشاء كان ليلة موت الرب يسوع على الصليب، غير أنه يوجد غموض كبير حول تاريخ هذا العشاء. ففي الأناجيل الإزائية نجد هذا العشاء هو وليمة الفصح، تُعد في أول ليلة من الفصح، في حين كانت الحملان تُذبح في الهيكل. أما في إنجيل يوحنا، تزامن موت المسيح على الصليب مع ساعة ذبح خروف الفصح، أي أن العشاء كان في ليلة تسبق بيوم واحد الميعاد الذي حددته الأناجيل الإزائية.
في إنجيل يوحنا، يرتبط موت يسوع بالفصح، في حين أن العشاء الأخير ليس وليمة فصح. وتتحدث القصص الأربع عن “عهد” يرتبط بالكأس. والإشارة في مرقس/متى ترجع في الأساس إلى عهد سيناء ((وأخذ موسى الدم ورش على الشعب وقال: «هوذا دم العهد الذي قطعه الرب معكم على جميع هذه الأقوال» (خروج 24: 8). )). أما سردية بولس/ لوقا فتتكلم عن “العهد الجديد بدمى”، وترجع لوعد الرب بالعهد الجديد على فم أرميا ((إرميا 31: 31-34. )).
الاختلاف في الكلمات التي تعبر عما قاله يسوع على الكأس نموذج للمعضلات التي يواجهها المرء عند محاولته اكتشاف ما فعله يسوع بالضبط، وما قاله بالحرف. هل كانت هناك كأس واحدة كما جاء في القصص الثلاث، أم كأسين كما في قصة لوقا؟ وهل شرب الرسل منها قبل كلمات التأسيس كما جاء في مرقس، أم بعدها؟ وهل قال الرب يسوع إن دمه يُسفك «من أجل كثيرين»، أم «يُسفك عنكم»؟
على أن الخطوط العريضة للعشاء الأخير، والكلمات والأفعال التي قام بها يسوع، قد بُسّطت وقُولبت في الاستخدام الليتورجي لعشاء الرب. ومن داخل تقليد العشاء الأخير في الممارسة الليتورجية، ازدادت سلطته قوة عن ذي قبل، وبالتالي عندما نتناول قصص الأناجيل عن العشاء الأخير، لا نرى تقريرًا عن حدث تاريخي فحسب، بل نتلقى مفهومًا كنسيًا متطورًا لأهمية العشاء الأخير قد ازداد عمقًا بفعل الروح القدس بعد القيامة.
وخلاصة هذا كله أن الصورة العامة لما قاله كَتَبَة العهد الجديد عما حدث في العشاء الأخير هي كالتالي: وقت وليمة عيد، عشية موت يسوع على الصليب، والتي قد تكون وليمة فصح، أعطى يسوع تفسيرًا جديدًا لطقس ديني اجتماعي أسري يهودي معتاد، وأثناء الوليمة قام بدور المُضيف، أو رب العائلة، وتلا البركة على الخبز، وكسره وأعطاه لتلاميذه قائلاً: “هذا هو جسدي”. وبعدها أخذ كأس خمر (الكأس الثالثة أو الرابعة في وليمة الفصح)، وباركها كما فعل مع الخبز، وأعطى للآخرين بكلمات تُعَرِّف الخمر بأنها دمه. ولقد فهم التلاميذ بذلك أن يسوع كان يشاركهم ذاته من صميم القلب (الإفخارستيا = شركة). وفهموا كذلك أن يسوع كان يشاركهم الاعتقاد الذي بدأ في روايات العشاء يتضمن فهم أن يسوع ينبئ بموته، الموت الذي سيجلب مغفرة الخطايا، وأن يسوع يُنشئ عهدًا جديدًا، وهذه المائدة هي عربون المائدة المُعدة في الملكوت، وأنه يقدم لهم شيئًا ليفعلوا مثله (أي يقدم لهم الشركة ليفعلوا مثلها فيخلدوا ذكره).
كان العشاء الأخير وليمة وداع مثل الولائم المذكورة عند موت الآباء البطاركة الاسرائيليين فى الأدب اليهودى، وكلمات المسيح وأفعاله وقت العشاء كانت تعبيرات رمزية عن معنى حياته وموته، ونرى هنا أن الرب يسوع أعطى وجوده المسياني وعمله إظهارًا مركزًا لبركة ليست مرئية فحسب بل إنها أيضًا مأكولة، ثم أورثها للكنيسة كَسِرّ، وفي النهاية صار تعبير الإفخارستيا (الشكر) هو المصطلح التقني المفضل للإشارة إلى إقامة المسيحيين لهذا التذكار، إلا أن معنى “البراكاه” (البركة) اليهودي ظل هو المفتاح لتفسير المصطلح المسيحى ((جوهانز بیتز (Johannes Betz) ضمن تأملات الكنيسة الكاثوليكية في ستينيات القرن العشرين. )).
ويجسد كتاب هيرمان باتش: العشاء الأخير ويسوع التاريخي ((Hermann Patsch, Abendmahl und historischer Jesus, Calwer Verlag, 1972 )) ثقة المفسرين المتنامية في إمكانية اكتشاف قصد الرب يسوع المسيح، ومعنى كلماته وأفعاله في العشاء الأخير، فقد وضع باتش أهمية كبيرة على حديث يسوع الفدائي المذكور في إنجيل مرقس ((لأن ابن الإنسان أيضا لم يأت ليخدم، بل ليخدم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين (مرقس 10: 45). ))، الذي يشير فيه إلى ما جاء في سفر إشعياء ((أما الرب فسُر بأن يسحقه بالحزن. إن جعل نفسه ذبيحة إثم يرى نسلًا تطول أيامه، ومسرة الرب بيده تنجح (إشعياء 53: 10). )) للتعبير عن مغزى خدمته، ويتردد صدى حديث يسوع هذا في الكلام عن الكأس في إنجيل مرقس ((هذا هو دمي الذي للعهد الجديد، الذي يسفك من أجل كثيرين (مرقس 14: 24). )).
استنتج باتش عددًا من المعاني اللاهوتية المتضمنة عن اشتراك التلاميذ في العشاء الأخير، وعن شركة المسيحيين العتيدين في عشاء الرب:
فعبر الاشتراك في الخبز والكأس، نال التلاميذ نصيبًا في حياة الرب يسوع وعمله.
وهكذا، تأسس الجانب السرائري برسوخ على النص الكتابي وعلى حياة الرب يسوع،
فما هو الجانب السرائري إذن؟
إنه نصيب المؤمنين في حياة الرب يسوع وعمله.
وكيف يكون هذا النصيب؟
بالاشتراك في الرب والكأس.
فعلى أى نحو هذا الاشتراك؟
على نحو الشركة في الرب، التي تمتد إلى الشركة فى المؤمنين.
إذن جوهر الإفخارستيا هو اتحاد المؤمنين معًا، باتحادهم بيسوع في شركة جسده ودمه، التي تجعل المؤمنين ينالون نصيبًا في حياة يسوع وعمله.
فماذا يكون الخبز من جسده؟
وماذا تكون الكأس من دمه؟
بدعوته المقدسة أن الخبز هو جسده، وعصير الكرمة فى الكأس هو دمه.
وكيف يتأتي هذا المثال إذن؟
هذا هو الجانب السرائري الذي نحتاج أن نعرفه أكثر في مقال قادم.
---
## دوماديوس.. القس التائب
URL: https://tabcm.net/27113/
Type: post
Modified: 2026-02-09
البداية: فبراير ٢٠١٣
الجمعة ١٥ فبراير ٢٠١٣:
تجمع عشرات المسلمين من قرية سرسنا بالقرب من كنيسة مار جرجس. صعد البعض إلى منزل مجاور وألقوا الطوب وزجاجات المولوتوف الحارقة على الكنيسة. جاء ذلك بعد أن قامت الكنيسة بتوسعات في أرض فارغة تملكها، مما أدى إلى تحطيم جزء من قبة الكنيسة الخشبية والعديد من المقاعد. كما تحطمت نوافذ زجاجية واشتعلت النيران في قطع خشبية قبل إخمادها.
وفقًا لروايات متعددة، كانت العلاقة بين الجار “حسين كامل” وكاهن الكنيسة “دوماديوس حبيب”، محتقنة دينيًا. حفر الجار ثقبًا في السور الذي يفصل منزله عن أرض الكنيسة لمراقبة ما يحدث داخلها، في الخميس، ١٤ فبراير، أعترض “حسين كامل” على أعمال الخرسانة، وعلى الصلاة التي تُقام لأنها تصل لأبنائه وهو ما يرفضه. تجمع عشرات المسلمين في القرية وأعلنوا معارضتهم لوجود الكنيسة التي أقيمت في الثمانينات وجددت عام ٢٠٠٠ بعد ترخيص رقم ٣٤٧ كدار مناسبات، ويحرسها خدمات أمنية مثل باقي الكنائس. تبلغ مساحة مبنى الكنيسة ١٧٠ مترًا على دور واحد بارتفاع ٢.٨ متر من الطوب اللبن، وتزينها قبة خشبية، وبجوارها مساحة فضاء ٤٠٠ متر تمتلكها الكنيسة وتفصلها عن الجار. ((المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، بيان صحفي على خلفية الاعتداء على كنيسة مار جرجس بقرية سرسنا في الفيوم، نُشر بتاريخ ١٧ فبراير ٢٠١٣. ))
اتصل دوماديوس، كاهن الكنيسة، بالسلطات الأمنية التي وصلت وحاولت التفاوض مع الطرفين، وأثناء وجود مأمور قسم طامية، صعد نحو خمسين مسلمًا سطح المنزل المجاور، وألقوا الحجارة وزجاجات المولوتوف، ما أدى لاشتعال النيران بالقبة الخشبية، وعدد من المقاعد، وتحطمت نوافذ الكنيسة الزجاجية. استمرت الاعتداءات نحو الساعتين دون تدخل من قوات الأمن المتواجدة، ولم تقبض على المعتدين. وتدخلت عائلة “عبد الحميد عبد الفتاح” لحماية كاهن الكنيسة وتأمين خروجه من القرية ومنعت تعرضه للاعتداء ((المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، بيان صحفي على خلفية الاعتداء على كنيسة مار جرجس بقرية سرسنا في الفيوم، نُشر بتاريخ ١٧ فبراير ٢٠١٣. )).
السبت، ١٦ فبراير ٢٠١٣:
عُقدت جلسة عرفية برعاية مأمور مركز طامية في منزل “عبد الفتاح عبد الحميد”، حضرها جيران الكنيسة المسلمين، وأربعة شهود مسلمين، وسبعة أقباط. تجددت الاعتداءات على الكنيسة أثناء الجلسة حيث ألقى المعتدون قطع قماش مشتعلة مرددين هتافات تطالب بإغلاق الكنيسة (“مش عايزين كنيسة”). أجبر ذلك المشاركين في الصلح العرفي على نقله إلى مقر مركز طامية ((المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، بيان صحفي على خلفية الاعتداء على كنيسة مار جرجس بقرية سرسنا في الفيوم، نُشر بتاريخ ١٧ فبراير ٢٠١٣. )).
وفقًا لإفادة من أحد الحضور، نص محضر الجلسة على: • بناء الكنيسة لجدار عازل بينها وبين الجار. • عدم البناء على الأرض الفضاء المملوكة للكنيسة، وبقاءها كمخزن فقط. • عدم ضم الأرض الفضاء للمبنى الذي تقام فيه الشعائر الدينية. • بقاء مبنى الكنيسة على وضعه الحالي دون تعلية، وألا يزيد ارتفاعه عن ثلاثة أمتار (عدم وضع صليب، لأن هذا يعد تعلية). • تضع الكنيسة مادة عازلة للصوت أعلى سقفها، وأيضا طبقة من البلاط أعلى سقف منزل الجار المسلم على نفقة الكنيسة.
أفاد مدير نيابة طامية بأنه حتى مساء السبت لم تتمكن النيابة العامة من معاينة الكنيسة بناءً على توصيات الشرطة لدواعٍ أمنية، وأضاف أن النيابة تنتظر تحريات المباحث والاستماع إلى كاهن الكنيسة باعتباره شاهدًا. علاوة على ذلك، منعت قوات الأمن الصحفيين ومراسلي القنوات الفضائية من دخول الكنيسة وتصوير الخسائر، وطالبتهم بالحصول على إذن مسبق من مطران الفيوم أو المحافظ.
في نفس اليوم، السبت، ١٦ فبراير ٢٠١٣، ونحو الساعة التاسعة مساءّ، ظهر كاهن كنيسة مار جرجس سرسنا، الأب "دوماديوس حبيب إبراهيم إبراهيم الراهب"، على قناة CTV الفضائية شارحًا الاعتداء الذي حدث.
في اليوم نفسه، أصدر موقع الهيئة الوطنية للإعلام [ماسبيرو]، بيانًا لشباب الثورة، يدين الاعتداء على كنيسة “سرسنا”ويحمل الرئيس [محمد مرسي] المسؤولية، كما أعلنت تنسيقية شباب الثورة انضمامها لمسيرة ينظمها نشطاء أقباط يوم الأحد، ١٧ فبراير ٢٠١٣، تنطلق من شبرا وتتوقف للاحتجاج أمام دار القضاء العالي. دعا التحالف كل القوى الثورية والسياسية للتضامن مع “شركاء الثورة والدم”، “أخوتنا في الوطن” ((الهيئة الوطنية للإعلام، شباب الثورة يدين الاعتداء على كنيسة “سرسنا”ويحمل الرئيس المسؤلية، نُشر بتاريخ ١٦ فبراير ٢٠١٣. )).
الأحد، ١٧ فبراير ٢٠١٣:
أصدرت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بيانًا صحفيًا: على خلفية الاعتداء على كنيسة مار جرجس بقرية سرسنا في الفيوم، ومنه عرفنا كل ما سبق دفعة واحدة. ((مادلين نادر، جريدة وطني، قضايا قبطية: على خلفية الاعتداء على كنيسة مار جرجس بقرية سرسنا في الفيوم، نُشر بتاريخ ١٧ فبراير ٢٠١٣. ))
أجهزة الأمن والنيابة العامة تساعدان دون تقديم المسؤولين للمحاكمة العادلة، فقد امتنعت الشرطة عن القيام بدورها في حماية المنشأة الدينية وعدم تعرضها للاعتداء، كما أنها لم تقبض على المحرضين والمنفذين للاعتداءات أثناء قيامهم بها، على الرغم من تواجد مأمور مركز طامية وأعداد من قوات الأمن بموقع الأحداث قبل تفاقمها، كما أن أجهزة التحقيق لم تتحرك لمعاينة الكنيسة والتحقيق مع الأطراف المختلقة وانتظرت فقط تحريات المباحث.
(إسحق إبراهيم، مسؤول ملف حرية الدين والمعتقد، المبادرة المصرية للحقوق الشخصية)
جلسات الصلح العرفي التي ترعاها الشرطة هي بديل عن تنفيذ القانون، وتسهيل لإفلات المعتدين من العقاب القانوني، وعدم جبر الضرر للمضارين. رعاية الدولة للصلح العرفي صارت أشبه بإذن بالسماح بتكرار الاعتداءات الطائفية.
(إسحق إبراهيم، مسؤول ملف حرية الدين والمعتقد، المبادرة المصرية للحقوق الشخصية)
مساء يوم الأحد، تسابق نشطاء الدولة المدنية والمعارضين لحكم الإخوان، على التوافد لمحيط دار القضاء العالي، شارك في الاحتجاج ممثلين من الأحزاب المدنية مثل التحالف الشعبي الاشتراكي، حزب الدستور، المصري الديمقراطي الاجتماعي، والمصريين الأحرار ((ميشيل عبد الله، الوطن: قيادي بـ”التحالف الشعبي” يحمل أجهزة الدولة مشكلة “كنيسة سرسنا” بالفيوم. نُشر بتاريخ ١٨ فبراير ٢٠١٣. ))، منددين بأخونة الشرطة، ورعاية الجلسات العرفية، ومطالبين بدولة ذات قانون. الهتافات استهدفت الممول خيرت الشاطر، والمرشد محمد بديع، بالإضافة للرئيس محمد مرسي ((تسجيل فيديوي للاحتجاجات بعنوان وقفة دار القضاء احتجاجا على حرق كنيسة مارجرجس الفيوم1. ))، ((تسجيل فيديوي للاحتجاجات بعنوان وقفة دارالقضاء احتجاجا على حرق كنيسة مارجرجس الفيوم2.)).
الإثنين، ١٨ فبراير ٢٠١٣:
تناقلت وكالات الأنباء العالمية مسيرة اليوم السابق، ونجح بعضهم في التواصل مع أهالي سرسنا، الذين أضافوا أن ناشطًا سلفيًا حرض عقائديًا على مهاجمة الكنيسة، وأنه قال أن الشريعة تُحرم أن تُوجد كنيسة بجوار بيت مسلم. ((روسيا اليوم، RT العربية نقلا عن وكالات: الأقباط في القاهرة يحتجون على هجوم تعرضت له كنيسة في الفيوم، نُشر بتاريخ ١٨ فبراير ٢٠١٣.)).
في الوقت الذي تضامنت فيه صحف القاهرة ((عماد خليل، المصري اليوم: مسيرة من دوران شبرا احتجاجًا على الاعتداء على كنيسة «مار جرجس» بالفيوم. نُشر بتاريخ ١٧ فبراير ٢٠١٣. )) والعالم العربي ((إيمان، نورت اللبنانية: الأقباط في القاهرة يحتجون على هجوم تعرضت له كنيسة في الفيوم، نُشر بتاريخ ١٨ فبراير ٢٠١٣. )) مع أقباط سرسنا. فاجأنا نيافة الأنبا إبرآم، مطران الفيوم، بأنه لا يوجد حريق، ولا اعتداء على الكنيسة، ولا مولوتوف أو أقمشة مشتعلة، ولا إصابات! وأن كل القصة أن راعي كنيسة مار جرجس سرسنا، الأب دوماديوس حبيب، تشاجر مع جيرانه المسلمين، وأنه المُحرض على افتعال أزمة مع الإخوان لم تحدث. وصل الأمر بمطران الفيوم أن عبّر عن استياءه من قناة CTV المسيحية عبر إعلان مدفوع الأجر في جريدة “الأهرام”، وطالب القناة والمذيع تحري الدقة ((الأنبا إبرآم، مطران الفيوم، إعلان مدفوع الأجر على عمودين منشورين بجريدة الأهرام الورقية.)).
تزامن مع قنبلة الثلج الباردة التي نشرها مطران الفيوم؛ عشرات التصريحات الإلكترونية للقمص ميخائيل استراس، وكيل المطرانية، تهمّش مما حدث ((عماد توماس، الأقباط متحدون: وكيل مطرانيه الفيوم ينفى حرق كنيسة مار جرجس بقرية “سرسنا” بالفيوم. نُشر بتاريخ ١٦ فبراير ٢٠١٣.)) وقامت بسببه أول انتفاضة للأقباط بعد ماسبيرو منادية بسقوط نظام الإخوان ((رباب الجالي، اليوم السابع: مطرانية الفيوم: أزمة “سرسنا” خلاف شخصي بين راعي الكنيسة وأحد الجيران. نُشر بتاريخ ١٦ فبراير ٢٠١٣. )). الأمر إذن لا يعدو عن كونه مشاجرة مواطن مع أخيه المواطن (على حد تعبير السادات في وصف أحداث الخانكة والزاوية الحمراء)، والعالم كله لديه معلومات خاطئة مصدرها دوماديوس. ومؤسسات المجتمع المدني تهيّج الجماهير، وماسبيرو والهيئة الوطنية للإعلام لا تفهم سماحة الإخوان المسلمين كما تفهمها مطرانية الفيوم، أما شباب الثورة والأحزاب المدنية فهم يتصيدون في الماء العكر لتحريض الأقباط على الخروج عن سلطة السلطان محمد مرسي، حتى إن من يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله، والمقاومون سيأخذون لأنفسهم دينونة ((رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية ١٣: ٢.)).
هذا التدخل من مطرانية الأقباط الأرثوذكس ليس غريبًا إذا ما كنت من قرّاء تاريخ الكنيسة القبطية، فهو نفس ما حدث من البابا يوساب الأول إبان الثورات البشمورية ((باسم الجنوبي، الواقفون أمام الموت.. والكنيسة..، جزء من سلسلة: كلام علمانيين عن قيصر والمسيح، الورقة الثامنة.))، وهي ثورات اجتماعية دارت في مستنقعات الدلتا قرب الفيوم، وانتهت بإبادة جماعية عام ٨٣١م في زمن الخليفة العباسي المأمون. يصف المقريزي تلك النهاية المأساوية في سطر واحد: انتفض القبط فحكم فيهم المأمون بقتل الرجال وبيع النساء، فبيعوا وسُبي أكثرهم. حينئذ ذُلْت القبط في جميع أرض مصر ((تقي الدين المقريزي، في كتابه: تاريخ الأقباط)).
المذنب: مارس ٢٠١٣
اندلعت احتجاجات في سرسنا. فالناس لا تستطيع الصلاة بأمان والمطران يقول لم يحدث شيئ والإخوان يحكمون مصر وسنموت جميعًا! فخرج إليهم الأب دوماديوس لتهدئتهم وقال: لو عايزيني أمشي قولوا وأنا أمشي. فهتفوا بأنهم يريدونه ولا يريدون المطران. ((مصدر هذه الفقرة هو تسجيل فيديوي للاحتجاجات وسط محاولات دوماديوس للتهدئة، وفشلت في العثور عليه مجددًا، لذا فأنا أكتب الآن من الذاكرة. )) أثار هذا غضب المطران، وأصّر على أن دوماديوس تعمّد استرضاء الشعب كي يثيرهم عليه. أدين الأب دوماديوس، وتم إيقافه عن الخدمة في الفيوم، وأُرسل مكانه إثنين من الكهنة الجدد على كنيسة مار جرجس سرسنا.
حاول أهالي سرسنا التواصل مع الأنبا إبرآم في قصره بدير العزب، إلا أن محاولاتهم قوبلت بالرفض. يقول أهالي سرسنا إن أحد الحرس رفع مسدسه في وجوههم مهددًا بإطلاق النار إن عادوا ((تسجيل فيديوي للأهالي من داخل كنيسة سرسنا بعنوان: شهادة شعب سرسنا عن طردهم من الدير بالسلاح.)).
في السياق نفسه، نظم أهالي قرية سرسنا وقفتين احتجاجيتين أمام المقر البابوي قبيل عظة البابا الأسبوعية، احتجاجًا على تصريحات الأنبا إبرآم وللمطالبة بعودة الأب دوماديوس بعد استبعاده على خلفية أحداث الاعتداء، قوبل الاحتجاج الأول بوعد من سكرتير البابا، الأب أمونيوس، أن يعود دوماديوس لكنيسته يوم الأحد القادم ((مايكل فارس، اليوم السابع: البابا تواضروس يحتوى أزمة كاهن الفيوم المستبعد، نُشر بتاريخ ٦ مارس ٢٠١٣.))، وعندما لم يعد في الموعد المحدد، تكررت الوقفة الاحتجاجية في الأسبوع الذي يليه ((ميرا توفيق، صدى البلد: أبناء كنيسة “مارجرجس” بالفيوم يتظاهرون أمام الكاتدرائية للمطالبة بعودة “الكاهن”، نُشر بتاريخ ١٣ مارس ٢٠١٣. )).
مطران الفيوم يقدّم استقالته
في يوم ٢٤ مارس ٢٠١٣، فجّر الأنبا إبرآم، مطران الفيوم، قنبلة ثلج جديدة بتقديم استقالته. أكد الأنبا إبرآم أنّه اعتذر عن أي منصب كنسي. وأضاف في تصريحات خاصة للأهرام أنه قدم مذكرة للبابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، يطلب فيها إعفاءه من أي منصب كنسي، وقبلها البابا منه وتم إعفاؤه بالفعل. واضعًا البابا تواضروس الثاني في حرج التفسير ((أميرة هشام، الأهرام: الأنبا إبرام لـ”بوابة الأهرام”: اعتذرت عن عمادة الكلية الإكليريكية وأي منصب كنسي لظروفي الصحية، نُشر بتاريخ ٢٤ مارس ٢٠١٣. )).
لاحقًا، في ١٥ أغسطس ٢٠١٧، التقيت مع ٩ آخرين بقداسة البابا في جلسة مغلقة ((خاص، الأقباط متحدون: البابا يلتقي 10 من أبرز معارضيه، نُشر بتاريخ ١٥ أغسطس ٢٠١٧. ))، نفى خلالها قداسته أيّ صلة بمسألة الاستقالة وأنه قرأ الخبر مثلنا. مؤكدًا أنّه حاول إثناء مطران الفيوم عن موقفه دون جدوي، ما دفعه لتحويل الأمر إلى اللجنة المجمعية لشؤون الإيبارشيات ((مصطفى رحومة، الوطن: تواضروس يلتقي نشطاء الأقباط: أبنائي.. وليسوا معارضين كما يصفهم الإعلام، نُشر بتاريخ ١٥ أغسطس ٢٠١٧. )).
يتبقى أن نؤكد أن الربط بين استقالة المطران بعد أيام من وعد سكرتارية البابا بإلغاء قرار الإيقاف، هو ليس استنتاجًا شخصيًا، بل صياغة الخبر في صحيفة “الأهرام” التي يفضّلها المطران وينشر فيها إعلانات مدفوعة، حيث ذُكر على خلفية الاستقالة:
يأتي هذا بعد تكذيب الأنبا إبرام لما قالته قناة ctv القناة الرسمية للكنيسة الأرثوذكسية بخصوص كنيسة مارجرجس بطامية الفيوم في إعلان مدفوع الأجر بجريدة الأهرام، يقول فيه: إن الكنيسة لم تصب بأي آذي، في حين أن وسائل الإعلام نقلت تعرض الكنيسة لأعمال عنف وإلقاء المولوتوف عليها، وقيام الأنبا إبرام باستبعاد القس دوماديوس حبيب كاهن كنيسة مارجرجس بطامية على خلفية أحداث هذا الاعتداء.
(أميرة هشام، بوابة الأهرام، نُشر بتاريخ ٢٤ مارس ٢٠١٣)
لاحقًا، سيعدل الأنبا إبرآم، مطران الفيوم، عن استقالته في مارس ٢٠١٨ ((رانيا سعد، البوابة نيوز: أسقف الفيوم يتراجع عن استقالته.. تقرير، نُشر بتاريخ مارس ٢٠١٨. ))، أي بعد خمس سنوات من استبعاد دوماديوس، الذي قد نساه الجميع، ومن وقتها والكاهن دوماديوس حبيب إبراهيم إبراهيم الراهب، موقوفًا عن خدمة الكهنوت.
المُطارد: سبتمبر ٢٠١٤
تاريخ طويل من التطرف التصق بمحافظة الفيوم، حيث أصبحت منذ تسعينيات القرن الماضي بؤرة حاضنة للجماعات التكفيرية وتوابعها، بدأ الأمر مع تولي الشيخ “عمر عبد الرحمن”، مفتي تنظيم “الجهاد”، منصب الإمام لأحد المساجد بالمحافظة، ومنذ ذلك الحين، ظهرت العديد من الأسماء البارزة لقادة الجماعات التكفيرية، بما في ذلك “شوقي الشيخ” مؤسس تنظيم “الشوقيين”، وجماعة “المسلمون” التي عُرفت إعلاميُا باسم “التكفير والهجرة”، ومنها خرجت تنظيمات “التوقف والتبين”، “الناجون من النار”، “أنصار محمد”، وغيرها من الجماعات التي لا اسم معروف لها، والتي حرمت التعليم، والاختلاط، والتقاضي في محاكم الدولة، ورفض كل مظاهر الدولة بما فيها حمل البطاقات الشخصية، كما كانت الفيوم من المحافظات التي استقبلت عشرات الشعب الإخوانية التي سيطرت على شوارع الفيوم وقراها خلال فترة وصول الإخوان المسلمين للسلطة، ومنها خرج الانتحاري الذي فجّر الكنيسة البطرسية في ديسمبر ٢٠١٦، عقب الإفراج عنه من الاعتقال الذي تم في عهد مبارك ((المصري أفندي، قناة القاهرة والناس، تقرير فيديوي بعنوان: الفيوم وجذور التطرف .. من الشوقيين إلى انتحاري الكنيسة.)).
إن أردت معرفة أين تقع قرية سرسنا، مركز طامية، على خريطة التطرف بالفيوم، يمكنك أخذ فكرة من هذا التسجيل الفيديوي، الملتقط في سبتمبر ٢٠١٤:
لماذا هذا الانعطاف السياسي والأيديولوجي الحاد؟ ولماذا هذا الفيديو الآن وقد مضى عليه عشر سنوات؟
لأن هؤلاء المتدينون من قرية سرسنا، هم بعينهم من اعتدوا على كنيستها لأسباب دينية وعقائدية. وعلى هذا، ليس بالضرورة أن يكون قرار الأنبا إبرآم، مطران الفيوم، تحديًا لأقباط سرسنا كما يبدو لنا المشهد من القاهرة، بل ربما الإيقاف غير المُبرر لدوماديوس، هو إجراء ضروري لحماية أرواح الأقباط في سرسنا. ولسنا هنا بصدد شعارات حقوقية نحفظها ونكتبها، فالسيف أصدق أنباءً من الكُتبِ.
المنتهي الصلاحية: سبتمبر ٢٠١٨
الخاطئ: أغسطس ٢٠٢٣
المثير للجدل: يونيو ٢٠٢٤
يتمتع الأب دوماديوس بالبساطة المفرطة إلى حدود قصر النظر. نحتته المهنة ككاهن، والبيئة في سرسنا، والتجربة والخبرات الشخصية، بطريقة لا تخيب أبدًا مع العلاقات السطحية والكثيفة والعابرة في العاصمة. فهو يترجم الأمور المعقدة إلى مفاهيم بسيطة، ويثق في أن المساعي المدعومة بالحب ستؤتي ثمارها، متجاهلاً العواقب التي قد تتجاوز نواياه المتواضعة. هذه الثقة المفرطة تجعله غافلٌ عن التداعيات المحتملة التي لم يقصدها أو لم يفكر فيها، مما يؤدي إلى عواقب غير مقصودة قد تكون أكبر بكثير من أفعاله الأولية.
لنأخذ على سبيل المثال لا الحصر كيف ينظر شيخ أزهري مثل الشيخ “سلامة عبد القوي” لمسألة تصدّق القس المسيحي على المسلمين ((الشيخ سلامة عبد القوي، فيديو بعنوان القس دوماديوس يشتري عجل للأضحية!! ويوزع العيدية على المسلمين.))، الذي يبدو لنا انتماؤه الأيديولوجي، كمحب لجماعة الإخوان المسلمين، دافعًا على أنّ يكون أكثر صدقًا وجرأة عن نظرائه من الأزاهرة الذين تربطهم تعاملات أكثر حميمية مع الكنيسة:
هل تبدو لك نظرته التحليلية مبالِغة في سوء الظن والفكر التآمري؟ حسنًا، تجدر الإشارة إلى أن جميع الأعمال الخيرية كانت دائمًا محل إنتقاد المتخصصين في العمل التنموي منذ ستينيات القرن الماضي، حتى خصوم الإخوان يتهمونهم باستخدام الخدمات في شراء ولاء الناس ومحبتهم ومعها تأييدهم غير المشروط في صندوق الانتخاب. وبالمثل، يوجّه الإخوان نفس الانتقادات للمرشحين المنافسين، بما في ذلك رئيس الجمهورية، وأيضًا طال التراشق السياسي توزيع “كرتونة رمضان” على إنها شراء للدعم بالمال السياسي.
بالطبع انتقادات الأقباط لدوماديوس مختلفة، فهي لا تتعلق بفعل الخير ذاته وإنما تتعلق بنصوص دينية صريحة تحظر الظهور قدام الناس وإلا ستعد عند الله مستوفيًا أجرك. ودوماديوس كاهن، أي أنه يحفظ تعاليم المسيح جيّدًا. ومن ثم هو في عيون الأقباط يحابي الوجوه مع الناس وليس لوجه الله. لكن هذا لا يعدو عن كونه استهجانًا داخليًا وليس جريمة، وبدقة أكبر، أغلب إفادات المسيحيين تقول عنه: باع التعاليم “علشان اللقطة”، و”بيستكرد” المسلمين.
أما مسألة المشاركة في شعائر غير مسيحية، أو الصلاة المشتركة حتى ولو مع طوائف مسيحية مغايرة لكنيسة الأقباط الأرثوذكس التي هو كاهن عليها، فكل هذه تعد أفعال تستوجب المراجعة والتنسيق والإذن من رئاسته الدينية، على الأقل لضمان تطبيق السياسات العامة للمؤسسة الدينية وتماشيها مع السياسة العامة للدولة أيضًا. ودعونا هنا نضرب مثالًا خفيفًا بأن كنيسة الأقباط هي كنيسة شقيقة لكلٍ من الكنيسة السريانية والكنيسة الإثيوبية على المستوى العقائدي. لكن هل يمكن مقارنة حركة العلاقات الدولية نتيجة ما تمر به سوريا حاليًا من أزمات إقتصادية؟ ألن يؤثر بناء سد النهضة على توتر العلاقة مع أثيوبيا كما أثر النزاع حول “دير السلطان”؟
الجدل حول الصلاة المشتركة
دعني أذكرك بإن قداسة البابا تواضروس الثاني كان قد تعرض لحملات عزل من مسيحيين أصوليين، وأحد أبرز اتهاماتهم له هو إنه شارك في الصلاة مع طوائف مسيحية مغايرة لا تجمعهم شركة رسمية مع كرسي مار مرقس. ربما يكون الاتهام بالصلاة سخيفًا بالنسبة لك (هو كذلك بالنسبة لي) لكن مآخذ حماة الإيمان -الجادة- لها أصل كهنوتي، فالمسيحي العلماني حر لكن الكاهن ليس حرًا، وﻻ شيخ الأزهر حر في أن يصلي خلف ملالي إيران، أو دخول مسجد في طهران، لأنه بالصلاة المشتركة في طقوس متشابهة (قداس مثلًا) وكأنه يضفي شرعية كهنوتية على طقوس مختلف عليها أو غير مُعترف بشرطونية مؤديها. فما بالك كأديان؟
اعتدنا أن الصلاة هي علاقة بين الفرد وربه، هذا صحيح على مستوى الفرد، أما الصلاة المشتركة بين المؤسسات الدينية فهي ليست كذلك، ليست علاقة فردية على الأقل، ولا تعبّر الصلاة المشتركة إلا عن مدى تقارب الجماعات الراعية للصلاة المشتركة بين بعضهما البعض. ودعنا هنا نضرب مثالًا خفيفًا أيضًا حول الحرب الروسية الأوكرانية، إذ سبقها انفصال إداري وهيكلي لكنيسة أوكرانيا عن كنيسة روسيا، أوكرانيا ترى هذا “استقلالًا” بينما روسيا تشيطن نفس الفعلة وتراها “انشقاقًا”. وعلى الرغم أنهما كنيستين أرثوذكسيتين متطابقتين عقائديًا، إلا أنه بالتأكيد غير مسموح لأحدهما بالصلاة المشتركة مع الآخر لدواعي الحرب. ومن الوارد أن يكفّر ويشيطن كلاهما الآخر بأدواتٍ دينية وعقائدية، ومن الطبيعي أن يتغيّر هذا لشكل أكثر تقاربًا إذا ما تغيرت ظروف الحرب.
مسألة "الصلاة المشتركة" يمكن فهمها بشكل أعمق من خلال الأحوال الشخصية وعلاقة الزواج الرسمي، فالصلاة المشتركة بين جماعتين تعني إمكانية الزواج المختلط بين هاتين الجماعتين.
الجدل حول الذبح كفداء
الذبح ليس مجرد طعام للمقتدرين، بل شعيرة دينية ذات قدسية وهناك طقس ديني لنحر الأضحية يستوجب صلاة العيد قبل النحر. لكن كل هذا طبقًا لشعائر الإسلام والمشكلة الأعقد هنا هي لاهوتية. يرى المسلمون أن قضية ذبح الأضاحي تعود إلى أبي الأنبياء إبراهيم، والمشار إليها في القرآن بقوله وفديناه بذبح عظيم، أما في المسيحية، فموضوع “الذبيحة” أقدم من موقف إبراهيم، ويعود إلى الله نفسه في قصة آدم وحواء عندما أكلا من الشجرة وعرفا إنهما عريانين. التفاصيل في التوراة تقول إنهما غطّيا جسديهما بورق التين (التوت في القرآن) فصنع الله لهما أقمصة من جلد ((سفر التكوين ٣ : ٢١.)). والجلد يعني ذبح حيوان حتى يؤخذ جلده. تحول كل هذا إلى مبدأ فلسفي في اليهودية بأنّ الله هو أوّل من ذبح، وذبح حيوانًا بريئًا لستر خطية (عورة) الإنسان الأول. يُختصر هذا المبدأ في التعبير بدون سفك دم لا تحصل مغفرة ((رسالة بولس الرسول إلى العبرانيين ٩ : ٢٢.)).
والمعنى من هذا المبدأ أنه -في الشريعة اليهودية- فالتوبة ليست كافية للمغفرة، بل لابد من أن تُقرن التوبة بتقديم ذبيحة. هذا هو عصب ومحور كهانة اليهود، والذين هم أصل الكهنة. عملهم تقديم الذبائح. ﻻ ذبيحة تُقبل دون كاهن، وليس أي كاهن، بل له مواصفات خاصة، ومنحدر من سبط (نسل) معين. والمسيحية لم تلغ المبدأ العام، لكنها تؤمن إن المسيح قدم نفسه ذبيحة على الصليب، ومن ثمّ لم يعد الإنسان مرغمًا على تقديم ذبيحة عندما يخطئ.
من الشروحات السابقة، يمكنك أن تفهم الاعتقاد المسيحي بشكل أكثر عمقًا عندما يرى أن دوماديوس قد داس على فداء المسيح، أو أبطله، واستعاد شعيرة يهودية مُلغاة (أنت قد تراها إسلامية، لكنها في معتقداته هو شعائر يهودية) وهو أمر أشبه بالارتداد لليهودية [تهوّد] ويتطلب مراجعة أفكاره الاعتقادية.
الجدل حول تمجيد الحسين
مسألة “تمجيد الحسين” لا بأس بها، المشكلة ربما تكون حول الصلوات المشتركة مع الشيعة. كان دوماديوس قد تعامل مع جهات أجنبية مثل مؤسسة أصيل الإيرانية، وأنتجا معًا إصدارة من “مناجاة المحبين”، وهي المناجاة التاسعة من المناجاة الخمسة عشر للإمام علي بن الحسين زين العابدين. هو يقول أنها صلاة، أي إنه يعلم أنها صلاة، وفعل ذلك دون إخطار ودون تنسيق ودون إذن مستغلًا عدم وجود رئيس ديني مباشر عليه. وبقية الجدل في هذا المبحث يمكن إحالته إلى ما ذكرناه حول الصلاة المشتركة في كونها ليست مُعبّرة عن السلوك الفردي المعتاد في الصلاة، بل يجب أن تضبط بضوابط الجماعة الدينية التي يعتنقها الفرد لكونها معبّرة عن سياسة جماعية وليس إرادة فردية.
الجدل حول علاقته بطهران
تلك هي المشكلة الأخطر حسبما أعلم، إذ من الثابت زيارة دوماديوس لطهران في سبتمبر ٢٠٢٣، دون تنسيق أو إذن أو تفويض من قداسة البابا تواضروس الثاني، كما ثبت استقباله هناك بشكل يوحي بالرسمية، وكأنه منتدب من الكنيسة القبطية المرقسية إلى طهران، وهو ما لم يحدث، ويضع الكنيسة المصرية في حرج شديد. الأمر الذي دعى البابا تواضروس إلى التحقيق معه فور عودته للقاهرة في أغسطس الماضي، وإيقافه عن الخدمة الكهنوتية في ١٢ أغسطس ٢٠٢٣. لم يتسم هذا الإيقاف بالعلانية لتفادي التشهير بالكاهن، لكنه حوسب وروجع إداريًا في أغسطس الماضي، وبناء عليه تم إيقافه (للمرة الثالثة).
الجدل حول علاقته بالكنيسة
هذه الصورة ملتقطة “سكرينشوت” من حساب منصة إكس (تويتر) الخاص بالسيد “عبد الحميد قطب”، الذي هو دائم النشاط في مجال الإسلام السياسي، وتسجّل إحدى التغريدات بتاريخ ١٩ مارس ٢٠٢٤، وهي تغريده أبلغ من كل بيان.
ونكرر ما قد بدأنا به؛ يتعامل الأب دوماديوس في بساطة مفرطة تلامس حد قصر النظر. فهو يترجم الأمور المعقدة إلى مفاهيم بسيطة، ويثق في أن مساعي الحب ستؤتي ثمارها، متجاهلًا العواقب التي قد تتجاوز نواياه المتواضعة. هذا الثقة المفرطة تجعله غافل عن التداعيات التي لم يفكر فيها، مما يؤدي إلى عواقب غير مقصودة قد تكون أكبر بكثير من أفعاله الأولية.
الجدل حول علاقته بالمسلمين
في ١٩ سبتمبر ٢٠٢٣، ظهر تصريح للأب دوماديوس على وكالة الجمهورية الإسلامية للأنباء (ارنا) ((وكالة الجمهورية الإسلامية للأنباء (ارنا): قس مصري: زيارتي لمدينة مشهد المقدسة غيّرت وجهة نظري تجاه المسلمين، نُشر بتاريخ ١٩ سبتمبر ٢٠٢٣.))، وبثّ صوتيًا على إذاعة طهران، وقال نصًا:
تغيرت وجهة نظري تجاه المسلمين بعد زيارتي إلى إيران والتعرف على الإسلام الحقيقي هناك.
كانت فكرتي عن المسلمين هي إنهم تكفيريون يضرمون النار في الكنائس.
تأثرت بالشائعات التي كنت قد سمعتها عن المسلمين بما أدى إلى تخوفي من زيارة إيران.
(دوماديوس حبيب، تسجيل صوتي لإذاعة طهران، ومفرّغ على وكالة الجمهورية الإسلامية للأنباء (ارنا) )
بالأخذ في الاعتبار أن هذه هي الوكالة الرسمية للأنباء الإيرانية، وقد عنونت التصريح قس مصري، فهذا هو المهم. هذا يعني أن الانطباع المُتلقى هنا يعبر عن الكهنة المصريين أكثر من كونه انطباعًا شخصيًا. نتفهم بالتأكيد الحاجة الإيرانية للفوز في المقارنات التي قدمها دوماديوس ببساطة الحملان. وإن لم يكن الأمر واضحًا فسنشرح بعجالة التوابع الكارثية.
• يوحي مفهوم الإسلام الحقيقي المزعوم في إيران ضمنًا بأن الإسلام الموجود في مصر هو غير حقيقي (مزيف، مُحرف، ملعوب فيه، ضع ما شئت من تعبيرات)
• يقع القول فكرتي عن المسلمين هي أنهم تكفيريون في فخ التعميمات المسيئة، لو قال “بعضهم” أو حتى “أغلبهم” لعذرناه، لكن بهذه الصياغة فنجم الوحدة الوطنية لم يجد مسلمًا في وطنه إلا تكفيريًا يؤمن بحرق الكنائس. كلهم!
• لم يرد أفكاره تلك لتجاربه الشخصية (لو فعلها لعذرناه) لكنه ردها لـتأثره بالشائعات. وهنا أنا لا أعلم هل يتراجع عن أقواله في حريق كنيسة سرسنا، فيكون وقتها هو من يبث الشائعات وجاء ليتوب في إذاعة إيران!؟ أم يشير لآخرين يرددون شائعات عن حرق المسلمين للكنائس، وفي هذه الحالة فمصدر الشائعات الخبيثة لن يكون سوى الكنيسة، فمن غير المنطقي أن ينشر المسلمون شائعات ضدهم!؟
خط رفيع يفصل بين الديبلوماسية والنفاق. أما هذه الكلمات القصيرة فملئية بأطنان من النفاق والمداهنة والتملق تجاه الشيعة على حساب كل من الكنيسة والأزهر، الإتنين!! ويظل الطريق إلى الجحيم مملوء بأصحاب النوايا الحسنة.
صحافة وإعلام طائفيين
في يوم الخميس٢٠ يونيو ٢٠٢٤، أُعلنت نتيجة التحقيق مع الكاهن دوماديوس حبيب إبراهيم إبراهيم الراهب، وقُرر معاقبته بموجب القانون الكنسي بسنة من العُزلة بأحد الأديرة، مع إيقافه (الرابع) عن الخدمة الكهنوتية، وعدم الظهور الإعلامي. نشر المتحدث باسم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية البيان، الذي يُعتبر إلزاميًا بحسب تعهد طاعة الكاهن، وقد نشر الأب دوماديوس البيان الصادر بحقه على صفحته، وعقّب عليه بإعلان خضوعه، والتزامه بتنفيذ القانون الصادر بحقه دون تحفظات.
الشيء الانتهازي في المسألة، إن مؤسسات صحفية رسمية وقنوات فضائية نشرت نصّ البيان، وتجاوزت لتبريره بأنّه نتيجة زيارة دوماديوس لضريح السيد البدوي!! وادعى آخرون ذوو توجهات إسلامية أن الكنيسة تعاقبه على جهوده في “الوحدة الوطنية” ومظاهر التقارب مع الإسلام!
تُظهر التغطية الطائفية للموقف من قبل الأفراد والمؤسسات غير المهنية مغالطات واضحة. وتُسِلط مثل هذه الأعمال الانتهازية الضوء على التوازن الدقيق بين نقل المعلومات الواقعية، والتأثير على الرأي العام من خلال لغة وإطار العرض لتلك المعلومات. وقد وصلت معارك القنوات الفضائية المعارضة لنظام الحكم في مصر حد السخافة، مما دفعها لاعتبار الكنيسة أداة لـ”دين أبوهم” دون أي احترام للقانون الكنسي أو الإداري أو حتى النظر لمدى الشعبية حيث كانت محاسبته مطلبًا معلنًا لقطاعات واسعة من الأقباط.
الأب دوماديوس لم يزر السيد البدوي في حياته، وجميع الصور المنشورة له في ضريح تم التقاطها يوم الثلاثاء ١٩ سبتمبر ٢٠٢٣، في أثناء زيارته للحرم الرضوي وليس السيد البدوي، أي في طهران وليس في طنطا، والحرم الرضوي هو مرقد الإمام علي بن موسى الرضا، ثامن أئمة أهل البيت. وعلى هذا فإن الصور تُظهر تفاعله مع طائفة شيعية إيرانية، وليس مذهبًا صوفيًا مصريًا!
البابا هو المسؤول عن الأمور العامة في الكنيسة، وهو الذي يمثلها أمام الدولة، وأمام الكنائس الأخرى، وكل الهيئات الرسمية والدينية.
(مادة ٥٤، اللائحة الأساسية للمجمع المقدس)
بموجب المادة السابقة ((مادة ٥٤ من اللائحة الأساسية للمجمع المقدس، الفصل الثامن: رئيس وأعضاء المجمع. ))، فإنّ أيّ حوار أو تمثيل مع أي هيئة رسمية أو دينية (بما في ذلك الهيئات والطوائف المسيحية) يستلزم تفويضًا من البابا مباشرة، ويعتبر أي تصرف مخالف لذلك بمثابة فوضى تنظيمية وتنسيقية، وانتهاكًا لصلاحيات البابا. ولذلك يبدأ بيان المتحدث الرسمي بتوضيح أن الكنيسة الرسمية لا تتحمل مسؤولية أي تصرفات قام بها دوماديوس (حتى لو كانت حسنة)، لأنه لم يكن مفوضًا لتمثيل الكنيسة، ولم يُخطر أيّ جهة كنسيّة في مصر بنيّته في الذهاب إلى طهران، أو ذبح عجل في الكنيسة الأسقفية بالجيزة.
على النقيض من ذلك، صورت إذاعة وتلفزيون طهران الرسمي الأب دوماديوس على أنه ممثل للكنيسة. وتورط في ذلك العديد من الجهات ومنهم الكنيسة الأرمنية في طهران، التي استقبلته رسميًا باعتباره “كنيسة شقيقة”. وكل هذا بالطبع تخبّط و”عك” لم تعرفه الكنيسة المصرية في حينه!
الأمر الخاص برسمية التمثيل يمكن أن يقال عن نوع من الصحافة المصرية الطائفية غير المهنية، التي تُصر على تصوير أي سلوك “علماني” لدوماديوس، على أنه رسمي وكهنوتي وكنسي. ومن الواضح إننا أمام نوع من صحافة المقاولات الطائفية تتلاعب عمدًا بقيم “الوحدة الوطنية” عبر وضع “عباءة دينية” على السلوك الإنساني دون الحد الأدنى من المهنيّة!
الكاهن “إنسان” على فكرة! يأكل ويشرب ويتبول وله صداقات وخصومات لا تختلف عن أيّ مرتدي للقميص والبنطال! من الذي يفترض أنّ سلوك الفرد يُحسب على الكنيسة وعلى الكهنوت وعلى الدين المسيحي؟ كما أن الفكرة المسيطرة عند البعض بتقديم رجال الدين في الصحافة المصرية على أنهم أبطال ونجوم “الوحدة الوطنية” هي حماقة يجب أن تتوقف فورًا، فهي تشجع على فكرة دولة طائفية بمحاصصات دينية وتنحرف عن المفهوم السليم لقيم الوحدة الوطنية. ناهيك أنها لا تعني عند أي ناضج سوى تسول مظاهر التعايش السلمي بين الأديان على أنها بطولة مُفتقدة أو مبتغاة! بالإضافة إلى ذلك، فإن ربط السلوك الإنساني بمظاهر الاعتقاد الديني هو أمر خطير جدًا ثقافيًا، إذ -بنفس المبدأ- يمكن أن يُضار الإسلام من سلوكيات الإرهابيين، إذا ما تم النظر الطائفي المكافئ لديانة الإرهابي، أو تم اعتماد ما يدعيه من ثقافة كراهية على إنها امتثال منه لتعليمات الله وكتابه ورسوله!
وتبقى كلمة أخيرة لمقاولي الوطنية..
“الوحدة الوطنية” قيمة مدنية وليست دينية. ولا يمكن تحقيقها من خلال مظاهر التدين، بل من خلال التخلي عنها لصالح قيم أعلى وأكثر فعالية. المثال الواضح على هذا هو الشاب النبيل “محمد يحيى” الذي خاطر بحياته لإنقاذ أطفال محاصرين في حريق كنيسة المنيرة الغربية (الجيزة)، لو فكر “محمد” في أن هذه كنيسة ذات صليب وأن الأطفال “مسيحيون” وهو “المسلم”، فربما لم يكن ليعرض حياته للخطر ووقف مشفقًا متحسرًا كحال أغلبنا. لكن “محمد يحيى” لم ير صلبانًا ولا مصاحفًا وتلاشى العالم في عيونه فلم يعد يرى سوى أطفال تصرخ في معاناة داخل ألسنة اللهب، وسمع في صراخاتهم أصداء أطفاله وأهله. فقفز إلى الجحيم دون تفكير. هذا هو جوهر الوحدة الوطنية: قيمة أخلاقية وإنسانية ﻻ تعرف حدودًا دينية أو أيديولوجية أو ثقافية. إنها أحيانًا تتجاوز حتى حدود الوطن لتشمل أشخاصًا غُرباء كما لو كانوا ضمن عائلتنا أيضًا. إن الأخلاق المدنية قيم إنسانية عالمية لا تقتصر على بلد معين ولا تتوقف عند حدود الوطن.
---
## رحلة الدجل والشعوذة
من “مكاري يونان” إلى “سعيد عبده”
URL: https://tabcm.net/3176/
Type: post
Modified: 2026-02-09
اليوم: الجمعة..
الوقت: بعد غروب الشمس بقليل..
المكان: شارع كلوت بك المتفرع من ميدان رمسيس المزدحم، المؤدي للكاتدرائية المرقسية القديمة بالأزبكية..
الباعة الجائلون يفترشون الأرصفة على الجانبين، والمسيحيون يسيرون بجانبك كمنومين مغناطيسياً يعرفون هدفهم جيدًا، يمكنني تمييز ملامحهم جيدًا.. لم أستعجب كثافة اﻷعداد، فصديقي الذي أصر على أن نخوض تلك التجربة سويًا نبهني مسبقًا بالزحام المتوقع. دقائق ووصلت لهدفي، وبالرغم أني تعمدت الوصول مبكرًا بوقت كاف قبل موعد بدء الاجتماع، حرصًا على مكان مناسب في الصفوف الأولى يؤهلني للمشاهدة من كثب، لكن يبدوا أن تلك الفكرة قد راودت الجميع، بالكاد تمكنّا أنا وصديقي من الحصول على مكان متواضع في الصف الأخير تقريباً.
جلست وصديقي متجاورين قبل حضور القس “مكاري يونان” بنحو نصف ساعة كاملة، قضيتها في تأمل وجوه الحاضرين وتحليلها كما يحلو لي دائمًا، تلاحظ وجود عدد من الأخوات المسلمات في الصفوف الأولى، تعرفت إليهن من الحجاب الذي يغطي رؤوسهن. تفوهت ببعض العبارات الساخرة لصديقي قبل أن ألحظ أن جاري على المقعد المجاور قد بدأ يزمجر كأسد، غاضبًا من سخريتي اللاذعة، قبل أن يلكزني صديقي في صدري وعلى وجهه ترتسم عبارة “في عرض ربنا أقفل بقك شوية بدل ما هانتطحن ضرب”.
حاولت جاهدًا أن ألتزام الصمت قبل أن يحضر القمص المبجل في زيه الكهنوتي وسط هتاف الحضور والاحتفاء المبالغ فيه، توسط مقعده أمام الهيكل قبل أن يبدأ في ترديد بعض الترانيم المسيحية الشعبية الرديئة بصوته المتحشرج البشع، أعقبها بعظة أو خُطْبة لم أفهم منها شيئًا، فالكاهن المبجل لا يقول شيئًا مفيدًا، هو فقط يؤدي عرضًا مسرحيًا بدا لي وكأنه تدرب عليه عدة مرات مسبقًا. تذكرت لوهلة صور الفوهلر وهو يتدرب على فن الإلقاء بغرض التأثير على الحضور، وقارنتها بأسلوب القمص “مكاري يونان” المسرحي، وهو يتعمد أطالة بعض الجمل والعبارات والكلمات بأسلوب بائس مضحك للغاية. تأملت وجوه الحضور فوجدتهم منبهرين منصتين وكأن على رؤوسهم الطير استعدادًا لفقرة الساحر المعتادة التي بدأت في غضون دقائق.
تقدم بعضًا من السيدات والبنات يستندن إلى أيادي ذوييهم ناحية القمص يونان، ثم بدأن الحديث بأسلوب كوميدي يشبه أفلام المقاولات في زمن النكسة، يتصنعن الصعوبة في الكلام للإيحاء أنهن ممسوسات من الشياطين، قبل أن يبدأ القس مكاري في مخاطبة الشيطان الذي يسكنهن، ويلقي عليهن بعضًا من صلواته قبل أن يرشهم بالمياه المباركة ثلاث مرات، فتقوم الشابة أو السيدة متعافية دفعة واحدة وتتحدث بشكل طبيعي جدًا. شتان الفارق بين ما هي عليه الآن وبين ما كانت عليه من ثانية واحدة.
يسألها القس عن اسمها فتجيبه باسم إسلامي قح. أسم لا يحمل أي شبهة في كونه أسم مشترك بين المسيحيات والمسلمات، في كل مرة الاسم يكون إسلاميًا خالصًا. فاطمة أو خديجة أو أم محمد، حتى بالرغم من كونها محجبة، لكن الاسم الإسلامي القح أدعى في التأكيد على هويتها الدينية، قبل أن تندفع الزغاريد من حناجر وأفواه الحضور عالية، مهللين بخروج الشيطان من جسد الممسوسة، التي تأخذ الميكروفون من القس المبارك وتحكي قصتها البائسة ولا تنسى أن تختمها بعبارات الشكر والأمتنان للقس الخارق للطبيعة.
عرض مسرحي بائس متكرر منذ عقود، والمتابعين يحرصون على مشاهدته، وعلى وجوهم نفس تعبيرات الانبهار وكأنهم يشاهدون للمرة الأولى في كل مرة، ولا بأس أن ينوع القس مكاري من قدراته الإعجازية، فمرة يخرج الشياطين والمرة التالية يشفي من مرض السكر المزمن، وهكذا، حرصًا على تنوع العرض المسرحي، ومنعًا للملل من جَمهور لا يمل أبدًا.
انفلتت مني ضحكة ساخرة وتهكمت على العرض البائس دون أن أنتبه، قبل أن ترتفع أصوات المحيطين بي يلعنون عدم إيماني ويتهموني بأنني لست مسيحيًا قبل أن يتفوه أحدهم بلهجة آمرة “طلعوه بره” فتمتد بعض الأيادي محاولة إرغامي عنوة على الخروج، حاولت المقاومة لكن صديقي نصحني بالمثول حتى لا يتطور الأمر لما هو أسوأ من ذلك، فأذعنت وأعلنت استسلامي وهممت بالخروج وسط نظرات السخط والضيق والغضب من المحيطين.
في الخارج وجدت وحدة تليفزيونية تابعة لقناة مسيحية أمريكية تبث من كاليفورنيا تدعى قناة الكرمة، وقفت لثوان أراقب مسؤول المونتاج والشاشات العديدة التي يتحكم فيها في مهارة، قبل أن ألاحظ هذا الشريط الأحمر الدقيق الذي يدعو المشاهدين للتبرع بسخاء لدعم القناة والخدمة، افلت مني مجددًا ابتسامة ساخرة، لم يلحظها أحد، قبل أن ألمم نفسي وأرحل.
البداية في أسيوط
تبدأ قصة الأب المثير للجدل في أسيوط، عندما سيم قسًا بيد المطران الراحل أنبا ميخائيل عام 1976، وخدم في أسيوط نحو عام تقريبًا قبل أن يوقفه الأنبا ميخائيل بسبب أسلوبه المسرحي الاستعراضي البعيد كل البعد عن عمق المسيحية، وبحسب موقع الأنبا تكلا، فأن سبب الطرد المباشر كان أسلوبه الغير لائق خلال عظة أحد الشعانين بحضور الأنبا ميخائيل، وبسبب بعض الملاحظات العقائدية في عظاته. فشد القس “يونان” رحاله إلى القاهرة بحثًا عن فرصة أفضل للظهور والنجومية والشهرة، فرصة تناسب مواهبه التمثيلية وقدراته، لكنه أصطدم مع الوحش الكاسر: الأنبا بيشوي، بعدما حوله البابا شنودة للمجلس الإكليريكي لمحاكمته، بسبب ميوله البروتستانية، لكن يبدو أن الشعبوية التي صنعها “مكاري يونان”، والجمهور العريض الذي ألتف حوله، كان أقوى من قرارات البطريرك والأنبا بيشوي مجتمعين.
قيل وقتها أنه قد فرض إرادته على البطرك القوي، الأنبا شنودة، واستولى على الكاتدرائية المرقسية القديمة، منافسًا الأنبا شنودة في العظة الأسبوعية. وحرصًا على عدم تضارب المصالح، فضل “مكاري يونان” أن يعقد عظته يوم الجمعة تاركًا الأربعاء للأنبا شنودة. ويبدو أن ما قيل كان صحيحًا، فلم يقو الأنبا شنودة على وقف عظة القس “مكاري”، وأستمر في تقديم عظاته وعروضه المسرحية الأسبوعية حتى يومنا هذا، متعمدًا جذب الانتباه بين الحين والأخر عندما يشعر بخفوت الأضواء. ففي يوليو 2015 خلال عظته الأسبوعية بالأزبكية، دعا سيدة خلال عظته لتروى شهادتها عما قالت إنه ظهور للسيد المسيح على شاشة قناة “الكرمة” الفضائية المسيحية. أدعت حينئذ أنها التقطت صورة للقس “مكاري يونان” خلال العظة وقد ظهر بجانبه المسيح بكاميرا هاتفها المحمول، قبل أن يلتقط القس هاتفها ويعرض الصورة المزعومة للحضور، الذي ضج بالتصفيق الحار. صورة رخيصة معدلة بالفوتوشوب للقس “مكاري” وبجانبه صورة مرسومة لوجه المسيح، وعلق “مكاري يونان” على حديثها باكيًا بعبارة “المسيح حاضر وسطينا”. حيلة رخيصة لزيادة نسب المشاهدة على القناة ومن ثم زيادة التبرعات.
خلال كل تلك السنوات حاول العشرات، بل المئات، من الكتاب والمثقفين، تفنيد عرض مكاري يونان المسرحي بحجة التنوير والرجوع عن طريقة المسيحية الشعبوية والدجل والشعوذة، لكن لا حياة لمن تنادي، فالخرافة والجهل أقوى من أي تنوير.
رجل الله: سعيد عبده
أستمر يونان لأكثر من أربع عقود أو يزيد ملهمًا العديدين ليسيروا على دربه، حتى ألتقط طرف الخيط منذ عدة أعوام شاب موهوب في التمثيل يدعى “سعيد عبده”، ويلقب نفسه بالقس المبشر رجل الله. قصير، مترهل الجسد، يمتلك كرشًا عريضًا، ولا يرتدي ملابس كهنوتية مثل “مكاري يونان”. وبحسب موقعه الشخصي يعرف نفسه على أن لديه “مسحة” من الروح القدس للشفاء من الأمراض المستعصية مثل التهاب الكبد والسرطان والعقم ومشاكل القلب، وإخراج الشياطين وتعليم الآلاف. ينتشر “عبده” في الإسكندرية عن طريق كنسيته التي سماها “نور المسيح للأمم”، ولا ينسى خلال موقعه الشخصي البدائي أن يطالب الزوار بالتبرع السخي لأن “رجل الله سعيد عبده يستغرق وقتًا للصلاة من أجل اسمك وعائلتك”
فيديوهات “سعيد عبده” تفوق فيديوهات “مكاري يونان” إثارة للجدل بمراحل. يبدأ “عبده” اجتماعه بالصلاة الارتجالية التي يؤكد أنها تخرج من عمق القلب لتصل إلى مسامع الله، ويفصل بين كل صلاة وأخرى مجموعة من الترانيم التي تعتمد على نوع من الموسيقى يتسم بالحماسة التي تُلهب المستمعين لتجبرهم على مشاركة الجسد للإيقاع باهتزازات انفعالية في صورة أشبه بـجلسات الزار. ويستكمل سعيد اجتماعه بفقرة البركة التي يدعى أنها حلول للروح القدس، فيضع يده على رؤوس الحاضرين في اجتماعه، أو على الهواء، فيبدأ الحاضرون في التدافع حتى يسقط جميعهم على الأرض، مع صراخ شديد كعلامة على حلول البركة. ويؤدى عشرات المشاركين الذين يداومون على حضور الاجتماع، حركات غير مفهومة تشبه ما يفعله المصابون بمرض الصرع.
يختتم “سعيد” اجتماعه الأسبوعي، بفقرة إخراج الشياطين المسرحية، يهمهم فيها “سعيد عبده” ببعض الكلمات والجمل القتالية قبل أن يوجه لكمة في الهواء في وجه الممسوس بالتزامن مع صوت لكمة قوي “بووم” من فم “سعيد عبده” كموسيقى تصويرية للحدث، فيسقط الممسوس على الأرض دون أن يلمسه “سعيد”، بينما يُطلق الممسوس أصواتًا غريبة غير مفهومة، وينتفض بقوة بينما أيدي الخدام والخادمات الأفارقة المعاونين للأخ سعيد يحيطون بالممسوس إحاطة السوار بالمعصم، حتى تحين اللحظة المناسبة التي يطلق فيها سعيد عبده “بوكس الروح القدس” من قبضته المدمرة على غرار “مازنجر”، مع صوت “بوووووم” قوية في الميكروفون، فتكون تلك الإشارة للمعاونين حتى يتركوا الضحية فيسقط أرضًا في حركة مدروسة ويتنفض لعدة ثوان قبل أن يقوم معافى تمامًا ليتحدث بشكل طبيعية شاكرًا الله ورجله “سعيد عبده” على نعمة الشفاء من الشياطين.
ولا تقتصر خدمات سعيد عبده على إخراج الشياطين فقط، ففي فيديو أخر يأمر عبده الفقرة القطنية أن تنشفي باسم “يســــــووووووووووع” – كما يتعمد أن يطيل في الاسم – فتستجيب القطنية في الحال وتنشفي وتقوم المريضة التي لم تكن تقوى على السير بمفردها منذ ثوان، وتسير بطريقة طبيعية، ولا بأس أن تقوم ببعض التمارين الصباحية مثل تمرين الأنحناء بظهرها للأسفل حتى تلمس بأصابع يدها مشط قدميها كدليل على شفاء الفقرة القطنية اللحظي كأمر رجل الله “سعيد عبده”، وتضج القاعة بالاحتفال والصراخ الهستيري فرحًا وتهليلًا.
دفعني أسلوب “عبده” المسرحي للتعرف عليه أكثر وأكثر، وأسال شهيتي وفضولي للتعرف على تلك العقليات التي تتبع شخصًا مثله. أتتني الفرصة عندما أرسل لي أحد الأصدقاء رابط “جروب الحصاد الأخير” على تطبيق “تيليجرام”، التابع للأخ “سعيد عبده”، ولم أضع وقتًا، فالجروب يحوي أكثر من ألفي متابع نشط، ولا يحوي الجروب على أي دعوة للصلاة أو التوبة أو ما شابه، وإنما يدور حول نظريات المؤامرات والماسونية وعلامة الوحش والرقاقة الذكية التي يدسها بيل جيتس بكل خباثة في أجسام المسيحين عبر لقاح كورونا لتمييزهم بعلامة الوحش 666 بحسب سفر الرؤيا، والآف التحذيرات من تلقي اللقاح الذي يعتبره الأخ “سعيد”، وزوجته خطية يجب التوبة عنها، وعشرات الفيديوهات الساذجة التي تؤكد أحتواء اللقاح بأنواعه الدولية المختلفة على خطة لتغيير الجينوم الإلهي المرتبط بشبكة الجيل الخامس من التليفونات المحمولة، ولم أفهم العلاقة بينهم، حاول بعض أعضاء الجروب المشبوه توعية الأعضاء فقابله الأدمن بالطرد خارج الجروب والحظر التام.
أسلوب “عبده” الفني يقترب من أسلوب الكنيسة البروتستانتية، لكن القس رفعت فكري نائب رئيس “سنودس النيل الإنجيلي” أكد أن “عبده” لا ينتمي للكنيسة الإنجيلية من قريب أو من بعيد، لأن الكنيسة الإنجيلية على علم بقساوستها وشيوخها من الإسكندرية إلى أسوان، مؤكدًا أن عبده لا منصب له بالكنيسة الإنجيلية المشيخية على الإطلاق، فليس قسًا ولا راعيًا ولا شيخًا، وأكد القس رفعت فكري أن الطقوس التي يؤديها “عبده” لا علاقة لها بالكنيسة الإنجيلية، موضحًا أن “عبده” غير موهوب في إخراج الشياطين أو شفاء الأمراض، وإنما يعتمد على إثارة عواطف التابعين له، من خلال الموسيقى المُستخدمة وحركات التمايل والاهتزاز العنيف الذي يشبه الصرع، الأمر الذي يعتمد عليه بعض البسطاء في إخراج الطاقات السلبية والإحباطات التي يمرون بها في حياتهم اليومية.
ما بين “مكاري يونان” و”سعيد عبده” أطنان من رواسب الجهل والسطحية ترعرعت في وادينا الطيب لعقود، ولا يبدو أن هناك من يقدر على مواجهتهم أبدًا بعدما صار هؤلاء مصدرًا سخيًا لتدفق مئات الأف من التبرعات السخية، وقنوات فضائية تتبنى خطابهم المشعوذ.
---
## أزمة حبّ “ميرنا ماهر”
URL: https://tabcm.net/8461/
Type: post
Modified: 2026-02-09
” لا طلاق إلا لعله الزنا ”
(البابا شنودة الثالث)
مقولة البابا شنودة تلك التي رُددت كثيرا داخل البيوت القبطية لسنوات كثيرة باعتبارها خطأ “آية”، بل قانون. فهي الرد الموجز المنجز لكل المشاكل الزوجية. ولكن المعنى الفعلي للمقولة في “بعض” البيوت القبطية ليس في حصر قبول الطلاق إلا في حالة زنا أحد الطرفين، بل هي صك ملكية أُعطى لـ “بعض” الأزواج بضمان شفهي مقدس من فم البطريرك السابق. ذلك الوعد بعدم الطلاق إلا لعلة الزنا يجيز لك ضمنيًا ارتكاب ما تشاء من الأخطاء في ذلك الزواج ماعدا أن تزني بامرأة أخرى.
يمكنك ضرب زوجتك وتعنيفها .. يمكنك اﻻعتداء عليها جسديًا ونفسيًا .. أملك جسدها بيدك، أو بحزامك، أو حذائك .. فلك من جسدها ما شاءت، الأهم ألا تمسّ جسد امرأة أخرى .. هنا فقط تسقط شرعيتك. فإقناع الزوجة بأنك صليبها وعليها تحملك حتى تصل إلى فردوس يفصلها عنك أمر هين، ولكن كيف يقنعوها إن ارتباطك بامرأة أخرى “صليب” أخر.
مين العاقل فينا، مين مجنون؟
مين اللي مدبوح من الألم؟
مين اللي ظالم فينا، مين مظلوم؟
مين اللي ما يعرفش غير كلمة “نعم”؟
(عبد الرحيم منصور، حدوته مصريّة)
المرأة في تصور أغلبية مجتمعنا المصري ملك لأسرتها وزوجها، ولذلك حين تطلب الطلاق يجب أن تحصل عليه من الجميع. تقاطعها أسرتها قبل مجتمعها الذي ينبذها تباعًا احترامًا لأب وأم نبذوا ملكيتهم الخاصة. فـ “بعض” الحب ببلادنا مشروط حتى حب الأهل، حب مشروط بالطاعة.
أزمة “ميرنا” ليست في أسلام أو مسيحية، أزمة “ميرنا” أنها أرادت الحب من والديها قبل زوجها. ذلك الحب الذي يشفي الجروح ويطيب الروح أصبح عملة نادرة في بيوت اليوم. لن يفرق كثيرا إذ ما كان ذلك البيت يصلى “يوم الجمعة” أو “يوم الأحد” بل كيف يحب أفراده بعضهم البعض. الحب دائما هو الاختيار. فجميعنا نهرب إلى مرافئ الحب أي كانت بلاده. الأزمة ليست على أي دين اختارت أن تكون “ميرنا”، بل على أي حب حصلت “ميرنا” وعن أي قسوة ابتعدت “ميرنا”. جميع القصص متشابهة، بطلتها ليست “وفاء” وﻻ “كاميليا” ولا “مريم” ولا “ماري” ولا “ميرنا ماهر” بل الحب المفقود. الحب الذي لم يستطعن الحصول عليه من آبائهن وأمهاتهن قبل أزواجهن.
أين الرجال من تلك القضية؟ الحقيقة أني لم أر رجلا أسلم أو تنصّر وأثار مشكلة أو قاطعه أهله، بل كان الباب دائمًا مفتوح لهم. فعلى مدار عمري عاصرت قصص كثيرة أبطالها رجال أسلموا ولم نسمع عنهم في أي أخبار. أحد تلك القصص التي عرفت أصحابها بعد أن توفى بطل القصة، الذي تزوج بسيدة مسيحية، وأنجب منها طفلا، ثم تركها وأسلم وتزوج بمسلمة، وأنجب منها أكثر من طفل، ثم ترك اﻹسلام وعاد للمسيحية، وتزوج بامرأة مسيحية أخرى، حيث إن زوجته الأولى توفت، وأنجب من المسيحية الأخيرة. ذلك الرجل لم ينبذه مجتمعه، وعاش أبنائه المسيحيين والمسلمين علاقة طيبة يتقابلون في المناسبات حتى بعد وفاة والدهم.
أيضا خير مثال هو المخرج الراحل “أسامة فوزي” الذي أسلم من أجل زواجه بالفنانة “سلوى خطاب” ولم يتبرأ منه أهله ولا قاطعوه. الكثير من الرجال يعبرون يوميًا ما بين فريقي الهلال والصليب في مصر ولم يسمع أحد عنهم.
إذا لماذا السيدات فقط من يعاني؟ لأنهم في العقل الجمعي “للأغلبية” في مجتمعنا هم ملكية خاصة، أيا كانت ديانتها. يسلمهن آبائهن لأزواجهن راجين عدم عودتهن تحت أي ظرف. حكت أحدى السيدات لي، عبر صفحتي الخاصة، وهي متألمة أنها سمعت والدها بالصدفة يتحدث مع طليقها، راجيًا إياه أن يرجعها حتى لو “خادمة”. وصفت لي السيدة مرارتها بعد أن اهتزت صورة والداها في عينيها مسببة غصّة في قلبها وشعور بالغضب تجاه جميع من خذلوها في الحياة وأولهم والدها الذي حسبته سندًا.
بمد إيدي لك، طب ليه ما تقبلنيش؟
لا يهمني اسمك.. لا يهمني عنوانك..
لا يهمني لونك.. ولا بلادك.. مكانك..
يهمني الإنسان.. ولو ملوش عنوان.
(عبد الرحيم منصور، حدوتة مصريّة)
كيف يجوب هؤلاء الإباء والأمهات وسائل الأعلام مناشدين بناتهم العودة لحضن المسيح بدلا من أن يناشدهن العودة لأحضانهم! لم أر في عيون الكثير من الإباء والأمهات في تلك القضايا حب ورغبة حقيقية في ضم بناتهم لأحضانهم مرة أخرى بل رغبة في عودة السيطرة مع الانتقام من بناتهم الذي كسروا صورتهم مجتمعيًا. لو كان هؤلاء يحبون بناتهم عن حق لأحبوهن متزوجات أو مطلقات… مسيحيات أو مسلمات. الحب النقي لا يعرف شروطا. لو أحبوهن حقًا لدعموهن، ولم يجبروهن على حمل صلبانٍ أثقل منهن، بل لحملنها عنهن.
لم أتعاطف يومًا مع أب، أو أم، أو زوج، (من أيّا من الفريقين) تتركهم أبنتهم إلى طريق تعلم هي ألا عودة منه.. دائمًا ما يدور برأسي نفس السؤال.. ماذا فعلوا لها حتى تركت لهم كل شيئ.
“الحب”.. كلمة السر والسحر هي الحب. قيل لكم أحبوا أعدائكم فكم بالأحرى بناتكم وزوجاتكم.
“كيف نضجر وللسماء هذه الزرقة، وللأرض هذه الخضرة، وللورد هذا الشذا، وللقلب هذه القدرة العجيبة على الحب، وللروح هذه الطاقة اللانهائية على الإيمان. كيف نضجر وفي الدنيا من نحبهم، ومن نعجب بهم، ومن يحبوننا، ومن يعجبون بنا ”
(نجيب محفوظ)
حين شاهدت فيديو “ميرنا” لم أجد أمامي فتاة مغيبة أو مخدرة أو مخطوفة، بل سيدة هاربة من ألم لم تعد تحتمله، راجيه أهلها بتركها لحالها حتى لا تفصح عما تكنه الصدور على الملأ. للأسف “ميرنا” وأخواتها من الجانبين هم مثال مؤلم على أزمة مجتمع ينقصه الحب. أزمة مجتمع متربص لا يمرر الحب إلا من “خرم” إبرة. مجتمع مكبوت عاطفيًا، ناكرًا للحب حتى في أكثر صوره براءة لذلك لا تعجب حين ينفرط عقده موحلًا في الضياع.
يا ناس، يا ناس يا مكبوتة، هي دي الحدوتة
حدوتة مصرية..
حدوتة مصرية..
(عبد الرحيم منصور، حدوتة مصريّة)
---
## المعجزة كخطاب: من ڤسپاسيان إلى حسن البنا
URL: https://tabcm.net/27951/
Type: post
Modified: 2026-02-08
تحدثنا في السابق عن شهادة الجموع عن الحدث المعجز، واتفقنا على أن انتشار خبر بين الناس لا يعني بالضرورة أن الحدث قد حصل بسبب اعتبارات نفسية كثيرة لم تكن معروفة في ذلك الوقت ولكنها معروفة الآن بشكل تجريبي، كما قدمنا أمثلة، واتفقنا أيضًا على أن كل حدث يحتاج إلى دراسة منفصلة دون فتح باب كسر الطبيعة على مصراعيه. واليوم سنتحدث عن الدور الأيديولوجي للمعجزة، وكيف يتم سردها لدعم أيديولوجية وكيف أن هذا السرد سمة عامة لدى معظم الجماعات.
وبالطبع لن نتحدث عن المعجزات التي تعرفها، وليس هدفي الطعن في صحتها، ببساطة الله قادر على كل شيء! لكن دعونا نتحدث عن المعجزات التي من الممكن ألا تعرفها لكي ترى الظاهرة في السياق الأوسع، ووسط جماعات قد لا تتخيل وجود معجزات عندها. وسنبدأ من زمن أبعد، من عند الوثنيين!
بعد انتصار الإمبراطور ڤسپاسيان في صراعه مع ڤيتليوس، أصبح الحاكم الأوحد، ومن أجل تعزيز حكمه، سار على خطى الأباطرة الذين سبقوه مثل يوليوس قيصر، وأغسطس قيصر، وكلوديوس قيصر. نال “يوليوس قيصر” ألقابًا إلهية، وبعده تم تأليه “أغسطس قيصر” وأصبح يُطلق عليه “إله ابن إله”. قرر ڤسپاسيان أن يسير على نفس النهج وأن يدعم نفسه بأيديولوجيا تحمي مُلكه من أي ثورات وتمنحه سلطة على عقول وقلوب الناس. من ضمن هذه الدعاية كانت فكرة أنه رجل تقي يصنع المعجزات! بل إن بعض المؤرخين ينقلون هذه المعجزات أيضًا، ومن بينهم مؤرخين مشهورين مثل تاسيتوس وسويتونيوس وكاسيوس ديو ((عاش كل من بابليوس كورنليوس تاسيتوس وجايوس سويتونيوس ترانكويليوس في عصر تيتوس فلاڤيوس قيصر ڤسپاسيانوس أغسطس (ڤسپاسيان). )).
المعجزة الأولى عن اثنين من الإسكندرية، أحدهما كفيف والآخر يده مشلولة. عندما رأيا الإمبراطور قادمًا، رميا نفسيهما أمامه وطلبا منه أن يشفيهما لأن الإله سيرابيس ظهر لهما وقال إن الإمبراطور عنده القدرة على شفاء الإعاقات، وأيضًا حدد سيرابيس طريقة الشفاء التي ستحدث، حيث قال سيرابيس إن بُصاق ڤسپاسيان سيُشفى الأعمى، ولمسه من كعب رجله ستُشفى الذي يده مشلولة ((جايوس سويتونيوس ترانكويليوس، في كتابه عن ڤسپاسيان الفصل 7، الفقرة 2 و3. )).
في البداية، كان الإمبراطور مترددًا، ولم يرغب في التجربة، لكن المُحيطين به توسلوا إليه حتى قرر أن يحاول. فسمع الكلام الذي قاله سيرابيس واستخدم البصاق في شفاء عين الأعمى، فأبصر فعلًا. وبالنسبة للذي يده لا تتحرك، جعله يمد يده ومر بخطواته من فوقها، فشُفيت واستطاع تحريكها.
ڤسپاسيان لم يكن يشفي فقط، بل كان يرى رؤى أيضًا. فمثلًا، رأى في معبد سيرابيس رؤيا عن شخص يُدعى باسيليدس، وكان هذا الأخير مريضًا طريح الفراش في مدينة بعيدة. رأى ڤسپاسيان في منامه باسيليدس وهو يُغدق عليه العطايا الرمزية وكأنه يُنصّبه على الحُكم.
يحكي سويتونيوس أن بعد موت ڤسپاسيان، جلس ابنه تيتوس فلاڤيوس قيصر على العرش. وفي وقته، في سنة 80م، حدث وباء شديد. يذكر سويتونيوس أن تيطس أخذ رداء أبيه وقدّم نفسه على أنه سيرابيس الجديد وبدأ يلمس الناس ويشفيهم.
يشير تريڤور لوك إلى أن معجزات تيطس كانت معروفة في وقت مبكر قريب من الوقت الذي كتب فيه المؤرخ اليهودي فلافيوس يوسيفوس كتابه عن حروب اليهود. ويذكر يوسيفوس أن اليهود في فلسطين جففوا آبار المياه لمقاومة الرومان، لكن تيطس وجيوشه حصلوا على كميات كبيرة من المياه بشكل معجزي. ((Trevor S. Luke, Ushering in a New Republic: Theologies of Arrival at Rome in the First Century BCE, University of Michigan, 2014, p.85 )).
بعد المسيحية، ظل الأباطرة يصنعون المعجزات بشكل عادي جدًا، ولكن بدلًا من أن يقوم بها سيرابيس، أصبحت تحدث في سياق مسيحي. فمثلًا، نقرأ عن الإمبراطور ثيؤدوسيوس الكبير أنه في يوم 6 سبتمبر 394م، وفي وسط حرب طاحنة، قرر ثيؤدوسيوس أن يطلب معونة الله. ولما صلى، جاءت رياح عظيمة وضربت جيش الأعداء وفرقت أسلحتهم، فلم يقدروا أن يطلقوا ولو سهم واحد. وغطت سُحب ترابية عظيمة جيش الأعداء وأجبرتهم على إغلاق عيونهم، فهاجمهم جيش الإمبراطور وقتلهم جميعًا.
هذه القصة برواية المؤرخ ثيؤدورت، أسقف قورش، الأمر الذي يجعلنا نرى أن كتابة التاريخ وقتئذ لم تصل حتى للتحقيق الصحفي المعاصر للخبر. وأن الكتابات التاريخية الكلاسيكية كثيرًا ما تخلط الأحداث الطبيعية بما هو ميتافيزيقي بشكل عادي جدًا، والمهم أن المُنتج النهائي يحقق الأجندة التي يريد الكاتب نشرها بين الناس.
في سياق موازٍ، سأحكي لك قصة مشابهة، قصة رجل كان يهاجم معسكر الأعداء في مهمة شديدة الخطورة. ولما دعا ربه استجاب له، وجعل جيش العدو لا يراه، فدخل من بوابة المُعسكر ونفذ عمليته بداخله وخرج، ولم يره أحد قط بشكل مُعجز. هذا الرجل ليس من جيش ڤسپاسيان ولا تيطس، بل هو مجاهد يحكي عنه حسن الهضيبي، المُرشد الثاني لجماعة الإخوان المسلمين.
قصة هذا المجاهد أنه كان ينفّذ عملية ضدّ الإنجليز في الأربعينيات من القرن الماضي بهدف تدمير مستودعات ذخيرة بالقرب من قناة السويس. يروي الهضيبي أنّ المعسكر كان شديد الحراسة وأنّ الإخوة كانوا يشعرون بالانكسار وضميرهم يؤنبهم على ذنوبهم. وبعد أن دعا الأخ وطلب المغفرة من الله، حصلت المعجزة ووجد أبواب المعسكر تُفتّح لوحدها وعمى الله أبصارهم عن رؤيته ((Noha Mellor, Voice of the Muslim Brotherhood, Routledge, 2017, p.44 )).
نفس خط المُعجزات يمثل جُزء أساسي من أيديولوجيا الإخوان المسلمين، في فيديو مشهور لها، وفي مُذكراتها بعنوان: أيام من حياتي، تقول “زينب الغزالي” أنّها تعرضت للتعذيب في السجون المصرية، ولكنها كانت تُشفى بشكل مُعجزي ((زينب محمد الغزالي الجبيلي، في مُذكراتها التي بعنوان: أيام من حياتي. )).
الكلاب تتسلق جسدي كله، أحس أنيابًا في فروة رأسي، في كتفي، في ظهري، أحسها في صدري، في كل جسدي، أخذت أنادى ربى هاتفة:
اللهم اشغلني بك عمن سواك، اشغلني بك أنت يا إلهي، يا واحد يا أحد يا فرد يا صمد، خذني من عالم الصورة، اشغلني عن هذه الأغيار كلها، اشغلني بك، أوقفني في حضرتك، اصبغني بسكينتك، ألبسني أردية محبتك، ارزقني الشهادة فيك، والحب فيك، والرضا بك، والمودة لك، وثبت الأقدام يا الله، أقدام الموحدين.
كل هذا كنت أقوله بسري، فالكلاب ناشبة أنيابًا في جسدي. مرت ساعات ثم فتح الباب وأخرجت من الحجرة. كنت أتصور أن ثيابي البيضاء مغموسة في الدماء، كذلك كنت أحس وأتصور أن الكلاب قد فعلت. لكن يا لدهشتي، الثياب كأن لم يكن بها شيء، كأن نابًا واحدًا لم ينشب في جسدي. سبحانك يا رب، إنه معي، يا الله هل أستحق فضلك وكرمك، يا الله، إلهي، لك الحمد.
(زينب الغزالي، أيام من حياتي)
قصص مُماثله كانت تُحكي عن الإمام “حسن البنا” نفسه، يحكي محمود عبد الحليم، عضو الهيئة التأسيسية لجماعة الإخوان المسلمين، أن حسن البنا كان يصلي ليلة الامتحان، فظهر له شيخًا يُمسك الكتاب ويقرأ بعض الأجزاء منه، وهي نفس الأجزاء التي أتى منها الامتحان في اليوم التالي ((محمود عبد الحليم، الإخوان المسلمون: أحداث صنعت التاريخ، وكتاب نهى ميلور، Voice of the Muslim Brotherhood، ص. 44. )).
ويحكي طارق البشري، أن والد حسن البنا، يقول إنه وهو طفل رضيع تم إنقاذه بطريقه مُعجزيه من حيَّة كانت وصلت لحد رأسه، وأنّه نجا من مواقف كثيرة بشكل مُعجزي مثل أن وقع عليه هو وأخوه سقف المنزل، لكن السقف تعلّق في السلم ولم يحدث لهما ضرر البتّة. وأنه في مرة أخرى كان على فرس جموح، وكادت رأسه أن تُصدم بجذع صدمة قاتلة لولا أن “ألهمه الله” أن يستلقي على ظهره -فوق الحصان- كي تمر رأسه بسلام. وما إلى ذلك الكثير والكثير ((طارق البشري، الحركة السياسية في مصر، دار الشروق، ص. 132. )).
بطبيعة الحال، تصديقك أو عدم تصديقك للرواية متوقف على هل أنت بالأصل مُتبنِّيًا لفكر المجموعة التي تحكي القصة، أم لا. ولو أطلعتك على عشرات الأمثلة الموازية من التراث القبطي ستصدق القصة التي تنتمي لجماعتك وسترفض قصة الآخر. المعيار هنا هو أين تقف أنت، وليس المعيار هل نستطيع التحقق من القصة تاريخيًا.
وهذا يعني أن المعجزة أدبيًا ليها دور أيديولوجي. حيث أن المُعجزة تخدم أجندة مجموعه مُعينة، ولابد أن تكون مُدركًا في التعامل مع الظاهرة أن الموضوع يتخطَّى القدرة على الإثبات، لأن المُتلقِّي أساسًا مُهيَّأ للتصديق دون إثبات. وهذا ليس احتجاجًا على “استحالة” حدوث المُعجزة، لأن هذا في حد ذاته ادعاء غير قابل للبرهنة، لأن لا أحد يستطيع إثبات النفي، ولكن تستطيع اعتبارها دعوة للنظر للروايات المُعجزية بنظرة أكثر رحابة عن اعتبارها تاريخ مُجرَّد، لا تشوبه الأيديولوجيا ولا الأجندات السياسية، ولكن باعتباره حدث ذو سياق ويستهدف جماعه مُعينة لكي يدعَّم فكرتها عن شخص مُعيَّن.
في الحرب العالمية الأولى سنة 1914، وتحديدًا ما بين يوم 22 و 23 أغسطس، اشتبكت قوّه بريطانية مع الألمان كي تُأمن تراجع الجيش الفرنسي في مدينة Mons. عدد الجيش الألماني كان أكبر بكثير من القوّة البريطانية، ولكن استطاع البريطانيون ليوم أن يصمدوا أمام الألمان ثم انسحبوا في اليوم التالي. وإلى هنا والقصة تبدو عاديه وليس بها أي شيء غريب.
يوم 29 سبتمبر من نفس السنة (بعد الموقعة المذكورة بحوالي شهر وأسبوع) نشر الكاتب الويلزي آرثر ماكين قصة قصيره بعنوان The Bowmen أو رجال القوس في جريده The Evening News، وكانت القصة مُستوحاه من أحداث موقعة Mons لأنه كان مراسلًا لأخبار الموقعة وكتب عنها تقارير ومقالات صحفية سابقة في خلال الشهر والأسبوع الماضيين. قصة ماكين كانت تحكي عن جندي طلب مُساعدة قديس [Saint George] والقديس أرسل له كتيبه بأقواس وأسهُم ودمروا كتيبه ألمانية. أسلوب القصة يندرج تحت نوع أدبي اسمه False Document، في هذا النوع الأدبي يكتب الكاتب قصة غير حقيقية يمتزج فيها المُختلق بالتاريخي، والأسطوري بالواقعي.
في نفس العدد من الجريدة، كان هناك كاتب آخر نشر قصة اسمها Our Short Story. ولسبب ما بدأت تأتي لماكين رسائل كثيرة تطلب منه نشر مصادر تؤكد الأحداث التي حكاها في قصته القصيرة. ما حدث أن القراء خلطوا بين قصة ماكين وبين القصة الثانية، واعتقدوا أن ماكين يدّعي أنّ الأحداث التي حكاها حقيقية. لكن ماكين رد وقال أن ليست لديه مصادر لأن القصة غير حقيقية، وأن ليست لديه أي رغبه في اختلاق شائعات، بل هو مُجرّد مستخدم لنوع أدبي مُشوِّق لا أكثر.
بعد بضعة أسابيع، وصله طلبٌ من مجلة تابعة لكنيسةٍ، يطلبون منه نشر القصة في كتيب، فوافق ماكين. لكنّه تفاجأ بعدها بأنّ القسَّ المشرف على إصدار المجلة بعث إليه يطلب منه كتابة مقدمة للقصة يذكر فيها مصادره. فأخبره ماكين أنه لا مانع لديه من نشر القصة لكن لا مصادر لها. فردَّ عليه القسُّ قائلًا: إنّه لابد من وجود مصادر بما أنّ القصة حقيقية. فأعاد ماكين الرّدَّ عليهِ مُجدّدًا وأكّدَ أنّ القصةَ ليست حقيقيةً. ونشر كتابًا سنة 1915 بعنوان The Bowman and other Legends of the War كتب فيه أنّه يبدو أنّ هناك مجموعة في كنيسة معيّنة انتشرت بينهم القصة على أنّها مُعجزة حقيقية، ولذلك كانوا مهتمين بالتواصل معه ونشرها، وأنّ الرواية الأدبية التي كتبها تحوّلت إلى قصة دينية منتشرة على نطاق واسع، شبهها بكرة الثلج التي وصلت إلى حجم رهيب، ما اضطره إلى شرح الأمر للناسِ كل مرة بأنها مجرد خيال ((Arthur Machen, The Angels of Mons: The Bowmen and Other Legends of the War, 1915 )).
بعدها بعام، وفي سنة 1916، نشرت مجلة Spiritualist الدينية البريطانية أخبارًا عن رؤى رآها الناس وقت معركة Mons، وزعمت أن ملائكةً تدخلت لصد الألمان، وأن هذا هو سبب قدرة الكتيبة البريطانية على الاستمرار ليوم كامل في وقف زحف الجيش الألماني الذي كان يتخطاهم في العدد بشكل كبير جدًا. ليس هذا فحسب، بل بدأ الناس يتحدثون عن تفاصيل الملائكة وملابسهم، لدرجة أن البعض زعموا أنهم رأوا جثث الجنود الألمان وعليها جروح تشبه جروح الأسهم.
بعض هذه القصص، أثناء انتشارها، كانت مصحوبة بحجج تهدف لإخفاء أسماء الأشخاص المنسوب إليهم أنهم شاهدوا تفاصيل الحادثة. فمثلًا، كان البعض، بعد أن يَحكي القصة، يقول: لأسبابٍ عسكرية، أسماء شهود العيان لن تُعلَن. وبطبيعة الحال، كل المحاولات التي اُتُّبِعَت لتتبع القصة ومصادرها والذين شاهدوها كانت توصل إلى أنه لا يوجد أي شيء تمامًا، حتى المصدر الأول لها كان يعاني لكي ينفي أنها قصة حقيقية، ويقول إنه لم يكن يعرف كيف يسيطر على انتشار القصة وتطورها.
كرد فعل على الأخبار التي انتشرت في إنجلترا وفرنسا، بدأت الصحف البريطانية تنشر ردود الألمان الذين كانوا يحاولون شرح ما حدث يوم الحرب. وفي عام 1930، ظهر شخص غير معروف يُدعى فريدريك هيرزنورث ونشر مذكراته التي ذكر فيها أن الألمان كانوا يحاولون تخويف الإنجليز عن طريق عكس النور على السحاب، لكن الخطة فشلت واعتبرها الإنجليز معجزة لصالحهم.
المشكلة أن ما ذكره هيرزنورث في عام 1930، لم تكن التكنولوجيا اللازمة له متاحة في عام 1914. كما أنه لا يوجد في السجلات الألمانية الخاصة بالحرب ما يُشير إلى أن هذه الخطة كانت جزءًا منها، ولا يُعد اسم فريدريك هيرزنورث من بين أسماء القادة في الحرب أساسًا. وقد أكدت الصحف البريطانية نفسها ذلك عندما نشرت ردًا من ألمانيا ينفي وجود شخصية حقيقية بهذا الاسم.
في عام 2001، نُشرت مقالة في صحيفة The Sunday Times البريطانية عن مذكرات وفيلم وصور تؤكد حادثة ملائكة Mons، وكانت منسوبة لجندي حارب في الحرب العالمية الأولى اسمه ويليام دويدج (William Doidge). وظهرت قصص أخرى تُفيد بأنّ ممثلين مشهورين مثل مارلون براندو وتوني كاي أرادوا شراء هذه المذكرات لتحويلها إلى فيلم (على غرار الإشاعات التي انتشرت في مصر أواخر التسعينيات عن عادل إمام الذي سيدفع ديون مصر مقابل وضع صورته على العملة الورقية).
وبدأت البرامج والصحف بنشر أخبار عن الأدلة الجديدة التي ظهرت، وأصبحت القصة أكثر تفصيلًا، وحدّدت مكانًا لاكتشاف المذكرات والصور، وشخصًا معينًا اكتشفها، وقصة عن اكتشافها في مكان قريب من مكان ولادة ماكين. كل هذا بسبب قصة قصيرة خيالية كتبها عام 1914 ولم يضع عليها عنوانًا يشير إلى أنها خيالية.
ختامًا، هناك فرق بين استعدادك للتصديق بسبب تصورك عن العالم أو الأيديولوجيا التي تتبناها تجاه نص أو شخص أو جماعة، وبين قدرتك على الاستدلال التاريخي للتصديق. من حقك أن تصدق أي شيء، والله قادر على كل شيء، ولكن كثرة الادعاءات التي من الصعب إثباتها، والمنتشرة عند كل الجماعات، يتطلب الكثير من الحذر عند التعامل مع هذه الأخبار. التروي والتعقل في التعامل مع المعجزات هما صفة العقلاء. ليس بالضرورة أن تكون القصة التي تدعم وجهة نظرك صحيحة، فالحكمة تقتضي منك التعامل بحرصٍ أكبر مع الادعاءات، خاصة تلك التي تفتقر إلى دليل تاريخي، والتي من الواضح أنها تخدم أيديولوجيا أو وراءها ظواهر نفسية أصبحنا في عصرنا الحاضر أكثر قدرةً على دراستها وفهمها بشكل أفضل بكثير من السابق.
---
## التطبيقات في الكنائس العربية
URL: https://tabcm.net/50970/
Type: post
Modified: 2026-02-08
نناقش تطبيقات مبدأ Sola Scriptura اليوم في الكنائس العربيّة بين الفهم الصحيح وسوء الاستخدام، حيث يشهد واقع الكنائس ذات الخلفية البروتستانتية في السياق العربي اليوم تباينات في فهم وتطبيق مبدأ الكتاب المقدس وحده. ففي ظل كون هذه الكنائس أقليّة محاطة بتقاليد رسولية قديمة (أرثوذكسية وكاثوليكية)، يكتسب موضوع سلطان الكتاب مقابل التقليد حساسية خاصة. ويمكن رصد أنماط مختلفة.
أولًا: الفهم الصحيح المتزن (نماذج إيجابية)
هناك قادة وكنائس عربية إنجيلية تسعى لتبنّي Sola Scriptura بروحها الأصلية المتزنة. يظهر ذلك من خلال التمسك بأن الكتاب المقدس هو المرجع الأخير في كل تعليم وعِظة، مع الاستفادة من شروحات التراث الآبائي والإقرار بأن فهمنا المعاصر للكتاب يُبنى على أساس ما سلّمته الكنيسة عبر الأجيال. هذه الكنائس تُدرّس عقائد الإيمان التاريخية (مثل الثالوث والتجسّد) مستعينة بإجماع الآباء والقوانين القديمة، لكنها توضح دائمًا أن سلطة تلك التعاليم مستمدة من مطابقتها للكتاب. كذلك يحرص بعض الخدام على ترجمة مصادر إصلاحية وآبائية للغة العربية لتعليم المؤمنين كيف فهم قديسو الكنيسة كلمة الله، وبذلك يربطون المؤمن المعاصر بتراث كنيسته الجامعة بدل أن يتركوه فريسة التفسير الفردي المغلوط.
ومن العلامات الصحّية أيضًا اعتماد منهج الوعظ التفسيري المنتظم (آية بآية وإصحاحًا تلو الآخر)، مما يرسّخ أن رسالة الكتاب بأكملها هي التي تُعلِّمنا وتصحح أفكارنا، لا اجتزاء آيات لخدمة أفكار مسبقة. نجد أيضًا احترامًا ملحوظًا لدى هؤلاء لدور المجامع الكنسية في التاريخ، فمثلاً قد تُتلى أجزاء من قانون الإيمان النيقاوي في العبادة الإنجيلية أو يُستشهد بكتابات آباء كمصدر حكمة – مع التأكيد أن اللمسة النهائية دائمًا للكتاب في تقرير الصح والخطأ. مثل هذه الممارسات تشير إلى فهم سليم لـSola Scriptura: الكتاب مرجع فريد وكافٍ، لكن فهمه مسؤولية جماعية تاريخية وليست مغامرة فردية معزولة (( Keith A. Mathison, The Shape of Sola Scriptura (2001) ))، (( Alister E. McGrath, Reformation Thought: An Introduction, 4th ed. (2012) )).
ثانيًا: ممارسات مختلطة وشعارية (نماذج سلبية)
في المقابل، تعاني بعض الكنائس والتيارات الإنجيلية العربية من سوء فهم أو تطبيق مشوّه للمبدأ، ما بين تفريط وإفراط:
• إفراط في رفض التقليد:
لدى شريحة من الإنجيليين العرب، خاصة من خلفيات كانت تقليدية ثم انتقلت إلى البروتستانتية، يظهر ردّ فعل حاد ضد كل ما يمت بصلة لتراث الكنيسة القديمة. يرفع هؤلاء شعار “الكتاب وحده” للتشكيك أو رفض أي تعليم آبائي أو ممارسة تاريخية لمجرّد كونها مرتبطة بالكنائس الرسولية التقليدية. فمثلًا قد يرفضون الاعتراف بقانون الإيمان النيقاوي أو يحتقرون كتابات الآباء الأولين، ظانين أن التمسك بالكتاب يستلزم القطيعة التامة مع التراث.
يصل الأمر ببعضهم إلى الشك في عقائد أساسية لمجرد صياغتها بمصطلحات غير حرفية من الكتاب (كاستخدام تعبير “أقنوم” أو “ثالوث”، رغم انطباق مفهومها كتابيًا). كما يتسم خطابهم أحيانًا بعدائية تجاه التاريخ الكنسي عمومًا، فيختزلون كل حقبة ما بعد الرسل في أنها عصر ظلمة وارتداد انقطع فيه نور الإنجيل – وكأن الكتاب لم يُفهم مطلقًا عبر 15 قرنًا حتى مجيء الإصلاح! هذا التوجه يتجاهل حقيقة أن المصلحين أنفسهم استخدموا إرث القرون الأولى لإثبات صحة الإصلاح.
والنتيجة العملية لهذا الفهم المغالي، انفصال المؤمن عن الغنى التفسيري المتراكم، وركونه إلى قراءته الخاصة المنعزلة التي كثيرًا ما تشوبها محدودية المعرفة وأحيانًا الانحيازات المسبقة. وهكذا تظهر تفاسير غريبة بل وانحرافات عقائدية في بعض الجماعات التي قطعت نفسها عن الجسم التاريخي للإيمان ظانّة أنها تطبق Sola Scriptura، فيما هي واقعة في فخ Solo Scriptura الفردية.
من الأمثلة الواقعية، جماعات ترفض الاحتفال بأيٍ من الأعياد المسيحية القديمة (كالميلاد والفصح) بحجة أنها “تقليد غير موجود بالكتاب”، أو من يرفضون ممارسة أي طقس كنسي جماعي (مثل ترتيل قانون الإيمان أو الصلاة الربانية في الاجتماعات) بدعوى الاكتفاء بالنصوص الكتابية وحدها. هذه المواقف تغالي في حرفيّة الشعار حتى تُفرِّغ الكنيسة من بُعدها المجمعي التاريخي، وقد تؤدي بالمؤمن إلى الاعتقاد أنه ليس ملزَمًا بفهم أحد غيره للنص، مما يفتح الباب لكل رياح تعليم غريب تضرب وحدة الكنيسة ((Keith A. Mathison, The Shape of Sola Scriptura (2001) ))، (( Matthew Barrett, God’s Word Alone: The Authority of Scripture (Zondervan, 2016) ))، ((John Calvin, Institutes of the Christian Religion (1559) – المقدمة عن المجامع الأولى )).
• تفريط وانفتاح غير منضبط للتقليد:
على النقيض، هناك حالات تقع فيها بعض الكنائس الإنجيلية في العالم العربي في مزج غير صحي بين الكتاب وتقاليد بشرية معاصرة، فتقوّض عمليًا مبدأ الكتاب وحده حتى لو رفعته نظريًا. مثلاً قد تتأثر كنيسة ما بشدة بشخصية قائد روحي معين (محلي أو عالمي) فتصبح تعاليم ذلك القائد وأسلوبه هي المعيار العملي، حتى إن خالفت صراحة نصوص الكتاب. أو قد تدخل ممارسات شعائرية جديدة إلى العبادة دون أساس كتابي واضح تحت تأثير ضغط الواقع أو تيارات فكرية.
شهدنا مثلًا بعض الكنائس تتبنى ممارسات مستوحاة من ثقافة ما بعد الحداثة أو من حركات كاريزمية عالمية (مثل طقوس “إطلاق مواهب النبوة” أو مبالغة في مفهوم البركة المادية/إنجيل الرخاء) دون فحص كافٍ كتابيًا، رغم أنها ترفع شعار الإخلاص للكتاب. كذلك بعض الكنائس الإنجيلية ذات الجذور التبشيرية الأجنبية ظلت تتوارث تقاليد موروثة عن المؤسسين الأوائل حتى لو لم تكن مرتبطة مباشرة بالكتاب، وأحيانًا تُعطى هذه التقاليد وزنًا كبيرًا بحكم العادة لا القناعة الكتابية. هذا قد يشمل أساليب معينة في العبادة أو أنماط تنظيمية لا يتم تقييمها دوريًا على ضوء مبادئ الكتاب.
ورغم أن هذه الحالات ليست صارخة كالانحرافات العقائدية، لكنها تمثل إخفاقًا في “الإصلاح المستمر” الذي يتطلبه مبدأ الكتاب وحده – أي إخضاع كل ممارسة للفحص والتقويم الكتابي المستمر (( Alister E. McGrath, Reformation Thought: An Introduction, 4th ed. (2012) )).
• سوء الفهم الشعبي لمبدأ الوضوح والكفاية:
تبرز أيضًا مشكلة على مستوى الفرد العادي في الكنيسة العربية، حيث يُفهم الكتاب وحده أحيانًا بمعنى سطحي، أي أن الكتاب واضح جدًا وبسيط لدرجة تنتفي معها الحاجة إلى أي تعليم منهجي أو دراسي. يُروَّج ضمنيًا أن “كل ما عليك هو أن تقرأ الإنجيل والروح القدس يعلّمك مباشرة، فلا داعي لدرس لاهوت أو للرجوع لتفسيرات الدارسين”.
هذا الفهم يجعل البعض يظنون أن أي محاولة لشرح الخلفية أو اللغة الأصلية أو حتى الاستعانة بتفسير آبائي هي انتقاص من كفاية الكتاب أو من وضوحه. وكانت النتيجة أن كثيرين اعتمدوا على قراءتهم الحرفية السطحية فقط، مما أدى إلى شيوع تفسيرات ضيقة أو مغلوطة لعدد من الآيات وظهور تعاليم غريبة. وقد شهدت الساحة العربية جدالات بسبب ذلك—فعلى سبيل المثال كُتِبت توضيحات أكاديمية معاصرة تؤكد أن فهم الكتاب يتطلب تفسيرًا مسؤولًا لا يكتفي بالمعنى الظاهري البسيط دائمًا، وأثارت اعتراضات من بعض من رآها مساسًا بوضوح الكتاب.
هذا النموذج يبيّن سوء فهم لمبدأ الوضوح الكتابي الذي نادى به المصلحون، فالكتاب واضح في أمور الخلاص الأساسية لكل قارئ مخلص، لكنه لا يلغي الحاجة إلى الشرح والتعليم الممنهج في الأمور العميقة، ولا يعد قارئيه بعصمة فردية في التفسير. الإصلاح لم يُلغِ دور المعلّم الموهوب أو الشيخ المؤتمن على التعليم—بل على العكس اعتبرهم عطايا إلهية للكنيسة—لكنه أخضعهم لكلمة الله وحدها. من هنا، فإن التعليم الكتابي الرصين القائم على دراسة وأمانة هو تطبيق صحيح لـSola Scriptura، أما تجاهل التعليم ظنًا بأن “الكتاب يكفي وحده بلا شرح” فهو في الحقيقة تعطيل لمواهب أعطاها الله للكنيسة من أجل بنائها (( Matthew Barrett, God’s Word Alone: The Authority of Scripture (Zondervan, 2016) )).
خاتمة
إن واقع كنائسنا العربيّة يدل أننا ما زلنا بحاجة ماسّة لفهم أعمق وأدق لشعار الكتاب المقدس وحده. الفهم الصحيح ليس شعارًا يُرفع لهدم كل ما سبقنا، ولا ستارًا لتبرير كل رأي فردي، بل هو دعوة للرجوع الدائم إلى النص الإلهي كمرجع أعلى مع تواضع في التفسير والاتكال على إرشاد الروح في إطار جسد المسيح كله (حاضرًا وماضيًا). الفهم الناضج للمبدأ سيظهر عندما نرى كنائسنا:
• تولي دراسة الكتاب المكانة الأولى فعلًا، وتعطي المنبر والتعليم الكتابي أولوية فوق كل نشاط آخر.
• وفي نفس الوقت، تعترف بأنها ليست أول قارئ للكتاب في التاريخ! بل تبني على عمل الروح في من سبقوها، مميِّزةً الصالح من التقليد لتنتفع به ورافضةً ما يناقض الكتاب.
• ترفض الاستبداد الكهنوتي الذي يقيّد كلمة الله، وكذلك ترفض الاستقلالية الفردية التي تمزق جسد المسيح. فتعيش حالة توازن، حق الفرد في الوصول المباشر للكتاب، مع مسؤولية الكنيسة في الإشراف والتعليم.
• تطبّق مبدأ Sola Scriptura بصورة إيجابية بنّاءة، أي الرجوع إلى الكتاب لإصلاح الذات أولًا قبل استخدامه لهدم الآخرين. فهذا المبدأ وُجد في الأصل لتطهير الكنيسة من الفساد بحسب معيار كلمة الله، وليس لمجرد الإدانة الجدلية للآخرين.
إن Sola Scriptura في جوهرها نداء لتوبة دائمة إلى صوت الله في كلمته الحية المكتوبة، ووعدٌ بأن هذا الصوت متاح لكل جيل وكل لغة. متى فهمنا هذا النداء بعمقه، سنستخدمه لا كمعول هدم أو كشعار فارغ، بل كبوصلة ترشد كنيستنا اليوم في خضم التحديات—للثبات على أساس الوحي الإلهي المعصوم، والبناء عليه ذهبًا وفضةً (تعاليم حق) بدلًا من القش الذي هو تقاليد الناس المنحرفة وأهواء الأفراد (( Matthew Barrett, God’s Word Alone: The Authority of Scripture (Zondervan, 2016) )). وكما قال لوثر نفسه محذّرًا: “إن قدّم أحد تفسيرًا لا يشهد له الكتاب، فلا يجب أن نقبله” (( Diet of Worms (1521) / نصوص لوثر المقتبسة في المراجع التاريخية القياسية؛ رسالة لوثر (1532) عن العشاء الرباني؛ تأكيدات كيمينتز ضد التفاسير المنفردة. )). فلتكن الكنيسة في بلادنا أمينة في الإصغاء لصوت راعيها في الكتاب المقدس وحده، مستفيدة من عصا الإرشاد (التقليد السليم) دون أن تجعل منه القائد أو المرجع الأعلى. هذا هو التوازن الذي تركه لنا المصلحون، وهو الامتحان أمام الكنائس الإنجيلية اليوم لتحقيق شعار الكتاب المقدس وحده لا قولًا فحسب، بل واقعًا حيًا يشاهده جميع الناس (( Keith A. Mathison, The Shape of Sola Scriptura (2001) ))، (( Alister E. McGrath, Reformation Thought: An Introduction, 4th ed. (2012) )).
أرى أن أضعف ما في الكنيسة اليوم هو أن قلّةً قليلةً فقط تؤمن بأن الله قد أودع قوّته في الكتاب المقدّس. فالناس جميعًا يبحثون عن القوّة في برنامج، أو في منهجٍ، أو في تقنيةٍ، أو في أيّ شيءٍ وكلّ شيءٍ سوى الموضع الذي وضع الله فيه قوّته حقًّا… في كلمته. إنّه وحده الذي له القدرة أن يغيّر الحياة إلى الأبد، وهذه القدرة متركّزة في الأسفار المقدّسة.
(R. C. Sproul)
---
## أساقفة الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا
URL: https://tabcm.net/37583/
Type: post
Modified: 2026-02-07
البداية كانت بخبر معيب على صفحة المتحدث باسم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، نُشر بتاريخ أمس الأول، 18 مارس 2024، ومنه إلى أغلب الصُحف المصرية والإقليمية الناطقة بالعربية، والتي تنقل نفس الصياغة وما بها من عِوار، عن نيافة الأنبا باڤلوس، أسقف اليونان. يتعلق الأمر بحدثٍ يبدو تافهًا؛ شماس، يعاقب بالتجريد من رتبته الشماسية، مع حرمانه من التناول ((صفحة المتحدث باسم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية: تجريد فادي شكري إسكندر الشهير بـ”فادي البراموسي” من درجته الشماسية. )).
تفاصيل الخبر تقول إنّ فادي شكري إسكندر، واسمه الدارج فادي البراموسي، وهو شماس برتبة دياكون [مساعد كاهن]، قد حصل على مبالغ مالية من أقباط، بغرض مساعدتهم في الحصول على الهجرة إلى أوروبا. ولأسباب لم يوضحها الخبر، أراد هؤلاء استعادة المبالغ التي يُفترض أن دفعوها برضاهم. كذلك، تفادى البيان ذكر أي تفاصيل عن “وعود الهجرة” المزعومة من هذا الشماس، وهل هي مشروعة أم لا، وهل يريد أصحاب هذه المُطالبات إلغاء فكرة الهجرة والعودة إلى مصر؟ أم أنهم حصلوا بالفعل على الهجرة المُتعاقد عليها ومن ثم تكون مطالباتهم غير مبررة؟ لم يذكر البيان، الذي بلغ صفحتين كاملتين، أيًا من هذه النقاط المفصلية في تحديد من له الحق؟ ولماذا؟ بل انتقل مباشرة إلى وصم الشماس المذكور بتهمتي النصب والاحتيال، والعهدة على الأسقف.
في صفحتيه، يُتابع البيان سرده لشكوى الأقباط في الكنيسة، دون أن يوضّح ما علاقة الكنيسة المصرية في اليونان بالهجرة إلى أوروبا؟ وذكر البيان أن الأسقف، نيافة الأنبا باڤلوس، أسقف الكنيسة المصرية في اليونان، قد تواصل مع “النصاب” / مساعد الكاهن، وعندما لم يستطع الوصول معه لتفاهمات حول المبالغ المُتنازع عليها، عزله من رتبته الشماسية، وحرمه من التناول، أو دخول الكنائس القبطية الأرثوذكسية في المجمل بما فيها الخارج عن نطاق صلاحياته في اليونان، ثم أرسل الأسقف قراره هذا إلى قداسة البابا تواضروس الثاني، وإلى صفحة المتحدث باسم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، لينشر إنجازاته في حماية الأقباط من النصب والاحتيال بثلاث لغات: العربية، والإنجليزية، والألمانية. لا أدري لماذا الألمانية بالتحديد والضحايا كلهم مصريون وهو أسقف على اليونان لا ألمانيا، لكن لا بأس ببعض استعراض القوى اللغوية لتدويل مثل هذا الأمر التافه!
المحاكمات الكنسيّة
هل من سلطة المحاكمات الكنيسة معاقبة شخص بقانون كنسي لأنه ارتكب جرائم أموال كما النصب واحتيال؟
الرقابة المالية ليست شغل الكهنوت، بل هي من صميم عمل المجلس الملي العام (العلماني ((علماني: Layman بمعنى غير الممتهن للدين، أي من عامة الشعب وليس من الإكليروس (ليس شماسًا أو كاهنًا أو أسقفًا)، ولا تعني بالضرورة تبني الأيديولوچيا العلمانية. ))). فكل شغل المجلس الملي العام هو الرقابة على مال الكنيسة، والرقابة على المتصرف المؤتمن على المال العام، والذين هم أساقفة الإيبارشيات ورؤساء الأديرة والأساقفة العموم. أي الرقابة المالية على رؤساء الكهنوت ذاته. ولهذا السبب، الأسقف باڤلوس فعليًا ليس له صفة، وكل الكهنوت ليس لهم صفة، وعليه فالمؤسسة ليس لها صفة ((رامي شفيق، تكوين الفكر العربي، المجلسُ المِلِّي وقصة الصراع بين الإكليروس والتيار الإصلاحي في الكنيسة القبطية. بتاريخ 6 يناير 2025. )).
ولأنه ليس ذا صفة رسمية، فالأسقف باڤلوس، مُجبر على إقحام البابا تواضروس في المسألة. من الناحية التقنية، هو لا يُدخل البابا بسبب كونه البابا، وإنما لأن البابا أحد توصيفاته هو رئيس المجلس الملي (العلماني) العام ((باسم الجنوبي، هل يكون “الباكي” البطل الذي لم يكنه تواضروس؟ )).
المقامرة الكهنوتية بصلاحيات البابا كرئيس علماني هي مشكلة كبيرة، وأصبحت بمقام المُكررة، فمنذ انتهاء ولاية المجلس الملي العام في 2011، لا يرغب الإكليروس (الكهنة ورؤسائهم الأساقفة والمطارنة، بالإضافة إلى البابا نفسه) في وجود أي رقابة مالية عليهم من الشعب. الأمر الذي يمكن توصيفه بتهرّب مؤسسة الكنيسة من المحاسبة المالية حتى بشكل يراعي الخصوصية من مجلس داخلي. هناك احتيال تمارسه الكنيسة على شعبها، وصراع كبير جدًا حول الرقابة المالية ((كمال زاخر، الكنيسة.. صراع أم مخاط ميلاد، دار بتانة للنشر والتوزيع، 2019، الفصل التاسع: ٩) والعلمانيون يضرسون. )).
لكن نعود فنقول أن كل هذا يدور في فلك الرقابة على المال العام، أي المال الموضوع تحت تصرف الكنيسة، وليس المال الخاص بالمسيحيين أنفسهم ((القس إبراهيم عبد السيد، أموال الكنيسة القبطية: من يدفع!؟ ومن يقبص!؟، دار ديوان، الطبعة الأولى، 1997. )). وبحسب بيان الأسقف، فالشماس احتال على أفراد ولم يسرق أموال الكنيسة نفسها. والتنازع حول المال الخاص من اختصاص القضاء المدني في اليونان، باعتباره القاضي الطبيعي للأقباط الضحايا هناك.
وفي كل الأحوال، يحظر الكتاب المُقدس على الإكليروس، التداخل مع مهام القضاء، بما فيها القضاء الشرعي (الديني) ((باسم الجنوبي، من أقامكم علينا قضاة ومشرعين؟ )).
والخلاصة هنا أن هذا ليس من مهام الكنيسة، بل عكّ مُركَّب! بدأ من الضحايا في شكواهم العُرفية للكنيسة، وكان يجب على الكنيسة أن تُرشد الناس بأن يذهبوا لأخذ حقوقهم في المحكمة، وليس أن يتصرف الأسقف باڤلوس كشيخ قبيلة عربية من العصور الوسطى واضعًا نفسه والكنيسة في موضع الشبهات.
في السطور القادمة، نحاول توضيح ما يتم التعمية عليه، سواء من الضحايا أو من الأسقف، وهل هم ضحايا حقًا؟ أم الجميع شركاء في التحايل الدولي؟
الهجرة غير الشرعية لأوربا
في نوفمبر الماضي، وفي مدينة ستراسبورچ، بفرنسا، وضمن البرنامج التدريبي لزمالة الأمم المتحدة، حظيت بمجموعة محاضرات وتبادل للخبرات مع المجلس الأوربي. وما يهمنا هو اللقاء مع الخبير الدولي؛ Rüdiger DASSOW، ممثل المجلس الأوروبي لشؤون الهجرة واللاجئين. أتاح اللقاء معرفة الكثير من المعلومات والخبرات عن الهجرة غير الشرعية لأوربا، بعيدًا عن الاعتبارات الرسمية.
على عكس المُتعارف عليه من أن الهجرة غير الشرعية تعني السفر على مركب غير آمن، يرسو على مسافة من الشاطئ لتجنب الحدود الإقليمية، ويضطر المُهاجر للسباحة معرضًا نفسه للخطر. فالهجرة غير الشرعية تشمل الدخول للمنطقة الأوربية؛ شنغن، بأي وسيلة مشروعة لأي غرض مشروع، مع النيّة المُبيتة بعدم العودة (كسر الڤيزا). بطريقة أخرى، بقاء أي فرد غير أوروبي، على أرض منطقة شنغن، بعد انتهاء الڤيزا، يُعد أيضًا تواجدًا غير شرعيًا.
لتوضيح أليات الهجرة غير الشرعية، يلزمنا التمييز بين ثلاث دوائر من تجمعات الدول الأوروبية:
– مجلس أوروبا: وهو مجلس يضم 46 دولة، ليست جميعها أوروبية. في الحقيقة أغلبها دول ناطقة بالروسية نشأت بعد تفكك الاتحاد السوڤييتي، بالإضافة إلى دول ليست أوروبية ولا بالناطقة بالروسية، أبرزها تركيا.
– الاتحاد الأوروبي: وهو اتحاد يضم 27 دولة أوروبية، جميعها جزء من دائرة مجلس أوروبا، وتُسمى مُجتمعة: منطقة شنغن.
– منطقة اليورو: وهو تحالف اقتصادي يضم 20 دولة أوروبية، جميعها جزء من دائرة الاتحاد الأوروبي، وتُسمى مُجتمعة: منطقة اليورو.
والأخيرة هي الأخطر والأعلى عددًا في الهجرة غير الشرعية. إذ يمكن لأي فرد أجنبي [غير أوروبي] الحصول على تأشيرة شنغن، من النوع سي. ((ڤيزا شنغن Type C: تُطلق على مجموع أنواع تصريحات التواجد في منطقة شنغن لطالما مؤقتة ببضعة أيام أقل من 30 يومًا متصلة، وأقل من 180 يومًا منفصلة أو إجمالي زيارات خلال السنة الواحدة. )) لدخول أيّ بلد أوروبي مُتساهل في الاشتراطات الاقتصادية للزائر، ثم بعد وصوله إلى هذه الدولة، يتحرك إلى أيّ بلد أوروبي آخر يكون هو المُستهدف بالهجرة، وتعتبر هذه التحركات قانونية تمامًا طالما الدولة الجديدة ضمن منطقة شنغن.
تسمى البلد الفقيرة المتساهلة الأولى؛ بلد العبور.
والوجهة الأخيرة الغنية اقتصاديًا؛ بلد المقصد.
وأكثر الدول الأوروبيّة فقرًا ومن ثم تساهلًا في إجراءات الڤيزا، هي؛ اليونان، إيبارشية الأنبا باڤلوس، أسقف الأقباط الأرثوذكس في العاصمة؛ أثينا، والتي انضمت لمنطقة الاتحاد الأوروبي شنغن في 2001، وانضمت لمنطقة اليورو في 2002 ((ويكيبيديا العربية: صفحة منطقة اليورو. )).
وفقًا لمصادر إخبارية مصرية؛ إن الهجرة غير الشرعية ملف يؤرق اليونان، باعتبارها المحطة الأساسية للعديد من المهاجرين من دول جنوب البحر المتوسط والآسيوية الفقيرة للعبور إلى العديد من الدول الأوروبية ((أحمد الضبع، القاهرة الإخبارية، اليونان.. قانون الهجرة غير الشرعية ملف يؤرق حكومة أثينا. بتاريخ ٢٤ مارس ٢٠٢٣ )).
لمعرفة المزيد من التفاصيل عن الهجرة غير الشرعية لدول أوروبا عبر اليونان، يمكن متابعة هذا التقرير من مُراسل قناة القاهرة الإخبارية ((عبد الستار بركات، مراسل قناة القاهرة الإخبارية: قلق يوناني تجاه زيادة عمليات الهجرة غير الشرعية. بتاريخ 16 نوفمبر 2024. )):
علاقة الكنيسة بالهجرة غير الشرعية
إن تابعت بداية تقرير مراسل القاهرة الإخبارية السابق، عبد الستار بركات، ستجده تلعثم عند التعبير يرتبون أوراقهم مرة أخرى وقت حديثه عن تحول المهاجرين غير الشرعيين إلى: لاجئين.
المهاجر هو شخص ينتقل من وطنه إلى بلد آخر، سواءً مؤقتًا أو على المدى الطويل، لأسباب عديدة أهمها البحث عن فرص معيشية أو اقتصادية أفضل ((يتطلب هذا تأشيرة عمل مُختلفة عن النوع سي المؤقت بالأيام من الأساس. )). أما اللاجئ، فهو الشخص الذي قد تكون مغادرته لوطنه لأسباب مشابهة، ولكن الفرق بينه وبين المهاجر يكمن في عدم تمكنه من العودة إلى وطنه بسبب خطر شديد يتهدد سلامته الجسدية، قد يصل إلى حد الاضطهاد. قد يكون الخطر عامًا بسبب فقدان الأمن نتيجة حرب، أو نزاع، أو خطر. أما الاضطهاد الفردي فيكون بسبب عرق الشخص، أو دينه أو جنسيته أو رأيه السياسي، أو حتى لمجرد انتمائه لفئة مُصنفة كأقليات.
وبحسب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين؛ يمكن لأي شخص خارج بلده الأصلي، ويخشى أو لا يرغب في العودة لأسباب تتعلق بالعرق أو الدين أو الجنسية أو الرأي السياسي أو الانتماء إلى فئة اجتماعية معينة، يستطيع تقديم طلب اللجوء الإنساني في مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ((المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، مركز الدعم للقسم العربي (المملكة السعودية)، طلب اللجوء: ما الفرق بين المهاجر واللاجئ؟ )).
طلبات اللجوء الإنساني لا تُعد نهائية، بل تُقيَّم من قبل المفوضية. تتضمن إجراءات التقييم تصديق شاهدين من نفس الجماعة التي ينتمي إليها طالب اللجوء. وإذا كان طلب اللجوء يتعلق بالاضطهاد الفردي الناجم عن الانتماء الديني، فيجب أن يكون الشاهدان من رجال الدين (قساوسة، أو مساعديهم)، ولهما سلطة التوقيع باسم الجماعة الدينية (ختم الكنيسة) على تعرض طالب اللجوء إلى خطر في وطنه يتهدد عودته.
تمنع مواثيق الأمم المتحدة منعًا باتًا الإفصاح عن شخصيات الشهود على تقارير الأمم المتحدة، وبالأخص دولة الوطن، باعتبارهم مُعرضين لخطر المثل إن تم الإفصاح عن هوياتهم أو انتماءاتهم الدينية (كنيستهم).
لو كنا نتحدث عن الأقباط تحديدًا، فهم مُدرجين كأقليّة دينية في مصر، لذلك فهوياتهم المنقوصة الحقوق في داخل مصر، تمنحهم ميزة طبيعية في خارجها مقارنة ببقية المصريين والعرب، والأمر يمكن تفهمه بشكل أفضل لو سألتك ما مُستقبل الأيزيديين في نظام تصنعه داعش؟ والعلويين في نظام يصنعه أحمد الشرع؟ والفلسطينيين في نظام تصنعه إسرائيل؟ كل هؤلاء في معاناتهم اليومية يمتلكون ميزة طبيعية ومن حقهم استخداهما. في الحقيقة فإن اللجوء الانساني جُعل لمثل هؤلاء.
في أرض الواقع التطبيقي فالأمر ليس مُكتسبًا بمجرد إمتلاك الهوية المنقوصة، إذ أنه “إضطهاد فردي” يستلزم إثباتًا وشهودًا على سرديتك الفردية. وكما أن كثير من ضحايًا العنف الحقيقي لا يصدقهم أحد لأنهم فشلوا في إثبات ما تعرضوا له، فهناك آخرين لم يتعرضوا لخطر يتهددهم ومع ذلك يصدقهم الناس بسبب جودة التزييف للواقع. الأمر بطبيعته يُنشئ “مافيا الشهود”، أي جماعات مُحترفة في فهم الاجراءات ومن ثم تزييفها في مًقابل مالي. ومن الوارد في هذا السيناريو تحصيل بعض العاملين بكنائس المهجر لمبالغ مالية نظير تصديقاتهم على طلبات اللجوء بشكل غير شرعي.
نعم، يُمكن أن تتحول قيم حقوق الإنسان النبيلة إلى: تجارة مربحة. الأمر رهين ضمائر، ولو كنا نتحدث عن اليونان تحديدًا، فشكاوى كل دول أوروبا ليست من فراغ بالتأكيد! وبطريقة أخرى، من الوارد أن يكون الشماس فادي شكري إسكندر، المذكور في بيان الأنبا باڤلوس، هو واجهة لـ”مافيا اللجوء الأوروبي”. وهي تهمة شديدة الخطورة، تنحدر لمصاف الإتجار في البشر (الأقباط).
لكن مُعضلة الضمير الإنساني تبدأ من هنا، صدقني، إن فادي شكري إسكندر، هو في آمان من العقاب أكثر من أي شخصٍ آخر.. إذ مَن يُمكن أن يوجّه له أيّ اتهام قانوني؟ الأقباط من ضحاياه، وهم شركاؤه في التحايل على الدول الأوروبية، بادعائهم أنهم يتعرضون للاضطهاد الديني، مما يمنعهم من العودة إلى مصر؟
أم لعلها الكنيسة ورجالها المُخلصين من الكهنة هم أبطالنا؟ أولئك الذين لا يتقاضون مبالغًا مالية نظير تصديقاتهم على طلبات اللجوء؟ بطبيعة الحال، ربمًا يكون بعضهم متورطًا في تسهيل اللجوء الأوروبي من اليونان، فالشماس مجرد واجهة لا تمتلك أختام الكنيسة ويحتاج إلى الكهنة، لكن هل كلهم فاسدون ومتورطون في شهادات الزور المشبوهة!؟ أيضًا ماذا لو كان كلهم “مطيعون”، من الذين يقولون “نعم” و”حاضر” و”يمشون جنب الحيط” وهي كلها صفات كنسية حميدة يتقلدون عليها مناصبهم الكهنوتية، لكنها هنا ستكون إشكالية لكونها تتعارض مع مواصفات البطل الحقوقي المُنتظر. كلهم صامتون عن الإتجار بالأقباط، لماذا؟
أم لعل الأنبا باڤلوس، أسقف اليونان، هو بطلنا المفقود ومسيحنا المُنتظر؟ ولِمَ لا، وهو على الظاهر من بيانه للكنيسة أنه شيخ عرب، من العصر القديم، لا يرضى بالصمت عن أنين شعبه، ويتدخل فورًا ويردع الفساد المستشري من كهنته ومرؤوسية من الشمامسة وإن كانوا غادروا اليونان إلى ألمانيا، فهو يتعقّب إذن تجّار البشر ويستولد حقوق الأقباط من أضلع المُستحيل..
ربما الأمر بات يستلزم أن نتعقّب سيرته الذاتية في استقصاء أخير، قائلين: أأنت هو الآتي أم ننتظر آخر؟ ((أأنت هو الآتي أم ننتظر آخر؟ (إنجيل متى 11: 3) )).
الأنبا باڤلوس ولاونديوس المقاري
فشلنا في الحصول على أي معلومات موثوقة عن اسمه العلماني أو مهنته قبل الرهبنة في أكتوبر 1977، بدير الأنبا مقار الكبير بوادي النطرون، وفشلنا حتى في معرفة اسمه الرهباني وقت أن كان تحت رئاسة الأب متى المسكين، رئيس دير الأنبا مقار حينئذ، قبل أن يهرب من دير أبو مقار إلى دير الأنبا بيشوي المجاور في أبريل 1978، ومن وقتها صار اسمه الرهباني: بولا الأنبا بيشوي، وكل المعلومات التي يذكرها موقع الأنبا تكلا هيمانوت على سبيل المثال، لا تعترف برهبنته في أبو مقار، وتتعمد التعمية عن أي معلومات تسبق رهبنته الثانية في 24 أبريل 1978 بدير الأنبا بيشوي ((موقع الأنبا تكلا هيمانوت، الأساقفة في المجمع المقدس في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية: الأنبا بافلوس أسقف اليونان. ))، وبالمثل أيضًا على الموقع الرسمي للكنيسة القبطية الأرثوذكسية التي ذكرت أن تاريخ رهبنته 29 أبريل 1978 ((موقع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، الأنبا بافلوس أسقف اليونان. )).
لدينا شذرات عن حياته العلمانية في شبرا مصر، مثل التحاقه بجمعية أبناء الفادي في الستينيات. ومن خلالها، تعرّف على فؤاد عوض عريان، وتتلمذ على يديه، وصار أب اعترافه ومرشده الروحي لاحقًا. هذه المعلومات صرح بها الأنبا باڤلوس بنفسه على قناة مي سات الفضائية في مارس 2024 ((قناة مي سات الفضائية، أنبا باڤلوس أسقف اليونان وذكريات علاقته بأنبا بيسنتي منذ السبعينيات. بتاريخ 4 مارس 2024. )).
في عام 1970، يصير فؤاد عوض عريان راهبًا في دير الأنبا مقار الكبير، بوادي النطرون، تحت اسم بيسنتي المقاري. ثم يهرب من الدير في عام 1982 إلى دير الأنبا بيشوي، ويتم تسميته باسم الراهب بيسنتي الأنبا بيشوي. وبعدها بعام واحد، يحصل على درجة كاهن. وبعد عام ثانٍ، صار أمين دير الأنبا بيشوي، رغم كونه أحدث المنضمين من الرهبان. بعد عام ثالث، ينتدبه البابا شنودة للإشراف على كنيسة بحي جاردن سيتي. بعد عام رابع، يصبح مشرفًا على الكلية الإكليريكية. بعد عام خامس، ينتدبه البابا شنودة للكلية الإكليريكية بالإسكندرية، ثم يرقّيه لرتبة قمص، ثم سكرتيره الخاص. وانتهى به المطاف بالتجليس تحت اسم الأنبا بيسنتي، أسقف حلوان والمعصرة والتبين و15 مايو ((سارة علام، اليوم السابع، كيف وصف البابا شنودة رهبان أبو مقار أثناء خلافه مع متى المسكين؟ البابا الراحل: 52 راهبا تركوا الدير ومنهم من يعالج نفسيا. بتاريخ 7 أغسطس 2018. )).
أغلب الظن أن الأنبا بافلوس، أو بولا الأنبا بيشوي، هو الراهب لاونديوس المقاري الذي انضم إلى دير الأنبا مقار في أكتوبر 1977، وكان من التلاميذ النجباء حيث استطاع تعلم اللغة اليونانية كغالبية الدارسين من رهبان دير الأنبا مقار، حيث استقدم الأب متى المسكين مدرسًا ليعلم رهبان الدير اللغة اليونانية باعتبارها لغة العلوم اللاهوتية. هرب لاونديوس من الدير قاصدًا دير الأنبا بيشوي بعد ثلاث سنوات (بالتحديد في 27 سبتمبر 1980) ((جرجس صفوت، تريزة شنودة، مونيكا جرجس، جريدة الدستور، بالأسماء.. هاربون من “أبو مقار”.. و”زاخر”: أعداء الدير يروجون لهذة القائمة. بتاريخ 2 أكتوبر 2018. )). وكما رأينا في استعراض رحلة الأنبا بيسنتي وغيره من الرهبان الهاربين من دير أبو مقار إلى دير الأنبا بيشوي ((بيتر مجدي، موقع المنصة، تركة كنسية ثقيلة: صراع البابا شنودة والأب متى المسكين ما زال يطل برأسه. بتاريخ 5 يوليو 2021. ))، تدور بعد رحلة الهرب رحى الحظ المقدس السعيد الذي يلقي بنرده قداسة البابا شنودة الثالث، حيث قام بتكليف لاونديوس بتأسيس إيبارشية قبطية في اليونان، مستغلاً طلاقته في اللغة اليونانية التي فهمها وكتب بها. وظل لاونديوس يؤسس الكنائس ليصبح بعدها أول أسقف مصري في اليونان، إلا أن وفاة البابا شنودة أجلت رسامته أسقفًا، وتم له ذلك بيد البابا تواضروس في بداية عهده عام 2013 ((سارة علام، اليوم السابع، بالأسماء.. كيف رقى البابا شنودة الخارجين على دير أبو مقار لأساقفة؟ بتاريخ 2 أكتوبر 2018. )).
الأنبا باڤلوس، الأسقف العام
وفقًا لمجلة الكرازة، ترجع بداية خدمة الأنبا باڤلوس في اليونان إلى عام 1984، عندما وصل إلى أثينا كأول كاهن قبطي باسم القمص بولا الأنبا بيشوي. عمل في خدمة شعبها حتى عام 1995، ثم غادرها لتسلم خدمته في كنيسة قبطية بمقاطعة ويلز، إنجلترا، وظل يخدم هناك ثلاث سنوات، حتى عاد إلى القاهرة في عام 1998 مدرسًا بالكلية الإكليريكية بالأنبا رويس، ثم عاد إلى اليونان من جديد في عام 2010، وتم تجليسه أسقفًا عامًا بيد قداسة البابا تواضروس الثاني في 2013، والاحتفال به في أثينا كأول أسقف عام للكنيسة القبطية في اليونان بتاريخ السبت 13 يوليو 2013 ((مجلة الكرازة، استقبال نيافة الأنبا باڤلوس، الأسقف العام لليونان. بتاريخ الجمعة 19 يوليو 2013. )).
بعد رسامته أسقفًا ببضعة أشهر، وفي 14 أكتوبر 2014، نشر موقع “مسيحيو مصر” خبرًا عن فرار الراهب إيرينيئوس البراموسي من الخدمة مع الأنبا باڤلوس قبل مرور عام على انتدابه، وذلك لسوء الأوضاع وانهيار القدوة. تضمن الخبر أن الراهب إيرينيئوس قد اشترى نفسه ولم يستطع الاستمرار بعد رسامة كاهن عليه ملاحظات جسيمة، وأن أقباط اليونان قد غادروا تدريجيًا إلى كنيسة الروم الأرثوذكس، وآخرين إلى كنيسة القمص أثناسيوس حنين الذي انضم للكنيسة اليونانية. وأشار الخبر إلى أن البابا يعرف كل شيء، لأنه يرسم أناسًا وصلته تقارير عنهم من مسؤولين بالكنيسة، ويثقون بسوء سيرتهم ((سوزان ماهر، أثينا، مسيحيو مصر، الراهب ارينئوس البراموسى يفر من الخدمة مع الانبا بافلوس لسوء الاوضاع وانصراف الاقباط وانهيار القدوة، بتاريخ 14 أكتوبر 2014.
(موقع مسيحيو مصر غير مُتاح، لكن الخبر مؤرشف عند عزت إندراوس، موسوعة تاريخ أقباط مصر، صفحة: نيافة الأنبا بافلوس الأسقف العام باليونان، بتاريخ 14 أكتوبر 2014.) )).
بعد أسبوعين، وفي 10 نوفمبر 2014، نشر موقع مسيحيو مصر خبرًا عن وصول الأنبا باڤلوس قبل أسبوع من انعقاد المجمع المقدس، فرارًا من غضب الأقباط. تضمن الخبر الإشارة لأزمة طاحنة بين أقباط اليونان والأنبا باڤلوس، دارت على صفحات التواصل الاجتماعي. وفقًا للخبر، انتقد أقباط اليونان على صفحات متعددة حضور 200 قبطي فقط للكنيسة القبطية، من إجمالي 10 ألاف قبطي بحسب تقديراتهم، وعللت الصفحات ذلك لممارسات عديدة من الأنبا باڤلوس، وصلت لوصف يوم رسامته بأنه كان يومًا أسودًا في تاريخ أقباط اليونان. أشارت الصفحات لبعض تلك الممارسات فقالت: اخفاق كامل للرعاية , وطردشلح كاهن وطرد اخر وفرار راهب ورسامة كاهن هم لايقبلون مسيرته الشخصية على الاطلاق ودون موافقتهم نهائيا, والادعاء انه بتول ؟؟ ومحاولة رسم اخر وارساله قبل ايام الى القاهرة, وان كل الامور تدار فى الخفاء بشكل سئ للغاية ((سمير منصور، مسيحيو مصر، الانبا بافلوس وصل القاهرة قبل اسبوع من المجمع فرارا من غضب الاقباط، بتاريخ 10 نوفمبر 2014.
(موقع مسيحيو مصر غير مُتاح، لكن الخبر مؤرشف عند عزت إندراوس، موسوعة تاريخ أقباط مصر، صفحة: نيافة الأنبا بافلوس الأسقف العام باليونان، بتاريخ 10 نوفمبر 2014.) )).
الكاريكاتير الجانبي والمعلومات عنه من الفيسبوك، ولا تُعد بأيّ حال مصدرًا موثوقًا يُعول عليه، لكنه بشكل أو بآخر يعكس مظاهر غضبٍ شعبي لا نستطيع الوقوف على حجمه ((عزت إندراوس، موسوعة تاريخ أقباط مصر، صفحة: نيافة الأنبا بافلوس الأسقف العام باليونان. )).
الأنبا باڤلوس، أسقف اليونان وتوابعها
في يونيو 2016، نشر موقع أقباط أمريكا، مقالًا لكاتب قبطي من نيقوسيا، بجزيرة قبرص، تحدث فيه عن انقسام مؤسف في الكنيسة القبطية بقبرص، وأنّه تم الزج بالسفارة المصرية في صراع كنسي مع دعوة لتدخل قداسة البابا. تضمن المقال أخبارًا عن سبب الانقسام بين أقباط قبرص والأنبا باڤلوس، والذي يبدو أنه أجبر الراهب زكريا الأنبا بولا على العودة للدير، بعد خدمة امتدت لعشرين عامًا، حصل خلالها على الجنسية القبرصية، وأسس كنيسة مار مرقس بنيقوسيا، وكانت له خدمات عديدة مباركة. التفاصيل تقول أن الأنبا باڤلوس حرض بعض معاونيه على رفض أن يكون رئيس جمعيتهم ((النص يقول جمعية، والمقصود كنيسة، لأن الكنائس في المهجر عبارة عن جمعيات أهلية. )) حاصلًا على الجنسية القبرصية، واستدعى السفارة المصرية لطرد الراهب زكريا الأنبا بولا من الجمعية (الكنيسة) على أنه قبرصي، لكن السفارة المصرية رفضت التدخل في الشأن الكنسي ((سامي متري حنا، نيقوسيا، أقباط أمريكا: انقسام مؤسف فى الكنيسة القبطية بقبرص والزج بالسفارة المصرية فى صراع كنسى.. ودعوة لتدخل قداسة البابا. بتاريخ 6 يوليو 2018. )).
بعدها بأسبوع، أعلن قداسة البابا عن عزمه تجليس أسقفين ورسامة ثلاثة أساقفة جدد، وأوضح قداسته أن التجليس سيكون للأنبا باڤلوس، الذي خدم في اليونان، مشيرًا إلى أنّ الأنبا باڤلوس الممثل الرسمي للكنيسة أمام الجهات الحكومية والكنيسة اليونانية وخلال الشهور الماضية استطاع الحصول على اعتراف الحكومة اليونانية في سابقة لم تحدث في دولة أخرى، وبالفعل جُلس الأنبا باڤلوس أسقفًا على اليونان في 12 يونيو 2016 ((يسرا، موقع الحق والضلال، لقاء «المفاجآت» من البابا تواضروس. بتاريخ 11 يونيو 2016. )).
بعدها بعامين، وفي يونيو 2018، كلف البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، الأنبا باڤلوس، أسقف اليونان، بالإشراف الكامل على الكنائس القبطية الأرثوذكسية في جزيرة قبرص رعويًا وإداريًا وماليًا ((مصطفى رحومة، صحيفة الوطن، البابا تواضروس يكلف الأنبا بافلوس بالإشراف على كنائس قبرص. بتاريخ 25 يونيو 2018. )).
بعدها بشهر، وفي يوليو 2018، نشر موقع أقباط أمريكا مجموعة أخبار وفيديوهات وردتهم من أثينا ونيقوسيا، تتحدث جميعها عن إضطرابات في الخدمة بقبرص. ذكر أحد الفيديوهات اسم سامي رياض باعتباره رئيس المجلس الموالي للأسقف، وأنه مرفوض بشكل قاطع من أقباط قبرص، ومطلوب إخراجه مع القس إفرايم سعيد ((أقباط أمريكا: بالفيديو: مهازل ومهاترات فى لقاء الانبا بافلوس مع اقباط اليونان ورفض اساليب ادارته.. واخراج سامى رياض رئيس المجلس الموالى للاسقف ورفض القس افرايم سعيد. بتاريخ 13 يوليو 2018. ))، بينما ذكر خبر آخر أن الأنبا باڤلوس قد صلى القداس في حراسة الشرطة، وأنه أغلق أبوابًا حديدية حول الهيكل، وأن الأقباط يشكّلون مجلس إدارة موازي مطالبين بإقالة سامي رياض، عقب تداول مقطع ڤيديو لسيدة معروفة شوهدت في بلكونة مبيت الأسقف ((ماركوس ميخائيل، أثينا، أقباط أمريكا: الانبا بافلوس صلى القداس فى حراسة البوليس واغلاق الابواب الحديدية حول الهيكل.. والاقباط يشكلون مجلس ادارة كنيسة موازى. بتاريخ 22 يوليو 2018. )).
تضمنت الأخبار أن القس إفرايم سامي سعيد، والذي جاء عقب تكليف قداسة البابا للأنبا باڤلوس بالإشراف على قبرص، قد أًستبعد إلى أثينا استجابة لاحتجاج أقباط قبرص، وأن قداسة البابا قد إنتدب مكانه الراهب إيرينيئوس البراموسي، نائبًا باباويًا في قبرص، بعدما رفض الراهب يحنس المقاري ترك خدمته ودراسته في أثينا والذهاب إلى قبرص ((بيتر رؤوف، أثينا، أقباط أمريكا: أضطرابات واسعة فى الخدمة باليونان.. الانبا بافلوس يستدعى القس افرايم سعيد بعد رفض اقباط قبرص لوجوده. بتاريخ 11 يوليو 2018. )).
في سبتمبر 2023، نشر موقع الأهرام الكندي مقالًا بعنوان: أقباط اليونان يستغيثون بقداسة البابا تواضروس الثاني، يشير لحالة من الغضب لدى أقباط اليونان نتيجة إجبار الراهب أنسطاسي أڤا مينا على ترك اليونان والعودة للدير. تضمن المقال سردًا للمحطات المفصلية في حياة الأنبا باڤلوس الكنسية، واصمًا جميعها بالفشل، نذكر منها ((صفوت روبيل بسطا، الأهرام الكندي، أقباط اليونان يستغيثون بقداسة البابا تواضروس الثاني. بتاريخ 18 سبتمبر 2023. )):
فشل رهبنته في دير أبو مقار وهرب إلي دير الأنبا بيشوي.
فشل في خدمته باليونان من 1983 حتي 1995 عندما تم طرده من اليونان بعد سلسلة من المشاكل والفضائح يعلمها قدامي الشعب باليونان.
فشل في خدمته في ويلز بإنجلترا من 1995 حتي 1997 وبعد سلسة من المشاكل تم إعادته إلى مصر ليُدرس اللغة اليونانية بالكلية الإكليريكية.
فشل في خدمته كاهنًا بعد عودته لليونان من 2010 حتي 2013 بعد أن أرسله طيب الذكر والسيرة البابا شنودة، فأرسل بعده كاهن آخر باليونان.
فشل في خدمته كأب أسقف من سنة 2013 وحتي اليوم، فتم سحب المسئولية منه وتعيين أبونا إيرينيئوس البراموسي كنائب باباوي في قبرص.
فشل في الحفاظ علي أرض كنيسة إيليوبولي أو بناءها، والتي كافحنا من أجلها سنين كثيرة.
فشل رعوي واضح بين كل الشعب؛ مشاكل وانقسامات وتحزبات بل وجرائم قتل داخل الأسر القبطية (في حبريته تمت جريمتين قتل أسري تحدثت عنهما الصحف والقنوات اليونانية) وكانت فضيحة بكل المقاييس لكنيستنا القبطية.
فشل صحي، والمفترض كونه طبيبًا، بعد جريمة تسمم جماعية من كانتين الكنيسة راح ضحيتها أب لأسرة وأطفال.
فشل في التواصل بينه وبين شعبه ولم يجد حل أمامه غير استدعاء البوليس اليوناني مرات كثيرة خوفًا من الشعب.
فشل في حب كل الآباء الكهنة الذين خدموا معه، حتي الآباء الأساقفة المكرمين الذين جاؤوا مشكورين لحل المشاكل، تحدث عنهم بطريقة غير لائقة.
فشل في تجميع الخراف الضالة، قلنا له فلان يا سيدنا ترك كنيستنا وراح الكنيسة اليونانية فرد وقال: “في ستين داهية”.
فشل في سماع شعبه ولا يسمع لأحد سوي السيد سامي رياض، شريكه في السلطة، رئيس المجلس الذي له 15 سنة دون تغيير ولا انتخابات وعلاقتهما كعلاقة المتنيح البابا يوساب الثاني ال115 بسكرتيره “ملك جرجس” والذي كان لا يسمع لأحد غيره.
ونكرر من جديد، رغم أنها ليست صفحات مجهولة من الفيسبوك هذه المرة، لكننا مُجبرين أن نكرر على أيّة حال أن جميع الأخبار والمعلومات الواردة لا تُعد مصدرًا موثوقًا للمعرفة، أو على الأقل للطعن في نزاهة أحد أو النيل من كرامته الإنسانية، بما فيهم الشماس المُشهر به على صفحة الكنيسة وعناوين الصحف. ونُذكّر القارئ، الذي تعب معنا، بأننا لا نسعى سوى للإجابة عن السؤال الذي طرحناه في مُقدمة التعقّب: أأنت هو الآتي أم ننتظر آخر؟ (إنجيل متى 11: 3).
وما يستقر الآن في ضميرنا؛ أننا سننتظر كثيرًا..
وفقًا لمعايير الإعلام المنضبط
البداية كانت بخبر معيب على صفحة المتحدث باسم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، ومنه إلى أغلب الصُحف المصرية والإقليمية الناطقة بالعربية، والتي تنقل نفس الصياغة وما بها من عِوار، عن نيافة الأنبا باڤلوس، أسقف اليونان. يتعلق الأمر بحدثٍ يبدو تافهًا؛ شماس، يعاقب بالتجريد من رتبته الكهنوتية، مع حرمانه من التناول.
قولًا واحدًا: الكنيسة في هذا البيان الإعلامي المعيب، انتهكت مجموعة حقوق ومعايير، ولم تسترد حقوقًا لأحد.
ختامًا، أود أن أؤكد على مجموعة نقاط محددة:
* إذا تعرض أحدهم للنصب والاحتيال من شخص وعد بتسهيل إقامته بشكل شرعي، فعليه رفع دعوى قضائية. أما إذا كانت الصفقة من البداية تهدف إلى تسهيل إقامة غير شرعية، فلا يوجد ضحايا هنا، بل مجرمون؛ كلاهما يحتال. الفرق أن أحدهما يحتال على دولة وليس على فرد! أما الكنيسة، إذا كانت تشارك في الإقامات غير الشرعية، فهي جمعية للاحتيال الدولي، وليست كنيسة مرخصة لصلاة وعبادة…
* الزج باسم البابا في الأمور التافهة، هو دلالة على ضعف موقف الأسقف، وليس تورط البابا. البابا لو سيؤخذ رأيه في كل شماس يتم حرمانه، فلن يجد وقتًا للقضايا المهمة!
* صفحة المتحدث الرسمي من منشأها تُدار بواسطة كاهن، والكاهن حلقة ضعيفة في هرم السلطة الإدارية داخل الكنيسة (لن يستطيع رفض بيان الأسقف، رئيس الكهنة). نتفهم وجهة نظر قداسة البابا في اختيار “كاهن متزوج” كمُعبر عن الجميع، الراهب والأعزب والعلماني المتزوج، لكن خلف الكاهن لابد من وجود طاقم علماني حقوقي (مكتب إعلامي) يدعمه في تفاصيل تكليفاته وإعادة صياغتها بشكل مهني منضبط، ويكون للمكتب الإعلامي الاستقلال الكافي الذي يمكّنه من رفض البيانات المعيبة لو لم تتوافق مع المعايير الحقوقية والإعلامية المنضبطة.
---
## ميناء إيلات وصحراء النقب
URL: https://tabcm.net/18802/
Type: post
Modified: 2026-02-07
أضواء من التوراة على:
ميناء إيلات وصحراء النقب
هل لإسرائيل سند ديني ﻻمتلاك هذه المناطق؟
(متى المسكين، بيت التكريس بحلوان)
«( مقدمة )»
منطقة ميناء إيلات الواقعة عل الطرف النهائي خليج العقبة، مع التخوم الجنوبية لصحراء النقب، التي تحتلها إسرائيل الآن وتبنى فيها أحلامها الكبرى لمستقبلها الاقتصادي ولمناوأة العرب، لها تاريخ قديم ينص حسب الكتب المقدسة أنها أرض غير إسرائيلية وغير يهودية على الإطلاق.
ونحن هنا سنتتبع تاريخ هذه المنطقة من الأول بتدقيق جاعلين الحقائق وحدها كما سجلها الوحي المقدس في التوراة، لنكشف كيف استطاعت إسرائيل أن تضلل العالم كله، وتزيف التاريخ، وتعتمد على أوهام دينية كاذبة لتثبت حقها الديني في امتلاك هذه المنطقة.
والذي نريد أن ننبه إليه ذهن العالم وخصوصا الشعوب الغربية قبل أن نخوض في هذه الوثائق القديمة، هو أن الله دخل مع البشرية في عهد جديد لا يقوم إطلاقًا عل مواريث أرضية وحقوق وانساب جسدية وأعراق [الصفات الدموية للأجناس]، التي من شانها أن تزيد العالم تمزقًا وانقسامًا. المسيح جاء ليسمو بأجناسنا وصفاننا وأنسابنا ومواريثنا ويوحدها، فنرث بواسطته ميراثًا آخر غير أرضي، روحيًا، واحدًا للجميع، وحقوقا أخرى غير زمنية، إلهية، تزيد البشرية قربًا من ذاتها ومن الله وتوحد الأجناس والشعوب والنفس مع الجسد!
أما إسرائيل فهي إذ ترفض المسيح وتنعزل عن العهد الجديد وتتشبث بالعنصرية والتشيع الاحتكاري لله على أساس بركات أرضية وحروب دينية، فهي تشكل بؤرة تمزيق للعالم وتفسخ في الروح البشرية.
ولكن وحتى لو تنازلنا بالدين إلى مستوى المواريث الأرضية والحقوق التاريخية، فليس لإسرائيل ميراث في إيلات ولا في جنوب صحراء النقب ولا في البحر الأحمر!
وهذا سنوضحه بما لا يحتاج إلى شك من أقوال الله ومن تسجيلات التاريخ القديم.
أما لماذا نحن نهتم جدا بإيلات وبجنوب صحراء النقب فلأن إسرائيل ومعها أمريكا وبريطانيا يهتمون بإيلات وبجنوب صحراء النقب جدا. ولأن أمريكا ألقت بكل ثقلها السياسي والعسكري للاحتفاظ بإيلات وبجنوب صحراء النقب وبحرية الملاحة في خليج العقبة.. فهي تمني نفسها بضربة توجهها إلى مصر، ضربة مستعمر منتقم مقتدر، وذلك بإقامة قناة أخرى للملاحة تشقها ما بين إيلات على البحر الأحمر وغزة على البحر الأبيض، فتضيع على مصر وعلى قناة السويس أهميتها السياسية والاقتصادية معا، وتضيف إلى إسرائيل وإلى نفسها إستراتيجية ممتازة تؤمن بها مصالحها وتطيل أزمنة الاستعمار..
وأظن الآن يمكن أن نفهم اكثر سر المساندة العسكرية الكبيرة التي تبذلها بريطانيا وأمريكا للاحتفاظ بإسرائيل أولًا وبإيلات وصحراء النقب ثانيًا. حتى ولو بلغت هذه المساندة إلى حد الخطر!
(متى المسكين، بيت التكريس بحلوان)
ما هي إيلات؟ وما هي صحراء النقب؟
أولا – بحسب الخريطة الجغرافية الآن:
إيلات هي ميناء كبير يدخل الآن في منافسة مع قناة السويس وخط أنابيب بترول العراق لنقل البترول من آسيا إلى أوربا، تحتله إسرائيل بعد أن استولت عليه لأول مرة في ١٠ مارس سنة ١٩٤٩ وهو يقع في الطرف الشمالي لخليج العقبة على مساحة طولها خمسة أميال وعلى بعد ميلين ونصف ميل غربي ميناء العقبة الأردني.
وإيلات أصلا كانت ملكا لفلسطين ثم للمملكة الأردنية، وقد استولت عليها إسرائيل باتفاق وخيانة قائد الجيوش الأردنية «الإنجليزي» جلوب باشا خرقا لاتفاقيات الهدنة التي بدأت في ١٨ يولية سنة ١٩٤٨ واتفاقية رودس مع مصر في ٢٤ فبراير سنة ١٩٤٩.
ولكن الذي نريد أن نوضحه للعالم أن إسرائيل تدعى أنّ إيلات جزء من ميراثها المقدس في أرض الموعد الذي وهبه الله لها في غابر الأزمان، وإمعانًا في تضليل العالم الغربي بدأت إسرائيل تقيم أعياد الفصح السنوية في إيلات رسميًا في ١٠ أبريل من كل سنة وتقيم مهرجانات لهذه المناسبة تدعو إليها السائحين من كافة العالم، الذين يبلغون أحيانا عشرة آلاف سائح!
أما صحراء النقب فهي المنطقة المتاخمة لميناء إيلات شمالًا حتى البحر الأبيض المتوسط في مثلث راسه إيلات على البحر الأحمر وقاعدته تمتد: من غزة إلى جنوب البحر الميت. وهى أرض كانت تابعة لفلسطين ثم للمملكة الأردنية واستولت عليها إسرائيل بدعوى أنها أيضا جزء من ميراثها المقدس القديم وقامت فيها بعمليات تعدين كبيرة للفوسفات في منطقة «أورون» ((أورون: هي جبل «هور» قديمًا الذي دُفن فيه هارون رئيس الكهنة أثناء ارتحال بني إسرائيل. )) وللنحاس في منطقة «تمنا» ((تمنا: «التيمان» قديمًا التي كان فيها أليفاز التيماني أحد معزيي أيوب الصديق. )) بمساعدة أمريكا كشريكة لها. وتقدر قيمة المصدر الآن من مناجم أورون وتمنا بحوالي ٢٠ مليون دولار في السنة.
ولكن المشروع الأول والخطير الذي يشغل بال أمريكا وإسرائيل هو حفر قناة عبر صحراء النقب (التي استولت عليها) ويبلغ طولها ٢٨٠ كيلومترا بين إيلات وغزة. (أنظر خريطة رقم ١)
ثانيًا – ولكن بحسب التوراة:
فإيلات ميناء قديم لدولة غير دولة إسرائيل تمامًا هي الدولة المعروفة باسم «أدوم» ألد أعداء إسرائيل، وهى البلاد التي كان يسكنها بنو إسماعيل وبنو عيسو، وقد وهبها الله إلى عيسو وبنيه ميراثًا دائمًا بما فيها «إيلات» حسب نصوص التوراة.
أما صحراء النقب ((صحراء النقب: كلمة نقب كلمة عبرية «Negeb» تعنى قفر أو جاف. )) فهي الجزء الأكبر من جسم دولة أدوم القديمة ميراث عيسو وبنيه الذي كان يفصلها عن فلسطين (التي أعطيت لإسرائيل) حدود سياسية ثابتة وضعها يشوع بن نون بنفسه حسب تعيين الله (انظر خريطة رقم ١).
ولكن إسرائيل تخرج عل العالم اليوم بأكذوبتها الدينية الجريئة أنّ إيلات وصحراء النقب هما ضمن ميراثها القديم.. وبذلك لا تتجاهل الحقائق الإلهية المسجلة في التوراة فقط بل وتتحدى الله نفسه، إذ سبق أن الله حذر إسرائيل بأنه لن يعطيها في «أدوم» ولا وطأة قدم! ولكن انساق العالم الغربي وراء أكاذيب إسرائيل وادعاءاتها وانبرت الأطماع الاستعمارية تعضد المشاريع!
فالآن باسم الكذب لا باسم التوراة تحتل إسرائيل جنوب صحراء النقب!
وباسم الذهب لا باسم الله تحتل إسرائيل ميناء إيلات وتطل على البحر الأحمر وتعقد آمالها على السفن الآتية والسفن الذاهبة..
وأمريكا تحرسها من وراء الستار..
ولكن، ما ذكرته التوراة وما سجله لنا الوحي الإلهي عن ميناء «إيلات» وصحراء «النقب» لا يمكن أن يترك لنا أدنى شك في مقدار الكذب والغش والجرأة التي تستخدمها إسرائيل لتضليل العالم وتحدي الله.
وسوف نقدم في الصفحات القادمة النصوص التي وردت في الأسفار المقدسة التي تشرح هذا الموضوع وتلقى أمامنا ضوءا يمكن على هداه أن نحدد موقفنا من إسرائيل في كافة ادعاءاتها.
أوامر إلهية صريحة
تمهيد:
حدث لما بلغ شعب إسرائيل في ارتحاله من مصر حدود مصر في سيناء عند بلدة «قادش برنيع» التي كانت على الحدود بين مصر وأدوم، أن واجه الشعب مشكلة العبور في وسط بلاد أدوم حتى يمكنه الوصول إلى أرض فلسطين. وكانت المسافة من قادش إلى فلسطين شمالًا لا تزيد عن مسيرة أسبوع، فارسل موسى قائد الرحلة إلى ملك أدوم يستأذنه العبور، فرفض ملك أدوم وهدده بالحرب إن هو حاول اختراق أرضه … وكما هي العادة لعبت أيدى الإسرائيليين بالسيف ونظروا إلى الله: هل نضرب؟ فكانت كلمة الله لموسى أن يحذر حتى من مجرد الإساءة لشعب أدوم. وأعلن الله أنه لن يعطيه ميراثًا في أدوم ولا وطأة قدم، وزاد الله في تحذيره أنّه حتى ولو سمح لهم الأدوميون بالعبور فالله لا يسمح لهم أن يأكلوا أو يشربوا من ثمار هذه الأرض إلا بالثمن..
فما كان من إسرائيل إزاء هذه الأوامر الإلهية الصريحة إلا أن نزلوا جنوبًا مرة أخرى من «قادش برنيع» إلى البحر الأحمر على حدود مصر، وساروا على الساحل ليتحاشوا العبور في الأرض المنزرعة ومروا «بإيلات» ميناء أدوم على البحر الأحمر بجوار «عصيون جابر»، ثم اتجهوا شرقًا وداروا شمالًا على الحدود التي بين أدوم ومؤاب (بنو لوط)، وحينئذ حذرهم الله مرة أخرى بنفس التحذير أن يحترسوا أن يسيئوا إلى مؤاب واعلمهم أنه لن يعطيهم في مؤاب ميراثًا ولا وطأة قدم!!
واستمر إسرائيل في الارتحال شمالًا حنى بلغوا وادي زارد جنوب البحر الميت، ثم عبروا ليدخلوا في وادي أرنون شرق البحر الميت. وبذلك يكونون قد داروا في هذه الرحلة من قادش برنيع على حدود مصر إلى وادي زارد حول أرض أدوم كلها وهى مسافة تبلغ اكثر من مائتي ميل ((وجدير بالذكر أنها استغرقت منهم حوالى ثماني وثلاثين سنة لأن الله أراد أن يبيد كل الجيل الذي خرج من مصر. )) (انظر خريطة رقم ٢).
وقد قصد الله فعلا أن يكبد شعب إسرائيل هذه المشقة العظمى فجعلهم يدورون حول أدوم كلها مع انه كان ممكنًا -لو سهل لهم- أن يعبروا من أدوم إلى فلسطين، فلا تستغرق الرحلة منهم اكثر من أسبوع، لان المسافة من قادش برنيع إلى بئر سبع لا نزيد عن ٥٠ ميل..
ولكن الله قصد ذلك حتى يخط في أذهانهم بل وفى أجسادهم ويسجل في صميم تاريخهم الشعبي، أن أرض أدوم (بما فيها من صحراء النقب الجنوبية وميناء إيلات) قد حرمت عليهم حتى ومجرد العبور فيها!
نصوص مقدسة:
ثم تحولنا وارتحلنا إلى البرية على طريق بحر سوف [الأحمر] كما كلمني الرب، ودرنا بجبل سعير أياما كثيرة. ثم كلمني الرب قائلًا: كفاكم دوران بهذا الجبل. تحولوا نحو الشمال. وأوص الشعب قائلًا: أنتم مارون بتخم إخوتكم بني عيسو الساكنين في سعير، فيخافون منكم فاحترزوا جدا. لا تهجموا عليهم، لأني لا أعطيكم من أرضهم ولا وطأة قدم، لأني لعيسو قد أعطيت جبل سعير ميراثًا. طعامًا تشترون منهم بالفضة لتأكلوا، وماء أيضا تبتاعون منهم بالفضة لتشربوا. لأن الرب إلهك قد باركك في كل عمل يدك، عارفًا مسيرك في هذا القفر العظيم. الآن أربعون سنة للرب إلهك معك، لم ينقص عنك شيء. فعبرنا عن إخوتنا بني عيسو الساكنين في سعير على طريق العربة، على أيلة [إيلات]، وعلى عصيون جابر، ثم تحولنا ومررنا في طريق برية موآب. فقال لي الرب: لا تعاد موآب ولا تثر عليهم حربا، لأني لا أعطيك من أرضهم ميراثًا، لأني لبني لوط قد أعطيت «عار» ميراثًا.
(تثنية ٢: ١-٩)
وأرسل موسى رسلا من قادش إلى ملك أدوم: «هكذا يقول أخوك إسرائيل: قد عرفت كل المشقة التي أصابتنا. إن آباءنا انحدروا إلى مصر، وأقمنا في مصر أياما كثيرة وأساء المصريون إلينا وإلى آبائنا، فصرخنا إلى الرب فسمع صوتنا، وأرسل ملاكًا وأخرجنا من مصر. وها نحن في قادش، مدينة في طرف تخومك. دعنا نمر في أرضك. لا نمر في حقل ولا في كرم، ولا نشرب ماء بئر. في طريق الملك نمشي، لا نميل يمينا ولا يسارا حتى نتجاوز تخومك». فقال له أدوم: «لا تمر بي لئلا أخرج للقائك بالسيف». فقال له بنو إسرائيل: «في السكة نصعد، وإذا شربنا أنا ومواشي من مائك أدفع ثمنه. لا شيء. أمر برجلي فقط». فقال: «لا تمر». وخرج أدوم للقائه بشعب غفير وبيد شديدة. وأبى أدوم أن يسمح لإسرائيل بالمرور في تخومه، فتحول إسرائيل عنه.
(عدد ٢٠: ١٤-٢١)
وسار في القفر ودار بأرض أدوم وأرض موآب وأتى من مشرق الشمس إلى أرض موآب ونزل في عبر أرنون، ولم يأتوا إلى تخم موآب لأن أرنون تخم موآب.
(القضاة ١١: ١٨)
والأيام التي سرنا فيها من قادش برنيع حتى عبرنا وادي زارد، كانت ثماني وثلاثين سنة، حتى فني كل الجيل، رجال الحرب من وسط المحلة، كما أقسم الرب لهم. ويد الرب أيضا كانت عليهم لإبادتهم من وسط المحلة حتى فنوا.
(تثنية ٢: ١٤-١٥)
من هناك ارتحلوا ونزلوا في وادي زارد. من هناك ارتحلوا ونزلوا في عبر أرنون الذي في البرية، خارجًا عن تخم الأموريين. لأن أرنون هو تخم موآب، بين موآب والأموريين.
(عدد ٢١: ١٢-١٣)
ما هي أدوم؟
كلمة أدوم كلمة آرامية، وتعنى أحمر وهو لقب عيسو لأنه كان أحمر الجلد، كما أنّ إسرائيل هو لقب يعقوب، وعيسو (أدوم) هو الأخ الأكبر ليعقوب (إسرائيل). ولكنهما كانا أعداء بسبب خيانة يعقوب (إسرائيل) لأخيه الأكبر عيسو (أدوم)، إذ اختلس منه بركة البكورية عن طريق الغش والخداع والتزييف، كما ورد في الإصحاح ٢٧ من سفر التكوين.
وبقيت هذه العداوة بينهما وورثتها الأجيال منهما..
أما بلاد أدوم، أي بلاد بني عيسو، فهي أصلا بلاد «سعير» بجبالها المشهورة بهذا الاسم أيضا. وشعبها الأصلي هم الحوريون والإسماعيليون (بنو إسماعيل ابن إبراهيم)، وكانت كلها قبائل عربية.
وقد ذهب عيسو (أدوم) واستوطن بلاد سعير واختلط بشعبها وتزوج من بناتهم ومن بنات إسماعيل بالإضافة إلى زوجاته اللاتي اتخذهن من كنعان عندما كان ساكنا في فلسطين. ((الإصحاح ٣٦ من سفر التكوين. ))
واستظهر بنو عيسو فيما بعد على جبابرة الحوريين والعماليق وأبادوهم وأخضعوا الأرض كلها لهم، فصارت بلاد سعير تسمى «أدوم».
وعاصمة أدوم هي «سالع» وتسمى أيضا «بترا» وترجمتها “صخرة”، وهى الآن مدينة «البتراء» في المملكة الأردنية، ولا تزال بها آثار المدنية النبطية أيام حكم النباطيين ((النباطيين: سلالة نباط أو نبايوت ابن إسماعيل البكر ويعتبر ابن عم أدوم (عيسو) (تك ٢٥ : ١٣). وكانت لهم مدينة ﻻ تزال آثارها باقية. )) العرب لأدوم.
أما تسميتها بكلمة «بترا» اليونانية بدل سالع، فذلك يشير إلى وقوع بلاد أدوم تحث الحكم اليوناني بعد الإسكندر الأكبر لأنها أُخضعت سنة ٣١٢ ق.م. ولا يزال يوجد بها آثار يونانية. و«بترا» تقع على بعد ٥٠ ميلا جنوب البحر الميت في منتصف المسافة بين البحر الأحمر (إيلات) والبحر الميت. وترتفع عن البحر ٢٧٠٠ قدما، وبها قمة صخرية ترتفع عن مستوى المدينة ١٠٠٠ قدم، ومن على هذه الصخرة أعدم أمصيا، ملك إسرائيل، عشرة آلاف من شعب أدوم بإسقاطهم من فوقها.
وواضح من سفر التكوين أن بلاد أدوم كانت قد بلغت درجة كبيرة من التقدم واستقرار الملك في الوقت الذي كانت فيه إسرائيل بلا وطن ولا مدينة سكن.
وهؤلاء هم الملوك الذين ملكوا في أرض أدوم، قبلما ملك ملك لبني إسرائيل. ملك في أدوم بالع بن بعور، وكان اسم مدينته دنهابة. ومات بالع، فملك مكانه يوباب بن زارح من بصرة. ومات يوباب، فملك مكانه حوشام من أرض التيماني. ومات حوشام، فملك مكانه هداد بن بداد الذي كسر مديان في بلاد موآب، وكان اسم مدينته عويت. ومات هداد، فملك مكانه سملة من مسريقة. ومات سملة، فملك مكانه شأول من رحوبوت النهر. ومات شأول، فملك مكانه بعل حانان بن عكبور. ومات بعل حانان بن عكبور، فملك مكانه هدار وكان اسم مدينته فاعو، واسم امرأته مهيطبئيل بنت مطرد بنت ماء ذهب.
(تكوين ٣٦: ٣١-٣٩)
كما كانت أدوم قد تقدمت في استثمار ارضها بالحقول والكروم وإقامة الآبار وتعبيد الطرق فكان يخترقها طريق كبير معبد يربط خليج العقبة في إيلات بالبحر الميت وكان يدعى «بطريق الملك»:
دعنا نمر في أرضك. لا نمر في حقل ولا في كرم، ولا نشرب ماء بئر. في طريق الملك نمشي، لا نميل يمينا ولا يسارا حتى نتجاوز تخومك
(عدد ٢٠: ١٧)
كما كان أدوم موزعة إلى إمارات يحكمها أمراء وينبع كل إمارة عدة قبائل لها حدودها وبلادها. ويلاحظ أن من ضمن هذه الإمارات إمارة «إيلات».
وهذه أسماء أمراء عيسو، حسب قبائلهم وأماكنهم بأسمائهم: أمير تمناع، وأمير علوة، وأمير يتيت، وأمير أهوليبامة، وأمير أيلة [إيلات]، وأمير فينون، وأمير قناز، وأمير تيمان ((تيمان: مقاطعة في جنوب بلاد أدوم وهى غير بلاد التيمن التي في جنوب بلاد العرب المعروفة في التاريخ «بسبأ» التي ملكتها زارت سليمان. وسبأ واليمن هي الآن معروفة ببلاد اليمن. ))، وأمير مبصار، وأمير مجديئيل، وأمير عيرام. هؤلاء أمراء أدوم حسب مساكنهم في أرض ملكهم. هذا هو عيسو أبو أدوم.
(تكوين ٣٦: ٤٠-٤٣)
وهذه في الواقع أسماء القبائل العربية التي استوطنت المنطقة من جنوبي البحر الميت إلى خليج العقبة حتى حدود قبائل «دوان» شمال يثرب بجزيرة العرب، ومن حدود مصر غربًا التي هي سلسلة جبال فاران إلى حدود مؤاب شرقًا.
وهذه القبائل عينها هي التي لا يزال أحفادها يعيشون في هذه المناطق باسم المملكة الأردنية وفلسطين.
هذه هي بلاد أدوم التي جزؤها الغربي هو الصحراء الذي تحتله إسرائيل مدعية أنه من ميراثها المقدس القديم ضمن ارض فلسطين!!
وفى السطور التالية نقدم نصا صريحًا من سفر يشوع نوضح به أنّه كانت بين إسرائيل وأدوم حدود سياسية وضعها يشوع حسب أوامر وتوجيهات الله لتكون فاصلًا دائمًا بين الميراثين: ميراث إسرائيل وميراث أدوم، حتى لا يتعدى احدهما على ميراث الآخر.
هذا نصيب سبط بني يهوذا حسب عشائرهم: وكانت المدن القصوى التي لسبط بني يهوذا إلى تخم أدوم جنوبا … قادش … زيف … حصرون … بئر سبع … حرمة … صقلغ …
(يشوع ١٥: ٢٠)
وقد أوردنا المدن التي يمكن توقيعها على الخريطة.
وكانت القرعة لسبط بني يهوذا حسب عشائرهم: إلى تخم أدوم برية صين نحو أقصى الجنوب ((يلاحظ أن كلمة «الجنوب» كما جاءت في التوراة هي ترجمة خاطئة لكلمة «نجيب» Negeb التي تنطق الآن «نقب» وقد صححت في النسخة الحديثة للتوراة. فكلمة أرض «الجنوب» تفيد صحراء النقب الشمالية التي كانت ضمن حدود ميراث يهوذا وشمعون، أما كلمة «أقصى الجنوب» فهي صحراء النقب الجنوبية التي كانت أرضا أدومية في ميراث عيسو. ))، أقصى التيمن. وكان تخمهم الجنوبي أقصى بحر الملح … إلى صين، وصعد من جنوب قادش برنيع وعبر إلى حصرون، وصعد إلى أدار إلى القرقع،وعبر إلى عصمون وخرج إلى وادي مصر. وكانت مخارج التخم عند البحر [الأبيض]. هذا يكون تخمكم الجنوبي. وتخم الشرق بحر الملح [البحر الميت].
(يشوع ١٥: ١-٥)
إسرائيل تخون عهد الله وتعتدي على أدوم طمعا في ميناء «إيلات»
ولكن بمجرد أن استقرت إسرائيل في فلسطين، بقيام أول ملك عليها وهو شاول بدأت خطة الغزو، وكان أول أهدافها هو الاستيلاء على ميناء «إيلات» فاقتحمت حدود أدوم ودخلت مع شعب أدوم في صراع طويل دام ما يقرب من ثلاثمائة سنة، حاولت فيها إسرائيل محاولات جدية لإبادة شعب أدوم طمعًا في استقرار رجلها في ميناء إيلات، وبدأت فعلا بخطة الإبادة بأن ذبحت في أيام «داود» الملك كل الذكور في أدوم.. وكثير منهم هرب والتجأ إلى مصر.. وعادت فكررت خطة الإبادة في أيام «أمصيا» الملك بان ذبحت عشرة آلاف آخرين بأن ألقتهم من فوق صخرة «سالع» المرتفعة فقتلوا جميعا!
هذه هي إسرائيل…!
وأظن الآن يمكن أن نفهم لماذا تخلى الله عن هذا الشعب القاسي «الغليظ الرقبة» سفاك الدماء.
– انظر كيف عاملت إسرائيل أختها «أدوم» العربية؟
– انظر كيف غلب عليها تعطشها للنقمة وسفك الدماء فتحدت وصية الله الصريحة من نحو أدوم:
أنتم مارون بتخم إخوتكم بني عيسو الساكنين في سعير، فيخافون منكم فاحترزوا جدا. لا تهجموا عليهم، لأني لا أعطيكم من أرضهم ولا وطأة قدم، لأني لعيسو قد أعطيت جبل سعير ميراثًا.
(ثنية ٢: ٤-٥)
– كم من المتدينين، كم من العلماء، كم من الفلاسفة، كم من الناقدين عثروا في أسفار العهد القديم بل وعثروا في الله نفسه بسبب تصرفات شعب إسرائيل إزاء حبهم في سفك الدم والتنكيل بأعدائهم باسم الله والله منهم براء؟
وهذه مذابح بني أدوم تكشف لنا عن تستر إسرائيل وراء اسم الله للقيام بأعمال تدميرية للإنسانية وذلك إشباعًا لرغبتها في الانتقام والتسلط والاتساع، ويكفى أن نضع هذه المذابح الوحشية التي اقترفتها إسرائيل ضد أدوم، باسم الله، في ناحية، وفى مقابلها نضع وصية الله الرحيمة الطيبة التي تحدد ماذا ينبغي أن يكون عليه سلوكهم من نحو أدوم نفسها:
لا تكره أدوميًا لأنه أخوك. لا تكره مصريًا لأنك كنت نزيلًا في أرضه.
(تثنية ٢٣: ٧)
وحينئذ ندرك كيف أساءت إسرائيل لاسم الله دائمًا!!
وسنقدم في السطور التالية مراحل الصراع المرير الذي احتملته أدوم لتحتفظ بمينائها إيلات مدة ثلاثمائة سنة:
أول من بدا صفحة الحروب مع «أدوم» هو الملك شاول المعروف عنه أنه كان مرفوضًا من الله حتى قبل تعيينه، بل وكان عليه روح شرير، وله قصة لا باس من سردها لأنها ذات معنى بالنسبة لوجود إسرائيل الحديثة! فمعروف أن إسرائيل ظلت بدون ملك يملك عليها كل زمن القضاة باعتبار أن الله نفسه كان «ملك إسرائيل». ولكن اشتهى شعب إسرائيل بعد ذلك أن يكون عليهم ملك كباقي الأمم، فطلبوا من النبي صموئيل ليقيم شاول ملكا عليهم، فغضب صموئيل النبي وارتاع من هذا المروق والجحود. ولكن الله بادره بالروح، وقال له: فقال الرب لصموئيل: «اسمع لصوت الشعب في كل ما يقولون لك، لأنهم لم يرفضوك أنت بل إياي رفضوا حتى لا أملك عليهم. ((صموئيل الأول ٨ : ٧ ))، وهكذا منذ أن تولى شاول الملك على إسرائيل والله لم يعد ملكا عليهم..
* هذا هو شاول الملك، أوّل من نقض عهد الله مع أدوم وحاربها وذلك بعد حوالى مائتي سنة تقريبًا من دخولهم واستقرارهم في فلسطين.
وأخذ شاول الملك على إسرائيل، وحارب جميع أعدائه حواليه: موآب وبني عمون وأدوم وملوك صوبة والفلسطينيين.
(صموئيل الأوّل ١٤: ٤٧)
* وبذلك أُخضعت أدوم لداود الملك أيضًا، لأنه تولى بعد شاول مباشرة وأقام عليها «محافظين». ولكن لا يفوتنا هنا أن نتذكر تحذير الله كيف أنه حرّم على إسرائيل من أن يكون لها في أدوم ولا وطأة لقدم، ولكن داود الملك ورث عن شاول هذا الميراث الحرام.
* ولما تولى سليمان الملك، ورث بطبيعة الحال هذا الميراث الحرام أيضًا عن داود أبيه أو بالحري من شاول الملك.
وفى هذا الميراث الحرام بنى سليمان مرفأ على البحر الأحمر في الموضع الذي كان يسمى «عصيون جابر» «إيلات» وبدأ يستغل مناجم النحاس والحديد هناك كما قد تأكد ذلك من الاكتشافات الحديثة وذلك حوالي سنة ٩٦٠ ق.م.
وعمل الملك سليمان سفنا في عصيون جابر التي بجانب أيلة [إيلات] على شاطئ بحر سوف [الأحمر] في أرض أدوم. فأرسل حيرام في السفن عبيده النواتي العارفين بالبحر مع عبيد سليمان، فأتوا إلى أوفير [الصومال الآن]، وأخذوا من هناك ذهبا أربع مئة وزنة وعشرين وزنة، وأتوا بها إلى الملك سليمان.
(الملوك الأوّل ٩: ٢٦-٢٨)
مصر تقوم بدور فعال في سند أدوم:
ولكن حدث في أيام داود الملك أن قامت ثورة في أدوم، فارسل داود وقمعها بعنف شديد، فهرب احد الزعماء الأدوميين إلى مصر الذي صار فيما بعد عدوا مزعجًا لسليمان.
وأقام الرب خصما لسليمان: هدد الأدومي، كان من نسل الملك في أدوم. وحدث لما كان داود في أدوم، عند صعود يوآب رئيس الجيش لدفن القتلى، وضرب كل ذكر في أدوم. لأن يوآب وكل إسرائيل أقاموا هناك ستة أشهر حتى أفنوا كل ذكر في أدوم. أن هدد هرب هو ورجال أدوميون من عبيد أبيه معه ليأتوا مصر. وكان هدد غلامًا صغيرًا. وقاموا من مديان وأتوا إلى فاران، وأخذوا معهم رجالا من فاران وأتوا إلى مصر، إلى فرعون ملك مصر، فأعطاه بيتا وعين له طعامًا وأعطاه أرضًا. فوجد هدد نعمة في عيني فرعون جدا، وزوّجه أخت امرأته، أخت تحفنيس الملكة. فولدت له أخت تحفنيس جنوبث ابنه، وفطمته تحفنيس في وسط بيت فرعون. وكان جنوبث في بيت فرعون بين بني فرعون. فسمع هدد في مصر بأن داود قد اضطجع مع آبائه، وبأن يوآب رئيس الجيش قد مات. فقال هدد لفرعون: «أطلقني إلى أرضي». فقال له فرعون: «ماذا أعوزك عندي حتى إنك تطلب الذهاب إلى أرضك؟» فقال: «لا شيء، وإنما أطلقني»
(الملوك الأوّل ١١: ١٤-٢٢)
وبهذا تكون مصر قد دخلت بدور فعال منذ ثلاثة آلاف سنة تقريبًا في إعانة أدوم ضد إسرائيل.
بل ودخلت مصر في مصاهرة ملكية مع هذه البلاد العربية.
وقد بدأت «إيلات» بعد الملك سليمان (سنة ٩٦٠ ق.م.) أن تكون مطمعًا لملوك إسرائيل لتسهيل التجارة مع دول أفريقيا كالصومال ومع بلاد عرب الجنوب.
* فبعد سليمان جاء يهوشافاط (سنة ٨٦٠ ق.م.) الذي حاول الاستيلاء على «إيلات» التي أصبحت تسمى أيضا عصيون جابر، لمتابعة الجري وراء الذهب، ولكنه منى بخسارة فادحة إذ انكسرت كل مراكب أسطوله في الميناء فعدل عن هذا المشروع.
وعمل يهوشافاط سفن ترشيش لكي تذهب إلى أوفير [في أفريقيا] لأجل الذهب، فلم تذهب، لأن السفن تكسرت في عصيون جابر [إيلات].
(الملوك الأول ٢٢: ٤٧-٤٨)
لان المعروف أن الرياح في منطقة خليج العقبة شديدة وعاتية والشعب المرجانية محيطة بالمنطقة. ولكن بقدر ما كانت الرياح مؤذية للملاحة فإنها كانت مواتية لأفران صهر الحديد والنحاس.
* وفي عهد الملك يوارم ملك يهوذا (حوال سنة ٨٤٨ ق.م.) قامت أدوم بثورة ضد إسرائيل، وقد نجح يوارم في إخمادها، ولكنه لم يستطع أن يُخضع أدوم.
في أيامه [يورام] عصى أدوم من تحت يد يهوذا وملكوا على أنفسهم ملكا.
(الملوك الثاني ٨: ٢٠)
* وفي عهد الملك «أمصيا» أقامت إسرائيل حربًا على أدوم وذبحوا عشرة آلاف من شعبها في وادي الملح (جنوب البحر الميت) واستولوا على «سالع» العاصمة وأعدموا عشرة آلاف آخرين بإسقاطهم من فوق صخرة سالع المسماة «بترا». وهى الحادثة التي يشير إليها أحد المزامير قائلًا: اذكر يا رب لبني أدوم يوم أورشليم، القائلين: «هدوا، هدوا حتى إلى أساسها». يا بنت بابل المخربة، طوبى لمن يجازيك جزاءك الذي جازيتنا! طوبى لمن يمسك أطفالك ويضرب بهم الصخرة! ((مزمور ١٣٧ : ٧-٩ ))
وأما أمصيا فتشدد واقتاد شعبه وذهب إلى وادي الملح، وضرب من بني سعير [أدوم] عشرة آلاف، وعشرة آلاف أحياء سباهم بنو يهوذا وأتوا بهم إلى رأس سالع وطرحوهم عن رأس سالع فتكسروا أجمعون.
(أخبار الأيام الثاني ٢٥: ١١-١٢)
* وجاء من بعده الملك عزريا (سنة ٧٨٠ ق.م.) فأعاد الاستيلاء على ميناء إيلات وبناها من جديد.
وأخذ كل شعب يهوذا عزريا، وهو ابن ست عشرة سنة، وملكوه عوضا عن أبيه أمصيا. هو بنى أيلة [إيلات] واستردها ليهوذا
(الملوك الثاني ١٤: ٢١-٢٢)
* لكن في أيام أحاز (سنة ٧٣٠ ق.م.) أصيبت يهوذا بنكسة كبيرة، إذ غزاها رصين ملك آرام، وانتهز هذه الفرصة الأدوميون فهجموا على يهوذا وأسروا شعبها واستردوا ميناء إيلات مرة أخرى نهائيًا، لان مملكة إسرائيل ويهوذا انحطت بعد هذه الضربة وفقدت كل قوتها ولم يقم لها قائمة بعد ذلك.
فإن الأدوميين أتوا أيضا وضربوا يهوذا وسبوا سبيا. واقتحم الفلسطينيون مدن السواحل وجنوبي يهوذا، وأخذوا بيت شمس وأيلون وجديروت وسوكو وقراها، وتمنة وقراها، وحمزو وقراها، وسكنوا هناك. لأن الرب ذلل يهوذا
(أخبار الأيام الثاني ٢٨: ١٧-١٩)
في ذلك الوقت أرجع رصين ملك أرام أيلة [إيلات] للأراميين [“للأدوميين” حسب النسخة المصححة]، وطرد اليهود من أيلة [إيلات]. وجاء الأراميون [الأدوميون] إلى أيلة [إيلات] وأقاموا هناك إلى هذا اليوم.
( الملوك الثاني ١٦: ٦)
وهكذا انتهت آخر الجولات الدامية التي شنتها إسرائيل بأن رجعت إيلات إلى أدوم.
ولكى تكمل الصورة التاريخية لإيلات في ذهننا، نقول أنّ من القرن السابع إلى القرن الرابع قبل الميلاد بقيت «إيلات» الأدومية للأدوميين، حسب الاكتشافات الحديثة، إذ وجدوا أختاما باسم “كوزا نال”، خادم ملك أدوم، بالرغم من دخولها تحت الحكم الفارسي، إذ بقيت مركزًا للتجارة بين فارس والبلاد العربية خلال القرن الخامس والرابع قبل الميلاد. ولكن بدخول النباطيين العرب ثم الرومان انحصرت «إيلات» مرة أخرى إلى وضعها البدائي كقرية صغيرة بجوار البحر يسكنها بضع مئات من العرب يحترفون صيد السمك.
هكذا تاريخ ميناء «إيلات» التي ظل الأدوميون يناضلون من أجل الاحتفاظ بأدوميتها ثلاثمائة سنة ضد إسرائيل! والتي لم يستطع الإسرائيليون تهويدها بالرغم من الجهود المجنونة التي بذلوها!
لقد تحدت إسرائيل إنذار الله: لا أعطيكم من أرضهم ولا وطأة قدم ((تثنية ٢ : ٥ ))، وحاولت على مدى تاريخها كله أن تتجاهل صوت الله لتستولى على أدوم (صحراء النقب) وعلى ميناء «إيلات» لتحقق أحلامها الذهبية. ولكن ظل إنذار الله قائمًا سيفًا مسلطًا على جحودها وكبريائها، فاستنزفت إسرائيل كل جهودها إلى أن وقعت صريعة بيد تيطس..
والآن، هل يمكن لإسرائيل الجديدة أن تمضي في نفس مخططها القديم المنحرف دون أن تواجه نفس المصير؟
وهل يمكن لإسرائيل أن تستمر في تضليلها للعالم والعودة بالدين إلى مستوى المواريث الأرضية وسيادة الأجناس والأنساب؟
إن الشعوب الغربية بمساندتها لإسرائيل في هذا المضمار تجازف بجوهر المسيحية، وتمهد لضلالة جديدة سوف تجتاح العالم وتؤثر في كيانه الروحي تأثيرًا قد يطمس أرقى ما فيه من أيديولوجيات.
---
## المسيحي المش مستني رمضان
URL: https://tabcm.net/51568/
Type: post
Modified: 2026-02-07
والله لسه بدري، والله، يا شهر الصيام
أغنية تتردد أصداء كلماتها في البيوت والشوارع، فيما يتساءل المسلمون: كيف انقضى نصف الشهر المبارك دون أن نشعر به؟ وتلك هي حال رمضان، سريعٌ كوميض البرق. أما المسيحيون، فينتظرون حلوله شغفًا، فهو عندهم موسمٌ للبُهجة والفرح، تزينه المسلسلات والسهرات الرمضانية، مع ساعات استيقاظ متأخرة وأعمالٍ تتخذ إيقاعًا خاصًا. ولكن، على النقيض، يعرب بعض المسيحيين عن انزعاجهم من صعوبات التجويع الغذائي. ويصفون شعورهم بثقل الأيام وبطء مرور الزمن خلال فترة الصيام.
أعود من عملي في إحدى الشركات في مصر الجديدة إلى منزلي السادسة مساءً، وأعاني في يومي الطبيعي من القلق والنوم المتقطع، لأجد نفسي في شهر رمضان مجبرًا على المعاناة بشكل مضاعف، حتى أن أدوية المهدئات باتت غير مجدية.
كان يمكن لشهر رمضان أن يكون مثاليًا لو اتخذ الاحتفاء به طابعًا اجتماعيًا شعبيًا، وأصَّل للعادات والتقاليد الفريدة التي تتمتع بها مصر. إلا أن الممارسات الشائعة تحول دون ذلك، وتحيل الشهر إلى رحلة متواصلة من القهر الممارس ضد الأقليات الدينية.
ميكروفون واحد لا يكفي
صوت المسحراتي الذي لا يهدأ له بال إلا إذا اطمئن على استيقاظ كل النائمين، بقرعات طبلته المدوية التي يجوب بها الشوارع الجانبية، توقظني من نومي العزيز. وإذا كنت أغط في النوم وأفلتت منه، فإني أسمع أذان الفجر الذي يصليه شيخ جامعنا القريب من المنزل، بعدما قرر أن ميكروفونًا واحدًا لا يكفي، فأحضر آخر منذ اليوم الأول لشهر رمضان. وتضاعف الصوت في شارع ضيق لا يحتمل كل هذه المُكبرات الصوتية، بل يتحول صوته إلى ما يشبه أمواجًا صاخبة تهتز معها شبابيك غرفتي، فأستيقظ لتتجدد معاناتي كل يوم على نفس الحال.
يتحول مسلمون كُثُر إلى شرطة دينية في مجال العمل، ولو كل مسيحي وقف ضد هذه الممارسات، وتعوّد المسلمون على وجود من يأكل ويشرب أمامهم، لما وصلنا إلى ما نحن عليه الآن.
(يوسف سامر)
يعتبر سامر نفسه محظوظًا كونه من جيل نجح في رسم صورة بذاكرته عن رمضان… لا يزال يتمسك بها لتعينه على تحمل السلوكيات “الداعشية” كما وصفها، دون أن ينهار.
جيل الماضي ورمضانه الذهبي
هنا، نشير إلى أن سامر ينتمي إلى جيل عاش رمضان في فترة زمنية سابقة، ربما قبل الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي، وقبل تصاعد وتيرة الانقسامات المجتمعية والصراعات التي أدت إلى ظهور سلوكيات متطرفة. كان رمضان في ذاكرته يحمل طابعًا خاصًا، طابعًا مشبعًا بالقيم الأصيلة للتعاون، التآخي، التسامح، والتواصل الإنساني الحقيقي.
هذه “الصورة المرسومة في الذاكرة” ليست مجرد ذكريات عابرة، بل هي بمثابة مخزون عاطفي وروحي. وكأنها أرشيف حي لكل لحظات الفرح، السكينة، والوحدة التي أختبرها في طفولته وشبابه خلال هذا الشهر المبارك. هذه الذكريات تتضمن تفاصيل حسية وجياشة: رائحة الطعام العائلي، أصوات صلاة التراويح، دفء اللقاءات مع الأصدقاء والجيران، الشعور بالانتماء للمجتمع، والخشوع في العبادة.
عندما يواجه سامر هذه السلوكيات المشوهة، فإن ذكريات رمضان النقية تعمل كمرآة تعكس الفرق الشاسع بين الصورة الحقيقية وبين التفسيرات المغلوطة والمتطرفة. هذه الذكريات بمثابة حصن نفسي. عندما يرى سامر حوله حالة من التطرف، فإن الذكريات الإيجابية تساعده على عدم الانجرار إلى اليأس أو الغضب الشديد. إنها تمنحه بصيص أمل وتذكره بأن هناك جانبًا آخر، جانبًا إنسانيًا وروحانيًا أصيلًا، لا يزال قائمًا.
إذا لم يكن لدى سامر هذا المخزون من الذكريات الإيجابية، لكان من المرجح أن ينهار أو ينجرف مع التيار السلبي. قد يصل به الأمر إلى الإحساس بفقدان الأمل في المجتمع، أو حتى اعتناق بعض الأفكار المتطرفة كرد فعل على ما يراه. لكن تمسكه بذاكرة رمضان الأصيل يمنحه استقرارًا ويحميه من هذا الانهيار.
لدي ذكريات مثالية عن رمضان، مثل تجمعات الأصدقاء والسهر في منطقة الحسين حتى الفجر، وحضور حفلات تواشيح دينية. إلا أن هذه الذكريات يعكرها تصرف مئات الصائمين الذين يتمسكون بقشرة التدين.
في القاهرة، تُغلق المقاهي والمطاعم، والقليل الذي يفتح منها يكون على استحياء وفي الخفاء كأننا مجرمون، هذا بخلاف نظرات التعالي والاستهجان التي قد تصل إلى حد التطاول والتشابك مع كل من يقضم لقمة أو يشرب ماءً في العلن.
(يوسف سامر)
الزمالك حي مهجور
معاناة أخرى تحكيها مارينا عماد، تعمل بالشؤون الإدارية للموظفين في إحدى الشركات السياحية بمنطقة الزمالك.
تتحول منطقة الزمالك الصاخبة إلى أخرى مهجورة في شهر رمضان، فلا توجد أماكن لشرب مشروباتنا الصباحية المعتادة من قهوة وشاي، ولا مطاعم للأكل.
(مارينا عماد)
ما يضايق مارينا، ويشعرها بالغضب فكرة “الفرض” الذي يمارسه مسلمون كثر على من حولهم، ويجعل هذا “أقرب لموظفين بهيئة الأمر بالمعروف”، على حد تعبيرها.
اعتدت على التعامل بشكل طبيعي قدر الإمكان في العمل منذ سنوات، على عكس زملائي المسيحيين الذين يختبئون لشرب قليل من الماء في نهار رمضان وكأنهم مجرمون.
(مارينا عماد)
تلقي مارينا باللوم على خوف المسيحيين أمام تلك السلوكيات التي تحولت مع الزمن من “هزار ومناغشة” إلى “حق مكتسب، تمارسه الأغلبية المسلمة لفرض الصيام على المسيحيين بالعنوة”. بحسب تعبيرها
لو كل مسيحي وقف ضد هذه الممارسات في مجال عمله، وتعوّد المسلمون وجود من يأكل ويشرب أمامهم، لما كنا وصلنا إلى ما نحن عليه الآن.
(مارينا عماد)
تخبرنا مارينا أن أحاديث المسيحيين في الخفاء حانقة وناقمة على هذا القهر السنوي الممارس ضدهم، بينما في العلن يسوقون لأنفسهم كمن يحرص على مشاعر الزملاء الصائمين.
أشخاص كسالى
في الفضاء الإلكتروني، يجد مينا صليب مساحة له للتنفيس عن غضبه، كتب قبل شهر رمضان على صفحته بموقع “فيسبوك” منشورًا طريفًا، لكنه لا يخلو من الغضب، أطلق عليه: “الوصايا الخمس بمناسبة الشهر الفضيل”، وطرح فيه ما يراه أزمات يواجهها كل عام الكثير من المسيحيين، أو غير الصائمين، أبرزها السرعة الجنونية قبيل موعد الإفطار، والحوادث التي تتسبب فيها تلك السرعة. تحدث مينا عن دافع منشوره الذي وجد تفاعلًا كبيرًا معه حتى من المسلمين المحتجين على نفس السلوكيات.
كل هذه السلوكيات تعودنا عليها منذ الصغر، لكن مع الوقت أصبحت تحدث بشكل أكثر فجاجة، وتأخذ شكلُا متطرفًا.
(مينا صليب)
أما “أزمته الحقيقية مع المسلمين الصائمين”، كما يقول، فهي تعطيل العمل، وتحجج الموظفين في أي مصلحة حكومية بالصوم ذريعة للكسل مقارنة بالأيام العادية.
هناك جملة متكررة نسمعها حتى في المهن التي لا تحتمل التأجيل: “تعالَ بعد الفطار”، لنجد أنفسنا على مدار الشهر نتعامل مع أشخاص كسالى، لا يقدرون العمل كفضيلة.
(مينا صليب)
نصائح بهائية
الصورة الإيجابية للشهر الكريم تعكر صفوها شوائب الأفكار المتطرفة، وشعور البعض بتطبيق فرض الصوم على الجميع بالقوة، أو بالتلاسن وإلقاء النظرات الحادة لمن يتجرأ على شرب أو أكل شيء ما أمام الصائمين.
(غادة علاء)
هذا ما وصفته غادة علاء، شابة ثلاثينية، بهائية الديانة، تنقلت بين مصر والأردن والإمارات.
رمضان بالنسبة لي مميز، يحمل ذكريات لا تفارقني، لكن الأمر في مصر مختلف عن أي بلد أخرى، فكل المناطق والأماكن تعلن عن وجود رمضان.
(غادة علاء)
الشهر الكريم هو فرصة غادة في طفولتها للتساؤل عن الفرق بين الصوم البهائي، ونظيره في رمضان، وكانت تمدها والدتها بالكثير من المعلومات، التي وجدت أن الهدف الروحي منهما واحد وإن اختلف شكل الصيام.
توضح غادة أن الأساس في طقوس الصوم هو إعلاء الروحانية، ودفع الإنسان للتفكير في أخطائه، وإعادة حساب الذات من جديد، لكن مؤخرًا تراجعت الكثير من الروحانيات لحساب زخم الجانب الترفيهي، ومشاهدات التلفزيون التي زادت عن الحد.
ما يثير القلق لدى غادة عدم استيعاب البعض حالة الصيام في رمضان وهي عبادة فردية بين الخالق وربه، لا فكرة إلزام جماعية حتى لمن لا يقتنع بها.
أشعر بالضيق من الرفض العام لفكرة عدم الصيام، فهناك الكثيرون ممن لا يستطيعون الصوم لأسباب مختلفة إيمانية أو صحية، فأن نجبرهم على ادعاء الصوم أو الامتناع عن تناول ما يحتاجونه بحجة ضرورة مراعاة مشاعر الصائمين فهذا أعتبره تجويفًا لفكرة الصوم الأساسية من مضمونها كونها رحلة إيمانية شخصية لن تفيد الآخرين أو تضرهم في شيء.
(غادة علاء)
تدرك غادة أن الصوم جزء منه خارجي بالامتناع عن الطعام، لكن هذا ليس كل شيء وإلا أصبح نظام تجويع غذائي، أما الجانب الداخلي فهو الأهم، تمرين روحنا على التحكم في غرائزنا، حتى نوازن بين الروحي والجسدي.
لا توجد في مصر إحصائية رسمية بتعداد المسيحيين المصريين، ولكن تقدر الأعداد بحسب قاعدة البيانات لدى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وهي الطائفة الأكثر انتشارًا، بنحو 12 مليونًا، وبحسب تصريحات سابقة للبطريرك الراحل الأنبا شنودة الثالث، فإن هذه الأعداد تقريبية وليست دقيقة لاستحالة الوصول لتسجيل أسماء المواليد المسيحيين أولًا بأول.
أما أعداد البهائيين فهي غير معروفة على الإطلاق، إذ سبق أن صرّح بذلك أمين بطاح، عميد البهائيين في مصر.
وتنظم غادة من أجل ترسيخ قيم القبول واحترام الآخرين مجموعة تدعى “غذاء الروح”، تقول عنها:
هي مساحة لمجموعات من أديان وقناعات مختلفة، ناس متدينة من كل الأديان، وآخرون لا يزالون في رحلة البحث عن الإيمان، لكن ما نحرص عليه هو مناقشة الأفكار دون فرض رأي بعينه على الآخرين.
كان الحديث عن صوم رمضان مطروحًا في مجموعة غذاء الروح، وانتهى النقاش إلى أهمية الاحترام بين المختلفين، وقبول التنوع، والتوصية بضرورة أن يراعي مجتمعنا المصري الفروق بين الجميع، إذ لا يفرض أحدنا على الآخر فكرة ما، ورفض إصدار الأحكام على غير المتدينين، أو استهجان سلوكهم لمجرد أنه لا يتفق والأغلبية.
(غادة علاء)
---
## لماذا يحتفون بإسلامهن؟
URL: https://tabcm.net/51563/
Type: post
Modified: 2026-02-05
لماذا يحتفي البعض بإسلام سيدة أو طفلة مسيحية؟ أحاول أن أقدم مقاربة اجتماعية لهذه الظاهرة المركبة، حول الاحتفاء الشعبي بإسلام سيدة أو طفلة مسيحية في مصر، والتي لا يمكن فهمها باعتبارها رد فعل ديني مباشر أو عفوي. الظاهرة أعمق من ذلك بكثير، وهي نتاج تراكمات ثقافية ونفسية وبنيوية تشكّلت عبر عقود، بل قرون، داخل مجتمع لم يحسم علاقته بفكرة “الاختلاف”. ونحن لا نتعامل هنا مع الإيمان، بل مع بنية وعي.
أولًا: الدين الشعبي مقابل الدين المعرفي
في علم الاجتماع الديني، نفرّق بين الدين كنص وقيم، والدين كممارسة اجتماعية. الاحتفاء الذي نتحدث عنه هو نتاج دين شعبي، لا ديني معرفي ولا روحي. دين قائم على: الرموز لا المعاني، الطقوس لا الأخلاق، الانتصار العددي لا التحول القيمي. في هذا الإطار، تتحول عملية معقدة مثل تغيير العقيدة إلى حدث قابل للاستهلاك الاجتماعي، وتُختزل رحلة إنسانية كاملة في جملة واحدة: دخلت الإسلام.
ثانيًا: القلق الهويّاتي لدى الأغلبية
من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن الأغلبية دائمًا واثقة من نفسها. في الواقع، الأغلبية في المجتمعات غير المستقرة ثقافيًا تعاني من قلق هوياتي مزمن. ففي الحالة المصرية؛ الدولة وطنية، والمجتمع متدين، والخطاب الديني تعبوي، وفكرة المواطنة لم تترسخ نفسيًا، فالأغلبية تبحث عن لحظات تؤكد فيها تفوقها الرمزي، وإسلام “الآخر المختلف دينيًا” يصبح دليلًا نفسيًا سريعًا على صحة الذات. الاحتفال هنا ليس فرحًا بالهداية، بل طمأنة للذات القلقة.
ثالثًا: منطق الغلبة بدل منطق الإقناع
في الثقافة الشعبية، لم يُقدَّم الدين كمساحة حوار، بل كمعركة صفرية: إما أنا… أو أنت. وهذا منطق الغلبة، لا منطق الإقناع. لذلك: لا يُسأل: هل الاختيار حر؟ لا يُسأل: هل الشخص ناضج؟ لا يُسأل: هل هناك ضغط؟ السؤال الوحيد: “كسبنا ولا لاء؟” وهذا منطق قريب جدًا من منطق العصبية القبلية، وليس منطق الإيمان.
رابعًا: الجسد الأنثوي كساحة صراع رمزي
في التحليل النسوي السوسيولوجي، غالبًا ما يكون جسد المرأة ساحة لإسقاط صراعات الجماعة. المرأة هنا ليست فردًا، بل رمز ودليل، وغنيمة معنوية. ولذلك، فإن التركيز دائمًا على السيدات، والفتيات، وأحيانًا الأطفال. إسلام امرأة مسيحية يُقرأ اجتماعيًا كاختراق للهوية الجماعية للطائفة الأخرى، لا كقرار فردي مستقل. ومن هنا يتحول الفرح إلى استعراض.
خامسًا: أثر التاريخ غير المُعالَج
العلاقة الإسلامية/المسيحية في مصر لم تُحَل تاريخيًا على مستوى الوعي الشعبي. لقد أُديرت سياسيًا، لكن لم تُناقش اجتماعيًا. فبقيت: مشاعر مكتومة، تصورات نمطية، وأساطير شعبية عن “الآخر”، وعند أول حدث قابل للتأويل، تخرج كل هذه الطبقات دفعة واحدة في شكل فرح هستيري.
سادسًا: غياب الدولة كمرجعية أخلاقية
في المجتمعات الحديثة، تحمي الدولة الفرد من تغوّل الجماعة. ولكن حين تغيب الدولة كمرجعية أخلاقية واضحة في قضايا الحريات الشخصية، تملأ الجماعة هذا الفراغ. فتُدار المسألة لا بالقانون ولا بالحقوق، بل بالعُرف والانفعال الجمعي، ومن هنا تتحول حياة إنسانه إلى شأن عام، وتتحول قناعاتها -الحقيقية أو المزعومة- إلى احتفال جماعي.
أخيرًا، الاحتفاء الشعبي بإسلام سيدة أو طفلة مسيحية ليس تعبيرًا عن قوة الإسلام، بل عن أزمة وعي ديني واجتماعي. الإيمان الواثق لا يحتاج مظاهر غلبة، والدين الحقيقي لا يفرح بسقوط الآخر، بل بارتقاء الإنسان. والسؤال الأخطر الذي نتهرب منه دائمًا: هل نحتفل لأننا نحب الدين؟ أم لأننا نخاف من المختلف؟
---
## الأنبا “بنيامين” وكبسولات الـ”تيك أواي”
URL: https://tabcm.net/3997/
Type: post
Modified: 2026-02-04
أثارت حديثًا ما تسمى"الكبسولة"، التي تصدر عن الأنبا بنيامين مطران المنوفية بالكنيسة القبطية الأرثوذكسية، جدلًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي، وكانت بعنوان النوايا الحسنة، واستعان فيها بحديث شريف لنبي الإسلام، والمقال هنا ليس بصدد التعرض للإسلام ولا نبي الإسلام، بل عن الأنبا بنيامين ومدى ارتباطه بالمسيحية التي من المفترض أنه يؤمن بها، ويُعلم بتعاليمها، بل أنه حاليًا يشغل منصب مقرر لجنة الإيمان والتعليم بمجمع أساقفة كنسيتنا، خاصة وأنه يقدم نفسه باعتباره أسقفًا محافظًا، وأحد حراس الإيمان والعقيدة، وله أكثر من "كبسولة" أثارت الجدل على مدار العامين الماضيين.
يقول ما لا يفعل
في هذه “الكبسولات” اليومية، يقدم الأنبا بنيامين نفسه باعتباره الحافظ للإيمان الأرثوذكسي القويم، إلا أنه بدلا من أن يقدم تعاليم المسيح وفكر آباء الكنيسة يستعين بتعاليم وثقافات مغايرة من دين آخر!! أليس هذا أمرا مثيرًا للسخرية، ومثيرًا للتعجب أيضًا، ويجعلنا نتساءل عن مستوى التعليم والثقافة العامة وكذلك التعليم اللاهوتي لدى الأنبا بنيامين، وهل ما حصل عليه لاهوتيًا هو فعلًا إيمان كنيستنا؟ أم أن معلوماته مشوشة ويجب مراجعة ما يصدر عنه من لجنة علمية مشهود لها؟
مطران المنوفية استخدم الحديث الشريف لنبي الإسلام إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى، ولم يكمل الاقتباس لنهايته، وذكر أنه مثلًا دارجًا، ولم يكلف نفسه فقط أن يكتب الجملة على محرك البحث “جوجل” أو يطلب من أحد مساعديه أن يتأكد له من نص العبارة ونسب مصدرها في كلمته، وهنا لدينا احتمالين: إما أنه لا يعرف وهذا يعد “جهلًا”، وإما أنه يعرف لكنه رأى من ضرورة إضافة هذا الاقتباس وهذا يعد “تدليسًا”، ولكن في الواقع هو استسهال واعتماد على ثقافة سمعية وتعليم شفاهي، فنحن لا نعرف ما هي مؤهلات نيافة الأنبا بنيامين اللاهوتية، فالمكتوب عنه مثلا في موقع سانت تكلا هيمانوت أنه خريج كُلْيَة الهندسة، ويدرّس مادة اللاهوت الطقسي، لكن لم نعرف عنه أي دراسة للماجستير أو الدكتوراه في مواد اللاهوت سواء في الكُلْيَة الإكليريكية في مصر غير المعترف بها دوليًا، أو في أي جامعة لاهوتية دولية مرموقة ((سانت تكلا هيمانوت، الآباء الأساقفة في المجمع المقدس: الأنبا بنيامين مطران المنوفية وشبين الكوم. )).
كما تدين تدان
بعد رحيل أستاذ اللاهوت الدكتور جورج حبيب بباوي في فبراير من العام الماضي، وقد حدث وتناول قبل رحيله عن دنيانا بالكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وكما سمح البابا تواضروس الثاني بتناوله، سمح بالصلاة عليه داخل الكنيسة القبطية في أمريكا، وقتئذ، خرج علينا الأنبا بنيامين في لقاء تلفزيوني ليؤكد أن بباوي لا يزال محرومًا، وأن ما فعله البابا هو تصرف شخصي يخصه من واقع مسؤوليته وأن قرار الحرمان الصادر في فبراير 2007 في عهد البابا شنودة لا يزال ساريًا، بالرغْم من عدم إقامة جَلسة محاكمة قانونية، بل صدر قرارًا وقع عليه الأساقفة دون نقاش.
اللافت للنظر، وما يثير التساؤلات هنا، هو أن الأنبا بنيامين الذي يصدر نفسه باعتباره محافظًا على إيمان وتعليم الكنيسة، يقدم لنا التعليم بواسطة الاستعانة بتعاليم دين آخر غير المسيحية، هو نفسه الذي يقوم بتقييم شخصية درست أكاديميًا، ونالت درجات الماجستير والدكتوراه في اللاهوت من جامعات عريقة في العالم مثل جامعة كامبريدج، وترجم عن اللغة اليونانية لآباء كنيسة الإسكندرية القدامى مثل أثناسيوس الرسولي وكيرلس الكبير. فهل هذا يستقيم؟
تعليم ضحل
يبدو أن فبراير هو شهر “الكبسولات” المثيرة للجدل مع الأنبا بنيامين، ففي 17 فبراير من العام الماضي، نشر مطران المنوفية كبسولة بعنوان بدعة تأليه الإنسان التي يبدو في ظاهرها أنه يريد بتذكيرنا بضعفنا كبشر، لكنه بواسطتها ينسف عمل الله الخلاصي، وقدم ما ينافي تعليم الكنيسة، بل ما يستحق وقفة وتحقيق معه، ومراجعة أفكاره فقد قال نصا:
وأصحاب هذا الفكر كهرطقة يعتمدون على إننا في العهد الجديد وما فيه من أسرار إلهية، إذ نأخذ طبيعة جديدة في المعمودية وعمل الروح القدس في الميرون وتناول جسد الرب ودمه في التناول، ونثبت في المسيح كما ورد في كلمات السيد المسيح: من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت في وأنا فيه ويعتبرون أن الأسرار المقدسة وعود تجعل الإنسان يتأله، أي يصير إلها، بينما ما يحدث أنه بشر يحاربه إبليس وأحيانا يسقطه في خطايا باللسان أو أي عضو في الجسد.
(الأنبا بنيامين، مطران المنوفية)
خطورة هذا الكلام أنه ينكر عمل جسد ودم المسيح فينا، ويؤكد أنه مهما تناولنا من جسد الرب ودمه فإبليس سيسقطنا في الخطايا، وكأن جسد ودم المسيح ليس لهم أي تأثير في حياتنا، بل وينكر ما جاء في رسالة بطرس الثانية حرفا بأننا “شركاء الطبيعة الإلهية”.
كما أن قدرته الإلهية قد وهبت لنا كل ما هو للحياة والتقوى، بمعرفة الذي دعانا بالمجد والفضيلة، اللذين بهما قد وهب لنا المواعيد العظمى والثمينة، لكي تصيروا بها شركاء الطبيعة الإلهية، هاربين من الفساد الذي في العالم بالشهوة.
(رسالة بطرس الثانية ١: ٣-٤)
وهو كلام عكس كلام آباء كنيستنا القدامى الذين أكدوا على مفهوم “التأله”، وهنا أستعين بنص للقديس أثناسيوس:
لأن كلمة الله صار إنسانًا لكى يؤلهنا نحن، وأظهر نفسـه في جسد لكى نحصل على معرفة الآب غير المنظور، واحتمل إهانة البشر لكى نرث نحن عدم الموت. لأنه بينما لم يَمسّه هو نفسه أى أذى، لأنه غير قابل للألم أو الفساد، إذ هو الكلمة ذاته وهو الله
(أثناسيوس الرسولي،تجسد الكلمة، الفصل الرابع والخمسون، الفقرة الثالثة)
وأدعوكم لقراءة مقال الصديق العزيز “مينا زكريا” والذي أورد فيها جانب كبير من تعاليم آباء الكنيسة الكبار عن مفهوم التأله، والمنشور على الموقع هنا في 5 يناير من العام الجاري ((مينا زكريا، Theosis Across Borders: التجسد ونحن. بتاريخ 5 يناير 2022. )).
التجسد ونحنكان يشغل خاطري في كثير من الأوقات لماذا دافع آباء الكنيسة الأوائل عن لاهوت المسيح وإنسانيته في المجامع المسكونية باستماتة؟ هل لإنه يحتاج إلى دفاع بسبب عدم مقدرته على ذلك! مرت الأيام وبدأت في طريق القراءة والمعرفة وحينما تصفحت كتابات الآباء استطعت وقتها إن أصل إلى إجابة، يؤكد القديس أثناسيوس الرسولي إنه إن لم يكن […]
وبينما يشكك الأنبا بنيامين في فاعلية التجسد في الكبسولة السابقة، يخرج علينا في فيديو على قناة “مي سات” ليتحول إلى مفتي ويجاوب عن سؤال: هل يجوز غسل الأسنان قبل التناول أم لا يجوز؟ فيجيبنا بهذه الإجابة:
دخول المياه في الفم ممكن يفطر الريق، عذراوية البطن قبل التناول مهمة جدا، السيد المسيح حل في بطن العذراء، فمهم إن مفيش حاجة تنزل المعدة قبل التناول، ممكن الغسيل بالمعجون ليلا.
(الأنبا بنيامين، مطران المنوفية)
أعتقد يبدو واضحًا مما نعرفه عن مستوى التعليم اللاهوتي للأنبا بنيامين لماذا لجأ إلى الاقتباس من دين آخر، وكذلك يعتبر كل ما هو من إيمان الكنيسة وجاء في الكتاب المقدس أو في فكر الآباء القدامى بدعة خاصة مفهوم”التأله”، إضافة إلى تقليله من فاعلية التناول على حياتنا، كما في كبسولة العام الماضي، وكأن جوهر إيمان كنيستنا يتمثل في هل أغسل سناني قبل التناول بـ”معجون الأسنان” أم لا؟ لعله يستعين بهذا المثل خطًأ والذي جاء على لسان المسيح في متى 15:
ليس ما يدخل الفم ينجس الإنسان، بل ما يخرج من الفم هذا ينجس الإنسان.
(إنجيل متى ١٥: ١١)
---
## “بنيامين” بين “صحيّة” الازدراء بالبابا وبين حبسه لمنتقديه
URL: https://tabcm.net/17155/
Type: post
Modified: 2026-02-04
في كبسولات الـ”تيك أوي” التي يكلمنا فيها الأنبا بنيامين مطران المنوفية، في كنيسة الإسكندرية القبطية الأرثوذكسية، يقول إنّ الأسقف “يمثل الله أمام الشعب، ويمثل الشعب أمام الله” ((بيتر مجدي، Theosis Across Borders، الأنبا “بنيامين” وكبسولات الـ”تيك أواي”. )). لكن، شتان الفارق بين الوسيط بين الله والناس، “المسيح”، وبين من يدعي أنه يمثله.
فالمسيح احتوى ضعفات الناس، وانتهر بطرس الذي قطع أذن عبد رئيس الكهنة عند القبض عليه وشفاه، في حين، الأنبا بنيامين يُدخل مخدوميه إلى أقفاص الاتهام، ويتعامل مع الناس بفوقيّة وبسلطان الغطرسة بدلًا من أن يقدم لهم نموذج الأبوّة والرعاية، حيث تقدم المحامي الخاص به وبعض كهنة المنوفية ببلاغ ضد المهندس كيرلس رفعت ناشد المعيد بكلية الهندسة جامعة المنوفية، بخمس اتهامات منها التعدي على المبادئ والقيم الأسرية وازدراء المسيحية.
اللافت للنظر هنا، أنّ الأنبا بنيامين قد عانى بنفسه من الاعتقال وسلب الحرية في أيام الرئيس السادات، أيضا عانى كثير من المستنيرين استغلال بعض المحامون المتطرفون للمادة (98و) من قانون العقوبات، وتم اتهامهم بازدراء الدين الإسلامي، وها هو الأنبا بنيامين يتخندق معهم ويستغل نفس المادة في تقديم اتهام مماثل ضد أحد المصلّين في كنيسته، وهو محبوس الآن على ذمة التحقيقات منذ يوم 3 يناير الجاري.
كيرلس ليس الحالة الأولى التي تصطدم بمطران المنوفية وسياسة الحديد والنار التي يتبعها مع أبناء الكنيسة في الإيبارشية، فقد سبقه كثيرين، خاصة مع القرارات المتعسفة التي تتدخل في فرحة الناس في الاحتفال بالزفاف، حيث يمنع إقامة صلوات الإكليل “الفرح” لمن يلجأون في بيوتهم للاحتفال بالأغاني والموسيقى، ويتوسع في استخدام سلطان باطل بحرمان الناس من الاتحاد بالمسيح [أي “الحرمان من التناول”]، لمن يعصى أوامره، كما يتدخل في ملابس الفتيات، حيث يركز على ظواهر الأمور، ولا تقدم الكنيسة في المنوفية الرعاية اللازمة لأبنائها، ولا معرفة المسيح فتتخلى عن دورها الحقيقي في العبادة وتمارس التسلط والاستعباد.
ظاهرة صحية كانت هذه إجابة الأنبا بنيامين في حوار صحفي سابق مع الزميل ريمون ناجي في جريدة البوابة ((ريمون ناجي، البوابة نيوز: الأنبا بنيامين مطران المنوفية: الزواج استشهاد دون سفك دماء.. ولجنة الإيمان تؤدى دورا رائدا للتوعية ومواجهة الهرطقات.. وظهور فرق على السوشيال ميديا للحديث عن الإيمان والعقيدة ظاهرة صحية. بتاريخ 20 أكتوبر 2022. ))، حين سُئل عن مجموعات من يسمون أنفسهم “حماة الإيمان” الذين يتعدون بالقول على البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، والذين وصفوا الأسقف المقتول غدرًا، الأنبا إبيفانيوس، رئيس دير الأنبا مقار، بـ”المُهرطق”، ونفس الأمر مع أي شخص يرون أنه “مستنير” سواء كان من الأساقفة أو الكهنة أو العلمانيين، فلماذا لم يفرح بهذه الظاهرة الصحية، ويحتمل انتقادات كيرلس الذي لم يختلف في طريقة التعبير كثيرًا عن حماة الإيمان، بل ربما أقل منهم، وعلى العكس كيرلس لديه مواقف مباشرة مع الأنبا بنيامين وبعض الكهنة، في حين مجموعات ادعاء حماية الإيمان لا توجد مواقف شخصية بينهم وبين البابا، ولم يمارس عليهم سلطان الحرمان، بل يصمت ويتسامح مع التعدي عليه بالقول، ولم يتخذ موقف واحد قانوني تجاه أي منهم.
الواقعة الحالية هي الأولى من نوعها، فكرة أن يتسبب أسقف من الكنيسة في حبس أحد أبناء الإيبارشية المسؤول عنها، تفتح الباب حول دور العلمانيين المسيحيين ((الـعلماني هنا ليست بمعناها الأيديولوجي، بل أي شخص ليس من الإكليروس وليس لديه رتبة كهنوتية يطلق عليه لفظة علماني. )) في الرقابة الجماهيرية على الكنيسة، وفي محاسبة الإكليروس الذين يتصرفون باعتبارهم مُلاّك الكنيسة، حيث يُعطى لهم سلطان مطلق دون أيّ رِقابة عليهم، ويتصرفون كيفما يشأون ولا يسمحون لأحد أن يعارضهم أو يسألهم بدعوى أنهم وكلاء المسيح، حتى أفقنا من نومنا ونحن نرى كل أسقف يتعامل على أن الإيبارشية المسؤول عنها مجرد أبعادية، أو عزبة، أو مملكة خاصة، لا يمكن أن يتدخل أحد ويتجرأ ويسأله عما يفعل، فلا توجد مجالس رقابية من العلمانيين الذين من المفترض لهم دور في إدارة شئون الكنيسة مع الإكليروس، ولا يوجد سن للتقاعد، ولا تسمح قوانين الكنيسة باستبدال الأسقف، ودرزينة إدارية متهالكة توقف تطويرها منذ مجمع نيقية.
الآن هل يمكن أن يتدخل البابا ومجمع الأساقفة للفصل بين مطران المنوفية وكيرلس الذي أصبح مستقبله المهني كمعيد بكلية الهندسة على المحك، أم أن مطران المنوفية لا يمكن محاسبته من مجمع الأساقفة على تصرفاته تجاه رعيته التي تئن من ممارسة السلطوية في المنوفية؟
فإن كان لكم محاكم في أمور هذه الحياة، فأجلسوا المحتقرين في الكنيسة قضاة!
لتخجيلكم أقول. أهكذا ليس بينكم حكيم، ولا واحد يقدر أن يقضي بين إخوته؟
(رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس ٦: ٤-٥)
---
## مدنية الدولة وإدارة الإقتصاد [١]
URL: https://tabcm.net/51009/
Type: post
Modified: 2026-02-04
السياسة، الاقتصاد، الدولة، الصراع، الديمقراطية، الرفاهية… مصطلحات تمثل متتالية في سلسلة، لا يمكن قراءة إحداها منفردة، أو لذاتها، ولا يمكن القفز على مراحلها، فالرفاهية التي هي سعي كافة أنظمة الحكم لشعوبها لا يمكن أن تتحقق دون التدقيق في السياسات التي تتبعها، والسياسات لا تستقيم دون الانتباه لتشابكات الاقتصاد ومعادلته القائمة والدائمة؛ الموازنة بين مواردها المتاحة والمحدودة في غالب الأحوال وبين الاحتياجات المتنامية في كل الأحوال، لما تحمله من انعكاسات على الحياة اليومية وما تتطلبه من توفر عوامل تحقيق معالجة الفجوة بينهما، من خلال بنية اقتصادية وتعليمية وتوعوية وقانونية وتنظيمية قوية، وهي مسؤولية تحملها “الدولة”.
والدولة هي من تقوم بإدارة مواردها وتعظيمها وحماية أمنها وأرضها واستقلالها، وانضباط وتوازن العلاقات بين مكوناتها، وتملك القدرة على إدارة التنافسية بينها حتى لا تتحول إلى صراعات، وبحسب الخبرات السياسية التي نستقرئها ـ باتساع الجغرافيا وامتداد التاريخ ـ يستحيل تحقيق هذا إلا من خلال إعمال الديمقراطية، التي هي في أبسط تعريفاتها، حكم الشعب لنفسه بنفسه، من خلال توزع وتوازن السلطات داخلها، بين السلطة التنفيذية والسلطة القضائية والسلطة التشريعية. وتوفر الديمقراطية، إيمانًا وفعلًا وممارسة، عوامل استقرار الحكم وتضمن من خلال أدواتها الانتقال السلمي للسلطة، بعيدًا عن شبح الانقلابات وتغيير النظم بالقوة، ومن ثم تُجنِب البلاد دوامة الصراع المسلح الذي قد ينتهي بها إلى التفتيت العرقي والعقائدي والجغرافي، ومحيطنا الإقليمي خير مثال على هذه التداعيات.
وفيها التزام صارم بتداول السلطة عبر انتخابات حرة منضبطة، باعتبارها آلية تجديد دماء الحكم وتعظيم الاستفادة من خبرات وقدرات القوى السياسية والجيلية المتنافسة، وتجنب أن تشيخ القيادات على مقاعدها بحسب تعبير الكاتب الصحفي المصري محمد حسنين هيكل.
وفيها التزام باستقلال وحيادية ونزاهة القضاء، والتزام بقيام برلمان قوي يملك بفاعلية واستقلال أدوات التشريع والرقابة ويتم تشكيله عبر آلية الانتخابات بشفافية وضوابط تحميها من تغول وتدخل العصبيات والمال السياسي، ويترجم كل هذا في دستور مدني يؤكد الحقوق والحريات والواجبات والالتزامات على أرضية مدنية لا تخضع أو تنحاز لأية انتماءات فئوية أو قبلية أو عصبية أو عقائدية، ولا تعترف في صياغاتها إلا بالانتماء للوطن بشكل مجرد، الأمر الذي ينسحب على منظومة القوانين التي تؤسس موادها على الدستور، فتأتي موادها عامة ومجردة وملزمة، كما هو مستقر في الفقه الدستوري.
يتبادر إلى الذهن سؤال لماذا يحتل الاقتصاد مقدمة الاهتمامات؟، ولماذا لا يكون التعليم أو الثقافة أو الحياة الاجتماعية، أو أمور كثيرة حياتية كالإبداع والفنون وغيرهما، ظني أن السبب يعود إلى أن كل هذا لكي يتحقق تحتاج إلى مناخ سياسي واقتصادي سليم، وتندرج في مجملها تحت عنوان كبير اسمه الاحتياجات، مادية كانت أو نفسية أو حتى روحية، ولما كانت الاحتياجات هي قضية الاقتصاد المحورية، على الأقل في توفير البيئة التي تنتجها، لذلك يتصدر الاقتصاد المشهد، فالبطون الجائعة لا تصنع إنتاجًا ولا تقوى على عمل ولا تملك رفاهية الإبداع.
وكما أسلفنا القول فإن هدف الاقتصاد السياسي – علمًا وواقعًا – هو التوصل لفك المناقضة بين الموارد والاحتياجات، فبينما الموارد محدودة تتنوع وتتزايد الاحتياجات بما يتجاوز قدرة تلبيتها وتحقيقها.
وهنا تأتي أطروحات السياسة الاقتصادية؛ وبغير الدخول في متاهة التنظير فمداخل الحل في تقديري هي:
– تعظيم الموارد الحقيقية وهي بشكل عام، الصناعة والزراعة والسياحة، لأنها تمثل القيم المضافة والمستدامة للموارد عبر ما توفره لاحتياجات السوق المحلي وما تتيحه من فرص عمل، إضافة إلي ما تحققه من موارد التصدير وهذا يتطلب:
– مراجعة القوانين واللوائح ذات الصلة بثلاثية الصناعة والزراعة والسياحة، وتخليصها من القيود المعطلة والمعوقة لها وتضمينها حوافر للصناعات الصغيرة والمتوسطة والمغذية للصناعات الإستراتيچية.
– تحديث أدوات الإنتاج بما يحقق جودة أعلى للمنتج وإنتاجية أكبر وتكاليف أقل، مع الاهتمام بالصيانة الدورية لها، ووضع خطة واضحة للاستبدال والإحلال توافقًا مع تطور صناعة المعدات والآلات المُنتِجة.
– تطوير المهارات المهنية للعاملين عبر دورات تدريبية حقيقية، ترفع الكفاءة الإنتاجية لهم، وقبل هذا إعادة هيكلة منظومة التعليم الفني بالشراكة بين وزارات التعليم والصناعة والزراعة وبين الكيانات الاقتصادية الكبري، يرتفع بمستوي التأسيس النظري والتدريب العملي.
– مراجعة السياسات الضريبية بما يدعم استقرار وتطور وثقة المنتجين في كل مجالات الإنتاج. وضع سياسات جمركية واعية لدورها في دعم استيراد المواد الخام برسم التصنيع والآلات وقطع الغيار التي تشكل رقمًا أساسيًا في تكلفة المُنتَج، الأمر الذي يحقق استقرارًا في الأسعار في السوق المحلي، وتوفر البديل المحلي بما يخفض استيراد المنتجات تامة الصنع، ودعم القدرة التنافسية التصديرية للأسواق العالمية.
– الاهتمام بالصناعات المغذية والوسيطة وشبكة الورش الفنية الصغيرة، تحديثًا وتدريبًا ودعم استمرارها، وهي تحتل مساحة كبيرة في مجال التصنيع. ولها دورها في انتظام الكيانات الصناعية الكبري.
– تفعيل دور الهيئات الرقابية وآليات تعقب الفساد بصوره المختلفة، بشفافية وحزم.
– دعم دخول الاقتصاد الموازي تحت مظلة الاقتصاد الرسمي، من خلال حوافز حقيقية وسياسات تدرك أهمية ذلك، بعيدًا عن المطاردات ومفهوم الجباية.
– رفع الوعي العام بأهمية السياحة والارتفاع بمكونات صناعة السياحة، من لحظة وصول السائحين وحتى مغادرتهم، الإقامة والبرامج السياحية، وجودة الخدمة، ودعم الوعي في التعامل معهم، وهذا يتطلب الاهتمام بكوادر العاملين في الإرشاد السياحي والمرافق السياحية وحتى رجل الشارع عبر التوعية الإعلامية ومناهج المدارس.
– تطوير ودعم أنواع السياحة غير التقليدية، العلاجية والساحلية والثقافية والمؤتمرات، وغيرها، وتوفير العناصر المكونة لها.
– إعادة الحياة للسياحة الداخلية كمتنفس اجتماعي للأسر من الطبقة الوسطي وما دونها، عبر برامج منخفضة التكاليف، وعودة منظومة الرحلات المدرسية الترفيهية والثقافية لخلق جيل متصالح مع الحياة ومع مجتمعه ووطنه.
وعندما نقترب من الحالة المصرية بموضوعية، يصدمنا الانتقال من منهج ورؤية سياسية واقتصادية إلى نقيضها ـكما أشرنا قبلًاـ ويعمق ارتباك الحالة المصرية أن الاختيارات المتتالية كانت في مجملها وليدة رد فعل، ولم تقم على دراسات ولم تسند لأهل الخبرة، دون أن ننكر حسن النوايا على الأقل في بداياتها.
فعندما اتجهنا إلى تبني النهج الاشتراكي لم نتبع قواعد الاشتراكية كما تقول أدبياتها، واكتفينا بسلسلة تأميمات ومصادرات وقرارات تغازل الحس الشعبوي، التي بدأت بما عرف بـ”الإصلاح الزراعي”، وانتهى إلى تفتيت الملكية الزراعية، وتفاقمت مع الملكيات الصغيرة التي نشأت جراء ذلك وسرعان ما تزايد تفتتها بفعل عوامل تقسيمها بالوراثة في أجيال تالية، فاستحال تطويرها بأدوات الميكنة الزراعية التي تتطلب مساحات كبيرة تتوزع عليها تكلفتها.
وفي مراحل لاحقة داهمتنا جرائم تجريف الأرض حتي كادت أن تصل لتبويرها مع الزحف العمراني الذي ساهم بقدر كبير في تآكل الرقعة الزراعية، فرحنا نستصلح فى الصحراء بتكلفة مضاعفة عدة مرات وبإنتاجية لا تضاهي الأرض الزراعية الطبيعية، وفُهِمت قرارات التأميم عند كثيرين خاصة في دوائر الإدارة والقاعدة العمالية أنها تعني القفز فوق تراتبية العمل، ولم تأت مشاركة العاملين في مجالس إدارة المصانع المؤممة بما كان مخطط لها، فغابت الرقابة، وتراجعت الجودة، وقفز السياسي فوق الأداء المهني، لتشهد هذه الكيانات موجات من الضمور وتجد نفسها على حافة الإفلاس وكان بقاؤها مرتهنا بالدعم الحكومي.
وأمتد الارتباك إلى الثروة العقارية التي تتالت فيها قرارات تخفيض الإيجارات لتقترب من نسبة الـ40% ليتوقف النمو العقاري وتختل توازنات العرض والطلب، وتتوالى الحلول المدمرة بدءً من ظاهرة الخلوات، وفشل محاولات تحجيمها واللجوء للتعامل العنفي معها خارج القانون، ووصولًا إلى التمليك، وبينهما تحاول الحكومات سد الفجوة ببناء ما عرف بالمساكن الشعبية وهي بحكم ذهنية القائمين عليها جاءت استنساخًا للثكنات العسكرية، ولم يوقف موجات تخفيضات الإيجارات إلا نكسة يونيو 67، لكن الأزمة لم تتوقف عن التفاقم.
كانت أزمة إدارة الكيانات الاقتصادية التي طالها التأميم، في سيطرة العقلية الحكومية عليها بأدواتها البيروقراطية فتسلل إليها الجمود وافتقرت للنمو والتطوير ووجد الفساد له فيها مكانًا، لم تنجح الجهات الرقابية في كبح جماحه. فضلًا عن سوء الإدارة، التي غاب عنها أهل الخبرة، وعمقها غياب ثقافة الملكية العامة وغياب المنافسة وعدم اعتماد القواعد الاقتصادية في إدارتها. وبدأت من هنا معاناة التضخم، الذي لم يفلح الدعم في معالجته أو الحد منه، وهنا تتأكد مقولة “ليس كل ما يلمع ذهبًا”، وأن الاقتصاد لا يدار بالنوايا الحسنة.
وتبدأ معاناة التضخم، التي تفاقمت حتى بعد الانقلاب السياسي والاقتصادي على هذه المرحلة، وساهمت السياسات المتضاربة في تغول التضخم، ما بين مواجهته بزيادة طباعة البنكنوت، وبين طرق باب الاقتراض الداخلي والخارجي، الذي بدأ على استحياء ثم صار منهجًا في متتالية عنكبوتية، حتى إلى الاقتراض لسداد أقساط قروض سابقة، وتبتلع خدمة الدين نسبة كبيرة من الناتج القومي.
تأتي السبعينيات وما تلاها في القرن المنصرم بتحولات دراماتيكية من النقيض للنقيض، فيما سمي بالانفتاح الاقتصادي، الذي لم يستطع أن يتخلص من جينات الإدارة البيروقراطية، وكان محلًا مختارًا للفساد، ولم يكن يملك رؤية واضحة أو معالم تقوده لمعالجة معاناة الحالة الاقتصادية، ويصدق فيه وصف الكاتب المصري الكبير أحمد بهاء الدين “انفتاح السداح مداح”، وتتضافر كل هذه التداعيات لتقذف في وجوهنا بالعشوائيات التي حاصرت الأحياء في عواصم المحافظات، وفي القاهرة بالأكثر مصحوبة بهجرة سكان القري المقفرة بحثًا عن فرصة عمل، أنتجت بدورها أسواقًا عشوائية وظاهرة باعة الأرصفة.
وهو ما سنتناوله في جزء تال لهذا الطرح.
---
## مشكلات ما بعد عودة “مريم”
URL: https://tabcm.net/4999/
Type: post
Modified: 2026-02-04
منذ أعوام ليست بالبعيدة، وفي عصر مبارك الشهير بالتوازنات، لو كان ما حدث (في سرية) مع مريم، حدث وقتها، كنا سنتوقع يوم الجمعة التالي وبعد صلاة الظهر تجمهرات لإناس بجلابيات بيضاء وشوم وعصيان تحاصر الكاتدرائية منادين "عايزين أختنا مريم" وهم يضربون صورة للبابا تواضروس باﻷحذية. في مشهد (حدث بالفعل في عصر البابا اﻷسبق) يعبر عن غضب اﻷصوليات المسلمة ووجهة نظرها من انحيازات الدولة وأن الإسلام مضطهد في أرض مصر المسلمة!
بالطبع حادثة “أختي كاميليا” (التي كانت متزوجة من كاهن وتريد الطلاق منه، ورفضت الكنيسة، فأشهرت إسلامها كمخرج من نفق الزواج اﻷرثوذكسي المؤبد) هي أول ما قد يجول بخاطرنا. لكن في الحقيقة فهذا المشهد أقدم مما نتخيل، وجسدته السينما المصرية عام 1969 في فيلم “شيء من الخوف” (فؤادة) لكن اﻷمر يحتاج أن نفهم “ﻻهوت الدهاشنة” كما يسميه راهب الدومينيكان چون جابريل.
يقول اﻷب جون عند جزئية “الشيخ إبراهيم”:
يمكن اعتبار الشيخ إبراهيم في الرواية على أنّه يمثل “الدين. وأوّل كلمة “لا” في الفيلم خرجت من فم الشيخ إبراهيم! ونجح الشيخ إبراهيم في قول الحقّ من قبل أن تقضي يد الغدر على حياة ابنه.
على هؤلاء الشيوخ إذًا أن يختفوا من الوجود، فهم خطرٌ على وجود أيّ حاكم ظالم. ولكن، هل كانت الثورة التي قادها الشيخ ثورةً على انتهاك حقوق الإنسان؟ أمّ أنّها ثورة من أجل انتهاك آخر؟
في الفيلم كما في الرواية يتكلم الشيخ على أنّ الشعب صبرَ على انتهاك حقوقه، إلّا أنّه لا يمكن أن يصمت عن انتهاك “حقّ الله”.
يمكن من الرواية ومن الفيلم إدراك رمزيّة بطلان الزواج باعتبارها تلميحًا لحكم الحاكم على الدولة، والذي يرفضه الشعب، ممّا يجعل حكمه باطلًا. فإرادة الشعب ورضاه هما أساس العقد وأساس صحّته. إلّا أنّ رمزيّة بطلان زواج فؤادة باعتباره زواجًا باطلًا مرتبطًا بحقّ الله يثير مسألة غايةً في الأهمّية. فكلام الشيخ: “صبرنا على انتهاكه حقوقنا، أما انتهاكه لشرع الله فلا يمكن السكوت” يثير مسألة حقوق الإنسان وحقّ الله. الوجه الآخر لبعض المؤسسات الدينيّة التي لا تفتح فاها إلّا حينما يُنتهك “حقّ” الله وليس عندما يُنتهك حقّ الإنسان. وكأنّ هناك تعارض أو فرق بين الاثنين.
يأتي التعارض أو الاختلاف، أو دونيّة حقوق الإنسان أمام حقّ الله من النظرة للدين ذاته. فالنظرة السائدة في الشرق للدين أنّه دين “ذو مركزيّة إلهيّة”(Deocentric)، مقابل توجه الدين السائد في الغرب وبخاصّة بدءًا من القرن الثامن عشر باعتبار الدين ذا “مركزيّة بشريّة” (Anthropocentric)
(يكتب اﻷب چون جبرائيل الدومنيكي معنا على الشبكة، وسأحرص على أن تعرض هذه القطعة التي اسمها “كما في السينما كذلك على اﻷرض” كاملة في أقرب فرصة)
والخلاصة السياسية -كما أتصورها بشكل شخصي- أن الكّل يستخدم الدين (أي دين) لتحفيز غيره على الاصطفاف خلفه (الحشد) فيما ﻻ يستطيع القيام به بمفرده. سواء السلوك السياسي للشيخ إبراهيم في رواية الكاتب”ثروت أباظة”، أو سلوك الجماعات السلفية في التظاهر ضد ما يرونه “حق الله” عمومًا، أو حتى سلوك الجماعة المسيحية المتحضرة في حشد الكنيسة ﻻستعادة “كاميليا” أو “مريم” أو غيرهن.
الدين هنا في هذه السياقات الاجتماعية، ليس قيما وأخلاقًا… ليس طقوسا شعائر… بل هو “تنظيم”… تنظيم اجتماعي متكتل وجاهز للعمل إذا ما امتلكت مفاتيح قيادته بلغة يفهمها… أو بطريقة أخرى لنقل أنك ستسيطر إذا ما نجحت في إقناع “التجمع الديني” بأن “حقك” هو “حق الله” الذي تصونه الجماعة بفدائية وانتحارية لضمان ما بعد الموت! لن تجد بشرا أو مواطنين عاقلين هنا، بل جموعا ثائرة، يمكن أن تفعل كل ما هو غير عقلاني اعتقادا منها أنها وإن ماتت فسيسعد الله بها ويستقبلها أحسن أستقبال في جنته عشان إيه؟ بيجيبوله حقه!! حق الله يا أخواننا مش أي حد!!
بصراحة شديدة، في مثل هكذا سياقات اجتماعية شللية (طائفية ضيقة إذا ما نظرت لمصر كصورة أكبر)، أتعاطف مع أجهزة اﻷمن الوطني، فهي دائما محشورة في موقف خاسر. تنفيذ أمر فيه لمصلحة فريق، سيغضب فريقا أخر! حتى الحسبة في الفلسفة النفعية المعتادة (تحقيق أكبر قدر من المنفعة لأكبر قدر من البشر / تحقيق أقل قدر من الضرر لأقل عدد من البشر) التي هي ظالمة للأقليات دائمًا، ليست دائمًا متاحة للأجهزة إن تلقت أوامرًا بأنه: ﻻ يصح إﻻ الصحيح! فدائمًا هناك “كاميليا ما” مستنزفة من غبن اجتماعي ﻻ مخرج منه إﻻ باستخدام الدين!! واللي في القلب في القلب يا كنيسة.
ما الحلول الحقيقية للجميع؟
هنا نأتي لاقتباس أخر، وهو من كلام الكاتبة “غادة عبد العال”، كتبت تقول:
مستغربة من إيمان كل أصدقائي المسيحيين من ان المسيحيات بيتخطفوا عشان يغيروا دينهم، و مافيش غير نسبة ١٪ اللي حاطين احتمال إن دول ستات طهقانة نفسهم يتطلقوا و مش عارفين، فبيهربوا!
[هاتوهالنا تاني بعد ما حاولت تنفد بجلدها] ده نوع من الخطف برضه بالمناسبة!!
الحل ل ٨٠٪ من الحالات دي ان ماكانش أكتر هو في قانون أحوال شخصية “مدني” يطبق ع الجميع!
انتهى الاقتباس. وانتهت معه الحلول التي يجمع عليها العقلاء.
حق “مريم” هو حق “كاميليا” هو حق كل مسيحي رجلا كان أو امرأة، في أﻻ يتم استعباده وابتزازه بما يعتقد آخرين غيره عن “أحواله الشخصية”. مهما كانت صحة هذا الاعتقاد دينيًا، خاصة إن صدر عن منعدمي الخبرات في تجرِبة الزواج مثل الرهبان واﻷساقفة، والذين هم ﻻ يصلحون لتمثيل صوت متزوج واحد.
نعم، قامت الدولة بخطف لمعالجة “إهمال قانوني” لمشكلة اجتماعية فردية صنعها مؤسسة الكنيسة، بقانون “اخبط دماغك في الحيط مفيش حلول”، وراضت فيها أجهزة العدل مؤسسة الكنيسة في أكبر صفقة على “أحوالنا الشخصية” في 2008.
مريم عادت… لكن حق مريم لم يسترد، وإنما للتو بدأ.
حقها علينا ألا نكون مثل باقي المجتمع ونتهمها بالـ”تلاعب باﻷديان” كما سيفعل “الخبير الاستراتيجي” لتهدئة الجموع. بل أن نكون أكثر شجاعة ونقر ونقول قولا واحدًا أن الكنيسة (شعبا وقيادة وأسرة وأقارب) هي كنيسة مذنبة ومتجبرة ومتسلطة، ربما من قبل أن تولد مريم، عندما سلبتها وسلبت كل مسيحي حق تقرير “أحواله الشخصية” وخطفت قراره الشخصي الحر باستخدام المقدسات وكله بالكتاب والسنة المسيحية! أوضاعنا في اﻷحوال الشخصية ظالمة وﻻ مثيل لها حتى عند المذاهب الأرثوذكسية الشقيقة كالسريان والأرمن والتي لم توافق كنيستنا تعسفها في أحدث إصدار لقانون اﻷحوال الشخصية، ومازال يتم تنقيحه منذ سنوات في وزارة العدل!
في كل العصور السابقة، فإن أي تنظيم للأحوال الشخصية لغير المسلمين، كان يتم من خلال لوائح داخلية تقع مسؤوليتها، بما فيها من مشكلات وحلول، على الكنيسة أو الطائفة المصدرة لهذه اللائحة. ومن ثم، كان يمكن للدولة المصرية أمام المجتمع الدولي إلقاء مسؤولية التنظيم الاجتماعي على المؤسسة الدينية المسيحية، وبأنها هي صاحبة اللائحة، لا الدولة.
خطورة طرح “قانون” بدلا من “لائحة داخلية” هو أنه يضع الدولة المصرية في موقع المسؤولية عن هذا القانون. وهو ما نراه غائبًا عن فلسفة “الراهب المحلي” الذي صمم مشروع القانون الحالي بفلسفة القرون الوسطى في السيطرة الاجتماعية، ودون قراءة لمواثيق حقوق الإنسان. فالدولة (بما فيها الشعب كمكوّن رئيسي للنظام الجمهوري) لم يشارك حقيقة في هذا المشروع. بل تم تسليم مسؤولي الدولة نموذجًا سريا لمشروع خالي من التأصيل الشرعي وانحصر دور الدولة في ضبطه.
رجال التشريع بالدولة، مهما بلغوا من الكفاءة والمهنية، ربما قد يستطيعون ضبط الصياغة، أو إلغاء بعض المحاور، أو حتى أغلاق بعض الأبواب التي تفتح الذرائع، لكنهم حتما لا يستطيعون تغيير “فلسفة القانون” والذي هو مصمم بالكامل لحل مشكلات المؤسسة الدينية مع الدولة، وليس مشكلات المسيحيين الذين تمت مصادرة حقوقهم الشخصية، ووضع الدولة المصرية علي فوهة المدفع في مواجهة المجتمع الدولي.
والحلول التشريعية ﻻ تبدأ فقط من اﻷحوال الشخصية (التي توقف الإصلاح فيها وقهرت الأقوياء مثل عبد الناصر، ومثل نابليون الذي أشهر إسلامه وتزوج بمسلمة كي يعتبره المسلمين واحدًا منهم) بل تبدأ بنزع فتيل الصفة التشريعية من الهيئات الدينية غير المنتخبة. ﻻ أن يجامل الدستور الكنيسة بمادة جديدة تزيد من مبدأ المحاصصة الطائفية على حساب المواطنة فنعود للخلف فراسخًا وأميالا!
هذا إن ابتغينا حلوﻻ… ﻻ مجرد “مكلمة” تنتهي بمشهد هزلي معتاد لشيخ حكومي وقس حكومي يقبلان بعضهما البعض، بينما الحرائق داخل القلوب تشتعل على المستوى الشعبي.
---
## كيف نرى اليهود؟
URL: https://tabcm.net/15879/
Type: post
Modified: 2026-02-04
راسلني صديقي بمحاضرة يوتيوبية للأب الفاضل داود لمعي، في اجتماع خدمة الأنبا إبرام، بتاريخ: 7 نوفمبر 2023،
المحاضرة… أو لنقل العظِة الأحادية الاتجاه، كانت بعنوان: كيف نرى اليهود؟
بصراحة ومكاشفة، لست من محبي الأب داود لمعي، ولم يجمعنا يومًا إﻻ كل اختلاف. لا أطيقه، وﻻ أطيق الزحفطونيات، كما ﻻ أطيق الزواحف بالمجمل. ولأنني مريض بشكلٍ حذرني الأطباء فيه من التعرّض لانفعال، سألت صديقي: “ما هذا الـshit”؟ فضحك وقال حتى الـshit يحتاج نقدًا قبل أن يكبر ويصبح holy shit.
دقيقتان
دقيقتان فقط! كان هذا هو كل ما شاهدته من نصائح الأب الفاضل والذي لم يقل رأيا نسبيًا أو شخصيًا. لم يسمي الـ… الـ… حلقة؟! لنسميها “حلقة”،. لم يسميها كيف يرى داود لمعي اليهود؟ أو “كيف أرى اليهود؟”، بل: “كيف نرى” (يعني هانشوف كلنا جماعة) و”الجماعة” بالطبع هنا هي جماعتنا نحن المسيحيين.. أو المؤمنين.. الذين في كل الأحوال أنا منهم.. إذن فلدينا مشاكل من العنوان أصلًا في أن الأب الفاضل ﻻ يثق أننا نستطيع أن “نرى”، فصنع الـ.. فيديو؟! أه، لنسميه فيديو.. ﻻ يثق في كوننا نستطيع أن “نرى” وأتى ليعلمنا “كيف نرى”.
أحترم جدا الدقة والتخصصات العلمية. أتذكّر في أثناء تعلّمي لمهارات التصوير الفوتوغرافي، كانت هناك محاضرة فعلًا بعنوان “كيف نرى؟” يحاول فيها المُدرب المُحترف أن يجعل عيوننا ترى كما ترى الكاميرا الفوتوغرافية. وكانت محاضرة مليئة بالهندسة والأرقام والقواعد والبصريات ولم يكن الكلام عن عدسة الكاميرا رومانسيًا على الإطلاق، لكن هكذا العلم، وهكذا الاستفادة، ولهذا ندفع النقود في الدورة التدريبية بالأساس، كي نتعلم القواعد الجامدة الصلبة والمعيارية الموحدة في مسألة فنّية جدا. لذلك، احترمت التخصص، ولم آخذها بمحمل سلبي على الإطلاق. أبدًا.. مطلقًا..
لكن، هل نحتاج عدساتِ وعوينات داود الكاهن كي نرى اليهود؟ هل هم حشرات أو من أحاديات الخليٌة..؟! ﻻ،، ليسوا حشرات بل شعب.. شعبٌ مختار.. هو بنفسه من قال هذا.. لكن الـ.. الـموعظة؟! فليكن، لكن الموعظة إن خرجت من الزحفطون فقل للعقل وداعًا.. لا تحبهم.. وإياك أن تكرههم.. أقتلهم معنويًا.. لكن لا تهينهم.. طخه.. بس متعوروش! وهذه مسألة سياسية ونحن لا نتكلم في السياسة.. أحـــــّــــلاوة..! ألف لعنة على نصائح الأطباء، وأغلقت الـ… الـ بتاع وخلاص!
عزيزي الأب داود،
نحن نرى اليهود كما نرى المسلمين وكما نرى المسيحيين وكما نرى الهندوس وقبائل الهنود الحمر: مجرد تجمع هوّياتي ديني. من الخطأ، ومن الخطر، ومن الجرائم، أن نعامل شعبًا كاملًا بُناء على عنصر هويّاتي حتى لو كان ذلك دينّا، وبالأخص لو كان دينًا، وبالأخص جدًا لو من خلال ثقب عيونك الدينية الضيقة! هذا هو تعريف العنصرية باختصار، وما العنصرية إلا تكوين نظرة مسبقة عن جماعة نتيجة أحد عناصرها. فيا أيها العنصري البغيض الزحفطون الأسود المعمم هل هذا دين؟ هل العنصرية دين؟!؟ وتدعونا أن نرى بأعينك وأن نتحدث بحديثك؟ وما شأني أنا إن لعنهم الله في موقف، أو باركهم في موقف أخر؟ إنت مسيحي يا عم انت؟ وﻻ بتعلم المسيحيين: الحب في الله، والبغض في الله، وشويّة ونلاقيك جاي من رحلة عمرة ف السعودية؟ معندناش كدا والله يا أبتي! ممكن ربنا يغضب عليك وأنا أخالفه وأحبك عادي جدًا. وممكن العكس، يعني ربنا يحبك وأنا أدي حضرتك بالجزمة برضو، ﻻ في الأولى ربنا هايعاقبني وﻻ في التانية هيمنعني أنومك معيط كل شوية.
وعظ ديني أصولي! يشحن جماعتنا ضد الجماعة التانيين لمسايرة الجماعة التالتين، وكله بسلطة المقدّس والكتاب والسنّة. ما طبعًا، ما اليهود مالهمش أهل يسألوا عليهم، وكل اللي عايز يجامل، يروح مزايد ومطبش فيهم.. ناقصاه!
لم يطلب الله منا أن ننظر لليهود أو الإسرائيليين أو غيرهم بنظرة معينة. خلط السياسة بالدين حماقة عمياء، وهذا ينطبق على المسيحي والمسلم على السواء. ما التعصب الديني إلا موقف غير موضوعي تجاه الأفراد لمجرد عضويتهم في جماعة ما. هذا الموقف يؤدي إلى التحيز للجماعة التي ينتمي إليها الفرد، ويتطور لمشاعر عدوانية رافضة للجماعات الأخرى. وهو يقوم على الجمود، والتفكير غير المنطقي، والتعميم المفرط والظالم، وكلها من المكونات الأساسية للتعصب. وكلها ارتكبتها في الـ… الـ… الاجتماع ده.
الاجتماع.. أهاا.. يقول علم الاجتماع إن هذه التنميطات الجامدة لا تربي أخلاقًا ولا تصنع قيمًا، بل تكوّن مواقف عدائية مسبقة بالوراثة.. إذ تصبح الأفكار النمطية – التي تكون دائمًا سلبية تجاه المخالف وإيجابية عن الذات – مكونًا أساسيًا للموروث الثقافي والاجتماعي [Heritage]، ويؤدي التفكير عن طريق الصور النمطية غير المبررة عقليًا، إلى تشوهات في إدراك الذات والآخر، فالأصولي لا يدرك الواقع سوى من خلال نماذج نمطية ذات طبيعة دينية.
مثلاً: الأصلي المسلم لا يفرق بين القبطي المعاصر والصليبي القديم، فكلاهما مسيحي. ولا يميز بين “ألبرت أينشتاين” ويهود بني النضير، فالجميع يهود. ولا يفرق بين الفيلسوف الوجودي “سارتر” وبين “الحكم بن هشام”، فكلاهما ملحد كافر بالله. أما الأصولي المسيحي فلا يستطيع التفريق بين سعد زغلول وعمرو بن العاص، فكلاهما مسلم محتل. ولا يفرق بين جورج بوش والمستشار نجيب جبرائيل، فكلاهما مسيحي ابن الرب. في ظل هذه الـ… الكيان الفيديوهي الأستروكسي اللعين الذي لا اسم له، ولا دين له، نستطيع أن نرى فاجعة الاستحضار الأصولي لرموز الماضي، وإسقاطه على الحاضر.
هذا حديث العلماني لرجل الدين..
هذا إن كان رجلا.. وإن كان ذي دين!
إضافة من الناشر: عظة الأب داود لمعي التي بعنوان "كيف نرى اليهود"، والتي ألقاها في اجتماعٍ كنسيّ يوم 7 نوفمبر 2023، هي محاضرة منقولة لمحاضرة بعنوان: "إسرائيل في رأي المسيحية"، ألقاها الأنبا شنودة، في نقابة الصحفيين يوم 26 يونيو 1966، وقت أن كان أسقفًا للتعليم، ورتّب هندسة اللقاء بين الكنيسة والدولة الصحفي: جرجس حلمي عازر، وكانت محاضرة قومعروبية ناصرية بامتياز حتى أنّ مصلحة الاستعلامات طبعتها وترجمتها إلى عدة لغات ووزعتها على البعثات الدبلوماسية في العالم.
---
## هل يذهب الأطفال غير المعمدين إلى الجحيم؟
URL: https://tabcm.net/34042/
Type: post
Modified: 2026-02-04
بدايًة، شوف الفيديو المرفق عشان تشوف مدى التضارب!
– المتنيح الأنبا بيشوي يقول: في الجحيم طبعًا بدون كلام، (تحت رأيه لون أسود)
– الأب إرميا بولس يقول: في الملكوت طبعًا بدون كلام، (تحت رأيه لون أبيض)
– أما الأنبا رفائيل، فيقول كعادته كلامًا متضاربًا وحلول وسط، (تحت رأيه لون رمادي)
نظريًا، الثلاثة مسيحيون، ولهم نفس الكتاب المقدس الذي كان حاسمًا في مسألة ضرورة المعمودية، وغامضًا جدًا في مسألة الأطفال، لأن في نفس الكتاب ورد أن ملكوت السموات لمثل هؤلاء [أي للأطفال] ((لأن لمثل هؤلاء ملكوت السماوات. (إنجيل متى 19: 14) ))، ((لأن لمثل هؤلاء ملكوت الله. (إنجيل لوقا 18: 16) ))!
نظريًا أيضًا، الثلاثة أقباط أرثوذكس. بينما لاهوتيًا، فلابد من فصل آرائهم عن بعض ونرى من أين جاؤوا بها.
– الأب أرميا هو الوحيد الذي قدم رأي أرثوذكسي [شرقي/آبائي].
– الأنبا بيشوي قدم رأي أوغسطيني [مأخوذ عن أوغسطينوس، أسقف هيبو، لاتيني غربي متشدد].
– الأنبا رفائيل قدم رأي أكويني [مأخوذ عن توما الأكويني، مُعقلن الإيمان، لاتيني غربي وسطي]. لكن لأن الأنبا رفائيل يحمل دكتوراه وثقافته موسوعية، فقد تطرق إلى فكر چون كالڤن [غربي إصلاحي بروتستانتي]، وفي هذه النقطة، فإن لاهوت چون كالڤن مبني على توسعة للأصل الأوغسطيني، لذلك لم يبتعد كثيرًا عنه. هذا لتفسير لماذا لم يكن الأنبا رفائيل حاسمًا (أبيض/أسود) مثل الآخرين.
والثلاثة لا يخبرونك بأي تأصيل نظري لأفكارهم.. لا يعلمونك أن تقرأ أكثر.. لا يشجعونك على التفكير ولسان حالهم يقول لك “اخرس” ولا نريد صداعًا من أفكارك في مصائر البشر!! كل واحد يتكلم وكأنه على القهوة ويقول “رأيه الشخصي” الذي لا يأتيه الباطل والذي لا يجوز أن تختلف معه وإلا تكون خارج الكنيسة!
أوغسطينوس، أسقف هيبو:
أوغسطين كان يحارب الهرطقة البيلاجية التي تقول بأن “المعمودية ليست ضرورية للخلاص”،
كرد فعل، زعم أوغسطين أن الأطفال غير المعمدين الذين يموتون محكوم عليهم بالجحيم ((القديس أوغسطينوس، أسقف هيبو، عن الروح وأصلها، الفصل 11. )).
إنهم لا يعانون من كل آلامها لأنهم غير مذنبين بالخطايا الشخصية، ولكنهم مذنبين بالخطيئة الأصلية.
(القديس أوغسطين، عن الروح وأصلها، الفصل 11)
يعني لأن المعمودية ضرورية للخلاص من وراثة خطيئة آدم، إذن فلن يدخلوا الجنة! ولو جال بخاطرك البريء أنه قال لا يعانون كل ألامها، بمعنى تخفيف العذاب، لقلت لك: لا، بل رفض أوغسطين صراحة فكرة وجود أي حلول وسط، قائلًا:
لا يعد أحد في حالة الأطفال غير المعمدين، بين الدينونة ومملكة السماء، بمكان وسط من الراحة والسعادة.
(القديس أوغسطين، عن الروح وأصلها، الفصل 11)
توما الأكويني:
توما الأكويني اتخذ موقفًا مختلفًا بعض الشيء (على غرار أستاذه بيتر لومبارد)، فزعم أن الأطفال الذين يموتون دون معمودية سيعانون من العذاب النفسي ولكنهم لن يختبروا العذاب الجسدي. ولماذا يا أكويني؟ قال لأنهم لم يستحقوا الجنة بسبب الخطيئة الأصلية، ولم يرتكبوا خطايا شخصية تستحق نار جهنم. وقال الأكويني إن الله سيضعهم إلى الأبد في حجرة خاصة في الجحيم تسمى limbus puerorum ((limbus puerorum: تُنطق ليمبوس بوريريوم، وتُترجم إلى “ليمبو الأطفال”. ))، حيث يعيشون في سعادة طبيعية.
وفقًا لتوما الأكويني، فإن الله يستبعد هؤلاء الأطفال من الرؤية السعيدة [رؤية الله] لأنهم ماتوا دون معمودية، ولكنه لن يعاقبهم بالنار. وسوف يعيش هؤلاء الأطفال في سعادة طبيعية بحتة ولكن ليس سعادة القديسين الخارقة للطبيعة، أو التي تعاين (تنظر) مجد الله.
(وهذه الجزئية الأخيرة هي مصدر الفكر الشعبي بأنهم سيذهبون إلى الجنة، ولكن عميان.)
چون كالڤن:
چون كالڤن كان مثل أوغسطين في النظر للطبيعة الشريرة للإنسان، بل زايد عليه، وأنه لا إنسان بدون خطية أصلية، وخطايا شخصية، لو عاش يوم واحد على الأرض. وبناء عليه غير المعمدين سبق تعيينهم في الجحيم.
وفقا لچون كالڤن، الأطفال لا يولدون من اتحاد والديهم الروحي بل من اتحادهم الجسدي، ومن هنا، سواء أكان الإنسان غير مؤمن مذنب، أم مؤمنًا بريئًا، فهو لا يلد أطفالًا أبرياء بل مذنبين، إذ هو يلدهم من طبيعة فاسدة. فالذنب هو من الطبيعة، أمَّا التقديس فهو من النعمة الخارقة للطبيعة ((چون كالڤن، أسس الدين المسيحي، تلخيص من الصفحات 236، 237. )).
إذن، رأينا أن الأساقفة، سواء متطرفين أو معتدلين، هم ناقلون لأفكار غربية (لاتينية) لا علاقة لها بكنيستهم التي تصرف عليهم كي يشخطوا فيمن يسألهم!
أما الكاهن المتزوج الذي ليس راهبًا، فهو وإن كان يقول كلامًا دون مصادر، إلا أنه في الواقع ليس أول من أفتى بهذا الرأي في هذه النقطة، فقد سبقه القديس يوحنا ذهبي الفم، بطريرك القسطنطينية، من المصادر الشرقية [الأدق “آبائية”، ويُعنى بها آباء الكنيسة قبل خلقيدونية].
يوحنا فم الذهب، بطريرك القسطنطينية:
التفاصيل عند يوحنا فم الذهب ثرية ومهمة، ولا ينبغي اختصارها خشية إفسادها. لكن الخلاصة العامة هي أن يوحنا فم الذهب كان يؤمن بما نسميه الآن “الطبيعة الخيّرة للإنسان”، وأن الإنسان عندما يفعل الشر (الخطايا الشخصية) لا يكون ضد الله فحسب، بل يكون أيضًا “ضد طبيعته” الإنسانية (حتى بعد السقوط).
ومن المهم هنا ذكر أنه لا توجد فكرة الخطيئة الأصلية أو وراثة الخطية في اللاهوت الشرقي كله. ويستخدمون مصطلح الخطيئة الطبيعية للإشارة إلى عصيان آدم وحواء وأكلهما من الشجرة. ولهم تركيبات مختلفة في النظر إلى نفس قصة السقوط.
وبناء عليه،
يرى الآباء الشرقيين أن المعمودية ليست لغفران الخطية الموروثة من آدم، (الأطفال هم بلا خطايا، هذه حقيقة منتهية وطوبها المسيح وقال: لمثلهم [الأطفال] ملكوت السموات)، وإنما المعمودية للتقديس ((يوحنا ذهبي الفم، عظات على المعمودية، ترجمة: القمص مرقريوس الأنبا بيشوي، دير الأنبا بيشوي، 2007، عظة 3: 6، ص 64. )).
ولهذا السبب نفسه نُعمِّد حتى الأطفال، ولو أنهم بلا خطية، ولكن لكيما ينالوا بقية العطايا من تقديس، وبر، واختبار للتبني والميراث، حتى يشَّبوا إخوةً وأعضاءً، ويصيروا هيكلًا للروح.
(يوحنا ذهبي الفم، عظات على المعمودية)
---
## الإثنين ٣١ يناير
URL: https://tabcm.net/48476/
Type: post
Modified: 2026-02-02
كانت الأنباء عن عودة الشرطة، التي تواردت، صحيحة، لكن ظهور الشرطة كان محل اختلاف بين طوائف الشعب. فبينما كانت هذه العودة عند البعض إيذانًا ببدء عودة الأمن والأمان في البلاد وبدء صفحة جديدة بين الشعب والشرطة بعد الدرس القاسي الذي لقنه إياهم الشعب، كان عند الثوار محل شك وحذر، تخوفًا من عودة المواجهات بينهم وبين الشرطة مرة أخرى.
إلا إن عودة الشرطة اقتصرت على ظهور بعض أفراد من شرطة المرور على استحياء لتنظيم الميادين الهامة، وأكدت وسائل الإعلام أن عودتهم تقتضي حفظ الأمن في الشوارع وعدم الاحتكاك بالمتظاهرين بتاتًا. ويا للغرابة، استقبلهم بعض المواطنين بترحاب وحفاوة شديدين. واستمرت ميادين التحرير في كل الجمهورية في الاشتعال في يومها السابع منادية بالقصاص للشهداء، وبدأت الدعوة لمليونية في الميدان يوم الثلاثاء الأول من فبراير، وكانت ذلك أول مرة يطلق فيها لفظ مليونية على مظاهرة، إشارة إلى دعوة الثوار لمليون مواطن للمشاركة في التعبير عن معارضتهم لمبارك.
في نفس اليوم، الإثنين ٣١ يناير، حلف الفريق أحمد شفيق اليمين الدستورية كرئيس للوزراء، ومعه محمود وجدي وزيرًا للداخلية خلفًا لحبيب العادلي. وقد شُكلت تلك الوزارة على عجل، لدرجة أن شفيق تخلف عن تعيين وزيري السياحة والتعليم، على أمل اختيارهم لاحقاً، أو ربما ظن أن وجودهم غير أساسي أو غير ضروري في تلك الظروف. وظهر حسني مبارك عابسًا أثناء حلف اليمين، على غير عادته في رسم ابتسامته المصطنعة طوال الوقت.
اللافت للنظر وجود معظم الوجوه القديمة في تلك الوزارة، مثل عائشة عبد الهادي، وزيرة القوى العاملة، الحاصلة على الشهادة الإعدادية، وأحمد أبو الغيط، وزير الخارجية المكروه شعبيًا، وأنس الفقي، وزير إعلام الكذب والتلفيق، وسامح فهمي، وزير البترول ومهندس صفقة بيع الغاز لإسرائيل بأقل من ثمن تكلفته، وفايزة أبو النجا، وزيرة التعاون الدولي، التي تقبع على كرسيها منذ أكثر من أحد عشر عامًا، وكأنها أصبحت من ثوابت الدولة المصرية، وسيد مشعل، بطل تزوير الانتخابات البرلمانية، وأخيرًا ممدوح مرعي، بطل الحرب على القضاء.
كانت الحكومة الجديدة هي الحكومة القديمة بلا أي تغيير تقريبًا، اللهم في الوزارات الهامشية. وهذا ما أدركه المصريون وجعلهم يفقدون أي أمل في وعود من مبارك. فها هو يغيّر الوجوه ليعين نفس الحكومة ذاتها. وبعد حلف اليمين، خرج شفيق مخاطبًا الشعب مرتديًا بلوڤر شبابي، معطيًا الإيحاء بالتجديد والتخلص من البيروقراطية، ومحاولًا إعطاء آمال ووعود بالإصلاح، حتى إن البعض قد صدقه فعلًا. في نفس الوقت، كان الحاكم العسكري يمدد عدد ساعات الحظر لتبدأ من الثالثة ظهرًا وتمتد حتى الثامنة صباحًا. وفي العاشرة مساء ذلك اليوم، ألقى نائب الرئيس عمر سليمان بيانًا رسميًا، مقتضاه أن مبارك قد كلفه فتح حوار فوري مع كافة القوى المعارضة المصرية، التي لقبها سليمان في خطابه بالقوى الوطنية، لمناقشة كافة القضايا المثارة المتصلة بالإصلاح الدستوري والتشريعي، وفيما يتعلق بالإصلاح السياسي والديمقراطي.
قال سليمان إن مبارك شدد على أن قرارات محكمة النقض في الطعون الانتخابية لابد أن تحظى بالتنفيذ الأمين لها من جانب الحكومة على نحو عادل وبدون إبطاء، وهو ما كان مبارك يرفضه لسنوات مستندًا أن المجلس سيد قراره ويصح له أن ينفذ فقط ما يتراءى له من قرارات. بعدها بدقائق خرج السيد البدوي رئيس حزب الوفد وبجانبه د. يحيى الجمل وسامح عاشور نقيب المحامين متحدثين باسم كيان مستحدث سموه “الائتلاف الوطني للتغيير”، وهو لا يمت قريبًا أو بعيدًا إلى “الجمعية الوطنية للتغيير”، لكن روعي في اختيار اسم ذلك الكيان أن يكون وقع اسمه على آذان المستمعين يماثل إلى حد كبير وقع اسم “الجمعية الوطنية للتغيير” كنوع من التحايل.
طالب البدوي ورفاقه مبارك بتشكيل حكومة وحدة وطنية لتنفيذ طلبات الثوار وتسيير الأعمال والحفاظ على الأمن والدعوة لتشكيل جمعية تأسيسية منتخبة لوضع دستور جديد للبلاد يضمن تداول السلطة. وكرر السيد البدوي رفضه لمحاولة د. البرادعي التحدث باسم الثورة والتعاون لتحقيق أهدافها، بحجة أن هذا الشعب ليس بحاجة لأحد ليتحدث باسمه، في ثاني ضربة موجعة لجمع المعارضة جميعها تحت قيادة واحدة. في نفس الوقت، كانت قيادات الجمعية الوطنية للتغيير، بمن فيهم قيادات جماعة الإخوان المسلمين، مجتمعين في عيادة د. عبد الجليل مصطفى للاتفاق على رفض لقاء عمر سليمان.
---
## ما بعد عصر الإصلاح
URL: https://tabcm.net/50966/
Type: post
Modified: 2026-02-01
تثبيت المبدأ في الكنيسة: تطبيق المبدأ بعد عصر الإصلاح.
شعار نظري أم ممارسة عملية؟
لم يبقَ مبدأ Sola Scriptura مجرد صيحة في الهواء، بل جرى تضمينه في صلب هيكليات الكنائس البروتستانتية واعترافاتها الإيمانية عبر القرون اللاحقة. لقد حرصت الكنائس الإصلاحية على سنّ آليات وقواعد تضمن أن يكون الكتاب المقدس هو المرجع الأعلى عمليًا في حل النزاعات التعليمية وفي حياة الكنيسة اليومية. من تلك الآليات مثلًا:
• وضع اعترافات إيمان ومعايير تعليمية:
أكدت معظم الطوائف البروتستانتية الكُبرى إيمانها بأن “كل ما يُلزِم الضمير في أمور العقيدة يجب أن يكون موثقًا في الأسفار المقدسة”. فجاء في الفصل الأول من اعتراف وستمنستر للإيمان (1646م) تصريح واضح بأن: “مجمع الكتاب المقدس يحوي كل ما يلزم لإعلان مجد الله وخلاص الإنسان وإيمانه وحياته؛ لذلك لا يجوز لأي إعلانات جديدة من الروح أو تقاليد بشرية أن تُضاف إليه” (( Westminster Confession of Faith (1646), ch. 1 (Of the Holy Scripture) )).
كما نصّ الاعتراف نفسه على أن الحَكَم النهائي في كل قضايا الدين يجب أن يُستمد من الروح القدس المتكلم في الكتاب المقدس، بحيث تُمحَّص جميع قرارات المجامع وآراء الآباء وتعاليم الناس بواسطة كلمة الله التي بها يجب أن تُقاس (( Westminster Confession of Faith (1646), ch. 1 (Of the Holy Scripture) )). وبالمثل، أعلنت اعترافات لوثرية ومُصلَحة أخرى حقبة الإصلاح وما بعدها أن “سلطان الكتاب الإلهي فوق سلطان الكنيسة”، واعتُبر الكتاب القاعدة الوحيدة المعصومة للإيمان القويم (( Alister E. McGrath, Reformation Thought: An Introduction, 4th ed. (2012) )). هذه الاعترافات والوثائق التنظيمية شكّلت آلية كنسيّة واضحة لضمان بقاء سلطان الكتاب نظريًا وعمليًا، إذ ألزمت القادة والمعلمين بأن يكون البرهان الكتابي هو أساس أي تعليم يُقدَّم للشعب (( Westminster Confession of Faith (1646), ch. 1 (Of the Holy Scripture) )).
• منابر الكلمة والأسرار:
لم يُلغِ الإصلاحيون الكلاسيكيون (وخاصة لوثر) المذبح أو سرّ الإفخارستيا، بل أعادوا العبادة لتتمحور حول الكلمة والسرّ معًا. صار شرح الكتاب المقدس بالوعظ المنتظم هو العنصر المركزي في الاجتماع الجماعي، وفي نفس الوقت ظل عشاء الرب يُحتفَل به بخشوع وبكِلا النوعين (الخبز والخمر) [AC X]، باعتباره سرًّا أسّسه المسيح نفسه وأوصى به الرسول بولس. رفض لوثر فقط فكرة “ذبيحة القداس” كعمل بشري يُكرَّر تكفيرًا عن الخطايا [AC XXIV]، لكنه شدّد أن الإفخارستيا الحقيقية تُقام في الكنيسة الجامعة كوسيلة للنعمة.
بهذا المعنى، لم يُستبدل المذبح بالمنبر، بل أُعيد التوازن: الكلمة تُكرز، والأسرار تُقام كما أوصى بها المسيح. اعتراف أوجسبورج يوضح أن علامات الكنيسة الحقيقية هي: “حيث يُعلَّم الإنجيل طاهرًا وتُقام الأسرار على نحو مستقيم” [AC VII]. ومن هنا شجّعت الكنائس أيضًا المؤمنين على قراءة الكتاب بأنفسهم في مجموعات (مثل دروس الكتاب ومدارس الأحد)، ما عزز ثقافة اللجوء المباشر للوحي في الإرشاد الروحي (( Alister E. McGrath, Reformation Thought: An Introduction, 4th ed. (2012) )).
• التقويم والتجديد المستمر:
أحد المبادئ التي تفرعت عن Sola Scriptura هو شعار: “الكنيسة المُصلحة يجب أن تُواصل الإصلاح” (Ecclesia reformata, semper reformanda). بمعنى أن على الكنيسة باستمرار أن تقوِّم ممارساتها وتعاليمها على ضوء كلمة الله، وتصوب المسار كلما اكتشفت انحرافًا ما. وقد شهد التاريخ بالفعل حركات تصحيحية داخل البروتستانتية نفسها (مثل حركة البيوريتان في إنجلترا بالقرن 17م، وحركة التقوية اللوثرية بالقرن 18م) نادت بالعودة لتعاليم الكتاب في مجالات أهملتها الكنائس القائمة. هذا الاتجاه الإصلاحي الداخلي دليل أن مبدأ الكتاب وحده ظل عاملًا ومحركًا داخل التقليد البروتستانتي لتجديد الكنيسة وفق الأساس الكتابي (( Alister E. McGrath, Reformation Thought: An Introduction, 4th ed. (2012) )).
التزام الطوائف اللاحقة أو انحرافها
ورغم التأصيل الواضح للمبدأ، اختلف مدى التزام الطوائف البروتستانتية عبر الزمن بـ Sola Scriptura بمفهومها الأصلي:
• استمرار الالتزام المتزن:
حافظت الكنائس الإصلاحية التقليدية (كالكنائس المشيخية واللوثرية والمعمدانية المحافظة) على مبدأ سلطان الكتاب فعليًا، من خلال تمسّكها باعترافات إيمان تستند إلى الكتاب وتقديمها التعليم اللاهوتي ضمن إطار احترام إرث الكنيسة التفسيري دون إخضاع الكتاب له. فعلى سبيل المثال، ظلت الكنيسة اللوثرية ترفع شعارات “الكتاب يفسّر نفسه بنفسه” و“وضوح الكتاب”، لكنها أيضًا حفظت تقديرها لإجماع الكنيسة القديمة على العقائد الأساسية واستخدمت كتابات الآباء بطريقة تكميلية.
وكذلك الكنائس الإصلاحية (المشيخية) تمسكت بوستمنستر وغيره من الوثائق التي تعلن صراحة أن أي تعليم كنسي يمكن مراجعته وتصحيحه إذا تبيَّن عدم توافقه مع الكتاب. هذا التكامل بين كفاية الكتاب ووحدة الإيمان التاريخي جسّد الاستمرار الحقيقي لفكر المصلحين. وبشكل عام، بقيت التيارات الإنجيلية المحافظة ترى في الكتاب سلطة فوقية مطلقة، وتحرص أن “كل عقيدة يلزم أن تُثبت بنص صريح أو استنباط صحيح من الكتاب المقدس” (( Westminster Confession of Faith (1646), ch. 1 (Of the Holy Scripture) ))، وهو ما يظهر في كتاباتهم وعظاتهم وطرق استدلالهم (( Alister E. McGrath, Reformation Thought: An Introduction, 4th ed. (2012) )).
• ميل نحو التقليد الصفري والفردية:
على الجانب الآخر، انحرفت بعض الأوساط البروتستانتية تدريجيًا عن روح Sola Scriptura الأصلية نحو مفهوم مغالى فيه أقرب إلى Solo Scriptura. فمع صعود الروح الفردية والديمقراطية خاصة في التقليد الأمريكي بالقرنين 18–19م، ظهرت حركات وشعارات ترفض أي سلطة كنسيّة أو إجماع تاريخي، وترفع شعار “لا كتاب إلا الكتاب” بمعزل عن أي تفسير جماعي. على سبيل المثال، أعلن ألكسندر كامبل (أحد قادة حركة الاستعادة في أمريكا، 1809م) أنه يجتهد أن يقرأ الكتاب “كما لو لم يسبقه أحد إلى قراءته”، ورفع كثيرون غيره شعار: “الكتاب كله ولا شيء غير الكتاب”.
هذه العقلية شجعت نزعة استقلالية قصوى في تفسير الكتاب وانعدام المحاسبة، فانتشرت مئات الجماعات المستقلة كل واحدة تدّعي تأسيس معتقداتها فقط على الكتاب بينما تصل لتفسيرات متباينة جدًا. يصف الباحث كيث ماثيسون هذا التطور بأنه انقلاب الكتاب وحده إلى “أنا وحدي”. مثل هذا النهج في نظر ماثيسون يضع الفرد في مقام السلطة النهائية بدلًا من الكتاب نفسه؛ فكل شيء يقاس في النهاية برأي الشخص وما يراه “كتابيًا” في نظره. وهكذا آل الأمر إلى ضرب من النسبية الذاتية، حيث لم يعد هناك مرجح ملزم عند اختلاف التفسيرات سوى قناعة كل فرد في عزلتة. هذا انحراف واضح عن مقصود المصلحين الذين لم يقولوا إن “الكتاب وحده” تعني “لي وحدي حق تفسيره” (( Keith A. Mathison, The Shape of Sola Scriptura (2001)))، (( Matthew Barrett, God’s Word Alone: The Authority of Scripture (Zondervan, 2016) )).
• الإفراط في اعتماد التقليد الكنسي الجديد:
من ناحية أخرى، شهدت بعض الفئات البروتستانتية ما يمكن تسميته ارتدادًا معاكسًا نحو الاتكاء الزائد على التقليد البشري. فمثلًا، في القرن التاسع عشر وأوائل العشرين، انجرف التيار الليبرالي في الكنائس البروتستانتية إلى تبني منهج نقدي عقلي جعل الفكر الإنساني والعلم الحديث عمليًا فوق الكتاب. اعتبر لاهوتيو هذا الاتجاه أن كثيرًا من تعاليم الكتاب نتاج ثقافة قديمة يجب تعديلها أو تأويلها جذريًا لملاءمة العقلانية الحديثة.
وهكذا أفرغوا مبدأ Sola Scriptura من مضمونه، إذ صار سلطان النقد العلمي أو التقليد الفكري العصري أعلى من نصوص الوحي نفسها. هذا بالطبع خروج جوهري عن موقف الإصلاح ومبدأ الكتاب وحده. وبالمثل، ظهرت في القرن العشرين حركات داخل البروتستانتية تبالغ في التقليد الكنسي الطائفي: فبعض الكنائس العالية الطقس (كالأنجليكانية الأنجلو-كاثوليكية) عادت لتشدد على سلطة التقليد الكاثوليكي الرسولي بشكل يقارب مفهوم “التقليد الثاني”، مما أضعف تركيزها على كفاية الكتاب وحده (( Alister E. McGrath, Reformation Thought: An Introduction, 4th ed. (2012) )).
• نتائج الانحراف:
نتيجة لهذه الانحرافات بشقيها (الفردية المفرطة أو الاعتماد المفرط على تقاليد غير كتابية)، واجهت البروتستانتية تحديات خطيرة. فالنزعة الفردية والتفسير الخاص قادت إلى طوائف لا حصر لها وانقسامات أضعفت شهادة وحدة الكنيسة، كما أنها أوقعت البعض في دوامة الشك والتشوش، ودَفَعت عددًا من المؤمنين البروتستانت الذين سئموا انعدام اليقين إلى اعتناق الكاثوليكية أو الأرثوذكسية حيث ظنّوا أنهم يجدون سلطانًا مستقرًا.
وعلى الجانب الآخر، فإن تمييع سلطان الكتاب لصالح الفكر الحداثي أو التقليد الطقسي جعل كنائس أخرى تنحرف عن جوهر الإنجيل نفسه أحيانًا، ما دفع جماعات إنجيلية إلى الانفصال عنها حفاظًا على نقاء التعليم الكتابي. باختصار، عندما لم يُفعَّل مبدأ Sola Scriptura بالمعنى الإصلاحي الصحيح، إما أفرطًا أو تفريطًا، ظهرت آثار سلبية على وحدة الكنيسة وصحة تعليمها (( Keith A. Mathison, The Shape of Sola Scriptura (2001) ))، (( Alister E. McGrath, Reformation Thought: An Introduction, 4th ed. (2012) )).
مقارنة ختامية
من المهم التمييز بين Sola Scriptura الأصيلة ونسخها المشوّهة. فالأولى تعني: الكتاب المقدس هو المصدر الوحيد المعصوم يستنير به كل ما عداه، والتقليد الكنسي له مكانة مرجعية خادمة يوجّهنا للاستنارة بفهم الكنيسة الجامعة عبر العصور – بشرط خضوعه للكتاب. أما النسخ المشوّهة فتقع إما في رفض كل تراث (Solo Scriptura) أو رفع التراث البشري لمرتبة المساوي للكتاب أو أحيانًا فوقه (وهو ما ثار ضده المصلحون ابتداءً).
من ثمَّ فنجاح المبدأ تاريخيًا اقترن بالموازنة التي أرسيت خلال عصر الإصلاح: لا كنيسة بلا كتاب، ولا فهم سليم للكتاب في عزلة عن الكنيسة. هذا ما سعت الطوائف المخلصة للإصلاح للحفاظ عليه، في حين تخلّت عنه أو شوّهته طوائف أخرى بدرجات متفاوتة (( Keith A. Mathison, The Shape of Sola Scriptura (2001) ))، (( Alister E. McGrath, Reformation Thought: An Introduction, 4th ed. (2012) )).
---
## صراع التبتل
URL: https://tabcm.net/51016/
Type: post
Modified: 2026-01-31
صراع التبتّل هو كتاب لپول ستانوز، ما الذي يناقشه؟ ولماذا فرض التبتّل؟ وما المشكلات الناتجة؟ ((Paul Stanosz, The Struggle for Celibacy: The Culture of Catholic Seminary Life, Crossroad, 2006 ))
يقدّم بول ستانوز، في أطروحته للدكتوراه، دراسةً سوسيولوجيّة نقديّة عن “التبتّل الكهنوتي الإلزاميّ” في الكنيسة الكاثوليكيّة (اللاتينيّة)، لا بوصفه “فضيلة” فقط، بل بوصفه “نظامًا ثقافيًّا ومؤسّسيًّا” تصنعه الإكليريكيّات وتعيد إنتاجه من التدريب والطقوس والضبط واللغة اللاهوتيّة.
الكتاب لا يكتب دفاعًا تبشيريًّا عن التبتّل ولا هجومًا سهلًا عليه، بل يحاول أن يشرح كيف يُبنَى التبتّل، وكيف يُفرض، وكيف يُدرَّس، وكيف يخلق توتّراتٍ ومفارقات داخل الحياة الكهنوتيّة والكنسيّة.
لماذا فُرض التبتل تاريخيا؟
يبيّن الكتاب أنّ التبتّل لم يتحوّل إلى قانونٍ مُلزِم دفعةً واحدة، بل تدرّجَ من خلال القرون، وكان وراءه أكثر من عامل:
أ. “المقدّس” في مقابل “الدنيوي”: تاريخيًّا، خدم التبتّل فكرة أن الكاهن ينتمي إلى مجال مقدّس أعلى، منفصل عن “عالم الجسد” والإنجاب والأسرة. وبذلك صار التبتّل أداة لإظهار تمييز الكاهن عن المؤمنين لا فقط روحيًّا ولكن اجتماعيًّا أيضًا.
ب. هواجس “الطهارة الطقسيّة”: المؤلف يشرح أنّ خلفيّة مهمّة في القرون الأولى والوسطى كانت قناعة أن الممارسة الجنسيّة تقف على مسافة من “القداسة الطقسيّة” وخدمة الأسرار، وهو ما صاغ لغة تجعل التبتّل يبدو شكلًا من “الطهارة الأعلى”.
جـ. حماية أملاك الكنيسة ومنع “وراثة المنافع”: في القرنين العاشر والحادي عشر، ظهرت أزمة كبيرة: أبناء الكهنة يرثون “منافع” آبائهم وامتيازاتهم الكنسيّة. فصار فرض التبتّل أيضًا “حلًّا سياسيًّا-اقتصاديًّا” لحماية ملكيّة الكنيسة ومنع تحولها إلى ميراثٍ عائلي.
د. الإصلاح الغريغوري وترسيخ طبقتين داخل المسيحيّة: مع إصلاحات البابا غريغوريوس السابع ثمّ مجمع لاتيران، ترسّخ تقسيم المجتمع المسيحي إلى طبقتين: الإكليروس في الأعلى والعلمانيون في الأسفل. وبهذا صار التبتّل “علامة حدوديّة”: من خلالها تظهر “فوقيّة” الكهنوت وكونه “مفصولًا” عن الحياة العاديّة.
كيف أعادت الإكليريكيّات إنتاج التبتل؟
في بداية الكتاب، يوضح ستانوز أنّ مجمع ترنت أسّس الإكليريكيّة بوصفها “مدرسة كمال” هدفها تكوين كهنة: أكثر انضباطًا وأكثر “نقاءً” وأكثر تمايزًا عن “العالم”. وتأثر التكوين طويلًا بالمدرسة الفرنسيّة والسولبيسيّين:
نظام يومي صارم، طاعة وقانون بيت، صلوات متكرّرة، فحص ضمير، توجيه روحي.
أسلوب يربط الكاهن بشخص المسيح بصفة “كاهن-ذبيحة”.
النتيجة: تكوين يربّي “روحانيّة الفصل” لا “الاندماج”.
كيف برّرت الكنيسة التبتّل؟
يشير الكتاب إلى أنّ الكنيسة الحديثة بعد المجمع الڤاتيكاني الثاني، تخلّت عن لغة “الطهارة الطقسيّة” بصفتها حجّةً رئيسة، وركّزت على مبرّرات أخرى:
سبب رعوي: خدمة الناس بحرّيّة أكبر و”قلب غير منقسم”.
سبب كريستولوچي: الاقتداء بتبتّل المسيح.
سبب إسخاتولوچي/ أخروي: التبتّل علامة على القيامة والمستقبل النهائي.
سبب إكليزيولوچي/ عروسي (يوحنا بولس الثاني): علاقة “عريس-عروس” بين الكاهن والكنيسة، حبّ حصري على مثال المسيح.
كما يؤكد البابا يوحنا بولس الثاني أنّ الكنيسة تريد “المحافظة على قانون” التبتّل الدائم المختار بحرّيّة، مع تعزيز التكوين، وخصوصًا التكوين الإنساني والنضج العاطفي والجنسي.
أين تظهر المشكلات؟
الكتاب يفتح ملفات حسّاسة، أبرزها:
أ. التبتّل بصفته فاصلًا طبقيًّا، فحسب التحليل التاريخي، التبتّل ساعد في تكوين صورة الكاهن بوصفه: منفصلًا عن “العالم”أسمى من المؤمنين وهذا يخلق بنيةً سلطويّة داخل الكنيسة: الكاهن “فوق”، والناس “تحت”.
ب. العزل يخلق هشاشة: الأنظمة الإكليريكيّة التي تعزل الطالب عن الحياة العاديّة قد تنتج “نجاحًا” داخل الإطار المغلق، لكن لا تضمن قدرته على الاستمرار خارجه في واقع الحياة والخدمة.
جـ. “إدارة الانطباع” بدل الصراحة: حسب وصفه للثقافة الإكليريكيّة، يتعلّم الطلبة كيف يظهرون “مناسبين” للتقييم، وهو ما يجعل نقاش موضوع الجنسيّة والتوتّرات الداخليّة “أقلّ شفافيّة”.
هذا الكتاب يشرح أنّ التبتّل الإلزامي ليس مجرّد “قرار روحي”، بل نتاج تاريخ طويل من:
رغبة في الفصل بين المقدّس والدنيوي؟
اعتبارات اقتصاديّة وسياسيّة.
بناء طبقة كهنوتيّة متميّزة.
ثم يعرض كيف يُعاد إنتاجه داخل الإكليريكيّات، وكيف تُعاد صياغة تبريراته لاهوتيًّا اليوم، مع إبراز المشكلات الواقعيّة: العزل، السلطة، النضج، والشفافيّة.
---
## العروبة ليست ملعقة السلطة في فم الشعب
URL: https://tabcm.net/51370/
Type: post
Modified: 2026-01-29
انتهت بطولة اﻷمم اﻹفريقية لكرة القدم التي نظمتها المغرب بين ديسمبر الماضي ويناير الجاري، بشكل دراماتيكي بفوز منتخب السنغال على المغرب، وخلال البطولة وبعدها حدثت مناوشات بين الجماهير المصرية والمغربية، فبعد تشجيع للجمهور المغربي لمنتخب مصر في ثاني مباريات البطولة انقلب الحال لتشجيع كل منتخب يلعب ضد مصر طوال البطولة، وانتهى بحدث غير مقبول وهو صافرات اﻻستهجان من الجمهور المغربي في أثناء عزف السلام الوطني المصري قبل بداية المبارة بين مصر ونيجيريا على المركز الثالث.
وبعيدًا عن التفاصيل التي وصلت بنا إلى هذا المشهد، ومن بدأ، ومن أخطأ، لكن رد الفعل من المسؤولين المصريين على إهانة السلام الوطني المصري كان مخزيًا. فبدلًا من اﻻعتراض على هذا المشهد وجه السيد هاني أبو ريدة، رئيس اﻻتحاد المصري لكرة القدم، خطاب شكر لدولة المغرب على تنظيم البطولة قبل يومين من تلك الواقعة، يوم 15 يناير الجاري وهي روح رياضية جيدة، وكانت واقعة مبارة نيجيريا بعدها بيومين في 17 يناير، وصاحبها بعدها صوت صرصور الحقل، فلم يصدر بيان يدين ما حدث تجاه السلام الوطني المصري.
ربما السيد أبو ريدة، عضو المكتب التنفيذي للفيفا، ونفس المنصب في اﻻتحاد اﻹفريقي، له حسابات أخرى، لكن ماذا فعل وزير الشباب والرياضة؛ الدكتور أشرف صبحي؟ هل انتفض ﻹهانة السلام الوطني المصري بصفارات اﻻستهجان؟ لا، بل على العكس؛ أجرى اتصال تليفوني مع محمد سعد برادة، وزير التربية الوطنية والتعليم والرياضة بالمغرب، وفي بيان رسمي نشرته صفحة مجلس الوزراء، أعلن وزير الرياضة المصري أنه عبر عن: عمق العلاقات التاريخية والأخوية التي تجمع بين مصر والمغرب، التي تمتد عبر عقود طويلة من التعاون والتكامل في مختلف المجالات، وعلى رأسها المجالان الرياضي والشبابي، مشددين على أن المنافسة الرياضية يجب أن تظل في إطارها الحضاري القائم على الاحترام المتبادل والروح الرياضية. يأتي ذلك في إطار التنسيق المشترك وحرص الجانبين على تهدئة الأجواء الرياضية بين الجماهير، والتأكيد على أن الرياضة تمثل جسرًا للتقارب بين الشعوب وليست سببًا للخلاف وأن الرياضة قوة ناعمة فاعلة في توطيد العلاقات بين الشعوب ودعم مسارات التقارب والتعاون بين الدول الشقيقة. وأشار صبحي إلى نجاح المملكة المغربية الشقيقة في استضافة العرس الإفريقي مؤكدًا رفض أي مظاهر تعصب أو إساءة من شأنها التأثير سلبًا على العلاقات المتميزة بين البلدين الشقيقين، أو تشويه صورة الجماهير العربية.
تخاذل وزير الشباب والرياضة في أن يبدي ولو امتعاضه على إهانة السلام الوطني المصري، وذهب في مماﻷة، ليست مطلوبة، للتأكيد على عمق علاقات تفرضها الحكومات فقط على الشعوب، لكن على أرض الواقع لا توجد.
وهذا يقودني إلى ما أريد اﻹشارة إليه في هذا المقال، وهو ما شربناه عنوة بالملعقة منذ الصغر من قبل مناهج التعليم واﻹعلام والخطاب الديني، بأن “سكان الدول العربية أشقاء وأخوة”، هو غير حقيقي، وهذا المنطق يفترض أن اﻷخوة تستدعي أن تتنازل ﻷخيك حتى تحافظ على علاقتك به، لكن على أرض الواقع إذا نظرنا للخريطة السياسية سنعدد الخلافات السياسية والعلاقات المضطربة بين الدول العربية من المحيط إلى الخليج، بل وسنجد التباين واﻻختلافات بين شعوب تلك الدول، فرغم الادعاء بأنهم يتحدثون جميعا اللغة العربية وهويتهم “عرب”، إلا أنهم يجدون صعوبة في فهم بعضهم البعض.
وأشير هنا إلى موقف طريف جمعني بشاب مغربي يتحدث الفرنسية ولغته اﻷم اﻷمازيغية ولا يعرف العربية، يعمل في الفندق الذي كنت أقيم به خلال فترة زمالة اﻷمم المتحدة للأقليات التي قضيتها في جنيف عام 2023، فحينما جاء شاب ليبي يريد السكن بالفندق، لم يستطيعا التفاهم، ولجأوا لي ﻷترجم بينهم، وكنت أتفاهم مع الليبي الذي يعرف اللغة المصرية من السينما واﻷفلام المصرية، وأنقل كلامه للشاب العامل بالفندق باﻹنجليزية. فنحن الثلاثة يقال علينا عرب وفي الحقيقة كانت اﻹنجليزية هي لغة التواصل بيننا وليس العربية.
مناوشات كرة القدم ليست اﻷولى بل حدثت وقائع سابقة لا داعي لاسترجعاها بين جماهير بعض تلك الدول، وتشهد ساحات السوشيال ميديا نزالات وصدامات بين بعض شعوب المنطقة، وتظهر خلالها حالة من تفاخر كل شعب واعتزازه بقوميته الخاصة -وهو أمر طبيعي ومفهوم- ضد الشعوب اﻷخرى، ويتبرأ بعض هؤلاء المتناحرين من كونهم عرب أو ينتمون للهوية العربية.
ولكن هل الصورة قاتمة إلى هذه الدرجة؟ في الحقيقة لا، فمن خلال خبرة شخصية، جمعتني علاقات جيدة تحولت لصداقة أو زمالة ممتلئة بالاحترام بشخصيات من مختلف الدول “المسماة عربية” وحينما التقينا في ظروف طبيعية مثل مؤتمر أو ورش تدريبية جمعتنا لفترات طويلة استطاع كل منا التعرف على اﻵخر كما هو، لا من خلال صورة نمطية مسبقة أو قوالب محددة يجب أن نؤمن بها عنوة، وكانت فرصة التواصل الطبيعي هي سبب التواصل وإيجاد المشترك بيننا، والحفاظ على علاقات طيبة بعد عودة كل منا لبلده.
فالعلاقات بين الشعوب لا تُفرض من أعلى بل تأتي عن طريق اﻻحتكاك والتواصل، وقد نصادف من بلد ما نماذج جيدة تجعلنا نكون صورة طيبة عن هذا الشعب أو نماذج تقدم صورة معاكسة، وهذا طبيعي جدًا ﻷننا بشر، وفي كل مكان يوجد الطيب والسيئ، لكن بدلًا من السماح بفرص يتعرف فيها الشعوب ببعضهم بشكل طبيعي، تفرض الحكومات هوية محددة ويُجبر الجميع عليها ويُفرض علينا قوالب وصور نمطية عن اﻵخرين وننتظر أن يكونوا مثلما نتخيل، فنصطدم بهم بدلًا من أن نتعرف إليهم وعلى ثقافتهم كما هم يعيشون ويعتقدون ويتصرفون.
وليس دليل على فشل التنميط بجعل جميع سكان الدول “العربية” وكأنهم شيئا واحدًا، وتجاهل التنوع العرقي/اﻹثني والديني والثقافي في تلك البلاد، هو فشل الدول “العربية” في تكوين منظمة اقتصادية موحدة أو عملة موحدة كما حدث في اﻻتحاد اﻷوروبي، في حين شعوب أوروبا المختلفة إثنيًا ولغويًا وثقافيًا، ودارت بينهم حروب على مدار قرون، استطاعوا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية تجاوز خلافات وحروب الماضي وبناء علاقات قوية اقتصاديًا، وتعاونوا معًا دون أن يتماهى أي شعب منهم ويتنازل عن هويته أو لغته لصالح بلد أخرى أو هوية أخرى. بينما “الدول العربية الشقيقة” لا تزل تتناحر ولا يعرف شعوبهم عن بعضهم البعض الكثير، بل واﻷكثر من ذلك لا يعرف أفراد طائفة معينة أصغر المعلومات عن أبناء طائفة أخرى من نفس بلدهم التي يحملون نفس جنسيتها.
---
## الحكومة بين السياسيين والتكنوقراط
URL: https://tabcm.net/48495/
Type: post
Modified: 2026-01-28
في تعرضنا لمنظومة وفلسفة الأحزاب، والنظام السياسي بين الرئاسي والبرلماني، ونحن نقترب من الحالة المصرية، لم نكن نسعى لاستعراض المفاهيم الأكاديمية لها، أو طرح معلومات مجردة عنها، وإنما كنا نفكر بصوت عالٍ في مستقبل وطن وشعب يستحقان أن نقيِّم تجربتهم على الأرض في زمن محدد يبدأ من يوليو 52 وحتى اللحظة الراهنة، وهو زمن ثري بالتغيرات والخبرات المتباينة، بغير أن ننزلق إلى صراعات المعارضين والمؤيدين لمجمل المرحلة أو لحقبة منها، وأمام أعيننا أمران، أولهما طوفان التقسيمات العرقية والطائفية الذي اجتاح -وما يزال- دول محيطنا الإقليمي، حتى صرنا جزيرة مازالت متماسكة تصد أعاصير ذلك الطوفان، محصنة بموروث حضاري ممتد إلى عمق التاريخ، رسخ الانصهار النوعي في بوتقة الوطن، مع بقاءه عاملًا فاعلًا في التنمية والتكامل على غرار تعدد وتكامل مكونات الجسد الواحد، ليصير الكل في واحد، ويحول التنوع المبهر إلى طاقة حياة متجددة.
ولا يمكن لمنصف موضوعي أن يتجاهل فضل القوات المسلحة المصرية في حماية مصر وإجهاض مخطط التقسيم، ومرد ذلك وسره في كونها كيان مصري لا يعرف التقسيمات الفئوية الطبقية والإثنية والقبلية، فهي جيش مصر وحسب، وهو ما اعترفت به وزيرة خارجية الولايات المتحدة الأمريكية، هيلاري كلينتون، في مذكراتها، وذكرته الوثائق الأمريكية المتعلقة بتلك الفترة، ولذلك سيظل 30 يونيو 2013 يومًا فارقًا في تاريخنا، والأمر الثاني الذي نضعه نصب أعيننا هو مسؤوليتنا تجاه أجيالنا القادمة أن لا نُرحل لهم إخفاقاتنا، وأن ندعم حقهم في حياة آمنة مستقرة يراكمون عليها ويختبرون فيها حياة الرفاه.
وقد انتهينا في سطورنا السابقة، نصًا، إلى أننا بحاجة إلى إعادة فحص النظام الرئاسي بعد تجربة اقتربت من القرن، ومدى مناسبة النظام المختلط لنا، الذي عرضناه قبلًا، وهو يخفف العبء عن كاهل رئيس الدولة، ويدعم الاستقرار ويعيد الحيوية لمنظومة الأحزاب ويصحح مسارات الانتخابات البرلمانية، ويؤكد على دور رئيس الدولة كحكم بين السلطات، وقدرته على ضبط بوصلة الحياة السياسية، ومن ثم ترسيخ قيم الديمقراطية. فضلًا عن خضوع رئيس الوزراء وحكومته للمساءلة البرلمانية، حتى إلى إقالة الحكومة حال إخفاقها في تحقيق برنامجها.
وربما يكون من المناسب، في تقديري، للحالة المصرية ـ التجربة والمناخ والتحديات ـ أن يأتي رئيس الجمهورية من خلفية عسكرية، وأن يأتي رئيس الحكومة من خلفية مدنية سياسية، ليست دينية أو عسكرية، ويستقيم هذا مع إقرار النظام الرئاسي المختلط، وفيه يتم توزع السلطة بينهما، رئيس الجمهورية، القادم بانتخابات حرة مباشرة من الشعب، ومنها يستمد شرعيته وقوته، ويكون بمثابة حكم بين السلطات ويتولى ملفات الجيش والعلاقات الدولية، فيما يأتي رئيس الحكومة، الذي يمثل الطرف الثاني في توزع السلطة، والقادم بتكليف برلماني يمنحه صلاحيات إدارة الحكومة وإدارة الشأن الداخلي، في تكامل بينه ورئيس الدولة، على غرار النموذج الفرنسي.
وهنا يبرز أمامنا سؤال ما هي طبيعة “الحكومة” وقواعد اختيار أعضائها، الوزراء، في ضوء تجاربنا السابقة التي انحازت للتكنوقراط، وكان لهذا أسبابه، فقد كانت ثورة يوليو تسعى لتثبيت أقدامها، وكانت تحمل شكوكًا في الوزراء السياسيون وقتها، فاتجهت لإسناد مهام الحكومة للتكنوقراط، ورأس الحكومة في تجربة يوليو في غالب الأوقات رئيس الدولة، في ضوء أن النظام الرئاسي يحسب الوزراء سكرتارييون لرئيس الدولة ينفذون مشروعه السياسي ورؤيته، وتعد الولايات المتحدة الأمريكية النموذج الأكثر وضوحًا في هذا، وفي غالبية دول العالم الثالث لا توجد أحزاب قادرة على المشاركة، موالاة ومعارضة، وفي مصر كان قرار إلغاء الأحزاب 1953، وعودتها بقرارات فوقية، كما عرضنا سابقًا، لهما ـ الإلغاء والعودة ـ دور فاعل وكبير في تأكل الفعل السياسي للأحزاب وفي تراجع وانحسار الكوادر السياسية، المتمرسة في العمل الحزبي والسياسي، لذلك غاب الوزراء السياسيون عن غالبية إن لم يكن كل الوزارات خلال الفترة التي نقترب منها هنا.
اللافت في الدول التي تشكل حكوماتها من السياسيين أنها لا تشترط أن يكون الوزير متخصصًا أكاديميًا في طبيعة وعمل وزارته، وتترك الأمور الفنية فيها أما لنائب وزير أو وكيل أول وزارة، فيما يبقى القرار السياسي للوزير، الذي يأتي متسقًا ومتكاملًا مع رؤية وسياسة مجلس الوزراء، مدعومًا ببرنامج الحزب -أو الائتلاف- الذي تشكلت منه الحكومة وخاضعًا لرقابة البرلمان.
وحتى وزارة الدفاع في كثير من هذه الدول، في مختلف القارات، وهي من الوزارات السيادية ولها طبيعتها الخاصة والدقيقة، أُسندت إلى وزيرات سيدات، في توقيتات مختلفة، وكانت رئيسة وزراء سريلانكا، سيريمافو باندرانايكا أول امرأة شغلت هذا المنصب، في ستينيات القرن الماضي، وتعددت الاختيارات فيما بعد، ومنها على سبيل المثال؛ فرنسا والنرويج والسويد وأسبانيا (أوروبا)، كندا وكوستاريكا ونيكاراجوا (أمريكا الشمالية والوسطى)، تشيلي وكولومبيا والأرجنتين (أمريكا الجنوبية)، والهند وبنجلاديش وسيريلانكا (أسيا)، والسنغال وزيمباوي وغينيا بيساو وجنوب السودان (إفريقيا)، والقائمة ممتدة.
ولنا في مصر تجارب في هذا الصدد لعل أبرزها، في وزارات العهد الملكي، حين تولى فؤاد باشا سراج الدين وزارة الداخلية، وهو بالأساس محامٍ لم ينخرط يومًا في العمل الأمني، لكنه كان متمرسًا في العمل السياسي والحزبي، واستطاع أن يدير وزارته بخلفياته السياسية وتجلى هذا في مواجهة اعتداء قوات الاحتلال على مبنى محافظة الإسماعيلية، حيث رفض رجال الشرطة تسليم أسلحتهم وإخلاء مبنى المحافظة للقوات البريطانية، 25 يناير 1952، وحُسب يوم المواجهة عيدًا قوميًا للشرطة حتى يومنا هذا.
لكن هذا لا ينفي التجارب الناجحة لوزراء تكنوقراط تركوا بصمتهم في العمل الوزاري في لحظات غاية في الدقة، لعل أبرزهم، المهندس صدقي سليمان وزير السد العالي، المهندس عزيز صدقي وزير الصناعة، والدكتور محمود فوزي وزير الخارجية، وثلاثتهم تولوا رئاسة الوزراء فيما بعد منصبهم الوزاري، والمهندس حسب الله الكفراوي وزير الإسكان والمجتمعات العمرانية الجديدة، والأستاذ فاروق حسني وزير الثقافة.
لكن ملفات التعليم والإعلام لم يكن لهما نفس القدر من التوفيق، وانعكس هذا على أدائهما وتأثيره السلبي على الحياة العامة، وارتباكات التنشئة وتشكيل العقل الجمعي وإدارة التنوع، ربما بسبب تغلب التوجه البيروقراطي الوظيفي، وغياب الخبرة عنهما.
ودعوتي لعودة الوزير السياسي تستند على أنه يملك رؤية شاملة عن طبيعة الشارع وطرائق تفكيره وكيفية مخاطبته، فضلًا عن تيقنه من أهمية التكامل بين وزارته والوزارات الأخرى فلا يعاني من تضارب القرارات، ويملك القدرة على شرح سياسة وزارته وقراراته، ويتعاظم عنده الحس السياسي ومسؤولياته، ويتمسك بحقه في تطبيق رؤيته ولديه خبرة وقدرة إدارة الأزمات ومهارات القيادة السياسية وابتكار الحلول، في إطار السياسة العامة للحكومة والدولة.
وأشارت دراسة عن الوزير السياسي إلى أنه يُعتبر حلقة وصل بين القيادة السياسية والمواطنين، وبين الوزارات المختلفة، ويساهم في تحقيق التوازن بين الأهداف الفنية والسياسية للحكومة، خاصة في أوقات الأزمات. ويعزز دور الحكومة في إدارة الدولة بكفاءة وفعالية، من خلال الخبرة والقيادة.
بهذه التصورات التي حملتها وقدمتها سطوري فيما يتعلق بمنظومة الأحزاب ونظام الحكم وطبيعة الحكومة، نكون قد اقتربنا من رسم رؤية للمداخل التي تناسب الحالة المصرية في مرحلة غاية في الدقة، وهي تطرق أبواب الاستقرار بعد طول عناء.
وظرف الحالة المصرية، يؤهلها للتحول إلى النظام المدني الرئاسي المختلط وتشكيل حكومتها من السياسيين المدنيين، وإعادة هيكلة الحياة الحزبية لتناسب تلك التحولات، بعد أن نجحت الدولة في إعادة تأهيل البنية التحتية، وقفزت بمنظومة الطرق قفزة واسعة، وتعيد تخطيط القاهرة التاريخية بعد تفكيك جل العشوائيات مع توفير إسكان آدمي لقاطنيها، واستكمال أركان العاصمة الإدارية الجديدة، وشرعت في نقل المؤسسات السيادية والسياسية والإدارية إليها.
وبغير ممالأة أقول بضمير مستريح أن الرئيس السيسي مؤهل للانتقال بنا إلى الأمرين معًا، فيما يمكن أن نحسبه إعلانًا لقيام الجمهورية الثانية على غرار الجمهورية الخامسة بفرنسا التي قادها زعيمها التاريخي الجنرال شارل ديجول.
واستكمالًا لاقترابنا من الحالة المصرية يبقى أمامنا ثلاث محاور:
ـ مدنية الدولة وإدارة الاقتصاد.
ـ التعليم والإعلام والثقافة: الإشكاليات والطموحات.
ـ الدستور أبو القوانين ودواعي تعديله.
وهو ما سنتناوله تباعًا.
---
## الدولة بين النظام الرئاسي والنظام البرلماني
URL: https://tabcm.net/48489/
Type: post
Modified: 2026-01-28
تضافرت عوامل عديدة عبر قرن من الزمان لتُجهد الاقتصاد القومي بل وتكاد تجهضه، ربما بسبب الانتقال من منهج أو رؤية سياسية إلى أخرى، وبعضها من النقيض للنقيض، إضافة إلى سلسلة الحروب التي خضناها بتعدد أسبابها، تراوحت بين أيديولوجية اقتحمتنا، أو فخاح استُدرجنا إليها، أو انقضت علينا غيلة، أو لاسترداد أرضنا وكرامتنا، وتتابعت على فترات متقاربة لم تتح لنا فرصة التقاط الأنفاس، وكان من الطبيعي أن تُنهِك الاقتصاد وتُعطل بل وتلتهم كل مساعي التنمية. وفي العقدين الأخيرين كانت الصراعات الخارجية بين دول المنطقة، بل وبامتداد خريطة العالم واحدة من عوامل تعثر مساعي النهوض. لارتباكات التجارة العالمية وتأثير ذلك على توفر الاحتياجات الأساسية في دوائر الطاقة والمواد الخام ومستلزمات الإنتاج والغذاء وغيرها، فضلًا عن ارتفاع تكلفة الشحن والأسعار بقفزات غير طبيعية، وتأثر حركة الملاحة بقناة السويس سلبًا جراء تلك الصراعات والحروب.
وبين هذا وذاك وربما قبلهما كان التطرف الذي أفرزه مد الإسلام السياسي يعمق من المعاناة ويضعنا على حافة التمزق وتفتيت الوطن على غرار دول محيطة بنا، لكن وعي الشارع وانتباه قواتنا المسلحة ويقظتها ومبادرتها حالت دون ذلك، لكونها جيش الشعب الذي تنصهر فيه كل الانتماءات بتنوعها.
اختارت الأنظمة الحاكمة المتتالية في الحالة المصرية النظام الرئاسي، الذي ـ حسب التعريفات الأكاديمية ـ يمنح صلاحيات واسعة للرئيس وهو الذي يترأس السلطة التنفيذية، ويشكل حكومة لتنفيذ برنامجه السياسي وتكون مسؤولة أمامه وليس أمام البرلمان، ويتميز النظام الرئاسي بالفصل بين السلطات الثلاث بشكل صارم، كضرورة تفرضها الديمقراطية، من خلال التوازن بين هذه السلطات، فلا تتغول إحداها على الآخرتين. وفيه يسمح لكل سلطة برصد الآخر ومراقبته، ومنعه من إساءة استخدام السلطة.
ويرجع الفضل في هذا للفيلسوف الفرنسي شارل مونتسكيو (القرن 17) باعتباره صاحب نظرية الفصل بين السلطات، متأثرًا بأفكار الفيلسوف الإنجليزي جون لوك (القرن 16) ويرى “مونتسكيو” أن تداخل السلطات يُؤثر سلبا على النظام الديمقراطي معللًا ذلك بأن “تناغم البرلمان والحكومة (الأغلبية والحكومة المنبثقة عنها) قد يكون عامل تواطؤ في إدارة الدولة، كما أنَّ الحكومة قد تُحِكم قبضتها على البرلمان نتيجة الولاء السياسي لأعضائه، مما يُفرغ مهمته الرقابية من مضمونها ويقضي عليه كسلطة ضامنة للتوازن”.
ويتميز النظام الرئاسي بأن للرئيس ولاية محددة. يمكن تجديدها حسب ما ينص عليه الدستور، وإن استقر الأمر في الدول الديمقراطية على أن لا تتجاوز المرتين، وتُجرى الانتخابات في أوقات منتظمة، تتمثل السلطة التنفيذية في شخص واحد، يعمل أعضاء مجلس الوزراء وفقًا لمشيئة الرئيس ويجب عليهم تنفيذ سياسات السلطتين التنفيذية والتشريعية. ولا يحق للوزراء أو رؤساء الإدارات التنفيذية الجمع بين مواقعهم التنفيذية وعضوية البرلمان. فيما يمكن للرئيس توجيه أعضاء مجلس الوزراء أو الجيش أو أي مسؤول أو موظف في السلطة التنفيذية، ولكنه لا يستطيع توجيه القضاة أو عزلهم. ويعد الرئيس المسؤول الأول عن تطبيق القوانين، فيما تقوم السلطة التشريعية بإصدار القوانين، وتقوم المحاكم بإصدار الأحكام.
ويأتي رئيس الجمهورية بالاقتراع العام المباشر، وله صلاحيات واسعة، سواء في السياسة الخارجية والدفاع فضلًا عن شؤون البلاد الداخلية، ويشرف على الحكومة. ويأتي رئيس الوزراء باختيار رئيس الدولة، ولهذا يكون مسؤولًا أمامه وليس أمام البرلمان، ويتمتع الرئيس في هذا النظام بصلاحيات إصدار العفو العام بحق المجرمين أو تخفيف عقوباتهم، ويحق له الاعتراض على قرارات البرلمان وعدم اعتمادها (سنها) وإعادتها للمجلس ومعها أسباب اعتراضه.
يُؤخذ على هذا النظام “قصوره في تسيير الخلاف السياسي المؤسساتي، فنشوب أي خلاف بين الرئيس والبرلمان قد يؤدي بالبلاد إلى أزمة شاملة تشل أجهزة الدولة وتعطل الاقتصاد، كما يُؤخذ عليه مركزية منصب الرئيس، الذي يهمش دورَ حزبه.” وأبرز الدول التي تعتمد النظام الرئاسي الولايات المتحدة الأمريكية والعديد من دول الغرب.
بالتوازي مع النظام الرئاسي يوجد النظام البرلماني، وفيه يكون للأحزاب دور كبير في تشكيل وعضوية البرلمان من خلال انتخابات حرة مباشرة، وهي التي تشكل الحكومة بتكليف حزب الأغلبية أو ائتلاف مجموعة أحزاب على أن تحصل على ثقة البرلمان، ويرأسها رئيس وزراء، ويحق له أن يعين بعض أعضاء البرلمان ليقوموا بالوظائف التنفيذية، بحيث تعمل السلطتان التشريعية والتنفيذية مع بعضهما، في حين تعمل السلطة القضائية بشكل مستقل، وقد نشأ النظام البرلماني في المملكة المتحدة (بريطانيا).
والنظام البرلماني أكثر مرونة، إذ يحق له حجب الثقة عن الحكومة إذا لم تحقق برنامجها الذي على أساسه وافق البرلمان على تعيينها، وفيه تحاسب السلطة التشريعية السلطة التنفيذية فيما يتعلق بالمصلحة العامة، ويحق لأعضاء السلطة التشريعية سؤال الحكومة في الأمور التي تصب في المصلحة الوطنية، فتفرض ضوابط على الحكومة وأنشطتها.
وفي هذا النظام لا توجد مدة محددة أو ثابتة لتولي الحكومة الحكم، بل يتوقف هذا على تأييد الأغلبية في البرلمان، وتسقط الحكومة إذا حُجبت ثقة البرلمان عنها؛ وعليها أن تتقدم باستقالتها، ومن ثم تُجرى انتخابات أخرى. ويمتلك هذا النظام جهتين تنفيذيتين بحيث يمتلك رئيس الدولة ـ أو الملك ـ السلطة التنفيذية اسميًا، في حين تكون السلطة التنفيذية الحقيقية بيد رئيس الوزراء.
بين النظامين الرئاسي والبرلماني يوجد نظام ثالث، هو النظام شبه الرئاسي أو النظام المختلط، وهو نظام يجمع بين النظامين الرئاسي والبرلماني، وتعد فرنسا أبرز الدول التي تعتمد هذا النظام، وجاء به الدستور الفرنسي 1958 الذي أعده وقدمه الجنرال شارل ديجول رئيس الحكومة وقتها، بعد حالة عدم الاستقرار التي عانت منه فرنسا في ظل النظام البرلماني.
وفي النظام المختلط يُنتخب الرئيس بالاقتراع العام المباشر ويتمتع بقدر كبير من الصلاحيات، وفيه تتشكل الحكومة من خلال البرلمان الذي تكون مسؤولة أمامه وأمام رئيس الدولة، ويتمتع رئيسها بصلاحيات واسعة. وفيه يتقاسم رئيس الدولة ورئيس الحكومة السلطة، فتقع مسؤولية السياسة الخارجية والجيش في صلاحيات رئيس الدولة، فيما يسند لرئيس الحكومة إدارة الشأن الداخلي، ويملك البرلمان محاسبة الحكومة وسحب الثقة منها، وفي المقابل يملك رئيس الدولة أو الحكومة أو كلاهما معًا حق حل البرلمان والدعوة لانتخابات مبكرة.
في تقديري وبعد أن خطونا ـ في مصر ـ خطوات واسعة في تحقيق الاستقرار، وفي مسارات الإصلاح الاقتصادي، والأمن، نحن بحاجة إلى إعادة فحص النظام الرئاسي بعد تجربة اقتربت من القرن، ومدى مناسبة النظام المختلط لنا، وهو يخفف العبء عن كاهل رئيس الدولة، ويدعم الاستقرار ويعيد الحيوية لمنظومة الأحزاب ويصحح مسارات الانتخابات البرلمانية، ويؤكد على دور رئيس الدولة كحكم بين السلطات، وقدرته على ضبط بوصلة الحياة السياسية، ومن ثم ترسيخ قيم الديمقراطية، وغير بعيد تأثر منظومة القضاء المصري بهيكلة وفلسفة مثيلاتهما في النظام القضائي الفرنسي.
وهذا التغيير بحاجة لمراجعة الدستور بما يسمح بإقرار النظام الرئاسي المختلط، وهو ما سنعرض له في طرحنا فيما يتعلق بقضية تعديل الدستور.
في الأجزاء القادمة من الطرح نتناول:
• الحكومة بين السياسيون والتكنوقراط.
• مدنية الدولة وإدارة الاقتصاد.
• التعليم الإشكاليات والطموحات.
• الدستور أبو القوانين ودواعي تعديله.
---
## الحالة المصرية: اقتراب حذر
URL: https://tabcm.net/48280/
Type: post
Modified: 2026-01-28
في حياة المرء، كما في حياة الوطن، لحظات فاصلة وأخرى ضاغطة وثالثة مربكة، وفيها على نفس الضفة ما هو مؤلم وموجع وصادم. وهي، على تنوعها، نحتاج فيها إلى قدر من هدوء وثبات النفس لا يجعلها تأخذنا إلى ردود فعل انفعالية، وتتطلب أيضًا قراءة متبصرة موضوعية. ويدق الأمر عندما يكون المرء، والوطن أيضًا، خارجين لتوهما من معارك وجود ممتدة ومتنوعة، وبالكاد يضعان قدميهما على مسار الخروج من نفق طال، وسط تحديات قائمة، وكثير منها متربص وساعٍ لإجهاض حلمه. بعيدًا عن نظرية المؤامرة، بعضها من الخارج، وبعضها نيران يحسبها صديقة.
سطوري تقترب من الحالة المصرية، وتحديدًا من 1952 وحتى اللحظة المعيشة، وهو تحديد مقصود، لأن مشهد اليوم غير منبت الصلة ببدايات هذه المرحلة، التي تحسب لحظة فاصلة بين عهدين وبين رؤيتين متناقضتين، وأسست لتحولات سياسية وحياتية واقتصادية حادة لا يمكن فصل مشهد اليوم عنها، خاصة مع ما شهدته هذه الحقبة الزمنية من تناقضات عبر مراحلها المختلفة، انتقلت فيها من النقيض إلى النقيض، ومع كل انتقال كانت تشيطن المرحلة السابقة لها، فيوليو اعتبرت ما سبقها عهدًا بائدًا، لم تترك مناسبة دون أن تؤكد ما ذهبت إليه، بامتداد عقدين من الزمان، وسخَّرت كل آليات تشكيل الوعي الجمعي، كتبًت وصحافة ومناهج تعليمية ومنابر وإبداع فني، في توطين هذا التوجه، ثم تأتي سبعينيات القرن العشرين لتشيطن ما قبلها، وتراه دكتاتوريًا لا يتورع عن ملاحقة مخالفيه، وتتبني نفس النسق في توظيف آليات التشكيل نفسها، وتتوالى سياسات الشيطنة ولا تتوقف عجلتها عن الدوران في المراحل اللاحقة، اللافت هو انتقال بعض من شخوص تلك الآليات، المتورطون في التوظيف الأول، إلى دعم التوظيف الثاني، بل والقفز من السفينة الثانية إلى الثالثة والرابعة وما بعدها، بدم وعقل باردين.
اللافت أيضًا أن الاقتراب من أي مرحلة منها، تقييمًا وفحصًا، لا يتم إلا بعد انتهائها، وإلا فستلاحقه اتهامات التخوين والمؤامرة والتكفير، ربما لهذا يأتي اقترابي حذرًا، خاصة وإنني مصريًا مسيحيًا (!!) وهو توصيف، يحمل عند البعض تشكيكًا في وطنية أصحابه، نحته وعمقه الفرز الطائفي الذي اخترقنا وحاصرنا مع المد المتطرف مع تحولات السبعينيات، وإن كانت جذوره تمتد إلى لحظة سقوط الخلافة العثمانية، 1923، وتولد حلم إعادة الإحياء، الذي يقف وراء تأسيس جماعة الإخوان المسلمين، 1928، التي ناصبت الوفد، رؤية وحزبًا، العداء لأن دعوته تقوض حلمها الذي ترجمه شعارها ومبادئها التي أعلنها مؤسسها في احتفالية الذكرى الخامسة لتأسيسها. فيما يؤكد الوفد على أن مصر وطن لكل المصريين، وأن الحق فوق القوة والأمة فوق الحكومة، ولعل هذا يفسر تحالف الملك فؤاد والملك فاروق مع الجماعة، واستبعاد الجماعة من قرار حل الأحزاب، 1953، ولم يتم مواجهتها والصدام معها إلا بعد منتصف 1954، عقب محاولتها اغتيال الرئيس جمال عبد الناصر في صراعهما على السلطة، ويفسر إعادة بعثها ودعمها والتحالف معها في سبعينيات القرن العشرين، الذي تلاقى مع مدًا مثيلًا في المحيط الإقليمي وبامتداد خريطة العالم الإسلامي.
لكنه حَذَر لم يفلح في منعي من الاقتراب من الحالة المصرية، ربما لتحصني بمصريتي ولكوني غير مصنف على تيار أو جناح أو توجه في دوائر الصراع، فضلًا عن معاصرتي والاشتباك مع أحداث هذه الحالة بوعي ممتد لأكثر من نصف القرن، شابًا وكهلًا، مدفوعًا بحلم الخروج بالوطن من نفق طال، وأعول على قدرة الأجيال القادمة في تحقيقه، وهم أوفر حظًا من جيلنا في توفر المعلومة بيسر مع تقنيات التواصل، وهو أمر سيكون له تأثيره في انفتاحهم الفكري وقدرتهم على الخروج خارج القوالب التي تحاصر عالمنا الثالث.
واحدة من معالم الحالة المصرية منظومة الأحزاب السياسية، التي عرفتها مصر مع إطلاله القرن العشرين، ففي العام 1907 يتم الإعلان عن تأسيس حزبين؛ الحزب الوطني المصري بقيادة مصطفى كامل، وحزب الأمة بقيادة أحمد لطفي السيد، والحزبان يتفقان على المطالبة بالاستقلال، ووضع دستور يكفل الرقابة على الحكومة والاهتمام بالصناعة والتجارة والزراعة، لكنهما يختلفان في المرجعية، فبينما يرى مصطفى كامل أن السبيل إلى الاستقلال يأتي من دعم الدولة العثمانية، والسعي لتأسيس الجامعة الإسلامية كإطار داعم لمصر، كان لطفي السيد ينطلق من أرضية ليبرالية ويرفع شعار مصر للمصريين. حتي يتبلور الحس المصري المطالب باستقلال مصر فيتأسس حزب الوفد 1919 بقيادة سعد زغلول، لتشهد مصر حينها تأسيس وإعلان العديد من الأحزاب مختلفة الاتجاهات والمرجعيات. حتى يأتي عام 1953 وفيه يصدر قرار حل كافة الأحزاب.
اكتشفت حركة يوليو حاجتها إلى ظهير سياسي يملأ فراغ غياب الأحزاب، فتوالت التنظيمات السياسية بدءً من هيئة التحرير وصولًا إلى الاتحاد الاشتراكي، مرورًا بالاتحاد القومي، وكانت كلها تنويعات على نمط الحزب الواحد، ليشهد الشارع السياسي انحسارًا متتاليًا، لم يتسع لغير صوت ورؤية السلطة الحاكمة، حتى قرر السادات إطلاق التعددية مجددًا عبر ما سميَّ بالمنابر، التي بشكل كاريكاتوري توزعت عبر ثلاث منابر يمين ويسار ووسط، وبقرار فوقي، وما لبثت أن تحولت إلى أحزاب، بقرار فوقي، لم تبتعد كثيرًا ـ واقعيًا ـ عن انساق الحزب الواحد، الذي يمثله “الوسط”، فكان حزب مصر الذي تغير مسماه فيما بعد إلى الحزب الوطني، ويترأسه رئيس الدولة، بينما كانت الأحزاب الأخرى وصيفات له. ثم تشهد الساحة قيام أحزاب أخرى لكنها منزوعة الفاعلية.
يأتي حراك يناير 2011 و30 يونيو 2013 ليشهد انفجار ماسورة الأحزاب حتى تتجاوز التسعين حزبًا. كان اللافت فيها أن تشكيل غالبيتها لم ينطلق من قواعد شعبية، ولا يمكن للمتابع التعرف على تمايزاتها، إذ تكاد برامجها وبيانات تأسيسها أن تتطابق، وبعضها ـ وهو غير قليل ـ لا يتجاوز مقرًا ولافتة وربما جريدة في القليل منها، وتكاد تتماس مع الجمعيات الأهلية، ليختفي الدور السياسي الذي يترك موقعه للدور الاجتماعي في أبسط صوره. بينما تقوم فلسفة الأحزاب في النظم الديمقراطية على كونها تنطلق من القاعدة.
وفي تعريف الحزب السياسي تقول دراسة “هو تنظيم حر لمجموعة من الأفراد يجمعهم هدف مشترك وهو المشاركة في إدارة شؤون الحكم عبر تحقيق برامج محددة، وذلك بتقديم المرشحين للانتخابات الحرة والديمقراطية وتشكيل السياسات العامة، ويعمل كجسر بين المواطنين والحكومة لتجميع آرائهم ونقلها لصناع القرار، وتختلف أهدافه من التقدم إلى المحافظة على الوضع القائم، ولعب دور حيوي في الأنظمة الديمقراطية الحديثة”.
والأساس أن تتنافس الأحزاب عبر صناديق الاقتراع للفوز بالأغلبية التي تفوضها في إدارة البلاد من خلال تشكيلها للحكومة التي تتبنى تطبيق مشروعها السياسي الاقتصادي الاجتماعي، وتخضع لرقابة البرلمان الذي يمكنه سحب الثقة منها حال إخفاقها في مهمتها.
لهذا تحتاج الحالة المصرية سعيًا لبناء الثقة بين مكوناتها، وخلق منافسة حقيقية بين القوى السياسية، تحتاج إلى إعادة فحص الحياة الحزبية، بما يكفل قيام أحزاب تعبر عن الأثقال السياسية الحقيقية ورؤاها بغير أن تكون مرجعيتها دينية أو عسكرية.
في الأجزاء القادمة من الطرح نتناول:
• الدولة بين النظام الرئاسي والنظام البرلماني.
• الحكومة بين السياسيون والتكنوقراط.
• مدنية الدولة وإدارة الاقتصاد.
• التعليم الإشكاليات والطموحات.
• الدستور أبو القوانين ودواعي تعديله.
---
## طوبى لمن…
URL: https://tabcm.net/44286/
Type: post
Modified: 2026-01-27
• طوبى للي لسه بيصدق في النور ويحيا فيه، رغم إن الضلمة بقت للناس مسكن عادي ومحبوبة ((وهذه هي الدينونة: إن النور قد جاء إلى العالم، وأحب الناس الظلمة أكثر من النور، لأن أعمالهم كانت شريرة. (إنجيل يوحنا 3 :19) ))
• طوبى للي بيختار يدي بسرور، من غير ما يستنى رد، ولا يتغير من كثر الخذلان والنكران ((بل أحبوا أعداءكم، وأحسنوا، وأقرضوا وأنتم لا ترجون شيئًا، فيكون أجركم عظيمًا، وتكونوا بني العلي، فإنه منعم على غير الشاكرين والأشرار. (إنجيل لوقا 6 :35) ))
• طوبى للي بيصفح وهو موجوع، مش لأنه بيتناسى، لكن لأنه اختار يبقى حر من جوه، مش عبد للمرارة ((فإنه إن غفرتم للناس زلاتهم، يغفر لكم أيضًا أبوكم السماوي (إنجيل متى 6 :14) ))
• طوبى للي بيقدر يشوف في اللي خانه صاحبه، ويقبل حضن الخيانة كأنه حضن محبة، وبيشيل صليبه ساكت، زي سيده ((أما يسوع، قبل عيد الفصح، وهو عالم أن ساعته قد جاءت لينتقل من هذا العالم إلى الآب، إذ كان قد أحب خاصته الذين في العالم، أحبهم إلى المنتهى. (إنجيل يوحنا 13 :1) ))
• طوبى للي بيرد على الشر بالبركة، وعلى الإهانة بالصلاة، لأنه حافظ وصية أغلى من كرامته ((وأما أنا فأقول لكم: أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم. (إنجيل متى 5 :44) ))
• طوبى للي كل ما العالم يعصره، يفيض منه طيب نقي، زي دموع البستان، فيها رائحة المسيح ((وإذ كان في جهاد، كان يصلي بأشد لجاجة، وصار عرقه كقطرات دم نازلة على الأرض. (إنجيل لوقا 22 :44 )… لأننا رائحة المسيح الذكية لله في الذين يخلصون وفي الذين يهلكون. (رسالة بولس الثانية إلى كورنثوس 2 :15) ))
• طوبى للي ماشي السكة الضيقة، واختار المحبة فوق المصلحة، والحق فوق المكسب الرخيص ((ما أضيق الباب وأكرب الطريق الذي يؤدي إلى الحياة! وقليلون هم الذين يجدونه. (إنجيل متى 7 :14) ))
• طوبى للي مش بيكرز بالإنجيل بكلامه بس، لكن كل نفس من أنفاسه شهادة حيّة عن يسوع ((ظاهرين أنكم رسالة المسيح، مخدومة منا، مكتوبة لا بحبر بل بروح الله الحي، لا في ألواح حجرية بل في ألواح قلب لحمية. (رسالة بولس الثانية إلى كورنثوس 3: 3) ))
• طوبى للي شايف في كل إنسان صورة الله، حتى لو اتشوّهت الملامح بالخطيّة ((وقال الله: نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا. (سفر التكوين 1 :26) ))
• طوبى للي بيركع في الخفاء، ودموعه مش ضعف، لكنها لهفة لحضور يشفي ويغيّر ((وأما أنت فمتى صليت فادخل إلى مخدعك، وأغلق بابك، وصل إلى أبيك الذي في الخفاء. فأبوك الذي يرى في الخفاء يجازيك علانية. (إنجيل متى 6 :6) ))
• طوبى للي بيزرع سلام بكلمة طيبة، في أرض الخصام وسط ألسنة حلوها مُرّ ((طوبى لصانعي السلام، لأنهم أبناء الله يُدعون. (إنجيل متى 5 :9) ))
• طوبى للي سايب حقه في إيد إلهه، وواثق إن عدله صاحي وما بينساش ((لا تنتقموا لأنفسكم أيها الأحباء، بل أعطوا مكانًا للغضب، لأنه مكتوب: لي النقمة، أنا أجازي، يقول الرب. (رسالة بولس إلى رومية 12 :19) ))
• طوبى للي وهو مظلوم وساكت، يفتكر يسوع، اللي اتصلب بريء وما نطقش ((ظلم أما هو فتذلل ولم يفتح فاه. كشاة تُساق إلى الذبح، وكنعجة صامتة أمام جازيها فلم يفتح فاه. (سفر إشعياء 53 :7) ))
• طوبى للي قلبه لسه طفل بريء، رغم الخيانة، ولسه قادر يثق من جديد ((الحق أقول لكم: إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد، فلن تدخلوا ملكوت السماوات. (إنجيل متى 18: 3) ))
• طوبى للي بيبني بيته على صخرة أساسها المسيح، مش على رضا الناس، ولا على أي ريح تعليم ((فكل من يسمع أقوالي هذه ويعمل بها، أشبهه برجل عاقل، بنى بيته على الصخر. (إنجيل متى 7 :24)… لكي لا نكون بعد أطفالًا مضطربين ومحمولين بكل ريح تعليم، بحيلة الناس، بمكر إلى مكيدة الضلال. (رسالة بولس إلى أفسس 4 :14) ))
• طوبى للي شايف في الجرح دعوة، وفي الألم بيتشكّل ليصير إلى شبه المسيح ((لأعرفه، وقوة قيامته، وشركة آلامه، متشبهًا بموته. (رسالة بولس إلى فيلبي 3 :10) ))
• طوبى للي فضِل مسكين قدّام الله، وما سمحش للوجع يسرق نقاوة قلبه، وويل للي تنعَّم عمره كله، وقلبه مقفول قدّام وجع اللي على بابه. ((إنجيل لوقا 16 :19–31 ))
---
## المطران البلطجي يحطم دير سيناء اﻷثري
URL: https://tabcm.net/45753/
Type: post
Modified: 2026-01-27
في فصل المفتش الكبير من رواية الإخوة كارامازوف للأديب الروسي فيودور دوستويفسكي، يناقش دوستويفسكي من خلال مشهد ظهور السيد المسيح بهيئته المعروفة داخل إحدى الكاتدرائيات في العصور الوسطى، فساد الإكليروس (الكهنة) وكيف ساروا بممحاة على تعاليم المسيح التي كان هدفها تحرير البشر من العبودية، لتحويلهم إلى عبيد مرة أخرى لاحتياجاتهم المادية، وبالتالي حاجتهم لرجال الدين الذين يلبون احتياجاتهم. يشرح البابا، كبير المفتشين، كل هذا للمسيح، معلنًا أنه سيطلق سراحه، ولكنه إذا عاد مجددًا سيعدمه!
يتكرر المشهد في دير سانت كاترين الأثري المصري في جنوب سيناء على يد المطران دميانوس، رئيس الدير (المعزول بقرار من مجمع رهبان الدير)، الذي اقتحمه مساء الثلاثاء 26 أغسطس الجاري بمجموعة من الملثمين وهجموا على رهبان الدير وطردوهم حفاة في منتصف الليل، ودخل إلى الدير وأغلق بابه من الداخل كي يمنع قوات الشرطة من إفساد حفلة الانتقام من للرهبان.
يعود عزل دميانوس إلى عدة أسابيع مضت حين وجد مجمع رهبان دير سانت كاترين مخالفات وفساد مالي على رئيس الدير، وحين واجهوه بالمخالفات هرب إلى اليونان،. فاجتمع مجمع رهبان الدير وصوتوا على عزله بتصويت ثلثي الرهبان على القرار.
حاول دميانوس مقاومة قرار العزل، وصور المشهد في الصحافة اليونانية على إنه انقلاب وليس عزل قانوني، وفي مساء، 26 أغسطس 2025، ظهر في دير سانت كاترين بشكل مفاجئ ومعه مجموعة من الحراس الملثمين يقدر عددهم بـ10 واقتحموا الدير اﻷثري بقيادة الأب أكاكيوس حيث أخرج الملثمين الآباء واحدًا تلو الآخر من قلاياتهم. ومن لم يستجب من الرهبان كسر الملثمون الأبواب والشبابيك وأخرجوهم بالقوة، حتى أنهم طردوا الرهبان حفاةً بدون أحذية.
بعد اﻻعتداء على الرهبان نقل بعضهم إلى المستشفى في شرم الشيخ، المقتحمون مع المطران أغلقوا باب الدير وظلوا داخله طوال الليل، بينما تُرك الرهبان وعددهم 12 راهبًا، وقد حدث كل هذا بالرغم من أن الشرطة وجهاز الأمن التابع للدولة المصرية حضروا خارج الدير وظلوا يطالبون بإصرار أن يفتح لهم المقتحمون، لكن دون جدوى. في صباح اليوم التالي حرر أربعة من رهبان الدير محضر في قسم شرطة سانت كاترين، وهم الآن في طريقهم إلى قسم شرطة نويبع لتحرير محضر آخر.
والمطران دميانوس (91 عاما)، رئيس دير سانت كاترين المعزول دخل في صراعات عدة خلال اﻷشهر اﻷخيرة، فبعد حكم محكمة استئناف اﻹسماعيلية حول المواقع التي وضع يده عليها باسم دير سانت كاترين في جَنُوب سيناء، خرج ليثير العالم بأن الدير في خطر وأن الدولة المصرية تريد أن تضع يدها على الدير اﻷثري، وطلب من حكومة اليونان التدخل، وكاد اﻷمر أن يتطور إلى أزمة دبلوماسية بين مصر واليونان، حيث تجمعهم الصداقة والتحالف والمصالح المشتركة إضافة لتاريخ مشترك ومتداخل منذ أكثر من 2300 سنة.
ظل دميانوس المعزول من قبل رهبان دير سانت كاترين يأجج الموضوع عبر شراء مقاﻻت وتقارير صحفية في بعض الصحف اليونانية، وواحد منها حول الموضوع الخاص بالدير إلى صراع إثني عنصري استدعى فيه القومية الهيلينية للحديث عن الدير، وتحول اﻷمر من كونه شأن كنسي لشأن قومي، ((باسم الجنوبي، خمسة عشر راهبًا يونانيًا على صدر «دميانوس» رئيس دير سيناء. ))، ومع ذلك طلب رهبان الدير بعدم انصياع الحكومة في اليونان إلى دميانوس كونه أسقف غير شرعي وتم عزله من قبل رهبان الدير، وفق القواعد الحاكمة للدير ورهبانه ورئيسه.
دميانوس ﻻ يهمه سوى نفوذه وسيطرته على الدير ومقدراته وفي سبيل ذلك يستخدم كل علاقاته لتصوير اﻷمر على أنه اضطهاد من مصر، ثم يطالب بوضع خاص للدير باعتباره ملكية خاصة باليونان وأن يعامل مثل السفارات وهو أمر مرفوض ﻷن الدير مصري يخضع لطائفة الروم اﻷرثوذكس عقائديًا (ورثة كرسي القسطنطينية) ولكنه ﻻ يتبع اليونان أو كنيسة اليونان بل هو له وضع مستقل ويتبع إداريًا كرسي أورشليم في القدس للروم اﻷرثوذكس، وﻻ يحق لليونان وكنيسة اليونان التغول على نطاق كرسي آخر. فتدخل كنيسة اليونان أو حكومة اليونان ليس له معنى.
وما حدث في الدير من اعتداء من قبل دميانوس ورجاله الملثمين على رهبان الدير العزل، يتوجب أن تتدخل الدولة المصرية عبر جهاز الشرطة والنيابة والقضاء لتحقيق العدالة ونظر بلاغات الرهبان ضد اﻷسقف المعزول، وألا تقف الشرطة موقف المتفرج، وشخص يمارس العنف عبر بلطجية ويروع رهبان أمنين، الموضوع تحول إلى قانوني بحت، وأصبح دميانوس غير أمين في الحفاظ على الدير الذي يمثل أثر تاريخي للإنسانية بعد اﻻعتداء على الرهبان وتحطيم القلايات وﻻ نعرف تحديدًا حجم التلفيات وهل مست ما هو أثري وﻻ يمكن تعويضه؟ بالتالي يجب أن تتدخل وزارة اﻵثار المصرية والهيئات الدولية ذات الصلة مثل اليونسكو للحفاظ على الدير في وسط هذا الصراع.
---
## حزب احتكار الحقيقة
URL: https://tabcm.net/45382/
Type: post
Modified: 2026-01-27
لم يعد مستغربًا، أن يرتكب “اللي ميتسموش” من حماة الإيمان وحراس العقيدة، جريمة في حق البشر، ويضطهدون حرية الرأي، ويكفِّرون المُفكرين، ويمنعون البحث والسؤال، وينشرون قائمة بالكتب المحرم شرائها، ويخيفون أتباعهم من مجرد الاطلاع عليها، ويبدؤون في انتقادها بدون فهم أو إدراك، رغم أنهم حتى لم يقرؤوها.
وأدواتهم في ذلك لا تزيد عن الشللية والمحسوبية لذوي القربى مثل رأي الخادم فلان، أو فتوى الأنبا علان، أو تعليمات طاسوني ترتان، الذين أصبحوا بحكم مناصبهم أوصياء على الفكر وأولياء على الشعب، الذي في نظرهم جاهل وساذج، يحتاج من يمنحه الـ”رضعة” الإيمانية، ويغيًر له حفاضات، ويغسله وينيمه؛ لأنه ما زال إيمانه بسيطًا، ولا يعرف يمينه من شماله!
وعندما ينشرون ردودًا، تكون عبارة عن رزمة بيانات ضعيفة، ركيكة، كوميدية، غير واقعية، غير محايدة، هزلية، وغير موضوعية، يقرأها (أو بالأصح يحاول جاهدًا أن يقرأها) شخص ما، انفرد بالحديدة دونًا عن باقي البشر.
ورد الفعل العام من أي شخص طبيعي مُتعلم، وخصوصًا من النخبة المثقفة العاقلة (الدارسين) الذين يؤمنون بحرية الرأي وقبول الآخر. أن يغضب بشدة من ذلك الإرهاب الفكري، والتكفير، والمنع الواقع عليه وعلى غيره.
عندما يطرح شخص عادي جدًا رأيًا مختلفًا في منشور على السوشيال ميديا أو مقال، يحمل في طياته أسئلة حائرة وشائكة، دون أن يكون لديه أي غرض آخر من سؤاله، ويطرحها أمام بعض النخبة المثقفة (الدارسين)، ويسأل بطريقة عادية وطبيعية جدًا على أساس أنهم أناس يتقبلون الرأي الآخر وما إلى ذلك، مُنتظرًا إجابات لأسئلته الحائرة، فالمفروض أن النخبة المثقفة العاقلة المستنيرة ترد بكل وضوح وموضوعية وأمانة علمية، وتقول ما لها وما عليها في السؤال المطروح. لكن ما يصدم حقًا أنه أحيانًا يحدث خلاف ذلك تمامًا، فيتحول الأمر إلى سيرك أو مسرحية.
خصوصًا إذا كان هذا السؤال أو الرأي يعارض رأي وفكر وتوجهات وعقائد وتفضيلات تلك الـ”شلة” التي احتكرت الأرثوذكسية في أنفسها وميولها السياسية وانتماءها الديني وفكر أصدقائها الجمعي وفريقها المفضل ومقاس أحذيتها، فنفس (القبطي محتكر الأرثوذكسية حاليًا) الذي كان ولا يزال يعاني طوال عمره من المنع والتحريم واضطهاد رأيه وأفكاره، يمارس نفس ما مارسه عليه ملاعين “حماة الأرثوذكسية” في الآخرين. فينتقد السؤال من الأصل مع قائمة اتهامات جاهزة بالعمالة والانتماء لتيارات دينية وطائفية مختلفة أو الانتماء لتيارات إلحادية، إلى أخره من التهم المعلبة سريعة التحضير، وهو نفس ما يفعله أشاوس الفرز العقائدي من بوابين الملكوت.
الأسلوب الآخر، وهو السمة الغالبة عليهم، هو أن الشخص منهم يرد بتعجرف ونرجسية على صاحب السؤال؛ لأن الأخير تجرأ على طرح سؤال أو كتابة شيء يخالف تقليدًا أو معتقدًا أو رأيًا أو إيمانًا أو أفكار الكتاب المفضلين لدى هذا الشخص “محتكر الأرثوذكسية”. ويتحول الأمر برمته إلى كوميديا سوداء، إذ إن البعض منهم (اللهم احفظنا) يرد على صاحب السؤال بنفس طريقة الشيخ محمد حسين يعقوب: “ده رأينا/إيماننا”. وإذا لم يعجبك هذا يا أخي، اتركه وذهب إلى كندا!
ولا يخلو ذلك الحوار الميلودرامي من فصول كوميدية بنفس طريقة المغاغي: طريقتك في طرح السؤال فيها تشكيك، ونحن لا نقبل التشكيك في العقائد والإيمانيات، وتختتم بـ: “فلتكن آناثيمًا”. أما باقي الممثلين العاقلين قليلًا، فهؤلاء يحاولون أن يحفظوا ماء الوجه فيردون بشتى الطرق الملتوية، أقوال من فلان وعلان يمينًا ويسارًا، هذا قال وهذا عاد، وقص ولصق آيات كتابية، واقتطاع مواقف/كلمات خارج سياقها وخلفياتها، ويقدمونها للزبون على أن هذه هي الخلاصة، و(اطفح وأنت ساكت) يعني نفس الكرباج الذي طالما ضُربت به طوال عمرك… تضرب به غيرك!
نصيحة أخوية: لو الشخص الذي يسأل يسب أو يستهزئ، أو كان على شاكلة الإسلاميين الذين يدعون لدين الله بالانتقاص من الآخرين بشكل متعسف، فمن حقكم المواجهة. بخلاف ذلك، التزموا بالرد أو اصمتوا، فلن يلومكم أحد. لكنكم ستخسرون الكثير جدًا نتيجة هذه العجرفة الاحتكارية.
إياكم أن ترتكبوا جريمة منع الرأي، حتى ولو كان في نظركم ونظرنا مجرد كلام فارغ، وهراء، وعك، رجاء لا تحجروا على فكر أي شخص، حتى وإن كان معارضًا لأفكاركم ومعتقداتكم، وحتى إيمانياتكم. وإلا فإنكم تعطونه دافعا إضافيًا وتساعدونه على البقاء بعيدًا عن الإيمان، لأنه لم يجد إجابة تحترمه، وتحترم عقله.
لا يصح أن تكون متفتحًا وموضوعيًا وعاقلًا وأنت تصادر حق من أمامك في طرح الأسئلة أو حتى الاختلاف معك. لأن ببساطة، هذا حقه الطبيعي في التعبير عن رأيه، وطرح أسئلته وشكوكه وأفكاره، حتى ولو كانت كلها بالنسبة لك خاطئة.
هل تذكر أنت نفسك كنت تتهم الأنبا فلان وأنبا علان بأنهم يمارسون الوصاية على الفكر؟ ولما كنت تتهم حماة الإيمان بأنهم جبناء (هم فعلًا كذلك، مختلفناش) ويخيفون الناس من القراءة والمعرفة وطرح الأسئلة؟ (فاكر ولا نسيت؟) فهو يا تكون متفتح كلك على بعضك، يا تركن على الرصيف جنب أخواتك بائعي الباذنجان وحراس الفكر وحماة الإيمان. لأنه من الواضح أنك متعصب (لأفكارك) ولأفكارك فقط، فمفرقتش عنهم في أي شيء إطلاقًا!
---
## مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يعود أسقف إلى ديره
URL: https://tabcm.net/31482/
Type: post
Modified: 2026-01-26
لقد تابع الكثير من المسيحين المهتمين بالشأن الكنسي على مدار الأسابيع الماضية القضية التي شغلت مواقع التواصل الإجتماعي وأشعلت جروبات حماة الإيمان المسيحي وكانت مسار جدلي بين التجمعات على جميع المستويات ومختلف الأعمار بل أنها أخذت الحيز الأكبر والأعم بين حوارات العامة والخاصة، إنها قضية تقديم الأسقف العام في المقطم الأنبا أبانوب استقالته لبطريرك الكنيسة القبطية الأرثوذكسية البابا تواضروس الثاني.
بعد أسابيع من الجدل انتهت القضية كما قرأنا بتقديم هذا الأسقف اعتذار رسمي لقداسة البابا بعد أن قد صرح الأخير بأن هذا الأسقف قد قدم استقالته بمحض إرادته وهي قيد الدراسة، لكن ما أسفرت علية الأمور أن يبقى الحال على ما هو عليه، وقراءتي لهذه الأحداث هي أن عودة أسقف إلى ديره وانتزاع السلطة من يده هو بمثابة دخول جمل من ثقب إبرة.
كلنا نعلم ما هي الرهبنة؟ هي موت حقيقي عن العالم، أم تعريف الرهبنة أخذ مفهوم آخر؟ أليست الرهبنة هي الانعزال والانفصال عن العالم أو عن الكل للالتصاق بالواحد، أم أن مفهوم الرهبنة أصبح هو الدخول للدير كطريق يؤدي إلى كرسي الأسقفية وما أدراك ما الأسقفية! أنها السلطة المطلقة بلا قيود ولا حساب.
ورغم أن هذا الأسقف هو أسقف عام مساعد للبطريرك، أي لم يتم تجليسه على كرسي إيبارشية، ومع هذا رفض هو ومن خلفه من مجموعات حماة الإيمان تركه موقعه، فكل منهم له حجته فهذا الأسقف أو غيره وهنا انتقل من الخاص عن هذا الأسقف إلى العام في المجمل، فقد نسي السبب الرئيس الذي لأجله ترك العالم وذهب إلى الدير… بل كيف يرجع إلى الدير وينزل به المستوى المعيشي إلى أن يسكن في غرفة أو قلايه ويخدم نفسه مرة أخرى بعد أن ذاق رغد العيشة في العالم وهو خرج من العالم وهو علماني سواء كان يحمل مؤهل جامعي أم لا، كانت له وظيفة أم لا، كان له دخل مادي يستطيع أن يسد حاجته أم لا.
هل لو كان استمر في العالم كانت ستكون له خدمه ومركز وكرامة بل تنحى له الهامات؟
هل كان سيصل إلى ما وصل إليه اليوم؟ هل كانت ستصبح تحت يده ويأتمرون بأمره خدام يخدمونه من أكل وشرب؟ هل كانت ستكون تحت يده وأمره سيارة فارهة وسائق خصوصي ينحني له عند دخوله وخروجه؟
هل لو ظل في العالم فكان بالكاد يمتلك شقة ويتنقل في وسائل المواصلات ويظل مجهول الهوية كواحد من الناس الغلابة فكيف يترك هذا وتلك ويرجع إلى الدير ويترك كل هذا، فنحن من ننادي بعودة هذا الأسقف أو غيره ممن يخطئون الطريق، فإننا نشبه الحمقى الذين ينادون فِي السُّوقِ:
يشبهون أولادا جالسين في السوق ينادون بعضهم بعضا ويقولون: زمرنا لكم فلم ترقصوا. نحنا لكم فلم تبكوا.
(إنجيل لوقا ٧: ٣٢)
فنحن في نظر هؤلاء ضد الإيمان المسلم مرة للقديسين، بل ضد التسليم الرسولي بل نحن وصلنا إلى الهرطقة ولولا أنه لا يوجد في المسيحية مبدأ إقامة الحد وقطع اليدين كانت صدرت أوامر بهذا.
عزيزي القارئ، إن كنت أسقف أو كاهن أو راهب أو علماني، احكم على نفسك وضع هذا الحكم بينك وإلهك الذي أنت تعبده، فمن الواضح أن كل منا صنع لنفسه إله رسمه في مخيلته وصار يتعبد له.
فإن كنت أسقف، احكم على نفسك أن تخلع الزي ولو مؤقتا وترجع إلى ديرك حتي ولو لفترة وجيزة تختبر نفسك هل تكتسب هويتك من الزي والعمامة والسلطة والسيارة والسائق الخاص، والكرسي … الخ، أم هويتك في المسيح وتستطيع أن تقول مع بُطْرُسُ:
هَا نَحْنُ قَدْ تَرَكْنَا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعْنَاكَ
(إنجيل لوقا ١٨: ٢٨)
هل تستطيع أو تقبل أن تجلس في الصفوف الخلفية وتجلس تسمع وتتعلم أم لا تستطيع إلا أن تكوم في المقدمة فقط؟
جرب نفسك..
جَرِّبُوا أَنْفُسَكُمْ، هَلْ أَنْتُمْ فِي الإِيمَانِ؟ امْتَحِنُوا أَنْفُسَكُمْ. أَمْ لَسْتُمْ تَعْرِفُونَ أَنْفُسَكُمْ، أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ فِيكُمْ، إِنْ لَمْ تَكُونُوا مَرْفُوضِينَ؟
(رسالة بولس الثانية إلى كورنثوس ١٣: ٥)
اختبر نفسك..
اخْتَبِرْنِي يَا اَللهُ وَاعْرِفْ قَلْبِي. امْتَحِنِّي وَاعْرِفْ أَفْكَارِي. وَانْظُرْ إِنْ كَانَ فِيَّ طَرِيقٌ بَاطِلٌ، وَاهْدِنِي طَرِيقًا أَبَدِيًّا.
(مزمور ١٣٩: ٢٣، ٢٤)
---
## إعادة ضبط البوصلة
URL: https://tabcm.net/31728/
Type: post
Modified: 2026-01-26
من أخطر ما تسلل إلى البعض ربط الزواج والتناسل بالخطية، وأن الجنس كغريزة جاء عقابًا نتيجتها، بينما يخبرنا سفر التكوين في إصحاحه الأول:
وَقَالَ اللهُ: «نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا، فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى الْبَهَائِمِ، وَعَلَى كُلِّ الأَرْضِ، وَعَلَى جَمِيعِ الدَّبَّابَاتِ الَّتِي تَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ».
فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ.
وَبَارَكَهُمُ اللهُ وَقَالَ لَهُمْ: «أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ، وَأَخْضِعُوهَا، وَتَسَلَّطُوا عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ».
وَرَأَى اللهُ كُلَّ مَا عَمِلَهُ فَإِذَا هُوَ حَسَنٌ جِدًّا. وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا سَادِسًا.
(سفر التكوين 1 : 26 ـ 28 و 31)
وفي ذات السياق يحذرنا القديس بولس الرسول من هذا الفكر المختل:
وَلكِنَّ الرُّوحَ يَقُولُ صَرِيحًا: إِنَّهُ فِي الأَزْمِنَةِ الأَخِيرَةِ يَرْتَدُّ قَوْمٌ عَنِ الإِيمَانِ، تَابِعِينَ أَرْوَاحًا مُضِلَّةً وَتَعَالِيمَ شَيَاطِينَ، فِي رِيَاءِ أَقْوَال كَاذِبَةٍ، مَوْسُومَةً ضَمَائِرُهُمْ، مَانِعِينَ عَنِ الزِّوَاجِ
(رسالة بولس الأولى الى تيموثاوس 4 : 1 ـ 3).
ويضع القديس بولس الزواج في سياق أشمل ضمن محددات حياتنا التي تقودنا للارتباط بالمسيح
لِيَكُنِ الزِّوَاجُ مُكَرَّمًا عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ، وَالْمَضْجَعُ غَيْرَ نَجِسٍ. وَأَمَّا الْعَاهِرُونَ وَالزُّنَاةُ فَسَيَدِينُهُمُ اللهُ.
لِتَكُنْ سِيرَتُكُمْ خَالِيَةً مِنْ مَحَبَّةِ الْمَالِ. كُونُوا مُكْتَفِينَ بِمَا عِنْدَكُمْ، لأَنَّهُ قَالَ: «لاَ أُهْمِلُكَ وَلاَ أَتْرُكُكَ»
حَتَّى إِنَّنَا نَقُولُ وَاثِقِينَ: «الرَّبُّ مُعِينٌ لِي فَلاَ أَخَافُ. مَاذَا يَصْنَعُ بِي إِنْسَانٌ؟»
اُذْكُرُوا مُرْشِدِيكُمُ الَّذِينَ كَلَّمُوكُمْ بِكَلِمَةِ اللهِ. انْظُرُوا إِلَى نِهَايَةِ سِيرَتِهِمْ فَتَمَثَّلُوا بِإِيمَانِهِمْ.
يَسُوعُ الْمَسِيحُ هُوَ هُوَ أَمْسًا وَالْيَوْمَ وَإِلَى الأَبَدِ.
لاَ تُسَاقُوا بِتَعَالِيمَ مُتَنَوِّعَةٍ وَغَرِيبَةٍ، لأَنَّهُ حَسَنٌ أَنْ يُثَبَّتَ الْقَلْبُ بِالنِّعْمَةِ، لاَ بِأَطْعِمَةٍ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا الَّذِينَ تَعَاطَوْهَا
(رسالة بولس إلى العبرانيين 13: 4-9)
ولست بحاجة إلى التأكيد أنه لا علاقة لهذا التحذير وبين الرهبنة، التي تعد اختيار شخصي كطريق يرى صاحبه أنه ينتهي به إلى التعرف على والارتباط بشخص الرب يسوع المسيح، وتعميق الشركة مع الثالوث، وترك الكل لأجل الواحد، ويتضح مضمونها من نذورها التي تشكل حياة الراهب “العفة والبتولية، النسك، العزلة، الفقر الاختياري، الطاعة”.
الرهبنة حركة بدأت وتشكلت خارج الكنيسة ـ المؤسسة ـ التي اعتمدتها كواحدة من المسارات إلى المسيح. وفي تعرضه للمفهوم الكنسي لمعنى النسك، يخبرنا كتاب “حياة الصلاة” باكورة كتابات الأب متى المسكين ـ الذي كتب مقدمة طبعته الأولى قداسة البابا شنودة الثالث ـ بأن:
هذا الاصطلاح بدأ يأخذ صفته الكنسية ـ قبل تأسيس الرهبنة ـ في قوانين الرسل فى القانون 51: أيما أسقف أو قس أو شماس أو من كان من زمرة الكهنوت بالجملة أو أي فرد من الشعب، امتنع عن الزيجة واللحوم والخمر، لا لغرض النسك بل لكونه يشمئز منها على أنها دنسة مرذولة، ناسيًا ما قيل بأن كافة الأشياء هي حسنة جدًا… فإما أن يتقوَّم أو يُقطع ويُطرح من الكنيسة.
(الأب متى المسكين، حياة الصلاة الأرثوذكسية)
ويتوسع الكاتب في عرض المفهوم الكنسي لكلمة نسك، فيراه يشمل كل ممارسة صادقة لأي وصية إنجيلية… ويشير إلى أن الصبر على الآلام والتعذيب والسجن حفظًا للإيمان يعتبره يوسابيوس القيصري نسكًا، كما يعتبره القديس أثناسيوس الرسولي “أعظم نسك”.
ويواصل الكاتب:
الذي يداوم على الصلاة والطلبة مثل حنة النبية تعتبره الكنيسة “ناسكًا”
(القديس كيرلس الأورشليمي: عظة 1: 19)
الذي يهب ممتلكاته للفقراء ويختار حياة الفقر لنفسه تعتبره الكنيسة “ناسكًا”
(العلامة جيروم: تاريخ الكنيسة 76: 41)
الذي يعيش منكرًا لذاته تعتبره الكنيسة “ناسكًا”
(القديس كيرلس الكبير الإسكندري: شرح انجيل يوحنا 13 : 35)
الذي يمارس الفضيلة الإنجيلية هو في الحقيقة ناسك لأنه يدرب ويضبط نفسه
(القديس يوحنا ذهبي الفم: شرح أعمال الرسل 2: ب)
الذي يتخصص في خدمة الفقراء حبًا في التقوى تعتبره الكنيسة “ناسكًا”
(المؤرخ يوسابيوس: شهداء فلسطين: 11).
الذي يتخصص في دراسة الكتاب المقدس واهبًا حياته لهذه الدراسة يعتبره العلامة ترتليان “ناسكاً”.
(الأب متى المسكين، حياة الصلاة الأرثوذكسية)
ويعلق الكاتب على هذه الاستشهادات بقوله:
على الرغم من هذا المعنى المتسع لكلمة “ناسك”، فإنها يمكن بكل سهولة اقتصارها على كل مسيحي يجاهد ليحفظ وصية المسيح بإيمان وحب، أيًّا كان وأينما كان وكيفما كان!!.
(الأب متى المسكين، حياة الصلاة الأرثوذكسية)
وفيما يتعلق بالحياة الرهبانية وارتباطها بالنسك فيقول الكاتب:
أما الذين أرادوا أن يتوفروا على تطبيق الحياة النسكية، أي الحياة المسيحية، توفرًا دقيقًا كاملًا: فيصبح عليهم أن ينزحوا من الدنيا ويسكنوا القفار والجبال، فيعتبرهم “كليمنضس” أنهم هم الذين يشهدون بأنهم “مختارون أكثر من المختارين” حيث صارت لهم قوانين نسكية خاصة.
(الأب متى المسكين، حياة الصلاة الأرثوذكسية)
ويختتم الكاتب سطوره:
أما القوانين النسكية بالنسبة للمسيحى العادى فهى وصايا الإنجيل.
أما القوانين النسكية بالنسبة للرهبان والمتوحدين فهي ضمانات إضافية تكفل ـ لهم ـ تنفيذ وصايا الإنجيل الأساسية.
(الأب متى المسكين، حياة الصلاة الأرثوذكسية)
ويتضح من هذا أنه لا تحسب رهبنة، تلك الحياة المنفصلة عن وصايا الإنجيل.
---
## انشقاق البنا والسكري
URL: https://tabcm.net/30412/
Type: post
Modified: 2026-01-26
كانت الصدمة الكبرى في تاريخ الجماعة هي انفصال وكيل الجماعة أحمد السكري عنها، بعد خلافات مع صديق عمره وطفولته حسن البنا، الذي آثر الزعامة وفضلها على الصداقة.
وفقًا لرواية الإخوان الرسمية، فإن أسباب فصل السكري بدأت عندما شن السكري هجومًا على البنا في سلسلة مقالات على صفحات جريدتي صوت الأمة والكتلة، ذكر فيها أن البنا له اتصالات ببعض الشخصيات الأجنبية، واتهم السكري البنا بالاستبداد في اتخاذ القرار، فقررت الهيئة التأسيسية لجماعة الإخوان المسلمين؛ إعفاء كل من الأستاذ محمد عبدالسميع الغنيمي أفندي، والأستاذ سالم غيث أفندي، والأستاذ أحمد السكري أفندي من عضوية الجماعة، لما تعرفه الهيئة من تصرفات الأستاذ أحمد السكري، واعتباره مناقضًا للعهد حانثًا باليمين، خارجًا على الجماعة، محاربًا للدعوة، وكذلك كل من اتصل به أو ناصره
وأسهبت أدبيات الإخوان في وصف السمات الشخصية السيئة للسكري، التي اعتبروها ليست تجريحًا في شخصه ولكنها مواقف تضئ لهم تفسير حادث خروج السكري عن الجماعة، فهو مُحب للظهور والزعامة، وكان يتجسس على مخاطبات البنا الشخصية، وسرب وثائق الإخوان السرية إلى فؤاد سراج الدين لينشرها في حزب الوفد، فضلًا عن أنه استغل الدعوة لأغراض شخصية
وفى المقابل، نشر السكري 24 مقالًا في جريدة صوت الأمة تحت عنوان كيف انزلق البنا بدعوة الإخوان؟
لكن السبب الحقيقي لفصل السكري وكيل الجماعة هو عبد الحكيم عابدين زوج شقيقة البنا.
كان عبد الحكيم عابدين من أوائل من بايعوا مؤسس الجماعة حسن البنا، ولقد اختاره البنا ليزوجه شقيقته، وبذلك أصبح أحد أكثر الأعضاء قربًا من المرشد العام للجماعة. وكان عبد الحكيم عابدين شخصًا شديد الالتزام في الظاهر لا يمكن أن تتطرق إليه أي شبهة أخلاقية، علاوة على ذلك فهو من الرعيل الأول للجماعة ومن أوائل من بايعوا المرشد العام، لذلك فما أن دعا عبد الحكيم عابدين لإنشاء نظام للتزاور بين أسر الإخوان لتعميق الترابط والحب بين الإخوان وبعضهم البعض، فقد لاقي هذا المقترح ترحيبًا كبيرًا، ووكلت إلى عبد الحكيم عابدين مهمة تنظيم هذه الأمور والإشراف عليها ومتابعتها، فكانت هناك لقاءات أسرية وزيارات متبادلة بين الإخوان وبعضهم البعض في المنازل بدعوى تأليف القلوب.
وفي العام 1945 بدا واضحًا للعيان أن هذا النظام حمل في طياته العديد من الفضائح الأخلاقية التي وصفها بعض الإخوان أنفسهم بأنها يشيب من هولها شعر الوليد، وأصبح واضحًا لكل ذي عينين أن عبد الحكيم أقرب ما يكون إلى راسبوتين الجماعة، ولم يكن أمام المرشد إلا الأمر بإجراء تحقيقات مكتوبة مع عابدين بمعرفة بعض كبار أعضاء الجماعة، تلك التحقيقات التي لا يعرف أحد أين ذهبت وثائقها، التي نقل بعض الإخوان في مذكراتهم أن عبد الحكيم كان يتمرغ في الأرض ويبكي وينهار وهو يواجه بالتهم البشعة الموجهة إليه، وبعد انتهاء التحقيقات التي أكد الكثير من الإخوان أنها انتهت إلى إدانة واضحة لعبد الحكيم عابدين، اختار المرشد العام التكتم على الأمر مع حل نظام الأسر وتصفيته.
لكن مع ذلك ظل عبد الحكيم عابدين صاحب نفوذ واسع في الجماعة، بل وحتى بعد اغتيال حسن البنا، وأسفرت فضيحة عبد الحكيم عابدين عن خروج عدد كبير من الإخوان، وأحدثت شرخًا هائلًا في بنيان الجماعة، وأثارت التساؤلات لدى الكثيرين عن مدى مصداقية القائمين عليها، وكان على رأس الخارجين أحمد السكري وكيل الجماعة ومؤسسها الحقيقي ورفيق درب حسن البنا، الذي كانت فضيحة عابدين السبب الحقيقي لانشقاقه وخروجه، ومرت الأيام وغادر عبد الحكيم عابدين مصر في 1954، قبل وقوع محاولة اغتيال جمال عبد الناصر، وعاد إليها عام 1975، وتوفي عام 1977، ومات وسره معه.
حتى الآن لم يعرف أحد حقيقة ما حدث بالضبط، ولماذا اختار حسن البنا التضحية بشريكه في تأسيس الجماعة أحمد السكري على أن ينزل بعابدين العقاب، وحتى الآن لا تزال أوراق التحقيق مع عابدين في طي الكتمان، والجماعة الغامضة لا تريد أن تكشف عن الحقائق المتعلقة بهذه القضية، رغم أنها كانت من أخطر الأزمات التي واجهتها إن لم تكن الأخطر على الإطلاق، فقد كان خروج أحمد السكري من جماعة الإخوان المسلمين هو سبب المصائب التي حلت عليها بعد ذلك، فالرجل كان يمثل درعًا سياسيًا صلبًا، يرسم لحسن البنا كيفية التعامل مع القصر والحكومات والإنجليز، فلما زال هذا الدرع، تخبط حسن البنا ولم يعد قادرا على التعرف على الاتجاه الصحيح.
وبدأت صحف الوفد تهاجم الجماعة، وتنقل اتهامًا وجهه لوكيل الإخوان؛ أحمد السكري، الذي أنفصل مؤخرًا، بأن الشيخ حسن البنا حاول الحصول على مبلغ 50 ألف جنيه من حزب الوفد ثمنًا لتأييد الوفد ضد وزارة إسماعيل صدقي، واتهم السكري الشيخ البنا أيضًا بإجراء اتصالات مع رئيس الديوان الملكي، تعهد خلالها المرشد العام بأتباع سياسة معتدلة إزاء الحكومة مقابل مساعدة القصر، ولم تنف جريدة الإخوان الخبر وإنما ردت بأن حسن البنا مستعد للتعاون مع الوفد إذا تبرع هذا الحزب بمبلغ الـ 50 ألف جنيه لتنظيم سياسة قومية تساهم فيها كل الأحزاب حسب إمكاناتها.
وتصاعدت حملة الصحف الوفدية ضد البنا وجماعته، فكُتب في مايو ويونيو 1947؛ يمعن الشيخ في التضليل فيزعم انه ليس حزبًا سياسيًا، إذن ماذا أنت وجماعتك يا هذا؟ أنت تزاول نوعًا من السياسة هو أرخص وأقذر الأنواع، وتكمل قائلة؛ انحسر آخر قناع عن وجه الشيخ البنا، فإذا به أقبح سياسي لعب على مسرح السياسة في الجيل الحاضر، وتكتب رسالة للبنا تقول فيها؛ إلى زعيم عصابة الإخوان: صليتم تظاهرًا، وتصدقتم تفاخرًا، واتخذتم هيئة الصلاح لتتسلطوا على عقول البسطاء، وتحذره بقولها؛ الإسلام ليس لحية ولا عمامة ولا سفسطة، بل هو تعالم نبيلة رفيعة تطبع المؤمنين بطالع الشرف والأخلاق والسمو وعدم الإسفاف، لا الجري وراء المال الحرام باستخدام التهريج والدجل والضحك على الدقون
ويرد الإخوان على الوفد فينشرون وثائق تثبت أن السلطات البريطانية ساعدت شباب الوفد في حملتهم ضد الجماعة، لكن برقيات السفارة البريطانية أكدت أن هذه الوثاق مزورة ومفبركة، فلا تجد الجماعة إلا ورقة الدين ليلعبوا بها، فهي الورقة الرابحة في كل معركة خاسرة، فتكتب صحيفة الإخوان؛ إن صحف الوفد تفيض إباحية وفجورًا، وأن على الوفديين أن يجددوا إسلامهم، فهم في تصرفاتهم خصم للإسلام، وحرب على تقاليده وتشريعاته
وفي نهاية أغسطس 1946، نشرت صحيفة “صوت الأمة” الوفدية هجومًا عنيفًا ضد الإخوان ومرشدهم وقالت إن البنا يتعرض لهتافات معادية في أثناء زياراته للأقاليم ويصفه المتظاهرون بأنه صنيعة الإنجليز، وأطلقت عليه الصحيفة اسم الشيخ حسن راسبوتين من باب السخرية في إشارة إلي المشعوذ الروسي الشهير، وقد اعتمدت الحملة الوفدية ضد الإخوان علي عداء الجماعة للديمقراطية، واعتمادها علي تشكيلات شبه عسكرية.
وعلي الرغم من محاولات التوفيق بين الوفد والجماعة فقد استمر العداء، ووصفت صوت الأمة البنا بأنه حكومي أكثر من الحكوميين، ونقراشي أكثر من النقراشيين، وهكذا تتغير مواقف الإخوان من معاداة النقراشي إلى مساندته إلى عداوته وهكذا، وكانوا مع الوفد فأصبحوا ضده ثم تحالفوا معه وهكذا، كانوا في أحضان القصر ثم عايروه بتصرفاته ثم ارتموا وراء العظمة التي يلقيها جلالته لهم.
---
## كنز عظة البابا تواضروس المخفي عن السمينار
URL: https://tabcm.net/31855/
Type: post
Modified: 2026-01-26
الحقيقة أنا من أكتر الناس سعادة بالعظة اللي قالها قداسة البابا تواضروس يوم عيد جلوسه الثاني عشر في حضور غالبية الآباء المطارنة والأساقفة، وسبب سعادتي هو رؤيتي ليها بوجهة نظر مختلفة شوية وهي أن كلمات قداسة البابا أظهرت جانب مهم من شخصيته وقيمه اللي بيدير (بيرعى) بيها الكنيسة ولأن قداسة البابا تواضروس قليل الكلام بهذا القرب والمستوى الشخصي من الحديث فأنا أزُعم، أنه بعد ١٢ سنة بطريركية، إن قليلين جدًا من يعرفونه بعمق وهم اللي يعرفوه أو تعاملوا معاه عن قرب.
مخافة الله
القيمة الأولى أو المحرك الأول لكل أفعال ومواقف بل وحياة البابا هي مخافة الله، والمخافة هنا لا تعني أبدًا الخوف من الله ولكن علشان أشرحها هاعمل زي ما علمنا المسيح وأضرب مثل.
كان في أب تعب وشقي وكون امبراطورية اقتصادية كبيرة فيها شركات ومزارع وأموال كتيرة وكان عنده أبناء اختار منهم اتنين وادى لكل واحد فيهم شركة كبيرة يديرها والأب عايش، الأول قال أنا الابن، أنا المسؤول، أبويا اختارني أدير علشان عارف قدراتي ايه!! هنا هيمشي رأيي والكل هينفذ اللي أنا بقوله واللي مش عاجبه هامشيه لأن أنا المدير.
التاني قال أبويا تعب وشقي وعمل كل ده لازم أنا كمان اتعب علشان أحافظ على اللي عمله أبويا وأكبره، أبويا اختار الناس اللي شغالين معانا دول وأنا لازم أرعاهم وأهتم بيهم لأن أبويا وكلني عليهم وهكذا.
فالابن التاني ده عنده مخافة الله لأن حاضر في ذهنه دايمًا أبوه وعمله ووجوده، وهو نفسه موجود لكن في ظل أبوه، ودي مخافة الله اللي هي حجر الزاوية لمنهج إدارة قداسة البابا للكنيسة.
سلام الكنيسة
القيمة التانية هي سلام الكنيسة، وعلى قد ما ده ما يهمش ناس كتير، لكن البابا بيفكر فيه قبل كل خطوة، ودي اللي بتؤدي أحيانًا لمواقف أولاده والداعمين ليه بيبقوا أكتر الغاضبين منها، لكن بيبقوا شايفين أنه ببساطة يقدر ياخد مواقف ينهي بيها على ناس عاملين صداع ليه وللكنيسة كلها، وهو في ايديه كل الأدوات اللي تخليه يعمل كده، لكن يتفاجئوا أنه ما بيحصلش، ولو حصل وكشر بس البابا يرجع الشخص يعتذر، فيقبل البابا الاعتذار وتعدي الأمور، فالناس تشوف ده تراجع وضعف، لكن اللي هو شايفه سلام الكنيسة اللي أهم من أي موقف أو حتى كرامة شخصية ليه.
المحبة المسيحية
ودي القيمة اللي ياما قداسة البابا، واحنا اتكلمنا فيها، لكن القريبين قبل المغرضين زهقوا منها، وبدأوا ينتقدوه ويستخدموها ضده، هي المحبة لكن اللي ظهر في العظة دي هو شكل ومفهوم المحبة اللي بيتبناه قداسة البابا واللي هو أعمق من مفهومنا شوية، وهو محبة المسيح اللي فاتح حضنه ومادد ايده وبيقدم جسده ودمه يوم خميس العهد وهو عارف معرفة اليقين وليس التوقع أن وسط اللي قاعدين قدامه دول اللي بايعه فعلًا ومتفق على تمن رخيص ليه، واللي لسه هينكره، واللي هيشك فيه، واللي واللي.. لكن محبته ليهم نقية ومتساوية ليوحنا اللي قاعد في حضنه زي يهوذا اللي باعه قبل ما يقعد معاه، وعلى قد ما الفكرة صعبة، لكن وصلت لنا من كلمات قداسة البابا ومن تعبيراته ولغة جسده شفنا أنه يفيض محبة حقيقية ومش تمثيل، شوفنا وحسينا قد إيه هو متألم من اللي خان واللي كتب واللي جمع، لكنه يفضل أنه يوصل لهم محبته ليهم كلهم كأخوة ورغبته أن يكون بينهم علاقة محبة حقيقية.
وهنا تحضرني كلمات الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه:
كن حريصًا وأنت تصارع الوحوش، كي لا تصبح واحدًا منهم
(فريدريك نيشته، ما وراء الخير والشر)
واللي بيفسرها في كتابه ” ما وراء الخير والشر: أن من ينازع وحوشًا يجب أن ينتبه جيدًا، كي لا يتحول هو بدوره إلى وحش. فحين تُطيل النظر إلى الهاوية، تنظر الهاوية إليكَ أيضًا وتنفذ فيك ومن خلالك، وأعتقد إن ده المبدأ اللي بيطبقه قداسة البابا واللي لولاه كان ممكن تتحول الكنيسة إلى حلبة صراع ليس فيه فائز وأكثر الخاسرين هو المسيح ذاته وجسده الذي هو الكنيسة أي (كل جماعة المؤمنين).
المسؤولية كنعمة وكرامة
والنقطة اللي بعدها يرجع ده لفايدة الناس ويفكرهم بمسؤوليتهم عن الشعب الرعية اللي المسيح ائتمنهم عليها ويفكرهم في نقطة بالنسبة لي جوهرية ولازم اعترف إني ما فكرتش فيها وإن علشان هو يقولها لازم يكون بيمتلك اتضاع حقيقي مصدرة الوحيد هو المسيح، والمسيح فقط لما قال إن المسؤولية دي (يقصد بيها الكهنوت والأسقفية والبطريركية) هي نعمة وكرامة حصلنا عليها مجانًا ما عندناش حاجة علشان ناخدها ولكن الله اختارنا ليها والمفهوم ده ثوري في الخدمة والقيادة في الكنيسة مع أنه يعني منطقي وواضح لكن ناس كتير تناسته أو مش بتركز عليه.
كلمة أخيرة
أتمنى أن كل إنسان يسمع العظة دي لكن فيها كنز تعليمي وحياتي ومنهج قيادة عظيم من رجل الله وأب حقيقي وإذا كان لي كلمة أتجاسر وأقولها له أو أطلبها منه فهي: افتح قلبك يا أبى وأتكلم على قد ما تقدر بهذا القدر من الصراحة والانفتاح والبساطة لأن المسيح عنده دروس كتير عاوز يعلمها لنا من فيض نهر حكمته ومحبته اللي أنعم بيهم عليك مسيحنا، يديمك لينا أب وراعي ومثل وقدوة سنين كتير كلها صحة وخير ،وترى بعينيك ثمر المحبة والحكمة التي زرعتها.
---
## للخروج بالكنيسة من مأزقها
URL: https://tabcm.net/31893/
Type: post
Modified: 2026-01-26
نتحدث هنا عن الملفات الرئيسية التي على مجمع الكنيسة فحصها وحسمها:
ملاحظة مفتاحية
تمر الكنيسة بلحظة ضاغطة مرتبكة، لها مقدماتها وتراكماتها التاريخية، داخلها وخارجها وحولها، التي أسهمت في احتدامها. وهي كيان راسخ تقليدي له رسالة روحية حمّلها لها مؤسسها، تحرص عليها وتسعى لإنفاذها، بحرص وأمانة شديدين، انعكسا على منهجها في التعاطي مع مجتمعها الذي ترعاه، ومع متغيراته التي ينتجها حَراك الزمن وتطوراته وصراعاته.
وهي مجتمع عماده الإنسان لذا فهو يمر ـ ككائن حي ـ بقمم وقيعان، الأمر الذي يفرض على مدبريها الانتباه لدورها كمنارة هادية بما تملك من أدوات، لعل في مقدمتها إرشاد الروح القدس، والحرص على تأصيل وحدانية القلب (الفكر) التي للمحبة، كما تردد يوميًا في صلواتها. وهو الأمر الذي أعطى الكنيسة الأولى أن تعلن بجسارة وصدق أن قراراتها لم تأت بإرادة منفردة، بل بشركة وإرشاد الروح القدس لأَنَّهُ قَدْ رَأَى الرُّوحُ الْقُدُسُ وَنَحْنُ…، والسؤال هل نملك جسارة القول بهذا، الآن؟ فكثير من متاعب الكنيسة وانشقاقاتها جاءت من تزييف هذه الشركة.
كما أنها كيان استقرت تخومه (حدوده) الإيمانية، ويلتزم مدبروه القائمين على رعايته بنصيحة سليمان الحكيم لاَ تَنْقُلِ التُّخْمَ الْقَدِيمَ الَّذِي وَضَعَهُ آبَاؤُكَ، بغير أن يتخطى الأمر حدود الإيمان ومن ثم العقيدة، وإلا تحول الكيان إلى عبء وقيد على وعي الإنسان بإيمانه.
التُّخُم حسب معاجم اللغة هي المعالم التي يُهتَدَى بها في الطريق، وقد وضعت الكنيسة لمؤمنيها معالم يهتدون بها في وإلى طريق الإيمان في ترجمة أمينة لما أسسه رب المجد وأعلنه تلاميذه ورسله، في صلواتها الليتورجية (القداس والتسبحة). وكان هذا منهج القديس البابا كيرلس في ردوده المقتضبة على سائليه في الأمور الخلافية، في شرح الإيمان أو تدبير الكنيسة. بأن يشير إليهم بالعودة إلى جملة أو فقرة بصلوات الكنيسة الليتورجية تجيب عليهم وترشدهم.
أرى للخروج من مأزق اللحظة أن يبادر مجمع الكنيسة بمناقشة وحسم الملفات التالية:
• مأسسة الكنيسة إداريًا.
• عودة دور المدنيين (الأراخنة) المشارك ـ وليس الاستشاري ـ في إدارة الكنيسة.
• ضبط منظومة الرهبنة الديرية.
• تأسيس منظومة الرهبنة الخادمة.
• ترتيب مرحلة انتقالية بين وجود الراهب في الدير وبين توليه مسؤولية الأسقفية والخدمة في المجتمع خارجه.
• مراجعة وفحص وضبط لائحة المجمع المقدس فيما يتعلق بالنقاط الأتية:
• تحديد المراكز القانونية فيها وتحديد وتوصيف المهام والمسؤوليات والالتزامات والعلاقات البينية.
• بيان آليات العمل داخل المجمع.
• ضبط العضوية اكتسابًا وانتهاءً، ومناقشة قضية تقاعد الأسقف ـ إداريًا ـ في ضوء الصلاحيات الذهنية والعمرية، حماية للشخص والخدمة والكنيسة. مع توفير مقومات حياة لائقة لما بعد التقاعد -في أحد الأديرة أو في بناية في حرم الكاتدرائية تحفظ له رتبته وكرامته وحياته برعاية لائقة.
وجدير بالبحث معرفة تجارِب الكنائس التقليدية التي سبقتنا في هذا الأمر. وهذا يتطلب تصويب ما استقر في العرف السائد بأن الأسقف تزوج الإيبارشية، الذي يستند إلى قول أحادي غير متكرر، فعريس الإيبارشيات مجتمعة (الكنيسة) هو الرب يسوع المسيح حسب الكتاب والتقليد الصحيح.
• وضع (دستور إيمان) يعكف على إعداده نخبة من الأكاديميين الكنسيين الثقاة، يضم كل العقائد الإيمانية التي تعتمدها الكنيسة، تأسيسًا على الكتاب المقدس وقوانين المجامع المسكونية والتقليد (المحقق)، بصياغات دقيقة ومعاصرة.
• وضع دستور طقسي، يراجع وينقي الطقوس الكنسية في دراسة فاحصة، تنقيه مما تسلل إليها في فترات الضعف.
---
## ما بين العنف والنفاق
URL: https://tabcm.net/30153/
Type: post
Modified: 2026-01-26
في أكتوبر 1932، صدر قرار بنقل حسن البنا من الإسماعيلية إلى القاهرة ليزاول عمله كمدرس بمدرسة عباس بالسبتية. وهيأ البنا انتقال الجماعة معه إلى مقرها الجديد بحلمية الزيتون. ولكن عندما كان المرشد يستعد لمغادرة الإسماعيلية، اختلف مع بعض أعضاء الجماعة هناك حول من يخلفه في قيادة الشعبة. وحاول البنا مهادنة المختلفين معه، لكنهم صمموا على اختلافهم وأبلغوا ضده النائب العام، متهمين إياه بتبديد أموال الجماعة. فلما خرج من التحقيقات بريئًا، حاولوا ملاحقته بالاتهام لدى ناظر مدرسته بالقاهرة. وهنا ظهرت لأول مرة قوة الردع البدني في الجماعة، حيث تجمع عدد من أصدقاء المرشد واعتدوا على المنشقين بالضرب، فقبض عليهم وقدموا للمحاكمة.
الواقع أن هذا المظهر كان جديدًا وغريبًا على أوضاع الإخوان التي لم تعرف إلا الوحدة الكاملة والاندماج الكامل، فرأي أحدهم هو رأي كلهم.
(حسن البنا، الدعوة والداعية)
ويؤكد البنا أن المخالفين له قد تلبسهم الشيطان، فأمرت بهم، فضربوا علقة ساخنة. ثم لا يلبث أن يسميهم بالخوارج، ويؤكد ضرورة أخذهم بالحزم قائلًا: فإن من يشق عصا الجمع، فاضربوه بالسيف كائنًا من كان، ثم يتأسف البنا لأننا تأثرنا إلى حد كبير بالنظم المائعة، التي يسترونها بألفاظ الديموقراطية والحرية الشخصية، هذه العبارة تلخص فلسفة البنا والإخوان في العمل التنظيمي وفي حقوق المختلفين معه في الرأي، وهي تشرع للإخوان الحق في أن يضربوا المختلفين معهم في الرأي بالسيف. وبعد حادثة مدرسة عباس الابتدائية بالسبتية، أصبح الاعتداء البدني على خصوم الجماعة أسلوبًا معتمدًا من الإخوان.
ما كان السيف إلا كالدواء المر الذي تحمل عليه الإنسانية العابثة المتهالكة حملا ليرد جماحها ويكسر طغيانها، فالسيف في يد المسلم كالمشرط في يد الجراح لحسم الداء الاجتماعي.
(حسن البنا، مجلة النذير، عدد رمضان 1357هـ)
وكتب والده الشيخ عبد الرحمن مطالبًا مرسخًا نفس المبدأ في مجلة النذير، فقال:
ولتقم على إعطائه فرقة الإنقاذ منكم، فإذا الأمة، أبت فأوثقوا يديها بالقيود، وأثقلوا ظهرها بالحديد، وجرعوها الدواء بالقوة، وإن وجدتم في جسمها عضوا خبيثًا؛ فاقطعوه، أو سرطانًا خطيرًا؛ فأزيلوه.
(عبد الرحمن البنا، مجلة النذير، عدد محرم 1357هـ)
سياسة النفاق
لم يكن البنا جديدًا على فكرة التقرب من العرش فقد حرص منذ نشأة الجماعة على التأكيد في كل مناسبة صغيرة كانت أو كبيرة على مديح الملك فؤاد والثناء عليه، ويذكر الشيخ البنا في مذكراته أنه في عام 1930 خلال فترة وجوده بالإسماعيلية، وشى به البعض لدى السلطات واتهمنه بالعيب في الذات الملكية، ويروي هو بنفسه أنه عندما تم التحقيق معه، ثبت من التحقيق بطلان التهمة وأن البنا كان يملي على طلبته في دروس الإملاء موضوعات يتوخى فيها الثناء على الملك فؤاد وتعداد مأثره، وهو إلى ذلك دفع العمال يوم زيارة الملك للمدينة إلى التجمع لتحيته حتى يفهم الأجانب في هذا البلد أننا نحترم ملكنا ونحبه على حد قوله، ويكمل البنا حديثه قائلًا أن أحد رجال البوليس كتب تقرير بهذه المناسبة أشاد فيها بأثر الجماعة الروحي في تقويم من لم تنفع معهم وسائل التأديب البوليسية، وأقترح؛ أن تشجع الحكومة الجماعة وتعمل على تعميم فروعها في البلاد حتى يكون في ذلك أكبر خدمة للأمن والإصلاح.
كان الملك فؤاد يكره حزب الوفد العدو اللدود للجماعة ويعاديه، فوجدها البنا فرصة سانحة كي يضرب عدة عصافير بنفس الحجر، فمن ناحية يتصدى لشعبية الوفد الجارفة بمباركة الملك فؤاد، ومن ناحية أخرى ينال من العطايا الملكية مقابل وقوفه ضد الوفد ويكون له حظوة لدى الملك، ويتوالى نفاق البنا للملك حتى أنه وصفه عام 1933 في خطاب يناشده فيه منع البعثات التبشيرية بـ”الملك الرشيد” ويختم خطابه بقوله؛ لا زلتم للإسلام ذخرًا، وللمسلمين حصنًا، كما وصفه المرشد في خطاب لاحق بأنه مثلًا يحتذى في التمسك بعقيدته الإسلامية، وعندما يموت فؤاد تتوالى مراثيهم له معتبرين أنه حامي الإسلام ورافع رايته، فكتبت جريدة الإخوان في رثاء فؤاد مقال شهيرة صار علامة في عالم النفاق السياسي بعنوان مات الملك… يحيا الملك، قالوا فيه:
مصر تفتقد اليوم بدرها في الليل الظلماء، ولا تجد النور الذي اعتادت أن تجد الهدى على سماه، فمن للعامل والفلاح من للفقير يروي غلته، ويشفي علته، ومن للدين الحنيف يرد عنه البدع، ومن للإسلام يعز شوكته، ويعلي كلمته.
(من مقال “مات الملك… يحيا الملك”، جريدة الإخوان المسلمون)
ونعتت صحيفتهم الملك الجديد فاروق في مقالة بأنه؛ أسوة حسنة، وفخر الشباب، وحامي المصحف، وأمير المؤمنين، وحامي حمى الدين، فقد كان الغرض هو جذب عطف الملك الجديد فاروق الذي كان يتولى رعايته دينيًا الشيخ المراغي، ودعوته للتمسك بالتقاليد الإسلامية التي كان يتحلى بها والده كما ذكر المقال.
واستمرت الصحيفة في نشر عدة مقالات تدور حول مدح فاروق ووصفه بـ سمو النفس، وعلو الهمة، وأداء فرائض الله، واتباع أوامره، واجتناب نواهيه، وتحت عنوان؛ جلالة الفاروق… المثل الأعلى لأمته تولت صحيفة الإخوان المسلمين مهمة تعبئة الرأي العام ولفت نظره إلى خطوات فاروق الدينية، فتبين الصحيفة كيف ملك فاروق قلوب رعيته بغيرته على الدين، وتصف استقبال الجماهير له وهو في طريقه إلى مسجد أبي العلاء لتأدية الصلاة ودعواتهم له وهتافاتهم بحياته، وتنقل بعض اللقاءات وتأتي بالقصص التي تنم على أن هناك الأبناء الفاسدين قد قوموا وعرفوا طريق المساجد وانصرفوا إليها، والسبب أنهم اتخذوا من الملك الأسوة الحسنة، لأنه المثل الأعلى لأمته.
ويوم شهد فاروق احتفالًا بعيد الهجرة، قالت مجلة الإخوان منافقة فاروق أنه؛ أعاد صورة سالفة، صورة الرسول الكريم حينما طلع البدر على أنصاره طلوع البدر، وبلغت الجماعة أية في النفاق لدرجة أنها عاودت الحديث عن دعوة الخلافة مرة أخرى، ونادت بها لفاروق تحت عنوان؛ الخلافة جامعة المسلمين موحدة لجهودهم، وقال البنا في مجلة الإخوان المسلمون موجهًا حديثه لفاروق:
إن ٣٠٠ مليون مسلم في العالم تهفو أرواحهم إلى الملك الفاضل الذي يبايعن على أن يكون حاميًا للمصحف فيبايعونه على أن يموتوا بين يديه جنودًا للمصحف وأكبر الظن أن الله قد اختار لهذه الهداية العامة الفاروق فعلى بركة الله يا جلالة الملك ومن ورائك أخلص جنودك.
(حسن البنا، الخلافة جامعة المسلمين موحدة جهودهم، مجلة الإخوان المسلمون عدد فبراير 1937)
طرق الحظ باب حسن البنا يوم أن استدعاه علي ماهر، رئيس وزراء مصر آنذاك، لمقابلته شخصيًا في منزله لمناقشة أمر الملك الجديد. فاتفق حسن البنا مع ماهر على أسلوب النفاق الديني، وهم أدرى الناس به، كوسيلة للملك الجديد لصنع شعبية زائفة. لاحقًا، ردت الجماعة الجميل لعلي ماهر مضاعفًا، حتى طُرح اسم علي ماهر -الملكي الفكر أكثر من الملك نفسه- على قيادات ثورة يوليو ليتولى الوزارة بعد ثورة 1952 بإيعاز من الإخوان المسلمين.
في 29 يوليو 1937 انتهت الوصاية على فاروق ببلوغه ثمانية عشر عامًا قمرية بالتحايل على الدستور الذي ينص على أن يكون سن الملك 18 عام ميلادية، وأصبح ملكًا رسميًا على البلاد، وظهرت أصوات الإخوان تطالب بأن يتم التتويج في حفلة دينية تقام في القلعة ويقلده فيها الشيخ المراغي، شيخ الجامع الأزهر، سيف جده محمد على، وأن تقام الحفلة لأداء اليمين الدستورية فيؤم الملك الناس إثر التتويج باعتبار أنه الإمام الذي تصدر باسمه أحكام الشريعة، لكن لم ترق تلك التصرفات للنحاس باشا زعيم الوفد ورئيس الحكومة، ورأى فيها إقحامًا للدين فيما ليس من شئونه وإيجاد سلطة دينية خاصة بجانب السلطة المدنية، واعتبر أن إقامة الحفلة الدينية إلى جانب أداء اليمين الدستورية أمام البرلمان إنما يكون معناه أن الملك يتلقى بعض سلطته من غير البرلمان، وأعلن ذلك صراحة.
فرد عليه البنا؛ إن هذه الحركة وليدة واجب حتمي مفروض، إن لم يقم الناس به فقد أثموا إثمًا عظيمًا، لكن النحاس أصر على وقفه مستندًا للدستور ولشعبيه الوفد، فعندما وجد البنا الباب مغلقًا أمام تلك المسرحية الهزلية لجأ لاستعراض الجوالة أمام الملك، وعقد الإخوان مؤتمرهم الرابع للاحتفال بهذه الذكرى وحشدوا عشرين ألفًا أو يزيد من فرق الجوالة ووفود شعبهم في الأقاليم وهتفوا بمبايعتهم للملك المعظم مع هتافات إسلامية، وانهمر سيل الإخوان إلى ساحة سراي عابدين، رافعين أعلامهم يهتفون؛ الله أكبر ولله الحمد، الإخوان المسلمون يبايعون الملك المعظم، نبايعك على كتاب الله وسنة رسوله، واستغل حسن البنا استعراضات الجوالة ليظهر قوة الجماعة ويظهر بها أن جماعته القوية تؤيد الملك وتسانده، ويبرر عمر التلمساني الاستعراض الحافل الذي أقامته جوالة الإخوان للاحتفاء بالملك فاروق بأنه؛ استعراض لقوة الإخوان أمام الملك لجذب اهتمامه ولصرفه عن المنكرات.
لم يكتف الإخوان باستعراض جوالتهم، فلجأوا لمسرحية أخرى بترتيب علي ماهر والبنا، فجاء استقبال فاروق أشبه بمسرحية هزلية كوميدية بطلها فاروق ومؤلفها حسن البنا ومخرجها علي ماهر باشا رئيس الديوان الملكي، ففي ذهابه للصلاة في المسجد الحسين هتفت الجماهير؛ عاش فاروق الأول ملك مصر، فرفع فاروق يده للناس قائلًا؛ الملك هو الله، وأنا مجرد عبد من عبيده مدغدغًا الحاسة الدينية للشعب، فتعالت الهتافات أكثر وأكثر تهتف بحياة الملك الشاب، وعندما حاول الحرس الملكي فرش بساط للملك رفض فاروق وجعل عمر فتحي كبير الياوران يمنعهم مرددًا؛ كل المسلمين في المسجد سواسية، وداخل المسجد وأثناء الخطبة نظر الملك فوجد بعضًا من حرسه واقفون وسط المصلين لحمايته فاستدعى عمر فتحي مرة أخرى متسائلًا من هؤلاء؟ فأجابه عمر فتحي إنهم حراسة جلالتك يا مولاي، فعاجله فاروق بصوت قصد أن يكون مسموعًا؛ أنا والحراسة في حراسة الله.. خلى الحراسة يصلوا فرض ربنا يا عمر.
وحصد البنا مكافأته من علي ماهر نظير خدماته للملك الصغير، التي تمثلت في ترخيص مجلة “النذير”، بالإضافة إلى تبرع سخي لخزينة الإخوان، إلى جانب بعض الامتيازات الأخرى، مثل السماح لجوالة الإخوان بارتداء زي خاص يميزهم، على غرار أصحاب القمصان الزرقاء التابعين لحزب الوفد، والقمصان الخضر التابعين لحزب مصر الفتاة بقيادة أحمد حسين، مقلدين جماعة القمصان البنية والسوداء التابعين للنازي في ألمانيا والفاشي في إيطاليا على الترتيب. وبالطبع، لا حاجة للتعريف بأن جماعات القمصان الملونة جميعها كانت ميلشييات حزبية تؤدي الدور العضلي لنصرة أحزابها عند فشل الطرق الأخرى، وقد بدأها الحزب النازي بقيادة هتلر.
وكانت جماعة الجوالة التابعة لجماعة الإخوان المسلمين هي المفرخة التي استخرج منها البنا لاحقًا أبناء التنظيم السري. وعندما أصدر الملك فاروق قراره عام 1937 بحل تنظيمات القمصان الزرقاء والخضراء التابعين لحزبي الوفد ومصر الفتاة لأنهما شبه عسكريتين، استثنى فرق العمل التابعة لجماعة الإخوان لأنها تتبع الكشافة على حد تبريره. وقد أثارت فرق الجوالة الكثير من الجدل، فالهيئة العامة للكشافة قاومت في بداية الأمر نشاطها، لأن القانون الكشفي يؤكد أن الكشاف لا يتدخل في السياسة. لكنها رضخت بالطبع للأوامر القادمة من السرايا. ونجح البنا في أن يبرز جماعته في صورة زاهية، فقد كانوا حريصين دائمًا على خدمة الجمهور وقدموا بالفعل خدمات هامة خاصة في أوقات المحن العامة مثل وباء الكوليرا والملاريا.
جاء الصدام الأول بين البنا والوفد عندما أشاد النحاس في تصريح لصحيفة الأهرام بكمال أتاتورك، زعيم تركيا، وقال إنه من المعجبين بعبقريته، فرد عليه البنا في صحيفة الإخوان قائلًا؛ موقف الحكومة التركية الحديثة من الإسلام وأحكامه معروف، فقد حذفت القانون الإسلامي وحكمت بالقانون السويسري، فهل يفهم من هذا أن يكون لأمة مصر برنامج كالبرنامج الكمالي؟ وعندما عقد النحاس معاهدة 1936 مع بريطانيا، عارضها الإخوان وأطلقوا عليها اسم المعاهدة المشؤومة، وهاجم البنا معظم وزراء النحاس وانتقد وزير الداخلية لأنه سافر ظهر الجمعة وترك أداء فريضتها.
---
## سفر التكوين: الإنسان صورة الله
URL: https://tabcm.net/30034/
Type: post
Modified: 2026-01-26
لكن لكي يكون الإنسان موجودًا لا بُدّ من وجود عنصر ثانٍ أيضًا. فالمادة الأساسية هي التراب، ومنها يأتي الإنسان إلى الوجود بعد أن يكون الله قد نفخ في أنفاسه في الجسد الذي تكوَّن منها. تدخل الحقيقة الإلهية هنا. إن رواية الخلق الأولى التي تناولناها في تأملاتنا السابقة تقول الشيء نفسه من خلال صورة أخرى أكثر عمقًا وتأملًا. تقول إنّ الإنسان مخلوق على صورة الله ومثاله ((راجع تكوين 1: 26-27 )). في الإنسان تتلامس السماء والأرض.في البشريّة يدخل الله إلى خليقته؛ فالإنسان يرتبط مباشرةً بالله. فالإنسان مدعو من الله.
كلمات الله في العهد القديم صالحة لكل إنسان على حدة: ”أنا أدعوك باسمك وأنت لي“. كل إنسان يعرفه الله ويحبه. كل إنسان هو إرادة الله، وكل إنسان هو صورته. في هذا بالتحديد تكمن الوحدة الأعمق والأكبر للبشرية – أن كل واحد منا، كل إنسان على حدة، يدرك مشروع الله الواحد، وأن أصله أو أصلها في فكرة الله الخلاقة نفسها. ومن هنا يقول الكتاب المقدس إنّ كل من يعتدي على إنسان ينتهك ملكية الله ((تكوين 9: 5)). فالحياة البشرية تقع تحت حماية الله الخاصة، لأن كل إنسان، مهما كان بائسًا أو عظيمًا، مهما كان مريضًا أو متألّمًا، مهما كان صالحًا أو غير ذي نفع، سواء كان مولودًا أو غير مولود، سواء كان مريضًا مرضًا عضالاً أو مشعًا بالصحة – كلّ واحد يحمل نفَس الله في نفسه، كل واحد هو صورة الله.
هذا هو السبب الأعمق لحرمة الكرامة الإنسانية، وعليه تقوم في النهاية كل حضارة. عندما لا يعود يُنظر إلى الإنسان على أنه يقف تحت حماية الله ويحمل أنفاس الله، يبدأ النظر إلى الإنسان بطريقة نفعية. عندئذٍ تظهر الهمجية التي تدوس على الإنسان. والعكس بالعكس: عندما يُنظر إلى هذا الأمر، عندئذٍ تظهر بوضوح درجة عالية من الروحانية والأخلاق.
إنّ مصيرنا جميعًا يعتمد على ما إذا كان بالإمكان الدفاع عن هذه الكرامة الأخلاقية للإنسان في عالم التكنولوجيا، بكل إمكانياتها. فهنا يوجد إغراء معيّن لعصرنا العلمي التقني. لقد أنتج الموقف التقني والعلمي نوعًا محددًا من اليقين – أي ذلك الذي يمكن إثباته عن طريق التجربة والمعادلة الرياضية. وقد أعطى هذا للبشرية تحررًا معينًا من القلق والخرافة، وسلطة معينة على العالم.
ولكن هناك الآن ميل إلى رؤية ما يمكن إثباته عن طريق التجربة والحساب فقط على أنه معقول، ومن ثم على أنه جاد. وهذا يعني أن ما هو أخلاقي ومقدس لم يعد له أي أهمية. بل يُحسبان على أنهما ينتميان إلى مجال ما يجب تجاوزه، مجال ما هو غير عقلاني. ولكن كلما فعلنا ذلك، كلما أسسنا الأخلاق على الفيزياء، فإننا نطفئ ما هو إنساني بشكل خاص، ولا نعود نحرر الإنسان بل نسحقه.
يجب علينا أن ندرك بأنفسنا ما أدركه كانط وعرفه تمام المعرفة، وهو أن هناك نوعين من العقل، كما يقول: العقل النظري والعقل العملي. ويمكننا أن نسميهما العقل العلمي الطبيعي المادي، والعقل الأخلاقي الديني.
من غير اللائق أن نشير إلى المنطق الأخلاقي على أنه غير عقلاني وخرافة جسيمة لمجرد أن معالمه ونطاق معرفته ليست رياضية. بل هو في الواقع أكثر السببين جوهرية، وهو وحده القادر على الحفاظ على الأبعاد الإنسانية لكل من العلوم الطبيعية والتكنولوجيا، كما أنه وحده القادر على منعهما من تدمير البشرية. وقد تحدّث كانط عن أسبقية العقل العملي على العقل النظري وعن حقيقة أن ما هو أهم وأعمق وأكثر حتمية هو ما يدركه العقل الأخلاقي للإنسان في حريته الأخلاقية. لأنه هناك، يجب أن نضيف أننا هناك نتصور الله وهناك نكون أكثر من ”التراب“.
دعونا نذهب إلى أبعد من ذلك. يكمن جوهر الصورة في حقيقة أنها تمثّل شيئًا ما. عندما أراها أتعرف، على سبيل المثال، على الشخص الذي تمثله، أو المنظر الطبيعي، أو أي شيء آخر. إنها تشير إلى شيء أبعد من ذاتها، وهكذا فإن خاصية الصورة ليست مجرد ما هي عليه في حد ذاتها – على سبيل المثال، الزيت والقماش والإطار. إن طبيعتها بوصفها صورة لها علاقة بحقيقة أنها تتجاوز ذاتها، وأنها تُظهر شيئًا ليست هي نفسها. وهكذا، فإن صورة الله تعني، أولًا، أن البشر لا يمكن أن ينغلقوا على أنفسهم. فالبشر الذين يحاولون ذلك يخونون أنفسهم.
أن يكون الإنسان صورة الله يعني ضمنًا العلاقة. إنها الديناميكية التي تجعل الإنسان يتحرّك نحو الآخر كليًّا. ومن ثم فهي تعني القدرة على العلاقة؛ إنها قابلية الإنسان لله. فالإنسان، كمتتالية متسلسلة، يكون إنسانًا أكثر عمقًا عندما يخرج من ذاته ويصبح قادرًا على مخاطبة الله بطريقة مألوفة. في الواقع، فيما يتعلّق بالسؤال عمّا يميّز الإنسان عن الحيوان، عمّا هو مختلف عن الإنسان تحديدًا، يجب أن تكون الإجابة هي أنه الكائن الذي جعله الله قادرًا على التفكير والصلاة. إنهم أعمق ما يكونون عليه عندما يكتشفون علاقتهم بخالقهم. لذلك، فإن صورة الله تعني أيضًا أن البشر كائنات الكلمة والمحبة، كائنات تتحرك نحو الآخر، وتتجه إلى إعطاء ذاتها للآخر ولا تستقبل ذاتها في المقابل إلا في عطاءٍ حقيقي للذات.
يمكّننا الكتاب المقدس من أن نخطو خطوة أخرى إذا اتّبعنا مجددًا قاعدتنا الأساسية – أي أنه يجب أن نقرأ العهدين القديم والعهد الجديد معًا، وأنه في الجديد فقط يمكن العثور على المعنى الأعمق للعهد القديم. يُشار إلى المسيح في العهد الجديد على أنه آدم الثاني، وآدم النهائي، وصورة الله ((راجع مثلاً 1 كورنثوس 15: 44-48؛ كولوسي 1: 15 )). هذا يعني أن فيه وحده تُظهر الإجابة الكاملة على السؤال عن ماهية الإنسان. فيه وحده يظهر المعنى الأعمق لما هو في الوقت الحاضر مسودة تقريبية. إنه هو الإنسان النهائي، والخليقة هي رسم أولي يشير إليه. وهكذا يمكننا القول بأنّ البشر هم الكائنات التي يمكن أن تكون إخوة يسوع المسيح أو أخواته.
الإنسان هو المخلوق الذي يمكن أن يكون واحدًا مع المسيح، وبذلك يكون واحدًا مع الله نفسه، ومن هنا فإن علاقة المخلوق بالمسيح، علاقة آدم الأول بآدم الثاني، تدل على أن البشر كائنات في الطريق، كائنات تتميز بالصيرورة. إنهم ليسوا أنفسهم بعد؛ يجب أن يصيروا أنفسهم في النهاية. هنا في خضم أفكارنا عن الخلق يظهر فجأة سر الفصح، سر حبة الحنطة التي ماتت.
على البشر أن يموتوا مع المسيح مثل حبة الحنطة لكي يقوموا حقًا، أن يستقيموا ويثبتوا ويكونوا أنفسهم ((يوحنا 12: 24 )). لا ينبغي فهم البشر من منظور تاريخهم الماضي أو من تلك اللحظة المعزولة التي نشير إليها بالحاضر. إنهم موجَّهون نحو مستقبلهم، وهو وحده الذي يسمح بظهور حقيقتهم بشكل كامل ((جـ 1يوحنا 3: 2 )).
يجب أن نرى دائمًا في البشر الآخرين أشخاصًا سنشاركهم يومًا ما فرح الله. يجب أن ننظر إليهم بوصفهم أشخاصًا مدعوين معنا ليكونوا أعضاء في جسد المسيح، والذين سنجلس معهم يومًا ما على المائدة مع إبراهيم وإسحق ويعقوب، ومع المسيح نفسه، بصفتهم إخوة وأخوات، وبصفتهم إخوة المسيح وأخواته، وبصفتهم أبناء الله.
الكاردينال جوزيف راتسنجر (البابا بندكتوس السادس عشر)
ترجمتي عن الإنجليزيّة:
Joseph Cardinal Ratzinger, Boniface Ramsey – In the Beginning…’_ A Catholic Understanding of the Story of Creation and the Fall-Wm. B. Eerdmans.
---
## كيف نشأت الجماعة؟
URL: https://tabcm.net/30140/
Type: post
Modified: 2026-01-26
في مطلع القرن العشرين كان العالم الإسلامي لا يزال في عنفوان صدمة إسقاط الخلافة العثمانية الإسلامية على يد مصطفى كمال أتاتورك عام 1924، الأمر الذي أدى إلى ردة فعل عكسية لدى الأمة الإسلامية التي اعتادت على وجود دولة الخليفة والخلافة، حتى لو كانت هي نفسها دولة الظلم والاستعباد، ففي حقيقة الأمر أن دولة الخليفة العثماني لم تكن إلا دولة استعمارية تعيش على الجزية المسلوبة من الدول التابعة لها، هي فقط مغلفة بإطار ديني، ونتيجة لأسقاط الخلافة العثمانية بدأت فكرة الخلافة تداعب أحلام الكثيرين في كل البقاع الإسلامية بعد إلغاءها في الآستانة، ليصبحوا هم الخليفة الجديد ليحلوا محل الخليفة المطاح به.
أكثر من داعبه هذا الحلم كان السلطان فؤاد الذي أصبح فيما بعد الملك فؤاد، الذي حاول أن يستخدم الأزهر بثقله العالمي الكبير لفرض نفسه خليفة للمسلمين، في نفس الوقت الذي حاول كثيرون الوصول لنفس المنصب مثل أمير الأفغان وأمير مكة وغيرهم، فأنفرط عقد المؤتمر الذي دُعي إليه لاختيار الخليفة الجديد دون أن يبدأ. سبب أخر لفشل تولى الملك فؤاد لمنصب خليفة المسلمين، هو مقاومة المستنيرين الذين خرجوا من عباءة الأزهر نفسه مثل الشيخ على عبد الرازق القاضي بمحكمة المنصورة الشرعية الذي ألف كتابه الأشهر “الإسلام وأصول الحكم” الذي صدر في 1925م، وقد أحدث الكتاب ضجة في مصر بسبب رفضه لفكرة الخلافة والدعوة إلى مدنية الدولة، وقد أدى هذا الكتاب إلى معارك سياسية ودينية كبيرة، حتى قامت هيئة كبار العلماء في الأزهر بمحاكمة علي عبد الرازق وأخرجته من زمرة العلماء وفصلته من العمل كقاضي شرعي بناءًا على طلب الملك من الأزهر.
وتمت مصادرة الكتاب، لكي يضمن فؤاد استمرار خطته في عودة الخلافة، ووجهت الهيئة للشيخ على عبد الرازق سبع تهم تتهمه هو وكتابه بالضلال، وقامت معارك شرسة بين منافقي الملك الذين تباروا في الدفاع عنه واثبات حقه في تولى الخلافة وأشهرهم الإمام الأكبر محمد الخضر حسين في كتابه “نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم” الذي صدر عام 1926، ومفتي الديار المصرية محمد بخيت المطيعي في كتابه “حقيقة الإسلام وأصول الحكم” الذي صدر في عام 1926 أيضًا من ناحية، وبين المستنيرين الذين دافعوا عن الكتاب، منهم الدكتور محمد حسين هيكل حيث كتب مقالًا شديد السخرية في جريدة السياسة يسخر من قرار فصل على عبد الرازق، واستقال عبد العزيز فهمي من وزارة الحقانية في وزارة زيور باشا في 13 مارس 1925 م احتجاجًا على الظلم، ووقف إلى جوار علي عبد الرازق، وكذلك دافع عباس محمود العقاد عن عبد الرازق في مقال في صحيفة البلاغ، وكتب سلامة موسى مقالًا في جريدة المقتطف دافع فيه عن حرية الفكر والإبداع ورفض الرقابة الفكرية من ناحية أخرى.
لم يكن الملك فؤاد وحده هو الذي يحلم أن يكون خليفة المسلمين، بل كان هناك من راوده نفس الحلم ورغب في المنصب ذاته، حسن البنا، وربما كانت تلك الرغبة من أكبر العوامل التي دفعت بالمدرس الفتى حسن البنا لتأسيس جماعته آملًا في أن يعيد بها الخلافة المنهارة ويصبح هو خليفة المسلمين، وهكذا كان سقوط الخلافة سببًا في ظهور كل الحركات الإسلامية الراديكالية المعاصرة في العالم العربي.
ولد حسن البنا في 17 أكتوبر 1906 في مدينة المحمودية التابعة لمحافظة البحيرة إحدى محافظات مصر لأسرة بسيطة، فقد كان والده أحمد عبد الرحمن البنا مأذونًا وإمامًا لمسجدها، كما كان يعمل بتصليح وبيع الساعات، ولكن دخله من تلك المهنة لم يكن يفي احتياجات الأسرة بعد قدوم الأبناء وزيادة الأعباء، فزين له البعض أن يفتتح محل بقالة، ولكنها كانت تجربة فاشلة خسر فيها الشيخ كثيرًا ، وعندما فكر مرة أخرى في عمل إضافي اختار تجليد الكتب.
في تلك الأسرة الفقيرة وتلك الظروف السيئة نشأ حسن البنا، ويبدو أن مقومات الزعامة والقيادة كانت متوفرة لديه منذ الصغر، ربما لتعويض العوز أو الحاجة، ففي مدرسة الرشاد الإعدادية كان متميزًا بين زملائه ومرشحًا لمناصب القيادة بينهم، حتى أنه عندما تألفت جمعية الأخلاق الأدبية، وقع اختيار زملائه عليه ليكون رئيسًا لمجلس إدارة هذه الجمعية، غير أن تلك الجمعية المدرسية لم ترض فضول هذا الناشئ وزملائه المتحمسين، فأنشؤوا جمعية أخرى خارج نطاق مدرستهم سموها؛ جمعية منع المحرمات، وكان نشاطها مستمدًا من اسمها، وكانت طريقتهم في منع المحرمات هي إرسال خطابات تهديد لكل من تصل إلى الجمعية أخباره بأنه يرتكب الآثام ولا يحسن أداء العبادات كنوع من ممارسة الحسبة.
ثم تطورت الفكرة لاحقًا بعد أن التحق بمدرسة المعلمين بدمنهور فأنشأ الجمعية الحصافية الخيرية التي زاولت عملها في حقلين مهمين؛ الأول هو نشر الدعوة إلى الأخلاق الفاضلة ومقاومة المنكرات والمحرمات المنتشرة، والثاني هو مقاومة الإرساليات التبشيرية والتي رأى فيها البنا أنها اتخذت من مصر موطنًا تبشر فيه بـالمسيحية تحت ستار التطبيب وتعليم التطريز وإيواء الطلبة، مع أن الإرساليات التبشيرية المسيحية لم تكن تستهدف المسلمين أصلًا، بل كانت تستهدف المسيحين من الطائفة الأرثوذكسية الطائفة الأم في مصر لتحويلهم للطائفة الكاثوليكية.
بعد انتهائه من الدراسة في مدرسة المعلمين، انتقل البنا إلى القاهرة وانتسب إلى مدرسة دار العلوم العليا ثم اشترك في جمعية مكارم الأخلاق الإسلامية، وكانت الجمعية الوحيدة الموجودة بالقاهرة في ذلك الوقت، ويبدو أن فكرة تأسيس جماعة الإخوان قد تبلورت في رأسه أول ما تبلورت وهو طالب بدار العلوم، فقد كتب موضوعًا إنشائيًا كان عنوانه “ما هي آمالك في الحياة بعد أن تتخرج؟”، قال فيه:
إن أعظم آمالي بعد إتمام حياتي الدراسية؛ أمل خاص وأمل عام، فالخاص هو إسعاد أسرتي وقرابتي ما استطعت إلى ذلك سبيلًا، والعام هو أن أكون مرشدًا معلمًا أقضي سحابة النهار في تعليم الأبناء وأقضي ليلي في تعليم الآباء أهداف دينهم ومنابع سعادتهم، تارة بالخطابة والمحاورة، وأخرى بالتأليف والكتابة، وثالثة بالتجول والسياحة.
(حسن البنا)
وحصل البنا على دبلوم دار العلوم العليا سنة 1927 ولقب بـحسن الدرعمي نسبة لكلية دار العلوم، وعين معلمًا للخط العربي بمدرسة الإسماعيلية الابتدائية الأميرية في سبتمبر من نفس العام.
لم يكن إنشاء جماعة الإخوان المسلمين وليد اللحظة، بل سبقها ظهور جماعات وتيارات دينية كثيرة أشهرها جمعية الشبان المسلمين التي نشأت في نهاية 1927، والتي ساندها البنا عندما كان يعمل مندوبًا محليًا لمجلة الفتح الناطقة بلسان التجمعات الإسلامية المحافظة التي أشرف على تحريرها محى الدين الخطيب مدير المكتبة السلفية وأحد مؤسسي جمعية الشبان المسلمين، وهو نفسه الذي عمل وسيطًا مع الشيخ محمد رشيد رضا اللبناني الأصل وصاحب مجلة المنار بين الدولة السعودية الناشئة حديثًا في شبه الجزيرة العربية وبين حسن البنا لنشر الفكر الوهابي في مصر مقابل إمداده بالدعم اللازم المادي والمعنوي بدلًا من سفره للعمل في السعودية، إذ وجدوا أن وجوده في مصر أكثر إفادة للدولة الناشئة.
كانت الإسماعيلية بداية الانطلاقة الحقيقية لحسن البنا والميلاد الفعلي لجماعة الإخوان المسلمين، ففي مجتمع الإسماعيلية شرع البنا في نشر آرائه عن طريق التعليم والإرشاد والدعوة واستغلال كل الموارد والوسائل المتاحة في ذلك المجتمع لجذب الناس له ولدعوته، بدءًا من المسجد وانتهاءًا بالمقهى، كان أسلوب الدعوة على المقاهي مبتكرًا فهو لا ينتظر أن يأتي المستمعين إلى المسجد بل قرر أن يذهب هو اليهم، فأختار البنا ثلاث مقاه يتردد على كل منها مرتين أسبوعيًا ليعظ الناس التي ما تأتى إلى المساجد، واستطاع حسن البنا أن يجتذب إليه الناس ببساطته وتبسطه بدعوته وعظاته حتى عرفه الناس على انه الإمام المعلم، وساعده على ذلك طبيعة الإسماعيلية كبلدة صغيرة ترزح تحت نير الاستعمار البريطاني وتعج بالأجانب الذي كان المصريون ينفرون من تحررهم، كما استطاع البنا أن يحدد العوامل المؤثرة في هذا المجتمع والتي حددها بأربعة :العلماء ثم مشايخ الطرق ثم الأعيان ثم رواد الأندية.
وبفضل تأثير محاضرات البنا، حضر إليه ستة من عمال المعسكرات ممن تأثروا به وبدعوته من أهالي الإسماعيلية يوم الجمعة 23 مارس 1928 وهم حافظ عبد الحميد (نجار)، أحمد الحصري (حلاق)، فؤاد إبراهيم (مكوجي)، عبد الرحمن حسب الله (سائق)، إسماعيل عز (جنايني) وزكي المغربي (عجلاتي)، ليهنئون بأول أيام العيد الفطر ويعاهدون ابتداء من ذلك اليوم على العمل للإسلام والمسلمين، فقد وجدوا في الدين خلاصًا من الاحتلال البريطاني، فحدوثه في شأن الطريق العملي الذي يجب أن يسلكوه لنصرة الإسلام والعمل لخدمة المسلمين، وعرضوا عليه ما يملكون من مال بسيط، وأقسموا له على الطاعة والولاء. ويلاحظ أنهم جميعًا من بسطاء القوم ومن غير المتعلمين ممن تسهل قيادتهم بسهولة، وقال قائلهم “بم نسمى أنفسنا؟ وهل نكون جمعية أو ناديًا، أو طريقة أو نقابة حتى نأخذ الشكل الرسمي؟” ، فأجابه البنا؛ لا هذا ولا ذاك، دعونا من الشكليات ومن الرسميات، نحن إخوة في خدمة الإسلام، فنحن إذن الإخوان المسلمون.
وأوضح البنا لجماعته الوليدة انهم يحتاجون لأجيال ثلاثة لتنفيذ خططهم، الجيل الأول؛ يستمع، أي جيل التكوين، الجيل الثاني؛ يحارب، يقصد جيل التنفيذ، والجيل الثالث؛ ينتصر، يعنى أنه الذي يقطف ويجنى الثمار، وبحماس لا يهدأ بدأ البنا بإعداد الجيل الأول، وخلال عامين كان البنا قد أنشأ شعبًا للجماعة حول الإسماعيلية وبور سعيد والعريش، وخلال أربع أعوام من تأسيس الجماعة، كان البنا قد تمكن من تأسيس عدة فروع للجمعية على امتداد منطقة شرق الدلتا بالإضافة إلى السويس وأبو صير، حتى بلغ عدد فروع الجمعية عشرة.
وجاءت أولى التبرعات للكيان الوليد من شركة قناة السويس وهو مبلغ خمسمائة جنيه للمساهمة في إنشاء مسجد، لكن بعض المخلصين من أتباعه قد فزعوا بشأن جواز قبول تبرع من شركة استعمارية كشركة قناة السويس، وحول جواز بناء مقر للجماعة ومسجد بهذا المال، فيقرر الشيخ أن تلك الأموال لن يبنى بها المسجد لأنها “مال كفار” لكن يمكن أن يبنى بها مقر للجماعة، ويحكى البنا في مذكراته عن تلك الواقعة تحت عنوان “فقه أعوج” ما نصه:
وثارت ثائرة المغرضين حين علموا هذا النبأ، وانطلقت الإشاعات تملأ الجو، الإخوان المسلمون يبنون المساجد بمال الخواجات؟، وآزرتها الفتوى الباطلة ممن يعلم وممن لا يعلم، كيف تصح الصلاة في هذا المسجد وهو سيُبنَى بهذا المال؟ ، وأخذنا نقنع الجمهور بأن هذه خرافة، فهذا مالنا لا مال الخواجات، والقناة قناتنا، والبحر بحرنا، والأرض أرضنا، وهؤلاء غاصبون في غفلة من الزمن، وأراد الله أن يكون المسجد قد تمَّ والحمد لله، فلم توضع فيه أموال الخواجات، ووضعت في دار الإخوان المسلمين بالذات، وكان الله على كل شيء قديرًا، وبذلك سكنت الثائرة وانطفأت الفائرة، وهكذا يكون الفقه الأعوج، ولله في خلقه شؤون.
(حسن البنا)
بذلك أعتمد البنا مبدأ “اللا مبدأ” كمبدأ لجماعته، فهو يهاجم الاحتلال والإنجليز وشركة القناة في نفس الوقت الذي يقبل منهم التبرعات المادية.
---
## العبودية المختارة: فرحة للسماء وألم للنساء
URL: https://tabcm.net/29795/
Type: post
Modified: 2026-01-26
تُشدد الكنائس والاجتماعات الروحية على أهمية الصلاة من أجل المخطئين والمسيئين، استنادًا إلى وصية المسيح “صلوا لأجل الذين يسيئون إليكم”. عندما تفشل كل جهودنا لتغيير شخص أو موقف، نلجأ إلى الصلاة، ونسلم الأمر لقوة أعلى.
يُدرك كل من يتلقى النصيحة ويقدمها أن اللجوء إلى الله في أوقات الشدة أمر مفهوم، وهو مبدأ مشترك في معظم الأديان والمعتقدات. ومع ذلك، عندما تُوجه هذه الرسائل إلى النساء اللاتي يتعرضن للإساءة الزوجية وتحثهن على التحمل، فإنها تؤدي إلى أن ينحرف مسار التسليم لله، وتحوله إلى مسار يميل إلى التطبيع مع العنف أو حتى تمجيده.
وإن كان قلبه حجرًا.. بالصلاة، سيتحول إلى قلب لحمي.
تلك كانت عبارة لواعظة شهيرة في الكنيسة الإنجيلية بمصر، موجهة للسيدات المتزوجات بهدف حثهن على مواصلة الصلاة من أجل تحويل قلوب أزواجهن. وشددت على ضرورة عدم الاستسلام لسنوات المعاناة، حتى لو امتدت لثلاثين عامًا. وضربت مثالًا لسيدة صلّت بإصرار من أجل زوجها، الذي ظل غريبًا عن المسيح لسنوات عديدة. وبشكل غير متوقع، اعترف الزوج على فراش الموت أنه يشعر بالذنب بسبب ابتعاده عن الإيمان وأبدى ندمه على ذلك.
على الرغم من أن السبب الأساسي وراء هذه العبارة في المثال السابق هو ابتعاد الزوج عن الله، فإن الهدف الرئيسي للواعظة في الفيديو المتداول على وسائل التواصل الاجتماعي هو تشجيع الزوجة على الصلاة من أجل عودة زوجها الروحية إلى الله. ومع ذلك، فإن نفس التعليمات توجه بقوة إلى النساء المسيحيات في الاجتماعات الدينية بهدف تشجيعهن على تحمل العنف والقسوة، وخاصة الزوجة.
ذكرت لي إحدى الصديقات عن محادثة لها مع لجنة الكنيسة المعنية بحل مشكلات الزواج -التي يطلب استشارتها من يفكر في الطلاق-. قالت إن ردود أعضاء اللجنة الخمسة، رجالاً ونساءً، اتسمت بأن النساء مُقدر لهن تحمل الإساءة، وأن جميع المتزوجات يتحملن بالفعل الأسوأ، فلماذا لا تتحمل هي أيضًا؟
طرحوا عليها أسئلة متحيزة مثل: “هل تسبب العنف بإصابات جسدية دائمة؟ هل يحدث يوميًا؟ هل هجر المنزل ويتجاهل أطفاله؟” وبعد أن نفت صديقتي هذه المزاعم، أصدروا حكمًا عليها بقولهم “أنتِ بتدلعي”، متجاهلين العواقب النفسية والعاطفية المدمرة التي تعرضت لها، التي دفعتها إلى العلاج النفسي من الانهيار العصبي. وبالرغم من أن العنف الذي عانت منه تسبب في ضرر عميق، إلا أنهم قللوا من شأنه لأنه لم يترك ندوبًا جسدية مرئية. ونصحوها بازدراء الذات بالقول: “صلّي من أجل الصبر وأن تتحملي أنتِ أولًا، وثم بعدها ادعي أن يتغير زوجك”.
الصلاة للمخطئين.. فرحة للسماء وألم للنساء
أتصور حوارًا تخيليًا، يجد القادة الدينيون أنفسهم في مواجهة النساء اللواتي يطالبن بالعدالة والإنصاف في قضايا الأحوال الشخصية:
يعتذر القادة بصراحة: “لا يمكننا تغيير واقعك أو تحريرك منه. أيدينا مقيدة، ولا يمكننا مساندتك في سعي لتحقيق كرامتك.”
ويضيفون: فإذا فعلنا ذلك، فهذا يعني تقويض سلطتنا ودورنا في التحكم فيك وفي قضايا الأحوال الشخصية. لقد رددنا منذ سنوات “لا طلاق إلا لعلة الزنا”، ولن نتخلى عن هذه السيطرة. إن أفلتِ أنتِ من زيجة سامّة.. فماذا سنفعل نحن في الباقي من عمرنا؟ وعلى من نلقي باللوم؟ هل سنترك هكذا النساء تنفلت من أيدينا لصالح كرامتهن واحدة وراء أخرى؟ الأسهل أن نخبرك بمزايا التحمل، دعينا نعدُك بنعيم سمائي بانتظارك يعوضك عن معاناتك الأرضية. يمكنك الآن أن تموتي بسلام، أليس كذلك؟
دعينا نكون أكثر صراحة. ألا يحق لكِ أن تسعي إلى حياة أفضل؟ أليس من الأفضل أن تتحملي وتصلي ﻷجل زوجك وإن كان يَضرب، يُعنف، يُسيء، يحيل عشرته إلى كارثة.. لا يهم طالما أن طريق الانفصال الفعلي مغلق فهناك بابًا مفتوحًا أمامك عزيزتي المرأة عليك ألا تُوصديه هو باب السماء. فقط صلي.. صلي ﻷجلك ولأجل تحملك أنتِ أولًا، ثم لأجل ربح آخرة زوجك تاليًا.. نعم آخرته في يدك كما في يده، فإذا ما اعترف في نهاية العمر بخطأه حدثت فرحة في السماء كما على الأرض، لا يهم عمرك الضائع سيدتي وسنوات شبابك المارة أمامك.. إن تعرضت ﻷقسى أنواع التعذيب، ففرحة السماء تكفي، ولا تنسي، أنتِ لست وحدك. هل سمعتي عن أم عبد السيد؟! هناك العديد من النساء اللاتي واجهن تحديات مماثلة. قصص مثل قصة أم عبد السيد يمكن أن تمنحك الأمل والقوة.
أم عبد السيد وتقديس العبودية
اشتهرت قصة “أردينا مليكة يوسف”، المعروفة باسم “أم عبد السيد” أو “أم الغلابة”، على نطاق واسع بين المسيحيين الأرثوذكس بعد رحيل البابا شنودة الثالث. وقد أُنتج فيلم ديني عن حياتها يحمل نفس الاسم. وتتناول القصة نموذجًا للمرأة الفاضلة التي تتحمل حياة من البؤس والتضحية من أجل أهداف سامية، مثل الحفاظ على وصية عدم الطلاق في دينها، والحفاظ على استقرار الأسرة حسب رواية المروجين للقصة.
وُلدت “أردينا”، ذات الأصول الصعيدية، عام ١٩١٠ لعائلة ثرية بقرية الشيخ علام ببلدة الكوامل بمحافظة سوهاج. بعد وفاة والدتها في طفولتها، نشأت تحت رعاية والدها. انتقلت لاحقًا إلى القاهرة، حيث استقرت في حي شبرا مصر وخدمت في كنيسة مار مينا بشبرا مع القمص أخنوخ سمعان.
الجانب اﻷبرز في حياة هذه السيدة كان زواجها القسري في الخامسة عشرة من عمرها، لمنعها من متابعة شغفها بالرهبنة التي طالما سعت إليها، ولسوء حظها كان زوجها شخصًا قاسيًَا، عاشت معه سنوات طويلة تحملت فيها معاملات غير آدمية. فقد كان يضربها -مثلًا- بخشبة ذات مسامير على جسدها ورأسها حتى تنزف أمامه، وظلت أربعين سنة تتعرض للتعذيب والإهانة دون سبب. وبحسب سيرتها والروايات المتداولة عنها، كانت امرأة متدينة للغاية وتصلي كثيرًا من أجل زوجها. حتى في أشد لحظات الألم، كانت تدعو بصوت مرتفع إلى الله أمام الناس، وتتوسل:
ده شريك حياتي، يرضيك يا رب تسيبه عايش في الخطية؟ يعنى أنا أروح السما وهو يروح جهنم؟ ده حرام، أوعى يا رب تكتب على جوزي خطية.
(نادية رفيق، في دور: أم عبد السيد، من فيلم: أم الغلابة)
العبودية المختارة بواسطة الدين
عندما تُواجَه النساء بنصائح تدعوهن لتحمل العنف الزوجي بحجة أن الانفصال مستحيل، أتذكر كلمات المفكر الفرنسي إيتيان دو لا بويسيه في مقاله الشهير “العبودية المختارة” الذي نُشر ككتاب عام 1576. ووصف فيه نوعًا جديدًا من العبودية حيث يتكيف الأفراد مع القمع لدرجة أنهم يتخلون عن الحرية طواعية.
عندما يتعرض بلد ما لقمع طويل تنشأ أجيال من الناس لا تحتاج إلى الحرية وتتلائم مع الاستبداد، ويظهر فيه ما يمكن أن نسميه المواطن المستقر.
(إيتيان دو لا بويسيه، العبودية المختارة)
وفقًا لبويسيه، يؤدي القمع المستدام إلى توليد أجيال من الأفراد “المستقرين” على الانقياد، الذين يتصالحون مع السلطة الاستبدادية ويفقدون الدافع للتغيير. وهذا يتجلى بشكل مماثل في حالة العديد من النساء ضحايا العنف المنزلي، حيث يصبحن “منقادات” لوضعهن، متقبلات العنف كجزء من حياتهن.
في أجواء سياسية مشحونة وشديدة التعقيد، حيث بلغت الصراعات الدينية ذروتها بين الكنيستين الكاثوليكية والبروتستانتية في المجتمع الفرنسي، أنجز بويسيه كتابه. وتحول الصراع الديني تدريجيًا إلى سياسي، حيث استغلت السلطات الحاكمة هذه الخلافات الداخلية لإلهاء الشعب عن خسائره في الحروب والسياسة الخارجية.
يمكن ملاحظة مفهوم العبودية الطوعية لإيتيان دو لا بويسيه في جميع جوانب الحياة. في السياق الديني، قد يصبح المواطن “المستقر” أسيرًا لتوقعات دينه، دون أن يسمح له ذلك بتشكيل معتقداته وتصرفاته بشكل مستقل. في الأوقات الصعبة، قد يلجأ هذا المواطن إلى الدين كملجأ، لكنه يتجنب اتخاذ موقف نشط تجاه حياته المرتبكة.
لا أقصد هنا قصة أم عبد السيد التي اختارت العبودية طواعية واندمجت فيها مع زوج عنيف وأب أجبرها على الزواج في سن الطفولة. لكني أسلط الضوء على أولئك الذين يستغلون قصتها للترويج لفكرة التصالح مع الإساءة وتمجيدها تحت ستار التسامح. يهدف هؤلاء إلى خلق “المواطن المستقر” الذي وصفه المفكر الفرنسي، الذي يتكيف تدريجيًا مع الاستبداد حتى يصبح في النهاية مستبدًا أو على أقل تقدير مروّجًا له ومدافعًا عنه.
يمكن أن تكون الصلاة من أجل المسيئين بمثابة بوابة للسلام الداخلي عند اتباعها بتدابير حاسمة مثل مواجهة المعتدي، أو يمكن أن تكون هربًا من محيطه، أو وقف دائرة العنف بالقوة إذا لزم الأمر. في هذه الحالات، تعتبر الصلاة من أجل الجاني مفيدة وضرورية لأنها توفر فترة هدوء وسلام في خضم عواصف الإساءة وعواقبها الداخلية.
ومع ذلك، يمكن أن تتحول الصلاة إلى لعنة إذا أدت إلى إنشاء ضحية لا حول لها ولا قوة تتكيف مع الإساءة. بمرور الوقت، يمكن أن يتحول العنف إلى نمط، قد توقف عند الضحية في أفضل الأحوال، أو يمكن أن تكرره مع آخرين، مما يخلق دائرة مفرغة من الإساءة والعنف.
وفي عودة الزوج انتصارات!
في القصة الأولى للواعظة الإنجيلية، عاد الزوج تائبًا بعد سنوات من الانفصال الروحي، وفي قصة القديسة أم عبد السيد، غادر الزوج تاركًا أسرته، ثم عاد نادمًا بعد مرضه. فخدمته زوجته ورعته حتى وفاته.
هكذا تُروى الحكايات على مسامع نساء مسيحيات، يتم وعدهن بنهايات سعيدة يجب أن يتحملن من أجلها الشر والاستبداد. “تحملي، فالنهاية سعيدة. سيعود، يتوب، ويبكي”. ولا يهم عمرك الضائع، أو السنوات التي يمكنك المقامرة بعددها. فمن وجهة نظر قادتنا الدينيين، لا يهم 30 أو 60 عامًا من الإهانة. فقط انتظري، وانتظري، ولا تكوني “دلوعة”، كما أطلق أعضاء اللجنة وعضواتها على صديقتي.
انتظرتي؟ مبارك عليكِ عودة زوجك ومعنفك باكيًا.. مع دموعه أصبحتِ حاملة لقب خادمة الله، وعبدة سيدها الإنسان، أو كما أطلق عليها إيتيان دو لا بويسيه هي مرحلة “العبودية المُختارة”.
---
## الله الخالق: رواية الخلق (سفر التكوين) (١)
URL: https://tabcm.net/29438/
Type: post
Modified: 2026-01-26
الجزء الأول
الفرق بين الشكل والمضمون في رواية الخلق
هناك إجابة واحدة سبق أن توصلنا إليها منذ بعض الوقت، حيث كانت النظرة العلمية للعالم تتبلور تدريجيًا، وربما صادفها الكثير منكم في تعليمكم الدينيّ. تقول هذه الإجابة إنّ الكتاب المقدس ليس كتابًا في العلوم الطبيعية، ولا يهدف إلى أن يكون كذلك. إنه كتاب ديني، ومن ثم لا يمكن للمرء أن يحصل منه على معلومات عن العلوم الطبيعية. لا يمكن للمرء أن يحصل منه على تفسير علمي لكيفية نشأة العالم؛ يمكن للمرء أن يستخلص منه فقط الخبرة الدينية.
أي شيء آخر هو صورة وطريقة لوصف الأمور التي تهدف إلى جعل الحقائق العميقة ممكنة الفهم للبشر. يجب التمييز بين شكل التصوير والمضمون الذي يجري تصويره. فالشكل كان يمكن اختياره مما كان مفهومًا في ذلك الوقت -من الصور التي كانت تحيط بالناس الذين كانوا يعيشون آنذاك، وكانوا يستخدمونها في الكلام وفي التفكير، وبفضلها استطاعوا فهم الحقائق الكبرى. والواقع الذي يسطع من خلال هذه الصور هو فقط ما كان مقصودًا وما كان باقٍ حقًا. وهكذا لا يريد الكتاب المقدس أن يخبرنا عن كيفية ظهور الأنواع المختلفة من الحياة النباتية بالتدريج، أو كيف نشأت الشمس والقمر والنجوم.
إن الغرض منه في نهاية الأمر هو أن يقول شيئًا واحدًا: لقد خلق الله العالم. فالعالم ليس، كما اعتاد الناس أن يعتقدوا آنذاك، فوضى من القوى المتعارضة، وليس مسكنًا لقوى شيطانية يجب على البشر أن يحموا أنفسهم منها. فالشمس والقمر ليسا إلهين يحكمانهم، والسماء التي تنبسط فوق رؤوسهم ليست مليئة بالآلهة الغامضة والمتعارضة. بل كل هذا يأتي من قوة واحدة، من عقل الله الأزلي الذي صار -في الكلمة- قوة الخلق. كل هذا يأتي من نفس كلمة الله التي نلتقي بها في فعل الإيمان. وهكذا، فبقدر ما أدرك البشر أن العالم جاء من الكلمة، توقّفوا عن الاهتمام بالآلهة والشياطين. بالإضافة إلى ذلك، تحرّر العالم لكي يرفع العقل نفسه إلى الله ولكي يقترب البشر من هذا الإله بلا خوف.
الكاردينال جوزيف راتسنجر (البابا بندكتوس السادس عشر)
ترجمتي عن الإنجليزيّة:
Joseph Cardinal Ratzinger, Boniface Ramsey – In the Beginning…’_ A Catholic Understanding of the Story of Creation and the Fall-Wm. B. Eerdmans.
---
## الله الخالق: رواية الخلق (سفر التكوين) (٢)
URL: https://tabcm.net/29444/
Type: post
Modified: 2026-01-26
الجزء الثاني
وحدة الكتاب المقدّس بوصفها معيارًا لتفسيره
ما أهمّيّة هذه الرؤية لفهم رواية الخلق؟
أول ما يمكن قوله هو هذا: لقد أمن بنو إسرائيل دومًا بالإله الخالق، وهذا الإيمان كان مشتركًا مع جميع الحضارات العظيمة في العالم القديم. لأنه، حتى في اللحظات التي انحسر فيها التوحيد، عرفت جميع الحضارات العظيمة دائمًا خالق السماء والأرض. هناك أحادية مشتركة مدهشة هنا حتى بين الحضارات التي لم تكن على اتصال مع بعضها البعض. في هذه القواسم المشتركة يمكننا أن ندرك جيدًا الاتصال العميق الذي لم ينقطع أبدًا بين البشر وحقيقة الله. في إسرائيل نفسه مرّ موضوع الخلق بمراحل مختلفة.
لم يكن أبدًا غائبًا تمامًا، لكنه لم يكن دائمًا على نفس القدر من الأهمية. كانت هناك أوقات كان فيها بنو إسرائيل مشغولين بآلام تاريخهم وآماله، ومتمسكين تمامًا بِالهُنا والآن، لدرجة أنه لم يكن هناك أي فائدة من النظر إلى الخلق؛ بل بالكاد كان من الصعب أن يُنظَر إلى الوراء. حدثت اللحظة التي أصبح فيها الخلق موضوعًا مهيمنًا خلال السبي البابلي.
في ذلك الوقت، اتخذت الرواية التي سمعناها للتو – القائمة بالتأكيد على تقاليد قديمة جدًا – شكلها الحاليّ. لقد فقد بنو إسرائيل أرضهم وهيكلهم. وفقًا للعقلية السائدة في ذلك الوقت كان هذا أمرًا غير مفهوم، لأنه كان يعني أن إله إسرائيل قد هُزم – إله يمكن أن يُنتزع منه شعبه وأرضه وعباده. كان يُنظر إلى الإله الذي لا يستطيع الدفاع عن عباده وعبادته في ذلك الوقت على أنه إله ضعيف. في الواقع، لم يكن إلهًا على الإطلاق؛ فقد تخلى عن ألوهيته. وهكذا، فإن طردهم من أرضهم ومحوهم من الخريطة كان بمثابة محنة رهيبة لبني إسرائيل: هل هُزم إلهنا وبَطَلَ إيمانُنا؟
الكاردينال جوزيف راتسنجر (البابا بندكتوس السادس عشر)
ترجمتي عن الإنجليزيّة:
Joseph Cardinal Ratzinger, Boniface Ramsey – In the Beginning…’_ A Catholic Understanding of the Story of Creation and the Fall-Wm. B. Eerdman
---
## لا لتعظيم الخطية
URL: https://tabcm.net/28870/
Type: post
Modified: 2026-01-26
عندما بدأت في كتابة سلسلة “ملكوت الله سيمتد”، خيل لي أنني سأتتبع الحق الإلهي الخاص باستعلان ملكوت الله من سفر التكوين للرؤيا في غضون أسابيع قليلة. ولكن ما هو حادث الآن هو إنني ما زلت في جملة عٓرضية توقفت عندها قليلًا في مقال سابق “المسحة بالروح القدس“، ومن الواضح إنني سأتوقف عندها كثيرًا، وذلك لعدة أسباب؛ منها أن كلنا بلا استثناء نحتاج أن ندع نور ومصباح كلمة الله يُسلط بقوة على هذا الحق الإلهي لتجديد أذهاننا، وأيضًا هذا التعليم هو الصخر والأساس الذي لابد أن نبني عليه بيتنا الروحي ليصبح بيتًا مؤسسًا على الصخر. كما قال الرب.
فَكُلُّ مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالِي هذِهِ وَيَعْمَلُ بِهَا، أُشَبِّهُهُ بِرَجُل عَاقِل، بَنَى بَيْتَهُ عَلَى الصَّخْرِ.
(إنجيل متى ٧ : ٢٤)
لأنه من المستحيل أن نبني بيتًا دون أن نضع أساسًا لذلك البيت وإلا سيسقط حتما، عزيزي القارئ الأيام المقبلة في عمر العالم ستشهد تحديات كبيرة خاصة لأولاد الرب، فلابد أن نكون مؤسسين على صخر غير قابل للسقوط، لذا لزامًا على كل ابن حقيقي للرب أن يعلن بوق الحق.
لذا سنواصل سويًا هنا، أنهيت مقال “المسحة بالروح القدس” بجملة “أن الولادة الثانية تحول الخطاة إلى أبناء لله ولكن القيادة بالروح القدس تجعل منا رجال ناضجين”، إذن بمجرد إدراكنا إننا ولدنا ثانيًة يجب أن نكون باستمرار منقادين بروح الله كما يقول الكتاب: لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَنْقَادُونَ بِرُوحِ اللهِ، فَأُولئِكَ هُمْ أَبْنَاءُ اللهِ. ((رومية ٨: ١٤ ))
لكن الحقيقة المحزنة هي أن كثيرين من اعتمدوا ووُلدوا ثانية وقبلوا عطية و شركة الروح القدس لم ينقادوا بالروح، بالتالي لم يصلوا إلى حالة النضج ولم تظهر عليهم ملامح المؤمن الكامل حسب قلب الله حسب المكتوب لِكَيْ تَكُونُوا تَامِّينَ وَكَامِلِينَ غَيْرَ نَاقِصِينَ فِي شَيْءٍ. ((يعقوب ١: ٤ ))، هنا يظهر أمامنا السؤال لماذا؟! واحذر يا صديقي أن تقول كلمات استسغنا أن نقولها ونرضي ضمائرنا الشريرة للأسف، مثال إننا بشر، طبيعتي خاطئة، نحن تراب ورماد، وأمثال ذلك من خدع إبليس الذي يتشكل لنا في هيئه ملاك نور ليصطادنا في الفخ، فالحق الكتابي واضح و قد حان الوقت لكي ما ننفض من على أذهاننا وأرواحنا تراب السنين الذي التصق بنا وصار هو الحق مع أنه الباطل وصار الحق الإلهي باهت يصل إلى حد الباطل في أذهاننا.
صديقي العزيز أنت خليقة جديدة، أنت مُطالب أن تُقاد بالروح القدس كل لحظة هذا هو الحق وخلاف ذلك هو تعاليم الناس! وَبَاطِلاً يَعْبُدُونَني وَهُمْ يُعَلِّمُونَ تَعَالِيمَ هِيَ وَصَايَا النَّاسِ. ((إنجيل متى ١٥: ٩ ))
عودة إلى سؤالي لماذا؟
بادئ ذي بدء كون إنك ابن للرب واعتمدت وقبلت الروح القدس هذا لا يعني مطلقًا أنك لا تخطئ وإن أخطأت تفقد خلاصك في الحال وتفقد أبديتك، هذه كذبه إبليس، لان يوحنا الرسول يكتب لمؤمنين قبلوا الخلاص وشركة الروح القدس قائلًا: إِنِ اعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ. ((١يوحنا ١: ٩ ))، نعم نحن مطالبين أن تكون ثيابنا بيضاء {بلا خطيئة} في كل حين ولا يعوز رأسنا الدهن ﴿رمز لمسحه الروح القدس﴾ كما يقول سفر الجامعة ٩-٨.
إن كان الأمر كذلك إذن لماذا لا نُقاد بالروح القدس؟ ولماذا نصدق في الخطيئة ونضخمها أكثر من أن أصدق في الهبة السماوية والنعمة؟ ولماذا أعيش في العالم غير منتصر رغم أن الإعلان الإلهي يقول، يجب أن نكون أعظم من منتصرين.. وَلكِنَّنَا فِي هذِهِ جَمِيعِهَا يَعْظُمُ انْتِصَارُنَا بِالَّذِي أَحَبَّنَا. ((رومية ٨: ٣٧ )).
لماذا تبدو لي بعض آيات الكتاب المقدس غامضة؟! وكيف أسمع لصوت الله؟ كيف نقرأ العهد القديم من خلال العهد الجديد وكيف استمتع بقراءة العهد القديم بالرغم من غموضه أحيانًا كثيرة؟
أسئلة حائرة كثيرة بين المؤمنين في الكنائس، كل هذه الأسئلة وأخرى لا نستطيع أن نجيب عليها ونحن ما زلنا مثقلين بفكر أو تعليم يقودنا فقط إلى تعظيم الخطيئة وإخفاء النعمة؛ فكر يلقي الضوء على الناموس أكثر من النعمة؛ فكر يغذي فينا ضمير الخطايا أكثر بكثير من أن يطعمنا بكلمة الحق التي تغسل وتطهر هذا الضمير وتحوله إلى ضمير صالح، فكر يخفي حقيقة أن ابن الله الأزلي الأبدي أصبح إنسانًا لينتج فينا غًله ومحصولًا جديدًا من نفس نوع البَذْرَة أعطاه الرسول العظيم بولس اسم الإنسان الجديد أو الإنسان الداخلي وهذا ما صاغوه الآباء الشرقيين والغربيين معا.
ففي صلوات الكنيسة الأرثوذكسية القبطية نقول في إبصالية الاثنين: -وكلمة إبصالية تعني ترنيمة موسيقية للرب- فليكن اسم الرب فينا ليضئ علينا في إنساننا الداخلي، وأيضا نقول في إبصالية الأربعاء: فلنا الجوهرة اللؤلؤة كثيرة الثمن، الاسم الحلو المملوء مجدًا، الذي لربنا يسوع المسيح، الذي إذ ما لازمناه في إنساننا الداخلي فهو يجعلنا أغنياء حتى نعطي آخرين.
وهذا صاغه أيضًا سي. إس. لويس في كتابه “ما وراء الشخصية” وقال:
الفداء والتجسد ليس مجرد وسيلة لتقدم وتطور الإنسان بالرغم أنه من الطبع يؤدي إلى ذلك في كل زمان و مكان… لكن الرب صار إنسانًا ليحول كل إنسان ابنا له، ليس لمجرد أن يصنع انسانا أفضل من نفس النوع القديم لكن ليصنع انسانا جديداً من نوع جديد
(سي. اس. لويس، ما وراء الشخصية)
وإذ تتبعت معي في المقالات المقبلة عزيزي القارئ جواهر وكنوز تعليم القديس أثناسيوس الرسولي والقديس كيرلس الكبير وهما أعمدة تعليم كنيستنا الأرثوذكسية في هذا الحق المُعلن بقوة في الإعلان الإلهي سوف تزلزل ثوابت فينا استقيناها من تعليم خاطئ أو من مجتمعنا بالفطرة.
إذن داخلك يا صديقي إنسان جديد، لكن هذا الإنسان الجديد مولود كطفل يحتاج إلى النمو كما قال القديس بطرس وَكَأَطْفَال مَوْلُودِينَ الآنَ، اشْتَهُوا اللَّبَنَ الْعَقْلِيَّ الْعَدِيمَ الْغِشِّ لِكَيْ تَنْمُوا بِهِ ((١بط ٢: ٢ )).
إذن النمو والنضوج في إنساننا الداخلي هما أسلحتنا وبهما نُملك وننتصر في الملكوت. وهما ما اُطُلق عليهما الجهاد في حياتنا الروحية.
نستكمل العدد القادم بنعمه الرب.
---
## عن اللاهوت والسياسة والمجتمع
URL: https://tabcm.net/28651/
Type: post
Modified: 2026-01-26
اللاهوت السياسيّ
يبدو الحديث عن لاهوت سياسي في العالم العربي، لأولئك الذين يعرفون معناه الحقيقي، على أنه ليس خلطًا بين اللاهوت والسياسة، نوعًا من الرَفَاهيَة الفكرية، أو الرَفَاهيَة اللاهوتية. فهو لاهوت وليد العالم الغربي، حيث تختلف الأوضاع الاجتماعية والسياسية هناك اختلافًا كبيرًا عن الوضع في العالم العربي.
لا يمكن أن ننكر الاختلافات، إلا أنه علينا النظر إلى خبرة الشعوب الأخرى، حتى لا نسقط في الأخطاء عينها التي وقعوا فيها. وأيضًا، إن كنا بصدد تطوير لاهوت جديد، يناسب عالمنا العربي المعاصر، توجب علينا النظر فيما وصل إليه علماء لاهوت وفلاسفة سابقون، حتى يصبح بناء صرح لاهوت جديد متينًا وعلميًا.
في الغرب، يُعرّف اللاهوت السياسي بالمعنى الشامل على أنه تيار بعض اللاهوتيين يشرحون رسالة الإنجيل بشأن خلاص الإنسان، من خلال المعايير التي تقدمها النظريات السياسية الحديثة. كذلك يستخلص هؤلاء اللاهوتيون المضمون السياسي للكتاب المقدس، ليكون حاضرًا في ضمير المؤمنين عند اختيار توجهاتهم وأنشطتهم السياسية الاجتماعية. ففي البلدان التي يستطيع الإنسان فيها أن يقرر مصيره بنفسه عن طريق السياسة الديمقراطية، يبدو الإيمان وكأن لا علاقة له بالواقع.
والسؤال في مجتمع كهذا، في الغرب مثلًا: ما فائدة الإيمان في مجتمعنا؟ هنا، يقرأ بعض علماء اللاهوت السياسي توجهات وجذور الحركات السياسية والاجتماعية على ضوء الكتاب المقدس نفسه، ويرون فيها نصًا ثوريًا، يسعى إلى تأسيس عالم لا وجود فيه للطبقات الاجتماعية أو الاستغلال. عالم خالٍ من الفقر، والقهر، والعنف، وغياب العدالة.
أن يكون المرء مسيحيًا في هذا المجتمع يعني أن يلتزم ويشارك في النضال ضد الظلم والاستبداد السياسي، والقهر الاجتماعي للمستضعفين في الأرض. فالمشاركة السياسية الفعالة لتحقيق هذا المجتمع، صورة أخرى لتضامن الكنيسة مع البشرية جمعاء، وتعبير ملموس عن الإيمان بإله عادل وصالح. يكتب كريستوس ياناراس: «يمكن اعتبار السياسة فصلًا من فصول اللاهوت».
اللاهوت والمجتمع
إذًا ما تنحى اللاهوت جانبًا وأغمض عينيه عن المسألة الاجتماعية والسياسية، أما يكون قد قام بخصخصة للإيمان؟ أي أن يصير الدين شأنًا خاصًا وشخصيًا فحسب، ومن دون أي طابع جماعي أو اجتماعي؟ اللاهوت السياسي كما يقدمه اللاهوتيّ الألمانيّ “متس” هو لاهوت يفضح ويصحح كل أسس فكرية لاهوتية، قد تُستخدم ضد جنس بعينه، أو فئة بعينها، بل ويسعى إلى حمايتهما.
نستطيع القول إن اللاهوت يعي أن يسوع نفسه قد قُتل بسبب هذا التلاعب، والنفاق والمصالح المشتركة بين أصحاب التيارين الديني والسياسي. وعلى غرار ما حدث ضد يسوع، يُباح دَم الأبرياء، كما حدث في حكم النازيين، وضياع الفقراء في العالم، وما يحدث على أرض فلسطين ضد سكانها الأصليين من مسيحيين ومسلمين على يد قوى الاحتلال الإسرائيلي. إنه لاهوت يحاول أن يمنع تكرار ما حدث ليسوع، وما حدث لليهود في “أوشفيتز” مرة أخرى.
---
## الخلقة الجديدة
URL: https://tabcm.net/28538/
Type: post
Modified: 2026-01-26
كما أشرنا سابقًا إلى أن حلول الروح القدس في العهد القديم كان حلولًا فقط لغرض مهمة معينة! وليس سكنى وذلك لأن طبيعة الإنسان بعد السقوط ((راجع تكوين ٣. )) حدث فيها خلل جلل (ليس مجاله الآن) وعلي مدار أسفار العهد القديم أراد الله أن يعلن عن غايته وقصدة وهدفه الأسمى ألا و هو سكنى الله مع الإنسان أو بالأحرى في الإنسان.
وهناك إشارات واضحة تشير إلى ذلك الحق الإلهي، ففي سفر حزقيال يقول: وَأَجْعَلُ رُوحِي فِي دَاخِلِكُمْ, وَأَجْعَلُكُمْ تَسْلُكُونَ فِي فَرَائِضِي وَتَحْفَظُونَ أَحْكَامِي وَتَعْمَلُونَ بِهَا ((سفر حزقيال 36:27 )) وأيضًا يقول: وَأُعْطِيهِمْ قَلْبًا وَاحِدًا، وَأَجْعَلُ فِي دَاخِلِكُمْ رُوحًا جَدِيدًا، وَأَنْزِعُ قَلْبَ الْحَجَرِ مِنْ لَحْمِهِمْ وَأُعْطِيهِمْ قَلْبَ لَحْمٍ ((سفر حزقيال 11: 19 ))
بل أتجرأ وأقول أن هدف الرب وقصده أعمق من هذا وهو مُعلن لنا في الحق الإلهي في رسالة أفسس (رسالة السماء على الأرض) إذ يقول: إِذْ عَرَّفَنَا بِسِرِّ مَشِيئَتِهِ، حَسَبَ مَسَرَّتِهِ الَّتِي قَصَدَهَا فِي نَفْسِهِ، لِتَدْبِيرِ مِلْءِ الأَزْمِنَةِ، لِيَجْمَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ، مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ ((رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس 1: 9-10 )) إذن مسرة الله وقصده أن يجمع الكل في المسيح وهو ما أطلق عليه الكتاب تدبير ملء الأزمنة أي بأكثر وضوحًا هو اتحاد الله بالإنسان.
لكن هيهات!!! فنتيجة الخلل الذي حدث في طبيعتنا إذ كان يتطلب حدث جلل أيضًا على نفس المستوى بل أعظم بكثير مما حدث في السقوط وهو ما صرخ من أجله أيوب في القديم وقال: لَيْسَ بَيْنَنَا مُصَالِحٌ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى كِلَيْنَا! ((سفر أيوب 9: 33 )) ولكن شكرًا للرب فقد حدثت المصالحة في شخص الإنسان يسوع المسيح بما له في جوهره طبيعة الله وطبيعة الإنسان في آن واحد، وبصلب وبقيامة الرب يسوع من الأموات حدث تغير كلي للطبيعة البشرية. وهناك إشارة واضحة جدًا في إنجيل يوحنا 20 بعد قيامة الرب وَلَمَّا قَالَ هَذَا نَفَخَ وَقَالَ لَهُمُ: «اقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ» ((إنجيل يوحنا 20: 22 )) وكٱن عملية خلق جديدة قد حدثت.
إذن كان لابد من تغير الطبيعة وليس إصلاحها!! لتكون مهيأة لسكنى الروح القدس، والروح القدس عزيزي القارئ هو الله نفسه إذ نقول في قانون إيماننا نؤمن بالروح القدس.. المنبثق من الآب.. وأيضًا يطلق الكتاب على الروح القدس “روح الابن”، “روح الحق”، “روح الآب”، “روح المسيح” أو الروح القدس، كل هذا يقودنا إلي الأمر الثاني الذي أشرنا إليه سابقًا لكي نملك في ملكوت الله ألا وهو: الولادة الثانية أو الولادة الجديدة.
من هنا تبدأ حياتنا المسيحية الحقيقية فبمعموديتنا في الماء والروح ننال خلقة جديدة يطلق عليها الكتاب عدة مسميات سنتطرق إليها لاحقا في مقالات مقبلة، ولكن ما أود أن أركز عليه الآن هو أنه بإدراكنا بما حدث لنا في المعمودية من تغير للطبيعة داخلنا وسكنى المسيح بروحه داخلنا أصبح المسيح فينا كما يقول بولس في رسالة كولوسي الَّذِينَ أرَادَ اللهُ أنْ يُعَرِّفَهُمْمِ… السر… الذي هُوَ الْمَسِيحُ فِيكُمْ رَجَاءُ الْمَجْدِ ((رسالة بولس الرسول إلى أهل كولوسي 1: 27 ))
وتعبير المسيح فينا أو فيّ على المستوى الشخصي ليس تعبيرًا مجازيًا ولكنه حقيقي جدا، وهذا التعبير ذكره رسول الأمم بولس في كل رسائله أكثر من 164 مرة، وهذه الحقيقة نأخذها منذ معموديتنا لأَنَّ كُلَّكُمُ الَّذِينَ اعْتَمَدْتُمْ بِالْمَسِيحِ قَدْ لَبِسْتُمُ الْمَسِيحَ ((رسالة بولس الرسول إلى غلاطية 3:27 )) ففي المعمودية وإدراكك لعمق السر والتغيير الذي حدث لك يمتنع أن يقول أحد إن المسيح ليس فيه، أو إن المسيح يكون في المتقدمين روحيًا والقديسين فقط.
أما أنا فمبتدئ وخاطئ، إلى أخر الخدع والكذب، التي يحاول بها إبليس وجنوده أن يجعلننا نتنكر لوجود المسيح فينا، لأن هذا أول سلاح لنا ضده، و لمن يقول أو يصدق ما يُقال مثل هذا القول من أيًا من كان، أسألك هل اعتمدت باسم الآب والابن والروح القدس؟ هل آمنت أنك ابن لله والله ساكن داخلك؟ دعني أهمس في أذنك أن معموديتك وخلاصك لا يمحيا إلى الأبد، إذ كنت ختمت بختم الروح القدس فلن تستطيع أي خطيئة مهما كانت أن تمحي أو تكشط هذا الختم الملكي، فمهما زاد شرك، مهما سقطت في الخطيئة فالمسيح فيك لا يمكن أن يُمحى ختمه لأنك مختوم بدم كريم كما من حمل بلا عيب معروف سابقا قبل تأسيس العالم وبختم روح أزلي.
المسيح فينا!! حقيقة لا يمكن أن تُنزع منا أبدا.
كانوا المسيحين الأوائل يتغنون بهذة الحقيقة أن المسيح فينا، فمثلاً القديس إغناطيوس الأنطاكي كان يقدم نفسه على أنه «إغناطيوس الثيئوفورس» أي الحامل الإله، ويكتب إلى أهل أفسس عبارات ما أجملها إذ يقول: إنكم جميعا شركائي في الطريق؛ حاملين الإله،حاملين هيكل الله، حاملين المسيح، حاملين القدوس بعد هذه التعبيرات التي تأخذ العقل والقلب معًا إلى مكان روحي ينعدم فيه الزمكان، أي مكان ليس من هذا العالم خارج حدود المكان والزمان، لا يسعني أمامها إلا أن أحني ركبتي وأسجد جاثيًا أمام هذا الإله الذي رفعني إلى مرتبة الملوك وسكن فيّ أنا وصار لي الحق كل الحق أن أصرخ أنا في المسيح والمسيح فّي.. رجاء المجد.. مجدا للرب.. هليلويا.
---
## المسحة بالروح القدس
URL: https://tabcm.net/28359/
Type: post
Modified: 2026-01-26
تحدثنا بإيجاز في سطور في العدد السابق عن اختبار الله للبشرية (لي ولك) وبالطبع لن نستطيع أن نعطي لهذا الموضوع الحيوي جدا في أساسيات إيماننا المسيحي حقه في مقال أو أكثر.
ولكن أوجزنا الأمر في مجملة أن الله -في صورة الابن المتجسد: يسوع- جاء إلي العالم كلة وقدم نفسة كفارة عن الجميع بلا استثناء، ليغفر جميع خطايا كل العالم، لأنة كما هو مكتوب: لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ. ((يوحنا ٣ : ١٦ ))
إذ ليس عبد ولا حر؛ ليس يهودي أو أممي؛ ليس أبيض أو أسود؛ المسيح جاء إلى العالم كله واختار الجميع بغض النظر عن خلفيتك أو لونك أو جنسك أو ديانتك. ولكن كما سردنا سابقًا، هذا الاختيار لا يلغي حريتنا، فلك عزيزي القارئ أن تختار أن تقبل الرب وتتمسك بإقرار الرجاء بثبات إلى نهاية الطريق أو ترفضه. عجيب هذا الإله الذي أنا له والذي أنا أعبده، فلم ندرك أعماقه، لكن شكرًا لشركة ومعيه الروح القدس الذي يعلن لنا أعماق الله حسب استقبالنا وتحملنا…
في السطور التالية نلقي الضوء علي أمرين غاية في الأهمية في كيف نملك في ملكوت الله في حياتنا كما أشرنا لهما سابقا:
الأمر الأول: المسحة:
كلمة المسحة خاصة بالروح القدس؛ ففي العهد القديم كان يُمسح بالمسحة؛ وهي كانت عبارة عن قنينة دهن أو قرن دهن كما يقول الكتاب وَتَصْنَعُهُ دُهْنًا مُقَدَّسًا لِلْمَسْحَةِ. عِطْرَ عِطَارَةٍ صَنْعَةَ الْعَطَّارِ. دُهْنًا مُقَدَّسًا لِلْمَسْحَةِ يَكُونُ. ((خروج ٣٠ : ٢٥ ))
كان يُمسح كل من الملوك والأنبياء و الكهنة، إشارة إلي ما سوف يحدث لنا في المسيح يسوع، فكل من هؤلاء كانوا يُمسحوا لمهمة ووظيفة محددة، إذن فالمسحة إشارة واضحة لحلول الروح القدس، ولكن هنآك فارق بين حلول الروح القدس في العهد القديم والجديد، إذ في القديم كان يحل الروح القدس مؤقتًا على شخص ما لمهمة ما وُضع لها، لكنة لا يسكن فيه، وكلمة المسحة ليست بغريبة عن العهد الجديد إذ يقول الكتاب وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَكُمْ مَسْحَةٌ مِنَ الْقُدُّوسِ وَتَعْلَمُونَ كُلَّ شَيْءٍ ((رسالة يوحنا الأولى ٢ : ٢٠ ))، كما يذكر سفر الأعمال آية في غاية الدهشة تحتاج إلي وقفة ليست مجالها الآن وهي يَسُوعُ الَّذِي مِنَ النَّاصِرَةِ كَيْفَ مَسَحَهُ اللهُ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ وَالْقُوَّةِ، الَّذِي جَالَ يَصْنَعُ خَيْرًا وَيَشْفِي جَمِيعَ الْمُتَسَلِّطِ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ، لأَنَّ اللهَ كَانَ مَعَهُ. (أعمال الرسل ١٠ : ٣٨ ))
إذن حتي الرب يسوع في الجسد مُسح بالروح القدس، وقالها الرب نفسة عن نفسة عندما دُفع آية السفر في إنجيل ق لوقا إصحاح 4 وفتحة علي نبوة أشعياء النبي وقال لهم “رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّهُ مَسَحَنِي… ((لوقا ٤ : ١٨ )) وأكمل أنة اليوم قد تم هذا المكتوب، أنة سر المسحة أو سر الروح القدس أو كما يقول القديس أثناسيوس أن الروح القدس يُدعي المسحة و يُدعي الختم أيضا مستندًا علي الآية الَّذِي فِيهِ أَيْضًا أَنْتُمْ… الَّذِي فِيهِ أَيْضًا إِذْ آمَنْتُمْ خُتِمْتُمْ بِرُوحِ الْمَوْعِدِ الْقُدُّوسِ، ((أفسس ١ : ١٣ ))
ويؤكِّد القديس أثناسيوس أن الروح القدس هو روح المسيح الخاص، ويستدل على ذلك من أن الذين يُمسحون به تصير لهم رائحة المسيح الزكية لله والذين يُختمون به تنطبع عليهم صورة المسيح الكلمة:
ولذلك فالذين يقبلون المسحة يقولون: «نحن رائحة المسيح الزكية لله».
(أثناسيوس الرسولي، إلى سيرابيون ١: ٢٣)
والختم يحمل نفس صورة المسيح الذي يختم، ولذلك فالذين يُختمون تصير لهم شركة هذه الصورة، ويتحوَّلون إليها بحسب كلمات الرسول:
يا أولادي الذي أتمخَّض بكم [الميلاد الجديد] إلى أن يتصوَّر المسيح فيكم [بالروح القدس].
(أثناسيوس الرسولي، إلى سيرابيون ١: ٢٣)
إذن المسحة والختم و حلول الروح القدس كلها مرادفات لنفس المعني و كما أن الرب يسوع أتى في الجسد كملك وككاهن وكنبي، هكذا كل من يُمسح بالروح القدس لدية إمكانية أن يعيش كملك ( يحكم ويحتكم بكلمة الحق)، كما قال القديس يوحنا الرائي وَجَعَلَنَا مُلُوكًا وَكَهَنَةً للهِ أَبِيهِ، لَهُ الْمَجْدُ وَالسُّلْطَانُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. آمِينَ. ((رؤيا يوحنا اللاهوتي ١ : ٦ ))، وأيضا لدية روح النبوة، وهي الكلمة النبوية أو شَهَادَةَ يَسُوعَ هِيَ رُوحُ النُّبُوَّةِ. ((رؤيا يوحنا اللاهوتي ١٩ : ١٠ )).
وهذا ما يفسر كيف تحول شاول الملك إلى رجل آخر و أُعطي قلبا آخر حتي قُيل عنه وَلَمَّا رَآهُ جَمِيعُ الَّذِينَ عَرَفُوهُ مُنْذُ أَمْسِ وَمَا قَبْلَهُ أَنَّهُ يَتَنَبَّأُ مَعَ الأَنْبِيَاءِ، قَالَ الشَّعْبُ، الْوَاحِدُ لِصَاحِبِهِ: “مَاذَا صَارَ لابْنِ قَيْسٍ؟ أَشَاوُلُ أَيْضًا بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ؟ ((صموئيل الأول ١٠ : ١١)) لم يحدث هذا لشاول إلا بعد أن مسحة صموئيل بدهن المسحة إشارة إلي حلول الروح القدس.
و كما جاء المسيح حاملًا ملكوت الله بكل قوته ومجدة وسلطانة، اتحد بنا واستودع ملكوته فينا… هَا مَلَكُوتُ اللهِ دَاخِلَكُمْ. ((لوقا ١٧ : ٢١ ))
ولأن سكني الروح القدس في الإنسان يتطلب تغيير كلي للطبيعة البشرية، وهذا لم يحدث إلا بعد قيامة الرب من الأموات!!!! أم كيف أعطي لشاول قلبًا آخر وتحول إلى رجل آخر وتنبأ؟ هذا إشارة إلي الأمر الثاني وهو الولادة الثانية؛ عزيزي القارئ أكاد أن أصدمك بخبر ليس بجديد ولكنة حيوي جدا، لا توجد مسيحية بدون ولادة جديدة أو ما يسميه الكتاب الولادة الثانية،
وهذا ما نتناوله في الحلقة القادمة
---
## “هاني ملاك” وشغف المجتمع بقضايا التحول الديني
URL: https://tabcm.net/27448/
Type: post
Modified: 2026-01-26
عندما يرتدي الإفلاس ثوب الدين، فإنه يخلق بيئة سامة من الانقسام الطائفي الذي يعوق التقدم ويغرقنا في مستنقع التخلف.
في البداية، دعني أذكرك بأننا لم نتعرف على موضوع التحول الديني للمعيد بهندسة جنوب الوادي، هاني ملاك، من صفحته الشخصية المحدودة بقدر معارفه القليلين، وإنما عرفناه من خلال حملة جمع تبرعات نظمها طلاب كلية الهندسة في الجامعة التي يعمل بها.
للوهلة الأولى وبعد حذف الأديان من المشهد؛ يجمع الطلاب أموالًا للمعيد الخاص بهم. ونظرًا لأن هؤلاء طلاب جامعيين ولديهم مصالح تعليمية مشتركة مع المعيد الذي يصحح اختباراتهم، فمن المنطقي الافتراض أنهم ربما كانوا يحاولون تقديم رشوة مالية له، وهو أمر غير قانوني.
فما الحل لتجاوز قيود القانون؟
تصاغ الرشوة على شكل هدية، ويا حبذا لو أخذت شكلًا دينيًا لتحظى بالدعم الشعبوي.
أضف إلى ذلك أن هناك رحلتين عمرة مجانيتين قد قُدمتا بالفعل، إحداهما من شركة علام تراڤل، والأخرى من شركة الأراضي المُقدسة، وبالتالي، فإن هؤلاء الطلاب يجمعون نقودًا لغرضٍ آخر لأن العمرة جاءت بالمجّان.
كما أن هناك معرضًا للأثاث في طهطا، سوهاج، اسمه “موبليات التعلب” كان قد شارك بغرفة نوم هدية في استجابة عابرة للحدود الإقليمية والاقتصادية.
باعتقادي الشخصي، كل هؤلاء يعانقون الرشوة باسم الدين؛ فيرشون ويرتشون!
النقطة الثانية التي أود توضيحها هي ملاحظات مِهنية، لاحظتها بسبب كوني عضوًا مؤسسًا في مصريون ضد التمييز الديني وناشطًا في مجال “حرية المعتقد”. هذا يعني أني قابلت مشاهير المتحولين دينيًا في جلسات تحظى بالثقة والأريحية بعيدًا عن دوائر الأضواء، وترتب على ذلك معرفة شخصية عميقة بظروف التحول الديني. أتحدث هنا عن معرفة ميدانية تتجاوز الأطر الرسمية المعلنة.
ومن خلال تلك الخبرات، يمكنني القول بكل ثقة أن التحول من دين إلى آخر يشكل مؤشرًا قويًا على وجود مشكلات اقتصادية أو اجتماعية، أو رغبة في السفر وتغيير المجتمع، أو أي دوافع أخرى غير مسألة القناعة العقائدية ومتداخلة معها. وأنا هنا لا أقول أن هذا هو السبب الرئيسي للتحول، لكنني ألاحظ هذا كنمط متكرر في جميع حالات التحول الديني.
يحفّز من هذا فكرة “الهدايا والمكافآت” الإيمانية، سواء أكانت اقتصادية أو حتى امتيازات اجتماعية، مثل اعتبار المتحول دينيًا قد خاض “تجربة إيمانية”، فيجيء به ليحكي تجربته الخاصة أمام جمهور غفير، ويتحول إلى “نجم شباك” عند الكنيسة أو المسجد، أو حتى الامتيازات التي يطمح إليها المتحول نفسه وإن لم ينلها، كل هذا يطيح ويهدم مسألة القناعة القلبية (على عكس المتحول إلى الإلحاد أو اللادينية، لأنه من الناحية الواقعية قد حقق خسائر اجتماعية ولم يكسب شيئًا على الإطلاق).
يتزامن مع كل ذلك مجتمع متدين ومحافظ و”حشري” بطبعه. بمجرد أن يسمع عن حالة تحول دينيّ، يعقد العزم على أن يدس أنفه ويفهم أسباب هذا التحول، تلك الأسباب التي لابدَّ أن تكون إيجابية تجاه الذات وسلبية تجاه المخالف. بالتالي، فهذا ليس فضولًا معرفيًا (إلا عند الفريق الفائز، الذي ينتظر في الحكاية دليلًا إعجازيًا أو روحيًا على صحة اعتقاده، يتسوله من الوافد الجديد)، أما الفريق الخاسر فيكون بالضرورة فضوله استنكاريًا. فضول مثل فضول المحقق أو وكيل النيابة في استجواب ضميري وتفتيشي نتيجته لابد أن تنتهي بأن هذا التحول نجم عن قِصر نظر صاحبه الذي أودى بنفسه إلى التهلكة، وغدًا يعض أصابع الندم أما اليوم فـ”خليه يغور”.
كمثال خفيف على ذلك، صديقة كاثوليكية استنكرت على المتحول دينيًا فرضية أنه أحب فتاة من دين آخر ويريد الزواج منها. استنكارها اتخذ شكل؛ “المشاعر تتغير وتتبدل”! حسنًا، إن سلّمنا جدلًا أنها تتغير وتتبدل، فلماذا إذن لا يوجد طلاق في الكاثوليكية؟! ونفس الأمر يمكن أن يُقال لأي أرثوذكسي من المؤمنين أن عبارة لا طلاق إلا لعلة الزنا هي عبارة قالها المسيح وليس البابا شنودة! هذه الأفكار التي تعبر عن ازدواجية المعايير تستنكر الواقع ومشكلاته وحلوله بشكل مريض للغاية. بينما يمكن لشخص آخر أن يرى هذا سببًا كافيًا للتحول للإسلام الذي يتعامل بشكل عملي مع “تغير المشاعر” وتقلباتها بإمكانية الطلاق والتطليق والخُلع. أو على الأقل فالإسلام المعاصر ليس مثل المسيحية المعاصرة التي جعلت من الزواج “فخًا” تدخله ولا تخرج منه! ويقدم لنا “فقهاء التبتل” مشروع قانون مخالف للإعلان العالمي لحقوق الإنسان بجعل الأصل في الزواج هو الحظر لا الإباحة! في مصر ممنوع الزواج إلا بموافقة الكنيسة!
كما أن الدين مسألة حساسة للغاية عند معتنقيه، ومن ثم فإن مسألة إشهاره علنًا ونظام “زفّة المطاهر” التي يقوم به الفريق الفائز، يجب أن ندرك أنها على حساب مشاعر الفريق الآخر. ونعم، هناك أيضًا في “كأس الأديان” فرق ومباريات ومكاسب وخسارة وفريق فائز وفريق مهزوم، ومهما كانت روحك الرياضية، فإن هذا لا يعني سوى تقبلك للخسارة بمشاعر باردة بناءً على اعتقادك بأن المباريات لم تنته بعد ولا تزال هناك فرصة للتعويض قبل نهائي يوم القيامة.
أيضًا يجب أن ندرك أن الدين والانتماء الديني مسألة دنيوية بحتة وليست أخروية، لأن المسألة الأخروية محسومة مسبقًا بأن مصيرك الشخصي لن يتأثر بمصير والديك أو أقربائك، فما بالك بشخص غريب عنك! إذن، فكل ما تبقى هو دنيوي بحت وقابل لكل وساخة وقذارة قد صارت بحكم التكرار أمرًا عاديًا للغاية!
لن تتغير الرشوة وتصير حلالًا لأنها قُدمت في شكل رحلة عُمرة، ولن تتغير “زفة العريس” المفرحة بالنسبة لك عن أن تكون مؤذية لغيرك وتخالف القاعدة الذهبية لكل الأديان: عامل الآخرين بما تحب أن يعاملوك به، ولن يتغير فضولك بنوعيه المعرفي والاستنكاري عن كونه دليلًا على ازدواجية المعايير، وتحتاج أولًا أن تعمل على تطوير نفسك وعلى تطوير مجتمعك وتُخلّصه من الازدواجية حتى يصبح كلامك معقولًا وقابلًا لطرحه علانية ومن الممكن احترامه!
علينا أن نأخذ موقفًا واضحًا من كل هذا؛ بعدم النبش وراء أسباب التحول الديني، على الأقل من باب احترام خصوصية الحق الشخصي. فالدين “حق شخصي” وليس حقًا عامًا، وعلاقتك بالله مبنيّة عليك وحدك وليس شخص آخر. وحتى الأسباب المادية المحتملة، سواء “قصة حب” أو “سفرية” أو غيرها، فهي أيضًا شخصية. إن التوغل في المسائل الشخصية لهذا القدر الموغر في تفتيش الضمائر دائمًا ما أراه تطفّل فضولي غرضه اللاواعي تسفيه وتسخيف أسباب التحول الديني. وفي ذلك عدم احترام لأوجاع الناس ومشاكلهم، ومن ثم حقهم في تحسين أوضاعهم، بما فيها الأوضاع الدينية أو الاجتماعية.
---
## أسامة الأزهري وإرميا القبطي ولعبة “المتسولين” الدينية
URL: https://tabcm.net/25647/
Type: post
Modified: 2026-01-26
منذ انعقاد أولى ندوات مؤسسة تكوين الفكر العربي، يشهد المشهد الثقافي العربي جدلًا حادًا لم ينتهِ حتى اليوم. ومصطلح “جدل” هو مصطلح إعلامي مُضلل، ففي الحقيقة هو “هجوم” على النخبة الثقافية بأكملها. ويمكننا تحديد أبرز ملامح هذا الهجوم فيما يلي:
* الطبيعة الأصولية: يرتكز الهجوم على فكرة رفض أي محاولة لإعادة قراءة أو نقد للتراث الديني، معتبرًا ذلك تجاوزًا على الثوابت الدينية.
* الطابع الشعبوي: يستغل الهجوم مشاعر الغضب والاستياء لدى شرائح واسعة من المجتمع، مُصورًا النخبة الثقافية كعدوّ يسعى لتدمير قيمهم وإرثهم الديني.
* التجريم والمحاسبة على الأفكار: تُستخدم أدوات القمع والترهيب لفرض الرأي الأصولي، حيث وصل الأمر إلى السعي لمحاكمة أفراد أمام نيابة الأمن الوطني، والتفتيش في ضمائرهم وأفكارهم التي أُثيرت قبل تأسيس المؤسسة.
في الحقيقة إن هذه المؤسسة، أعني تكوين الفكر العربي، تواجه الآن ما يواجه كل مثقف متفرد، وبالرغم من أني ألحظ في ردود أفعالهم تعاملًا حرفيًا خبيرًا بالمجمل، لكن المشكلة الأعمق في مسألة الهجوم على المثقّفين هو تأثيراتها الاجتماعية العامة على النقاط التالية:
* الخوف من التعبير: يخلق هذا الهجوم جوًا من الخوف والحذر بين الكُتّاب والمفكرين، ويحد من حريّة التعبير عن آرائهم خشية التعرض للملاحقة.
* الجمود الفكري: يُسهم الهجوم في تكريس حالة من الركود في الخطاب الثقافي العربي، والذي هو شبه ميّت ويحتاج إنعاشًا، ﻻ المزيد من صمت المقابر.
* تهميش الاختلاف والإجبار على التوافق مع القطيع: يُساهم في تهميش استقلاليّة الأصوات ومنع المشاركة والاشتباك والتفاعل مع الحوار العقلاني والفكري.
على كل حال، يُعد النقاش حول الإصلاح الديني أمرًا ضروريًا للتطور والتنمية في العالم. لكن يجب على النخبة الثقافية التصدي لهذا الهجوم الأصولي والشعبوي بالتمسك بالمزيد من الحوار العقلاني والرفض القاطع للتكفير والتجريم. ومؤسسة “تكوين الفكر العربي” أرى أنها مستعدة للتصدي لمسألة “التكفير”، لكنها ﻻ تبذل جهدًا ملائمًا للتصدي لمسألة “التجريم” فيما يبدو. أو تقف منه موقف المدافع عن النفس بينما المطلوب هو مزيد من مهاجمة “التجريم” للأفكار.
أسامة الأزهري
بعيدًا عن الرأي الشخصي، وعودةً إلى السياق الإخباري؛ ظهر مؤخرًا فضيلة الدكتور أسامة الأزهري في جانب المعادين لمؤسسة تكوين الفكر العربي، وكتب كلامًا كثيرًا جدًا نُشر على المواقع المصرية والعربية، والخلاصة كالتالي:
ﻻ يعي الدكتور الأزهري مفهوم المؤسسة، وعمد إلى شخصنتها في شخوص، واستهدفهم كشخوص في الدعوة لمفهوم مناظراتي قرن-أوسطي بامتياز. بمعنى آخر، هو لم ينظر لأيًا من الإنتاج الفكري أو المواد المنشورة على موقع المؤسسة، بل استدعى من ذاكرته أفكارًا نمطية مُسبقة عن س أو ص من الناس، ليضمهم في النهاية لخط عريض من “منكري السنّة”! واعتبر -من ظنّياته- أنها مؤسسة إسلامية قرآنيّة ﻻ تعتد في عقيدتها سوى بالقرآن وحده. وهذا في عرف المفكرين دلالة “قصور عقلي” لأنه نمط تفكير مشوش ومتسرع وأهوج، بُنِي على مُقدمات خاطئة وبالضرورة يقود لنتائج خاطئة.
يذكرني هذا الموقف بمغالطة شهيرة في المنطق تسمى مغالطة “الرجل القش”. لقد بنى الأزهري صورة مشوهة للمؤسسة بناءً على افتراضاته وأوهامه وأحكامه المُسبّقة (أو لنقل تجاربه وخبراته المحدودة مع الأزهر)، ثم هاجم هذا “الرجل القش” المُصنّع بدلًا من المؤسسة الحقيقية. في جوهر الأمر، هذا الأزهري “زبون لقطة”، ونموذج للمتحمس الطيب الذي يُسيء فهم بواطن الأشياء، فيختلق العدو المعبّر عن كوابيسه هو، ثم يستخدم هذه الصورة المُصنّعة لتبرير آرائه السلبية.
الأكثر انتهازية، هو ما فعلته وكالة أنباء العربية حين أشارت إلى أسامة الأزهري بـ “مستشار الرئيس السيسي” خلال تقرير عن تصريحاته، ووضعت هذا اللقب في عنوان التقرير. والذي عُرض بشكل بارز في شريط الأخبار في مواقع إخبارية أخرى، مخلقًا تساؤلات عدّة؛ حيث بدا وكأنه يدلّ على مستوى من الاعتراف الرسمي والتأثير قد لا يتمتع به الأزهري. وتُسِلط هذه الفعلة الانتهازية الضوء على التوازن الدقيق بين تقديم المعلومات الواقعية، والتأثير على الرأي العام من خلال لغة وأطار العرض لتلك المعلومات.
من الواضح أن هذا ادّعاء صحفي مبالغ فيه كعنوان مثير. قد يسعى أسامة الأزهري إلى أدوار مهمة، لكن من المغلوط تصنيفه كشخصية معبّرة عن الإرادة السياسيّة للدولة. أفعاله تتحدث بصوت أعلى: فهو لم يكتفِ بطلب مناظرات لشخصيات عامة بناء على “سوابقها” الثقافيّة وحسب، إنما اقتراح خطة للقضاء على “منكري السنة”، وأعلن عن رغبته في الحصول على دعم ماديّ مقابل تدريب فريق من 100 باحث لمكافحة هذا التهديد المزعوم، وهؤلاء الـ”باحثين” وضع لهم معايرًا للجودة الإعلامية كمظهر دون مقومات فكرية. (سيتولى هو إعدادهم الفكري!) هذه المطالب، تكشف عن نهج سطحي للخطاب الفكري الذي يمثّله الأزهري، فما بالك بمستشار الرئيس! (بيفكرني بكتيبتين دائرة مغلقة، وأنا فعليا معرفش مين هنا مستشار مين، بس اللي يمشي ورا الكلام ده، هايلبس).
إرميا القبطي
المناظر المكافئ والمعادل الموضوعي لمن “ياكلها والعة” في العالم المسيحي، هو نيافة الأنبا إرميا، وهو باختصار زعيم ديني يجمع الأموال من رجال الأعمال الأقباط عبر تقديم فواصل إعلانات. فواصل إعلانات تتخلل أي محتوى؟ مش مهم! فالهدف هو نقود الإعلانات التي يتم حشوها بالمحتوى لاحقًا! يحتكر المركز الثقافي القبطي، الذي يديره الأنبا إرميا، كلّ التسجلات الفيديوية لقداسة البابا شنودة الثالث، كجزء من أرشيف المركز لمدير المركز، فالحقيقة أن إرميا لم يكن مديرًا لشيء بل البابا الراحل نفسه كان المدير. وعند رحيل البابا شنودة، سطا الأسقف الثقافي سطوا على رتبة الإدارة البابويّة، وجعل من نفسه المدير الحصري للمحتوى الشنودي إكسكلوسيف! والذي تفنن في توظيفه عكس إرادة البابا تواضروس الثاني، البابا الحالي.
والحقيقة أنها ذاكرة خارقة للعادة تلك التي يدير بها إرميا نشاطه الإعلامي المعارض للبابا. كلما قال تواضروس شيئًا، يستجمع إرميا ذاكرته الـ8 جيجا التي لم يحنِها الزمن، ليوقظ البابا السابق للبابا اللاحق في خطابات واضحة التعارض لإحراج البابا الحالي، ويتناقلها أبناء الأنبا بيشوي، مطران دمياط وكفر الشيخ السابق -الذين أشار إليهم الأزهري الغير عالم بسراديب الكنيسة- في موجة من المقارنات والمناحات الكربلائيات والبكاء على الحسن والحسين الذان رحلا وجاء مكانهما تواضروس! تحوّل التراث الكنسي لعروسة على شكل بطريرك يحركها إرميا وتتحرك معها مشاعر الملايين من محبيه، وأنشر على فضائية إرميا الخصوصي؛ “ميسات”، وهاتجيب أموال الإعلانات!
لا نعرف أيّ رقابة على هذا المال التجاري الإعلاني، بل لا يُعرف إن كانت هذه الأموال تُعتبر عُشورًا أو تبرعات أم أنها مجرد إعلانات تجارية باهظة الثمن مقابل انتشار ضعيف. فالشريحة المستهدفة بقناته المسيحية لا تختلف عن الشريحة المستهدفة بقناة سلفية، بل قد يكون السلفيون المسلمون أكثر نفوذًا وقوة، بينما السلفيون المسيحيون هم فئة ضعيفة اقتصاديًا، معظمهم من السيدات المسنات اللاتي لا تأثير حقيقي لهن في أسرهن خاصة في المسائل التجارية كمنتوجات الإعلانات. وهذا ما يُلاحظ في المركز الثقافي القبطي وقناة “ميسات”، حيث لا يُعرف شيئًا عن قوائمها المالية وأين تُصرف أموالها، آخذين في الاعتبار أن أجور العاملين فيها لا تتناسب مع الحد الأدنى للأجور، بحجة أنها “خدمة كنسيّة” وليست مشروعًا تجاريًا. كل هذه التجارة ليست تجارية!
يتاجر الأسقف بالله وبالمسيح وبالإنجيل وبالموتى وبالمشاعر تجاه المنتقلين في كل محفل، ورغم ذلك يمنع غيره أن يُسمى أفعاله التجارية باسمها! يساهم في أسلمة الكنيسة ومفرداتها وأنماط التفكير السائدة فيها، ولا يليق أن ندعوها "أسلمة"، بل نُرغم على اعتبارها؛ "وحدة وطنيّة"!
تحاور أسامة الأزهري مع إرميا الثقافي القبطي، ويبدو أنه نقل فهمه الإسلامي الملتبس أن مؤسسة “تكوين” هم جماعة من “منكري السنّة”، لكنه نقل التباسه إلى سياق مسيحي، فأصبحت المؤسسة جماعة من منكري “التقليد الكنسي”! يكشف الحوار بين الأزهري وإرميا، عن سوء فهم مشترك وفوضى مُتفق عليها في قياس الأمور الغير متكافئة بين الإسلام والمسيحية، فتصبح دعوة للتسطيح والسذاجة العامة من باب “الوحدة الوطنية” في رغيف. حوار هاتفي مبتسر بين رجليّ دين كانت نتيجته ساندويتشات ثقافية مسمومة، تلك هي البضاعة التي تفهمها مؤسساتنا الدينية، الأزهر، والمركز الثقافي القبطي! ترى، هل نستطيع أن نحكم على الأزهر والكنيسة، والإسلام والمسيحية، من خلال صفوتها المعتمدة كمستشارين ومثقفين؟ أم أننا سنكون بذلك قد انحدرنا للمستوى الذي انتقدنا فيه منهجيّة تكوّن الأفكار عند الأزهري ذاته؟
ما يهمنا هنا أن إرميا، مدير الثقافة القبطية والإعلانات، لم يتحر الأزهري في فهمه، وكيف يتحراه والرجل -الثقافي القبطي- أجوف من أي خلفيات ثقافية عامة عن الصراع الثقافي أساسًا! يكفيه أنهم أخوة في “بيت العائلة” لكي يأخذ الأمر على عواهنه كمسألة تصديق إيماني! ومن ثمّ، نقل نيافة الحبر الجليل “نقل مسطرة” كلام “تالتة ابتدائي” أزهري؛ إن السنة قولية وفعلية، وإننا كمسلمين عرفنا الصلاة والشعائر من السنة الفعلية نقلا عن أفعال الرسول اللي وضحت أداء الشعيرة، وبالتالي السنة وإنكارها هو إنكار لحاجة أساسية في الإسلام! (أنا واخد سكرينشوت لتعليقه.. و”تعليقه” هنا مش بمعنى كومنت،، لا، أنا هاسيبلكم مسألة “تعليقه” بحيث “تعلقوه” بمعرفتكم)
مطبّ ثقافي
قداسة اللا-مثقف القبطي واقع في “مطب” كبير جدًا أبعد من أن يفهمه كفتى إعلانات القناة، ألا وهو أنّ المعادل المكافئ لطائفة “القرآنيين” حديثًا أو المعتزلة قديمًا هم “الإنجيليين”، البروتستانت! يجادل إرميا وينتقد مجموعة محددة [مؤسسة “تكوين الفكر العربي”] على انهم بروتستانت؟! أيّ تضامن مع الأزهر في رغيف!
قُرَّاؤُ المسيحيَّة، أو الإنجيليُّون، أو أولئك الذين لا يُقيمون قداسةً للتراث التقليدي، هم في الحقيقة لا مذهب لهم ولا طائفة لهم ولا فرقة ضالة، وإنما ألفٌ وسبعمئة مذهب وطائفة وفرقة، يشكِّلون مجتمعين رقمًا محترمًا لا يُستهان به في الكوكب، والأدهى أنهم ليسوا أقلية إلا في عالمنا العربي، لكنهم مثلًا الغالبون في الولايات المتحدة الأمريكية، والغالبون في جمهورية الصين الشعبية، وما أدراك ما أمريكا واقتصادها والصين واقتصادها وتعدادها، خصوصًا لمحترفي التسول الديني بالإعلانات التجارية يا مدير قنوات الشحاذة الفقيرة المحتوى!
معتزلة المسيحية، أو الإنجيليون، هم من علّموا العالم المسيحي، متمثلاً في الفاتيكان، الكنيسة الجامعة الموجودة في خمس قارات، خطورة مبدأ Sola Scriptura [الكتاب المقدس وحده]، والسولات الخمس الكبرى، أو الأحاديات الخمس الكبرى، هي مفهوم ثقافي ولاهوتي يصف الاختلالات المنهجية في تكوين الرأي (ومن ثمّ مفهوم العقيدة المعطوبة المتكوّنة عند أصحاب هذا الرأي) في القرون الوسطى. شاع هذا المصطلح عند اللاهوتيين اللوثريين في وصف بعض الأفكار اللاهوتية للإصلاح البروتستانتي. أي أن الإنجيليين هم من وصموا الكنيسة التقليدية بإدعاء كفاية الكتاب المقدس وحده، وليس العكس.
كلمتين لابد أن يعرفهما القارئ المحايد، (لأنه لا أمل في هذا الأزهري المستشار، أو ذاك الثقافي المديوكر فتى الإعلانات):
وجود الإنجيليين البروتستانت على مدى خمس قرون يوفر أساسًا متينًا لتقييم تأثيرهم على كل من الإنسانية والمسيحية. بدلًا من الاعتماد على آراء متحيزة من أفراد محافظين ضيقي الأفق، ودعنا نلجأ هنا إلى الفاتيكان، الخصم التاريخي العنيد لهذه المذاهب؛ في 2016 شارك بابا الفاتيكان في افتتاح كنيسة لوثرية في السويد بمناسبة مرور 500 عام على الإصلاح البروتستانتي، وفي 2017 قدم بابا الفاتيكان رسالة تهنئة للإنجيليين بمناسبة نفس الذكرى، خاتمًا رسالته بـشكرا، لقد جعلتم المسيحيّة أفضل.
الفاتيكان هنا، في لحظة من التأمل التاريخي، يعترف بالدين الذي يَدين به لمنتقديه. هذا ليس مجرد خطاب فارغ أو ثناء أجوف كما يفعل فتى الإعلانات الأسقفيّة، بل هو اعتراف ثقافي بأنه؛ لولا انتقدني خصمي الذي يحب المسيحية مثلي، لما أهداني عيوبي، والتي حين عرفتها واعترفت بها كعيوب، لما حسّنت من نفسي وأساليبي وتطورت وصرت أكثر رهافة وأكثر صحّة، أي: لولا النقد لما صرت أكثر قوّة. فمن خلال تسليط الضوء على العيوب، دفعهم هؤلاء المنتقدون إلى فحص أنفسهم، والاعتراف بضعفهم، وتحسين نهجهم في نهاية المطاف، ليصبحوا أكثر رقيًا وقوة نتيجة لذلك. ببساطة، يفهم الفاتيكان أن النقد، واستقباله بشكل بناء، يمكن أن يكون أداة قوية للتغيير الإيجابي. وهو ما لا يُحسنه رجال مؤسساتنا الدينية الرسمية فيما يبدو!
يُظهر هذا الاعتراف من الفاتيكان قوة النقد البناء، وكيفية أنّه يمكن أن يُساهم في التطور والتقدم. فمن خلال التحدي، والجدل الإصلاحي، بل والحرب الأهلية أحيانًا، تم دفع كل من الفاتيكان والإنجيليين إلى إعادة النظر في معتقداتهم وممارساتهم، مما أدى إلى تحسين وتطوير كلا الكنيستين. هذا التبادل النقدي يُبرهن على أنّ التعددية الدينية لا تُشكل تهديدًا وجوديًا كما يتصّور المنغلقون، بل يمكن أن تُصبح قوة دافعة للنمو والتطور، مما يُثري الفهم المشترك للروحانية والمسيحية.
هكذا قصد الفاتيكان، وهكذا فهمناه نحن، وهكذا يُرى الإصلاحيون دومًا في عيون خصومهم؛ هكذا حقيقة الأمر وديناميكية تشبيك الأيدي بين المستنيرين في العالم باختصار.
---
## لا خلاص خارج كنيسة أطفيح والصف
URL: https://tabcm.net/19010/
Type: post
Modified: 2026-01-26
المقطع الساخن السابق لنيافة الأنبا زوسيما، أسقف أطفيح والصف، هو جزء من خطاب ديني استعلائي اكبر، تجدون مثل هذه الخطب التكفيرية على صفحات أصوليّة مثل أرثوذكسي متمسك، ودائمًا تعنون بعبارات رنانة مثل “راجل من ضهر راجل” – “الخائفون يمتنعون” – “تحية للأسقف الشجاع” – إلخ، من هذه التعبيرات الموحية بحالة استقطاب حاد بين فريقين، ينتمي الأنبا زوسيما فيهم للفريق الأضعف الذي ﻻ يحكم، أو ليس ذو سلطة (أمال شجاع ليه؟ واللي يخاف ميخشش ليه؟ والكتكوت الشرس بيقول “عشرة يكتفوني” ليه؟)
لو أردنا توصيف أفكار الأنبا زوسيما، في مجالها الثقافي، فهي أفكار متطرفة جدا [غير مستقيمة] تندرج تحت باب Sola Ecclesia [تُنطق “سولا إكليسيا”] وتعني “ﻻ نجاة خارج الكنيسة”،، وقد يتبادر لذهنك أن المقصود هو الكنيسة العامة، أو كنيسة المسيح.. ﻻ.. وﻻ حتى المقصود كنيسة الإسكندرية أو كنيسة الأقباط! إنما هي كنيسة “وهمية” هم فقط من يمثلونها.. اختصارًا، ذلك هو الإيمان بمفهوم “الفرقة الناجية”، والباقي إلى الجحيم!
إحقاقًا للحق، لم أجد في المكتبة الأرثوذكسية عظات أو وعظات (وﻻ حتى كتابًا) عن الـ”سولا إكليسيا”، أو أي “سولا”. يقولون هناك عظة للمتنيح قداسة البابا شنودة الثالث لكني لم أشاهدها بنفسي، وما شاهدته فعلًا منذ فترة طويلة هو مرور عابر لنيافة الأنبا رفائيل، أسقف كنائس وسط القاهرة، قال فيه شيئًا يسيرا عن السولات الخمس الكبرى، ففهمت أنه ينقل عن غيره (وربما ينقل عن قداسة البابا شنودة)، أو على الأقل فهو يقول كلامًا علميًا لكن طواه الزمن،، ففي الحقيقة السولات تخطت الـ”خمسة سولا” ووصلت إلى ما يقرب من 12 الآن.
الأمر ربما يحتاج مقالًا مستقلًا ومشذبًا.. لكن مصطلح Sola “سولا” هو مصطلح لاتيني وليس شرقي، يستخدمه اللاهوتيون في وصف “احتكار النجاة” [الخلاص] في أمر أحادي بعينه، وجعله محوريًا ﻻ نجاة إلا به، مع إهمال أيّة عوامل أخرى. شاع هذا المصطلح عند اللاهوتيين اللوثريين في وصف بعض الأفكار اللاهوتية للإصلاح البروتستانتي، وأشهرها على الإطلاق Sola Scriptura [تُنطق “سولا سكريبتورا”] وتعني الاعتماد الأحادي على الـ”نص الديني” باعتباره قطعي الثبوت والدلالة (“النقل فوق العقل” مثلا في المكافئ الإسلامي، أو أن الكتاب المقدس وحي إلهي لفظا ومعنى، ومعصوم من سوء الفهم معنى وترجمة) وطبعا دي حاجات ممكن تخلق واحد إرهابي بامتياز، أو على الأقل متطرف ديني، يضع “فهمه للنص” في مصاف “الحقيقة المطلقة” الغير قابلة للمراجعة!
السولات الخمس الكبرى، أو الأحاديات الخمس الكبرى، هي مفهوم ثقافي ولاهوتي لتوصيف الاختلالات المنهجية في تكون الرأي (ومن ثم مفهوم العقيدة المعطوبة المتكونة عند أصحاب هذا الرأي) في القرون الوسطى، وهي:
– Sola Scriptura سولا سكريبتورا، (بالكتاب المقدس وحده)
– Sola Fide سولا فيدا، (بالإيمان وحده)
– Sola Gratia سولا جراتيا، (بالنعمة وحدها)
– Solus Christus سولوس كريستوس، (بالمسيح وحده)
– Soli Deo Gloria سولي ديو جلوريا، (بمجد الله وحده)
طبعا أنت ممكن تتلخبط وتقول لو كل ده غلط،، أمال الخلاص بإيه؟
في الحقيقة الغلط في احتكار الخلاص في واحدة (صحيحة) مع إهمال بقية العوامل (الصحيحة برضو) فنقيض الـ”مطلق” ليس “مطلق معاكس”، وإنما نقيض الـ”مطلق” هو الـ”نسبي”!
مثلا لو حد قال “المسيح وحده”، فده كدا مثلا منع “الخلاص بالنعمة”،
لو حد قال “بالإيمان وحده”، فكده ألغى قيمة “الأعمال” مثلا،
وهكذا،،
مفهوم النجاة أو الخلاص (أو حتى مفهوم النجاح الأرضي في امتحان آخر السنة) هو مفهوم متعدد ومتشابك ومتضافر، وكأن عليك واجب تجاه قائمة من الأشياء (مجموعة مواد تذاكرها) علشان تنجح وتعدي السنة.. فده مش بيناسب الناس البسيطة التفكير واللي مش غاوية مذاكرة، فتحتكر مفهوم خاص [وخاطئ] إن النجاح في الرياضيات بس، أو العلوم بس، أو المواد الأدبية واللغوية بس (تعمل كدا وهي في الابتدائية ولسة بتغير “بامبرز” أو “كافولة” بمصطلحات القرون الوسطى الجميلة، قبل اختراع الحفاضات الورقية!) فالناس دي لما تكبر، وبتحتفظ بنفس المنطق الطفولي الأحادي الساذج، وتبقى في مناصب دينية متخصصة [أسقف طفح قد الدنيا، وباكورة إنتاج الروح القدس على يد البابا تواضروس -اللي مبيخليش الشعب يختار أسقفه، ولا هو بيختار أو يحاسب أسقفه، وإنما الكهنة تختار رئيس مراجيحها بنفسها- واللي عنده معزة يلمها] فااااااااااااا.. فبيفضل مُعادي للتخصصات والمعتقدات بل والديانات الأخرى، ويصبح كلامه خطير جدًا لأنه صادر من “كبير” في قومه،، مش من “عيل” بكافولة.
الـ Sola Ecclesia [سولا إكليسيا] معناها “الكنيسة وحدها” هي “الفرقة الناجية”، وهاتلاقي خطابها مهمل بقيّة الأليات التي تساعد على الخلاص طالما حدث خارج الجماعة [الكنيسة] مهمل ومقلص لدور أي حاجة في أي حاجة.. مثلا يقولون عن مسيحيو العالم: إيماننا غير إيمانهم، مسيحنا غير مسيحهم، إلهنا غير إلههم، معموديتنا غير معموديتهم،، طبقنا غير طبقهم، وأكلنا غير أكلهم،، رائحتنا ليست كرائحتهم، إلخ، وهما بعينهم الرافد الثقافي للجماعة بتوع “ﻻ وحدة قبل وحدة الإيمان”.. يعني “حماة الإيمان” بالأساس هم إفرازات جلدية طفحت عن السولا إكليسيا المعادية لقيم التعايش السلمي مع الكنائس الأخرى، فما بالك مع غير المسيحيين أساسًا..!
وعلى فكرة العالم الواسع مش متساب بحبوح لآراء المتطرفين أمثال الأنبا زوسيما وكنيستة الطفحية.. مثلًا العالم المسيحي محدد الإيمان المسيحي في مجمع نيقية بقانون الإيمان المسيحي النيقاوي، وكل من يؤمن به يعد مؤمنًا مسيحيًا وأرثوذكسيًا كمان، غصب عن زوسيما وطفحه وصفه وأفكارهم المتطرفة.. وحتى المسيح نفسه بسيط ومش متساب لتعقيدات علم الكريستولوجي (اللي بالتأكيد مش كل مسيحي درسه وأخد فيه دكتوراه) لكنه يعني في حده الأدنى الإيمان بالثالوث من دون الهرطقات الأساسية التي ترفضها المجامع المسكونية والتي أضافت هذا الجحد للهرطقات في قانون الإيمان أيضًا.
(على السيرة، الفاتيكان ألغى سلطة “الهرطقة” من أساقفته وكهنته من زمان، وشاف إن خلاص محدش يعرف يطلع هرطقات جديدة حول الثالوث، ومن ثم سحب سلطة “الهرطقة” من كل الكهنوت!! وبالتالي أي اتهام -معاصر- بالهرطقة هما بيشوفوه صادر من حد متخلف عقليًا، مش من غيور دينيًا)
بطريقة أخرى، الأربعة طوائف أو مذاهب مسيحية، هي بالفعل لها نفس الإيمان الأساسي، وإن كانت تختلف فعلًا في فروع وعوائد وأنساق اجتماعية. كل هذا تنوع مشروع ومباح في أمور لم يحسمها الإيمان المسيحي أو لا يعتبرها “أساسية”. وبالطبع من حق كل فرد الانتماء للمذهب الذي يراه يحقق أعلى درجة من التوافق مع أفكاره ومعتقداته ومجتمعه، بل ومن حقه أيضًا أن يرى مذهبه هو المذهب الأكثر صحة في كل المتاح. لكن ليس من حقه التمادي والغلو لدرجة اعتبار من خالفه المذهب ضال وهيروح النار! وﻻ حتى من حقه اعتبار مخالفه في الدين كدا!! العالم الرحب ﻻ يتسع ولا يسمح لمثل هؤلاء المعادين للعالم بالظهور على منابر إعلامية عالمانية محترمة، فمن باب أحرى عدم تواجدها في الكنائس المحترمة!
صورة المقال المرفقة هي عن تصريح حديث نسبيّا لفضيلة الدكتور علي جمعة، على سبيل أن أفكاره الإسلامية عن “غير المسلم”، تتوافق مع الأفكار المسيحية عن “غير المسيحي”، بأكثر مما تتوافق مع أفكار زوسيما المتطرف الجالس على كرسي الطفح الأرثوذكسي!
أيضًا النسق المتصوف الذي يمثله د. على جمعة، يعاديه النسق الوهابي والطالباني والداعشي، والأقرب إليه نسق أسقف أطفيح، والذي إيمانه قرنأوسطي بامتياز!
وعلى هذا أقول: إن أواصر العقيدة، والدين، والثقة، وأنساق التعايش السلمي والأفكار المشتركة، التي تجمعني أنا القبطي، بمتصوف مثل فضيلة الدكتور الأكاديمي، أو راهب كاثوليكي من الدومنيكان، أو امرأة من كلية اللاهوت الإنجيلية، لهي بالتأكيد أكبر بكثير عن تلك التي تجمعني أنا نفسي بطفح الصف الأرثوذكسي!
---
## ولما رآه أبوه.. تحنن
URL: https://tabcm.net/18852/
Type: post
Modified: 2026-01-26
كتب أهل بلاد ما وراء البحار في يومياتهم عن الأنبا ديميدوس الضرير، وإذ كان هذا اليوم يوافق أحد الابن الضال، فقد عبر أهل البلاد عما يجول في صدورهم حين يأتي ذكر الابن الضال، وكيف استقبله أبوه.
تذكروا كيف تعامل الأسقف مع أحد إخوتهم، الذي كان قد أغضبه، وطبعًا أهان السلطان الكهنوتي الذي له، فالأسقف الذي وقف ذات مرة وسط شعبه صارخًا:
أنا رأس الكنيسة
لا يعرف من الكهنوت سوى سطوته وسلطته، فقد جعل نفسه مكان الكاهن الأعظم، رأس الكنيسة بالحقيقة، ربنا يسوع المسيح، ولكنه يأبى على نفسه أن يغسل الأرجل كما فعل سيده.
فماذا تذكر أهل البلاد؟ وماذا فعل أسقفهم؟
يروون أنه ذات يوم اختلف أحد إخوتهم مع الأسقف على أشياء مادية، مما اضطر الأخ أن يلجأ للقضاء، حتى يحصل على حقه، وقد أنصفه القضاء، واضطر الأسقف أن ينصاع لحكم المحكمة، فهو لا يجرؤ على معاداة أهل البلاد الأصليين.
لجأ الأسقف لما في يده، وماذا في يد الأسقف سوى سلطان الكهنوت ليستخدمه كسيف على رقبة من يعارضه ويتعسف في استخدام سلطته!!!
تمر السِّنُون، و لكن لم تكن السنين كافية ليغفر الأسقف لمن اعترض عليه، ليأتي يوم الانتقام، حين مات هذا الأخ فجأة، وتصبح الفرصة سانحة حتى ينتقم لذاته وكرامته، وليس لكهنوته، فالكاهن الأعظم، قد غفر لصالبيه.
وقفت عائلة الابن “الضال” بابنهم الميت في أكفانه أمام الكنيسة، ليفاجأ الجميع بالأوامر أن “الميت” ممنوع من الدخول للكنيسة ولن يصلي عليه أحد، وليس فقط في هذه الكنيسة، بل وفي كل كنائس الإيبارشية!
احتار الجميع أمام هذا الحدث الجلل، وأمام حيرتهم هداهم تفكيرهم أن يستغيثوا بأسقف آخر، لعله يقدر خاطر هذا الشيخ الوقور العجوز، الذي أخذ مشقة السفر حتى يصل إلى مكان الحدث.
خابت كل الآمال وباءت كل المحاولات بالفشل، ولم يشفع هذا أو ذاك، حتى توسلات الشيخ المتضع!!!!!
أمام عناد الأسقف وحزن البنين، فتحت كنائس أهل البلاد الأصليين أبوابها لهذا الابن الضال، المرذول من الأب القاسي.
ترك هذا مرارة وخوف في أنفس الجميع، إذ تعلم الجميع الدرس، أنه لا يجب الاعتراض أو المساس بالأنبا ديميدوس، لئلا حين تنتهي أيام الغربة، لا يجد المحزونون تعزية من كنيستهم.
كان الأسقف يتصرف كما لو في عزبة خاصة ضيقة، لا تنتشر الأخبار خارجها، أو إقطاعية من إقطاعيات العصور الوسطى، ولم يعمل حساب الأيام وأنه ليس خفي إلا ويعلن، وما كان يقال سرًا في الآذان سوف ينادي به فوق السطوح…
فهل يعتذر الأنبا ديميدوس؟؟؟
في نهاية المذكرات شكر أهل البلاد إلههم الحنون الذي يفتح ذراعيه لهم في كل حالاتهم.
وَإِذْ كَانَ لَمْ يَزَلْ بَعِيدًا رَآهُ أَبُوهُ، فَتَحَنَّنَ وَرَكَضَ وَوَقَعَ عَلَى عُنُقِهِ وَقَبَّلَهُ
(إنجيل لوقا 15: 20)
و للحديث بقية..
---
## [١٩] تعليمات الأسقف
URL: https://tabcm.net/17941/
Type: post
Modified: 2026-01-26
همس أبونا بطرس قائلًا :
– يا سيدنا أنا مش دفتر تبرعات، أنا إنسان
تجاهل الأسقف تعليق أبونا بطرس الذي قاله بصوت منخفض هامسًا وتظاهر أنه لم يسمع ما قاله أبونا بطرس ونظر لأبونا قائلًا:
وإيه بقى إن شاء الله موضوع أم كيرلس ؟!! هو قدسك بتكسر تعليماتي وبتتصرف من دماغك وعاوز تعمل نظام لوحدك لإخوة الرب في الإيبارشية، ولا كأن فيه كبير نسمع كلامه؟!
تفاجأ أبونا كيرلس من معرفة الأسقف لموضوع أم كيرلس، ولم يكن يتوقع إطلاقًا معرفة الأسقف لهذا الموضوع وتلعثم في الكلام وكان ما يشغله كيف عرف الأسقف هذا الأمر؟..
أعاد الأسقف جملته الأخيرة مرة ثانية بصوت أعلى وأكثر صرامة: إيه يا أبونا هو قدسك مرسوم كاهن ولا مرسوم أسقف وبتتصرف من دماغك وأنا معرفش!
– حاللني يا سيدنا، أنا معملتش حاجة غلط، شفت واحدة محتاجة فساعدتها بعيدًا عن الرسميات وبصورة شخصية ومكنتش عاوز حد يعرف، ومستغرب أصلًا إن نيافتك عرفت!! هو نيافتك بتراقبني يا سيدنا؟!!
– هو ده اللي فارق معاك؟! عرفت ازاي!! مش فارق معاك إنك عندك بر ذاتي زيادة، وشايف نفسك أحسن من كل اللي حواليك، مش فارق معاك إنك بتكسر تعليماتي وأوامري وأنت لسه اسمك بالقلم الرصاص؟ مش فارق معاك إنك بأفعالك ديه بتزرع بايدك خصومة وعداوة مع اخواتك الكهنة وبتصغرهم قدام الشعب.
– أنا يا سيدنا بس كنت…..
قاطعه الأسقف ضاربا بالصليب على المكتب وبصوت مرتفع أكثر
– إنت يا أبونا كلك على بعضك غلط ، فاكر نفسك بتخدم في عزبة مش في مؤسسة كبيرة ليها كيان إداري وتنظيم، أنت بنفسك لما قبلت الكهنوت أعلنت خضوعك وطاعتك ليه، فيه ناس أكبر منك لازم تسمع كلامهم وتنفذه حتى لو مكنش عاجبك، تطيع وتنفذ من سكات ومن غير مناقشة ولا حتى تفكير.
شعر أبونا بطرس بالإهانة الشديدة نتيجة التعنيف المستمر، ولم يحتمل أكثر من ذلك، وقام معتدلًا واقترب أكثر من الأسقف..
– ليه يا سيدنا كل ده؟!! علشان إيه؟!! نيافتك حتى مش عاوز تسمع!! واحدة غلبانة وجوزها بيموت ومحتاجة فلوس وهي وجوزها وبيتها مسؤولين من الكنيسة، والكنيسة مش نافع تساعدها نتيجة روتين احنا اللي بايدينا اللي حاطينه، ولا هي عارفة هي تبع كنيستها القديمة اللي نيافتك خرجت شارعهم في التقسيم الجديد ولا الكنيسة اللي متعرفش حد فيها ولا هما يعرفوها وبيقوللها استني لحد لما جوزك يموت نكون جمعنا عنكم بيانات، ولا كأنهم خدوا الحالات بملفاتها القديمة، لمجرد إن نيافتك أصدرت فرمان إنهم يبحثوا الحالات من جديد.
– وقدسك مالك بكل ده؟!! إيه اللي دخلك فيه؟!!
– أنا مليش دعوة يا سيدنا.. نيافتك معاك حق جدا، أنا مليش دعوة بكل الروتين ده، أنا اتصرفت تصرف شخصي بعيدًا عن نيافتك وعن أبونا أنجيلوس وعن أي حد، اعتبرني قابلتها في الشارع وأديتها احتياجها، فين المشكلة ؟!! اعتبرني واحد بقميص وبنطلون وشاف حد غلبان في الشارع بيعبد الشمس وقلبه حن عليه وساعده، إيه اللي في كده يعثر اخواتي الكهنة؟! إيه اللي يزعل المنظومة اللي نيافتك بتديرها؟!! إيه اللي يزعل نيافتك في كده أصلا ويخليك تعاملني من الصبح زي التلميذ الخيبان اللي معملش الواجب أو ساقط في امتحان الشهر؟!!
– كلامك ده دليل أكبر على إنك مش فاهم ولا حاجة، وإن محدش علمك ألف باء كهنوت، العيب مش عندك، العيب الأكبر عند أبونا يوناثان.
– وماله أبونا يوناثان بس؟!!
– لما تعمل حاجة بقميص وبنطلون يا أبونا أنت مسؤول عن نفسك وبتمثل نفسك، لكن لما بتعمل نفس الحاجة وأنت كاهن، أنت بتمثل الكهنوت، بتمثل المنظومة اللي أنا رئيسها، اللي ما ينفعش اتنين بينتموا لنفس الكيان يعملوا الحاجة وعكسها في نفس الوقت، يدوا المنع والحّل على نفس الحاجة في نفس الوقت ونفس الظروف، وحتى وأنت بالفراجية ومش بقميص وبنطلون جوة الكنيسة مع شعب الكنيسة إنتم مش أربعة كهنة في الكنيسة كل واحد يعمل اللي على مزاجه، إنتم كلكم جوة الكنيسة مع الشعب مش بتتنافسوا على مين أطيب، ومين أشطر، وكل واحد يحاول يستقطب مجموعة من الجمهور على حساب الخدمة و الكنيسة.
– أنا مش بعمل كده يا سيدنا!
– عملت كده لما كنت في الكنيسة والمكتب والحوار كله حصل قدامك، واتقال بالنص قدامك إن القرار مش قرار أبونا أنجيلوس لكن قراري أنا، وقدسك ضربت بكل ده عرض الحائط وعملت فيها أبو قلب حنين.
– يعني أسيبها تمشي معثرة في الكنيسة والخدمة اللي هي وجوزها لما كانوا بصحتهم خدموها بعمرهم، مش يمكن النظام فيه خلل ومرعاش الأحداث اللي ممكن تحصل في فترة انتقال بيانات إخوة الرب بيّن الكنيستين.
عقد الأسقف حاجبيه في غضب وهو يقول بصوت خفيض ونبرة عميقة:
– قدسك بتقول إن النظام اللي أنا وافقت عليه وأقريته فيه غلط؟!!
– مش قصدي كده يا سيدنا، نيافتك بس متحامل عليا واللي بلغ نيافتك مسخنك عليا بزيادة
– كمان!! أنا متحامل على قدسك؟!! يعني أنا ظالم؟!! بدل ما تعتذر عن الغلط والعك اللي بتعمله بقيت أنا متحامل وظالم، لأ وكمان طلعت عيل صغير معنديش عقل بيضحكوا عليا و بيسخنوني عليك، وأنا بقى كلمة تجبني وكلمة توديني ومعنديش شخصية ومستنيهم يسخنوني عليك؟!!
– ايه ده يا سيدنا؟!! هو إزاي كلامي بيتحول كده؟!! هو نيافتك بتعمل معايا كده ليه؟!! هو مش أنااإبنك زي ما أبونا أنجيلوس ابنك ولا إيه؟!
– شيل أبونا أنجيلوس من دماغك يا أبونا، ياريتك تبقوا كلكم زي أبونا أنجيلوس، فاهم حجمه ودوره كويس، عارف اللي ليه واللي عليه، عارف حدوده ومش بيتجاوزها زي قدسك، بص يا أبونا في الحالات اللي زيك ديه، أنا بقعدهم في البيت ومش بنزلهم الكنيسة، علشان محدش يشوفهم ودفاترهم تفضل فاضية معاهم ولما الجوع يقرصهم هما وبيوتهم يتعلموا الأدب، لكن في حالة قدسك كده كده دفترك فيه إيصال بـ 50 جنيه قدسك عملته على استحياء يا حرام فمش عارف أعمل معاك إيه؟ بس على أي حال برضه مش هتروح كنيستك وهاتيجي كل يوم الصبح المطرانية عندي هنا.
– أجي أعمل إيه؟!!
– متسألش، قدسك تنفذ من سكات، مش مهم هتعمل إيه، أه و حاجة كمان أي اجتماعات طقسية وأي اجتماعات عليك أو وعظات أو أي حاجة خارجية الغيها ولو داخليه اعملي بيها تقرير علشان أوزعها على غيرك.
– ليه كل ده؟! طب نيافتك أنا محتاج إجازة، هروح الدير أخد خلوة.
– واضح إن قدسك مش فاهم كلامي، مش مهم أديك موجود في المطرانية لحد ما تتعلم، عمومًا مفيش إجازات ولا سفر ولا خلوات وتقدر تروح بيتك دلوقتي، وتكون عندي الصبح.
استدار أبونا بطرس وكل علامات الإحباط وخيبات الآلم مرسومة على وجهه، كل ما كان يشعر به أنه يعاقب لأنه عمل خيرًا ووشى به أحدهم عند الأسقف الذي لم ير في القصة كلها سوى كاهن ضرب بتعليماته عُرْضَ الحائط، وعندما هم بفتح الباب سمع الأسقف وهو يقول:
– اه بالمناسبة يا أبونا، وقدسك نازل عدي على عماد هتلاقي PlayStation، هدية عيد ميلاد ابنك، بدل اللي قدسك مجبتهاش
– ده اللي هو إزاي يعني؟!!
– إيه هو آللي إزاي؟!
– إزاي تجلد واحد مربوط بمنتهى القسوة بسوط الجلاد بايديك اليمين، وبعد ما يفرفر في ايديك ويموت تديله البلسم، كنت أتمنى مكالمة امبارح ديه أحس فيها أكتر بأبوتك ونيافتك بتعيد عليا وعلى ابني وتجيبنا النهاردة بدل ما تغسلني كده، كنت خدتنا في حضنك وأديت ابني هديته بايدك، كان الموقف ده هيفرق معانا طول العمر، بس أنا آسف يا سيدنا حاللني مش هاخد حاجة.
– براحتك يا أبونا، اعمل اللي أنت عاوزه، اتفضل مع السلامة..
يتبع ..
---
## عندما يصير الجهاد الروحي خدعة شيطانية
URL: https://tabcm.net/17308/
Type: post
Modified: 2026-01-26
أَهكَذَا أَنْتُمْ أَغْبِيَاءُ! أَبَعْدَمَا ابْتَدَأْتُمْ بِالرُّوحِ تُكَمَّلُونَ الآنَ بِالْجَسَدِ؟
(رسالة بولي إلى غلاطية 3: 3)
– مأساة الإنسان ليست في أنه جسد بل لأنه يضع الجسد مكان الله في كل ماهو مرتبط به حتى في حياته الروحية. وأعني هنا الجهاد الروحي منافسًا لنعمة الله المجانية. هذا يوضِّحه الرسول بولس لأهل غلاطية إصحاح 3.
أَيُّهَا الْغَلاَطِيُّونَ الأَغْبِيَاءُ، مَنْ رَقَاكُمْ حَتَّى لاَ تُذْعِنُوا لِلْحَقِّ؟ أَنْتُمُ الَّذِينَ أَمَامَ عُيُونِكُمْ قَدْ رُسِمَ يَسُوعُ الْمَسِيحُ بَيْنَكُمْ مَصْلُوبًا! أُرِيدُ أَنْ أَتَعَلَّمَ مِنْكُمْ هذَا فَقَطْ: أَبِأَعْمَالِ النَّامُوسِ أَخَذْتُمُ الرُّوحَ أَمْ بِخَبَرِ الإِيمَانِ؟ أَهكَذَا أَنْتُمْ أَغْبِيَاءُ! أَبَعْدَمَا ابْتَدَأْتُمْ بِالرُّوحِ تُكَمَّلُونَ الآنَ بِالْجَسَدِ؟ أَهذَا الْمِقْدَارَ احْتَمَلْتُمْ عَبَثًا؟ إِنْ كَانَ عَبَثًا!“
(رسالة بولي إلى غلاطية 3: 1-4)
فمن المهم جدًا القراءة الصحيحة لعدد 3 حيث كلمة ”تُكَمَّلُونَ“ هي بفتح وتشديد الميم (=تكميل الإنسان لحياته الروحية) وليس بتشديد وكسر الميم (= الوقوع في خطايا وشهوات).
وبذلك فكلام الرسول يوضِّح التفرقة الدقيقة بين المسيرة الروحانية حسب الروح والمسيرة الروحانية حسب الجسد التي يحذرهم منها الرسول أنهم انحدروا إليها. بل وقد أطلق على هذا المسلك أنه غباء روحي/ عدم إذعان للحق/ عبث / إنكار لبر المسيح الذي صُلْب أمامهم في حين هم ينصرفون عنه إلى جهاد بالجسد حسب الناموس.
فالاعتماد على بر الناموس (الممارسات الجسدية في الطريق الروحي) هو إنكار لبر المسيح (الإيمان بعمل النعمة كأساس لخلاص الإنسان الذي ينتج عنه تغيير سلوك الإنسان بسبب الخليقة الجديدة التي أخذها من المسيح).
وفي (رومية 2: 28) يقدم الرسول بولس مثالًا عن الاعتماد على ممارسة روحية جسدية مثل الختان يظن الإنسان أن ممارستها تضمن له كفايته وبره، في حين يصف الرسول أن الختان في الجسد هو بر مدحه من الناس وليس من الله:
لأَنَّ الْيَهُودِيَّ فِي الظَّاهِرِ لَيْسَ هُوَ يَهُودِيًّا، وَلاَ الْخِتَانُ الَّذِي فِي الظَّاهِرِ فِي اللَّحْمِ خِتَانًا، بَلِ الْيَهُودِيُّ فِي الْخَفَاءِ هُوَ الْيَهُودِيُّ، وَخِتَانُ الْقَلْبِ بِالرُّوحِ لاَ بِالْكِتَابِ هُوَ الْخِتَانُ، الَّذِي مَدْحُهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ بَلْ مِنَ اللهِ.
رسالة بولس إلى رومية 2: 28، 29)
---
## خطواتي الأولى نحو فنون الأدب
عبر ثقب في حمّام بنت الجيران
URL: https://tabcm.net/13551/
Type: post
Modified: 2026-01-26
من ثقبٍ صغيرٍ -أخطأ فيه العامل الذي قام بتركيب سخّان حمامها الوردي اللون- كنت أراها..
أراها دون أن تراني.. دون أن تشعر بي..
وأنا الذي أشعر بكل ذرات الغبار حينما ترتطم ببتلات زهرة..
بخطى باهتة تدخل حمامها.. ببطء تغلق بابه دون النظر للخلف متحاشية النظر لكل ماضيها من خلفها.. ومن خلف ظهرها، ظلت أناملها الدافئة تتلمّس مقبضه المعدني البارد وكأنما تربت على يديه خَشْيَة أن تغضبه.. دومًا تشعر بالضآلة ولا تقوى على التحدي.. تستند بظهرها على الباب المغلق ترجوه ألا ينفتح من جديد.. كأمة مسبية قد تعلمت الخنوع، وأن التغيير وسيلته الوحيدة هي الصلاة والبكاء والركوع.. تغمض عيناها تخشى أن ترى أمامها شيئًا لا تدركه ومعه تغمض عيناها عن ذلك المجهول في المستقبل.. تفلت من صدرها زفرة عبرت حنجرتها بلا صوت ولسان حالها همس باسترحام:
” أرجوك.. لا تدخل معي “
تدفع كل ارتعاشاتها في نبضة وحيدة لتخطو خطوتين إلى منتصف الحمام لتستأنس بالبخار الدافئ.. وفي أبخرة الضباب تخلع ملابسها في صراع بين أمان الستر وعريّ الحقيقة.. المجتمع الذي تحياه قايض بالحقيقة في مقابل الستر، فتعلمت عدم مواجهة جسدها عاريًا، وألا تحل ضفائرها وتخلع أثوابها سوى في ضبابية تموّه الحقائق فتعفي من ذنب المواجهة..
على حياء تبدأ في كشف جسدها شيئًا فشيئًا.. ومع سقوط القطعة الأخيرة من ملابسها الداخلية، تسقط معها آخر ارتعاشات التردد والحسم..
تنساب يدها في الضباب لتفتح صنبور الماء الدافئ وكأنها تناجيه في انتظار.. تلامسه فيُسقط قطرتتن، كدمعتين، من مقلة باكية.. تديره فيصدر الصرير كأنين أخير قبل أن يحتضر الصوت في اكتمال دورانه.. وينهمر الماء متدفقًا كدموع صافية تنساب من تائب لتطهّر قلبه على ذنوب لم يقترفها ولم يكن يومًا سببًا فيها..
كانت قطرات الماء تسقط من علا لترتطم برأسها في قسوة، وما أن تمسها حتى تنقلب قساوتها نعومة فتسيل أخاديد السلام الدافئ على وجهها.. تنساب الممرات الهادئة على انثناءات الجسد لتبعث فيه الخدر.. تغسل عن جسدها تراب الحياة ومعه تغسل عن الروح شوائب القهر.. ترتخي أطرافها، مستمتعة، مستسلمة للقطرات الحنونة، تربت على الجسد برفق لتعوضه ما فات من تيبّسٍ، وتمحو عن الظهر الآم سياط القدر..
من جديد، تنساب يدها وسط الأبخرة لتمسك بقطعة صابون.. ملقاة بإهمال كأحلامها المهملة..
تنفلت منها منزلقة كأحلامها المتبددة.. تطاردها كما تطارد أحلامها الهاربة..
تنكسر النفس بداخلها متأملة برائحة الألم: لماذا إن امتلكت القدرة على الحلم وسط الضباب، يأبى الحلم ذاته أن تمتلكه..؟
تنزلق منها مرة أخيرة قافزة للأعلى كأحلامها الواثبة.. تدفع قدميها بقوة لتقفز واثبة خلف الحلم الصاعد.. ترتجف قطرات الماء هاربة من هذا الجسد الواثب الذي قرر فجأة أن يطارد حلمه.. يتوقّف خط الزمن ليسجل لحظة فارقة في التاريخ.. لحظة وثوب الجسد العاري ضد القانون الجاذب للأرض.. مشهد قطرات الماء المتناثرة فزعًا وتخبطًا من هذا الجسد الذي يعلو ضد التيار المتدفق.. لحظة اليد الممدودة تجاه الحلم الآفل بين الضباب.. مشهد قبض الأنامل على الحلم.. لحظة القرار الارتجالي المفاجئ بالتخلي عن دور الفريسة والإيمان بقوة الوثبة من أجل النهش في الحلم الذي يضيع في الضباب..
تُرى.. هل تنجح هذه اللحظة وهذا القرار في الإمساك بتلابيب الحلم؟ أم أنها محاولة أخيرة فاشلة يذهب معها آخر ما تبقى من أمل؟
مرّة أخرى، ترتجف المياه الراكدة في أرضية الحمام.. تتناثر في هلع مذعورة لتفسح الطريق لساقين تهبطان بثبات وصلابة على الأرض الزلقة.. واليد المرفوعة للسماء والقابضة أناملها على الحلم الممسوك بقوة كانت أبلغ إعلان للنصر المعزز.. لقد تذوقت أخيرًا طعم النجاح حينما آمنت بأنها تستطيع..
أمام هذه الوقفة الشامخة اهتزت ذراتي كما لم أشعر أمام تمثال الحرية الأمريكي الشهير.. وأرهفت السمع استقبالًا لصرخة نصرها تدوي مجلجلة..
لكن،
ما سمعته تعجز كل فنون الأدب عن تصويره في نصوص مكتوبة أو حتى تصوّره في أشد خيالات العقول جنوحًا:
قعدت "تمرش" في بطنها بالصابونة زي ستي لما كانت بتنضف "دكر البط" المدبوح وتدعك صدره بالـ"ردة" علشان ميبقاش زفر.. وصوت دين أمها كان مجلجل في الحمام صارخًا: "مفيش حاجة تيجي كدا ♫ إهدا حبيبي كدا ♬ وإرجع زي زماااااا♪اااااان"
… فاصل زمني لالتقاط الأنفاس …
إنّه الأدب..
الأدب.. ذلك الفن القادر على تحريك الكلمات لترقص ذاهبة في نزهة صوب الشمس لتعود من رحلتها بعد أن غزلت من خيوط النور ثوبًا يعميك عن رؤية جسد عاري في الحمام الوردي..
ذلك الفن القادر أن يعميك عن رؤية جسد الحقيقة العارية لأنه بالأصل غير معني بالمادة ولا يخضع للحقائق..
هو فنٌ معني بلوحة من الألوان، تُدمج فيها انطلاقة الأحاسيس البيضاء، بهمجية الغرائز الحمراء، بنقد الواقع الأسود، وحكمة الدهر السماوية، فلا يظل هناك شيئًا من الحمام الوردي..
فنٌ لا يخضع إلا لحدود عقلك.. تغويك ريشة الكلمات، فتخلق ذلك الفضول والحيرة والغموض، وتستثمر خيالي كقارئ ليرسم لوحة فريدة لا يراها سواي، وعبر ثقب صنعه صانع بالعمد -مهما أنكر قائلًا أنه صدفة من مجهول- فلا أفيق من غيبوبتي بعد أن تم استدراجي ولا أعود أرى إلا بعيون الأديب، وأخضع دون وعي لسحره وتعاويذه، ولا أشاهد العالم إلا من خلال ثقبه المزعوم.. ثقبه الذي اتسع على عالم كامل فيه كل شيئ، كل شيئ، إلا الحمام الوردي..
تبًا للأدب..!
ألا تبًا للأدب..!!
تبًا، أقولها بحنق المتمرد الثائر..
تباً، أقولها كإعجاب المهزوم أمام حسن خديعته..
بالغبائي.. ما العلاقة بين الحلم و”حتة صابون”! وكيف اقتنعت بأن “ميه الدوش” : تدمع في بكاء، وتمطر كالسماء، وتربت في حنو، وتفزع في هلع؟ وكيف صارت الصابونة الرخيصة بطلة ألهثت أنفاسي في السعي إليها بجنون وضيعت كل هذا الوقت الذي كان يمكن استثماره في تأمل أفلاطوني لمفاتن جسد عاري في أشد اللحظات خصوصية؟ تبًا لهذا الفن الذي جعلني أخذت أكبر صابونة في رأسي..!
يا لغبائي.. تبًا لي..!
وتبًا لهذا الحمام الوردي..!
ها هي بصقة أخيرة تندفع من فمي لتحمل معها كل حنقي على ذاتي التي أغوتني فيمَا لا يُغوي تاركة ما يستحق الغَوَاية..
بصقة على الوقت الضائع في لوحة العدم التي تحطمت مع “مرش ستي لدكر البط”..
بصقة على لوحة من فسيفساء الخواء الذي تبعثر في انتظار تمثال الحرية وهو يصرخ مغنيًا لنانسي عجرم..
بصقة يرجمها فمي كحجر يجتاز سور شرفتي وتسبح في الفضاء الصامت لا تكترث لضجيج السيارات المسرعة وآلات التنبيه.. لم أعد أسمع من أصوات الكون إلا صوت قذيفة سخطي وهي تشق الهواء منطلقة تجاه فنٍ يسمونه الأدب.. ها أنا أسمع صوت ارتطامها بحائط الحمام الوردي لتخبره عن رأيي في كل حمامات الكون بكل الألوان.. ما أجمله من صوت.. ما أجمل أن تعبّر عن ذاتك في بصقة حاملة رسالة فيها ما يستحقه ذلك الكريه من تقدير.. ما أريح أن تثلج صدر انتقامك بقذف توقيعك كطلقة نارية أردت عدوك صريعًا وكأنما هي دماء موته التي تسيل.. تسيل..
تسيل..
تسيل..
..
لاء..
لاء..
لاااااا..
ماتروحيش تسيلي عند الخرم ده..!
انحرفي عن مسارك أيتها البصقة اللعينة وحطمي قواعد السير الآن..! لا تسيلي باتجاه ذلك الثَّقب في جدار الحمام فتغلقيه على عيوني!! اتركي الثَّقب مفتوحًا فلربما غدًا أشاهد نفس الفتاة تستحم لمرة أخرى لكن دون فنون الأدب وبكل قلة الأدب..! ارجعي للأعلى وتحدي جاذبية الأرض..! أنا من يكتب وأنا من يأمرك أن تصعد روحك الآن..!!
استقريتي ع الثَّقب بالظبط ياختي؟!؟
طيب كملي وانزلي..
كملي سريان وسيلي لتحت أكتر..
كملي سريان بأه مانتي كنتي ماشية كويس..! كملـــــــــــــــــييييي ييييييي.!!!
مفيش فايدة..!
نلتقي بعد ما تكون الغمامة دي نشفت بأه بفعل تجاعيد الزمن الآتي..!
أنا برضو اللي استاهل.. كان لازم المبالغة الدرامية تجرفني كحجر مقذوف حاملًا رسالة عابرة للبلكونات كطلقة الرَّصاص؟
يعني كل الميكانيزم المعقّد ده، وأنسى أطلع الرصاصة الأخيرة من بندقية بمنظار قناصة علشان أضمن أنشن كويس؟
يلعن آدب الخيال العلمي الفاقد للحبكة! والنشان!!
وتلك كانت آخر خطواتي نحو الأدب، وبداية مساري الدائم والمستمر بلا عودة نحو: قلة الأدب.
---
## مصادر تعاليم بولس الرسول (٢)
URL: https://tabcm.net/12165/
Type: post
Modified: 2026-01-26
يعقد الكاتب مقارنات عديدة بين ما علَّم به القديس بولس الرسول، سواء في رسائله أو أحاديثه وحواراته ومرافعاته أمام الولاة التي سجلها له سفر الأعمال، وبين ما جاء بالأناجيل الثلاثة التي كتبها القديس متى، والقديس لوقا، والقديس مرقس، والمعروفة بالأناجيل الإزائية، أو التكاملية، ويورد أمثلة لذلك تصل إلى حد التطابق، ويعلق الكاتب:
“كل هذه الاستشهادات المباشرة بوصايا الرب التي عثرنا على المرادف لها في الأناجيل الثلاثة الأولى أو التي ينسبها بولس للمسيح ولا يوجد لها مقابل في الأناجيل، أو التي يطلقها بولس الرسول دون الإشارة إلى أي مرجع ولكنها تحمل الروح الرئاسي بسلطان، يتضح منها أن بولس الرسول إما أنه كان يقرأها من بعض المدونات المكتوبة كأساس للأناجيل التي حصل عليها من الرسل”.
(الأب متى المسكين، القديس بولس الرسول «حياته، لاهوته، أعماله»)
وسبق للكاتب أن توقف عند لقاء القديس بولس مع الأعمدة الثلاثة للكنيسة الأم في أورشليم:
“وأعطوه يمين الشركة ليكرز بإنجيله بعد أن قدمه لهم، فاستحسنوه ولم يضيفوا عليه أو يحذفوا منه شيئًا”.
(الأب متى المسكين، القديس بولس الرسول «حياته، لاهوته، أعماله»)
تأسيسًا على ما كتبه ق. بولس نفسه:
“فَإِنَّ هؤُلاَءِ الْمُعْتَبَرِينَ لَمْ يُشِيرُوا عَلَيَّ بِشَيْءٍ. بَلْ بِالْعَكْسِ، إِذْ رَأَوْا أَنِّي اؤْتُمِنْتُ عَلَى إِنْجِيلِ الْغُرْلَةِ كَمَا بُطْرُسُ عَلَى إِنْجِيلِ الْخِتَانِ. فَإِنَّ الَّذِي عَمِلَ فِي بُطْرُسَ لِرِسَالَةِ الْخِتَانِ عَمِلَ فِيَّ أَيْضًا لِلأُمَمِ. فَإِذْ عَلِمَ بِالنِّعْمَةِ الْمُعْطَاةِ لِي يَعْقُوبُ وَصَفَا وَيُوحَنَّا، الْمُعْتَبَرُونَ أَنَّهُمْ أَعْمِدَةٌ، أَعْطَوْنِي وَبَرْنَابَا يَمِينَ الشَّرِكَةِ لِنَكُونَ نَحْنُ لِلأُمَمِ، وَأَمَّا هُمْ فَلِلْخِتَانِ”.
(رسالة بولس إلى غلاطية 6:2ـ 9)
ويعود الكاتب فيؤكد أن مصدر تعليم ق. بولس هو السيد المسيح نفسه حسب توثيق القديس بولس “لأنني تسلمت من الرب ما سلمتكم” (كورنثوس الأولى 23:11)، وفي نفس الرسالة ص 7 “إن كان أحد يحسب نفسه نبيًا أو روحيًا فليعلم ما أكتبه لكم أنه وصايا الرب”، وعندما يبدي القديس بولس في نفس الرسالة رأيًا خاصًا به يذكر ذلك صراحة:
“وَأَمَّا الْعَذَارَى، فَلَيْسَ عِنْدِي أَمْرٌ مِنَ الرَّبِّ فِيهِنَّ، وَلكِنَّنِي أُعْطِي رَأْيًا كَمَنْ رَحِمَهُ الرَّبُّ أَنْ يَكُونَ أَمِينًا.”
(رسالة بولس الأولى إلى كرونثوس 25:7)
ويورد الكاتب رأيا لعالم من علماء الكتاب المقدس (جوانس فايس):
“أن بولس الرسول كان يرجع إلى أقوال المسيح في الوصايا السلوكية والأخلاقية والتنظيمية للمؤمنين ذات الطابع التقنيني باعتبارها معيارًا مسيحيًا ثابتًا ينبغي الالتزام به. أما ما يخص حياة المؤمنين فإنه كان يستوحى الروح القدس مباشرة حسب غنى نعمة الله التي منحه الله إياها بوفرة”.
(الأب متى المسكين، القديس بولس الرسول «حياته، لاهوته، أعماله»)
كانت وصية الرب يسوع لتلاميذه “اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم … وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به”، ومن هنا ندرك أن اللقب الأول للرب هو “المُعلّم” والرسل كانوا “تلاميذ”، وحسب الكاتب:
كان الرب يضع لهم بتعليمه وصايا ذات طابع قانوني على مستوى الناموس، ولكن أعلى منه، لكل نواحي الحياة السلوكية التي جاءت بسلطان رئاسي هكذا: “قد سمعتم أنه قيل للقدماء ـ سلطان الناموس ـ وأما أنا فأقول لكم ـ بسلطان أعلى من الناموس” حيث يُستشفُّ من كلام المسيح أن الناموس وضعي من مستوى بدائي، أما وصايا الرب فهي من فوق بسلطان الله.
(الأب متى المسكين، القديس بولس الرسول «حياته، لاهوته، أعماله»)
وينبهنا الكاتب إلى ملاحظة:
“أن مصدر التعليم عند اليهود اسمه “التَّلْمُود”، وهى كلمة عبرية موازية وذات نفس الأصل من كلمة “تلمذة” و “تلميذ” بالعربية. فوصايا الرب وتعليمه لتلاميذه هي التَّلْمُود الجديد الذى صار الإنجيل”.
(الأب متى المسكين، القديس بولس الرسول «حياته، لاهوته، أعماله»)
وحسب رصد الكاتب نكتشف معه أن:
“بولس الرسول يكاد يكون هو أول من تمم قول الرب الذي جاء فى نهاية الأناجيل: فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم … وعلموهم أن يحفظوا ما أوصيتكم به”.
(الأب متى المسكين، القديس بولس الرسول «حياته، لاهوته، أعماله»)
ولعل خدام الكلمة ينتبهون إلى بقية الآية التي هي حسب وصف الكاتب “رأس مال بولس الرسول” وهي رأس مالهم أيضًا، “وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر.” (متى 20:28). وهو ما تأكد بإرسال الروح القدس ليحل ويملأ الرسل والكنيسة ويبقى معهم ومعها، يرشدهم ويرشدها إلى جميع الحق، وبحسب المسيح “فهو يعلّمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم” (يوحنا 26:14).
المسيح عند بولس الرسول هو صاحب التوراة الجديدة، “وهكذا تمموا ناموس المسيح” (غلاطية 6:2)، وناموس المسيح عند ق. بولس هو “ناموس روح الحياة فى المسيح يسوع” الذي “أعتقني من ناموس (موسى) ناموس الخطية والموت” (رو2:8).
وفي كل تعاليم ق. بولس يصادفنا اصطلاح “حسب المسيح يسوع”، وهي في الأصل اليوناني تفيد “بمقتضى فعل”، ويتضح المعنى على سبيل المثال بقراءة الآية “لأن الحزن الذي حسب (بمقتضى فعل) مشيئة الله يُنشئ توبة، لخلاص بلا ندامة، وأما حزن العالم فينشئ موتًا” (2كو10:7)، وواضح هنا أن مثل هذا الحزن ينشأ من فعل مشيئة الله، لخلاص بلا ندامة.
يختتم الكاتب هذا الطرح بقوله:
“إن المؤمن الذي اعتمد ولبس المسيح واتحد به، أصبح ـ في الحقيقة ـ ليس في حاجة لوصية يتعلمها، لأنه يكون متعلمًا من الرب كقول العهد القديم “وَلاَ يُعَلِّمُونَ بَعْدُ كُلُّ وَاحِدٍ صَاحِبَهُ، وَكُلُّ وَاحِدٍ أَخَاهُ، قَائِلِينَ: اعْرِفُوا الرَّبَّ، لأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ سَيَعْرِفُونَنِي مِنْ صَغِيرِهِمْ إِلَى كَبِيرِهِمْ، يَقُولُ الرَّبُّ” (إرميا34:31). الرب هنا هو التوراة والتلمود والمعلم معًا. والقديس يوحنا الرسول يضعها هكذا “وَأَمَّا أَنْتُمْ فَالْمَسْحَةُ الَّتِي أَخَذْتُمُوهَا مِنْهُ ثَابِتَةٌ فِيكُمْ، وَلاَ حَاجَةَ بِكُمْ إِلَى أَنْ يُعَلِّمَكُمْ أَحَدٌ، بَلْ كَمَا تُعَلِّمُكُمْ هذِهِ الْمَسْحَةُ عَيْنُهَا عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَهِيَ حَق وَلَيْسَتْ كَذِبًا. كَمَا عَلَّمَتْكُمْ تَثْبُتُونَ فِيهِ.” (1يو27:2)، وهو الذي يشير إليه بولس الرسول في قوله، بعد ما أعطى رأيه: “وَلكِنْ إِنْ مَاتَ رَجُلُهَا، فَهِيَ حُرَّةٌ لِكَيْ تَتَزَوَّجَ بِمَنْ تُرِيدُ، فِي الرَّبِّ فَقَطْ. وَلكِنَّهَا أَكْثَرُ غِبْطَةً إِنْ لَبِثَتْ هكَذَا، بِحَسَبِ رَأْيِي. وَأَظُنُّ أَنِّي أَنَا أَيْضًا عِنْدِي رُوحُ اللهِ.” (1كو39:7و40)“.
(الأب متى المسكين، القديس بولس الرسول «حياته، لاهوته، أعماله»)
وينتهي الكاتب إلى أنه:
“هنا يتضح بقوة فكر بولس الرسول المنحصر فى الرب يسوع المسيح باعتباره أنه هو التوراة الجديدة ـ الحكمة ـ سواء بالتعليم المباشر أو بالتعليم التوجيهي في الضمير بالروح”.
(الأب متى المسكين، القديس بولس الرسول «حياته، لاهوته، أعماله»)
وبهذا ينتهي عرض الجزء الأول من كتاب “القديس بولس الرسول”، لننتقل مع كاتبه إلى الجزء الثاني الذي يتعرض للقضايا اللاهوتية التي علم بها القديس بولس الرسول، فيمَا يتعلق بماهية المسيح والثالوث، والخلاص والفداء، سنعرضها تباعًا في مقالات مقبلة.
---
## مصادر تعاليم بولس الرسول (١)
URL: https://tabcm.net/12010/
Type: post
Modified: 2026-01-26
في تتبعنا لطرح الكاتب ندرك أنه لا يتبنى منهج كتابة المناظرات، أو الكتابة الجدلية، الدفاعية، ولا تستغرقه الكتابة التأملية التي تغازل المشاعر، ولعلنا لاحظنا أنه يقترب من حالة ق. بولس في نشأتها وتشكلها الحياتي وتطورها الذهني والاختباري، ويضع يده على نقطة التحول المحورية، حين باغته الرب يسوع المسيح بظهوره له وهو في طريقه إلى دمشق، وهو تحول لا يلغي التكوين النفسي ولا يطمس القدرات الشخصية، إنما ينير الذهن ليدرك ويعي كل ما اختزنه عقله من معارف توراتية وناموسية وتعليمية بامتداد سني عمره المنقضي قبل هذا اللقاء، وفي استنارته هذه يكتشف أن الشخص المحوري في كل هذا، هو شخص الله المتجسد، وكان هذا الاكتشاف محور كرازته.
دعونا نعيد قراءة ذاك الحوار الذي دار بين الرب وبولس، كما سجله هو فس دفاعه عن نفسه أمام أغريباس الملك؛ فبعد أن يحكي ملابسات ظهور الرب يسوع له يورد الحوار الذي حفر في ذاكرته:
فَقُلْتُ أَنَا: مَنْ أَنْتَ يَا سَيِّدُ؟ فَقَالَ: أَنَا يَسُوعُ الَّذِي أَنْتَ تَضْطَهِدُهُ. وَلكِنْ قُمْ وَقِفْ عَلَى رِجْلَيْكَ لأَنِّي لِهذَا ظَهَرْتُ لَكَ، لأَنْتَخِبَكَ خَادِمًا وَشَاهِدًا بِمَا رَأَيْتَ وَبِمَا سَأَظْهَرُ لَكَ بِهِ، مُنْقِذًا إِيَّاكَ مِنَ الشَّعْبِ وَمِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ أَنَا الآنَ أُرْسِلُكَ إِلَيْهِمْ، لِتَفْتَحَ عُيُونَهُمْ كَيْ يَرْجِعُوا مِنْ ظُلُمَاتٍ إِلَى نُورٍ، وَمِنْ سُلْطَانِ الشَّيْطَانِ إِلَى اللهِ، حَتَّى يَنَالُوا بِالإِيمَانِ بِي غُفْرَانَ الْخَطَايَا وَنَصِيبًا مَعَ الْمُقَدَّسِينَ.
(سفر أعمال الرسل 16:26ـ 18)
ويكمل القديس لوقا مشهد اللقاء، ويعلق كاشفًا منهج القديس بولس، التعليمي المحقق:
وَلِلْوَقْتِ جَعَلَ يَكْرِزُ فِي الْمَجَامِعِ بِالْمَسِيحِ «أَنْ هذَا هُوَ ابْنُ اللهِ». فَبُهِتَ جَمِيعُ الَّذِينَ كَانُوا يَسْمَعُونَ وَقَالُوا:«أَلَيْسَ هذَا هُوَ الَّذِي أَهْلَكَ فِي أُورُشَلِيمَ الَّذِينَ يَدْعُونَ بِهذَا الاسْمِ؟ وَقَدْ جَاءَ إِلَى هُنَا لِهذاَ لِيَسُوقَهُمْ مُوثَقِينَ إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ!». وَأَمَّا شَاوُلُ فَكَانَ يَزْدَادُ قُوَّةً، وَيُحَيِّرُ الْيَهُودَ السَّاكِنِينَ فِي دِمَشْقَ مُحَقِّقًا «أَنَّ هذَا هُوَ الْمَسِيحُ»
(سفر أعمال الرسل 20:9ـ22)
من هذا نفهم أن المصدر الأساسي عند بولس الرسول في تعليمه هو شخص المسيح بشكل مباشر “خادمًا وشاهدًا بما رأيت وبما سَأَظهَر لك به”، “مُحققًا أن هذا هو المسيح”.
وفي هذا يعيدنا الكاتب إلى ترتيب المصادر عند ق. بولس تاريخيًا تأسيسًا على:
دراسة العلماء المتتابعة على مدى مئات السنين أصبحت الآن أصول المصادر التي يستند إليها بولس الرسول في تعليمه أو الينابيع الصادرة منها واضحة لا تخرج عن منبعين:
أ ـ التوراة.
ب ـ تعليم المسيح.
(الأب متى المسكين، القديس بولس الرسول «حياته، لاهوته، أعماله»)
ويربط الكاتب بين المصدرين، عند القديس بولس ويصل إلى نتيجة محددة، أن:
“بولس الرسول يشرح العهد القديم على ضوء الرؤية التى اكتسبها بالروح من المسيح ولهذا جاءت مُحكمة متكاملة”.
(الأب متى المسكين، القديس بولس الرسول «حياته، لاهوته، أعماله»)
ويرى الكاتب أن:
“الاتفاقات الواضحة بين تعاليم بولس الرسول وما جاء في الأناجيل، وخاصة إنجيل يوحنا، وبقية الرسائل لبطرس ويعقوب ويوحنا وبقية تعاليم الرسل، إنما يُعزى للنقل الشفهي الذي كانت تعتمد عليه الكنيسة كل الاعتماد، منذ صعود الرب وحتى كتابة أول إنجيل في حِقْبَة زمنية لا تقل عن ثلاثين سنة ـ حيث كانت تعاليم الرسل تُحفظ وتُتلى شفاهًا كقانون تعليمي Catechism ـ لذلك لا يوجد أي نشاز أو أدنى نزاع في المسائل التعليمية وفي الممارسات الكنسية بين بولس الرسول وبقية الرسل، كذلك كل ما يتعلق باللاهوت بالنسبة لله، والمسيح، والخلاص والأسرار والأمور الأخروية”.
(الأب متى المسكين، القديس بولس الرسول «حياته، لاهوته، أعماله»)
يعود الكاتب فيؤكد على أن:
ق. بولس قد استلم تعليمه وإنجيله من المسيح رأسًا “بإعلان”، ومعرفته الفائقة في أمور الخلاص مردها النعمة الفائقة التي وهبها له المسيح كنور فائق أضاء وعيه المسيحي، “ولكن لا أنا بل نعمة الله التي معي” (1كو10:15)
كانت التوراة في نسختها السبعينية بروحها التقوية هي محل تلمذة القديس بولس، وقد تم تَرْجَمَة التوراة فيها إلى اليونانية، “خصيصًا من أجل يهود الشتات الذين عاشوا بعيدًا عن وطنهم وعن لغتهم العبرية والآرامية، ومعها كل مواريثها القديمة من مفهومات واصطلاحات تقوية من التاريخ الروحي للآباء بكل ما يحمل من تراث تعليمي وتوجيهي ومواعيد ورجاء، فجاءت السبعينية لتوصل وتربط يهود الشتات بميراثهم وتراثهم من جديد”
(الأب متى المسكين، القديس بولس الرسول «حياته، لاهوته، أعماله»)
واللافت أن تكون خدمة وكرازة ق. بولس للأمم، عبر يهود الشتات ومعهم.
كان للتوراة في ترجمتها السبعينية دورًا رئيسيًا في أن يكون:
الخط الأساسي الغائر في نفسية بولس وروحه وفكره هو الخط التقوى، لذلك سهل عليه بعد أن أدركه المسيح وأدرك هو المسيح أيضًا، أن يدرك وبسهولة أنه بالمسيح انتهى الناموس وفقد قوته الأساسية فى ربط اليهودي بالله، وخاصة عندما كمُلت في المسيح كل المواعيد التي في الناموس، … وأن المسيح هو نهاية خط التقوى المرسوم في التوراة … لذلك جاءت تقوى بولس الرسول في رسائله تعبِّر أعظم تعبير عن تقوى العهد القديم متوَّجة بقداسة المسيح وجلال تقواه.
(الأب متى المسكين، القديس بولس الرسول «حياته، لاهوته، أعماله»)
ويتوقف الكاتب مليًا مع اقتباسات القديس بولس العديدة من التوراة، التي تؤكد روح التقوى عنده، ويتتبع تلقائيته السريعة في الإيمان ثم الكرازة التي لا تبلغ في مدتها الزمنية أكثر من أسبوع حسب رواية القديس لوقا فس سفر الأعمال.
ولعل هذا، حسب الكاتب، هو السر وراء:
“التعاليم الأخلاقية المكثفة في رسائل بولس الرسول وتنظيمها وتقنينها، وسرد عيوب السلوك وإصلاحها، وتوعية الضمير، وأعمال النسك الروحي وإماتة الأعضاء التي على الأرض، وواجبات العبادة الصادقة، فهذه كلها انطباعات تقويَّة من واقع روح التوراة، التي كان يعيش عليها القديس بولس ويتحرك، التي سلط عليها نور المسيح الذي هو المثل والنموذج الأعلى للتوراة الروحية الحقيقية”.
(الأب متى المسكين، القديس بولس الرسول «حياته، لاهوته، أعماله»)
وفيما يشبه الاستدراك يطالبنا الكاتب بـ:
التمييز بين تقدير بولس الرسول العالي للتوراة وبين مناداته بإلغاء الناموس، وهو الجزء من التوراة الذي أبطله المسيح بظهوره، بالفداء الذي أكمل به الناموس، فالناموس فى صرامته رسخ فى الذهن ضرورة الخلاص والفداء. فلما جاء المخلص والفادي انتهى دور الناموس وأُطلق سراح المحبوسين.
(الأب متى المسكين، القديس بولس الرسول «حياته، لاهوته، أعماله»)
ويؤكد الكاتب أن:
أول من استخدم الرمزية في التعليم هم الأنبياء بل ربما الله نفسه، ليقرب إلى ذهن الإنسان وحواسه استعلان شخصه وصفاته، فظهور الله كنار مشتعلة هو أقوى رمز أو تشبيه عن طبيعة الله، التي صيغت بالكلمة بعد ذلك “لأن إلهنا نار آكلة” (عبرانيين 29:12)
(الأب متى المسكين، القديس بولس الرسول «حياته، لاهوته، أعماله»)
ويورد الكاتب العديد من التشبيهات التي برع ق. بولس في استخدامها، لشرح ما أُغلق فهمه في التوراة، فخرج بها من حدود القصة الضيقة إلى معانٍ أعلى وأوسع، ومن حدود الحرف إلى الروح. مقتديًا بالرب يسوع، ويعلق الكاتب:
“هذا الأسلوب الإبداعي في إخراج الروح من الرمز هو بمثابة إعطاء كلمة التوراة المغلقة والضيقة أجنحة تطير بها في سماء الروح لتحط على الحقائق الأزلية”
(الأب متى المسكين، القديس بولس الرسول «حياته، لاهوته، أعماله»)
ويتتبع الكاتب دور القديس بولس في استنباط مبادئ وأفكار جديدة في المسيحية مستوحاة من التوراة لشرح وتعميق الإيمان المسيحي، وكيف أن ممارسات العهد القديم وطقوسه كانت “ظل الحقائق”، لينقلنا إلى الحقائق التي في المسيح يسوع، ويعقد مقارنات ممتدة بين ما كان في العهد القديم وما صار في المسيح يسوع وكنيسة العهد الجديد؛ الفصح القديم والفصح الجديد، المن النازل من السماء الذى لا ينقص ولا يزداد، وقد وظف حالة الكفاية من المن ليحث الكنائس الغنية أن تسخي في عطائها ـ بقدر وتقسيط معاُ ـ لفقراء أورشليم:
“فَإِنَّهُ لَيْسَ لِكَيْ يَكُونَ لِلآخَرِينَ رَاحَةٌ وَلَكُمْ ضِيقٌ، [أي لا يعطوا من أعوازهم فيصيروا في ضيق] بَلْ بِحَسَبِ الْمُسَاوَاةِ. [أصل روح الاشتراكية] لِكَيْ تَكُونَ فِي هذَا الْوَقْتِ فُضَالَتُكُمْ [المالية] لإِعْوَازِهِمْ [الجسدية]، كَيْ تَصِيرَ فُضَالَتُهُمْ [الروحية بالدعاء] لإِعْوَازِكُمْ [الروحية]، حَتَّى تَحْصُلَ الْمُسَاوَاةُ. كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ:«الَّذِي جَمَعَ كَثِيرًا لَمْ يُفْضِلْ، وَالَّذِي جَمَعَ قَلِيلاً لَمْ يُنْقِصْ». (كورنثوس الثانية 13:8ـ 15).
(الأب متى المسكين، القديس بولس الرسول «حياته، لاهوته، أعماله»)
ويرصد الكاتب مقارنة بولس الرسول بين نور التوراة على وجه موسى ونور المسيح الذي أشرق في قلوبنا بالإنجيل، وكيف أننا جميعنا ننظر مجد الرب بوجه مكشوف (بدون برقع كما كان الحال مع موسى).
ويعلق الكاتب:
هنا يمكن تجميع رؤية بولس الرسول فى القول بأن تَطَلُّعنا في إنجيل المسيح هو في حقيقته تطلع دائم في وجهه الإلهي الذي يضيء قلوبنا بحضرته، فيغيرنا إلى مجد، ومن مجد إلى مجد، شريطة أن يكون تطلعنا فى الكلمة قويًا لصيقًا كما في مرآة، بدون برقع الخطية، نعدِّل عليها صورتنا كل مرة لتكون “على صورة مجده”
(الأب متى المسكين، القديس بولس الرسول «حياته، لاهوته، أعماله»)
ويؤكد الكاتب مجددًا أن:
المسيح [عند بولس بيقين] هو التوراة الجديدة الحقيقية بصفته الحامل لطبيعة الله والمعلن عنها
(الأب متى المسكين، القديس بولس الرسول «حياته، لاهوته، أعماله»)
ينتقل الكاتب إلى المصدر الثاني الذي يستند إليه بولس الرسول في تعليمه وهو “تعاليم المسيح” وسنعرض له في مقال مقبل.
---
## الفكر اللاهوتي للقديس بولس
URL: https://tabcm.net/12008/
Type: post
Modified: 2026-01-26
هذا الفصل يصح تسميته "إعداد الخادم حسب بولس الرسول"، والخادم هنا عنوان يندرج تحته كل من يُختار لخدمة الكلمة وخدمة النفوس وخدمة القرية والمدينة، ومن ثم فهو الأسقف وما يتبعه من درجات ورتب الإكليروس، وهو أيضًا مختلف الخدام من المدنيين، بل أظنه خارطة طريق للمعاهد الإكليريكية الساعية لضبط بوصلة الخدمة الليتورجية وخدمة الكلمة وبناء كنيسة مقدسة جامعة رسولية.
لم يكن القديس بولس منغلقًا على الثقافة الدينية، بل كان مشتبكًا مع العديد من الدوائر المعرفية والثقافية والعملية في زمنه، ويورد الكاتب العديد من المصطلحات والتوصيفات المتداولة في الحياة اليومية وفي العديد من المجالات الحياتية، وقد استخدمها ووظفها ق. بولس في إيصال المعنى الذي يريد إيصاله للمتلقي في رسائله، الأمر الذي يكشف عن موسوعية فكر وثقافة الرسول بولس، وقد طوعها لخدمة الكلمة، في تصالح واضح مع الثقافة العامة والحياة.
فاستعار مفردات ميادين السباق، وقوانينها، وأدوات الحرب وأسلحته، وكذلك لغة المحاكم والقضايا، “فالتبرير” بمعنى حكم البراءة، في مقابل “الدينونة” وهي “حكم إدانة”، والأكثر إثارة ما أورده الكاتب “كما نسمع من بولس الرسول عن اصطلاحات التمثيل والمسرح وجمهور النظارة:
فإنني أرى أن الله أبرزنا [قدمنا للعرض] نحن الرسل آخِرين [مشهد أخير]، كأننا محكوم علينا بالموت لأننا صرنا منظرًا [تياترو] للعالم للملائكة والناس 1كو9:4.
(الأب متى المسكين، القديس بولس الرسول «حياته، لاهوته، أعماله»)
ويستكمل الكاتب اقتباسات القديس بولس من شئون العمارة وتفاصيلها:
“كبناء حكيم [باشمهندس] قد وضعتُ أساسًا وآخر يبنى عليه. ولكن فلينظر كل واحد كيف يبنى عليه ـ 1كو10:3“، وكذلك من أرباب الحرف “أم ليس للخزاف سلطان على الطين أن يصنع من كتلة واحدة إناءً للكرامة وآخر للهوان ـ رو21:9”
(الأب متى المسكين، القديس بولس الرسول «حياته، لاهوته، أعماله»)
مع أن بولس الرسول نفسه هو صاحب حرفة صناعة الخيام. ويوالي الكاتب رصد اصطلاحات ق. بولس من شئون التجارة، عربون الروح وعربون ميراثنا، ولغة البحارة والأسفار بالبحار:
“الذي هو [المسيح] لنا كمرساة [هلب] للنفس، مؤتمنة وثابتة تدخل إلى ما داخل الحجاب عبرانيين 19:6”
(الأب متى المسكين، القديس بولس الرسول «حياته، لاهوته، أعماله»)
ويهتم الكاتب بـ:
“الاصطلاحات الأكثر استخدامًا، التي أدخلها بولس الرسول في لغته وكانت محببة إليه هي اصطلاحات القضاء والمحاماة، وكذلك الحرب والتسلح والتمرين، وفي العالم القديم ـ الذي عاش فيه بولس الرسول ـ لم نسمع منه على يد أي مؤرخ شيئًا عن بولس قط. لأن بولس كان في الحقيقة هو “الإنسان الجديد” وسط هذا “العالم القديم”. فعاش بولس ومات ولم يستشعره مؤرخ أو فيلسوف، وهذا لا يحسب حجة ضد بولس، بل يحسب حجة ضد الأرستقراطية الميتة التي كان يعيشها عالم بولس”.
(الأب متى المسكين، القديس بولس الرسول «حياته، لاهوته، أعماله»)
ليست المصطلحات فقط هي التي ميزت كتابات القديس بولس، لكن الباحث يكتشف استخدامه وسائل التعليم بالتشبيه والتمثيل؛ وهو ما تتبعه الكاتب، في مشاهد عديدة حملتها رسائل ق. بولس؛ مثل حبة الحنطة وكيف تقع وتموت أولًا ثم يتغير شكلها إلى جسم آخر حي ينمو ويثمر، ويطبق ذلك على حقيقة الموت بجسد أرضي ثم القيامة بجسد آخر روحي… كذلك قدم مثل الجندي في الحرب الذي يتحتم على من يجنده أن يكسيه ويطعمه ثم يطبق هذا المثل على وضعه الروحي هو، كرسول مجند للمسيح. ولكن لحساب من يعظهم ويعلمهم، وينبههم أن يوفروا له المعيشة وتكاليفها، ويدعم كلامه بأسانيد من الناموس والتوراة. وهو هنا يضع قدميه والكنيسة معه على أرض الواقع، فلا تستغرقه عوالم غيبية، وهو ما أكده حين أعلن أن حاجاته وحاجات من يعاونوه تكفل هو بها من عمله.
ويوظف القديس بولس المنطق في طرح إيمانه ورؤيته، حين يتعرض للقضايا اللاهوتية المحورية في الإيمان المسيحي، عبر مقاربات ومقارنات لا تنقطع بين قضيتي السقوط والخلاص، وبين فعل آدم الأول وبين فعل المسيح آدم الثاني، وحتمية التجسد الإلهي، فالطبيعة التي أدخلت اللعنة، يلزم حسب العدل أن تكون هي التي تُدخِل البر. ويعلق الكاتب:
“هذا منطق عدالة الله، وفي نفس الوقت هو منطق المناسبة لدى فكر الإنسان. ثم عاد بولس الرسول ليقارن بين سبب الخطية وعنصرها الأساسي وهو عِصْيَان آدم، في مقابل سبب البر وعنصره الأساسي وهو طاعة المسيح لله، لتوازن عِصْيَان آدم. ولكن كم تكون حد المعادلة من طرف المسيح الإنسان بسبب لاهوته أقوى مئات وملايين المرات بلا عدد بالنسبة لحد المعادلة من طرف آدم؟”
“لأَنَّهُ كَمَا بِمَعْصِيَةِ الإِنْسَانِ الْوَاحِدِ ـ الترابي ـ جُعِلَ الْكَثِيرُونَ خُطَاةً، هكَذَا أَيْضًا (مع الفارق الهائل) بِإِطَاعَةِ الْوَاحِدِ ـ السماوي الإلهي ـ سَيُجْعَلُ الْكَثِيرُونَ. أَبْرَارًا. !!” (رومية19:5).
“فمهما ازدادت الخطية فى العالم بالإنسان الأرضي، فالنعمة بالإنسان السماوي [المسيح] كفيلة باجتثاثها اجتثاثًا، لأنها أقوى بما لا يُقاس، على أساس أن عامل الخطية ضعف إنساني، أما النعمة فعاملها قوة إلهية”.
(الأب متى المسكين، القديس بولس الرسول «حياته، لاهوته، أعماله»)
تحت عنوان “المنهج التأملي الحر عند بولس الرسول” يقول الكاتب:
“الحوار في المنهج التعليمي عند الفريسيين أصيل، لإذكاء الفكر لقبول الحقيقة، ولكن مثل هذا المنهج يحتاج لمؤهلات ليكون المُحاور مقتدرًا، أهمها أن يتوفر له طول النَفَس وهدوء الأعصاب مع شيء من الدهاء، وهذه كانت تُعوِز بولس الرسول، فهو عاطفي، تأثُّري، مندفع، غيور. كذلك فإن المنهج الجدلي يحتاج إلى خطة ذات هدف محدد يسير نحوها المُتحاور دون أن يتوه في الطريق، وبولس الرسول عكس ذلك، فهو بعد أن يبدأ الشوط ويحدد الموضوع الذي سيقتحمه، وإذ ننتظر منه السير في الاتجاه الذي حدده، نجده يعرِّج في الطريق على موضوع آخر، أو يشغله حماسه بخصوص الفضائل أو السلوك فيستغرق فيه، وقلما يعود إلى ما بدأ به الحديث.
وهو في رده على المهاجمين والمتلصصين على تعليمه وحريته فى المسيح لا يحاجج، ولكنه يهاجم، ويفضح النيات الداخلية:
“يَمْنَعُونَنَا عَنْ أَنْ نُكَلِّمَ الأُمَمَ لِكَيْ يَخْلُصُوا، حَتَّى يُتَمِّمُوا خَطَايَاهُمْ كُلَّ حِينٍ. وَلكِنْ قَدْ أَدْرَكَهُمُ الْغَضَبُ إِلَى النِّهَايَةِ.” (1تس16:2).
(الأب متى المسكين، القديس بولس الرسول «حياته، لاهوته، أعماله»)
ويتتبع الكاتب منهج القديس بولس في الدفاع المتدفق والمتلاحق “المستند على النعمة التي تضئ ذهنه”، “فهو لم ينقل عن أحد قبله”، وينتهى الكاتب إلى أن المساهمة اللاهوتية المتسعة والمتفرعة والمتعددة المواضيع التي قدمها بولس الرسول للمسيحية تقف على قاعدة عريضة، مستكملة بالبرهان واليقين، أتته في مناسبات كثيرة كدفعات إلهامية استوعبها من الله والمسيح مباشرة.”
ويصف الكاتب لاهوت بولس الرسول بأنه:
“ليس لاهوتًا نظريًا بل هو لاهوت إلهامي مسنود بالنعمة، وعمقه لا يأتي عن عمق تفكير وتحليل بل عن استعلان تلو استعلان، والنعمة أمنته ضد مواطن الزلل ومواطئ الانحدار، فجاء لاهوتًا صافيًا صفاء السماء التى منها انحدر”.
(الأب متى المسكين، القديس بولس الرسول «حياته، لاهوته، أعماله»)
ثم يتعرض الكاتب إلى “المصادر التي يستند إليها بولس الرسول في تعليمه”، وهو ما سنعرضه في المقال المقبل.
---
## صفات القديس بولس
URL: https://tabcm.net/12006/
Type: post
Modified: 2026-01-26
يفتتح الكاتب اقترابه من صفات القديس بولس بتقرير أن الصفة الأبرز عنده هي “صفة التغيير والقدرة على تخطى الماضي للإمساك بالأفضل”، وهي تضفي على صاحبها قدرة على التطور وعدم الالتفات للصراعات الصغيرة والذاتية، التي تستهلك جهد وذهن المرء، وتشتتهما بغير طائل، لذا كانت عينا القديس بولس وعقله وقلبه يبحثون عن إدراك ماهية الرب يسوع واستعلانه والالتصاق به.
“أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَنَا لَسْتُ أَحْسِبُ نَفْسِي أَنِّي قَدْ أَدْرَكْتُ. وَلكِنِّي أَفْعَلُ شَيْئًا وَاحِدًا: إِذْ أَنَا أَنْسَى مَا هُوَ وَرَاءُ وَأَمْتَدُّ إِلَى مَا هُوَ قُدَّامُ، أَسْعَى نَحْوَ الْغَرَضِ لأَجْلِ جَعَالَةِ دَعْوَةِ اللهِ الْعُلْيَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ”.
(رسالة بولس إلى فيلبي 3: 13، 14)
ولا يمكن الاقتراب من صفات القديس بولس الرسول دون أن نتوقف مليًا عند حدث ظهور الرب يسوع له “بوجهه المضيء جدًا بلمعان أكثر من الشمس”، هل يمكن أن تمر هذه المقابلة مرور الكرام، وهل يمكن أن تبرح ذهن وعقل ووجدان ق. بولس؟ وحسب الكاتب “استقرت أشعة بهاء مجد المسيح الحي واستقرت في أعماق نفسه، وحفرت في روحه مجد الوجه الأقدس الذي ظل يشع عليه بنور استعلان إنجيله. لقد بدأت تسري في كيانه الروحي عناصر استعلان المسيح، وتتسجل في وعيه صفحة وراء صفحة. وهو ما سجله ق. بولس:
“وَنَحْنُ جَمِيعًا نَاظِرِينَ مَجْدَ الرَّبِّ بِوَجْهٍ مَكْشُوفٍ، كَمَا في مِرْآةٍ، نَتَغَيَّرُ إِلَى تِلْكَ الصُّورَةِ عَيْنِهَا، مِنْ مَجْدٍ إِلَى مَجْدٍ، كَمَا مِنَ الرَّبِّ الرُّوحِ.”
(رسالة بولس الثانية إلى كورنثوس 18:3)
لعل التأثير الأكبر هو “نمو الروح نحو الجمال والكمال حسب صورة المسيح في مقابل تقهقر الجسد بأخلاقه وميوله وشهواته، وانسحابه تدريجيًا أمام متطلبات الروح.
“وَإِنْ كَانَ إِنْسَانُنَا الْخَارِجُ يَفْنَى، فَالدَّاخِلُ يَتَجَدَّدُ يَوْمًا فَيَوْمًا.”
رسالة بولس الثانية إلى كورنثوس 4: 16)
“لاَ تَكْذِبُوا بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ، إِذْ خَلَعْتُمُ الإِنْسَانَ الْعَتِيقَ مَعَ أَعْمَالِهِ، وَلَبِسْتُمُ الْجَدِيدَ الَّذِي يَتَجَدَّدُ لِلْمَعْرِفَةِ حَسَبَ صُورَةِ خَالِقِهِ”
(رسالة بولس الرسول إلى كولوسي 3: 9، 10)
هكذا يحدد القديس بولس رؤيته للانتقال من اهتمامات الجسد إلى اهتمامات الروح.
وقد انعكست هذه الرؤية على حياة القديس بولس نفسه، وبدأ يرى الأمور بعيون واعية، انفتحت على الحياة الجديدة بعد أن استنارت برؤية المسيح وجهًا لوجه، فكانت استنارته قبس من ذاك النور الأعظم، ربما كما صار لموسى عندما لمح طيف الله.
“وَكَانَ لَمَّا نَزَلَ مُوسَى مِنْ جَبَلِ سِينَاءَ وَلَوْحَا الشَّهَادَةِ فِي يَدِ مُوسَى، عِنْدَ نُزُولِهِ مِنَ الْجَبَلِ، أَنَّ مُوسَى لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ جِلْدَ وَجْهِهِ صَارَ يَلْمَعُ فِي كَلاَمِهِ مَعَهُ. فَنَظَرَ هَارُونُ وَجَمِيعُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُوسَى وَإِذَا جِلْدُ وَجْهِهِ يَلْمَعُ، فَخَافُوا أَنْ يَقْتَرِبُوا إِلَيْهِ”.
(سفر الخروج 34: 29، 30)
استطاع القديس بولس أن يحل معضلة الصراع بين الجسد والروح، ويفكك المتناقضات “لحساب حياة بولس الروحية”، ويستعرض الكاتب أبرز هذه المتناقضات وكيف واجهها القديس بولس، فقد تحولت معاناته من المرض، التي تضرع فيها إلى الرب أن تفارقه، فكان الرد الإلهي “تكفيك نعمتي لأن قوتي في الضعف تكمَل”، وبعلق الكاتب:
“لم ييأس بولس ولم يستكن لضربة الشيطان، ولم يفرزها كأنها غرامة بلا مقابل، بل سلط عليها نعمة المسيح، فرآها جزءًا لا يتجزأ من خلاصه، وضمانًا لمزيد من الارتفاع والتعمق، فهتف بروح الانتصار وهو تحت المرض “فَبِكُلِّ سُرُورٍ أَفْتَخِرُ بِالْحَرِيِّ فِي ضَعَفَاتِي، لِكَيْ تَحِلَّ عَلَيَّ قُوَّةُ الْمَسِيحِ. لِذلِكَ أُسَرُّ بِالضَّعَفَاتِ وَالشَّتَائِمِ وَالضَّرُورَاتِ وَالاضْطِهَادَاتِ وَالضِّيقَاتِ لأَجْلِ الْمَسِيحِ. لأَنِّي حِينَمَا أَنَا ضَعِيفٌ فَحِينَئِذٍ أَنَا قَوِيٌّ.” (2كو9:12و10)
(الأب متى المسكين، القديس بولس الرسول «حياته، لاهوته، أعماله»)
ليس هذا فقط بل حسب الكاتب:
“يضيف آلامه لحساب الكنيسة… فآلام القديسين التي عانوها على التقوى تشددنا”، إذ “يرتفع بمفهوم التعاذيب والآلام التي عاناها في جسده ليضعها بجوار تعاذيب صليب المسيح، ويضمها إليها بجرأة يُحسد عليها، “الَّذِي الآنَ أَفْرَحُ فِي آلاَمِي لأَجْلِكُمْ، وَأُكَمِّلُ نَقَائِصَ شَدَائِدِ الْمَسِيحِ فِي جِسْمِي لأَجْلِ جَسَدِهِ، الَّذِي هُوَ الْكَنِيسَةُ” (كولوسي24:1)
(الأب متى المسكين، القديس بولس الرسول «حياته، لاهوته، أعماله»)
وينبهنا الكاتب إلى:
“أن منهج بولس الأساسي هو في (التعويض)، فهو يرى أن كل تعذيب نجوزه، حتى إلى حد الموت، هو هو بعينه قد وُهبَ لنا لينشئ فينا حياة “حَامِلِينَ فِي الْجَسَدِ كُلَّ حِينٍ إِمَاتَةَ الرَّبِّ يَسُوعَ، لِكَيْ تُظْهَرَ حَيَاةُ يَسُوعَ أَيْضًا فِي جَسَدِنَا. لأَنَّنَا نَحْنُ الأَحْيَاءَ نُسَلَّمُ دَائِمًا لِلْمَوْتِ مِنْ أَجْلِ يَسُوعَ، لِكَيْ تَظْهَرَ حَيَاةُ يَسُوعَ أَيْضًا فِي جَسَدِنَا الْمَائِتِ.” (2كو10:4و11).
(الأب متى المسكين، القديس بولس الرسول «حياته، لاهوته، أعماله»)
يواصل الكاتب رصد المتناقضات التي تحولت إلى قيم إيجابية في حياة القديس بولس، فالاتضاع يقابله الشموخ، والرقة يقابلها الحدَّة، والحزن يقابله الفرح، والخوف والضيق واليأس يقابله الرجاء والعزاء والفرح.
ما الذي جعل من القديس بولس مواطنًا عالميًا، أو حسب تعبير الكاتب الأدق “مواطن العالم كله”؟ هي الطاقة التي اجتاحت وملأت كيانه، الوجدان والعقل، التي ولَّدتها تلك المقابلة المتفردة والمحورية في حياة بولس، حتى إنه لم يعد قادرُا أن يعطي عينه نومًا ولا لأجفانه نعاسًا، حتى بتعبيره “اتمم بفرح سعيي والخدمة التي أخذتها من الرب يسوع، لأشهد ببشارة نعمة الله”.
ويورد الكاتب منهج بولس الرسول وإقراره به
“فَإِنِّي إِذْ كُنْتُ حُرًّا مِنَ الْجَمِيعِ، اسْتَعْبَدْتُ نَفْسِي لِلْجَمِيعِ لأَرْبَحَ الأَكْثَرِينَ. فَصِرْتُ لِلْيَهُودِ كَيَهُودِيٍّ لأَرْبَحَ الْيَهُودَ. وَلِلَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ كَأَنِّي تَحْتَ النَّامُوسِ لأَرْبَحَ الَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ. وَلِلَّذِينَ بِلاَ نَامُوسٍ كَأَنِّي بِلاَ نَامُوسٍ مَعَ أَنِّي لَسْتُ بِلاَ نَامُوسٍ ِللهِ، بَلْ تَحْتَ نَامُوسٍ لِلْمَسِيحِ لأَرْبَحَ الَّذِينَ بِلاَ نَامُوسٍ. صِرْتُ لِلضُّعَفَاءِ كَضَعِيفٍ لأَرْبَحَ الضُّعَفَاءَ. صِرْتُ لِلْكُلِّ كُلَّ شَيْءٍ، لأُخَلِّصَ عَلَى كُلِّ حَال قَوْمًا. وَهذَا أَنَا أَفْعَلُهُ لأَجْلِ الإِنْجِيلِ، لأَكُونَ شَرِيكًا فِيهِ”.
(رسالة بولس الرسول الأولى إلى كورنثوس 9: 19- 23)
ولم يعتمد القديس بولس على معارفه الفلسفية ولم يقحمها في رسائله، بل ترك قلمه لتوجيه الروح، ليصل إلى أبسط قارئ، وأعمق عقل، ويوجز الكاتب هذا في كلمات قليلة:
“رسائل بولس الرسول لا تمثل في واقعها فكر بولس الفلسفي، بل هي وحي الروح وتَدَافُّع من النعمة، استوعبها القديس بولس فملكت عليه ملكاته وصاغت لغته وأدبياته، فاحتفظت بلماسته ويهوديته وتراث أجداده. ولكنها في خلاصتها، هي عطية الله للكنيسة، كنيسة الدهور لكل العالم، ليس لها وطن تستقر فيه، لأن مصدرها ومقرها السماء، لهذا بقيت رسائل بولس الرسول فعَّالة تجدد وجه الأرض”.
(الأب متى المسكين، القديس بولس الرسول «حياته، لاهوته، أعماله»)
يقترب الكاتب من منطقة شائكة نتجنب الكلام فيها، وهي “المنهج السياسي عند بولس الرسول”، وهي مساحة محل جدل عند قراء بولس الرسول، لكن الكاتب يرصدها ولا يُقِّيمها، فيرى أن القديس بولس قد تغير في النظر إلى:
“الإمبراطور والحكومة الرومانية المسيطرة على البلاد التي كانت في اعتبار يهود فلسطين كعدو، وكانوا يصلُون إلى الله ضدها ويعبّئون المشاعر ضدها لمقاومتها بكافة الوسائل، إن بالعصيان أو بالحرب، وإذ ببولس الرسول، الذى صار حرًا من الجميع، مستوطنًا السماء، ومتغربًا على أرض الإنسان، لا يعود يرى الملك المستعمر إلا مختارًا من الله، ومعينًا من قِبلِه، يتحتم الخضوع له والصلاة من أجله”، ويرى الكاتب “أن هذه النظرة التي ظلت حتى اليوم في كل ممالك الأرض حصن أمان للمسيحي أن يحيا في سلام مع الجميع”.
(الأب متى المسكين، القديس بولس الرسول «حياته، لاهوته، أعماله»)
ينتقل بنا الكاتب إلى انفتاح بولس الرسول على الأمم، شعوب العالم غير اليهود، بالمخالفة لما استقر عنده كفريسي منحاز ليهوديته قبلًا، وقد استطاع ق. بولس حسب الكاتب بهذا الانفتاح الذي قدم لهم المسيح:
“أن ينقل ملكية الله لشعب إسرائيل دون سواه إلى ملكيته للأمم أيضًا بدون تمييز”، “إِذًا نَحْسِبُ أَنَّ الإِنْسَانَ يَتَبَرَّرُ بِالإِيمَانِ بِدُونِ أَعْمَالِ النَّامُوسِ. أَمِ اللهُ لِلْيَهُودِ فَقَطْ؟ أَلَيْسَ لِلأُمَمِ أَيْضًا؟ بَلَى، لِلأُمَمِ أَيْضًا ـ (رسالة بولس إلى رومية 28:3و29). ويعلق “هذه المقولة لو سمعها منه يهودى ارثوذكسى لقتله”
(الأب متى المسكين، القديس بولس الرسول «حياته، لاهوته، أعماله»)
ويرى ق. بولس أن الضمير الإنساني في مجمله هو صدى لصوت الله وليس أقل من مفردات الناموس، فاستحق أن نعتبره “مواطن كل العالم”.
يختتم الكاتب هذا الفصل بالبحث في إجابة سؤال:
“ماذا بقي من يهودية بولس؟”، وفيها كان الناموس مدرسته التى تأدب فيها لحساب المسيح، وعلى غير المتوقع فإننا نجده، وبعد أن عرف المسيح، يراهن على كل أمجاده الشخصية كفريسي مرموق، في سبيل الإيمان بالمسيح والتقرب إليه والبقاء في نوره العجيب… وأخيرًا نقول أن بولس الرسول لم يرتد عن اليهودية ـ كما رآه أهل دينه القديم ـ حتى يُطَالب منا بجحد يهوديته وبتجاهلها والإقلاع عن ذكرها، بل أن بولس الرسول امتد بيهوديته ليطهّرها في نور استعلان المسيح بغسل الدَّم، ألم يقل المسيح “ما جئت لأنقض بل لأكمِّل” (متى 17:5).
(الأب متى المسكين، القديس بولس الرسول «حياته، لاهوته، أعماله»)
ينتقل بنا الكاتب إلى أدوات الفكر اللاهوتي عند القديس بولس” ونفسح له المقال القادم.
---
## مسيحية بولس الرسول (٢)
URL: https://tabcm.net/11823/
Type: post
Modified: 2026-01-26
يضع الكاتب إصبعه على مفتاح فكر بولس الرسول ويجول إحصائيًا في رسائله وكلامه في مختلف ظروفه، دفاعًا أمام ولاة وملوك أو دحضا لتقولات مناهضيه، أو لإرشاد تلاميذه ومؤمني الكنائس التي أسسها، يسجل الكاتب هذا بقوله "وقد نحت بولس الرسول لنفسه اصطلاحًا يصور الحقيقة العملية الاختبارية في علاقته بالمسيح، وهو اصطلاح (في المسيح)، الذي ورد في رسائله 164 مرة، الذي يُعَبّر به عن كل تفكير وحركة وعمل وحياة له (في المسيح).
فإيمانه (في المسيح)، وبرُّه (في المسيح)، وصلاته وفرحه وسروره وكل عطية نالها (في المسيح)، ومحبة وسلام وقداسة وختم روحي، وختانة، والجسد الواحد،
كل ذلك يعيشه ويمارسه ويراه (في المسيح).
ويختتم الكاتب عرضه هذا بقوله:
“لقد صار هذا الاختبار عنده عقيدة ثابتة، وإيمانًا لا يحيد عنه، ورسالة استلمها ليسلمها”.
(الأب متى المسكين، القديس بولس الرسول «حياته، لاهوته، أعماله»)
ويستطرد الكاتب:
“كذلك وفى نفس الوقت، كان يشعر وهو واثق أنه كما يحيا هو فى المسيح، فالمسيح يحيا فيه، فهى شركة حيَّة، فيها أخذ وعطاء، اغتنى بها بولس الرسول وأغنى كثيرين”.
(الأب متى المسكين، القديس بولس الرسول «حياته، لاهوته، أعماله»)
ويضعنا الكاتب أمام مكاشفة نحن طرف فيها بقوله:
“ونحن نسأل: هل يمكن أن نبلغ إلى هذا الاختبار، اختبار الإيمان بالمسيح قائمًا بمجده فى العُلا؟ وهو بآنٍ واحد هكذا مُحتَوى داخلنا بشخصه، نراه بالروح، ونحسُّه، ونتعامل معه، وهو في مجده قائم عن يمين الله، إنها خبرة إيمان فائقة تُعتبر أغنى ما حصل عليه القديس بولس وما كرز به”.
(الأب متى المسكين، القديس بولس الرسول «حياته، لاهوته، أعماله»)
وينبهنا الكاتب إلى مفارقة بين رؤية القديس بولس للمسيح والرؤية عند كثيرين بيننا:
“مرة أخرى نقول إن مسيح القديس بولس الذى يتعامل معه هو كما ظهر له، مسيح المجد في السماء، مسيح الواقع الروحي الحي الدائم الفائق، ليس بصورته التاريخية على الصليب، كما نحاول نحن بإلحاحنا المادي أن نصوَّره بألف صورة وهو مصلوب، أو حينما أنزلوه أو دفنوه أو حتى حينما قام، فهذا هو تاريخ الخلاص الذي أكمله المسيح لنا بالجسد على الأرض، وأكملناه نحن معه. لكن بولس الرسول كان يتعامل مع المسيح كما ظهر له حيًا فى السماء في ملء مجده في وجوده مع الآب، المسيح الروح، والمعطى للروح”.
(الأب متى المسكين، القديس بولس الرسول «حياته، لاهوته، أعماله»)
“مرة أخرى، هناك فارق شاسع بين أن نستحضر صورة المسيح من الماضي حينما صُلب أو قُبِر أو قام، لنصنع معها علاقة أو شركة على مستوى التأمل، وبين أن يأتي المسيح بشخصه ويُستعلن لنا بحاله الآن كما هو في السماء في المجد، لكى يصنع فينا منزلًا ويقيم، ونصنع نحن معه شركة في المحبة بالإيمان الواعي”.
(الأب متى المسكين، القديس بولس الرسول «حياته، لاهوته، أعماله»)
“فمسيح القديس بولس ليس هو مسيح صور التاريخ التى كانت؛ بل مسيح أفعال الخلاص حية متجلية فعَّالة فى ملء كمالها وقوتها وجلالها، هكذا عاش بولس آلام المسيح وموته وقيامته، لما عاش فى مسيح المجد الرب الروح من السماء وحياته متجلية فيه”، ويوجز القديس بولس هذا الاختبار بقوله: “لِيَحِلَّ الْمَسِيحُ بِالإِيمَانِ فِي قُلُوبِكُمْ،… وَتَعْرِفُوا مَحَبَّةَ الْمَسِيحِ الْفَائِقَةَ الْمَعْرِفَةِ، لِكَيْ تَمْتَلِئُوا إِلَى كُلِّ مِلْءِ اللهِ. (رسالة بولس إلى أفسس17:3و19)
(الأب متى المسكين، القديس بولس الرسول «حياته، لاهوته، أعماله»)
يستعرض الكاتب ما سجله القديس بولس في رسائله عن معرفة المسيح الفائقة وكيف كان يحيا فى المسيح، مدعومًا بقوته ويعلق:
“يلاحظ القارئ أن حياة الشركة التي كان يعيشها القديس بولس [في المسيح]، هي التي فتحت عليه كنوز [قوة المسيح]، و[غنى المسيح]، و[بركة المسيح]، فأصبح القديس بولس يمتلكها من واقع حياة المسيح التي يحياها فيه ومعه، أي حياة الشركة بالروح مع المسيح الرب الروح من السماء. وليست قوة وغنى وبركة المسيح فقط هي التي حازها بولس من واقع حياة الشركة [في المسيح]، بل غيرها أهم وأعجب”.
(الأب متى المسكين، القديس بولس الرسول «حياته، لاهوته، أعماله»)
ويوجز الكاتب خبرة القديس بولس:
“يضع يدنا على الذي أمسك بالمسيح قبل أن يمسك بالمسيحية، واجتاحه لاهوت ابن الله قبل أن يفهم كلمة واحدة عن لاهوت المسيح، لذلك قامت مسيحية القديس بولس على المسيح وليس على اللاهوت أو المفهومات المسيحية، لذلك فالمسيحية عند القديس بولس لم تكن هي الطريق إلى التعرف على المسيح، بل المسيحية عنده بدأت بصفة رؤية وخبرات وتعبيرات منبثقة عن المسيح، لما حل المسيح في القلب”.
(الأب متى المسكين، القديس بولس الرسول «حياته، لاهوته، أعماله»)
وتحت عنوان “الأخلاقيات عند القديس بولس تنبع من ظهور الرب له” ينبهنا أن العلة في رسم منظومة الأخلاق عند بولس، التي يتحتم أن يتحلى بها كل مسيحي، أو المسيحية ككل، هي “محبته للمسيح”.
“حبًا سرق روحه فلم يعد القديس بولس يشعر ببولس، إنها “وحدة الحب” أو اتحاد المحبة أو شركة المحبة، لأن المسيح الذى أظهر ذاته له هو هو بشخصه مسيح الجليل والبحيرة الذى اشبع تلاميذه من حبه”.
(الأب متى المسكين، القديس بولس الرسول «حياته، لاهوته، أعماله»)
“مسيح العشاء السرى”، “إِذْ كَانَ قَدْ أَحَبَّ خَاصَّتَهُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ، أَحَبَّهُمْ إِلَى الْمُنْتَهَى”. (يوحنا1:13)، الذي في يوم من الأيام باح بسر حبه العنيف لتلاميذه، ولكنه أخفاه فى صورة وصية “هذِهِ هِيَ وَصِيَّتِي أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ. لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ.” (يوحنا 12:15)، ثم عاد وأكد “اثبتوا في محبتي” (يوحنا 9:15)، وأخر دعاء قدمه كصلاة للآب كان “وَعَرَّفْتُهُمُ اسْمَكَ وَسَأُعَرِّفُهُمْ، لِيَكُونَ فِيهِمُ الْحُبُّ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي بِهِ، وَأَكُونَ أَنَا فِيهِمْ». (يوحنا 26:17).
(الأب متى المسكين، القديس بولس الرسول «حياته، لاهوته، أعماله»)
ويختتم الكاتب طرحه هذا:
“عزيزي القارئ، بولس الرسول كان يحتسب نفسه غير مستحق لهذا الحب وهذه الشركة من أجل ما اقترفت يداه، ولكن احتسب أن الله رحمه، لأنه في جهل وفي عدم إيمان صنع كل ما صنع، ثم اختاره الله وانتخبه المسيح كخاطئ أسرف في خطاياه، وسكب في قلبه هذا الحب؛ بل سكب حياته فيه لكي يتجرأ ويدعو كل الخطاة لهذا الحب بعينه وهذه الشركة عينها والحياة مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح!! … “فهلاَّ بلَّغت؟”
(الأب متى المسكين، القديس بولس الرسول «حياته، لاهوته، أعماله»)
في ذات السياق، أرسل لي صديق من العالم الواقعي مقطع مسجل يتناول فيه الأب الأسقف الشهيد الأنبا إبيفانيوس، مصطلح “في المسيح”، أوجزه في سطور:
* القديس بولس يورد تعبير “في المسيح” في رسائله نحو 175 مرة، ولو قرأنا رسالة أفسس، أول إصحاح، سنجد أنه تكرر نحو 14 مرة، فواضح أنه ليس كلمة عابرة عنده، فمن أين جاء به؟
* كلمة “في المسيح لم يخترعها القديس بولس، من عندياته، بل كات البداية في لقائه بالرب يسوع في طريق دمشق، وقتها غمرته وملكت على شعوره.
* السؤال هل قالها أحد غيره؟ أول من قالها هو الرب يسوع نفسه، ففي واحد من حوارات السيد المسيح مع تلاميذه يدور حوار بينه وواحد منهم وهو فيلبس يسجله إنجيل يوحنا إصحاح 14 :
“قَالَ لَهُ فِيلُبُّسُ:«يَا سَيِّدُ، أَرِنَا الآبَ وَكَفَانَا». قَالَ لَهُ يَسُوعُ:«أَنَا مَعَكُمْ زَمَانًا هذِهِ مُدَّتُهُ وَلَمْ تَعْرِفْنِي يَا فِيلُبُّسُ! اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ، فَكَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ: أَرِنَا الآبَ؟ أَلَسْتَ تُؤْمِنُ أَنِّي أَنَا فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ؟ الْكَلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ لَسْتُ أَتَكَلَّمُ بِهِ مِنْ نَفْسِي، لكِنَّ الآبَ الْحَالَّ فِيَّ هُوَ يَعْمَلُ الأَعْمَالَ. صَدِّقُونِي أَنِّي فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ” كانت هذه هى البداية ويكمل الرب يسوع “فِي ذلِكَ الْيَوْمِ تَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا فِي أَبِي، وَأَنْتُمْ فِيَّ، وَأَنَا فِيكُمْ”، تعليم إننا في المسيح أو أن السيد المسيح فينا، هو تعليم قال به السيد المسيح نفسه، وقد بدأه من أعلى نقطة؛ أنه ـ أي المسيح ـ في الآب والآب فيه، وأنتم في المسيح، وحيث يحل المسيح يحل الآب أيضًا فأصبحت الوحدة ليست مجرد وحدة مع الرب يسوع بل هي وحدة مع الثالوث الأقدس.
* وفي صلاة الرب يسوع الوداعية في بستان جثسيماني التي سجلها القديس يوحنا في إنجيله (إصحاح 17) “أَنَا فِيهِمْ وَأَنْتَ فِيَّ لِيَكُونُوا مُكَمَّلِينَ إِلَى وَاحِدٍ، وَلِيَعْلَمَ الْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي، وَأَحْبَبْتَهُمْ كَمَا أَحْبَبْتَنِي” ويختتم صلاته “وَعَرَّفْتُهُمُ اسْمَكَ وَسَأُعَرِّفُهُمْ، لِيَكُونَ فِيهِمُ الْحُبُّ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي بِهِ، وَأَكُونَ أَنَا فِيهِمْ”.
* وقد كرر التلاميذ هذه العقيدة عن السيد المسح، فيقول القديس يوحنا في رسالته الأولى “مَنِ اعْتَرَفَ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ ابْنُ اللهِ، فَاللهُ يَثْبُتُ فِيهِ وَهُوَ فِي اللهِ. وَنَحْنُ قَدْ عَرَفْنَا وَصَدَّقْنَا الْمَحَبَّةَ الَّتِي ِللهِ فِينَا. اَللهُ مَحَبَّةٌ، وَمَنْ يَثْبُتْ فِي الْمَحَبَّةِ، يَثْبُتْ فِي اللهِ وَاللهُ فِيهِ”. نقطة أساسية في المسيحية؛ نحن لا نعبد إله في السماء بعيد عنا، بل نعبد إله “فينا”، إله تواضع ونزل قدم لنا نفسه على المذبح، “فخدناه جوانَا”، اتحدنا فيه في المعمودية وأعطانا نفسه نأكله، صرنا نحن فيه وهو فينا.
ويستكمل القديس يوحنا الكلام عن الروح القدس: “وَأَمَّا أَنْتُمْ فَالْمَسْحَةُ الَّتِي أَخَذْتُمُوهَا مِنْهُ ثَابِتَةٌ فِيكُمْ، وَلاَ حَاجَةَ بِكُمْ إِلَى أَنْ يُعَلِّمَكُمْ أَحَدٌ، بَلْ كَمَا تُعَلِّمُكُمْ هذِهِ الْمَسْحَةُ عَيْنُهَا عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَهِيَ حَق وَلَيْسَتْ كَذِبًا. كَمَا عَلَّمَتْكُمْ تَثْبُتُونَ فِيهِ”
* بهذا نكون نحن في الآب والابن والروح القدس، كل هذا أخذه القديس بولس الرسول وهو في الطريق الى دمشق، عندما أحس أن نورًا أحاطه من كل جهة وهو أصبح نقطة داخل هذا النور.
(الأنبا إبيفانيوس)
انتهى عرض الباب الأول “حياة القديس بولس الأولى ودخوله الإيمان”، لتواصل تباعًا الباب الثاني “صفات القديس بولس ومنهجه العام”.
---
## يجيلك منين الشر وأنت ماعملتش الخير!
URL: https://tabcm.net/10898/
Type: post
Modified: 2026-01-26
عند سماعي لتلك المقولة للمرة الأولى لم أفهمها، فطلبت من قائلها تفسيرا، فأخبرني أن الشر يأتي في جناح الخير. فأغلب الأعمال الجيدة التي نفعلها مع من لا يستحق نحصد ما لا نستحق نحن من شر.
تذكرت تلك المقولة وأنا أشاهد فيلم “بن هور” المأخوذ عن رواية لـ “لو والاس” التي نُشرت عام 1888، وتم إنتاجها عديد من المرات على المسرح وفي السينما، أخرهم فيلم بن هور 2016.
ما جعلني أتذكر المقولة هو أحد الأبطال الرئيسين بالفيلم الذي سُمى الفيلم على اسمه “يهوذا بن هور”، الأمير اليهودي الذي يسكن أورشليم، ولم يرفض استضافة متمرد جريح في بيته، ولكن سرعان ما أنقلب خيره شرا بعدما أستغل ذلك الجريح الفرصة وأطلق سهم من أعلى سطح منزل يهوذا على الحاكم الروماني في أثناء استعراض عسكري محاولاً قتله مما أدى إلى وقوعه من على حصانه، تفاديا للسهم الطائش.
أُتهم “يهوذا” بأنه حاول اغتيال الحاكم الروماني، ورغم أن “يهوذا” كان بريئًا من تلك التهمة، لكنه لم يمثل أمام محكمة، بل تم إرساله إلى سفينة عبيد ليعمل بالتجديف كعقوبة مدى الحياة، واعتقلوا أمه وأخته وتم أرسالهن إلى الصلب، ولكن بمفارقة نادرة تم تهريبهن لسجن روماني ﻻ تدخلش الشمس حيث أصيبا بالجذام، هذا باﻹصافة لأنهم صادروا جميع ممتلكات العائلة.
مجرد فعل واحد فعله “يهوذا” بدافع من الخير الذي يحمله داخله، ودون حسابات للعواقب، ومع كونه لا يناصر العنف الذي يميّز المتمردين من أمثال ذلك الجريح: دمر حياته وحياة أسرته.
بحثت أكثر عن أصول تلك المقولة التي حين فكرت فيها كثيراً، أحزنني مدى صوابها، فالكثير من أفعالنا الجيدة كانت سبباً أصيلاً في معاناتنا لاحقا. ببساطة أولئك الذين يساعدون الآخرين محكوم عليهم بالمعاناة نتيجة مساعدتهم، واكتشفت أن للمقولة أصول وجذور في ثقافات مختلفة، فعلى سبيل المثال وليس الحصر، ذُكرت أول ما بحثت في القرن الثاني عشر بواسطة “والتر ماب”، الذي كان أحد حاشية الملك هنري الثاني ملك إنجلترا في كتاب “De nugis curialium” ويأخذ الكتاب شكل سلسلة من الحكايات عن الأشخاص والأماكن، ويلقى الضوء على تاريخ وعصر “والتر ماب”.
وردت العبارة بالكتاب كالتالي: “لا يمر عمل صالح بلا عقاب“، وكانت تعليقا ساخرا على تواتر أعمال اللطف، التي تأتي بنتائج عكسية، على أولئك الذين يقدمونها. وذلك لأن أولئك الذين يساعدون الآخرين محكوم عليهم بالمعاناة نتيجة مساعدتهم.
وردت المقولة أيضا في العديد من الأعمال الأدبية والفنية والصحفية مثلا: في رواية “بريندان جيل” “The Trouble of One House” عام 1950، وفي أغنية “No Good Deed” من مسرحية “Wicked “الموسيقية الناجحة في برودواي عام 2003، وفي عام 2005، في مقال للمؤلف “ديفيد هيلفارج” في مجلة “Grist Magazine”: تذكر تلك الإشارة التي علقوها في مكتب EPA في أثناء إدارة ريجان، “لا يمر عمل جيد دون عقاب” في عهد جورج بوش، “لا يمر عمل جيد بلا عقاب”، إذا لا يمر عمل جيد دون عقاب كما قال أيضا الروائي أوسكار وايلد.
لذا تذكر جيدا عند أقدامك على عمل خير أن ذلك الخير يحوي بداخله الشر وأنك أطلقت السهم للتو ولا تعلم متى يلحق بك؟ ولكنه عاجلاً أم أجلا سوف يصيب. وفي يوم بليتك تذكر جيدا أي خير فعلته أصابك سهمه وأي يد مددت لها خيرك ورمتك.
أعلِّمه الرمايةَ كلّ يومٍ
فلما اشتدّ ساعدُه رماني
وكم علّمتُه نظْمَ القوافي
فلمّا قالَ قافيةً هجاني
أُعلّمُه الفتوّةَ كلّ وقتٍ
فلمّا طرّ شاربُه جفاني
ورمى عيني بسهم أشقذيّ
(من التراثيات المختلف على نسبها بين كلا من: مالك بن فهم الازدي، وأوس بن معن المزني)
وأخيرا أحذر ممن آويتهم وأحسنت إليهم أكثر من أعدائك، فصديق اليوم هو عدو الغد، وما أقسى عدو مددت له يدك بالماء، أرجعه إلى حلقك خل وعلقم. فطريق جهنم مفروش بالنوايا الحسنة.
---