---
title: "الموقف من الناموس في رسالة غلاطية"
url: https://tabcm.net/56900/
date: ۲۰۲٦-۰۸-۰۷
modified: 2026-08-07
author: "أنطون جرجس"
---

# الموقف من الناموس في رسالة غلاطية

نستعرض في هذا الفصل موقف بولس الرسول القويّ والحاد من الناموس الموسويّ في معالجته لقضية التبرير بأعمال الناموس، من خلال كلماته في الرسالة إلى الغلاطيين، الذين جاء إليهم جماعة من المتهودين كانت تحاول الارتداد بهم نحو التبرير بالأعمال الناموسية والفرائض الناموسية. فشهد بولس الرسول بأن الإنسان لا يتبرَّر بأعمال الناموس الموسويّ، وأكَّد أن برَّ الناموس يبطل قيمة وفعالية موت المسيح، وهو ما يقتلع المسيحية من جذورها، ويرتد بها مرةً أخرى إلى اليهودية والناموسية.

ويُؤكِّد بولس مرارًا وتكرارًا أن الناموس في حدِّ ذاته لا يقدر أن يُبرِّر أحدًا، بل ويصرخ صرخته المدوية في وجه كل مُتهود في كل زمان وفي كل مكان بأن جميع الذين يتبرَّرون بأعمال الناموس هم مازالوا تحت اللعنة، أيّ لعنة الناموس. فلا يوجد بر بالناموس، فبرَّ الناموس يُبطِل عن المسيح نفسه. ويُقرِّر بولس الرسول حقيقة، في مُواجهة المتهودين الجدد، أن الذين ينقادون بالروح القدس لم يعدوا بعد تحت الناموس.

وهذا ما يُؤكِّده ديفيد دي سيلفا الذي يرى أنه بالنسبة لبولس، كان الختان يختص بحقبةٍ محدودةٍ من الوقت، بين إعطاء الوعد لإبراهيم ومجيء يسوع، الذي فيه جاء الوعد بالميراث لجميع الذين يؤمنون، سواء أكانوا يهودًا (المختونين) أم أممًا (غير المختونين). ولقد انتمت التوراة ككل بشكلٍ مماثلٍ إلى تلك الحقبة الانتقالية، عندما كانت البشرية لا تزال في طور البلوغ والمراهقة من ناحية معرفتها لله الواحد. ولكن مع مجيء المسيح وانسكاب الروح القدس في قلوب المؤمنين، على أية حال، وصلت البشرية إلى عصر النضج في علاقتها مع الله.

تشهد رسالة غلاطية إلى أهمية الروح القدس في حياة الكنيسة الأولى واختبارها. إن الروح المنسكَب على أولئك الذين يثقون بيسوع المسيح، هو الذي يجعل شخصًا ابنًا لله، بالتالي جزءًا من شعب الله. فالروح، بينما يُرشِد المؤمن كصديقٍ دائمٍ، يقود المؤمن إلى التناغم مع برِّ الله، جاعلًا المسيح يتشكَّل في هذا المؤمن. السعي لاسترجاع ”الطرق القديمة“ لمحاولة السلوك بانسجامٍ مع الله، يُظهِر اخفاقًا جوهريًا في استيعاب وعد الطريق الجديد الذي فتحه الله وامتيازه، وهو اخفاقٌ يُظهِر عواطف بولس في هذه الرسالة، أكثر من أية رسالةٍ أخرى. ((ديفيد دي سيلفا، مقدمة للعهد الجديد ج2، ترجمة: القس الدكتور بيار فرنسيس، لبنان: دار منهل الحياة، 2014، ص 38. ))

وما هو واضحٌ أن الجواب الذي قدَّمه بولس في رسالة غلاطية هو لتيارٍ شريعانيّ، أي يتعلَّق بالشريعة تعلقًا مفرطًا، يرى فيه بولس انحرافًا، وهكذا يُبرِز عرضًا للشريعة اليهودية، يرتبط بتاريخ الخلاص. عارض بولس الشريعة بالوعد. فالوعد هو أول في قصد الله، والأول حين نتكلَّم على مستوى تسلسُّل الأحداث. يعود إلى إبراهيم. وهو الذي يحمل سلالة العهد. وموضوعه الروح القدس ((رسالة بولس إلى غلاطية 3: 14 )).

والحال أن هذا الروح يقيم في جميع المؤمنين، لا في اليهود وحدهم. وضمَّ إلى إبراهيم نسله، وهو لفظٌ يستعمله بولس في صيغة المفرد فيدل في النهاية على يسوع المسيح، فوق سلسلة الوسطاء الذين ينطلقون من إبراهيم إلى المسيح. وفي الوقت عينه، لاحظ بولس أن الشريعة التي جاءت بعد الوعد بأربع مئة سنة ((رسالة بولس إلى غلاطية 3: 17 )) لا تلغي الوعد، بل هي خاضعةٌ له. وبعبارةٍ أخرى، زمن الشريعة، كما تُقدِّمه رسالة غلاطية، هو مُعترَضة. يمكن أن تُوضَع بين قوسين.

لعبت الشريعة دورًا تربويًا في وصول الشعب إلى النمو. غير أن هذا الوضع لم يكن مُعدًا لكي يدوم ((رسالة بولس إلى غلاطية 3: 24-25 )). ثم إن المربي كان عبدًا في الحضارة اليونانية والرومانية. فهو نفسه كان محرومًا من الحرية. ونقل بولس غياب الحرية لدى العبد المربي إلى غياب الحرية لدى الصبي الذي كُلِّفَ بتربيته، فقال: مَن خضع للشريعة كان وكأنه في الأسر ((رسالة بولس إلى غلاطية 3: 23 )). ولكن حصلت لنا النجاة في المسيح، وزمن النضوج إذا شئنا، فلم يعد من مُبرِّر لنبقى خاضعين لهذا المربي، ولا لكي نجعل هذا الأسر يدوم. ففي المسيح أُعطِيَت لنا الحرية. فالمسيح حرَّرنا لكي نكون حقًا أحرارًا ((رسالة بولس إلى غلاطية 5: 1 )).

ثم يجب أن لا ننسى أحد الأقوال التي تبدأ بها رسالة غلاطية حول الشريعة: إن قيامة المسيح تُثبت لعنةً، تُوثِّر في الشريعة. فالشريعة كُتِبَ فيها: ”ملعونٌ مَن عُلِّقَ على خشبة“ ((سفر التثنية 21: 23؛ رسالة بولس إلى غلاطية 3: 13 ))، تصدر حكمًا ضمنيًا به تلعن المسيح المصلوب. ولكن المصلوب لم يُلعَن من قِبَل الله. بل عكس ذلك، فقيامته تقابل بركةً. وبعبارةٍ أخرى، إن اللعنة التي تلفظها الشريعة على المصلوب عادت إليها. فاستطاع بولس أن يتكلَّم عن ”لعنة الشريعة“ η καταρα του νομου مُستعمِلًا المضاف الوضعيّ.

بعد هذا، ماذا يبقى من الشريعة في النظام المسيحيّ؟ لا نكون متطرفين إن قُلنا: لا يبقى منها شيء. قامت بخدمتها، فلم يعد من مُبرِّرٍ لوجودها. فانحصرت الشريعة في رسالة غلاطية، في مجموعة وصايا عفَّاها الزمن. ودعا بولس قُرَّاءه إلى أن لا يقولوا بشريعةٍ أخرى سوى تلك التي يُسمِّيها شريعة المسيح ((رسالة بولس إلى غلاطية 6: 2 )). فلا شريعة أخرى للمسيحيّ سوى المسيح نفسه. ((بولس الفغالي، بولس ورسائله، سلسلة دراسات بيبلية 23، لبنان: الرابطة الكتابية، 2001، الفصل 14، ص 220-221. ))

## ما هي "مشكلة التهود" في غلاطية؟


يُجمِع الدارسون إجمالًا على التأكيد بأن المعلِّمون المنافسون لبولس الرسول في غلاطية بأنهم يُمثِّلون بعثةً أو إرساليةً أخرى من اليهود المسيحيين للأمم، وإنهم علَّموا بحفظ التوراة كنتيجةٍ طبيعيةٍ لازمةٍ للمجيء إلى المسيح ((M. D. Nanos, The Irony of Galatians: Paul’s Letter in First Century Context, Minneapolis: Fortress, 2002, p. 193 )). لا بد أن هذه الإرسالية قد بدأت بشكلٍ مستقلٍ عن أيّ اهتمام لما كان يفعله بولس، ولكنها تظهر في سفر الأعمال ورسالة غلاطية كإرسالية تنظيف، التي تبعها معلموها طرق بولس في محاولتهم الإتيان بالمسيحيين الأمم إلى اتباع التوراة والختان.

حقًا أرادوا المحافظة على يهودية الحركة المسيحية الجديدة، وأن يبقوها متجذرةً بعمقٍ في اليهودية. فاليهودية، في نهاية المطاف، تستطيع التساهل مع الفرق المسيحانية، ولكن ليس إنكارها للمميِّزات المركزية للهوية اليهودية كالختان وطاعة التوراة. ((ديفيد دي سيلفا، مقدمة للعهد الجديد ج2، ترجمة: القس الدكتور بيار فرنسيس، لبنان: دار منهل الحياة، 2014، ص 46. ))

يطرح بولس الرسول ست حجج من اختباره الشخصيّ ومن الأسفار المقدَّسة لإقناع الغلاطيين الأغبياء الذين سمحوا لأنفسهم أن يُرقوا حتى لا يذعنوا للحقِّ ((رسالة بولس إلى غلاطية 3: 1- 4: 31 )). وهي حججٌ أعرضها الآن في صيغةٍ مُبسَّطةٍ.

**أولًا** ((رسالة بولس إلى غلاطية 3: 1-5 )): عندما كرز بولس بالمسيح المصلوب، قَبِلَ الغلاطيون الروح القدس من دون الالتزام بأعمال الناموس، وعلى ذلك كيف يمكن القول إنها ضروريةٌ.

**ثانيًا** ((رسالة بولس إلى غلاطية 3: 6-14 )): ضد إصرار الكارزين [المتهودين] على ختان إبراهيم ((سفر التكوين 17: 10، 14 )) استطاع أن يذكر وعد الله أنه في إبراهيم تتبارك جميع الشعوب ((سفر التكوين 12: 3 ))، وهذا وعدٌ ليس له علاقة بالختان، لذلك فإن إعطاء الروح القدس للأمميين غير المختونين بالإيمان، كان الله يوفي بذلك وعده لإبراهيم، وهو رجلٌ حُسِبَ إيمانه برًا ((سفر التكوين 15: 6 )).

**ثالثًا** ((رسالة بولس إلى غلاطية 3: 15-25 )): الوصية التي صُدِّقَ عليها لا يمكن إلغاؤها بإضافةٍ لاحقةٍ [إضافة الناموس]. فقد أُعطِيَ الناموس بعد 430 سنة من وعد الله لإبراهيم، فكيف يمكن للميراث الحاصل من هذه المواعيد أن يعتمد على حفظ أعمال الناموس؟ لقد كان الناموس قائمًا فقط حتى جاء المسيح.

**رابعًا** ((رسالة بولس إلى غلاطية 3: 26 – 4: 11 )): إن الغلاطيين الذين كانوا عبيدًا لأرواح الكون الأولية، اختبروا من خلال الخلاص الذي صنعه ابن الله وعطية التبني لله حرية الأبناء (أي أولاد الله)، فلماذا يريدون أن يصبحوا عبيدًا لمتطلبات الناموس؟

**خامسًا **((رسالة بولس إلى غلاطية 4: 12-20 )): لقد عامل الغلاطيون بولس معاملةً حسنةً إلى أقصى حدِّ، عاملوه مثل ملاك، فكيف يمكن أن يصبح عدوهم، على نحو ما يدَّعيه الكارزون (المتهودون)؟

**سادسًا** ((رسالة بولس إلى غلاطية 4: 21-31 )): لجأ الكارزون إلى ما حدث لإبراهيم وهاجر وسارة ولكنهم استخلصوا منها الدرس الخاطئ. إن هاجر الأمة لا تُمثِّل نسل الأمميين، بل أورشليم الأرضية الحالية وعهد عبودية الناموس الذي أُعطِيَ على جبل سيناء؛ أمَّا سارة المرأة الحرة، فإنها تُمثِّل أورشليم السماوية وعهد وعد الله لإبراهيم، وهي أمٌ لكل الذين تحرَّروا في المسيح ((رايموند براون، مدخل إلى العهد الجديد، ترجمة: نيكلس نسيم، سلسلة آفاق كتابية 5، القاهرة: دار لوغوس ودار الأكويني، 2021، ص 641-642. )).

وقد يتحدَّث الكارزون (المتهودون) عن ”ناموس المسيح“، وهذا برغم ذلك، ليس ناموس سيناء، بل هو التزامٌ أن يتحمَّل بعضنا أثقال بعض ((رسالة بولس إلى غلاطية 6: 2 ))، ((رايموند براون، مدخل إلى العهد الجديد، ترجمة: نيكلس نسيم، سلسلة آفاق كتابية 5، القاهرة: دار لوغوس ودار الأكويني، 2021، ص 643. )).

## هل يتبرر الإنسان بأعمال الناموس؟



> إِذْ نَعْلَمُ أَنَّ الإِنْسَانَ لاَ يَتَبَرَّرُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ، بَلْ بِإِيمَانِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، آمَنَّا نَحْنُ أَيْضًا بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، لِنَتَبَرَّرَ بِإِيمَانِ يَسُوعَ لاَ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ. لأَنَّهُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ لاَ يَتَبَرَّرُ جَسَدٌ مَا“ 
> 
> *(رسالة بولس إلى غلاطية 2: 16)*


يبدو أن الجواب يكمن في فهم بولس للمجال الكونيّ لسكب الله لعطفه الجديد. فالله كان في النهاية يجمع معًا اليهوديّ والأمميّ في شعبٍ واحدٍ مُوحَّدٍ ((رسالة بولس إلى غلاطية 3: 28 ))، وحدة الله الذي هو إله اليهود والأمم كليهما ((رسالة بولس إلى رومية 3: 29 )) انعكست ليس فقط في الشعب الجديد الذي كان يتكوَّن باسم يسوع، بل وأيضًا الأساس المفرد الذي عليه تمَّ جمع اليهود والأمم في شعبٍ مُوحَّدٍ ((رسالة بولس إلى غلاطية 2: 15-16 )).

هذا الأساس ليس التوراة، الذي كان اتباعه يفصل بين اليهوديّ والأمميّ لمرحلةٍ من الزمان، لأنه بأعمال الناموس لا يتبرَّر جسدٌ ما ((رسالة بولس إلى غلاطية 2: 16 ))، الأمر الذي ينطبق فقط على إسرائيل. بل بالأحرى، ذاك الأساس هو كرم الله تجاه الجميع كما هو مُعبَّرٌ عنه في موت يسوع بالنيابة عن البشرية، وهذا الموت يُكمِّل الوعد المقطوع لإبراهيم في النهاية، بجعله الأب الروحيّ لأمم كثيرين. ((ديفيد دي سيلفا، مقدمة للعهد الجديد ج2، ترجمة: القس الدكتور بيار فرنسيس، لبنان: دار منهل الحياة، 2014، ص 55. ))

لقد وضع بولس باستمرارٍ ”النعمة“ في مُعارضةٍ مع ”أعمال التوراة“ في مفترقاتٍ مفتاحيةٍ عبر غلاطية ((رسالة بولس إلى غلاطية 2: 21؛ 5: 4 ))، جزئيًا لأن التوراة كانت محاصرةً ضروريةً نتيجة ”عدم النضج“ البشريّ، وجزئيًا لأن ما أنعم الله بفعله في يسوع للجميع يجعل الآن ممكنًا ما جعلت التوراة فعله غير ممكن، وتحديدًا، حياةً تُعَاش حقًا لله، لأجل الله وبقوة الله.

إن قصة بولس الخاصة هي مثلٌ حيٌّ على هذه المقدمة الإفتراضية، لأنه بالتدقيق عندما كان مُلتزمًا بالتمام بأعمال التوراة، عندها كان عدو الله، وعندها بالتدقيق حوَّل الله بولس بنعمته إلى رسول لبرِّ الله في المسيح. بعد موت يسوع، الرجوع إلى أعمال التوراة وكأنهم يستطيعون أن يزيدوا على ما عمله يسوع، سيؤدي إلى رفض قدرة يسوع على إيصالنا بالله، وإلى تقييمٍ مهينٍ متدنٍ لقدرة الروح القدس، العطية الموعودة التي كُسِبَت لنا بثمنٍ كهذا، لتغيير حياتنا. ((ديفيد دي سيلفا، مقدمة للعهد الجديد ج2، ترجمة: القس الدكتور بيار فرنسيس، لبنان: دار منهل الحياة، 2014، ص 55-56. ))

## برُّ الناموس يُبطِل موت المسيح



> لأَنَّهُ إِنْ كَانَ بِالنَّامُوسِ بِرٌّ، فَالْمَسِيحُ إِذًا مَاتَ بِلاَ سَبَبٍ
> 
> *(رسالة بولس إلى غلاطية 2: 21)*


موضع الجدل بالنسبة لبولس، هو إذًا بالنهاية مغزى موت يسوع على الصليب، لأنه إنْ كان بالناموس برٌّ، فالمسيح إذًا مات بلا سبب ((رسالة بولس إلى غلاطية 2: 21 )). ”نعمة/ فضل/ عطية الله“ الممنوحة بيسوع، كانت موضوع بحث ((رسالة بولس إلى غلاطية 2: 21 )). هل سيقدر الغلاطيون؟ وهل سيقبلون ما عمله الله للبشرية في صليب المسيح؟ وهل سيثقون بفعالية ذاك العمل المنفرد للطاعة المكلفة، لضمهم إلى عائلة إبراهيم وعائلة الله من دون محاولة إرجاع عقارب الساعة لزمن ما قبل موت يسوع؟ وهل سيعطون قيمةً كافيةً للمنبع الذي وفَّره الله في الروح –الذي كان أكثر من أيّ وقت مضى، دليلاً إلى قلب الله أكثر فعاليةً وقوةً من التوراة– لقيادتهم إلى البرِّ؟

هذه الأسئلة جميعها مُغلَّفةٌ معًا في الكلمتين المفتاحيتين نعمة وإيمان، اللتين تسيطران على هذه الرسالة. ((ديفيد دي سيلفا، مقدمة للعهد الجديد ج2، ترجمة: القس الدكتور بيار فرنسيس، لبنان: دار منهل الحياة، 2014، ص 56. ))

## من يتبرَّر بالناموس؟



> وَلكِنْ أَنْ لَيْسَ أَحَدٌ يَتَبَرَّرُ بِالنَّامُوسِ عِنْدَ اللهِ فَظَاهِرٌ، لأَنَّ ’الْبَارَّ بِالإِيمَانِ يَحْيَا‘. وَلكِنَّ النَّامُوسَ لَيْسَ مِنَ الإِيمَانِ، بَلِ ’الإِنْسَانُ الَّذِي يَفْعَلُهَا سَيَحْيَا بِهَا‘
> 
> *(رسالة بولس إلى غلاطية 3: 11-12)*


يبرهن هذا على قبول الله لهم كأممٍ بشكلٍ كاملٍ، على أساس مجرَّد التزامهم بيسوع. كان إيمانهم بيسوع كافيًا ليجعلهم مُقدَّسين للربِّ؛ لم تكن هناك حاجة لإجراء الطقوس التقليدية التي بها كان اليهود قد حافظوا على أنفسهم مُقدَّسين للربِّ ومُميَّزين عن أمم الوثنيين. اعتبر بولس، علاوة على ذلك، الروح القدس هذا على أنه محتوى بركة إبراهيم الموعود به للأمم، العطية الموعودة ((رسالة بولس إلى غلاطية 3: 14 )).

على أيّ أساسٍ استطاع بولس أن يقوم بهذا الاعتبار؟

**أولًا**، في اختبار الكنيسة الأولى، حلَّ الروح القدس على جميع أولئك الذين آمنوا بيسوع، سواء أكانوا يهودًا أم أممًا. لقد كان هذا الوعد كونيًا شاملًا في مجاله كما كان الوعد لإبراهيم: فيك تتبارك جميع الأمم ((سفر التكوين 12: 3؛ رسالة بولس إلى غلاطية 3: 8 )).

**ثانيًا**، كان الروح علامةً على تبني الله للمؤمنين كأبناءٍ وبناتٍ له ((رسالة بولس إلى غلاطية 4: 6-7 )). ((ديفيد دي سيلفا، مقدمة للعهد الجديد ج2، ترجمة: القس الدكتور بيار فرنسيس، لبنان: دار منهل الحياة، 2014، ص 66. ))

## لعنة الناموس



> لأَنَّ جَمِيعَ الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَعْمَالِ النَّامُوسِ هُمْ تَحْتَ لَعْنَةٍ
> 
> *(رسالة بولس إلى غلاطية 3: 10)*


تتولَّد حجة بولس من خلق تشكيلةٍ من المتناقضات، أي من أزواج من المتناقضات التي لا يمكن التوفيق بينها. أولى هذه المتناقضات تُركِّز على ”البركة“ ضد ”اللعنة“ ((رسالة بولس إلى غلاطية 3: 6-14 )). يُعرَّف إبراهيم كوسيلةٍ لنقل بركة الله لكل الشعوب ((رسالة بولس إلى غلاطية 3: 8 ))، و”إيمان“ إبراهيم بالله و”أمانته“ تجاه الله أهلًا ”للبركة“. جميع الذين يُظهِرون الإيمان ذاته بقدرة الله وبرغبته بإغداق النعمة بدل من إجراء بعض الطقوس على لحم الغرلة، يشتركون ”بالبركة“ مع ”إبراهيم المؤمن“ ((رسالة بولس إلى غلاطية 3: 9 )).

أمَّا التوراة، من الجهة الأخرى، فأصبحت وسيلة لنقل ”اللعنة“. هنا، كان بإمكان بولس أن يستخدم عددًا استُخدِمَ من قِبَل المعلِّمين المنافسين –ملعونٌ مَن لا يقيم كلمات هذا الناموس ليعمل بها ((سفر التثنية 27: 26 ))– قالبًا إياه رأسًا على عقب. هذا النص قد يُقرَأ بطريقةٍ طبيعيةٍ على أنه يُشجِّع على طاعة التوراة، مُهدِّدًا باللعنة على أولئك الذين يهملون وصاياه. لكن بولس استخدمه، على أية حال، ليُؤكِّد على طبيعة التوراة الجوهرية كـ”لعنةٍ“ بدل أن تكون ”بركةً“، الأمر الذي ينتمي على أية حال إلى الوعد وإلى الإيمان. ((ديفيد دي سيلفا، مقدمة للعهد الجديد ج2، ترجمة: القس الدكتور بيار فرنسيس، لبنان: دار منهل الحياة، 2014، ص 67-68. ))

## هل يوجد بر بالناموس؟



> لأَنَّهُ لَوْ أُعْطِيَ نَامُوسٌ قَادِرٌ أَنْ يُحْيِيَ، لَكَانَ بِالْحَقِيقَةِ الْبِرُّ بِالنَّامُوسِ
> 
> *(رسالة بولس إلى غلاطية 3: 21)*


الوعد المعطَى لإبراهيم وإتمام ذلك الوعد في سكب الروح على جميع الذين هم ”في المسيح“ ((رسالة بولس إلى غلاطية 3: 14 )) يجعلان من الوعد، وليس من الناموس، نقطة التركيز المحورية في نموذج بولس عن تاريخ الخلاص. بالنسبة لبولس، الحقبة بين إعطاء التوراة وبين ”ملء الزمان“ ((رسالة بولس إلى غلاطية 4: 4 ))، عندما جاء المسيح ومات، تُشكِّل فترةً فاصلةً أو جملةً إعتراضيةً في خطة الله.

نظرًا إلى قيمتها النهائية، طرح بولس حجةً على أساس التشابه. فعندما يُعقدُ العزم والمصادقة على إرادة شخصٍ ما، لن يستطيع أحدٌ الإضافة عليها. لذلك، عندما أعطى الله ميراثه لإبراهيم ولنسله، لا يمكن اعتبار التوراة التي أُضِيفَت بعد ذلك بأربعمائة وثلاثين سنة تعديلًا لذلك الوعد. لا بد أنه كان لها دورٌ آخر، أكثر محدوديةً.

ولكن الوعد جاء، على أية حال، بشكلٍ مستقلٍ عن التوراة لإبراهيم ولنسله، الذي لا يأخذه بولس بالمعنى الجماعيّ (أي ”الأنسال“ الكثيرة) بل بالمعنى الفرديّ (”النسل الواحد“، المسيح). لهذا فإن جميع الذين هم في المسيح هم مشتركون في الوعد، بمعزل عن شروط نصوص التوراة ((ديفيد دي سيلفا، مقدمة للعهد الجديد ج2، ترجمة: القس الدكتور بيار فرنسيس، لبنان: دار منهل الحياة، 2014، ص 69. )).

وهكذا يُصنِّف بولس هنا التوراة مع قوانين ثانوية متدنية، مسميًا إياها ”نير عبودية“، محيلاً إياها إلى مرحلة جهل البشرية لناموس الله المكتوب على القلب بالروح. ((ديفيد دي سيلفا، مقدمة للعهد الجديد ج2، ترجمة: القس الدكتور بيار فرنسيس، لبنان: دار منهل الحياة، 2014، ص 71. ))

## هل برُّ الناموس يُبطِل المسيح؟



> قَدْ تَبَطَّلْتُمْ عَنِ الْمَسِيحِ أَيُّهَا الَّذِينَ تَتَبَرَّرُونَ بِالنَّامُوسِ. سَقَطْتُمْ مِنَ النِّعْمَةِ. فَإِنَّنَا بِالرُّوحِ مِنَ الإِيمَانِ نَتَوَقَّعُ رَجَاءَ بِرّ
> 
> *(رسالة بولس إلى غلاطية 5: 4-5)*


في ضوء هذا النموذج من التاريخ، أصبح استنكار بولس لفكرة فرض حفظ التوراة على المهتدين من الأمم أمرًا مفهومًا أكثر من ذي قبل. خطوةٌ كهذه ستؤدي إلى انقلابٍ على عصرٍ ولى زمانه. تمامًا كما أن الشخص البالغ لا يقدر أن يرجع ليكون طفلًا، فإن الشخص الذي يشرب من عمق روح الله لا يقدر مُجدَّدًا أن يتطلع خلفيًا إلى التوراة كسبيل للمستقبل. وبشكلٍ أكثر دهاءً، فإن الرجوع إلى ”أعمال التوراة“ سيكون بمثابة تنصُّلٍ من الحرية، التي تُشكِّل الحالة الجديدة والمجيدة لكل ”وريث“ أو ”ابن أو ابنة“، تلك الحالة التي حقَّقها المسيح للمؤمن من خلال موته ”تحت الناموس“ ((رسالة بولس إلى غلاطية 4: 4-5 )).

في ضوء هذه الاعتبارات، لم يكن مفهومًا بالنسبة لبولس أن يتفكَّر مهتدوه الغلاطيون جديًا بحمل نير التوراة، ذلك المؤدِّب العتيق. ربما واجه بولس تهمة أن إهمال التوراة على حساب المسيح يجعل من يسوع وكيلًا أو خادمًا للخطية ((رسالة بولس إلى غلاطية 2: 17 )). أكَّد بولس أن هذا سيصحُّ فقط إذا أعاد أحدهم التوراة لتكون مبدأ إرشاد حياته بعد مجيئه إلى الإيمان بالمسيح ((رسالة بولس إلى غلاطية 2: 18 )). فقط عودة التوراة أو الناموس ستجعل من الشخص خاطئًا.

ولكن في المسيح، على أية حال، يكون الإنسان ميتًا عن التوراة أو الناموس. بالنسبة لبولس، كل ما يهمُّ الآن هو تغذية حياة الروح فينا، أو كما يُعبِّر هو عن ذلك، المهم هو المسيح الحيّ في المؤمن ومن خلاله. هذه هي الخليقة الجديدة ((رسالة بولس إلى غلاطية 2: 20؛ 4: 19؛ 6: 15؛ قارن رسالة بولس الثانية إلى كورنثوس 5: 16-18 )). ((ديفيد دي سيلفا، مقدمة للعهد الجديد ج2، ترجمة: القس الدكتور بيار فرنسيس، لبنان: دار منهل الحياة، 2014، ص 70. ))

## الانقياد بالروح أم بالناموس؟



> وَلكِنْ إِذَا انْقَدْتُمْ بِالرُّوحِ فَلَسْتُمْ تَحْتَ النَّامُوسِ
> 
> *(رسالة بولس إلى غلاطية 5: 18)*


ويتساءل بولس هنا: ما هي قاعدة العيش المرسومة إلهيًا والوسيلة المعطاة إلهيًا للحصول على حياة بارة (أن ”نتبرَّر“ مقابل هامش برِّ الله)؟ أولئك الذين يحاولون أن يتبرَّروا بالناموس ((رسالة بولس إلى غلاطية 5: 4 ))، وأن ”يتناغموا مع معايير الله“ بحفظ الختان وما بقي من ”أعمال الناموس“، يكونون قد أخفقوا بفظاعةٍ في تقييم هبة الروح من الله. هذه الإهانة للمعطي تقف خلف لغة بولس الدراماتيكية عن انكسار علاقة النعمة بين المؤمن والمسيح. يبقى البرُّ هدف الله للمؤمن ((رسالة بولس إلى غلاطية 5: 5 ))، ولكن البرَّ -وهي كلمةٌ مرتبطةٌ عن كثب بالتبرير- لا يأتي من التوراة.

الله واحدٌ، ولكن التوراة لم تجمع البشرية معًا لتعكس وحدانية الله. ولم تُؤثِّر على قصد الله للبشرية كما هو مُعبَّرٌ عنها في المواعيد المعطاة لإبراهيم، عن أن بركة الله ينبغي أن تشمل جميع الأمم. يُحقِّق الله الآن التبرير –أي يجعل الناس أبرارًا– من خلال الروح. فالله يُرسِل الروح إلى اليهود والأمم على حدٍ سواء، ليجعل جميع الذين يؤمنون في توافقٍ مع شخصية الله وإرادته، مُغيِّرًا إياهم ليشابهوا صورة البار، يسوع نفسه ((رسالة بولس إلى غلاطية 2: 20؛ 4: 19 ))، جاعلًا شعب الله يتفكَّرون بوحدة الله الواحد ((رسالة بولس إلى غلاطية 3: 28 )) ((ديفيد دي سيلفا، مقدمة للعهد الجديد ج2، ترجمة: القس الدكتور بيار فرنسيس، لبنان: دار منهل الحياة، 2014، ص 72. )).

هناك اختلاف أساسيّ بين فيلو وبولس حول دور التوراة. بالنسبة لفيلو، دراسة التوراة وطاعتها كانت السبيل إلى الحرية؛ بالنسبة لبولس، جعل موت يسوع وهبة الروح من هذه الحرية أمرًا ممكنًا بمعزل عن التوراة. ((ديفيد دي سيلفا، مقدمة للعهد الجديد ج2، ترجمة: القس الدكتور بيار فرنسيس، لبنان: دار منهل الحياة، 2014، ص 77. ))
