Search
Close this search box.

إذا كنت لا تستطيع رفع الظلم، فأخبر عنه الجميع على الأقل.

(المفكر الإيراني “علي شريعتي”)

الخبل المقدس.. وأصول الطرمخة! 1في بداية الألفية تم تسريب خبر من جريدة النبأ عن مغامرات جنسية لراهب محرقي شهير، انقلبت الدنيا ثم هدأت بمساومات وتفاهمات لتهدئة الأجواء، ثم توالت الأخبار بعد ثورة يناير ٢٠١١م عن بعض مثل هذه التجاوزات على السوشيال ميديا، بل والأكثر من ذلك كان هناك بعض الأقاويل والإشاعات والتقارير الصحفية عن بعض رجال الكنيسة الكبار “المتبتلين نظريًا”، ولكني دائمًا لست من أنصار التشنيع مطلقًا ولا احب تتبع مثل هذه الأفعال إلا في حدود ما يخص الضرر بنا كمجتمع كنسي خاصة ومجتمع مصري ككل!

وأظن أنه ليس مطلوب منا التأكيد على أن هذه الانحرافات موجودة في كل الأديان والمعتقدات والمذاهب، وهي لا توصم المذهب نفسه إلا في حالة أن تكون بتشجيع منه، ولكن طالما أنها مجرد “انحراف بشري”، فتظل في هذا النطاق، لأنه لا يمكن إنهاء الانحرافات ولا الجريمة مطلقًا إلا في عقول المهاويس دينيًا وعقليًا، والذي دوما يكذبهم الواقع!

الفكرة الأساسية هنا: يجب أن يكون هناك “إدانة” لتلك الانحرافات وتجريمها، وليس “الطرمخة عليها” وإضفاء صبغة دينية لتبرير “الطرمخة” (مثل فضيلة الستر وعدم الإدانة… إلخ) وعلى هذا تمرير الجرائم بلا حساب ولا رادع، فأصبحنا في حالة يرثى لها حيث تحول “الستر” إلى “تستر”… وشتان!

الخبل المقدس.. وأصول الطرمخة! 3منذ عدة سنوات، تواردت الأخبار عن تجاوزات جنسية وشبهات أخلاقية حول أكثر من كاهن، خصوصا ممن يخدمون في الخارج، ولكن ما زاد الطين بلة، عند وفاة الكاهن المتهم بالتحرش منذ أسابيع، وكان قد تم إيقافه عن الكهنوت بقرارات رسمية من نيافة ، وبمرسوم بابوي خاص من ال، ولكن عند الوفاة تم وضع خبر وتقديم تعزية بصفته الكهنوتية على صفحة “ثم تم الحذف”!!!! ثم تمت الصلاة عليه باسمه ككاهن، بمباركة وترحاب شعبي، ومشاركة أساقفة حتى من المشهورين بالدفاع عن الانحرافات العقائدية! (بالطبع هذه الانحرافات ليست على قائمة اهتماماهم!) مما دعى ضحيته السيدة “” تثور مرة أخرى، وتخرج على السوشيال ميديا مطالبة بحقها، ومن ثم إعادة طرح القضية مرة أخرى. مضافًا لها قضية العصيان الكنسي الذي يمر وكأنما هناك اتفاق على خداعنا بقرارات حبر على ورق.

الخبل المقدس.. وأصول الطرمخة! 5ومن اللافت للنظر أنه حدث قبل هذه المرة حادث مشابه مع الراهب المدان بقتل الأنبا إبيفانيوس رئيس دير أبو مقار، حيث تم الحكم عليه حكم نهائي بات بالإعدام في قضية قتله لرئيس ديره! (وتم تنفيذه)! حدث آنذاك إنكار تام أن يكون هذا الراهب هو القاتل الحقيقي، وخرج أحد أساقفة الكنيسة ليقول “مفيش راهب يقتل”!! ثم تم التشكيك في الشرطة والنيابة والقضاء لصالح هذا الراهب! بل وتم أيضا الاحتفاء به وتحويله إلى شهيد! (بالرغم من الأدلة والتقاضي حتى النهاية، بل وتسريب مكالمات سمسرة وبيع أراضي لحسابه الخاص ويتخللها ألفاظ بذيئة، وتسريب صور لمحادثات بها ألفاظ جنسية تنم على علاقاته الجنسية ببعض هؤلاء السيدات!) تم تجاهل كل هذا لتصويره على أنه المظلوم الشهيد القديس البار الذي تآمرت عليه الدولة و الكنيسة معا!

هذان الحدثان يشكلان معًا دليلًا دامغًا على “لَوثَة العقل الجمعي القبطي المعاصر” حيث رفض العقل القبطي الجمعي الاعتراف بالجريمة، وقامت الأغلبية بالإنكار التام للوقائع المثبتة، بل ويتم تحويل المجرمين إلى ضحايا وشهداء ومعترفين! في حالة تحدي للعقل والواقع والمنطق والضحايا! وانتشار هذه الحالة المرضية، ووضوح ما يمكن أن نسميه حالة من “الخبل العام” (وهو عام في المجتمع المصري عمومًا)!

الخبل المقدس.. وأصول الطرمخة! 7وكنت قد قلت، وقال آخرون، أن هناك تيار قبطي متنامي داخل الكنيسة يمكن تسميته: “التيار الشنودي”، أو ما يمكن تسميته: “الديانة الشنودية” وهذه ليست مبالغة، ولكن الحق يقال قد تم صبغ وإعادة تشكيل العقلية القبطية في خلال الخمسين سنة الماضية، وكان لتأثير المتنيح الأنبا عظيم الأثر في هذا التشكيل بما لعبه من أدوار دينية واجتماعية وسياسية –إيجابًا وسلبًا- وتم هيكلة الكنيسة بشكلها الحالي، ووضع رجاله من الأساقفة “الفاسدين، وغير المؤهلين” -والتي تعاني منهم الكنيسة حتى الآن-

وفي ظني أن هذا الاحتفاء بأشخاص قد تمت إدانتهم على جرائم في هذه الأحداث -من وجهة نظري- تجسيد لكل سمات “الديانة القبطية/ الشنودية” الجديدة!

فهنا تكمن جذور الخبل!

من سمات الديانة الشنودية:

-الأصولية fundamentalism :
هذا نموذج صارخ واضح لل في أبشع صورها، حيث إن الأصوليات الدينية تسحق الإنسان باسم المقدس، وهذا ما يحدث الآن حيث يتم التعامل بلامبالاة مع الضحايا في مقابل أن نحافظ على الصورة حتى “تطلع حلوة”!!! ولابد أن نضع بالاعتبار وجود ضغط إسلاموي متطرف يحاول تشويه المسيحية عمومًا! ويلعب دورا كبيرًا في هوس الأقباط بالظهور بشكل مثالي!

-الفاشية fascism :
لا يجانبنا الصواب إن قلنا أن هناك تشابه في الفكر القبطي الشنودي -والذي رسخ له المتنيح الأنبا شنودة وأتابعه- والفكر الفاشي! لا يخفي على أحد وجود تشابه إلى حد التطابق بين الممارسات الكنسية والطبيعة السلطوية للأنظمة الفاشية، والذي كان قد بدأ بهذه الممارسات المتنيح، ومازال حتى الآن يسيرون على نهجه بداخل هذا التيار! حيث لا صوت يعلو على صوت المعركة، فهم يخافون الفضيحة ولا يخافون الرذيلة!

– سيكولوجية الجماعات المغلقة closed group psychology :
تحولت وكأنها منظمة منغلقة، إلى ما يعرف في “علم النفس الاجتماعي Social psychology” بالجماعات المغلقة closed groups حيث تحولت الكنيسة في أدائها كالجماعات السرية على مر التاريخ: كجماعة الحشاشين، وجماعة ! بالطبع تختلف درجة الانغلاق والانفتاح، ولكن الطبعة الشنودية للكنيسة القبطية بلا شك ينطبق عليها الكثير من سمات الجماعات المغلقة. ونتيجة للعنف والضغط الإسلاموي على الكنيسة على مر العصور، ومن قبله عصور الاضطهاد الروماني، نشأ ما يمكن أن نسميه persecution complex “عقدة الاضطهاد” وكما نوهنا سابقا يلعب التطرف والإرهاب دورا كبيرًا في خلق هاجس قبطي أخلاقي، لأن الخطاب الإسلامي المتطرف يرى ويردد ويستبيح إطلاق الشائعات حول الحياة الجنسية والأخلاقية للمسيحين بل وكل المخالفين لهم من اشتراكيين وعلمانيين وليبراليين وأقباط وشيعة وبهائيين!

– متلازمة “عبادة العباءات السوداء” :
حيث تقديس البشر وعبادة الكاهن ممثل الإله، ومفاهيم خاطئة و غير أرثوذكسية متجذرة عن “الرهبنة” و”الكهنوت” وما يسمونه “سلطان الربط والحل” وخزعبلات قبطية عن خوارق رجال الدين، إلى أخر تلك الترهات التي كنت قد أشرت إليها في كتابي الصادر يناير 2022 م بعنوان “” وناقشت بعضها، وحاولت توضيح الخلل في الفهم والممارسة والتطبيق!

-حيلة الإنكار Denial :
أخيرًا وليس أخرا يعرف دارسين علم النفس، “الحيل الدفاعية” Defense mechanism” “حيلة الأنكار” Denial وهي حيلة دفاعية شهيرة -ضمن حيل أخرى- وهي تعني ببساطة رفض الإقرار بأن حدثًا ما قد حصل فعلًا. تكون ردة فعل الشخص المصاب كما لو أن شيئا لم يحدث، ويتصرف بطرق قد يرى الآخرون أنها غريبة. ويحدث هذا الأمر دون إدراك أو وعي الشخص المصاب/ المتأثر بالطبع، وهي حيلة يلجأ إليها الإنسان في المصائب، وأظن أن تعامل العقل الجمعي القبطي مع هذه القضايا مثالًا حيا تطبيقيًا على هذه الحيلة!

قد يظن البعض أن كلامنا هذا به بعض التجني، ولكن صدقا هذه هي الحالة كما أرها،

وعلاج كل هذا يستلزم:

الوعي الأرثوذكسي:
لابد استعادة الوعي اللاهوتي، ودراسة التقليد tradition : (ليس بمعنى المحاكاة، بل التسليم)، و هو كل ما تسلمناه من تراث مسيحي، ومصادر هذا التقليد (الكتاب المقدس أولًا- ثم الليتوريجيات أو الصلوات الشعبية العامة – المجامع – الآباء – الفن الكنسي).

الانفتاح:
لابد أن ننفتح على الثقافات الأخرى لكسر حالة الانغلاق الفكري، ونمارس أعظم مفردة وهي “النقد Criticism”، “من المفيد أن نضع علامات استفهام بين الحين والأخر على الأمور المسلّم بها”حسب نصيحة المفكر والفيلسوف البريطاني Bertrand Russell برتراند راسل. ويجب أن نتقبل النقد، فلا وجود لتقدم ونمو لأي جماعة ترفض سماع النقد!

عدم الخوف:
اعلم جيدا كقبطي كم المضايقات التي يتعرض لها المسيحي خصوصا من التجمعات الإسلامية المتشددة، ومن قطاعات كبيرة من الشعب تم التأثير عليهم من قبل هذا الخطاب المتشدد، المحتقر للآخر عمومًا وللمسيحين وللأقباط خصوصا، ولكن هذا يَجِبُ ألاّ يجعلنا نستسلم لأجندات التشدد، فلا يمكن لشخص أن يتصرف تصرفًا صحيحًا تحت تأثير الخوف أو القلق كما يعلمنا علم النفس، فلا يجب أن نلتفت لمثل هذه الترهات الصادرة عن متطرفين، ولا ننساق وراءهم، حيث يَجِبُ ألاّ نسير معهم بنفس منطقهم المريض، بل علينا ألا نخشى مثل هذه الاتهامات الباطلة، ونتصرف بتعقل وحكمة، والوضوح والشفافية هما طوق النجاة في حل المشكلات، ومواجهة المشكلة وليس إنكارها تحت ضغط الواقع، فليس هذا هو الحل المناسب لأي مشكلة، بل سيجعلها تتفاقم أكثر فأكثر!

وهذا إجمال سيكون بعده تفصيل إن عشنا وكان لنا عمر، وكتابة!

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟